الفصل 32 | من 59 فصل

رواية روية جمال الاسود الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
20
كلمة
3,148
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

مهما كانت القوة التي يمتلكها الرجل والسلطة والمكانة، سيظل الشيء الوحيد الذي يخشاه في عمره كاملًا هو نظرة غضب من امرأته. نظرت "مريم" إليه باندهاش شديد من هذه الفتاة التي تسير نحوهما، ورغم قوته وجبروته الذي شهد الجميع به، إلا أنه ارتعب من نظرتها التي لفحته للتو برياح عاصفة، عينيها الهلاكية. هز رأسه بلا ويديه تشير إليها بالرفض ويقول بارتباك: -مش أنا، أقسم لك مش أنا.

أشار على "عاشور" الذي يقف على باب القصر خلفهما، ومرت الفتاة من جوارهما لتركض إلى "عاشور". تطلعت "مريم" به بانفعال وكأن هذا الشيء سينقذه من غضبها. سارت نحو الفتاة وقالت: -أنت بنته؟ أومأت الفتاة ببراءة إليها بنعم، فعقدت "مريم" يدها أمام صدرها بغضب وهي لا تثق بشيء الآن وقالت ببرود: -أثبتي!

نظرت الفتاة باندهاش إلى "عاشور" والدها بعدم فهم لهذه المرأة، ثم أخرجت هاتفها لتظهر لها صورة الخلفية الخاصة بها، لها هي ووالدها. تنحنح "جمال" بحرج شديد من فعل زوجته، بينما استدارت "مريم" إليه تحدق بـ"ليلي" ببرود وهي تحاول تهدئة أنفاسها لتسيطر على حالها قبل أن تنفجر كالمجنونة وقالت: -حصلني! صعدت للأعلى فتنحنح "جمال" بهدوء ثم همس بخفوت: -شوية يا مريم. التفت إليه وهي تقف بمنتصف الدرج بانفعال منه ثم قالت:

-تحب أنزل أتكلم قصادها؟ نظر إلى "ليلي" التي تقف هناك وصعد خلف زوجته، متمنيًا أن ينقذه أحد من غضب زوجته الذي لم يره من قبل بلغ هذه الدرجة. دلفت إلى جناح نومهما ووقفت صامتة حتى ولج هو الآخر وأغلق الباب ثم قال: -مريم... قاطعته بصراخ منفعلة كالمجنونة التي سحبت مفتاح القنبلة اليدوية لكي تنفجر للتو في وجهه قائلة: -مريم!

والله أنت عايز تموتني ولا تجلطني. لدرجة دي مبثقش فيا يا جمال، كل مدى تثبتلي أني لسه معرفكش. ليلي وعايشة والله، وأيه كمان لسه بتخانق معاك على اللي عملته وأنك خبيت عليا قبل ما يعدي ساعة تصدمني بحاجة جديدة. قاطعها "جمال" بنبرة هادئة محاولًا ألا يثير غضبها أكثر: -أنا مقولتش أنها ماتت ولا قولتلك أنك أول واحدة فحياتي لكن أقسمت لك أنك الوحيدة، أنا ملحقتش أقولك... كادت أن تفقد أعصابها أكثر وقالت بسخرية: -ملحقتش تقولي...

تنكر أنك كنت ساكت كل الأيام اللي فاتت دي عشان عارف أنها عايشة وهتخرج منها. أنا أكيد فرحانة أنك خرجت لكن أنا بتكلم فأنك خبيت يا جمال عليا... خبيت بقصد كان ممكن تقولي أنها عايشة وأنك مستنيها تيجي تخرجك لكن متحطنيش قصاد الأمر الواقع وألاقيها في وشي. أنا لو عندي سبب واحد يخليك تعمل كدة فهو أنك مبثقش فيا ومش قادر تستأمني على أسرارك. اقترب "جمال" منها أكثر ثم أخذ وجهها في يديه بهدوء وجعلها تنظر إليه مباشرة ثم قال:

-أنا لو بثق في حد في حياتي كلها فهو أنتِ، أنتِ واثقة من دا متحاوليش تكذبي كذبة وتصدقيها. لو مكنتش بثق فيكي مكنتش أستأمنتك على روحي يا مريم ولا سلمتلك قلبي. أقسم لك أن السبب الوحيد اللي خلاني مقولكيش هو أني بحبك. أبعدت يديه الاثنين عنها بقوة منفعلة من كلمته ثم قالت: -بتحبني!! أنت لو بتحبني مش هتحطني في موقف زي دا. آه أنا مكنتش أعرف أني الأولى وخدعتني عشان كدة كان لازم تقولي أنها عايشة وأنها مراتك... -طلقني يا مريم.

قالها بحزم كأنه قبل منها كل شيء وصراخها في وجهها لكن هذه الكلمة غير مقبولة لديه نهائيًا. أغمضت عينيها بنفاد صبر من عناده في الجدال معها وقالت بعد أن نظرت إليه بحزم ونبرة صارمة: -أيًا كان طليقتك!! كان لازم تقولي... جمال أنا حكيت لك كل حاجة في حياتي وأوجاعي ودموعي وقهرتي ووريتك اللي حمزة عمله فيا... أنا عريتني كلي قصادك، بقيت أنا وأنت واحد لكن في المقابل أنت عملت أيه...

ظل صامتًا أمام حديثها الذي جلب الدموع تتلألأ في عينيها من القهرة والحزن الذي أصابها والخذلان الذي لطمها "جمال" به. تابعت "مريم" ببكاء وحسرة على حالها مشفقة على قلبها الحزين منه: -سكت...

المقابل أنك سكت يا جمال، كل مرة أكتشف حاجة جديدة ولا مرة جيت تحكي ليا من نفسك على حاجة. كل مرة أتحط قصاد الأمر الواقع وأقبل وأتحمل وجعي وقهرتي وأقول معلش يا بت أعذريه بكرة يتغير ويجي لك جري ويفتح لك قلبه ويعري عيوبه وأوجاعه قصادك عشان تداويها بحبك لكن لا... لحد هنا وبس يا جمال كفاية أنا تعبت واتقهرت واتخذلت منك.

اقترب منها بحزن لا يعرف كيف يخبرها بصراعه الذي يعيش به بداخله. ما زال بها جزءًا منهكًا من الماضي تمامًا ومعتم. لا يعلم كيف يطلب العفو منها على شيء خارج عن إرادته ليقبل عينيها الباكية بضعف وحزن شديد. قال بلهجة واهنة: -يلعني ربي لو قهرتك يا مريم، عارف أني واجعك لكن وعزة مريم عندي اللي ما في أغلى منها وقسمًا بربي اللي عمري ما أقسم به كذب لو على موتي أن ما قصدت مرة أوجعك وما يهمني أبدًا في الدنيا غير سعادتك.

تساقطت دموعها أكثر بعد أن رأت دموعها ولأول مرة تتجمع في جفنه لأجلها، وهذه الدموع وحدها كفيلة بأن تشفع له وتعفو عنه. تمتمت بوجع لا تقوى على تحمله: -أنا هديكي فرصة واحدة يا جمال... واحدة وبس تمشيها من تحت وتحكيلي كل حاجة مخبيها عني. -همشيها بس شوية لأني عايز منها حاجة. قالها بهدوء محاولًا التحكم بدموعه قبل أن تتساقط. رفعت حاجبها بغيظ منه وجففت دموعها بأناملها بانفعال وقالت: -حاجة أيه؟

التزم الصمت أمامها لتتأفف باختناق أكبر كأنه لم يفهم شيئًا من حديثها وما زال يخفي عنها الأشياء فقالت بعناد وتحد: -براحتك يا جمال... لكن أطلع برا. نظر إليها باندهاش من كلمتها وطردها له فتابعت بغضب يجتاحها: -يحق لك تحتفظ بأسرارك لكن أنا كمان يحق لي أبعد عن راجل مبثقش فيا. أطلع برا يا جمال وأوضة النوم دي إياك تدخلها طول ما أنا فيا ونومك على الكنبة برا... ما دام أختارت سرك العظيم عني.

دفعته للخارج وأغلقت باب الغرفة في وجهه ليظل واقفًا محله سر لا يقوى على الحديث معها. _أوصلت "سارة" ابنها "حازم" على المطار تحت التهديد مع رجالها لتعطيه الأوراق ثم قالت بتحذير شديد: -لحد ما أطلب منك ترجع، رجلك متتحطش في البلد دي فاهم وأنا يومين كدة أخلص ورق الحلوة بتاعتك وهبعتهالك. -هتبعتيها؟!! قالها وهو يشير بسبابته في وجه والدته فقالت "سارة" بضيق شديد: -هبعتها عشان متتجننش في عقلك وتنط هنا تاني.

أومأ إليها بنعم ليغادر من أمامها. ظلت واقفة أمام باب الدخول حتى تأكدت من رحيله وصعدت بسيارتها مع رجلها ورحلت من المطار. _وصلت "جميلة" بسيارتها من الخارج مساءً وفتحت البوابة الإلكترونية الخارجية للقصر لها. ولجت بها لكن أوقفها "حسام" لتفتح النافذة بهدوء ثم قالت بتذمر: -خير، إن شاء الله ما تكون عايز مفاتيح عربيتي عشان تحبسني تاني. -مقدرش يا فندم إحنا في خدمتك.

قالها بهدوء فحدقت به بهدوء وفضول لمعرفة سبب إيقافه لها فحتمًا يوجد سبب. قالت بجدية وحزم: -أيوة في إيه؟ تنحنح بحرج ثم أخرج من جيبه شيئًا ومد يده إليها به. نظرت إلى يد "حسام" وكان بها هوية عملها فأخذته بذعر قائلة: -أنت لاقيته فين؟ -وقع من حضرتك في الجنينة تقريبًا. قالها بهدوء لتومئ إليه بنعم ثم ترجلت من سيارتها وأعطته المفتاح. نظر إلى مفتاح سيارتها باندهاش وهو لم يطلبه فقالت بجدية:

-خلي حد يغير العجلة اللي ورا عشان نامت ويحط بنزين عشان عندي شغل الصبح. أومأ إليها بنعم فسارت في الحديقة قدمًا هذه المسافة الطويلة إلى القصر. نظر "حسام" عليها وهي تسير بعيدًا بتعب من يومها الطويل مع أصدقائها حتى سقطت على الأرض ليركض لها بهلع مذعورًا معتقدًا بأنها فقدت وعيها من التعب والإرهاق وفور وصوله إليها رآها تنظر للسماء تتطلع بالنجوم والقمر. تنحنح بحرج من ركضه إليها وكاد أن يغادر لكن استوقفه صوت "جميلة" تتمتم:

-خليك. استدار إليها يحدق بها وهي نائمة على العشب مرتدية بنطلون أزرق من القماش فضفاض وقميص أسود اللون بأكمام مغلقة وتدخله في البنطلون وتضع حزام عريض من الجلد الأسود حول خصرها وشعرها مسدولًا بعشوائية على العشب حول رأسها. تحاشى النظر إليها بحرج واحترامًا إليها وهي حرمة هذا البيت. ظلت تحدق في السماء على النجوم وقالت: -طرت قد ما طرت ولكن بتفضل النجوم بعيدة من هنا ومن فوق، لكن من هنا أجمل كأن البعد جميل.

وقف يستمع إليها بصمت فتابعت بنبرة حزينة مستاءة من شيء بداخلها: -لو واحدة صحبتي من سني كدة 29 سنة وجالها عريس عنده 39 سنة دكتور ورئيس قسم في كلية الطب ومتجوزش قبل كدة وعنده، معاه شهادات كتير وله أبحاث ناجحة ومسيرة عملية وعلمية ممتازة لكنها متعرفهوش تتجوزه؟؟ طأطأ رأسه هذه المرة بهدوء ثم قال بجدية: -مذكرتيش غير نجاحاته وشغله وشهاداته... هي هتتجوز شهادات متعلقة على الحيطة ولا هتتجوز الأبحاث؟

تركت عينيها النجوم ونظرت إلى وجه "حسام" بحيرة من أمرها وظلت مترددة ليقول: -العريس دا جاي لحضرتك صح؟ صمتت ولم تجب عليه فتابع بجدية: -أنا جربت ومن تجربتي بقولك أنها مش بالشهادات ولا الشغل والنجاح، اه مطلوب أنه يكون ناجح وطموح لكن كمان في حاجة أهم زي حنيته، التفاهم بينكم وأخلاقه وقبوله الفكري بشغل حضرتك وسفرك... أغمضت عينيها بحيرة من هذا الأمر ثم قالت بنبرة خافتة دون أن تفتح عينيها: -ممكن تمشي. تنحنح

بحرج شديد ثم قال برسمية: -عن إذن حضرتك... صحيح مدام ليلى كانت طالبة مني.... توقف عن حديثه من عينيها التي فتحت على مصراعيها من الصدمة من ذكر اسم "ليلى" وقالت: -ليلى!! أومأ إليها بنعم وقال: -اه جوا جت من النيابة معانا على هنا. اتسعت عيني "جميلة" على مصراعيها وهي تعلم جيدًا ما حدث منها ولا تستوعب فكرة وجودها هنا مع "جمال" بمكان واحد و"مريم" ماذا عنها؟ وقفت "جميلة" من مكانها لتحدق بعينيه مباشرة وقالت: -نيابة إيه؟

هي عايشة؟ -اه ما أنا مكونتش في إجازة، أنا كنت مع راغب بنجيبها من إسبانيا. قالها بجدية ولهجة باردة كأنه يلقي حجر نرد على طاولة ولا يعلم بأنه يلقي قنبلة نوع فتيلتها بلسانه، صرخت "جميلة" بذعر غير مستوعبة لشيء وقالت: -لحظة... لحظة... خليني أفهم، ليلى كانت عايشة في إسبانيا وأنت روحت جبتها من هناك مع راغب المحامي عشان تطلع جمال من السجن.

أومأ إليها بنعم لتدرك أن صمت أخاها واختفاء "راغب" كان من تخطيطه هو، حتى ظهور "ليلى" حية وتتنفس من ترتيبه، تمتمت بصدمة تحتل كيانها وأوقفت عقلها عن التفكير: -صحيح دا جمال المصري... بتوقع منه أي حاجة. سارت للداخل بخوف شديد والفضول يقتلها لرؤية وجه هذه الخائنة ومعرفة موقف "مريم" زوجته؟ التي تقابلت اليوم مع زوجته الأولى وطليقته...

نزلت "مريم" من الأعلى غاضبة مرتدية بيجامة من الحرير الوردي بأكمام وشعرها مسدولًا على ظهرها بحرية وقبل أن تنادي على "نانسي" سمعت "ليلى" تتحدث معها قائلة: -نانسي... فين جمال؟ أجابتها "نانسي" ببرود شديد من وجودها الذي يسبب الحزن والألم لصديقتها "مريم": -في مكتبه ومبيحبش حد يزعجه وغير مسموح لحد يدخل أو يخبط عليه غير مدام مريم. -مالكيش دعوة أنتِ. قالتها "ليلى" ببرود واستدارت لكي تذهب إلى المكتب لكن استوقفها صوت "مريم"

تقول بضيق: -قالتلك غير مسموح إيه مبتفهميش يعني إيه مش مسموح لك. لفت "ليلى" إليها لكي تقابلها هذه الزوجة التي سمعت الكثير عنها من الخدم ورأتها على التلفاز والأخبار كثيرًا معه مؤخرًا، تفحصت "مريم" بعينيها وقالت ببرود: -خليكي في حالك، وجمال هو اللي سمح ليا أقعد هنا وافتكري إني السبب اللي طلعوه من السجن، عن إذنك بقى عشان عايزاه.

التفت لكي تغادر لكن أوقفتها "مريم" بعد أن مسكت ذراعها بقوة وقلبها يشتعل من الغيرة الممزوجة بالغضب الناري لتحولها هذه المشاعر المختلطة لفيضان بل طوفان سيقتلها... -إياك تفكري تقربي من جوزي وافتكري إني قبلتك هنا في القصر كام يوم ودا كرم مني عشان أنتِ ضيفة بس ضيفة تقيلة وبجحة. قالتها "مريم" بتحدٍ قوي وعينيها لا تتوقف عن الحدق بعيني "ليلى" بثقة وكبرياء، تبسمت "ليلى" بسخرية على كلماتها ونظراتها القوية ثم قالت:

-بجحة، أعتقد أنك أسوأ مني لما تقبلي تتجوزي واحد قاتل مراته بس مش غريبة عارفة الغريب إيه إني حاسة نفسي واقفة قصاد جمال مش مريم. رفعت "مريم" حاجبها بغرور شديد ثم وضعت ذراعيها أمام صدرها متشابكين وقالت بغرور ولهجة متغطرسة: -لأنه راجلي وأنا قوية بيه فـ متستهونيش بقوتي، أنا اللي يقرب من جوزي أكله بسناني وافرمه تحت جزمتي...

لتفكري إني هحزن وأندب حظي في أوضتي وأقول دا بيخوني وجايب مراته.. تؤ أنسي أنا حبيت جمال واتجوزته ودخلت حياته وأنا عارفة أن كان في قبلي واحدة خانته بقذرتها مش مصدومة بيكي يعني ... وجمال حبيبي ميقتلش وأنا كنت واثقة أنه رماكي في أي داهية بنجاستك لأنه مش قاتل.. شعرت "ليلى" بضيق شديد من هذه المرأة القوية التي تقف أمامها وتتحدث عنها بهذه الطريقة المهينة وبكل جراءة، قضمت شفتها السفلية بضيق بأسنانها ثم قالت باشمئزاز: -جوزي...

حبيبي... خلاص عرفت أنكم غرقانين في قصة حب مش محتاجة تكرريها ألف مرة في وشي، لكن حاولي تتكلمي معايا باحترام شوية ومتستفزنيش أكتر لأنك قولتي إني بجحة وقذرة وخاينة ونسيتي حاجة متعرفهاش إني حية ممكن أتلف حواليكي لحد ما أعصرك وأفرمك. اقتربت "مريم" منها خطوة أخيرة تفصلهن عن بعض وعينيها تمقن "ليلى" باشمئزاز ثم قالت بتحدٍ دون خوف من تهديد هذه المرأة وبسمة ساخرة تنير وجهها: -جربي تهدديني ووقتها هتعرفي مين مريم...

أنا شوفت من أمثالك كثير في حياتي من كل صنف ولون وعشت حاجات متتخيلهاش، بلاش أرد كل دا فيكي أنتِ لأني مش هسمح لجنس مخلوق خلقه ربنا أنه يهدم بيتي وسعادتي ولا هسمح لحية زيك تقرب من جوزي. كادت أن تتحدث لتبتسم "ليلى" بهدوء بعد أن رأت "جمال" يقترب منهما وخرج من غرفة المكتب فالتزمت الصمت، تنحنح "جمال" بخوف من وقوفهما معًا وقال بهدوء اسمها: -مريم. التفتت "مريم" إليه ببسمة خافتة مصطنعة تخفي غضبها منه ثم قالت بدلال: -حبيبي!!

تبسم "جمال" إليها بتعجب فهي هجرته ومنعته من الاقتراب منها، سأل بقلق: -في حاجة؟ نزلتي من أوضتك... لحظة إيه اللي لابسة دا؟ توقف عن القلق بغيرة تقتل قلبه وهو يراها بهذه الملابس رغم أن بيجامتها لم تظهر من جسدها شيء لكنها مخصصة لغرفة نومها فقط وتابع بحدة بعد أن وضع سترته القطنية على جسدها وأكتافها: -قولتلك متخرجيش من أوضتك بالهدوم دي... عاشور وشريف بيدخلوا القصر. تبسمت "مريم" بدلال مصطنعة وتزيف سعادتها

أمام هذه الحية ثم قالت: -سوري يا روحي كنت نازلة أشوفك اتأخرت ليه؟ -كنت بخلص شغل وطالع. قالها "جمال" بلطف ثم أخذها من يدها وصعدوا للأعلى فتبسمت "جميلة" بسخرية وهي تقف على باب القصر بعد أن شاهدت كل ما دار بين هاتين الاثنتين وبدأت تصفق بحماس وانبهار بقوة "مريم" وقالت بامتنان شديد بينما تسير للداخل: -يييس هي دي مريومة حبيبة قلب أخويا مش تقوليلي حية.

قالتها باشمئزاز ثم صعدت للأعلى لتستشيط "ليلى" غيظًا من هذا المنزل الذي كان ملكها من قبل والآن هناك امرأة تشبهه كثيرًا تتحكم بكل شيء وغيرة "جمال" عليها الآن أشعلت نيران الغضب والحقد في قلب "ليلى"... وصل "جمال" معها إلى غرفتهما وفور دخولهما سحبت يدها من يديه وألقت بسترته على الأريكة بغضب سافر فقال باندهاش: -في إيه مش كنتِ كويسة من دقائق؟ التفتت إليه بغيظ شديد من هذه المرأة وما زال غضبها منه قائمًا فقالت:

-دا بُعد، دا قدامها بس ولا عايزها تقول أنك مش سعيدة معايا ومش قادر تعيش مع واحدة غيرها... لكن هنا مكانك على الكنبة وإياك تقرب مني ولا لسانك يخاطب لساني خلي أسرارك الكثيرة تنفعك. دلفت إلى غرفة النوم وأغلقت الباب بقوة فتأفف "جمال" بضيق ثم جلس على الأريكة ومدد جسده..

صعدت "مريم" بفراشها حزينة من هذا الخصام الذي حدث بينهما ولأول مرة يهجرها في فراشها وحدها، أين عناقه التي ترتمي به حتى تنام بأمان ومأواها بين ضلوعه، كيف يستجيب لحديثها ويظل بعيدًا عنها، يؤلمها موافقته على هذا الخصام عوضًا عن محاولته في احتوائها وتصحيح الأمر، أغمضت عينيها بحزن يخيم على قلبها ويربط على روحها... اقترب "جمال" منها أكثر حتى حاصرها في الحائط وقرب رأسه من رأسها في هدوء ثم وقف ساكنًا يشم رائحة شعرها

التي يعشقها وهمس في أذنها: -موحشتكيش؟! تنفست ببطء من توترها وربكتها أمامه، قلبها يخفق كالمجنون بين ذراعيه وقرب قلبه الذي يرد بضرباته كأنها سيمفونية ناعمة واحدة يعزفها القلبين معًا، يغيم فوق سمائهما سحب العشق، لفظت اسمه بتلعثمة مرتبكة من هذا القرب: -جمال.

دار رأسه إليها حتى تتقابل عيونهما تكمل لحظة العشق هذه بنظراتهما الساحرة بدفئها الذي يحتلهما بحرارة العشق، ازدردت "مريم" لعابها بربكة من النظر إليه وأنفاسه تضمها وتأخذها إلى عالم غير هذا، عالم لهما وحدهما معًا لا يسكنه سوى رجل أربعيني عاشق وفتاة مجنونة ضعيفة رغم قوتها وسجينة له رغم حريتها، "مريم" أول فتاة حرة لم يجرؤ أحد على مس حريتها وفي نفس الآن هي سجينة بل أسيرة معتقلة داخل قلبه وعالمه، يقيدها العشق رغم حريتها المطلقة التي جعلت لا سلطان عليها...

همست "مريم" إليه وقد ذلت قوتها التي انهارت تمامًا أمامه قائلة: -يا الله.. بالله عليك إزاي أخاصمك وأزعل منك...

بترت حديثها بنفسها عندما مسكت رأسه بكلتا يديها وسرقت منه قبلة ناعمة تسقط معها كل المشاحنات التي بينهما وتهزم بنعومتها قوتها وغضبها التي توارى من عقلها وقلبها وتغلق بها كل أبواب الهجر التي أوشكت على أن تُفتح بينهما، ضمها "جمال" إليها من خصرها الذي أحاطه بيديه يجذبها إليه مستسلمًا لهذه اللمسة الدافئة التي روضته تمامًا إليها فقد جعلت الملك أسيرًا لديها مقيدًا بأصفاد العشق.

فتحت عينيها بحزن من هذا الحلم الذي راودها يفتت قلبها حزنًا لتشعر بثقل على خصرها ودفء خلف ظهرها لتدرك بأنه جاء إليها ولم يقوَ على هجرها وفراقها، التفتت "مريم" إليه بحزن تتطلع بوجهه الملائكي أثناء نومه يتكئ برأسه على جبينها وذراعه الأيمن يحيط برأسها من الأعلى والأيسر يحيط خصرها وبطنها كأنه يضمها هي وطفلهما، ظلت تحدق به مطولًا حزينة على قلبها ورفعت يدها تلمس لحيته بحب وقالت متمتمة بعتاب: -إمتي هترتاح يا جمال وتطمن ليا..

معقول لسه جواك حتة ما حبتش مريم؟ دفنت رأسها تمامًا بين ضلوعه وعادت لنومها بين ذراعيه الآن، لكنها ستعاقبه صباحًا بقسوة على تسلله لفراشها دون إذن منها. خرجت ليلى صباحًا من الغرفة الموجودة بالطابق السفلي، فلم يسمح جمال لها بالصعود إلى الطابق الأعلى، حاولت ليلى الصعود إلى الأعلى لكنها سمعت صوت جين الآلي يقول: -هناك متطفل. توقفت محلها لتسرع حنان إلى الخارج ورأتها تقف على الدرج فقالت بذعر: -لو سمحتي مش مسموح لك تطلعي فوق.

نظرت ليلى حولها وقالت باندهاش مما سمعت: -متطفل؟ ده أنا. أومأت إليها بنعم لتسأل بفضول مندهشة: -مين اللي اتكلم؟ -جين. قالتها حنان بحدة صارمة لتصدم ليلى من جين، هذا البرنامج الصغير الذي سعى جمال له من قبل في بداية زواجهما والآن أصبح متحكمًا بالقصر كاملًا. فتح جمال عينيه بتعب ويمط جسده بتكاسل شديد حتى لمس ذراعه كتفها بدون قصد فدفعته بقوة، نظر جمال بجانبه وكانت مريم تجلس محلها بوجه عابس ثم قالت: -بتعمل إيه هنا؟

أنا حذرتك ما تدخلش هنا. اعتدل في جلسته بتعب ثم نظر إليها وكانت غاضبة حقًا، لأول مرة تغضب مريم منه هكذا فقال بتذمر: -أنت حرمتيني منك ومنعتيني عنك لكن ما تقدريش تمنعيني عن ابني. نظرت إلى بطنها التي تحمل بداخلها طفلهما وقالت: -لما أولده أبقى خده جنبك على الكنبة. تبسم بسخرية على حديثها وقال: -أنت هتفضلي منيماني على الكنبة لحد ما تولدي بعد 8 شهور؟ وبعدين أنا ما أقدرش أتحرم من ابني 8 شهور.

اقتربت إليه برأسها وتتكئ بذراعيها على الفراش بقوة وقالت بتحدي وكبرياء: -خلاص روح احمل فيه أنت وبما إنك مش هتعرف تعمل ده فبطل تتحجج بيه وتقول ابني وأحرمك منه، بطل شغل التلزيق والتمحيك ده. نظر إلى تحديها إليه وقوتها ثم قال: -لو أعرف مين اللي علمك الجرأة دي يا مريم وقواكي عليا! تبسمت بخبث وهي تشير بعينيها عليه فهي تعلمت هذا الشيء منه ليقول: -ما اتعلمتيش مني غير دي. -بتتحديني يا مريم!

قالها بإعجاب، رغم غضبه من حديثها وقسوتها على فراقه لكنه معجبة بشخصيتها وهذا الجانب الجديد الذي اكتشفه بداخلها، لم تكن مريم جميلة كما هي الآن بقوتها وعنادها، ظلت تحدق به بتهديد منتظرة أن ينفذ طلبها، أومأ إليها بنعم ثم غادر الفراش وتنهدت مريم بهدوء لكنها صدمت عندما عاد مجددًا وسرق منها قبلة خاطفة على سهو وقال بتحدي: -وأنا قبلت التحدي.

هرب من أمامها لتستشيط غضبًا منه وبعد أن دخل المرحاض تبسمت بسعادة تغمرها رغم حزنها، هذا الرجل سيقتلها لا محالة وقلبها الأحمق غارقًا بعشقه لا يقوى على خصامه أو هجره لكنها تتشبث بعقلها القوي حتى تلقنه درسًا على فعلته لذا يجب أن تخمد نيران العشق بداخلها وتترك عقلها يسيطر على الوضع أولًا فلن يكن في صالحها مشاعرها وخفقان قلبها المجنون به.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...