الفصل 7 | من 8 فصل

رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل السابع 7 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار

المشاهدات
14
كلمة
5,114
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

في مساء اليوم التالي، توجّه عامر إلى بيت صديقه حازم، ذلك البيت الذي طالما دخله مطمئنًّا، فصداقتهما لم تزل يومًا تهتزّ رغم تقلّبات الدنيا. وما إن طرق الباب حتى استقبله حازم بوجهه المألوف المُحب، وعلى الفور عاد داخل عامر شعور الألفة الذي اعتاده مع صاحبه منذ طفولتهما.

دخل عامر، وقبل أن ينطق بكلمة، ارتفع صوت حازم منفعلاً وهو يقول: «أهلا يا عمورة.»
فابتسم عامر وردّ: «حزوم، أخبارك يا صديقي.»

لكن حازم سرعان ما قاطعه بصوتٍ حادّ وهو يقول: «الحمد لله، استنااااااا»،
فتلفّت عامر بدهشة: «اي حصل اي؟، خضتني.»
فردّ حازم بنبرة تحذيرٍ: «اقلع الكوتش، أمي لسه ماسحة الأرض ولو لقيتها اتوسخت تاني هتمسحها بينا أنا وانت.»
ضحك عامر وهو ينحني لخلع حذائه: «لا يا عم وعلى اي.»

وبمجرد أن دخلا غرفة حازم، جلسا متقابلين كما اعتادا دائمًا، فأخذ حازم ينظر إليه نظرة فضول قائلاً:
«اي بقا سر الزيارة المفاجأة، يا رب يكون اللي في بالي، تسنيم وافقت صح؟!.»

لكن وجه عامر لم يحمل البشرى التي توقّعها.

اقترب منه عامر جادًّا وقال: «اه بص، انت يا حازم عارف إني بحبك، إحنا أصحاب من ساعة ولادتنا ولا أي حاجة قدرت تفرقنا عن بعض…»

وبدأ يذكّره بمواقفهما القديمة، بينما يزداد توتّر حازم انتظارًا للكلمة التي يُخفيها.

وفجأة سأله حازم بقلق:
«اومال اي؟، اوعا تكونوا زعلتوها…»
ورد عامر مختصرًا:
«لأ برضو.»

تنفّس عامر ببطء وقال:
«يا حازم اسمعني بقا… تسنيم رفضت.»

ساد الصمت لحظة، تلتها نظرة صدمة على وجه حازم وهو يقول:
«رفضت؟!، رفضتني أنا يعني؟!»
ثم ارتفع صوته وهو يكرر: «بتهزر… عامر والله مش وقت هزارك الرخم…»

عامر:
«حازم، انت أكيد عارف إن كل واحد بيكون عنده في دماغه مثلا شخص معين بتفاصيل معينة، فلما شخص تاني بيتقدم بيرفضه مش علشان هو وحش بس علشان مش هو دا يعني ال...»

رفع حازم رأسه بصدمة، وقد اتّسعت عيناه كأن ضربة أصابته في صدره:
«يعني تسنيم فعلا رفضت؟»

تنفّس عامر بعمق محاولًا تهدئته، لكنه شعر بأن كلماته تُسكب فوق جمر مشتعل:

«هي مش رفضت، بس يعني شايفة إنكم مش مناسبين لبعض، يعني انت هتكون أحسن مع حد غيرها، وهي كمان.».

ارتجفت شفتا حازم وهو يهمس، وصوته يرتهس كأن قلبه يُنتزع من صدره:
«بس أنا عمري ما تخيلت نفسي مع حد غيرها وعمري ما هقدر أعمل كدا.»

تقدّم عامر نحوه قليلًا، كأنه يحاول الإمساك بالشرخ قبل أن يتسع:

«يا حازم، الدنيا مش بتقف على حد معين، دي أقدار ونصيب وانتوا مش من نصيب بعض.»

لكن الجملة لم تزد الأمر إلا سوءًا.

ردّ حازم بجفاف:
«ماشي تمام.»

ضاقت ملامح عامر بالانزعاج، شعر بأن كلمة تمام تلك كانت أشبه بصفعة:

«يعني اي تمام، على فكرة بتعصبني كلمة تمام بتاعتك دي، اتكلم قول اللي في نفسك.»

وهنا انهار الصمت، وتفجّر الألم دفعة واحدة. اشتعل وجه حازم غضبًا وأطلق ما كان يحمله من سنين في صدره:

«عايزني يعني أقولك اي؟، ها؟، أقولك إن الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها وكنت بحلم بيها كل يوم وكل ليلة بنام فيها وأقوم على حلم جوازي منها رفضتني؟، ولا أقولك إني إنسان فاشل وغبي ومعرفتش أكون الشخص المناسب ليها؟، ولا أقولك إني مش حلو زيك علشان توافق عليا؟، ولا أقولك إني مش عامر الذكي الحنين الوسيم اللي فيه كل حاجة تحلم بيها أي بنت؟، انت السبب إنها رفضتني يا عامر.»

تجمّد عامر في مكانه، لم يتوقع أن يسمع كلمات كهذه من أقرب الناس إلى قلبه:

«يا حازم الموضوع مش كدا انت تفكيرك غلط، أنا....»

قاطعَه حازم بصوت مكسور:

«بلا أنا بلا انت، انت أكيد قلتلها ماتوافقيش على حازم دا شخص غبي ومش مسؤول في تصرفاته ومش في مستواكِ يا حضرة الدكتورة.»

رفع عامر يديه في محاولة يائسة لوقف هذا السيل الجارف:
«لا والله، أنا مصدوم إني بسمع منك الكلام دا، بس هل تتخيل إني ممكن أعمل معاك كدا يا حازم، بالعكس أنا كنت...»

لكن حازم لم يعد يسمع شيئًا.

«أنا خلصت كلامي تقدر تتفضل..»

وقف عامر مذهولًا:
«بتطردني؟ يا حازم أنا مش هسيبك وانت كدا، لازم نقعد ونتكلم بالعقل، انت بس علشان متعصب، وأنا مراعي دا.»

هزّ حازم رأسه بعنف، والدمع يلمع في عينيه رغم محاولته إخفاءه:

«انت عمرك ما راعيت أي حد، انت إنسان أناني وطماع مابتحبش غير نفسك وبس، المهم تعمل اللي انت عايزه وتطلع على أكتاف الناس كلها وتوصله، هيموتوا، هتخسرهم، أيا كان مش مهم ولا يهمك هيحصلهم اي طالما عملت اللي يريحك.»

اقترب عامر خطوة، وصوته يترنح بين الخوف والحزن:

«يا حازم، اهدا بالله عليك.»

أشار له حازم نحو الباب بيد مرتعشة:

«امشي يا عامر، امشي، اللي بيني وبينك خلص.»

وفي تلك اللحظة… شعر عامر بأن أحد أعمق جذور حياته قد قُطع.

---

عاد عامر إلى بيته ودخل إلى غرفته دون أن يتحدث إلى أحد..

اقتربت منه خولة برقة وهي تقول:
«أعلم أنكما أعز أصدقاء وتحبه جدًّا، سامحه، وهو بالتأكيد لم يقصد ما قاله…»

لكن عامر لم يكن غاضبًا، بل كان ممزقًا من الداخل:
«أنا مش زعلان منه، أنا زعلان عليه.»

وبينما كانت خولة تحاول تهدئته، بدأ عامر يبوح بما يثقل قلبه منذ سنين، يتحدث عن حزنه المتوارث من طفولته، وعن ضياعه أمام ألم الآخرين وعجزه عن تغييره.
كانت الكلمات تتساقط منه كأنها تُشفى جرحًا داخليًا ظلّ طويلًا بلا دواء.

جلس عامر على حافة الفراش وقد أثقل الحزن كتفيه، بينما كانت خولة تقف قربه تنظر إليه بعينين يملؤهما القلق.
رفع وجهه إليها، محاولًا أن يزيح عن صدره الحمل الذي يخنقه منذ الأمس، ثم قال بصوت هش:

خولة:
«لم يكن بوسعك فعل شيء من أجله، لقد فعلت ما ينبغي عليك فعله.»

تنهد عامر طويلًا، كأن صدره قد عاد إليه جرح قديم:

عامر:
«أنا مخنوق أوي، طوال حياتي وأنا مش بعرف أشوف إنسان مكسور قدامي، أو أحلامه متحطمة، كنت بمشي في الطريق وأنا صغير كنت شاب يعني صغير، كل ما أشوف ست قاعدة على الأرض في عز الحر والشمس بتشحت قلبي بيوجعني عليها وبكون عايز أساعدها بس مش عارف، وفي البرد في الشتاء، تعرفي، أنا كنت بحب الشتاء جدا والمطر لحد ما شوفت في يوم راجل عجوز نايم على الأرض في البرد جسمه بيرتجف، أنا وقتها اديته الجاكت بتاعي واتأسفت ليه واحتقرت نفسي إني حبيت الشتاء في يوم من الأيام.
كنت بمشي ببقى نفسي أطبطب على كل حد زعلان وأقوله أنا آسف، سامحني مش عارف أعملك حاجة.
طول عمري كنت بكره أشوف حد عاجز أو مكسور قدام نفسه أو أهله أو قليل الحيلة، وعمري ماتخيلت إني ممكن أعمل في صاحبي في يوم من الأيام كدا بايدي.»

كانت خولة تنصت لكل كلمة، وعيناها تتحركان ما بين ألم زوجها وحنان قلبها عليه؛ ولما انتهى، اقتربت منه خطوة، محاولة أن تمنحه بعض السكينة:

«خولة: أنت إنسان طيبٌ ورقيق القلب يا حبيبي وهو أكثر ما يجعلني أعشقك، ولكن بالنسبة لحازم أنت لم تفعل شيء، أختك رفضته، وأنت نقلت له الأمر فقط.»

هزّ عامر رأسه ببطء، ثم تابع:

« بس شوفته مكسور قدامي ومعرفتش أعمله حاجة.»

استمعت خولة لكلماته حتى النهاية، ثم احتضنته وقبلت رأسه وقالت بأسلوبها اللطيف:
«اسمعني… سأعرض عليك شيئًا ويجب أن توافق… سأقتلك إن لم توافق.»

فنظر إليها عامر بدهشة وقال:
«اي.»

فأجابته:
«وعدتني أن نذهب إلى غرناطة؛ لأرى أمي صحيح؟.»

فقال عامر وهو يزفر زفرةً طويلة:
«تمام.»

لم يكد يفرغ من كلمته حتى أسدلت خولة حكمها وكأن الأمر قد تقرّر منذ زمن:
«سنذهب في الصباح، ونمكث هناك أسبوعين أو أكثر حتى تنسى ما حدث هنا.»

تغيّر وجه عامر قليلًا، ثم قال:
«مش هينفع أسبوعين، انتي عارفة عندي شغل أنا دلوقتي بقت عندي مدرسة القرآن الخاصة بتاعتي وحضانة تابعة ليها ودول بديرهم لوحدي، ولو غبت مين هيدير الحاجات دي.»

خولة:
«حسنًا أسبوع فقط ولن أتنازل.»

حاول عامر الاعتراض، لكنّها لم تُمهله:
«لا توجد مشكلة، ستمنحهم إجازة حتى تعود، هل سترفض لحبيبتك لولو طلبها الصغير، حسنًا كنت أعلم أنك لم تعد تحبني.»

اضطر عامر إلى الرضوخ، فتنهد مبتسمًا بشيءٍ من الاستسلام اللطيف:
«خلاص هعمل كدا، ماتزعليش، وهقول لأهلي رايحين نتفسح ونغير جو أسبوع رحلة وهنرجع.»

خولة:
«ولكن سنضطر هكذا إلى اصطحاب أبنائنا معنا، إن تركناهم سيشكون في أمرنا.»

فأجابها عامر بحرصٍ شديد:
«ماشي، هناخدهم معانا بس مش هنطول يا خولة، كام يوم ونرجع بسرعة علشان هناك خطر عليهم.»

فابتسمت وهي تغمض عينيها بلطفٍ ودلال:
«أمرك يا زوجي الجميل.»

ساد صمتٌ قصير، قبل أن يبوح عامر بمرارة:
«آسف يا خولة تاعبك معايا، ماشوفتيش يوم حلو من يوم ما اتجوزنا.»

فردّت عليه بلهجة مرحة خففت حدّة الكلام:
«أجل هذه حقيقة للأسف.»

ثم ضحكت بعد أن رأت صدمته:
«أنا أمزح وأنت تعلم، فقط أريدك أن تلقي هذا الحزن من على كتفيك.»

انحنى عامر قليلًا، وكأنه يسلّم لها بكل شيء، وقال بصوتٍ يفيض عشقًا:
«مش عارف أقولك اي، ولا أشكرك ازاي على كل اللي بتعمليه معايا يا خولة، جبتينا من غرناطة علشان أنسى سارة، وهتبعديني من هنا علشان أنسى حزني.».

اقتربت منه خولة ببطء، وقالت:
«لا تقل شيئا، أنت تستحق كل ما هذه الدنيا يا عامر، قلبي وروحي وجسدي، حتى عمري إن احتجته سأمنحه لك بلا تردد، أنا فقط أريدك سعيدًا دائمًا ولا يعكر صفوك شيء.»

رفع حاجبه مازحًا:
«ليه بقا؟.»
فأجابته مبتسمة:
«لأنك عندما تكون سعيدًا أكون سعيدة أيضًا وتصب عليَّ الحب صبًا، كل كلمة وكل فعل منك يغشاني بالحب.»

أطلق ضحكة صغيرة، وقال:
«اه فهمت انتي طلعتي مصلحجية.»
فانتفضت هي بغضبٍ مدهوش:
«مصلحجية!، أنا مصلحجية؟!»
ابتسم عامر بمكر:
«نعم.»

رفعت خولة إصبعها مهددة بطريقة أقرب للدلال:
«وما معنى هذه الكلمة يا سيد عامر، ولكن قبل أن تجيب تذكر، رقبتك على المحك.»

تراجع عامر قليلًا وهو يرفع يديه مستسلمًا، ويُظهر ملامح مصدومة مصطنعة:
«يمّا، اي الرعب دا، اي اللي خلاني أروح عالم تاني وأتجوز أنا، فيه واحدة تقول لجوزها هطير رقبتك؟٠»

ضحكت خولة بخفة، كما لو أن الأمر طبيعي تمامًا.

«خولة: أجل، بالطبع أنا.»

تنهد عامر وهو يتخذ وضع الفيلسوف الجاد، كأنه يستعد لشرح نظرية كونية:
«طيب بصي هشرحلك، انتي طبعًا عارفة إنه يجوز الكذب على الزوجة صح؟.»

اقتربت خولة أكثر وقالت:
«أجل، ولكنك لن تكذب.»

أشار عامر لنفسه بثقة مصطنعة:
« أكيد طبعًا، انتي تعرفي عني كدا؟، بصي يا ستي الشخص المصلحجي دا هو الشخص الذي يعطي بلا مقابل، ويضحي ويخلص من أجل من يحبهم.»

مالت خولة برأسها وهي تنظر إليه بعينين لامعتين، وكأنها وجدت ما كانت تبحث عنه:
«حقًا، جميل، إذًا أنت مصلحجي يا عامر.»

تجمد عامر بعد أن انقلب الأمر عليه:
« لأ طبعا أنا مش كدا.»

ضحكت خولة وهي تهز رأسها بثقة وكأنها تراه أوضح مما يرى هو نفسه:
«لا تتواضع، أنا أكثر من يعرف أنك مصلحجي.»

عامر:
«أصلا، خلاص مسكتي في الكلمة يعني، عموما أنا أستاهل، أنا اللي جبته لنفسي، شكرا، بس ماتقوليش لحد غيري كدا ماشي.»

ابتسمت خولة بمكر جميل:
«لا تقلق، لن أمدح غيرك أبدًا.»

عامر:
«شطورة.»

التفتت إليه خولة، تلوّح بيدها نحو السرير بإصرار لطيف:
«والآن، هيا يا قطتي حان وقت النوم.»

رفع عامر حاجبيه:
«قطتك!، عامر السيد ملك الأندلس بقا قطة على آخر الزمن.»

وضعت خولة يدها على خاصرته وقالت:
«وإذا تحدثت أكثر سأدعوك كتكوتًا، لقد علمتني تسنيم هذا الكلمة وأعرف معناها جيدًا.»

نظر عامر إليها بصدمة أكبر:
«اه دا ابن الفرخة الصغير»

قهقهت خولة وهي تشير إليه بإصبعها:
«مخادع، تظنني لا أعرف.»

عامر:
«ليه بتقولي كدا؟.»

ابتسمت خولة ابتسامة المنتصر.

«خولة: لأنه ليس كما تقول، الكتكوت هذا حشرة بقدر طول الإصبع هكذا وله ذيلٌ وأرجلٌ، كنَّا نسميه في عالمي وزغًا.»

تجمد عامر في مكانه:
«وبيمشي على الحيطة؟.»

أومأت بثقة.
خولة:
«أجل، لقد رأيته قبل أن يضربه أبوك بحذائه ويقتله، إنه ماهر في الرمي بالحذاء.»

فتح عامر عينيه بصدمة أكبر.

«عامر: لحظة بس، سيبك من حذاء بابا دلوقتي، تسنيم قالتلك على الوزغ اسمه كتكوت؟.»

أجابت كأن الأمر لا يحتمل النقاش:
«أجل.»

نظر عامر إليها ولا يدري أيضحك أم يشفق عليها:
«اه، هو انتي عملتي اي في حياتك علشان تيجي مصر، وتيجي البيت دا بالتحديد.»

ابتسمت خولة ابتسامة هادئة، صادقة أكثر من أي شيء:
«أحببتك.»

عامر:
«عملة سودا هتدفعي تمنها طول عمرك.»

ضحكت خولة، ثم أشارت إلى الباب:
«حسنًا، هيا يا طفلي المدلل، كفاك حديثًا واخرج وأخبر أهلك برحلتنا في الصباح، نريد أن ننام بضع ساعاتٍ قبل أن نذهب.»

---

في الصباح، حمل عامر طلحة صاحب الأعوام العشرة، ومعه هاجر وعائشة ابنتا الخامسة، وانطلقوا جميعًا نحو الأندلس، إلى عالم خولة القديم، وكان لا يزال مفتاح شقة حازم معه.

وبعدما دخلوا إلى عالم الماضي، كانت خولة طوال الطريق صامتة تتأمل الطرقات التي فارقتها منذ زمن، وحين بلغوا منزل أهلها توقف قلبها لحظة قبل أن تندفع خطواتها.

وما إن أبصرت أمّها حتى اندفعت الاثنتان نحو بعضهما، وامتزج بكاؤهما العميق. احتضنتها أمها بقوة، وسألتها خولة بلهفة:
«أين زوجك؟».
خفضت أمها رأسها بوجع وهمست:
«مات».

ساد صمت ثقيل، ثم احتضنتها خولة مجددًا، وقبّلت جبينها وهي تعتذر لأنها لم تكن بجانبها في أصعب لحظاتها.
لتردّ الأمّ بحنان: «كل ما يشغل بالي ويهمني هو أن تكوني سعيدة مع زوجك وأبنائك».

تقدّم عامر بخطوات هادئة، ووقف أمام أم زوجته معزّيًا، معتذرًا عن غيابهما الطويل عنها. جلسوا جميعًا في الدار طوال النهار، بينما كانت الأمّ تحكي لهما كيف أن ملك الأندلس عبد الرحمن يتكفّل بها شهريًا، ولا يتركها أبدًا، وتقول:
«إنه يكرمني من أجلك يا سراج الدين».

ابتسم عامر مطمئنًا وقال:
«رجل جميل لا يكفر بالمعروف. سأذهب لمقابلته وشكره قبل مغادرة غرناطة».

وبعد يوم طويل امتلأ بالحديث والذكريات، عاد عامر وزوجته إلى غرفتهما وناما واحتضنت الجدة في غرفتها أحفادها وناموا.

ولكن السكون لم يدم طويلًا؛ إذ فتح عامر عينيه فجأة زالتفت ناحية النافذة فارتجف قلبه… هناك، خلف الزجاج، كانت سارة تنظر إليه.
شهق مفزوعًا:
«سااارة؟ سااارة انتي حية؟!».

استيقظت خولة على صوته، واتكأت تبحث عن وجهه بقلق: «ما بك؟».
أشار نحو النافذة وهو يرتجف: «بصي… سارة».
نظرت خولة فلم تجد أحدًا، فعادت إليه: «أين؟».
رفع عامر يده بتوتر:
«والله كانت هنا… أنا شوفتها بعيوني».

تنهدت خولة بأسف:
«علشان كدا كنت خايفة نرجع غرناطة… كوابيسك عادت إليك مرة أخرى».

صرخ عامر بانفعال:
«بقولك شوفتها بعيوني! وكنت صاحي مش نايم… أنا هقوم ألحقها».

أمسكت به خولة تحاول جذبه إليها لاحتضانه، وتهدئة ارتجافه: «نام يا حبيبي…مفيش حاجة».
ابتعد عنها بعصبية:
«أنا مش مجنون! بقولك شوفتها بعيوني»، ثم اندفع خارج البيت يجري أمامه باحثًا عنها، لكن لم يكن هناك أثر لأحد.

لحقت به خولة، وما إن اقتربت منه حتى وضعت يدها على كتفه من الخلف برفق، فالتفت مفزوعًا وهو يقول:
«سارة؟!».

نظرت إليه خولة بعينين متعبتين:
«لا… أنا خولة. تعال معي يا عامر، الجو بارد جدًا».

لكنّه ظلّ متشبثًا بما رأى:
«أقسم لك أنني رأيتها تقف في الشباك وتنظر إلي… كأنها أتت لتطمئن عليَّ».

أجابته خولة بمرارة:
«سارة ماتت يا عامر».

قابلها بصوت مضطرب:
«قلت لك سارة لم تمت! ولن أصدق أنها ماتت مهما حاولتم إقناعي… أنتم تريدون موتها!».

رفعت خولة حاجبيها بدهشة موجوعة: «أنتم؟! ترى مع من وضعتني في كلمة أنتم يا عامر؟ مع أعدائك؟».

ارتبك، وانخفض صوته:
«خولة… أنا لم أقصد».

أدارت خولة ظهرها وقد جرحها قوله، وعادت إلى الداخل.
لحق بها عامر، يحاول تهدئتها ورأب الشرخ الذي أحدثه انفعاله. لكنّها وقفت أمامه بعينين دامعتين وقالت:
«كل مرة تثبت لي أنك ما زلت تحب سارة أكثر مني… لدرجة أنك لا تصدق موتها».

ارتبك وقال:
«خولة… الموضوع مش كدا».

هزّت رأسها بإحباط: «ما الذي فعلته سارة ولم أفعله أنا؟ طوال الوقت أحاول إسعادك ومحاربة الدنيا بأسرها من أجلك… من أجل ألا يصيب قلبك حزن أو أذى. وأنت كلما سنحت لك الفرصة تطعنني بسارة».

حاول الاقتراب منها:
«انتي عارفة أنا بحبك قد اي. انتي أول حد حبيته واختارته رغم إني عرفت سارة قبلك… دا أكبر دليل إني مش بحب حد قدك».

رفعت عينيها في وجهه، مستعيدة أوجاعها كلها:
«تحبني؟! لقد تركتني أسيرة في أيدي الصليبيين، يعذبونني ليلًا ونهارًا ويعاقبونني لأنني لم أقتلك كما أمروني… وعندما عدت إليك وجدتك في أحضان سارة زوجتك الجديدة. وخولة التي عُذّبت من أجلك… وضحّت بكل شيء تملكه من أجلك… نسيتها واتهمتها بالخيانة».

قال عامر بصوت منخفض:
«أنا وضحتلك وقتها دا حصل ازاي… كان غصب عني».

هزّت رأسها بوجع:
«لا يا عامر… أنت أحببت سارة أكثر مني، ومازلت تحبها. أنت تراها فيَّ… أنت لا ترى خولة. أنت لا تراني يا عامر».

---

في تلك اللحظة حاول عامر أن يقترب من خولة ليحتضنها ويمسح دموعها، لكنها أبت وأبعدته بوجه شاحب من الإرهاق والألم، ثم قالت بحدة متعبة:
«سأنام».

اقترب منها عامر خطوة، وكأن قلبه ينهار تحت قدميه، وقال بصوت منكسر، لا يجد فيه القدرة على الدفاع أو التبرير:

«مش هسيبك تنامي كدا، أنا آسف، أنا مش عارف أدافع عن نفسي ولا عايز أبرر ولا أدافع، أنا عارف إني مجرم وظالم وغلطان في حقك، بس عمري ما حبيت سارة ولا حد أكتر منك يا خولة، أنا حبيتها علشان كانت طيبة وزعلت عليها لما اختفت علشان كانت حامل بابني ومقدرتش أساعدها وهي بيحصل فيها كدا. أنا بحبك انتي يا خولة وهفضل طول عمري أحبك أكتر من أي حد في الدنيا دي كلها».

لكن خولة لم تجبه، واكتفت بقول:
«اخلد إلى النوم يا عامر».
ثم أدارت ظهرها، تُخفي دموعًا لم تستطع كبحها.

تظاهرت خولة بالنوم، بينما كانت دموعها تنساب بصمتٍ مرير، أمّا عامر فظلّ مستيقظًا بجوارها، عينيه معلّقتان بالسقف ونبضه يشتد كأنه يجلده على ما قال وما لم يقل. كان عقله على وشك الانفجار من قسوة أفكاره وتضارب مشاعره.

وبعد لحظات من الصمت الخانق، همس لها بصوت متحشرج:
«خولة، هديتي دلوقتي؟، علشان خاطري اسمعيني، أنا آسف على كل إحساس سيء حسيتيه بسببي، أنا آسف على كل حزن وهم وكل غصة أصابت قلبك بسببي، أنا يمكن مش الشخص اللي كنتي بتتمنيه يسعدك، بس أنا فعلا عمري ما كدبت عليكي في حبي ليكي، أنا ماحبتش سارة ولا أي حد في الدنيا قدك».

كان لصوته أثر على قلبها، فالتفتت إليه وعيناها لامعتان بالدموع، وقالت بنبرة مترددة تبحث عن يقين:
«حقًا».

فأجاب بلا تردد، كمن يعلن حقيقة لا شك فيها:
«اه والله، انتي بس شوفتي حزني على موت سارة حب زيادة ليها، مش مجرد حزن وشعور بالذنب لأنها حصل فيها كدا وأنا بعيد عنها، أنا حبيتها مش هكذب بس انتي حبيتك أكتر وانتي أغلى في قلبي وأثمن، وانتي حبيبتي الأولى والأخيرة يا خولة».

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، ثم عادت لتعبس بنظرة معاتِبة وقالت:
«ولماذا لم تقل لي هذا من قبل؟».

ضحك عامر ضحكة قصيرة يائسة وقال:
«يعني كل الحب والكلام الحلو والشِعر مش كفاية هما بس الجملتين دول؟».

قالت وهي تمسح دموعها بظهر يدها:
«أجل، كنت دائمًا أريد سماعها منك، أنك لم تحب ولن تحب أحدًا مثلما تحبني».

فقال: «حسنًا، آسف».

ردت بابتسامة فيها شيء من الدلال:
«لا عليك، أنا فرحة الآن، لا لست فرحة».

قال عامر بدهشة ممزوجة بتوتر:
«يعني اي طيب، مسامحاني ولا لأ؟».

أجابته: «سأسامحك نصف مسامحة».

قال: «والنصف الآخر؟».

ابتسمت بخجل وقالت:
«عندما تضمني إلى حضنك الآن».

عندها انقشعت غيوم الغضب، وسكنت الأرواح، وتلاشت المرارة التي خنقت قلبيهما طوال الليل.
عاد الدفء بينهما، وساد الهدوء أخيرًا، ومضت الليلة في سلام يشبه ميلادًا جديدًا للحب الذي كاد أن ينكسر.

---

وبعد أسبوع، عاد عامر وزوجته وأبناؤه إلى عالمه الحقيقي، إلى بيته الذي يحنّ إليه في كل غياب. عادوا حاملين معهم ما تبقى من ذكريات الرحلة الماضية، وكأنّ الرحلة كانت فصلًا طويلًا انتهى أخيرًا.

ومضت أيام قليلة قبل أن يتقدّم شاب يُدعى أحمد لخطبة تسنيم؛ طبيب زميل لها، معروف بين أهله وجيرانه بحسن الخلق، وحفظ القرآن، ولينه مع الناس. فوافقت تسنيم ووافق أهلها، وكانت بدايات السعادة تلوح في الأفق.

وبعد عامٍ كاملٍ، حلّ يوم الزفاف.

كان الفرح بسيطًا، في قاعة جميلة خالية من الموسيقى والاختلاط والتصوير بالهواتف، تزيّنها الابتسامات الهادئة والوجوه المحبة، وتعلو فيها الأناشيد الإسلامية التي منحت الليلة جمالًا وروحًا نقيّة.

جلست تسنيم إلى جوار زوجها الذي أحبّته بصدق، يكسوها حياءُ العروس وفرحتها. وكان عامر ينظر إليها نظرة تجمع بين الفرح والحزن؛ لم يُصدق بعد أن تلك الطفلة التي كان يحملها بين ذراعيه، ويمازحها ويغضب منها ويضحك معها، أصبحت عروسًا تُساق إلى رجلٍ غيره، رجلٍ تحبه ويحبها.

وعلى جانب آخر من القاعة، وقف حازم متخفيًا في ركن بعيد، لا يراه أحد. كان ينظر إلى تسنيم من بعيدٍ كما ينظر طفلٌ حُرم شيئًا يحبه، وكانت عيناه تلمعان بدموع مكبوتة حاول إخفاءها ولكنه لم يفلح.

وفجأة…

انطفأت أنوار القاعة، فتعالى صراخٌ مباغت، كان صوت تسنيم.

أسرع عامر يشعل إضاءة هاتفه، وركض باتجاه تسنيم فوجدها تصرخ وهي ترتجف. قالت وهي تكاد تختنق بالبكاء:
«خطفوا أحمد من حضني!»

اقترب منها عامر سريعًا:
«مين هما؟»

ارتجفت أكثر وهي تقول:
«معرفش، حسيت بايدين بتبعد إيدي وتزقّني بعيد… وخطفوه! وهو مكنش راضي يسيب إيدي… الحق أحمد يا عامر!»

اندفع عامر ركضًا، وصرخ في الحضور يأمرهم بإضاءة الهواتف والبحث عنه. أما هو فاتجه إلى لوحة الكهرباء بحثًا عن السبب، ورفع المفتاح، لتعود أضواء القاعة مرة أخرى.

ولم تمضِ دقائق حتى دوّى صوت من خارج القاعة يناديه...

ركض عامر نحو مصدر الصوت، لكنه ما إن خرج حتى فوجئ بمشهدٍ تجمّد له الدم في عروقه...

أحمد، زوج تسنيم، ملقى على الأرض مذبوحًا… والدم ينزف حوله كمشهدٍ من كابوس. وفي الجانب الآخر، يقف حازم عند رأسه، ممسكًا بسكين يقطر دمًا.

تصلّب عامر في مكانه بلا حراك ولا كلمات.

نظر إليه حازم بخوف وهو يقول:
«انتوا بتبصولي كدا ليه؟ عامر… أنا ما قتلتوش. أنا كنت بحاول أنقذه!»

لكن عامر ظل واقفًا جامدًا.

سمع حازم صوتًا يعلو من الخلف:
«أهو… اقبضوا عليه!»

التفت ليجد الشرطة تقترب بسرعة.

صرخ محاولًا التماسك:
«انتوا هتقبضوا على مين؟ أنا ماقتلتوش! أنا بريء والله العظيم! أنا كنت بحاول أنقذه!»

فأمسكه الضابط بقوة، وقال بصوتٍ حازم:
«ششش… معانا من غير صوت.»

ثم التفت إلى رجاله:
«طوّقوا المكان… اقفلوا المداخل… وحُطّوا حواجز حوالين الجثة لحد ما ييجي الطب الشرعي.»

حازم، المصدوم، التفت بعينين دامعتين إلى عامر وقال:
«عامر… قولهم إني بريء. انت عارف أنا مستحيل أقتل حد… أنا مظلوم يا عامر.»

كانت تلك آخر كلمة خرجت من فمه قبل أن يُساق مكبّل اليدين إلى داخل سيارة الشرطة.

وصلت تسنيم في تلك اللحظة، وما إن رأت زوجها ممددًا على الأرض، مذبوحًا، حتى صرخت وسقطت مغشيًا عليها.

وقف والد عامر ووالدته في صدمة لا ملامح لها. وركضت أم حازم خلف ابنها وهي تبكي وتنتحب وتقول:
«ليه يا حازم؟ ليه يا ابني؟»

لكن حازم لم يعد يرى شيئًا، وكأن صدمته عزلته عن العالم.

وهكذا… انتهت ليلة الزفاف التي بدأت بفرحٍ نقي، بجريمةٍ غامضة قلبت كل شيء....

يتبع…

بارت تقطيع الشرايين.. 😁💔
تفتكروا حازم قتله فعلا؟..
جاوبوا بتوقعكم في تعليق🤌

شير وريڤيو للرواية يا حلوين
وممتن ليكم مقدمًا يا أشطر قراء🫰❤

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...