كانت مريم على وشك الموت، وتوقف قلبها من الصدمة التي لحقت بها للتو. منذ أن ذهبوا به ليلًا، وهي لا تعرف شيئًا، ولم يتصل شريف بها نهائيًا حتى يطمئن قلبها. لم تستطع التنفس، تشعر بأن صدرها يختنق ورئتيها توقفت عن استقبال الأكسجين، وقلبها لم يعد يضخ الدماء في جسدها. نظرت حنان إليها بقلق وهي تقف أمام باب القصر وتسير دون توقف ذهابًا وإيابًا حتى يظهر زوجها الذي يبدو أنه لن يعود الليلة أو حتى الغد. نظرت في ساعتها التي تجاوزت الثامنة صباحًا بالفعل، وعاشور يمنع خروجها كلما حاولت الذهاب إليه، كأنه إنسان آلي لا يعرف شيئًا عن الرحمة، ينفذ أوامر جمال كـ "جين" تمامًا الذي يشعر بقلبها وعقلها.
تنهدت ولاء بضيق أكثر وهي ترى مريم أمامها ثم قالت: -قولي لها تقعد يا حنان، خيلتني وأنا مش ناقصة. نظرت حنان إلى مريم بإشفاق ثم قالت: -تقعد! ربنا يصبرها ويقويها.. أنا خايفة يجرى لها حاجة وهي أصلًا تعبانة. رفعت ولاء نظرها بهذه المرأة وتأففت غيظًا من إشفاق الجميع على مريم، رغم أنها ليست بضعيفة كما يعتقدون. بالعكس، ولاء تراها قوية وعنيدة، تملك كل شيء تتمنى
أن تملكه أي فتاة في عمرها: تعليم وشهادة جامعية، وتملك أصدقاء وامرأة كـ حنان ونانسي، يحبها كل من بالقصر، تملك الشهرة والمال، وأيضًا زوج لو انقلبت سيدات العالم أجمع رأسًا على عقب واجتهدوا لم يملكن زوجًا كـ جمال. تحدثت ولاء بهدوء: -خايفة عليها؟
ما تفتحي عينيك كويس يا حنان وكفاية تبصي للماضي وفكري تبصي للحاضر. مريم اللي جت لكم مكسورة الجناح وضعيفة ماتت في اليوم اللي دخلت فيه القصر دا. بصي للحاضر وشوفي مريم دلوقت إيه وبطلي شغل الصعبانيات دا. تحدثت جميلة بقلق شديد قائلة: -مش وقته يا ماما، نطمن على جمال بس. -ربنا يستر وما يكونش الدليل اللي عندهم هو الجثة نفسها. قالتها ولاء بضيق شديد وعينيها ترمق باب القصر وتحاول الاتصال بـ شريف لكنه لا يجيب نهائيًا.
_كان جالسًا في صمت مع ضابط الشرطة ويحدث في اللابتوب الموجود أمامه على المكتب، وبه مقطع فيديو مسجل بجودة رديئة، ويظهر بوضوح ضرب جمال المبرح لـ ليلى حتى سقطت جثة هامدة أمامه. رفع جمال نظره إلى المقدم ببرود وقال: -حضرتك قبضت عليّ عشان دا؟ دا دليلك الكافي عشان تقبض على جمال المصري؟ استشاط المقدم غضبًا من غروره ونرجسيته، وحتى طريقة حديثه الباردة أثارت غضب المقدم ليقول ببرود هو الآخر: -فين الجثة؟
حضرتك متهم بدا خصوصًا أن معظم الناس اللي سألناها قالوا أنها اختفت من اليوم دا نهائيًا، ولما تحرينا عن الموضوع أثبت أن المدام ما خرجتش ولا دخلت مصر من يومها، وكمان ما استعملتش أي بطاقة فيزا ولا مالهاش أي أثر في الوجود... أنا عايز الجثة حتى لو كانت عضم في قفة. تأفف جمال ببرود شديد ثم قال:
-يا حضرة أنا شغال في الإلكترونيات والتكنولوجيا، وأصغر مهندس عندي لو عرضت عليه الفيديو دا بالصورة الرديئة دا هيثبت أن ما يقدرش يحدد أن دي جريمة قتل... ومع ذلك أنا مش هتكلم غير في حضور المحامي بتاعي. اقترب الضابط من مكتبه بغضب سافر لكنه يكبحه، ووضع يديه الاثنتين على المكتب ثم قال: -وأنا مش محتاج أصغر مهندس عندك، إحنا عندنا الخبراء بتوعنا... يا عسكري.
فتح الباب ودلف العسكري ليقول له بجدية صارمة وعيناه تخترقان جمال بغضب كأن بينهما نار انتقام قوية: -خذوه للحبس لحد ما يشرف المحامي بتاعه. وقف جمال من مكانه بهدوء قبل أن تلمسه يد هذا العسكري، وقبل أن يغادر دلف اللواء يقول: -مكانك يا عسكري... بعد إذنك يا حضرة المقدم خليه يستنى في مكتب سيادة الرائد بلاش الحجز. نظر المقدم للواء، رغم أن صيغة كلماته هي الطلب، لكن نظرات قائده جعلته يعلم بأنها صيغة أمر واجب تنفيذها.
خرج جمال مع العسكري وكان شريف يقف أمام المكتب في انتظاره ثم قال: -أنا بتصل بـ راغب ما بيردش وتليفونه مقفول. أومأ جمال له بهدوء شديد ثم قال: -شريف، أنا عايز مريم... ما ترجعش غير ومريم معاك. تعجب شريف من طلبه، غيره كان أمر بأن يحافظ على زوجته وألا يخرجها من القصر نهائيًا ويجلبها لهنا حتى لا تراه هكذا، لكنه الآن بعد صمت طويل كل أوامره تتلخص في إحضار زوجته. أومأ شريف له بنعم ثم قال: -حاضر، أشوف لك محامي غير راغب...
تحب أكلم مين؟ هز جمال رأسه بهدوء شديد ثم قال: -لا أنا عايز راغب بس، وأوعى تتصرف من دماغك يا شريف. هز شريف رأسه بهدوء ليذهب جمال للمكتب الآخر ووضعه المقدم به، وقبل أن يغادر وضع الأصفاد الحديدية في يديه وهو يقول ببرود: -معلش عشان ما تهربش، ما أنت مش في زنزانة. غادر المكتب لينظر جمال إلى الأصفاد بضيق وهو يعلم أن هذه الكارثة التي حلت عليه من صنع أخاه فقال بهدوء: -أنت اللي بدأت يا مختار وأنا اللي هنهي.
_ظل مختار جالسًا على الأريكة ويحمل في يده فنجان قهوة ويشاهد مقطع فيديو نشر على الإنترنت بفضل الصحفي الذي أرسله مختار ليصور لحظة القبض على جمال. جلست سارة جواره وهي تحمل في يدها شريحة من المربى تأكلها وقالت: -خلاص يا مختار أنت اتفرجت على الفيديو فوق العشرين مرة. أجابها وعيناه تنظر إلى الهاتف باستماتة بعد أن انتظر لحظة القبض على جمال وتعرضه لفضيحة كهذه أمام العالم بأسره:
-يستاهل، ما كانش لازم يتعدى حدوده معايا ولا ينسى أني الكبير. جمال كان فاكر نفسه الذكي الوحيد في العالم. تناولت لقمتها بعفوية ثم قالت: -الكبير فعلًا لكن ما تنساش أن أنت اللي خطفت مراته منه الأول. قالتها وهي تقف من محلها ليمنعها مختار عندما مسك شعرها بقوة وجذبها لتسقط على الأريكة بغضب شديد احتله ونظر إلى عينيها ثم قال: -أنا أعمل اللي عايزاه، لكن هو ما يتجرأش علي حاجة ملكي. ليلى من البداية كانت ملكي. تبسمت سارة بسمة
مزيفة من طريقته ثم قالت: -كانت أحلى مني مش كدة؟ نظر إلى بسمتها ويدها التي تسللت إلى صدره تداعبه بدفء شعر به من فوق قميصه ليقول: -لا مش أحلى منك لكن كانت في قلبي... لو على الجمال أنتِ ما فيش منك اثنين. تبسمت بخبث أكثر ثم نظرت إلى عينيه ويدها الأخرى تحيط بعنقه ليرخي يديه عن شعرها حينما قالت: -ولا مريم؟ نظر إلى عينيها الخبيثتين رغم نظراتهما الساحرتين، فإذا كانت سارة جيدة بشيء فهو بالتأكيد تمثيلها للحب بمهارة ليقول:
-مريم ليها جمال خاص لكن أنتِ عاملة زي الإدمان... لما الراجل يجربه مرة ما يقدرش يعيش من غيره. قهقهت ضاحكة بقوة على حديثه ووصف لها.
_وصلت مريم للقسم عصرًا مع شريف بعد أن أخبرها بطلب جمال لرؤيتها. فتح العسكري باب المكتب ودخلت. رأته جالسًا هناك ويداه محاط بها الأصفاد بملابسه من الأمس، ورغم صموده لكنها رأت بعينيه التعب، لم يغفُ له جفن من الأمس صباحًا. كان منهكًا وتعب لكنه يصمد من أجل أعدائه الذين أوقعوا به. تقدمت بخطوات ثابتة إليه وعيناها تتلألأ بدموعها فقال بهدوء: -أنا كويس.
وصلت مريم أمامها بحزن شديد على ما آلت إليه الأمور. رفعت يدها إلى وجنته تلمس لحيته ليغمض عينيه بقوة من لمستها التي اشتاق إليها، تطمئنه وتربت عليه بحنانها. قالت بهدوء: -أنا عارفة أنك مش كويس. لو كذبت على الكل مش هتقدر تكذب عليا. فتح عينيه بهدوء ليحدق في وجهها وعينيها التي على وشك البكاء من الحزن والخوف، قال بهدوء: -كويس يا مريم، الموضوع كله مجرد يومين ثلاثة، عديهم على إيدك. هزت رأسها بالنفي وهي لا تصدق حديثه وقالت:
-لأول مرة مش هصدقك يا جمال، إحنا لحد دلوقت مش عارفين نوصل لراغب وشريف قالي أن معاهم فيديو ليك يعني دليل واضح.. متكذبش عليا... توقفت عن الحديث بتعب وهي أيضًا تمامًا مثله لم يغفُ لها جفن من الأمس، تنفست ببطء قليلًا ليقول "جمال": -أهدئي يا مريم... أهدئي عشان صحتك. لم تجب عليه بل نظرت إلى عينيه فتابع: -زي ما قولتلك بس استحملي، الموضوع هيخلص بسرعة بمجرد ما راغب يجي فاستحملي ومحدش يعرف بالحمل نهائيًا. تأففت بغضب شديد
من تحذيره كالأمس ثم قالت: -أنت عارف حاجة ومخبيها عليا، ما هو مش طبيعي تقرر أني أخبي الحمل حتى عن أمك، فهمني في إيه ولا تحب أروح أفهم بنفسي؟ جذبها "جمال" بقوة إليه رغم انفعاله الحاد معها وقال: -إياكِ يا مريم تتهوري وتنفذي اللي شريف يقولك عليه بالحرف وحسك حد يعرف بحملك أنتِ، فاهمة؟
نظرت "مريم" إليه بعيون دامعة وهي تراه هنا في هذه الغرفة والأصفاد الحديدية في يديه تقيده، ما زالت لا تستوعب شيئًا ولا كيف تم القبض على زوجها هكذا بين ليلة وضحاها وزوجته التي يتهم بقتل زوجته الأولى التي اختفت من الوجود، هل قتلها حقًا كما قال الجميع؟ قالت بتلعثم شديد: -أنت قتلتها؟ أغمض عينيه بنفاد صبر وطاقته أوشكت على النفاد أمامها ثم قال:
-مريم، اللي أقوله تعمليه وأنتِ ساكتة، كلها أيام وأخرج من هنا ولحد ما ده يحصل متخرجيش من أوضتك. جذب قلمًا من فوق المكتب الخاص بالرائد وورقة ثم كتب بها شيئًا وقال: -ده رقم ولوج جين، احفظي يا مريم أكتر من اسمك. نظرت للورقة بقلق شديد فإذا كان الأمر سيستغرق أيامًا قليلة، لما يعطيها هذا السر الذي يعرفه وحده؟ هتفت بسخرية من كلمته وقالت: -مع إنه اسمي. أشار إليها بنعم ثم قال بهدوء:
-غيرت بعد حادثة العطل وتحديدًا يوم ما أخذتك هناك وقولتلك إنه ليكي. نظرت مطولًا للورقة وكانت تحتوي على اسمها وأرقام غريبة ليست بترتيب واضح... (Mariam 1224& 325) قاطع نظراتها الصامتة عندما قال: -24/12 عيد ميلادي أول مرة قولتلي بحبك، 25/3 أول مرة حسيت برعشة قلبي معاكِ وعرفت أني بحبك. لم تتحمل هذا الشيء ولما الجميع لا يتركوهما وحدهما يعيشون معًا في أمان دون كوارث؟ لما القدر قاسٍ على قلوبهما هكذا؟
رفع "جمال" رأسها للأعلى بسبابته كي تتقابل عيونهما معًا وقال: -أوعي يا مريم حد يعرف الباسورد ده، ده عمري كله وبدهولك لأن عمري فداكِ ومن غيرك أموت.. يمكن أي حد يخمن اسمك أو تاريخ ميلادي لكن مستحيل حد يعرف أمتى قلبي حبك وعشقك. هزت رأسها بنعم إليه مطيعة لأمره كأي زوجة وتعض شفتيها بألم حتى تكبح وجعها وخوفها، تحدث بلطف شديد رغم الكارثة التي على عاتقه: -خلي بالك من نفسك ومن اللي في بطنك ومتشليش همي أنا طالع يا مريم متخافيش.
ابتلعت لعابها بقلق عليه حتى وإن قتل فهو الآن زوجها وتحمل في رحمها طفلًا منه ويسكن قلبها، "جمال" يسكن كل عضو بجسدها وحتى رئتيها تتنفس عطره وعبيره الرجولي، أخذت يده في يدها لتلمس هذه الأصفاد التي تحيط بمعصميه وفور لمسها تساقطت الدموع من عينيها تهدم قوة جفنيها الذي حاول أسرهما بداخله وتشبثها بالقوة والصمود أمامه هُزم تمامًا، قالت بتلعثم بين شهقاتها القوية ودموعها:
-متخافش يا جمال أنا معاك ومش هسيبك أبدًا، بس أرجوك ارجعلي بسرعة لو حقيقي خايف عليا أنا واللي في بطني ارجعلنا متسبناش لوحدنا برا وسط الديابة والثعالب ده. أخذ رأسها بين كفيه رغم وجود الأصفاد بهما وأحاط بوجنتيها بين قبضتيه ليشعر برجفتها وبكائها، جفف دموعها بإبهاميه ثم نظر إليها وقال بحب ونبرة مطمئنة:
-راجع لك يا مريم، راجع لك يا عمري كله بس وحياتي عندك تخلي بالك من نفسك ومن صحتك لحد ما أطلع من هنا، بالله عليكي متقلقينيش عليكي هنا.
هزت رأسها بنعم فتبسم إليها واقترب لكي يقبل جبينها بحنان ليسقط المتبقي من قوتها وهي تشعر بالفراق في قبلته ولا تستوعب أنها ستغادر وتتركه وحده هنا بين المجرمين وستفارقه بسبب هؤلاء الذئاب البشرية الذين فعلوا كل شيء جاهدين حتى يفرقهم عن بعضهم حتى أنهم نبشوا في الماضي الذي مر عليه دهرًا كاملًا، لا تعلم كيف سيبقى هنا يصارع ماضيه وحده ولن تستطيع ضمه والربت عليه حتى يطمئن، ستتركه وحده لعقله وأفكاره السرطانية الخبيثة تأكل به، انهارت كل قوتها تمامًا من قربه ولو كان بيديها لكسرت كل القوانين وسرقته من هذا المكان اللعين الذي سيفرقهم عن بعضهم.
خرج "حازم" من مبنى البناية بعد أن ودع "تقى" واطمأن عليها ليُصدم برجلين من رجال والدته هجموا عليه وأخذوه في السيارة بالقوة. وصلوا إلى غرفة في الملهى الليلي في القبو وكانت "سارة" بانتظار ابنها غاضبة، أشارت للرجال بأن يذهبوا فنظر "حازم" إليها بضيق من كل هذا الأمر ثم قال: -عايزة مني إيه؟ وقفت من مكانها بهدوء شديد ثم سارت نحوه حتى وصلت إليه وعينيه تراقب صمتها بخوف حتى صدمته بصفعة قوية على وجهه وقالت باختناق:
-حتة بنت مفعوصة وعيل بيريل على أي واحدة زيك يعمل رأسه برأسي. نظر إليها بغضب سافر من صفعها له وقال بصراخ منفعلًا: -أيوة بيريل على أي واحدة من فصيلتك. رفعت يدها لتصفعه مرة أخرى لكنه أوقفها بحديثه الصارم قائلًا: -إيه كذبت ولا برمي بلاي عليكي؟ مش دي شغلتك... ما هي كمان بتشتغل نفس شغلانتك، أبعد عنها... هههه ولما أبعد عنها يا ترى هروح لمين دكتورة ومدرسة؟
بصي لنفسك في المرايا أو تبصي لنفسك ليه ما تبصي ليا أنا أمي إيه وأبويا إيه؟ واحد بيعمل كل حاجة عشان يخلص من أخوه وخانه مع مراته يا شيخة ده اللي كان نفسه إنه يلبسه عيل مش من صلبه. أنزلت "سارة" يدها بصدمة ألجمتها من هذا الحديث ثم مسكت ذراعه بقوة تجذبه إليه وعقلها أوشك على الانفجار للتو وقالت بنبرة مخيفة هامسة: -أنت عرفت منين؟ صمت "حازم" بغضب شديد لتصرخ "سارة" وتخرج عن هدوئها قائلة: -بقولك عرفت منين؟ أنت بتجسس علينا؟
-آه وقولت لعمي جمال أنكم هتأذوا مريم عشان كده ساعدني أرجع تقى وأبعدي عنها نهائيًا وإلا... ضربته مرة أخرى بصدمة قاتلة ثم وضعت يدها على فمه تمنعه من الحديث بخوف من أن يسمع أحد وقالت: -أخرس خالص.. أنت متعرفش حاجة فاهم.. متعرفش حاجة. دفعته بقوة وخرجت من الغرفة وأمرت رجالها بحبسه ولا يعرف أحد عن وجوده هنا غيرها وحتى "مختار" والده لا يجب أن يعرف.
خرجت "جميلة" لمكتب الأمن المجاور لبوابة القصر ولم تجد "حسام"، وقف "عاشور" من مكانه بدهشة من وجودها ثم قال: -أمريني يا فندم. -حسام فين؟ سألته بهدوء شديد ليجيب عليها بهدوء: -في إجازة، نفسيته تعبانة شوية من الطلاق وطلب إجازة. تأففت بضيق ثم قالت بهدوء: -مفتاح عربيتي معاه. نظر "عاشور" إليها بهدوء كأنه يعلم بهذا الشيء، رفعت يدها إلى رأسها ترفع شعرها للأعلى بانفعال وقد فاض بها الأمر ولم تعد تتحمل حبسها أكثر من هذا وقالت:
-ممكن بعد إذنك تديني مفتاح عربيتي؟ وإلا هفضل محبوسة هنا لحد ما جمال يطلع. تحدث "عاشور" برسمية وهدوء سافر يثير أعصابها وغضبها أكثر: -ربنا يفك سجنه ويرجع بألف سلامة لكن لحد ما ده يحصل أنا معنديش أمر بخروج أي واحدة من سيادتكم برا القصر.
كزت "جميلة" على أسنانها من الغيظ وهذا الرجل أقوى وأغلظ من "حسام" بمراحل، يليق بأن يكون الحارس الشخصي بشخص كـ "جمال"، باردًا ومستفزًا يفقد مقابله أعصابه ويجعله يشتعل غضبًا أكثر كلما تحدث، عادت للقصر بهدوء وكانت "مريم" جالسة في الحديقة ورأت غضبها فذهبت إليها وقالت: -جميلة. التفتت "جميلة" إليها بنفاذ صبر وتخرج من فمها زفير قوي مجيبة عليها: -أفندم. -ما لك؟
سألتها "مريم" بقلق شديد لتقول بصراخ تاركة العنان لغضبها والطاقة السلبية التي أخذتها من حديثها مع "عاشور": -هأطق والسبب جوزك اللي بيعاملنا على أننا أملاكه زي عربيته وجزمته وبيتحكم فيا كأني بدلة عنده أوووف. ربتت "مريم" على يدها بلطف ثم قالت: -طب أهدئي، جمال بيعمل كده عشان خايف علينا ومتسألنيش من إيه لأني معرفش لكن أنا كمان حسيت بك واتخنقت معاه لكنه قال خايف عليكي.
تنهدت "جميلة" بهدوء حتى تهدأ من روعتها وغضبها وتخمد نيرانها المشتعلة بعقلها، ذهبت للجلوس مع "مريم" وقالت: -أنا عارفة، بس خوفه زيادة، جمال من اللي عاشه والخيانة والغدر اللي حصلوا له من أقرب الناس فيه خليته يشك في أقرب الناس ومعتقد أن الكل هيغدر به في أي وقت لكن منتظر الوقت الصح، حاولت كتير معاه وأفهمه أن مش كل العالم أشرار ومش كل اللي برا القصر مستنية فرصة يهجموا عليه لكن عارفة قالي إيه...
نظرت "مريم" إليها بفضول لمعرفة رد زوجها فتبسمت "جميلة" بسخرية أكبر من وضعها وقالت متابعة: -قالي بالعكس ده حتى اللي جوا القصر ممكن يغدروا بيكي ويكونوا مستنيين الفرصة، جمال حتى مبيثقش في الناس اللي بيأكل من إيدهم وده السبب في أنه حاطط جين في كل زاوية في القصر، عشان يكون عين ليه ويراقب الكل... أنتِ عمرك شوفتي حد بيحط كاميرات مراقبة وميكروفونات في أوض نوم؟
تنهدت "مريم" بهدوء في صمت لا تملك جوابًا على هذا الحديث فقالت بهدوء ورسمت بسمة على شفتيها بلطف: -لكن جمال بيتغير يا جميلة، متنكريش ده.. جمال بدأ يتغير فعلًا.
قالت جميلة بعفوية وقد تخلت عن غضبها ورسمت بسمة متفائلة لأجل مريم، هذه المرأة التي غيرت رجلًا لا يثق حتى بالأكسجين الذي يدخل رئتيه، رجل كان يعيش في عالمه وحده معتزل العالم البشري بأسره حتى هدمت كل حواجزه وحصونه فتاة سقطت من السماء على عالمه الخالي لتكبر معه وأمامه وبداخل قلبه حتى احتلت هذا العالم وأصبحت سلطانة تحكمه بأسره وهو مطيع إليها هائمًا بحبها وعشقها حتى فتح أبواب الحياة لقلبه. تبسمت مريم لأجلها
بالمثل وقالت بتفاؤل وأمل: -عشان بيحب يا مريم، جمال اتغير عشانك وعشان حبك. -عشان كده بقولك أنه بيتغير، الحب غيريه ورجع له الثقة. جمال مؤخرًا بطل يسأل جين عن حالة الطقس ولا عن اختياره لهدومه الصبح حتى أنه مبقاش رجع لجين في كل تفاصيله والخدم بطل يطردهم على أتفه الأسباب. جمال كان محتاج الحب عشان يرجع ثقته في نفسه من جديد. استحملي قسوته مش هو جوزي ورجل العالم كله يخاف منه ويحترمه وهيبته سابقاه لكن ممكن أنا أشفع له عندك.
نظرت جميلة لها بهدوء لتتابع مريم بثقة متمنية أن تصلح العلاقة التي فسدت بين الأخ وأخته وتعيد الأمان بينهما: -لفترة قليلة، أوعدك أن قريب هتلاقي في جمال الأخ اللي بتتمنيه زي أي بنت في الدنيا، هو بس محتاج وقت... آه هو أخد وقت كبير على ما يقولي بحبك أو تتجوزيني خمس سنين بحالهم لكن عملها.
ضحك الاثنان معًا على هذا الرجل الصعب كأنه جبل جليدي يذيب بالتقطير، كيف يستغرق سنوات كثيرة حتى يتقدم لخطبة فتاة فكم سنة سيستغرق حتى يعتني بأخته ويعبر لها عن حبه إليها. جاءت نانسي تقطع حديثهما معًا بصينية الطعام من أجل مريم التي طلبت طعامًا من أجل طفلها حتى وإن كانت تخفي الأمر عن الجميع لكن يجب أن تعتني به. كاد شريف أن يجن جنونه من غياب راغب وقد مر ثلاثة أيام تقريبًا ولم يصل له وجمال صامتًا غير المعتاد منه.
هتفت أصالة بهدوء: -ممكن تهدأ عشان صحتك يا فندم.. أطلبلك دواء الضغط. -ضغط أنا هيجيلي السكر منكم يا أصالة، واحد مختفي ومش عارف أوصله والتاني في إجازة وسايب شغله في القصر والتالت جناب البيه اللي ساكت. قالتها أصالة بهدوء: -هيعمل إيه يعني مينفعش يتكلم من غير محامي.
جلس شريف على مكتبه بنفاد صبر ثم قالها بتأفف شديد وقلق يجتاحه من صمت هذا الرجل وتقبله لبقائه في السجن والجميع يتحدث عنه بالسوء في الأخبار والإنترنت لكنه يقبل بكل هذا. قاطع حديثهما وقلق شريف هاتفه الذي رن باسم راغب لينتفض من مكانه وهو يقول: -أنت فين يا راغب...
خرجت مريم من القصر في سيارتها مع رجلين لحراستها لأجل موعدها مع الطبيبة حتى تتابع حملها وتطمئن على طفلها. كانت السيارة التي تراقبها ما زالت تسير خلفها حتى قطعت الطريق على صادق وترجل منها الرجال مستغلين فرصة غياب حسام حارسها القوي وجمال زوجها المسجون. تشاجروا مع رجال الأمن بينما ذعرت مريم مما تراه وأخرجت هاتفها تتصل بشريف لكنه رفض الإجابة ولم يجيب فبحث بفزع أصابها عن رقم عاشور وقبل أن تتصل فتح رجل باب سيارتها وأخذها ليسقط الهاتف منها في أرضية السيارة وهي تصرخ بذعر من جذبه لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!