الفصل 2 | من 8 فصل

رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل الثاني 2 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار

المشاهدات
27
كلمة
5,144
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

ارتفع حاجباه بدهشةٍ وقال بصوت مرتفع:
- أوڤاميندرا؟! إيه اللي جابه ورانا تاني؟
نهض مسرعًا وهو يلتقط سترته:
- طيب أنا هلبس وجايلك حالًا.

استوقفته خولة عند الباب، وقالت بقلق:
- رايح فين؟، هتروح الشغل قبل ماتفطر!!

عامر:
- مش رايح الشغل، أنا خارج ومش هتأخر، هشوف حازم عايز إيه وهرجع أحكيلك.

خولة:
- لأ، مش هقدر أستنى لما ترجع، كلّمني في الهاتف وقولي فيه إيه.

ابتسم عامر لها وقبل رأسها:
- تمام ماشي.
ثم خرج بخطوات سريعة متوجهًا نحو بيت حازم.

حين وصل، وجد أوڤاميندرا واقفًا في منتصف الغرفة، مهيب الطلعة كعادته، يرتدي عباءته الغريبة وغطاءَ رأسٍ يخفي ملامحه.
أخرج أوڤاميندرا قلادتين من حقيبته الصغيرة، وقال بصوتٍ حازم:
- ارتدوهما، ستجعلاننا نفهم بعضنا.

تبادل عامر وحازم نظرات سريعة، ثم وضعا القلادتين في أعناقهما، وأحسّا بوخزة خفيفة.

ابتسم عامر وقال:
- أهلًا يا أوڤاميندرا... إيه اللي جابك تاني لعالمنا؟

أجابه أوڤاميندرا بنبرة جادة:
- الأمر خطير، جئت أبحث عن ورقة هامة سُرقت من كتابي. من دونها، لا يمكن فتح
بوابة عالم الخيال مجددًا.

عامر:
- ورقة؟! مين اللي سرقها؟

أوڤاميندرا:
- السيد طلعت.

تبادل عامر وحازم النظرات مندهشين، فقال عامر بسرعة:
- والسيد طلعت هيعمل كده ليه؟

أوڤاميندرا:
- لا أعلم، لكني وجدت الكتاب ناقصًا، وهذه الورقة إن وقعت في يد شرير، قد تفتح أبوابًا من الكوارث لا تُغلق.

عامر:
- يعني دلوقتي اِنت عايز السيد طلعت علشان تجيب الورقة دي منه، صح؟

أوڤاميندرا:
- نعم، بالضبط.

ابتسم عامر وقال بثقة:
- بسيطة! السيد طلعت جار حازم، ما تقلقش. ثواني وهنجيبه عندك. روح يا حازم هاته وتعالى.

خرج حازم مسرعًا، ولم تمر دقائق حتى عاد ومعه السيد طلعت، الذي بدا مضطربًا وهو يردد:
- اي اللي جاب أوڤاميندرا تاني!

اقترب منه أوڤاميندرا، وعيناه تلمعان بصرامة، وأخرج خنجرًا ذا نصلٍ فضي:
- سأقتلك إن لم تعد إليّ الورقة الآن.

تحرك عامر بخطوة سريعة ووقف بينهما، وصرخ:
- مش هتلمسه، أوعدك ورقتك هترجعلك بس مش هتقرب منه ولا تؤذيه إلا على جثتي!.

تراجع أوڤاميندرا قليلًا، وظل ينظر له بنظرة غاضبة.
أمسك عامر بذراع السيد طلعت وسحبه إلى زاوية بعيدة وقال له بصوت منخفض:
- انت فعلاً أخدت الورقة دي؟

السيد طلعت:
- مستحيل! والله ما أخدتها ولا أعرف عنها حاجة.

عامر:
- طيب احكيلي باختصار، من أول ما أوڤاميندرا جه لعالمنا بالصدفة وقابلك وأخدت منه الكتاب... احكي كل حاجة.

بدأ السيد طلعت يسرد ما حدث، حتى قاطعه عامر فجأة:
- استنى، انت قلت إنك قبل ما تدخل لعالم الماضي وتروح غرناطة كنت سايب الكتاب عند صاحبك راجح؟.

ارتبك طلعت قليلًا:
- آه... بس لأ، راجح مستحيل يعمل كده.

عامر:
- خلينا نحسن الظن، ونقول الصفحة اتقطعت منه من غير ما ياخد باله.

السيد طلعت:
- وحتى لو صح كلامك، تفتكر هيكون لسه محتفظ بيها؟.

عامر:
- معرفش، بس فيه احتمال... يمكن.

عاد عامر إلى أوڤاميندرا وأخبره بما دار بينهما، ثم قال بثقة:
- أنا خدت عنوان راجح من السيد طلعت، وهروحله دلوقتي.

قال أوڤاميندرا بحذر:
- لكن سيبقى هذا الرجل معي، لن أدعه يهرب. ربما هي خطة منه ليلوذ بالفرار.

عامر:
- خلاص، خليه معاك. ما تقلقش يا سيد طلعت، أوعدك هعمل كل اللي أقدر عليه.

ثم نظر إلى أوڤاميندرا بعينين ثابتتين وقال بحدة:
- لو مسيته بسوء، مش هتشوف ورقتك تاني أبدًا.

قال حازم وهو يربط حذاءه:
- وأنا جاي معاك يا صاحبي.

عامر:
- يلا بينا، لحظة هرن على خولة أفهمها علشان قلقانة.

وبينما كانا يستعدان للمغادرة، قال حازم ضاحكًا:
- استنى كده، هو ليه يا أوڤاميندرا شكيت في السيد طلعت وما شكيتش في عامر؟ ما هو قعد معاه الكتاب فترة برضو! الواد دا مش سهل، خلي بالك!.

تحولت نظرات أوڤاميندرا نحو عامر ببطء، فتجمدتا عيناه لحظة قصيرة.

قال عامر بلهجة دفاعية سريعة:
- استهدى بالله يا أوڤا، دا عيل متخلف، ماتخدش على كلامه. أنا مستحيل أعمل كده، دا انت ساعدتني وبعدين أنا أصلا تركت مُلك غرناطة وتركت العالم كله وجيت هنا. ومش ناوي أروح لأي مكان تاني.

تراجع أوڤاميندرا قليلًا، وظل صامتًا، بينما قال عامر وهو يمضي نحو الباب:
- يلا بقى، خلي بالك منه يا سيد طلعت... سلام.

---

انصرفا وسارا كثيرًا...
تلفّت عامر إلى حازم فجأةً، وقال له بحدةٍ ممزوجةٍ بالغضب:
- "أنت عيل غبي ومتخلف وحيوان."

توقف حازم عن المشي مذهولًا للحظة ثم رد بسرعة محاولًا التبرير:
- "ليه كل ده؟! أنا كنت بهزر والله مقصدتش."

قال له عامر وهو يردّ بصوتٍ أخف قليلًا:
- "الحاجات دي مفيهاش هزار يا حازم. انت كنت هتطلع السيد طلعت منها وتعكني أنا."

تنهد حازم، وألقى اعتذارًا خفيفًا:
- "أنا آسف."

هزّ عامر رأسه وقال:
- "محصلش حاجة خلاص. صحيح هكلم أم طلحة، كنت هنسى."

اتصل بزوجته، وأجرى معها مكالمةً قصيرةً؛ ليطمئنها، ثم واصلا سيرهما في الشارع، يتبادلان أطراف الحديث.

بعد لحظةٍ من الصمت، دار حديثٌ أعمق، فقال عامر وهو يرمق صديقه بنبرةٍ أخوية:
- "هو أنت ليه مش عايز تتجوز دلوقتي؟ أمك بتشتكيلي منك."

ردّ حازم متلعثمًا:
- "مفيش حد مش عايز يتجوز."

قال عامر مستفسرًا:
- "أمال مالك طيب؟"

أجاب حازم بصوتٍ يملؤه الهمّ:
- "مليش."

سكتا قليلًا، ثم خاطبه عامر بحنّيةٍ رقيقةٍ:
- "حازم انت بتحب واحدة معينة وخايف تتجوزها علشان أمك مش هتوافق عليها صح؟"

ابتلع حازم أنفاسه ثم قال:
- "الجزء الأول صح، التاني لأ."

ضحك عامر ودفعه قائلاً:
- "ما تنجز ياد وتقول مالك؟ هو احنا فيه بينا أسرار؟ مين هي وإيه المشكلة ونحلها سوا؟"

تنهد حازم وقال بنبرة تعبٍ:
- "ما بقيتش فاضيلي زي زمان يا صاحبي."

تدارك عامر الأمر بسرعة وقال بصدقٍ واضح:
- "آسف يا زوما، أنا من النهاردة هرجع أسمعلك زي زمان معلش بقا اتلهيت ما أنت عارف."

قال حازم بجديةٍ أكثر:
- "عموماً مش هينفع أقول مين هي. كده كده عمري ما هطولها أبدًا، ولا هي هتوافق عليّا أصلاً. هو أنا مين يعني؟ مجرد مدرس فاشل بيدي شوية دروس، مستحيل تقبل بيه."

شدّ عامر كتفيه وقال بحزمٍ ودعمٍ:
- "إيه دا... كل دا حزن في قلبك يا بني ومخبيه عني؟ عايز تتجوز مين؟ قول وأنا هساعدك."

تلعثم حازم للحظة ثم قال بخجلٍ:
- "مش هقدِر أقولك دلوقتي، بعدين بعدين."

تقدم عامر ووضع يده على كتف حازم قائلاً بصوتٍ دافئ:
- "طيب براحتك. بس أنا عايزك تتأكد من حاجة مهمة قوي يا حازم: انت مش قليل ومش فاشل. انت إنسان مكافح وجميل وتستاهل كل الخير اللي في الدنيا، وأي واحدة تتمناك يا عم."

قَبِلَ حازم الكلام وقال بصوتٍ محمّلٍ بالامتنان:
- "شكراً يا صاحبي... كنت محتاج الكلام دا قوي."

رد عليه عامر بجديةٍ أخويةٍ:
- " انت أخويا يا حازم. انت مش لوحدك ولا عمري هسيبك في يوم لوحدك."

نظر حازم إلى السماء ثم قال بابتسامةٍ حقيقيةٍ:
- "عارف يا صاحبي، مفيش حاجة مطمناني في الدنيا غير إنك معايا مهما حصل."

ابتسم عامر ابتسامةٍ ماكرة:
- "حلو... مش هتقولي بقى مين هي؟"

ضحك حازم وأجاب بتهكمٍ خفيفٍ:
- "أنت شجعتني أقول بس بلاش دلوقتي."

قال عامر متملّقًا:
- "ماشي براحتك. بس أقولك حاجة: مفيش واحدة هتعمر مع أمك عمومًا."

ضحك حازم منهمكًا وقال:
- "عارف... وعشان كده لازم تكون واحدة أمّي موافقة عليها مسبقًا علشان ماتعملش مشاكل."

تبادلا مزحةً خفيفةً ووصلا أخيرًا إلى موقف الميكروباص. ركباه وامتدَّ الحديث بينهما بلا تعقيدات حتى وصلا إلى عنوان راجح. نزلَا، وخطوا نحو الباب وطرقا، لكن ما إن انفتح الباب حتى وقعت أعينهما على مشهدٍ لم يكونا يتوقعانه: رجلٌ مقيدٌ على كرسي، وحوله عددٌ من الرجال ذوي العضلات والوجوه الخشنة، يشبهون بلطجية الشوارع.

تجمد عامر للحظة ثم قال بتعجبٍ شديد:
- "مش ده بيت راجح؟"

لم يردّ أحدٌ، فتابع:
- "اه، شكلنا جِينا في وقت غير مناسب."

قال حازم بذوقٍ مُعتذرٍ للحراس:
- "طيب يا شباب، آسفين على الإزعاج... نستأذن احنا بقى."

همّا أن يبتعدا فإذا باثنين منهم يقفان أمامهما ويغلقان الباب. حاول عامر وحازم أن يدافعا عن نفسيهما، لكن الرجال ضربوهما وخارت قواهما قبل أن يُكبَّلا ويُلقيَا على الأرض في آخر الغرفة، مقيدين بالأحزمة والشرائط.

اقترب واحد منهم واقتلع نظره هنا وهناك ثم قال بوقاحةٍ:
- "احنا نقتلهم ونتخلص منهم، عشان شافونا."

قال آخر متحَفِّظًا:
- "مش هينفع غير لما 'البُص' ييجي ونعرف رأيه. يمكن يكونوا عارفين مكان الفلوس، وكده كده هما شافونا ولازم نتقتلهم بس لما ناخد تعليمات من 'البُص'."

همَسَ حازم في أذن عامر مرتعشًا:
- "يعني إيه؟ يعني احنا هنموت خلاص؟"

ردّ عليه عامر بهدوءٍ محاولًا أن يترك مساحة هادئة للتفكير:
- "اهدا وخلّيني أعرف أفكر... هنعمل إيه"

همس حازم وهو يحدق في القيود:
- "يعني هنعمل إيه وإحنا مضروبين ومربوطين؟".

قال عامر بنبرةٍ واثقةٍ رغم القيود:
- " قلتلك اهدا... لو لاحظونا بنتكلم هيبعدونا عن بعض."

سكتا لحظة، ثم أدار عامر وجهه نحو حازم وقال بصوتٍ منخفضٍ وحازم:
- "بص، أنا عندي فكرة..."

---

كانت الخطة محفوفة بالمخاطر، لكن عامر لم يكن يملك خيارًا آخر. فكان مع حازم في زاوية الغرفة، يتحدثان بصوتٍ منخفض، بينما أفراد العصابة يراقبونهما عن بُعد بين الحين والآخر.

قال عامر وهو يرمق الباب بنظرة حذرة:
- بص يا حازم، هنقولهم إننا عارفين مكان الفلوس، وهنودّيهم على مكان السيد طلعت وأوڤاميندرا، وساعتها أوڤاميندرا هيخلّص عليهم واحد واحد.

ابتسم حازم بسخرية وقال:
- اتعلّمت الكدب يا عامر، بس حابب أفكرك إنهم معاهم سلاح ناري، وهيعملونا مصافي قبل ما نوصل للمكان، وأوڤاميندرا بتاعك مش هيلحق ينقذك.

أجابه عامر وهو يضغط على أسنانه:
- لأ، أنا هقولهم إن فيه كمين في الطريق، والتفتيش شديد، ولازم نروح من غير سلاح. نجيب الفلوس بهدوء ونرجع.

هز حازم رأسه وقال:
- ماشي، جرب حظك واتكلم، كدا كدا ميتين.

رفع عامر بصره نحو أفراد العصابة، ثم قال بصوت واثق:
- تخيّلوا البُص ييجي يلاقيكم رجعتوا بالفلوس بنفسكم... هيبقى مبسوط منكم جدًا، ومش بعيدة يكافئكم.

اقترب أحد الرجال منه بخطواتٍ بطيئةٍ وقال بغلظة:
- إنت تعرف مكان الفلوس؟.

ابتسم عامر بخفة وقال:
- على حسب.

وقبل أن يُكمل كلمته، جاءته لكمة قوية على وجهه، سال منها الدم من فمه.
ومع ذلك، ظلّ عامر ينظر إليه بثبات وقال:
- لو قتلتونا، مش هتوصلوا للفلوس أبدًا.

صرخ الرجل:
- اتكلم!

قال عامر بهدوء:
- هاخد عشرة آلاف جنيه من الفلوس، والباقي ليكم.

صاح حازم بغضب:
- يا عامر! لأ، ماينفعش! دول هياخدوها ويقتلونا بعدين!.

توجّه الرجل نحو حازم بعينين مشتعلتين وقال:
- لو فتحت بوقك تاني، هقتلك.

ثم أشار لعامر بيده:
- كمل.

أخبرهم عامر بالخطة، وشرح لهم أن المنطقة فيها كمين، وأن الشرطة تفتّش العربيات، والأفضل أن يذهبوا بدون سلاح. وطلب منهم أن يتحركوا بسرعة قبل أن يصل "البُص" حتى يفرح بالإنجاز عندما يعود.

اقتنعوا بكلامه، وقيدوا عامر وحازم، وساروا بهما نحو المكان الذي يوجد فيه أوڤاميندرا والسيد طلعت.

---

عندما دخلوا المكان، كان الظلام يلفّ الأرجاء، ولمع بريق عيني أوڤاميندرا في الخلفية. أشار عامر له بنظرة واحدة، ففهمها الساحر على الفور.
وفي لحظة، انقضّ أوڤاميندرا كالبرق، وضرباته كانت قاطعة وسريعة.
صرخات، ودماء، وفوضى.
لم تمر دقائق حتى سكنت الأصوات، وسقطت الجثث أرضًا.
نجا واحد فقط، فرّ هاربًا.

تنفّس عامر بعمق وقال وهو يمسح الدم عن وجهه:
- خلصنا منهم، بس واحد هرب، وده خطر.

ثم حكى عامر كل ما حدث معهما..

أوڤاميندرا نظر إليه وقال بصوتٍ حازم:
- هذه المرة، سأذهب معكما.

تحركوا سويًّا نحو الشقة القديمة، لكنهم عندما دخلوا، فوجئوا....
الشقة كانت فارغة، وراجح لم يكن موجودًا.

اقترب عامر من الكرسي الذي كان راجح مقيدًا عليه، ولاحظ أن الحبال مقطوعة، وليست منحلّة.
فقال بقلق:
- حد ساعده يهرب.

ثم التفت إلى السيد طلعت وسأله:
- مين يعرفه؟ عنده أصحاب هنا؟.

أجابه طلعت وهو يهز رأسه:
- معرفش.

قال عامر بسرعة:
- وجودنا هنا خطر، البُص ورجالته ممكن ييجوا في أي لحظة. لازم نتحرك فورًا.

---

نزلوا من العمارة السكنية على عجل.
قال عامر بصوت منخفض:
- اخرجوا من الباب، وماشوا وماتبصوش وراكم.

خرج الثلاثة، وبعد أن ابتعدوا قليلًا، توقّف عامر لحظة خلفهم، فلاحظ شابًا يقف بعيدًا يراقبهم.
وعندما التقت عيناه بعيني عامر، ركض بأقصى سرعته.

وركض عامر وراءه، وأمسكه من كتفه بعنف، وقال:
- راجح فين؟

الشاب ارتبك وقال بخوف:
- معرفش حد بالاسم ده!

تقدم أوڤاميندرا وأخرج سيفه اللامع وقال بصوتٍ هادئٍ مخيف:
- هل ستهدر حياتك من أجل لصٍّ هارب؟

ارتعد الشاب وقال بسرعة:
- في واحد اسمه صيصا، هو اللي هربه، أكيد خده عنده!

لكن قبل أن يسأله عامر عن العنوان، دوّى صوت إطلاق نار قوي.
رصاص في كل اتجاه، البُص ورجاله كانوا قد وصلوا بالفعل.

صرخ عامر وهو يجري:
- أوڤاميندرا! اخفّينا يا عم! اعمل أي حاجة، فين السحر بتاعك دلوقتي.

رد أوڤاميندرا بثبات:
- يجب أن نتوقف لتعمل الشفرة.

حازم صاح وهو يلهث:
- لو وقفنا هنموت!

عامر صرخ وهو يلتفت إليهم:
- بتعرفوا تعوموا؟! وراياااا!.

قفز من فوق الكوبري مباشرة إلى الماء، وتبعه الآخرون.
غطسوا تحت سطح النهر، والطلقات النارية تتبعهم.

ولكنهم خرجوا للضفة الأخرى، ثم ركضوا دون توقف حتى وصلوا إلى بيت صغير دلّهم عليه الشاب.

طرقوا الباب وفتح لها هاني-صاحب البيت-

دخلوا يلهثون، ووجوههم مبللة، والهلع يملأ وجوههم.

وبعد لحظات...
دقّ الباب بعنف.
تجمّد الجميع في أماكنهم، وتبادلوا النظرات الصامتة.

عامر تمتم بصوتٍ خافت:
- يا ترى... مين اللي على الباب؟...
اِنت مستني حد يا هاني؟.

هاني: لأ.

---

حازم: مين ع الباب؟
-عَرَنْدَس..

حازم: هو بيشتم؟
عامر: هو قال اي؟
حازم: عرسمس
عامر: مش دا ملك فرعوني؟.
حازم: لا يا عم التاني تحسمس
عامر: لحظة طيب هسأله تاني، مييين؟
- عرندس
حازم: قال اي؟
عامر: حرنكش
حازم: عرسمس قلتلك

في هذه الأثناء صاح السيد طلعت من خلفهم:
ـــ خلونا نقعد نتخانق على اسمه لحد ما البُص وعصابته ييجوا يموتونا ولسه معرفناش مكان راجح فين.

حازم:
ـــ طيب ما يمكن دي خدعة والبص برة مستنينا نفتح الباب.

عامر:
ـــ تفتكر البص محتاج يخبط على الباب أصلا؟

حازم: معاك حق، افتح وربنا يستر....

---

فتحوا الباب فدخل عرندس.

حازم: اي دا انت إنسان عادي زينا؟
عرندس: أومال هكون اي يعني يا أستاذ؟
حازم: أصل مفيش إنسان في الدنيا اسمه عرسمس.

عرندس: عرندس يا أستاذ، عرندس

عامر (مقتربًا): سيبك منه وركز معايا
- انت مين وجاي ليه؟

عرندس:
ـــ انتوا اللي مين؟ أنا جاي هنا لهاني. يا هاني، مين الناس اللي في بيتك دول؟

هاني: ضيوفي يا عرندس، اتفضل
- انت محتاج حاجة؟

عرندس: كنت جاي أحكيلك عن اللي حصل لراجح؛ البُص مسكه وكان وهيموته.

اقترب عامر من عرندس وقال له: انت تعرف راجح؟
عرندس: آه، عز المعرفة. ومعرفة سودا مِش بتيجي من وراها غير المشاكل.

عامر: طيب إحنا عايزين نعرف مكانه
- محتاجين نسأله على حاجة.

عرندس: عبيط أنا يعني علشان أقولكم على مكانه؟ ما يمكن تكونوا تبع البُص.

عامر (بحدة): بص في وشنا كدا، هل دا شكل ناس تبع البُص؟.

عرندس: لأ، لحظة بس
- هو الراجل دا متغطي ومغطي وشه كدا ليه بلبسه الغريب دا؟.

حازم (يضحك): لا ملكش دعوة بدا
- علشان لو مسكك هيخليك حرنكش على رأي عامر.

عامر: فين راجح؟
عرندس: معرفش، دوروا يمكن تلاقوه.

عامر: كدا يعني؟ تمااام
- اقفل الباب يا حازم. أوڤاميندرا، شوف شغلك معاه.

أخرج أوڤاميندرا خنجره وكشف عن وجهه. ففزع عرندس وقال: أعوذ بالله
- هتعمل اي يا عم انت؟

عامر: قدامك ثواني قبل ما الراجل الطيب دا يعملك شاورما، لو مش عايز تتكلم براحتك عمومًا.

اقترب أوڤاميندرا من عرندس فصاح بصوتٍ عالٍ: لا لا، هتكلم هتكلم!
عامر: استنى يا أوڤاميندرا
- انجز علشان مستعجلين.

عرندس: راجح دلوقتي في عزا ابن عمه اللي مات في حادثة هو وولاده النهارده.

عامر: طيب يلا بينا، وانت هتيجي معانا.

انطلقوا وذهبوا إلى العزاء. جلسوا قليلًا، ثم أشار لهم عرندس إلى راجح واقفًا. قام عامر والسيد طلعت وقابلاه وأخذاه إلى جانب الطريق ثم تكلما معه عن الكتاب والورقة.

بكى راجح وقال لهم: آه، الورقة المقطوعة من الكتاب
- أنا فاكرها. الولا الصغير ابني قطعها وأنا لقيتها بعد ما السيد طلعت أخد الكتاب واحتفظت بيها.

السيد طلعت: فين؟
راجح: في الشقة.
عامر: اللي فيها البُص حاليًا؟
حازم: لا بقا، أنا مش راجع هناك تاني. العمر مش بعزقة
- كله منك يا عامر. لو كان جالك الجواب من ساعي البريد قطعته ونمت مكنش كل دا حصل.
عامر: استنى يا حازم.

راجح: مراتي وأمي الست الكبيرة مريضة السكر وولادي...
عامر: مالهم؟
راجح: البُص حابسهم في الشقة ولو مسلّمتش ليه نفسي والفلوس هيقتلهم.

في تلك اللحظة دخل رجلٌ عليهم وقال لراجح: الحق، أشرف فرحان.

حازم: فرحان ازاي في المصايب دي كلها؟

عامر: مين؟
حازم: أشرف.

عامر: تقريبا دا اسم واحد، وتقريبا كمان اسم حد تبع البص، وتقريبا كمان كمان هتشلني قبل البُص ما يقتلنا يا حازم.

راجح: إحنا لازم نهرب من هنا حالًا
- أشرف فرحان لو مسكنا هقتلنا.
حازم: وأنا مالي يا عم؟ يقتلجكم انتوا؟ أنا معملتش حاجة.
عامر: عارف مكان نهرب منه؟
راجح: آه تعالوا ورايا.

هربوا وذهبوا لمكان بعيد جلسوا فيه، ولكن راجح جلس صامتًا.

حازم (صارخًا له): ماتتكلم يا عم
- احنا عايزين الورقة، اتصرف!

راجحوهو يبكي بصوتٍ مكسور: أمي ومراتي وولادي هيموتوا وتقولي الورقة؟.

حازم: ما انت اللي ماشي غلط
- أكيد الفلوس دي بتاعة بضاعة مخدرات يا فاجر.

راجح: لأ، أنا عمري ما عملت الغلط

حازم: كلكم بتقولوا كدا.

عامر: اسكت يا حازم.
حازم: بالله عليك بلاش تطلع عامر الحنين من جوك ظلوقتي وتقولي هنروح ننقذهم
- احنا مش في غرناطة هنا، أنا مش عايز أموت بسبب تهورك.

عامر: خلاص ارجع بيتك يا حازم.
حازم: آه هرجع بيتي
- أنا أمي ملهاش غيري. كفاية بعدت عنها كتير وجريت ورا جنانك كتير، سلام.

سار حازم قليلاً ثم عاد وجلَس معهم.

عامر: ما مشيتش ليه؟
حازم: هديك فرصة تاني، معلش.
- بس لو هنموت المرادي انجز واختارلنا مصيبة تخلص علينا علطول.

ضحك عامر: للأسف أنا مش بختار المصايب هي اللي بتختارني.

راجح: هنعمل اي دلوقتي؟
عامر: أوڤاميندرا، فاكر لما دخلتنا جوة أوضة فرديناند في لحظات وكنا مختفين وخطفناه؟ تقدر تعمل كدا تاني وتخلينا نروح نجيب أهل راجح والورقة من غير ما يشوفونا؟

أوڤاميندرا: نعم، يمكنني فعل هذا.
عامر: طيب يلا جهز شفرتك
- هنروح أنا وانت والباقيين هيفضلوا هنا. خلينا ننجز ونخلص من الحوار دا علشان بوّخ أوي.

عندما رأى راجح أوڤاميندرا وعامر قد اختفيا فقد وعيه.

وبالفعل بعد لحظات وصلوا إلى بيت راجح وأخرجوا أهله وأحضروا الورقة من المكان الذي أخبرهم عنه، ثم عادوا إليهم.

عندما أفاق راجح وجد أهله أمامه. جرى على عامر واحتضنه وشكره وهو يبكي وسأله: ازاي دا حصل؟ انتوا مين ودا حصل ازاي؟.

فأجابه عامر: أهم حاجة أهلك معاك دلوقتي في أمان
- حافظ عليهم وماتعرضهمش للخطر تاني - وروح بيهم في مكان آمن بعيد عن عيون البُص ورجعله الفلوس. حياة أحبابك أهم من فلوس الدنيا كلها.

ودعوهم ثم مشوا، وعادوا بالقرب من منزل السيد طلعت.

عامر (موجِّهًا الكلام لأوڤاميندرا): أوڤاميندرا، وفيت بوعدي ليك
- اتفضل ورقتك، ويا رب ما تكونش ناسي حاجة تاني عندنا.

حازم (مازحًا مهددًا): لم أشياءك بقا ومش عايزين صداع تاني، عارف لو شوفت وشك في بيتنا تاني هفلقك نصين.

عامر: على فكرة هو فاهمك دلوقتي.
حازم: متهزرش.
عامر: والله.
حازم: أوڤاميندرا عم السحرة كلهم
- هتوحشنا يا نجم.
أوڤاميندرا: لك يا عامر عندي خدمة كما خدمتني، سأقدم لك أي شيء تريده.

عامر: لا شكرًا،
- أنا مش عايز حاجة غير أعيش مع أهلي وأربي أولادي في سلام.

أوڤاميندرا: كنتُ سأعرض عليك زيارة عالمٍ آخر من العوالم السبع.

حازم: لا يا عم شكرًا
- شبعنا جنان كفاية اللي شوفناه.

عامر: عالم تاني!! هو ممكن نروح عالم الخيال؟.

أوڤاميندرا: أجل، ولكن...

قاطعه حازم: مفيش ولكن
- انت مش هتروح مكان يا عامر، اتلم واقعد بقا علشان عيالك حتى ياخي.

عامر: حاضر.
أوڤاميندرا: خذ.
عامر: اي دا؟
أوڤاميندرا: هذه القلادة سأتركها معك. عندما تحتاجني البسها ونادني وسأكون هنا في لحظات.

عامر: تمام
- اتفقنا.

ودعهم أوڤاميندرا ورحل، وعاد السيد طلعت إلى بيته.

ثم سار عامر وحازم في طريقهما إلى البيت، فقال عامر: يا نهار أبيض
- خولة رنت عليا 73 مرة وتسنيم رنت كتير أوي.
ضحك حازم: عمومًا لو ملقتش مكان تبات فيه انهارده، بيت أخوك مفتوح.

عامر: عيب ياد
- أنا راجل في بيتي.

حازم: الحق خولة ورانا.
عامر: فين؟
حازم ضاحكًا: ماتخافش بس أوي كدا، بهزر.

عامر (متأملًا): لما تتجوز هتعرف إن الخوف أنواع
- مش كل الخوف جبن ومش كل الخوف وحش. لما تخاف من اللي بتحبه غير لما تخاف على اللي بتحبه، لما تخاف من رد فعله غير لما تخاف على زعله منك. الخوف المخلوط بالحب هو جزء لا يتجزأ من الحب يا حازم.

حازم: ممكن معاك حق،
- نفسي أتجوز وأعيش الإحساس دا.

عامر: ما انت مش راضي تقولي مين اللي عايز تتجوزها.

حازم: بسم الله
- أنا هكون شجاع وهتكلم: تسنيم.

عامر: اي ورانا هي كمان؟ بطل مقالب وهزار وهبل بقا.
حازم: لا قصدي بنت خالتي، تسنيم أختك.
عامر: مالها؟
حازم: لأ مفيش
- أنا كنت بهزر فعلا.

عامر: طيب اسرع شوية علشان اتأخرنا جدًا.

عاد عامر إلى المنزل وفتح الباب فتفاجأ بأن أوڤاميندرا ينتظره داخل البيت.

عامر: أوڤاميندرا!! فيه اي تاني؟ مش انت أخدت ورقتك وودعتنا ومشيت؟!.
أوڤاميندرا متعجبًا: الورقة، لقد أتيتُ للتوّ للبحث عن الورقة الناقصة بالفعل، ولكنّي لم أكن معكم كما تقول ولم آخذ منك شيئًا، ولم أرك إلا الآن.

عامر: يا عم هو انت فاقد الذاكرة ولا بتهزر ولا اي؟
أم عامر: مين دا يا عامر؟
عامر: دا يا ماما واحد من الناس بتوع العالم التاني.

أوڤاميندرا: أنا لم أرك إلا الآن كما أخبرتك.

عامر: وأنا بقولك إنك كنت معانا وأخدت ورقتك
- حتى بالأمارة اديتني القلادة دي وقلتلي لما تحتاجني البسها ونادي عليا هجيلك.

أوڤاميندرا: أرني القلادة.

عامر: أهي.

أوڤاميندرا (ينظر إليها بدقة):
لم أكن أنا، لقد سبقني إلى هنا....

عامر: من هو؟.....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...