الفصل 8 | من 8 فصل

رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل الثامن 8 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار

المشاهدات
17
كلمة
6,660
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

تسنيم نُقلت إلى المشفى، وحين أفاقت بعد ساعاتٍ طويلةٍ حاول عامر تهوين الصدمة عنها، إلّا أنها ظلت صامتة لا تُجيب أحدًا، كأن الكلمات قد هربت من روحها. بقيت ساكنة تمامًا، تحدّق في سقف الغرفة دون أن تنطق بكلمة.

جلس عامر إلى جوارها، ممسكًا بيدها، غارقًا في بحرٍ من الأسئلة التي لا يجد لها جوابًا. وكلما اشتعل الغضب في صدره تجاه حازم، كان يتردد فجأة في ذهنه صوت حازم يستغيث:
«أنا مظلوم... أنا مقتلتوش... أنا كنت بحاول أنقذه».

مرّ يومان وهي في المشفى، لا تتناول شيئًا، بل تعيش على محلولٍ وحقنٍ مهدّئٍ تُعطيها إياه الممرضة لتستطيع النوم.

وفي هدوء الليل...
طرق أحدهم الباب.

دخلت أمّ حازم في صمتٍ ووجوم، تقابلها نظرات حادة من" أبو عامر وأمه"، نظرات ممتلئة بالغضب والمرارة.

قال أبو عامر بخشونة:
«انتي اي اللي جابك هنا؟»

وأضافت أم عامر بحدة أكبر:
«يمكن مكفهاش اللي عملوا الزفت ابنها وجاية تكمل علينا!»

رفعت أم حازم رأسها والدمع يلمع في عينيها قائلة:
«انتي بتقولي كدا؟ طيب أبوها بيقول كدا علشان مايعرفنيش زيّك، لكن انتي؟ احنا أخوات... أكلنا في يوم من الأيام من طبق واحد... ولعبنا سوا... وكنا بنلبس سوا... ونضحك سوا... ونخاف على بعض من الدنيا... انتي يا نجوى تقولي كدا؟»

تدخّل عامر بصوت هادئ وحاد:
«عايزة اي يا خالتي؟»

قالت وهي تكتم شهقتها:
«ابني برييء يا عامر... انت أكتر واحد حافظ حازم وعارفه كويس أوي... وعارف إنه مستحيل يفكر يعمل كدا».

ردّ عامر وهو ينظر في عينيها بغضبٍ:
«طيب يا خالتي... ابنك بريء... بس تخيّلي معايا لما تدخلي تلاقيني ماسك سكينة مليانة دم... وجنبي إنسان مدبوح... اي أول حاجة هتفكري فيها؟»

قالت دون لحظة تردد:
«أنا مش بفكر في حاجة غير إن ابني برييء... ولو شوفته وهو بيدبح حد قدامي مش هفكر غير إنه برييء».

ابتسم عامر بمرارة:
«علشان ابنك... مش علشان هو فعلاً كدا».

قالت وهي ترجوه:
«يا عامر... حازم صاحبك».

أجاب بجمودٍ موجع:
«كان صاحبي... بس مابقاش... لما خاصمني سنة كاملة مش بيكلمني... واليوم اللي جه صالحني فيه... قتل جوز أختي».

حاولت الرد:
«يا عامر انت...»

فقاطعها بصوتٍ مُثقل بالكراهية:
«امشي يا خالتي... امشي علشان وجودك هيتعب تسنيم أكتر... وهيغيظ قلوبنا أكتر».

---

خرجت خالته مذعورة القلب، وغادرت المشفى بخطوات متثاقلة، وبعد لحظات نهض عامر من جوار سرير العناية المركزة وخرج إلى الممر. جلس على مقعد مقابل للغرفة، متكئًا بظهره إلى الحائط، وقد بدا الإنهاك واضحًا على ملامحه. لحقت به خولة في هدوء وجلسَت إلى جواره، محاولة أن تمنحه بعض السكينة.

«اهدأ، سيكون كل شيء على ما يرام.»

عامر:
«تعبت يا خولة، شكلنا مش مكتوبلنا نفرح شوية.»

خولة:
«ما تقوله فيه شيء من السخط، استغفر الله.»
عامر: «أستغفر الله.»

كانت خولة تتأمله بعينين يختلط فيهما الحنان بالحذر، ثم قالت:
«أعلم أن الأمر صعب، وأنك تحب أختك جدا وما حدث لها يؤرقك، ولكن عندي لك سؤال.»
«ما هو؟»
«هل حقًا تصدق أن حازم قاتل؟»

رفع عامر بصره إليها، وتنهّد تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدره:
«لا.»

فوجئت خولة بالإجابة، وقالت بعجب:
«لا!!، ولكن لماذا طردت خالتك ولم توضح الأمر لعائلتك؟»

عامر:
«علشان تسنيم نفسيتها هتتعب أكتر لو حست إني مع حازم، هتحس إني واقف مع مجرم.»

خولة:
«حسنًا، أخبرني بما يدور في رأسك؟»

عامر:
«سأذهب وأبحث عن الحقيقة بنفسي.»

خولة:
«ولكن بعد أن تنام قليلا.»

عامر:
«لا أريد.»

خولة:
«هيا لا تتعبني، ادخل إلى تلك الاستراحة ونم بضع ساعات قبل أن تذهب إلى أي مكان.»

عامر:
«حسنًا، وأنتِ؟»

خولة:
«سأجلس إلى جانبك حتى تستيقظ وسأنام بعدها، لا تقلق، هيا لا تهدر الوقت، أنت متعب جدا.»

استسلم عامر أخيرًا، ودخل غرفة الاستراحة. لم يطل نومه، لكنه كان كافيًا ليعيد بعض صفائه، فنهض مغادرًا المشفى متجهًا نحو قاعة الزفاف. وعندما وصل، وجد المكان مغلقًا بالشمع الأحمر وتحت حراسة الشرطة. سأل المتواجدين عن منزل مدير القاعة، شعبان، وحين عرف مكانه توجّه إليه مباشرة.

طرق الباب ففتح له الرجل..

عامر:
«أنا أخو تسنيم اللي جوزها اتدبح في الفرح.»
شعبان:
«أهلا وسهلا، تشرب اي؟»
عامر:
«أنا مش جاي أتضايف.»
شعبان:
«اؤمرني، جاي ليه؟»
عامر:
«مين اللي قتل أحمد؟»
شعبان:
«أكيد حضرتك عارف إنه ابن خالتك.»
عامر:
«اه بالظبط دا اللي أنا أعرفه، اي بقا اللي ماعرفوش؟»

لمح عامر توترًا في ملامح شعبان، فاقترب منه قليلاً:
«أنا شايف في عيونك كدب وخوف.»
شعبان:
«انت شكلك مجنون.»
عامر:
«إنسان بريئ هيتعدم بسبب ناس المفروض يكونوا مكانه... أنا مش بتهمك، بس المهم اللي انت مخبيه من الأحسن ليك تقوله دلوقتي وإلا هتندم بعدين.»

شعبان:
«انت جاي تهددني في بيتي؟»
عامر:
«مش بهددك أنا...»
شعبان:
«انتهينا، اطلع برة.»
عامر:
«هطلع برة، بس أوعدك وشي دا هتشوفه في كوابيسك كتير الفترة الجاية.»

خرج عامر من منزل شعبان وقد تضاعفت شكوكه، ثم اتجه مباشرة إلى قسم الشرطة طالبًا مقابلة الضابط المسؤول عن القضية.

استقبله الضابط أدهم في مكتبه، وقد بدا غير مهتم:
«سمعت إنك طالب تقابلني علشان عندك معلومات عن القضية.»
عامر:
«هي مش بالظبط معلومات حضرتك.»
الضابط:
«أومال اي؟»
عامر:
«يعني تقدر تقول شكوك وحاجات مش مظبوطة نقدر نبني عليها.»
الضابط:
«وانت جاي وهازز طولك ومقعدني قدامك علشان شكوك؟ امشي يا عامر، اطمن، كدا كدا حازم القضية لابساه بالمللي.»
عامر:
«بس أنا مش عايز كدا.»
الضابط:
«نعم!!»
عامر:
«حازم بريئ، فيه حد ملبسه القضية دي عمدًا.»
الضابط:
«مين؟»
عامر:
«معرفش.»
الضابط:
«فين الأدلة طيب؟»
عامر:
«مفيش.»

ضرب الضابط المكتب بيده في عصبية:
«مفيش في القانون حاجة اسمها بريئ بدون دليل براءة.»
عامر:
«يا أدهم بيه...»
الضابط:
«امشي سيبنا نشوف شغلنا، يلااا.»

لم يستسلم عامر، وقال:
«طيب هقولك حاجة أخيرة هتقنعك إن فيه حاجة غلط في الموضوع ومش هو القاتل.
النور اتطفى في القاعة وأحمد اتخطف واتقتل... والشرطة جت... كل دا حصل في أقل من ربع ساعة.»
الضابط:
«عايز تقول اي؟»
عامر:
«مفتاح الكهربا العمومي للقاعة بعيد عن المكان اللي اتقتل فيه أحمد، يعني مستحيل يكون حازم نزل المفتاح وراح خطف أحمد وقتله كل دا في أقل من ربع ساعة.»
الضابط:
«عادي، ممكن يكون معاه حد بيساعده.»
عامر:
«طيب وهو كمان اللي بلغ الشرطة قبل ما يقتل أحمد علشان ييجوا يقبضوا عليه؟»

تغيّرت ملامح الضابط، وظهرت عليه دهشة:
«ازاي؟ احنا جالنا البلاغ بعد الجريمة بنص ساعة.»
عامر:
«يا أدهم بيه، بقولك انتوا جيتوا بعد أقل من ربع ساعة من الجريمة، أنا متأكد.»

توقّف الضابط لحظة يفكّر، ثم قال ببرود:
«لو كلامك مظبوط يبقى فيه حاجة غلط فعلا، بس مفيش عليها دليل، يبقى ملهاش لازمة.»
عامر:
«حضرتك أنا...»
الضابط:
«اسمع بقا... حازم اتقبض عليه متلبس في مسرح الجريمة، والسكينة عليها بصماته، يعني كل حاجة بتقول إنه القاتل. لما يبقى عندك دليل أقدر أمسكه بإيدي ابقى تعالى.»

غادر عامر مركز الشرطة بخطوات مثقلة، ينهش اليأس قلبه.

---

في تلك اللحظة، كانت سيارة تقف بعيدًا، يجلس بداخلها رجل يراقب خروج عامر من مركز الشرطة. وما إن رآه يغادر حتى رفع هاتفه قائلًا:
«أنا شايفه دلوقتي خارج قدامي.»

وجاءه الرد:
«ـــ خلي عيونك عليه واعرف بيته فين؟.»

وانتهت المكالمة...

---

وبعد دقائق قليلة، رنّ الهاتف من جديد.

«ألوووو، يا باشا...
...
مظبوط زي ما توقعنا، راح للشرطة.
...
اسمه عامر، الواد دا شكله مش سهل وهيتعبنا وهيفضل يدور ورانا.
...
أمرك يا باشا، هعرفلك كل حاجة عنه قريب...»

---

عاد عامر إلى المشفى، ثم غادروا جميعًا بعد خروج تسنيم، وعادوا إلى المنزل. وفي اليوم التالي جلس عامر إلى جوار أخته، يحاول مواساتها وإخراجها من حزنها، لكن كل محاولاته باءت بالفشل؛ فقد بقيت صامتة لا تجيب أحدًا ولا تنظر إلى أحد.



وفي تلك الأثناء وصلت إلى هاتفه رسالة من مجهول...
لم تحتوِ الرسالة سوى كلمات قليلة، لكنها أفزعت قلبه:

« خولة، طلحة، عائشة، هاجر، أسرة جميلة بس لو فضلت تمشي ورانا هيموتوا بطرق أبشع من موت أحمد...»

ألقى عامر الهاتف بعدما أدرك أنّ حياة أسرته أصبحت على المحك، وأن عليه الاختيار بين حياتهم أو حياة حازم...

---

توجّه عامر إلى غرفته بعدما نامت تسنيم، وجلست خولة تتأمله بعينٍ تقرأ ما يخفيه قبل أن ينطق.

وقالت:
«ماذا حدث؟، لم تحكِ لي حتى الآن.»
قال عامر وهو يتجنب النظر إليها:
«مفيش حاجة حصلت.»
خولة:
«ولكنك تخبئ شيئًا.»
عامر:
«لأ.»
خولة:
«لأ!!، يبدو أنني سأقتلك يا زوجي العزيز، هيا أخبرني...»

رفع عامر هاتفه وأعطاه لخولة:
«شوفي مكتوب اي...»

نظرت إلى الشاشة قائلة:
«تهديد؟، ممن؟.»
فأجابها:
«احنا كدا متراقبين، لأني بدور على الحقيقة، والرسالة دي بتأكد إن حازم ضحية.»
فقالت خولة:
«معك حق، ولكن لا يهمني ولا يعنيني حازم إن تعلق الأمر بأولادنا.»
فقال مطمئنًا:
«ماتقلقيش على ولادنا.»
فانفجرت قائلة وقد علا صوتها:
«لا، يجب أن أقلق لقد رأيت بعيني زوج تسنيم وهو مذبوح، فهل تظن أنهم سيرحمون أطفالنا إن غضبوا..»
قال عامر:
«إنهم أطفالي أيضًا وأخاف عليهم مثلك ولن أضرهم، اهدأي..»
خولة:
«حسنًا، ولكن ستخبرني وستشركني في كل خطوة تقوم بها.»
عامر:
«ماشي، بس لما أعرف هعمل اي الأول.»
خولة:
«سنخطط للأمر سويًّا.»
عامر:
«الخيار بين حازم وبينكم.»
خولة:
«حسنًا دعني أفكر.»
عامر:
«أنا عندي فكرة.»
خولة:
«ما هي؟.»
عامر:
«هقول للظابط على اللي حصل وهبعتله الرسالة.»
خولة:
«هل معك رقم هاتفه.»
عامر:
«لا.»
خولة:
«وكيف ستتواصل معه؟.»
عامر :
«مش أنا اللي هعمل كدا، أنا هتصل بصاحبي هشام يروح للظابط ويفهمه ويبعتلي رقمه فهتواصل معاه وأشرحله.»

وبالفعل هاتف عامر صديقه هشام، ففعل هشام ما طُلِب منه. جرت مكالمة بين الضابط وعامر، ثم أرسل عامر الرسالة للضابط، فكلّف الضابط بعض الجنود بحماية منزل عامر ومرافقة الأسرة أينما ذهبت.

ثم أمر الضابطُ عامرَ بالحضور مع بعض أفراد الشرطة.

غادر عامر منزله متجهًا إلى مركز الشرطة بعدما اطمأن لوجود الحراسة، وما إن وصل حتى أخذ الضابطُ عامر وذهبا إلى بيت شعبان، فلم يجداه هناك.

فقال الضابط مستاءً:
«وبعدين يا عامر، راح فين دا كمان هو وأهل بيته كلهم.»
فأجابه عامر:
«أكيد هرب علشان أنا هددته.»
فقال الضابط:
«والحل دلوقتي؟.»
عامر:
«هو حازم حكى تفاصيل اللي حصل معاه؟.»
الضابط:
«لأ، هو في صدمة نفسية ورافض يتكلم.»
عامر:
«طيب ممكن حضرتك نروحله دلوقتي وتخليني أقعد أتكلم معاه لوحدنا؟.»
الضابط:
«ماشي.»

---

في هدوء الليل داخل مركز الشرطة، ساد صمتٌ ثقيل بينما جلس حازم قبالة عامر، ووقف الضابط على مقربة منهما يراقب الموقف.

وبعد أن انتهى عامر من سرد ما توصّل إليه، تابع مخاطبًا حازم بصوتٍ حمل مزيجًا من الرجاء والصرامة:
«أنا عارف إنك بريئ يا حازم، بس انت لازم تحكي وتتكلم عن اللي شوفته وحسيت بيه وقت ما حصلت الجريمة وازاي كنت بتحاول تنقذه.»

رفع حازم رأسه، وفي عينيه غضب ووجع: «انت جيت ليه؟ ماتجاوبش... أقولك أنا انت هنا ليه.. انت جاي علشان لما أتعدم يبقى ضميرك مرتاح وتقول لأمي أنا حاولت أنقذه، براڤو يا عامر، طول عمرك بتلعبها صح.»

تجمد عامر قليلًا قبل أن يقول بهدوءٍ مؤلم: «أنا مش الصورة القذرة اللي انت شايفها دي، وعمري ما كنت كدا..»

ردّ حازم بازدراء واضح:
«انت أقذر من كدا يا عامر.»

لم يغضب عامر، بل انخفض صوته:
«أيا كان يا حازم، أنا مش هزعل منك دلوقتي وهقدر حالتك وصدمتك من اللي حصل، بس انت لازم تساعدنا علشان نعرف نساعدك.»

قال حازم بجمود:
«أنا مش محتاج مساعدة من حد.»

اقترب عامر بجسده قليلًا وحاول تمالك غضبه أكثر:
«يعني اي؟ انت هتتعدم، فاهم يعني اي؟، يعني هتموت ظلم، وهيفضل القصة الغلط والظلم العار ملازمين لاسمك لنهاية الحياة.»

هزّ حازم كتفيه بلا مبالاة:
«اللي يحصل يحصل، أنا مابقيتش عايز حاجة من الدنيا.»

حاول عامر للمرة الأخيرة:
«طيب بلاش علشانك انت، علشان خاطر أمك.»

لكن حازم أدار وجهه بعيدًا وقال:
«انتهت المقابلة يا عامر... أنا عايز أرجع الحبس يا بيه.»

تدخل الضابط بصوت حازم:
«فكر تاني يا حازم، انت هتتعدم، خلينا نساعدك.»

فأجاب حازم ببرود:
«هطلب طلب أخير.»

التفت إليه عامر سريعًا.

فتابع حازم:
«قول لماما إني بحبها.»

ثم وقف حازم وأخذه الشرطي إلى محبسه.

وقف عامر شاردًا، يتطلع إلى الأرض بعينين مثقلتين بالحزن، بينما قال الضابط محاولًا كسر الصمت:
«وبعدين طيب هنعمل معاه اي دا؟»

أجاب عامر بثقة حزينة:
«هساعده، مش هسيبه، هعمل كل اللي أقدر عليه.»

الضابط:
«طيب الخطوة الجاية اي؟»

عامر:
« رسالة من رقم برة مصر، وشعبان اختفى، الناس دول بيحطونا في دايرة ملهاش نهاية.»

الضابط:
«أنا اديت أوامر يدوروا على شعبان في كل مكان ويتمنع من السفر.»

تابع عامر:
«طيب الرقم اللي بلغكم بالحادثة تتبعتوه؟»

أجاب الضابط:
«أكيد، بس غالبًا اتكسر واترمى فموصلناش لأي حاجة.»

ظل عامر يفكر لثوانٍ ثم قال:
«طيب خلينا نفكر بدماغ العصابة.»

رفع الضابط حاجبيه:
«ازاي؟»

عامر:
«دلوقتي هما قفلوا كل الطرق اللي ممكن توصلنا ليهم واختفوا وبيراقبوا من بعيد، فاحنا لازم نستدرجهم ونجبرهم يظهروا.»

مال الضابط للأمام:
«ازاي برضو؟»

عامر:
«أكيد بيت شعبان متراقب من رجالتهم علشان يتابعوا اللي بيحصل ويشوفونا هنعمل اي.»

هزّ الضابط رأسه:
«تمام.»

عامر:
«أنا هروح بيت شعبان وهبات هناك وهفضل موجود فيه.»

فزع الضابط قليلًا:
«ماينفعش، احتمال يقتلوك.»

لكن عامر ابتسم ابتسامة هادئة:
«بالظبط، أنا عايزهم ياخدوا الخطوة دي.»

أدرك الضابط الخطة وقال:
«ونقبض على رجالتهم، ومنهم هنعرف معلومات عن العصابة ونمسك طرف الخيط.»

أجاب عامر:
«بالظبط.»

قال الضابط:
«طيب هبعت معاك...»

قاطعه عامر بسرعة:
«مش هتبعت حد، أنا هروح لوحدي.»

اعترض الضابط:
«بس دا خطر، احنا ممكن مانلحقش ننقذك أو نقبض عليهم.»

قال عامر بإصرار:
«ماينفعش حد يكون معايا، لازم يتأكدوا إني لوحدي.»

فكر الضابط لحظات ثم قال:
«طيب... هنكون في أقرب منطقة ليك بلبس عادي وهنستنى منك مكالمة.»

ضحك عامر بسخرية خفيفة:
«هرن عليك وأنا بتقتل ازاي يعني؟، أكيد فيه حل أسرع من كدا.»

الضابط:
«طيب بص خلي المكالمة من أول ما تدخل البيت هناك مفتوحة بيني وبينك، واحنا كدا كد.»

عامر:
«تمام، طيب عايز جهاز تتبع تخبوه في هدومي.»

الضابط:
«ليه؟»

رد عامر:
«علشان هما أكيد مش هيقتلوني في بيت شعبان، هما هيخطفوني وياخدوني لمكان بعيد أتقتل فيه.»

الضابط:
«تمام... اقلع التيشيرت ساعة زمن وهظبطلك الحوار دا.»

وبعد إعداد الخطة كاملة وتجهيز كل التفاصيل، اتصل عامر بأهله وطمأنهم بأنه يقضي أمرًا متعلقًا بالقضية وسيعود في اليوم التالي.

وبعد قليل تحرك نحو بيت شعبان، واستغرقت رحلته ساعتين، إلى أن وصل أخيرًا. وقف أمام الباب يتفحص المكان بحذر، ثم طرقه ودخل بخطوات حذرة، يقلب عينيه في كل زاوية، قبل أن يغلق الباب خلفه ويبدأ تفقد المنزل غرفةً بعد أخرى.

---

رنّ الهاتف...

- «ألووو، مش هتصدق يا فاروق بيه... الواد اللي اسمه عامر لسه حالًا داخل بيت شعبان... لوحده.»

جاء صوت فاروق بيه فرحًا:

- «الفار دخل المصيدة برجله، اتأكدوا إنه لوحده، ومفيش حد ماشي وراه... وادخلوا هاتوه. أنا عايز الواد دا حيّ.»

- «اعتبره حصل... النهارده هيكون مرمي تحت رجلك.»

انتهت المكالمة.

---

عامر كان قد فتح الخط بينه وبين الضابط أدهم، وظلّ الحوار مفتوحًا وهو يترقّب. وبعد نصف ساعة سمع طرقًا لطيفًا على الباب... طرقًا لا يشبه طرق العصابات.

نظر عامر إلى الهاتف وقال:

- «إيه التخبيط الرقيق دا ماتوقعتش كدا؟... عموماً يا أدهم بيه، لو مت... بلّغ أهلي إني عملت دا علشان حقّ تسنيم يرجع... وقول لخولة مراتي تسامحني.»

الضابط رد بسرعة وقلق:

- «ما تقولش كدا... ما تقلقش، هتكون بخير. أنا مش هسمح لهم يقربوا منك.»

ابتسم عامر ابتسامة ممتزجة بالغضب:

- «أنا هفتح الباب.»

- «لأ! استنّى... مش دا اللي اتفقنا عليه!»

- «دمي بيغلي... بيني وبين اللي دمّروا فرحة أختي باب.»

- «عامر... اعقل. التزم بالخطة.»

- «حاضر... هلتزم بالخطة. هفتح جزء صغير من الباب وأحاول أأخرهم.»

وهنا... انقطع الاتصال...

---

صرخ الضابط في الخط الذي أصبح صامتًا:

- «عاااامر!... رحت فين؟!»

ولكن دون جدوى.

---

فتح عامر جزءًا صغيرًا من الباب، وثبَّت السلسلة الحديدية التي تمنع فتحه كاملًا. وإذا به يتفاجأ بفتاة متبرّجة-والعياذ بالله-لكن جمالها كان لافتًا-دي نكرة ودي نكرة-🤷‍♂️

قالت بنبرة ناعمة:
- «الأستاذ شعبان موجود؟»

رد عامر بجفاف:
- «لأ... مش موجود.»

حاول أن يغلق الباب، لكنها صدّته بيدها، ونظرت إليه بنظرة واثقة:
- «طيب... عامر موجود؟»

تجمّد للحظة، ثم قال وقد بدأ يدرك أنها منهم:
- «انتي مين؟»

ابتسمت ابتسامة ساخرة:
- «أنا مروة.»

رفع حاجبيه وقال بسخرية:
- «ياااه... تصدقي كدا عرفتك.»

مروة:
- «طيب هتفتح الباب بالكامل وندخل نتكلم... ولا هنفضل كده؟»

عامر:
- «نتكلم في إيه؟»

مروة:
- «ذكي... واللي بتعمله دا محاولة علشان تكسب وقت. علشان اللي جايلك ينقذك.»

ثم أشارت بيدها لرجالها ضخامي الأجسام الواقفين خلفها:

- «اكسروا الباب.»

وفي لحظة... تحطّم الباب، وانقضّ الرجال على عامر بقوة...

---

كانوا ثلاثة رجالٍ ضخام يقفون أمام الباب المحطم، أكتافهم تعلو وتنخفض من شدة اندفاعهم.

لم يفرّ عامر، بل ثبت في مكانه، ووجه لأوّلهم لكمةً حادّة أصابت أنفه فسمع صوت العظم وهو ينكسر، ثم استدار بسرعة وركل الثاني في بطنه ركلةً قوية جعلته يتراجع للخلف.
لكن الهجمة التالية كانت أعنف؛ التفّ اثنان منهم حوله وأمسكا بذراعيه بقوة تكاد تخلع كتفيه، بينما تقدّم الثالث وبدأ ينهال عليه ضربًا في بطنه وصفعاتٍ على وجهه حتى خارت قواه وسال الدم من فمه وأنفه.

رفعت مروة يدها إشارةً للتوقف.

انصاع الرجال فورًا، بينما تقدّمت هي وقالت:

- «البُص عايزه حيّ.»

توقفت لحظة، ثم نظرت إليه باستخفاف:

- «كان هيجرى إيه لو جيت معانا بكرامتك؟ لازم تتهان يعني؟»

كان عامر بالكاد يستطيع رفع رأسه، لكنه رفعها رغم النزف، ونظر لها نظرة غاضبة... ثم بصق في وجهها.

حدّقت فيه لحظة، ثم مسحت البصقة بإصبعها ببطء، واقتربت من أذنه هامسة:

- «أوعدك... هخليك تتمنّى الموت مليون مرة... ومش هنوّلهولك.»

ثم تراجعت خطوة وأشارت لرجالها:

- «خدوه للعربية... بسرعة.»

سحبوه بجسده المنهك ووضعوه في المقعد الخلفي، وقُيّدَت يداه بإحكام.

بعد لحظات انطلقت سيارات العصابة، وفي نفس اللحظة كانت سيارة الضابط أدهم ورجاله تصل إلى المكان وهم يلتقطون إشارات تتبع عامر. لمحوا السيارات تنطلق بسرعة، فاندفعوا خلفها وبدأ سباق مطاردة عنيف، تبادل خلاله الطرفان إطلاق النار عبر الطريق.

انحرفت سيارات العصابة فجأة نحو طريقٍ صحراويّ معزول، فتابعهم الضابط دون أن يدرك أنهم يستدرجونه.

توقفت سيارات العصابة فجأة، فتوقفت الشرطة خلفهم.
فتح الضابط باب سيارته وأطلق صوته بقوة:

- «سلّموا نفسكم... مش هتعرفوا تهربوا!»

ابتسمت مروة بثقة وقالت:

- «ومين قال إننا هنهرب؟»

وقبل أن يستوعب الضابط الكلمة، ظهر رجال مسلّحون من خلف سيارات الشرطة، مختبئين في الرمال والصخور، حتى وجد الضابط نفسه ورجاله محاصرين من الأمام والخلف... أعدادهم تفوقهم بثلاثة أضعاف.

صاحت مروة:
- «ارموا سلاحكم... وسلّموا نفسكم بهدوء.»

رفع الضابط رأسه وقال بصلابة:
- «مفيش ظابط بيرمي سلاحه.»

ابتسمت مروة بسخرية:
- «صح... معاك حق. بس في ظابط بيتقتل... عادي.»

ورفعت مسدسها وأطلقت أول رصاصة.
تلتها عشرات الطلقات من رجالها، فسقط الضابط ورجاله واحدًا تلو الآخر في ثوانٍ معدودة.

كان عامر يشاهد المشهد من داخل السيارة، عاجزًا، يدفع رأسه نحو النافذة كلما اهتزّت الضربة...
رأى الضابط يسقط...
ورأى الدم يغطي الرمال...
فأغمض عينيه وانفجرت دموعه في صمتٍ موجع.

عاد رجال العصابة إلى سياراتهم. ركبت مروة جوار عامر، وهي تضحك بشراهة وقالت:

- «بتعيّط يا قطة؟ شكلك كنت بتحبه قوي... خلاص، خد الشر وراح.»

رفع عامر رأسه ببطء وقال بصوتٍ مخنوق بالغضب:
- «هقتلكم...»

ضحكت وهي تضع رجلًا فوق الأخرى:
- «أوكي... لو فضلت عايش.»

ثم أمرت رجالها بدفن الضابط ومن معه في الرمال، وفعلوا ذلك...

وبعد دفن الأجساد، تابعت السيارات طريقها في عمق الصحراء... تاركة خلفها رائحة الدم، وموتًا بلا شاهد.

---

بعد ساعاتٍ طويلة، وصلت السيارات أخيرًا إلى مخزنٍ ضخمٍ معزول، مبنيٍّ من الخرسانة القديمة، تحيط به أضواءٌ خافتة تزيده رهبةً ووحشة.

أنزل الرجال عامر، وسحبوه إلى الداخل، ثم رفعوه بقسوةٍ وقيدوا يديه داخل حلقتين حديديتين تتدليان من السقف، بحيث يقف شبه معلق، لا يستطيع الحركة إلا بقدر ضئيل يؤلمه أكثر مما يفيده.

دخلت مروة ببطء، وسمع عامر كعب حذائها.

قالت بلهجةٍ آمرة:
- «اخلعوا هدومه الخارجية... وهاتوا الكهرباء، والنار، والمقصّات.»

امتثل الرجال، بينما كانت تنظر إليه بوقاحةٍ؛ فوجدته لا يطرف ولا يرتجف.

رفعت حاجبها ساخرة:
- «مش خايف؟ أكيد خايف. تعرف كام واحد قبلك... عملها على نفسه هنا من الرعب؟»

رفع عامر رأسه قدر استطاعته وقال بوضوح:
- «لا أخاف إلا الله. سبحانه الملك ملكه ونحن عباده، وكل شيء يجري في ملكه بأمره.»

قهقهت مروة باستهزاء:
- «الله؟!»

عامر:
- «الله، مالك الملك... القوي المتين.»

ضحكت مروة باستهزاء أكبر:
- «طلعت مؤمن وشيخ كمان! دا أنا هقطع من لحمك... وأخلي الرجّالة دول ياكلوه قدّامك. اي رأيك؟»

عامر:
- «لن تفعلوا إلا ما قدّره ربي.»
مروة:
- «أنا ملحدة.»

عامر:
- «آه... ملحدة. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.،
وعموماً... حلوة الصدفة اللي قدرتِ تجيبيني بيها لحد هنا.»

رفعت رأسها باستهزاء:
- «صدفة؟! كل اللي حصل... والكمين اللي عملته للشرطة... وأنت واقف قدّامي مربوط ومتهان... دا كله صدفة؟».

ابتسم عامر ابتسامة باهتة رغم ألمه:
- «عادي... زي الكون اللي مليان مجرّات ونجوم وكواكب صدفة...
زي إن كل شيء مظبوط بالملّي صدفة...
زي إن ليكِ شكل وملامح وهيئة وتفاصيل دقيقة مختلف عني تمامًا...صدفة برضو.»

صمتت مروة ونظرت إليه نظرة مترددة، كأن جملةً ما أصابتها في عمقٍ لم تعترف به. ثم هزت رأسها بعنف:

- «اسمع... ما تلعبش في دماغي. أنا هعذبك... وهخلي الإلحاد يدخل قلبك غصب عنك. هخليك تكره اليوم اللي اتولدت فيه.»

عامر بصوت هادئ قاطع:
- «مستحيل.
عارفة الفرق بيني وبينك؟»

مروة بحِدّة:
- «إيه؟»

عامر:
- «أنا عارف إن الدنيا دي ما تساويش حاجة... وبعدها جنة أو نار.
أما انتي... فماشية في طريق عتمة... لا انتي شايفة ولا انتي عارفة رايحة على فين.»

صرخت مروة:
- «اسكت! قلت اسكت!!»
ثم استدارت بعنف وقالت لرجالها:
- «ابدأوا بالكهربا... وأنا هرجع بعد شوية.»

بدأ الرجال في تعذيب عامر...
صعقاتٌ متتابعة تهزّ جسده المعلّق.
كانت الدقائق تمرّ عليه كدهورٍ طويلة لا تنتهي.

عادت مروة بعد فترة، ووقفت أمامه تبتسم ابتسامةً باردة:

- «ها... لسه مؤمن إن ربّك هينقذك مني؟»

عامر بصوتٍ ممزق، بالكاد يخرج من حلقه، لكنه لا يزال ثابت النبرة:
- «سبحانه... الملكُ ملكه.
ونحن عباده... يتصرّف فينا كيف يشاء.
إن شاء موتي فبحكمةٍ لا أعلمها...
وإن شاء حياتي فبرحمته وفضله.
ووالله... لو قطعتموني إربًا إربًا... لرجوتُ رحمته.
إن لم يكن هنا... فهناك.»

اقتربت مروة خطوة وقالت:
- «هناك فين؟»

عامر:
- «الآخرة... جنةٌ أو نار... وربٌّ حقٌّ لا يظلم مثقال ذرة.»

ابتسمت مروة ابتسامةً ملتوية وقالت:
- «بمناسبة النار... احرقوا ضهره بالجمر.»

تقدم أحد الرجال بوعاءٍ من الفحم المتّقد...
وقبل أن يلمسه:

انفتح باب المخزن فجأة، ودوى صوتٌ غاضب:

- «مروة!
ابعدوا عنه... حالًا!»

دخل رجلٌ مهيب، طويل، عابس الوجه، تكاد الأرض تهتز مع خطواته.

---

مروة:
- «إي يا دادي؟»

الرجل:
- «هو ده اللي قلتلك عليه؟... قلت عايزه حيّ.»

مروة:
- «ما هو حيّ أهو... أنا بس كنت هكهربه شوية، وأكويه شوية، وأقطع شوية لحم... الكلاب بتاعتنا جعانة.»

تبدلت ملامح الرجل للحظة، وقال:

- «مفيش حد اتجرأ يخالف أوامري قبلك... لو ده اتكرر تاني...
هعمل فيك كل اللي قلتيه من شوية... بالحرف.
فاهمة؟»

انخفض رأس مروة كطفلةٍ، وغادرت المكان بصمتٍ مطأطئ، حزينة لكنها عاجزة عن الرد.

الرجل للرجال:
- «لبّسوه هدومه... وهاتوه على العربية.»

---

في قصر البُص..
أجلسوا عامر على مقعدٍ جلدي، منهكًا، محطّم الجسد، والدماء ما تزال على أطراف فمه.

جلس الرجل أمامه وقال بصوت هادئ يناقض قسوته السابقة:

- «أنا آسف ليك يا شيخ عامر...
ماكنتش عايز دا يحصلك أبدًا...
مروة اتصرفت من دماغها.»

اكتفى عامر بنظرة طويلةٍ صامتة... ثم غاب عن الوعي.

---

بعد دقائق...

استفاق عامر على رائحة الليمون الدافئ.

الرجل:
- «اشرب... وهتبقى كويس.
وأكيد جعان... الأكل جاي.»

عامر بصوت متعب:
- «انت مين؟»

الرجل ابتسم ابتسامة ثقيلة:
- «أنا... البُص.»

تجمد وجه عامر.
هذا الاسم... وجد طريقه إلى ذاكرته.

البُص مال للأمام:
- «أكيد سمعته قبل كده... فاكر راجح؟»

تجمعت الخيوط في عقل عامر دفعة واحدة.

عامر بصوت مذهول:
- «يعني... أنت اللي قتلت جوز أختي؟! علشان فلوس راجح؟»

البُص:

- «لأ... جوز أختك كان من رجّالتي.
بيشتغل معانا في تجارة الأعضاء البشرية.
بس من ساعة ما خطَب... قرر يعمل نفسه شريف.
وهددنا يا نبعد عنه... يا يبلغ.
وانت عارف الباقي.»

عامر شهق:
- «أحمد؟!... مش ممكن... مش... معقول!»

البُص بلا مبالاة:
- «صدق... أو ماتصدقش.
أنا جبتك هنا... بعد ما شوفت صورتك وعرفت إنك أخو عروسة أحمد.
وكمان... أنت نفس الشخص اللي هرب راجح... وأنقذه من إيديا، أنا كنت بدور عليك في كل مكان»

عامر:
- «عايز مني إيه؟»

البُص ابتسم لأول مرة:
- «كده أنا بدأت أحبك.
أنا عايز فلوسي من راجح.»

عامر:
- «كام؟»

البُص:
- «خمسة مليون دولار.»

عامر:
- «ولو جِبتهم؟... المقابل؟»

البُص:
- «حياتك... وحياة عيلتك.»

عامر رفع إصبعه:
- «وحاجة كمان.»

البُص:
- «قول.»

عامر:
- «رجالتك اللي دبحوا أحمد... يروحوا يعترفوا.
وحازم يطلع براءة.»

تأمل البُص وجه عامر، ثم قال بثقة رجلٍ يملك أعناق البشر:
- «موافق.»

عامر:
- «وأنا أضمن منين إنك هتعمل كده؟
وإنك مش هتقتلني بعد ما أجيبلك فلوسك... وتسيب حازم يتعدم؟»

البُص بهدوءٍ مرعب:
- «مفيش عندك اختيار... غير إنك تصدّقني.
كلمة البُص عهد.»

عامر بعد صمت:
- «ماشي.
هجيبلك فلوسك.»

البُص اقترب أكثر، وصوته انخفض وبدأ في تهديد عامر:
- «تمام...
بس لما تفكر تغدر بيا...
اتذكر مشهد أحمد وهو مدبوح...
وتخيل مراتك وولادك مكانه.
دا بعد ما أسيبهم لمروة طبعًا.»

---

خرج عامر من القصر بخطوات متمايلة.
كانت مروة تقف بالخارج، عيناها تقدحان شررًا؛ لا تصدّق أن والدها سمح له بالمغادرة.

اقترب عامر منها...بوجهه المتورم.

قال بهدوء إنسانٍ عاد من الموت:

- « قلتُ لكِ، الكون كله يسير بإرادة الله، توبي يا مروة، فالله توابٌ رحيم...
ويفرح بتوبة عباده.
فكّري... وتوبي.»

مروة جمدت مكانها.
لم تتوقع منه جملةً كهذه...
ولا تلك النظرة التي كسرت شيئًا في داخلها دون أن تفهم كيف.

---

عاد عامر إلى بيته يجرّ جسده المنهك، ووجهه متورّم عليه آثار الضرب والصعق، وما إن فتح الباب حتى اندفع إليه أهله، التفّوا حوله، تتزاحم الأسئلة وتختلط الأصوات والخوف في العيون.

قال عامر بصوت مبحوح:
- أريد أن أرتاح قليلًا... سأُخبركم بما جرى حين أستعيد قواي.

انسحب من بينهم ودخل غرفته، وحاق به صداع ثقيل، ولم تمضِ لحظات حتى لحقت به خولة، وقلبها يكاد يسقط من بين أضلاعها. أسرعت إليه تحمل قطعة قماش وماءً باردًا، وجلست أمامه تمسح وجهه برفق، كأنّ يدها تحاول نزع الألم عن جلده.

قالت وهي تتأمل جروحه بعين تضطرب غضبًا وشفقة:
- ماذا حدث؟!

أدار وجهه قليلًا وقال محاولًا إخفاء الألم:
- لم يحدث شيء.

رفعت رأسها بسرعة، وقد ضاق صدرها من حجمه الذي يحاول حمله وحده:
- منذ متى وأنت تكذب يا عامر؟

تنهد، وظهرت زفرة صغيرة من عمق صدره:
- لست أكذب... سأحدّثك لاحقًا.

قالت بصرامة:
- لا، ستخبرني الآن... وهذا ما اتفقنا عليه.

سكت برهة، ثم قال وهو يشيح بوجهه كمن يستسلم:
- حسنًا... سأخبرك.

وسرد عامر عليها ما جرى، كل لحظة من التعذيب، وكل كلمة قالها البُص، وكل تهديد سمعه، حتى احمرّ وجه خولة غضبًا، وارتجفت أناملها وهي تقاوم رغبة جارفة في الصراخ.

قالت بصوت مكتوم من الغضب:
-« أنت لن تفعل ما طلبه منك ذلك الرجل... أليس كذلك؟»

قال عامر وهو ينظر إلى الأرض:
- يجب أن أفعل يا خولة... من أجل حياتكم... ومن أجل حازم.

قالت بانفعال:
- سنذهب إلى غرناطة... سنكون هناك بأمان!

هزّ عامر رأسه:
- هل سنقضي أعمارنا في غرناطة؟ في عالم لا يشبه عالمنا؟

- وماذا بعد؟! - قالتها خولة بصوتٍ عالٍ
- إذا ذهبت إليه وفعلت ما طلبه سيقتلك!، ماذا تظنني سأفعل بعد أن عرفت ما فعلوه بك؟! وتلك الوقحة التي آذتك... أقسم أنني لو رأيتها سأقتلها بيدي.

قال عامر محاولًا تهدئتها:
- اهدئي يا خولة... الأمر ليس كما تظنين. سأعيد إليه أمواله... وستنتهي كل الأمور.

نظرت إليه نظرة وجلٍ:
- لا أشعر بذلك...

وبينما كانت الجملة ما تزال عالقة في الهواء، طرق على الباب طرقٌ خفيفٌ ثم ظهرت أم عامر، ويعلو القلق علر وجهها:

- عامر... فيه راجل مستنيك برة.

التفت عامر بحدة:
- مين؟.....

.... يتبع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آسف على التأخر في رفع البارت
بسبب إني مريض شوية الفترة دي
دعواتكم ولكم بالمثل 🫰❤✨

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مستني رأيكم في الكومنتات بقا 👀❤

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...