الفصل 1 | من 8 فصل

رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل الأول 1 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار

المشاهدات
30
كلمة
5,385
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

كانت الشمس تغيب خلف أسوار غرناطة..

وقف عامر على ربوةٍ عالية تطل على ميدان المعركة، وثيابه ممزقة، وسيفه يقطر بدماء أعدائه، وعيناه تشتعلان بنار لا تخمد.
خلفه كانت الرايات الإسلامية ترفرف وقد عاد لها المجد بعد شهورٍ ومعاركٍ طاحنة استعاد فيها أكثر أراضي الأندلس ولم يبق للصليبيين الأسبان إلا بقعة واحدة يجتمعون ويتحصنون فيها وهي" قطلونية "، وأمامه كان جنود فرديناند يتساقطون واحدًا تلو الآخر، يفرّون ويركضون أمام عامر وجنوده كالفئران.

لم يكتفِ عامر بالنصر، بل أرسل إلى معسكر العدو صندوقًا كبيرًا، وحين فُتح، كانت رأس فرديناند داخله،
ومكتوب على الغطاء بخطٍ صارمٍ:

> «سآمر رجالي بصنع ما يكفي من الصناديق لكم جميعًا.»

اهتزّ معسكر الصليبيين غضبًا وجنونًا، واندفعوا في هجومٍ عشوائيٍّ يائسٍ، لا يطلبون فيه إلا الثأر.
لكنّ عامر كان لهم بالمرصاد؛
فقد توقع هجومهم العشوائي نتيجة استفزازهم وقلتهم،
فجعل الأرض تشتعل تحت أقدامهم، والسهام تمطرهم من فوق الجبال، حتى فني أغلب جيشهم وتحوّل صراخهم إلى نواحٍ ونحيب.

تقدّم عامر على جواده، وصوته يعلو في الميدان:

> «من أراد النجاة فليلقِ سلاحه.
أعلنوا استسلامكم غير المشروط، وسلّموا إليَّ قادتكم وما تبقّى من عتادكم، وغادروا أرض الأندلس إلى مملكة الفرنجة وإلى الأبد.
فمن اليوم لن يبقى لكم في أرض الإسلام موطئ قدم.»

تبادل القادة نظراتٍ يائسة، ثم أومأوا برؤوسهم صاغرين، وألقوا سيوفهم أرضًا وسلموا أنفسهم إلى جنود عامر.

وهنا علت صيحات التكبير بين الجنود،
وارتسمت على وجه عامر ابتسامة حزينة، وهمس بصوتٍ متقطع وهو يرفع بصره نحو السماء:

> «الآن...
أعدنا أرضنا وأعزنا الله بعد ضعفٍ ومذلة، وغيرنا التاريخ كما أردتِ يا سارة، لقد انتصرنا، ولكن أي نصر لست فيه هو نصرٌ حزين، نصرٌ بطعم الهزيمة، اللهم أجر قلبي في مصيبته.»

---

في اليوم التالي، جلس عامر مع خولة في قاعة القصر وقد خفت ضجيج الحرب وسكنت النفوس.
نظر إليها وقال بهدوء:
- «يا خولة، أفكّر أن أتنازل عن الملك لعبد الرحمن. لقد أدّيت دوري، وأشعر أن وقتي هنا انتهى.»

ابتسمت خولة ابتسامة دافئة، واقتربت منه وهي تضع يدها على يده:
- «أنا معك في أيّ قرار تتخذه.
أحبّك وأنت سراج الدين، وأحبّك وأنت عامر.
أحبّك وأنت ابن القاهرة، وأحبّك وأنت ملك الأندلس.
في كل الأحوال... سأحبك وسأكون معك أينما كنت، وسأدعمك في أيّ طريقٍ تختاره.»

سكت عامر قليلًا، ثم نهض وخرج إلى ساحة القصر الكبرى، حيث احتشد الناس والفرسان والأعيان.
وقف فيهم وقال بصوتٍ جهوريٍّ هزّ القلوب:

> «أيّها الناس،
أنا لم أكن يومًا ملكًا، ولم أحلم أن أكون ملكًا،
لكنّ القدَر ساقني إلى هذا الموضع، فقبلتُه حين كانت الحاجة إليه.
واليوم، بعد أن استعدنا مجد أجدادنا وعادت الأندلس إلى حظيرة الإسلام حرّةً كاملة،
أعلن أمامكم تنازلي عن الملك للملك عبد الرحمن بن عبد الله، فهو أحقّ به مني.
أمّا أنا... فسأعود مجاهدًا في صفوف أهل الأندلس متى ما نادى المنادي إلى الجهاد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.»

ارتفعت الأصوات بالبكاء ومناشدة سراج الدين بعدم ترك الملك، بينما تقدّم عبد الرحمن وقال لعامر يا سيدي، أنا لم أُرد أن....

فنظر إليه عامر بابتسامة لطيفة، وقال:
ــ وأنا حين صرت ملكًا لم أكن أريد أيضًا، ولكنِّي اضطرت، وها أنت ذا أصبحت مضطرًا مثلي وعليك أن تقبل ما كلفتك به حتى لا يتفرق الشمل، أنت رجلٌ أمينٌ وصادقٌ ومخلصٌ يا عبد الرحمن، ولا أعرف من هو أحق بالملك منك، وفقك الله...

عبد الرحمن:
ــ أين ستذهب يا سيدي؟

عامر: لقد اشتريت دارًا بعيدة في أطرف المدينة حتى أنسى أمر هذا القصر وكل ما حدث فيه.
السلام عليكم يا صاحبي.

---

وفي المساء ترك عامر القصر مع خولة، وانتقلا إلى بيتٍ بسيطٍ في ضواحي الأندلس، تحيط به أشجار الزيتون والهواء العليل.
كانت الحياة هناك هادئة، لكنها لم تخمد اضطراب روحه.
وفي ليلةٍ من ليالي الشتاء، استيقظ عامر مذعورًا، والعرق يتصبّب من جبينه، فنهضت خولة بجانبه وقالت بخوف:
- «ما بك يا عامر؟»
فأجاب بصوتٍ خافتٍ كأنه يسمع شيئًا من بعيد:
- «سارة... لم تمت.»

ضمّته خولة إلى صدرها وهمست وهي تربّت على كتفيه:
- «اهدأ... أنا معك، لن يقترب منك شيء.»

صمتت لحظة ثم نظرت في عينيه وقالت بحنان:
- «ما رأيك أن نعود إلى القاهرة؟،
نترك الأندلس وهذا العالم كله، ونعيش بين أهلك، نبدأ من جديد... بعيدًا عن الدماء والذكريات؟».

نظر إليها طويلاً، ثم أومأ برأسه موافقًا.
ابتسمت خولة وقالت:
- «إذًا فلنرحل الليلة.»

عامر:
- «الليلة؟ والليل حالك؟»

خولة:
- «نعم الليلة، فكل لحظةٍ تمكثها هنا ستبقى تطاردك الأحلام ذاتها، والذكريات ذاتها. فلنغادر قبل أن يحبسنا الماضي من جديد.»

---

ذهب عامر إلى حازم وجاء به،
وغادروا مع الفجر وخرجوا من البوابة،
وحين وصلا، فتحت أمّ عامر باب الدار،
فهرعت إليه، واحتضنته باكية:
- «عامر حبيبي»
لكنّ وجه أبيه كان متجهّمًا، ولم يتفوه بكلمة.

التفت عامر إلى أمّه وقال بقلق:
- «هو فيه اي؟ ليه بابا مش بيكلمني؟»

قالت بصوتٍ مضطرب:
- «أبوك عرف الحقيقة .»

- «أيّ حقيقة؟»

تقدّمت تسنيم بخطواتٍ بطيئة، وقالت وعيناها تدمعان:
- «آسفة أنا قلتلهم.
الكدب مش بيدوم، هم اكتشفوا إن الصوت اللي كنت بكلّمهم بيه مش صوتك الحقيقي.
وبعدها ضغطوا عليا وكل حاجة انكشفت... وطبعًا هما مش مصدقين الهبل اللي بقوله بالنسبالهم، قولهم الحقيقة يا عامر وخلص نفسك، دا أنسب وقت ليها.»

ظلّ عامر صامتًا، ثم دخل إلى والده في الغرفة الداخلية، وأغلق الباب خلفه.
جلس أمامه وقال:
- «هقولك الحقيقة كلها يا بابا... من البداية للنهاية.»

---

جلس عامر أمام والده، يحكي له كل ما جرى، منذ تلك اللحظة التي وصله فيها الجواب الغامض مع ساعي البريد، حتى اليوم الذي عاد فيه من عالمٍ لم يصدّق أحد أنه موجود.
كلمات عامر كانت تخرج متقطّعة، مثقلة بالذكريات والمشاعر، ووجه والده يزداد تصلّبًا كلما تحدّث.
وحين أنهى عامر حديثه، ساد صمت طويل، لم يقطعه سوى صوت والده، بنبرة حازمة:

- "عامر... انت عمرك ما كنت بتكدب علينا، ولا احنا ربيناك على الكدب. مالك يا ابني؟ جرالك إيه؟ قولي دلوقتي بصدق، كنت فين وبتعمل إيه؟"

رفع عامر رأسه، وعيناه مملوءتان بالصدق والتعب:
- "والله يا بابا، هي دي الحقيقة. وأكيد مش هتصدقوني غير لما تشوفوا بعنيكم."

وبالفعل، اصطحبهم جميعًا: أمه، أباه، تسنيم، وخالته. أما حازم فتركه في البيت مع طلحة.

وقفوا جميعًا أمام البوابة السحرية التي تخفي السر الأعظم، تنفّس عامر بعمق، ثم فتحها بيده، ودخلوا جميعًا، وخرجوا من جبال غرناطة.

-لكن قبل أن يعبروا، ألبسهم عامر ملابس من ملابس غرناطة كان قد احتفظ بها، حتى لا يثيروا انتباه أحد.-

وحين خطوا أولى خطواتهم في المدينة، تجمّد الجميع في أماكنهم.
كان المشهد مهيبًا... المآذن، والقصور، والبيوت القديمة، وأصوات السوق، كل شيء نابض بالحياة كما لو خرج من صفحات التاريخ.

أمه وضعت يدها على صدرها وقالت بارتباك:
- "يا ساتر يا رب... دا سحر ولا إيه؟!"

أما والده فتمتم:
- "دا جن! دا مش طبيعي!"

ابتسم عامر وقال بهدوء:
- "أنا عشت هنا سنين، وكنت ملك عليهم كمان."

خالته، كعادتها، لم تهتم بالرهبة قدر اهتمامها بشيء آخر:
- "خرمتلي الشقة يا عامر! هدفع أمك تمنها!"

أمه التفتت وقالت بسخرية:
- "وأنا مالي ياختي؟ دفّعي أبوه!"

الأب رفع حاجبه وقال:
- "هو إيه دا؟ وأنا مالي؟!"

عامر تنهد وقال وهو ينظر إليهم جميعًا:
- "يا نهار أبيض... إيه العيلة دي؟!"

تسنيم انفجرت ضاحكة وقالت:
- "الحق اهرب يا عامر، خالتك مش هتحلّك النهارده!"

ابتسم عامر لأول مرة منذ زمن، لكن أباه قاطعهم بنبرة قلقة:
- "احنا لازم نمشي من هنا فورًا، مش عايزين مشاكل."

وبالفعل، عادوا جميعًا من حيث أتوا.
وحين وصلوا إلى البيت، قال أبوه بجدية:
- "لسه فيه كلام كتير هنتكلم فيه لما ترتاح."

أمّا أمه فقد اقتربت منه وربتت على كتفه قائلة:
- "تعالوا يا حبايبي، كلوا وبعدها ارتاحوا.... هي فين التانية اللي كانت معاك آخر مرة؟".

نظرت خولة إليها باستغراب وقالت:
- "التانية؟! سارة؟!".

فقال عامر متنهّدًا:
- "يعني سبتي كل الكلام وجاية تفهمي الجملة دي بالتحديد؟! يلّا بينا نغير ونرتاح لحد ما الأكل يجهز، هفهمك بعدين."

جلسوا جميعًا على المائدة، تناولوا الطعام في صمت، ثم انسحب عامر وخولة إلى غرفتهم.
بعد لحظات، طرقت تسنيم الباب برفق، ودخلت مبتسمة:
- "إزيك يا سكر؟! وحشتينا يا خولة!"

احتضنتها خولة بابتسامة حنونة، بينما اقتربت تسنيم من عامر وهمست مازحة:
- "هو أنا لو اتكلمت عن سارة هعملك مشكلة ولا تمام؟"

ابتسم بمرارة وقال:
- "اتكلمي عادي يا تسنيم."

رفعت حاجبيها باستغراب:
- "أنا مش فاهمة حاجة! هي سارة فين؟! مرة سارة، ومرة خولة!"

نظرت خولة لعامر وسألت بقلق:
- "هل أتيت بسارة إلى هنا؟ متى حدث ذلك؟!".

قال عامر بصوتٍ خافت:
- "سأشرح لكِ، ولكن ليس الآن."

ثم جلس على حافة السرير، ألقى رأسه بين يديه، وبدأ يبكي في صمتٍ مؤلم.
أسرعت تسنيم وخولة نحوه، جلستا بجانبه، تسنيم تمسح على كتفه قائلة:
- "أنا آسفة والله... مكنتش أعرف إني هعملك مشكلة، انت قلتلي اتكلمي عادي."

رفع عامر رأسه وقال بصوتٍ مكسور:
- "سارة ماتت."

ساد الصمت، ثم غمرتهما دموع تسنيم وخولة. احتضنتاه من الجانبين، بينما كانت تسنيم تهمس محاولةً تهدئته:
- "خلاص يا حبيبي... ربنا يرحمها. دلوقتي هي إن شاء الله في مكان أحسن، وربنا يباركلك في خولة وابنك. خلاص بقى، مفيش راجل بيعيط! أنا عمري ما شوفتك بتعيط يا عمّورة... عمّورة خلاص بقى."

أومأ عامر برأسه وهو يمسح دموعه بصمت.
ابتسمت تسنيم بخفة وقالت:
- "أكيد دلوقتي انتوا تعبانين. ارتاحوا وأنا هاخد الواد العسول دا ألعب بيه شوية، قصدي ألاعبه شوية!"

ثم نظرت إلى طلحة وقالت بلطفٍ:
- "تعالى يا لولو، عمتك تسنيمة هتديك شوكولاتة حلوة!"

فقال طلحة بجدية طفولية:
- "ماذا؟!"

ضحكت تسنيم وقالت:
- "آااااه، انت لسه أبيض... ما تقلقش، أنا هعلّمك كل حاجة. أمك أول مرة كانت زيك كده هبلة... وعلّمتها!"

نظرت خولة إليها مبتسمة بخجل، فقالت تسنيم بسرعة:
- "اوعي تكوني فهمتيني!"

ضحكت خولة وقالت بخفة:
- "لا ."

تنفست تسنيم الصعداء وقالت:
- "الحمد لله... مش بقولك يا طلحة، أمك هبلة!"

ضحك الطفل، فمدت يدها إليه وقالت:
- "يلا بينا يا عسل!"

وأخذته وغادرت الغرفة، تاركة عامر وخولة في صمتٍ مريح، يلفّهما الحنين والسكينة بعد رحلةٍ طويلة من الفقد والألم.

---

كانت شمس الصباح تتسلّل بخفة عبر نافذة الغرفة، حين طرق حازم الباب ودخل مبتسمًا ابتسامة واسعة، كعادته كلما قرّر إخراج عامر من عزلته.

- "يلا يا عم روح البس، خارجين."

رفع عامر رأسه بفتور وقال:
- " ومين قالك إني هخرج النهارده يا حازم."

ضحك حازم وهو يربّت على كتفه:
- "لأ، هو مش بمزاجك للأسف. يلا البس بدل ما تيجي بالعافية بلبسك دا."

عامر رفع حاجبه مستغربًا:
- "بالعافية؟"

ابتسم حازم بخفة:
- "مش بالعافية أوي يعني، بس يلا علشاني. لازم تخرج من المود الكئيب اللي انت فيه دا. البس وهات طلحة وتعالى."

تنهد عامر وقال بصوتٍ منخفض:
- "مش خارج... مليش نفس، وبعدين هنروح فين أصلًا؟"

رد حازم وهو يلوّح بيده:
- "هنشتري للواد لبس ونفسّحه شوية، وبعدها نقعد في كافيه. لازم الولد يندمج بسرعة في المجتمع هنا علشان لما يروح المدرسة مايحسش بغربة، ولا الناس تستغربه. خُد، أنا جبتله التيشيرت والبنطلون دول، خليه يلبسهم."

- "حاضر." قالها عامر أخيرًا باستسلام وضجر.

وبعد قليل، خرجوا جميعًا. تجوّلوا في شوارع القاهرة، اشتروا لطلحة ملابس جديدة، وتجمدت على وجهه ابتسامة براءة وهو ينظر إلى المارة في فضول. ثم جلسوا في مقهًى صغيرٍ على ضفاف النيل، حاول فيه حازم أن يُضحك عامر بشتى الطرق.

ابتسم عامر قليلًا، لكن ملامحه ما زالت يلفّها الحزن. وفي طريق العودة، قال حازم بنبرة جادة:
- "انسى يا عامر، وبلاش تنكد على مراتك وابنك وأهلك."

تنهد عامر بعمقٍ وقال:
- "كنت بحبها أوي يا حازم... ومقدرتش أدافع عنها. إحساس إني مكنتش راجل قادر يحمي مراته وابنه قاهرني. يا ترى كان إحساسها إيه وهي بتموت وبتفكر فيا، ومستنياني آجي أنقذها؟"

هزّ حازم رأسه قائلًا:
- "بلاش الكلام دا. هو انت بتعرف الغيب؟، أستغفر الله. يعني كنت هتعرف منين إن دا هيحصل؟، دا قضاء ربنا يا عامر، ولازم نرضى بيه. وانت سيد العارفين يا شيخ عامر، ولا إيه؟"

خفض عامر صوته وقال:
- "بس أنا مقدرتش أحمي كل اللي حبيتهم في غرناطة... كلهم اتقتلوا."

ابتسم حازم بمكرٍ:
- "كل اللي حبيتهم؟ تماااام، يعني أروح أقول لأم طلحة إنك مش بتحبها، ماشي!"

عامر نظر له بطرف عينه:
- "مش وقت هزارك يا حازم."

- "طيب، بس توعدني إنك تحاول تنسى، علشان خاطر أهلك ومراتك وابنك."

- "أوعدك... هحاول أخرج من المود دا، بس مقدرش أوعدك إني ممكن أنسى سارة أبدًا ولا أقتنع إنها ماتت."

ساد الصمت بينهما للحظات، ثم تابعا السير في طريق العودة.

---

حين عاد عامر إلى البيت، كان صوت الضحكات يتسرّب من غرفة المعيشة. كانت أسرته جميعًا مجتمعين: أمه، أبوه، تسنيم، وخولة.
طرق الباب ففتحت له تسنيم مسرعة، واحتضنته بقوة. في تلك اللحظة، جرى طلحة نحو أمه يحتضنها بشوقٍ طفولي.

قالت خولة مبتسمة وهي تمسح على شعره:
- "طلحة، بطلي الصغير، كيف كان يومك؟"

فرد الصغير بجدية:
- "أنا بطل كبير."

ضحكت خولة وقالت ممازحة:
- "أجل، أجل.. كنت أقصد أباك."

تسنيم رفعت حاجبيها وقالت وهي تبتسم بمكرٍ:
- "الله! دا كلام كبير بقى. تقريبًا والله أعلم هي قصدها عليك يا عامر!"

- "عارف." قال عامر بابتسامة خفيفة.

- "وهتسكت كده عادي؟! دا أنا سمعت إشاعات كده، والله أعلم برضو، إنك بتخاف من مراتك.".

- "آه، دي حقيقة فعلاً مش إشاعة."

ضحكت خولة وقالت بهدوء:
- "تسنيم تقوم بدور الكبريت الآن."

صرخت تسنيم بصوتٍ ساخر:
- "أعععععععع! انتي فاهماني إزاي؟! وعرفتي الكبريت منين؟!"

ابتسمت خولة وقالت بفخر:
- "تلميذتك يا دكتورة."

- "علشان كده مابحبش التلاميذ الشطار!"
ثم قالت ضاحكة. "شكلي بستنسخ مني نسخة رخمة جديدة."

ضحك عامر وقال:
- "اللي بتعمليه في الناس هيطلع عليكي."

فردت خولة مبتسمة وهي تنظر إلى تسنيم:
- "زوجي يحبني ولن يتشاجر معي."

ضحكت تسنيم وقالت:
- "أنا أمزح يا خوخة يا قمر. بالعكس، أنا أتمنى لكما السعادة وكل خير في الدنيا."

ابتسمت خولة وقالت بنعومة:
- "أعلم ذلك. أنتِ فتاة جميلة طيبة، وقلبك جميل مثلك. وأعلم أنكِ تحاولين إخراج عامر مما هو فيه."

ضحكت تسنيم بخفة وقالت:
- "دا انتي طلعتي ذكية فعلاً! بس ذكائك خطر على وجودي. أنا كده هفعّل وضع اصطياد العقارب، يا مرات أخويا يا عقربة!"

نظرت خولة باستغراب وقالت:
- "عامر، ماذا تعني عئربة؟ هل هي تمدحني مثلما مدحتها؟، ولماذا تضحك؟، ولماذا أمك وأباك يضحكان أيضًا؟"

قالت تسنيم وهي تمسك بيدها بحركة درامية:
- "أجل، إنها مدح! ولما أسألك عن اسمك، قولي: أنا خولة العقربة، اتفقنا؟"

ابتسمت خولة ببراءة وقالت:
- "اتفقنا."

- "يلا نجرب بقى، انتي اسمك إيه؟"

- "خولة العئربة."

انفجر الجميع ضاحكين، فسألت بخجل:
- "لماذا تضحكون؟ عامر، ماذا تعني هذه الكلمة؟"

ضحك عامر وقال:
- "هقولك بعدين، بس أوعي تقوليها تاني. وبلاش تآمني للبنت الشريرة دي، مايغركيش وجهها البريء."

خولة:
- "حسنًا."

تسنيم:
- "إيه حسنًا دي؟".
"انتي هتصدقيه ولا إيه؟"

- "أجل يا مخادعة." قالتها خولة وهي تضحك.

- "ربنا يسامحك!".
"الظلم ظلمات، خلّوا بالكم!، وأنا مش مسامحة".

ضحك الجميع، واستمر الحديث بينهم في جوٍ من الدفء والمرح، حتى قالت والدة عامر بفخرٍ وابتسامة:
- "بالمناسبة، تسنيم اتقدملها عريس الأسبوع اللي فات. شاب محترم وملتزم وخلوق."

قال عامر بفضول:
- "بيشتغل إيه؟"

أجابت تسنيم بكسل:
- "الست اللي جابته قالت مهندس."

قال عامر بسرعة:
- "ارفضوه."

نظر إليه أبوه بدهشة:
- "ليه يا بني؟"

- "علشان مهندس."

ضحكت تسنيم وقالت:
- "أحسن برضو، أنا مش عايزة أتجوز."

قالت أمه بحنان:
- "ليه يا حبيبي؟ دا حتى شكله في الصورة غلبان ومسكين."

- "مفيش مهندس غلبان ومسكين يا أمي، دول فاكرين نفسهم محور الكون ومعقدين."

ابتسمت أمه وهزت رأسها وقالت:
- "عامر، أختك ما بقتش صغيرة. لازم تتخطب على الأقل، علشان بعدين ما نقولش يا ريتنا."

رد عامر بثقة:
- "لأ، تسنيم لسه صغيرة. تسنيم دي بنتي مش أختي وعمري ما هكره ليها الخير. وأي حد يتمناها حتى لو عندها مية سنة. وبعدين، شايف إن ماينفعش نتكلم في جواز قبل ما تتخرج.".

نظر الأب إلى ابنته وقال بهدوء:
- "رأيك إيه يا تسنيم؟"

ابتسمت تسنيم وقالت:
- "آسفة يا بابا، بس أنا مع رأي عامر. أنا هركّز في دراستي الأول، ولما أتخرج يحلّها ربنا. أكيد نصيبي مش هيروح لحد تاني."

ابتسم عامر لها فخراً، ثم استأذن من الجميع وذهب إلى غرفته، ولحقت به خولة بعد لحظات، تاركة خلفها جوًّا من الضحك والمودة، يُعيد للحياة في بيتهم معناها من جديد.

---

دخلت خولة إلى الغرفة بخطواتٍ خفيفة وابتسامةٍ واسعة تملأ وجهها، وقالت بصوتٍ مفعمٍ بالمرح:
ــ عندي لك مفاجأة يا جميل.

ابتسم عامر وهو ينظر إليها بعطفٍ وقال بهدوءٍ ولطف:
ــ أراكِ سعيدة اليوم، هيا أخبريني، ما المفاجأة؟ فأنا في حاجةٍ لأي شيءٍ يسعدني.

اقتربت منه بخفةٍ وقالت:
ــ أغلق عينيك.

أطاعها عامر وهو يبتسم، فأغلقت المسافة بينهما حتى صار صوتها يهمس في أذنه قائلة:
ــ أتذكر عندما كنا في غرناطة، قبل أن نأتي إلى هنا بشهر، حين كنتُ مريضةً وظننا أن الأمر مجرد إعياءٍ بسيط؟.

فتح عامر عينيه قليلًا وقال:
ــ نعم، أذكر ذلك جيدًا.

ابتسمت خولة بخفةٍ وقالت:
ــ لم يكن كذلك.

تغيّر وجه عامر وقال متعجبًا:
ــ ماذا تعنين؟

قالت وهي تضع يدها على بطنها برفق:
ــ أنا حُبلى باثنتين في آنٍ واحد.

أشرق وجه عامر بالدهشة والسعادة وقال:
ــ بنتان؟.

هزّت رأسها بابتسامةٍ رقيقة وقالت:
ــ أجل، سيكون عندي ولدٌ وبنتان من حبيبي عامر.

عامر:
ــ ولكن كيف عرفتِ؟.

خولة:
ــ الطبيبة لم تخبرنا، ولكني أشعر أنهما بنتان، ورأيت رؤية كانتا فيها إلى جانب طلحة.

ضحك عامر ضحكةً صافية واحتضنها بقوةٍ وقال:
ــ إذن هيا بنا نذهب إلى الطبيبة غدًا لنتأكد ونطمئن عليكِ.

ابتسمت خولة وقالت برقةٍ:
ــ أخبرتك أن الطبيبة لم تخبرنا، وهذا يعني أننا قد ذهبنا إليها بالفعل. عندما خرجتَ في الصباح، أخذتني تسنيم إليها وطمأنتنا.

تقدّم عامر منها وجلس بجوارها وقال مبتسمًا:
ــ الحمد لله، بشرك الله بالخير يا نور قلبي وضماد روحي، أحبك يا خولة.

ثم أمال رأسه قليلًا وسألها:
ــ والآن، ماذا سنسميهما؟

أجابت بخفةٍ:
ــ كنا نريد اسم عائشة، أتذكر؟

قال عامر بابتسامةٍ متأملة:
ــ جميل، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

ثم قالت:
ــ والأخرى؟

ساد الصمت لحظة، ثم نظر عامر بعيدًا، وبدت في عينيه لمعة حزنٍ قديم، وقال بصوتٍ متهدّج:
ــ سارة.

خفضت خولة نظرها وهمست:
ــ أعلم أنك ما زلت تحبها، ولكني أريدك أن تنسى ما حدث، وتعترف أن سارة...

قاطَعها عامر سريعًا، ونظر إليها بعينين فيهما مزيجٌ من الألم واليقين وقال:
ــ لا تقولي "ماتت"، سارة لم تمت.

تنهّدت خولة بصوتٍ يملؤه بالحزن وقالت:
ــ حسنًا، كما تريد، سأخلد إلى النوم.

أمسك عامر كتفها برفقٍ وقال وهو ينظر في عينيها:
ــ لمَ كل هذا الحزن؟ إنه مجرد اسمٍ، لا أكثر.

التفتت إليه بعينين دامعتين وقالت:
ــ ما زلتَ تثبت لي في كل لحظةٍ أن قلبك قد رحل مع سارة، ولم يبقَ لي منه شيءٌ يَسَعني.

حاول عامر أن يتكلم، لكن صوته اختنق وقال بخفوتٍ:
ــ خولة، أنا...

قاطعته وهي تبتعد نحو السرير:
ــ يجب أن ننام الآن، أنا متعبة.

ظل عامر واقفًا في مكانه ينظر إليها، وقد انطفأت بداخل عينيه كل محاولات الكلام، وبقي الصمت بينهما أبلغ من أي اعتذار.

---

في صباحٍ جديدٍ من شتاءٍ دافئٍ، استيقظ عامر ولم يجد خولة بجواره، فنهض يبحث عنها في أرجاء البيت حتى سمع أصوات الأواني من المطبخ. اقترب بخفةٍ من الباب، فرآها منشغلةً بإعداد الإفطار، وجهها هادئٌ لكن ملامحها لا تزال تحمل أثر ما جرى بينهما بالأمس.

تقدّم منها بخطواتٍ هادئة وقال بلطف:
ــ ماذا تريدين يا خولة؟.

أجابته ببرودٍ دون أن ترفع نظرها:
ــ لا أريد شيئًا.

ابتسم عامر وقال مازحًا:
ــ حسنًا، لن أخبرك بما كنت أنوي قوله.

نظرت إليه بنصف ابتسامة وقالت:
ــ انتظر، تكلّم.

عامر: أريدها بأسلوبٍ أفضل.

خولة ـــ وهي تتنهد بغيظٍ:
ــ حسنًا يا سيدي عامر، تكلّم.

عامر مبتسمًا:
ــ مع ابتسامةٍ أكبر.

خولة: إذًا، اصمت للأبد.

ضحك عامر وقال بخفةٍ:
ــ إذًا لا تريدين تغيير اسم سارة، كنتُ أعلم أنه يعجبكِ، حسنًا اتفقنا، سأذهب الآن.

خولة بسرعة:
ــ انتظر، أنا آسفة.

اقترب منها عامر وقال بلطفٍ بالغ:
ــ لا عليكِ يا حلوتي، أنا فقط أريد إرضاءكِ، والاعتذار عمّا بدر مني بالأمس. ثم أضاف مبتسمًا:
ــ سنسمي إحداهما عائشة، أما الأخرى فسميها كما تريدين.

نظرت خولة إليه بعينين دامعتين وقالت بصوتٍ لطيف:
ــ أنا لا أكره سارة، بل أحبها، وحزنت لموتها كما لو أنهم قتلوا أمي وأبي، ولكني أردتُ فقط أن تترك حزنك وتنسى ماضيك المؤلم. ولهذا عارضت الاسم، ليس من أجلي، بل من أجلك.

عامر ـــ بابتسامةٍ دافئة:
ــ أعلم ذلك، ولكنك كنتِ مخطئة حينما قلتِ إن قلبي لم يعد فيه متسعًا لكِ، ومن يسكن قلبي ويملأه إذن أيتها الكاذبة؟.

ابتسمت خولة ابتسامةً مشاكسة وقالت:
ــ خولة هي من تملأه، وهي من ستظل تملأه، وإذا التفت قلبك لغيرها، ستخرجه من صدك وتأكله.

ضحك عامر وقال:
ــ يمّااا، أنا متجوز آكلة لحوم البشر؟!

خولة: بل أنا أسوأ منهم عندما يتعلق الأمر بك.

عامر مبتسمًا:
ــ حسنًا يا ليلى، لن أفعل هذا أبدًا.

توقفت خولة فجأة وحدّقت فيه وقالت بحدةٍ:
ــ ليلى!! من ليلى هذه؟!.

قال عامر ضاحكًا:
ــ فتاة جميلة.

تسمرت عينا خولة، وامتدت يدها نحو السكين الموضوعة على الطاولة، فرفع عامر يديه سريعًا وقال مازحًا وهو يتراجع للخلف:
ــ لأ، اوعي تتهوري، دا هزار!

ثم استدار وركض خارج المطبخ وهو يضحك، بينما صاحت خلفه:
ــ مهما ركضت، سأمسك بك أيها الخائن!.

دخل عامر غرفته مسرعًا وأغلق الباب خلفه، وفي تلك اللحظة ظهرت أم عامر عند باب المطبخ وقالت بدهشة:
ــ بتعملي إيه بالسكينة دي يا خولة؟ وبتجري ورا عامر ليه؟.

ردّت خولة بجديةٍ طفولية:
ــ إنه يريد أن يتزوج ليلى.

ضحكت أم عامر وهي تأخذ منها السكين:
ــ يا بنتي، عامر بيحب يهزر، احنا أسرة رخمة، كلنا زي تسنيم، اتعودي علينا بقى.

ابتسمت خولة ابتسامةً صغيرة وقالت وهي تنظر نحو الغرفة:
ــ لن تختبئ مني طويلًا يا عامر، ولن تنجو في المرة القادمة... أنا أعدك.

ثم عادت إلى المطبخ وهي تضحك وتهز رأسها.

مرت 6 أعوامٍ بعدها، كانت الحياة فيها مليئةً بالحب، والدفء، والضحك، ومشاعرٍ من السعادة العائلية التي لم يعرفها عامر منذ زمنٍ طويل. كان يرى في كل صباح وجه خولة، وصوت ضحكات الأطفال يملأ البيت، فشكر الله في نفسه على نعمة السلام بعد أعوامٍ قد قضاها في قلب العاصفة.

لكن في إحدى ليالي الشتاء الباردة، استيقظ عامر على رنين هاتفه الموضوع قرب السرير. مدّ يده بتثاقلٍ وأجاب بصوتٍ خافتٍ متعب:
ــ ألوو...وعليكم السلام.

جاءه صوت حازم مضطربًا على الطرف الآخر:
ــ الحق يا عامر...

جلس عامر فجأة وقال بقلق:
ــ في إيه يا ابني؟ أنا لسه بحاول أرفع راسي من المصايب، حصل إيه تاني؟

ردّ حازم بصوتٍ مرتجفٍ يحمل بين طياته نذر الخطر:
ــ أوڤاميندرا...

عامر ـــ وقد اتسعت عيناه:
ــ ماله؟ حلمت بيه ولا إيه؟

حازم:
ــ لأ... عندي في البيت....

أمسكت الجملة لسان عامر فجأة، وبقي ممسكًا بالهاتف، وعيناه معلّقتان بالفراغ كأن الزمن توقف للحظة.

يتبع....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...