-أنت؟!...
*- رجلٌ نحيفٌ قصيرٌ مقنَّع'*
عامر:
أنت من كنت تراقبني بعدما أسرنا الصليبيين!!
-أراد الرجل أن يركض فأمسكه عامر من يده وشده نحوه ثم لف ذراعه حول رقبته.
-وهنل أخرج الرجل خنجرًا وطعن به عامر في ذراعه.
-أفلته عامر فركض الرجل بسرعة واختفى في الظلام.
-وقف عامر في مكانه يتفقد جرحه وبعد لحظات قليلة سمع صوتًا من خلفه.
- لماذا تقف هنا؟، أليس من المفترض أن تكون نائما الآن؟.
عامر:
السيدة خولة.
خولة:
أجل، هي بنفسها وتسألك ماذا تفعل هنا الآن.
عامر:
شعرت بشخصٍ يحاول فتح الباب وعندما.....
-ما الذي أتى بكِ إلى هنا في هذا الوقت المتأخر؟!
خولة:
عدت من العمل مبكرًا لأنني كنت متعبة قليلاً فطلبت مني السيدة آمنة ألا أكمل العمل وأعطتني أجري كاملاً، إنَّها سيدة طيبة جدًّا.
عامر:
لقد جئتِ في نفس الوقت الذي هرب فيه الرجل.
خولة:
أيُّ رجل؟!!
عامر:
الرجل المقنَّع كان هنا وأمسكته ولكنَّ الجبان طعنني ثم هرب.
خولة:
الرجل المقنَّع؟!، هنا!!!، انتظر، لماذا تربط بين هروبه وبين مجيئي؟!، ما زلت تشك بي؟.
عامر:
نفس الجسد ونفس الطول وفي نفس الوقت، يا لها من مصادفة غريبة.
-نظرت خولة بعيونٍ دامعة يملؤها الحزن والألم:
هل تقصد أنِّي خائنةٌ وأحاول قتلك يا سراج الدين؟
عامر:
أجل وتساعدينني حتى لا تتركي أثرًا ورائكِ.
خولة:
يا سراج الدين....
عامر:
السيد سراج الدين، قائد جيش غرناطة، وأنتِ مجرد فتاة لا تربطني بكِ أي صلة فإياكِ أن تجردي اسمي مرةً أخرى،
-امتئلت عيونها بالدموع ولكنها حاولت كتمها ثم وقعت عينها على جرحه: آسفة يا سيدي، نسيت أنك السيد سراج الدين زوج أميرة غرناطة وقائد جيشها، سامحني وأرني جرحك هذا، لقد تعلمت من السيدة آمنة أشياء من الطب يمكنني أن أساعدك بها إن شاء الله
- أمسكت ذراعه لترى جرحه، وعامر ينظر إليها بندمٍ على ما قاله لها للتو، ولم يستطع أن يتفوه بأي كلمة.
خولة:
سأذهب إلى منزلي لأحضر بعض الأدوية وأعود...
-أدارت خولة ظهرها وابتعدت قليلاً ثم انهمرت بالبكاء حتى وصلت إلى منزلها...
- وبعد لحظات عادت ومعها الأدوية وأمسكت ذراع عامرٍ ونظفت جرحه من الدماء ثم بدأت في وضع الدواء عليه..
عامر:
سيدة خولة، أنا آسف، لم أكن أعني أنكِ...
-وهنا قاطعته خولة:
خذ هذا الدواء ستضع منه على جرحك كل مساء، يتبقى فقط أن أربط هذه القماشة على ذراعك، ابسط ذراعك قليلا.
خولة:
جيد، انتهينا الآن، الحمد لله.
عامر:
كنت أقول أنني آسف لما.....
خولة:
سيدي، أمامنا عملٌ وتخطيط في الصباح الباكر لذا يجب أن تنام جيدًا، تصبح على خير يا سيد سراج الدين، وداعًا.
وفي صباح اليوم التالي كانت الشمس قد بدأت في الصعود عندما قادت خولة عامر إلى حارة ضيقة في أطراف المدينة، حيث ينتشر دخان الفحم ورائحة الحديد المصهور.
خولة (وهي تشير إلى ورشة صغيرة):
"هنا... ستعمل مع الحداد حسن. رجل أمين وصادق، وله فضلٌ على كثير من أهل غرناطة."
عامر (وقد ابتسم وهو يراقب باب الورشة الخشبي):
"وأنا الآن مجرد رجل يبحث عن عمل... لا قائد جيش، ولا ابن مدينة، ولا زوج أميرة."
خولة (بهدوء):
"تأقلمنا مع هذا منذ زمن... لا بأس أن تبدأ من النار لتصنع سيفًا جديدًا."
---
ذهب عامر برفقة خولة واجتمع برجاله كعادتهم وفي اليوم التالي...
بدأ عامر يعمل مع الحداد حسن كل صباح.
يستيقظ مع الفجر، يغسل وجهه بماءٍ بارد، ويشد على ساعده الجريح، ثم يتجه إلى الورشة حيث المطرقة تنتظره والسندان لا يرحم.
كان حسن رجلًا هادئًا، قليل الكلام، لكنه راقب عامر بإعجاب وهو يتعلم بسرعة:
كيف يُشعل النار، يُطوّع الحديد، ويطرق بشدة ثم برقة، كأنما يسكب شيئًا من روحه في كل ضربة.
-وفي الظهيرة، يغسل عامر وجهه المكسو بالرماد، ويخرج من الورشة ليجد خولة تنتظره تحت شجرة زيتون في أطراف السوق القديم.
عامر (وهو يقابلها جوارها):
"بدأ الحديد يلين... لكن عبدون لا يلين."
خولة:
"لهذا نجتمع كل يوم بعد الظهر، اصبر وسنجد الحل قريبًا."
---
*كل يوم بعد العمل...*
كان عامر يلتقي بخولة، ثم يلتحق بباقي رجاله: عبد الرحمن، موسى، حازم، وسعيد.
يخططون، يدرسون، يرسمون طرق التسلل الممكنة، ويدوّنون أسماء المشتبه فيهم.
لكن عبدون كان حذرًا، وكل خطوة تقترب منه، كانت تُقابل بجدارٍ منيع.
---
وذات ظهيرة...
قابل عامر خولة كعادتهم، وكان التعب واضحًا على وجهها، فأخرج كيسًا صغيرًا من قماشه الرمادي، وأعطاها نصف ما فيه.
عامر:
"هذا نصف ما كسبته اليوم... ستتوقفين عن العمل."
خولة (وقد ارتبكت):
"أنا؟! لماذا؟."
عامر (وهو ينظر لها بثبات):
"من اليوم، لا أترك من ساندتني أبدًا."
خولة:
"لا يمكنني قبول ذلك."
عامر (وقد غيّر نبرة صوته فجأة):
"إذًا، إن أطعتني، سأخبرك بما كنتِ تسألينني عنه منذ أيام... عن العالم الآخر، وعن الرسالة الغامضة من سارة."
خولة (وقد ضيّقت عينيها):
"تُساومني؟"
عامر (وهو يبتسم للمرة الأولى منذ أيام):
"بل أحميكِ. وهذا ما يفعله القائد لأهله، أقصد لأهل مملكته."
-تأملت خولة ملامحه المتعبة، يده الملفوفة بالقماش، كتفه المرهق... ثم أومأت بخفة:
"حسنًا... لكنك ستفي بوعدك."
-عامر (بهدوء):
"سأفي."
---
*مضت الأيام...*
-عامر يطرق الحديد صباحًا، ويخطط مساءً، وخولة أصبحت أقرب إليه من أي وقتٍ مضى، كأنها ظلّه، أو نَفَسه إذا ضاق به المكان.
- وذات الصباح اجتمع عامر مع جنوده في قبو بيت سريّ يخططون كعادتهم.
-عامر (بنبرة حازمة):
"لقد طال تمادي عبدون... والوقت يضيق. نحتاج إلى خطة تُسقطه دون أن نُدخل المدينة في حمام من الدماء."
سعيد:
"عبدون يملك الآن حرسًا وجنودًا موالين له، وأي تحرك مباشر سيثير فتنة في أرجاء غرناطة."
- موسى(يحك ذقنه):
"حتى لو هاجمناه، سيحتمي داخل قصره المحصن... الأسوار سميكة، والحراسة مشددة."
وفي هذه الأثناء، دخلت عليهم خولة وهي تمسك بلفافة جلدية صغيرة ومجموعة مفاتيح نحاسية مربوطة بسلك قديم.
-خولة (وهي تضعها على الطاولة):
"إذن لن نهاجمه من فوق... بل من تحت.
إليكم... خريطة الممرات السرية تحت قصر عبدون... وهذه المفاتيح تفتح الأبواب الثلاثة."
سعيد (وقد قفز من مكانه):
"من أين حصلتِ عليها؟!"
خولة (بهدوء):
"حصلت عليهما من السيدة آمنة، كانت تعمل خادمةً في القصر وطلبت منها أن تأخذ نسخة من المفاتيح وتحضر الخريطة لي قبل أن ترحل، لقد كنت أنوي الدخول إلى السراديب ومهاجمة عبدون بمفردي إن لم تظهر أنت مرة أخرى."
عامر أمسك الخريطة بعناية، قلبها، نظر إليها طويلاً... ثم رفع رأسه وقال:
"الليلة... نبدأ النهاية."
-اقترب الجميع من الخريطة التي رُسمت بعناية، وبدأت خولة تشير إلى خطوط دقيقة تشبه المتاهات.
خولة:
"بُني هذا القصر فوق شبكة من السراديب القديمة... كانت تستخدم كمخابئ أثناء الحصار الكبير. ولا يعلم بوجودها الآن سوى قلّةٍ قليلة."
عامر (بدهشة):
"وهل ما زالت صالحة؟ لم تُهدم؟"
خولة:
"زرتها مع أبي قبل عدة أشهر. مداخلها ما زالت قائمة، لكنها تحتاج إلى شخص يعرفها جيدًا..."
عبد الرحمن:
"وهل تفتح هذه السراديب على القصر مباشرة؟"
خولة (بثقة):
"هناك ثلاث فتحات: الأولى خلف المطبخ القديم، والثانية في سرداب المؤن، والثالثة تؤدي مباشرة إلى غرفة عبدون."
-ساد الصمت. الجميع ينظر إلى عامر، الذي ظل يراقب الخريطة بعين القائد المحنّك.
عامر:
"إذا استطعنا التسلل من تلك المخابئ، نصل لعبدون قبل أن يشعر أحد... ثم نعتقله دون أن تراق الدماء."
-رفع عينيه وحدّق في وجوههم:
"سنُنَفذ الخطة فجرًا. الآن نوزّع المهام."
-ثم أشار إليهم واحدًا تلو الآخر:
-"عبد الرحمن... ستكون مسؤولًا عن مجموعة المراقبة، تراقب تحركات الحراس وتُعطينا الإشارة إن تغيّر شيء."
-"موسى... أنت ستقود فرقة التمويه، تُثيرون الضجة عند بوابة القصر لإبعاد الأنظار عن الممرات."
-"سعيد وحازم... تنزلان معي من المخبأ المؤدي لغرفة عبدون، لا نريد مفاجآت."
"وخولة... ستقودني عبر الممرات، أنت الوحيدة التي تحفظها خطوة بخطوة."
أومأ الجميع بالموافقة، وقد ظهرت الحماسة في أعينهم، وكأنَّ الخلاص قد اقترب.
عامر (بصوتٍ خافت لكنه صارم):
"هذه ليست معركة... إنها استعادة للحق، وإنهاء للخيانة من جذورها."
خولة (وهي تُغلق الخريطة وتضعها داخل عباءتها):
"إنَّها معركة من أجل استعادة شرف غرناطة."
- انتهى الاجتماع...
خرجوا في صمت، كل منهم يعرف أن الساعات القادمة قد تغير مستقبل غرناطة للأبد...
-عادوا إلى منازلهم وناموا وقبل الفجر بلحظات...
-الهواء كان باردًا وثقيلًا، والسماء تميل إلى الرمادي. تخفَّى عامر ورجاله ومشوا في الظلام حتى صاروا بالقرب من المدخل الخلفي للحديقة المهجورة خلف القصر، حيث تبدأ المخابئ القديمة.
عامر (بصوت خافت):
"هل أنتم مستعدون؟"
هزّ الرجال رؤوسهم بصمت ثم ذهب كل منهم إلى مكانه:
عبد الرحمن على سطح قريب يراقب الحرس عبر منظار بدائي.
موسى ورفاقه يقفون بعيدًا قرب بوابة القصر، ينتظرون لحظة بدء التمويه.
سعيد وحازم خلف عامر، ينتظرون الإشارة للدخول.
عامر:
"ماذا سنفعل مع هذين الحارسين، لا يمكننا الاشتباك الآن، نحتاجهم بعيدًا عن المدخل."
خولة (بثقة):
"لقد خططت لكل شيء، اتركوهم لي."
-خلعت خولة عباءتها الخارجية، وكشفت عن زيّ خادمة القصر، ثم أسرعت نحو الحارسين وهي تمثل التوتر والهلع.
خولة (وهي تلهث):
"سراج الدين ظهر في سوق غرناطة ومعه الكثير من الجنود والملك عبدون في الطريق إليه لقتاله وأمرني بإخباركما بالذهاب إليه فورًا!، يحتاج إلى دعم جميع الحراس، أرجوكم لا تتركوا سراج الدين يصل إلى القصر سيقتلكم ويقتلنا جميعًا "
-تبادل الحارسان نظرة سريعة، ثم اندفعا فورًا نحو السوق دون تفكير.
-في تلك اللحظة، عاد عامر ورفاقه من خلف الأشجار، وركضوا نحو اللوح الحجري، بينما كانت خولة تخرج مفتاحًا حديديًا قديمًا من تحت حزامها الجلدي.
خولة (وهي تفتح القفل المخفي خلف إحدى الصخور):
"سريعًا... يجب أن ننجز المهمة قبل أن يعودا."
-تحرك اللوح بصعوبة، كاشفًا عن فتحة مظلمة تؤدي إلى عمق الأرض، فدخل عامر أولًا، يليه حازم وسعيد، ثم تبعتهم خولة، وأعادت إغلاق المدخل خلفهم بحذر.
خولة (بهمس):
"هنا تبدأ الرحلة... الممر الرئيسي، يفضي إلى دهليز طويل، سننزل منه ثلاثة مستويات، ثم نصل إلى باب حجري خلف غرفة عبدون."
عامر (وقد أمسك بسيفه):
"انزلوا... ولا تصدروا صوتًا."
*داخل الممرات السفلية...*
كانت الجدران ضيقة، والرطوبة تُبلل الجدران، والسكون يخترقه صوت قطرات الماء من سقف النفق.
خولة تمشي أولًا، تحمل مشعلًا صغيرًا، تتوقف كل بضع خطوات وتقول:
"من هنا... احذروا الانحناءة... لا تلمسوا الجدار الأيسر، تحته فراغ."
-سعيد يتمتم: "كأنها حفظت المكان كما يُحفظ طريق البيت. "
-بعد دقائق طويلة، وقفوا أمام باب حجري ضخم، عليه نقوش باهتة.
خولة:
"خلف هذا الجدار، ممرٌ صغير يفتح مباشرة على غرفة عبدون. خلف ستارة من الحرير الأحمر."
عامر (بصوت خافت):
"سعيد، حازم، عندما أفتح الباب، التزما الصمت، وثبتا عبدون فورًا."
خولة (وهي متوترة):
"سيدي... ربما يكون معه رجال. لا تندفع."
عامر:
"عبدون رجل حذر، لكنه لا يتوقع من سيأتيه من تحت الأرض."
-فتح الباب بهدوء...
---
*في غرفة عبدون...*
كان عبدون جالسًا على أريكة عريضة، يقرأ شيئًا على ورقة، وإلى جواره سيفه وزوجته الجديدة- زوجة الملك الراحل-، وثلاثة حراس عند الباب.
-فجأة...
فُتحت الستارة بهدوء، وقفز منها عامر وسعيد وحازم دفعة واحدة!
عامر:
"لا تتحرك، عبدون!"
انتفض عبدون واقفًا، لكن قبل أن يصل إلى سيفه، كان سعيد قد طرحه أرضًا.
أما الحراس، فقد تراجعوا في ذهول، ورفعوا أيديهم عندما رأوا سيوف الجنود تلمع خلف الستارة.
عبدون (يصرخ):
"ما هذا؟! خيانة؟! سراج الدين الخائن، أنت تقتحم غرفة قائدك؟!"
عامر (وهو يقيده):
"بل أنقذ غرناطة من خيانتك."
-ثم التفت عامر نحو النافذة، وأشار.
-وفي الخارج...
كانت فرقة موسى قد بدأت التمويه، وأشعلت النيران في عربة خشبية قُرب البوابة، فاندفع الجنود نحوها.
-استغل عبد الرحمن اللحظة وأرسل الإشارة لبقية رجال عامر لدخول القصر من المخابئ الأخرى.
---
بعد ساعة...
كان عبدون مقيَّد اليدين، جالسًا في ساحة القصر، وأمام عينيه يقف الجنود والخدم يشاهدون كل شيء.
-خولة تمسك بالوثائق التي وُجدت في خزانة غرفته، وفيها مراسلات سرية مع ملوك وقادة جيوش الصليبيين.
-عامر (بصوت مرتفع):
"ها هو عبدون، من تآمر على غرناطة، وسعى لتسليمها طوعًا لأعدائها. لقد سقط دون أن نُريق دمًا... لأننا لا نريد أن نحقق للأسبان غايتهم في قتل بعضنا بعضًا ثم يقتحمون علينا مملكتنا ونحن في تمزقٍ وهشاشة."
-تعالى الهتاف من الجنود، وتقدم أحدهم قائلاً:
"سيدي، أوامرك؟"
-عامر (ينظر حوله، ثم نحو خولة):
"نبدأ الآن عهدًا جديدًا... بلا خونة، وبلا سيوف مغمسة بالخيانة.".....
---
حلّ الليل على غرناطة، لكن المدينة لم تنم.
المشهد تغيّر، والحرس تغيّر، والقلوب كذلك تغيّرت.
عامر يجلس في ساحة القصر الداخلي، وأمامه سجلّات، ومراسلات، وأسماء.
يدوّن، يقرأ، يوقّع... لكن عينيه لا تفارق بابًا خشبيًا صغيرًا في الجهة الشرقية.
ثم يسمع الخطى... فينهض.
خرجت أولاً أمّه، تمشي بخطى ضعيفة لكنها ثابتة، خلفها الأميرة سارة بوجهٍ باهتٍ من آثار السجن.
-عامر (وقد تقدم بسرعة نحو والدته):
"أماه... سامحيني. تأخرت كثيرًا."
أم عامر (وهي تمسح على كتفه):
"يا ولدي، كنت أعلم أنني ربيت رجلاً غيورًا وأسدًا جسورًا لن يغمض له جفنٌ حتى يحرر أمه وزوجته من قبضة عبدون ."
- التفت عامر إلى سارة، نظرت إليه بعيون دامعة:
"هل انتهى كل شيء؟"
عامر (بصوتٍ هادئ):
"انتهى ظلمه... وبدأنا في استعادة العدل."
-سارة (تبتسم لأول مرة منذ أيام):
"كنت أعلم أنك ستأتي... كنت واثقة."
ثم همست:
"شكراً لأنك لم تتركني وتذهب."
-عامر نظر إليها مطولاً، وكأن بينهما حديثًا طويلًا لا يحتاج إلى كلمات.
---
وفي مكان آخر من القصر...
كانت خولة تنتظر بجوار البوابة الداخلية، وعينيها معلّقة على موكب الأسرى الخارجين.
وفجأة، توقفت عيناها عند رجل نحيل، ملتحٍ، يتلفت ببطء.
تقدمت نحوه، نبضها يتسارع، ثم نادت بصوتٍ خافتٍ مرتجف:
"أبي..."
-التفت الرجل، نظر إليها، ثم دمعت عيناه وهو يفتح ذراعيه:
"خولة... ابنتي!"
ارتمت في حضنه، كما لو أنها طفلةٌ تائهة تعود إلى حضن أبيها بعد أعوامٍ من الضياع.
خولة (وهي تبكي):
"سامحني... لم أستطيع منعهم من اعتقالك."
-والدها:
"بل أنتِ التي أنقذتني... وأنقذتِ غرناطة."
---
*وفي جناح القصر الغربي...*
-تم القبض على زوجة عبدون، والدة الأميرة سارة، وكانت تحاول الهرب متخفية.
لكن خادمةً أبلغت عنها، وألقت الحراسة القبض عليها قبل مغادرتها المدينة.
-اقتادها الحراس إلى عامر، الذي وقف أمامها بصرامة:
"أنتِ شاركتِ عبدون في مؤامرته، وسُجنت الأميرة بسببك... ستُعرضين على المحكمة قريبًا."
صرخت:
"أنا أمّ سارة!"
عامر:
" لكنكِ لم تكوني لها أمًّا حين وضعتها خلف القضبان."
أشار عامر إلى الجند:
"خُذوها... حتى تُحاكم علنًا وحققوا معها ومع عبدون في تهمة التآمر مع الظل لقتل الملك ومحاولة قتلي من أجل كرسي غرناطة."
---
*في قاعة القصر الكبرى...*
-اجتمع الرفاق: عبد الرحمن، موسى، سعيد، حازم، وخولة.
كانت أم عامر تجلس إلى جانب الأميرة سارة، التي لم تتوقف عن النظر إلى عامر بنظرات مختلفة... نظرات امتنان، وشيء آخر بدأ ينبت في قلبها.
سارة (بخجل):
"لا أعرف كيف أرد لك ما فعلته..."
عامر (وقد نظر إليها بلطف):
"لم أفعله لأنتظر مقابلًا، بل لأعيد لكل مظلوم حقه... وأعيد لكِ حريتك."
ثم وقف عامر وسطهم جميعًا، وقال:
"غرناطة بدأت تتنفس من جديد... لكن أمامنا الكثير. سنطهر البلاد من الخونة، ونبنيها بالعدل لا بالسيف. واليوم... نعيد الحق لأهله، وغدًا... نبنيه معًا."
---
ختم الليل بمشهد لم تنسه غرناطة...
عامر يسير في ساحة القصر محاطًا برجاله، وعلى جانبيه: سارة بخطاها الهادئة، وخولة بوجهها المشرق، وأمه تباركهم بدعائها الصادق.
-في صباح اليوم التالي...
اجتمع عامر في القاعة الكبرى بالقصر، وحوله رجاله الأوفياء: عبد الرحمن، موسى، سعيد، حازم، وخولة.
-عامر (وهو يتصفح أوراق المراسلات التي وُجدت في غرفة عبدون):
"لم يكن عبدون يعمل وحده... هناك أسماء مذكورة هنا، بعضها في صفوف الجيش، وبعضها من وجهاء المدينة."
موسى (بدهشة):
"هل يعني هذا أن شبكته كانت أعمق مما ظننا؟"
عامر:
"أعمق... وأخطر. هذه الرسائل تحمل أختامًا من خارج الأندلس. يبدو أن هناك خطة أكبر كانت تُحاك لغرناطة من الداخل."
-خولة (وهي تشير إلى إحدى الرسائل):
"هذا الاسم... يوسف بن غانم، كان أحد المقرّبين من عبدون. كنت أسمع عنه في بيت السيدة آمنة، لم أكن أعلم أنه ضالع في الخيانة."
-سعيد (وقد بدأ يتململ):
"هل نكشفهم جميعًا دفعة واحدة؟ أم نمضي بحذر؟"
عامر (يحسم النقاش):
"لو كشفنا الجميع الآن، ستهرب البقية قبل أن نصل إليهم. نحتاج إلى فخ."
عامر (متحمسًا):
"نترك عبدون يتكلم... في العلن."
عبد الرحمن (باستغراب):
"ماذا تقصد؟"
عامر:
"ننشر خبرًا مفاده أن عبدون سيتحدث اليوم في محكمة علنية أمام قضاة المملكة... وسنراقب من يحاول الهرب، أو يرسل رسولًا، أو يقترب من القصر. حينها سنجبر الخونة على الإشارة إلى أنفسهم بإصبعهم."
خولة (وهي تبتسم):
"خطة ذكية... كلمات عبدون ستكون فخًا للصامتين."
---
*عند الظهيرة...*
-انتشرت الأخبار في الأسواق والميادين: "عبدون سيُعرض اليوم على القضاة، وسيفضح كل من تعاون معه."
-في الساحة المقابلة للمجلس، بدأ الناس يتجمعون. بعضهم فضول، وبعضهم خوف، والبعض الآخر يتصبب عرقًا رغم برودة الجو.
-عامر كان يقف خلف شُرفة صغيرة يراقب الوجوه. أرسل عبد الرحمن وسعيد لمراقبة البوابات، وخولة وحازم في أزقة المدينة لتتبع الرسل والحركات المريبة.
---
*وقبل غروب الشمس بقليل...*
-ركض عبد الرحمن عائدًا إلى المجلس، وقال لعامر:
"رأينا ثلاثة من أعوان عبدون السابقين يحاولون الفرار إلى خارج المدينة، ومعهم حقائب وأموال. أوقفناهم!"
-بعده بدقائق، وصلت خولة وهي تلهث:
"رأيت أحد المراسيل يسلم رسالة لرجل غريب قرب الحانة الشرقية... وسمعت اسم يوسف بن غانم!"
عامر (بهدوء وقوة):
"السمك بدأ يقفز من الماء... الليلة نتحرك."
---
في الليل...
انقسمت الفرقة مرة أخرى، وداهموا ثلاثة منازل في أرجاء غرناطة، واعتقلوا عدة أسماء كانت تعمل في الخفاء لصالح عبدون ومن معه.
وفي ختام الليلة، عاد عامر إلى مكتبه، متعبًا، لكنه مطمئنًا.
خولة (وقد دخلت بهدوء):
"كل شيء سار كما توقعت، سيدي."
عامر:
"لم أنجح وحدي... لولاكم، لبقي عبدون فوق عرشه."
نظرت إليه لحظة، ثم قالت بهدوء:
"غرناطة لم تُنقذ بالسيف... بل بالصدق والإخلاص."
- وهنا جاء عبد الرحمن يركض وهو يصرخ بكلمةٍ واحدة:
"سعيد، سعيد..."
عامر: ماذا حدث لصديقك؟
-جثا عبد الرحمن على ركبتيه وهو يبكي صاحبه:
وجده الجنود مذبوحًا في غرفة في الجناح الخلفي من القصر وفي جيبه هذه الرسالة.
عامر: أعطني الرسالة
"إليك هديتي الأولى...
في الحقيقة لم أكن أنوي قتل "سعيد"، لكنّ الحبر نفد، وكنت بحاجة إلى دمٍ أكتب به رسالتي.
دعنا من هذا وأخبرني كيف نجوت من خنجري؟، وكل من ذاقه، لم يُكتب له أن يتنفس بعدها...
إلا أنت.
نجوت...
لكنك لن تنجو مرةً أخرى.
كفّ عن العبث.
وارحل عن غرناطة، وافتح أبوابها للأسبان.
ارحل... قبل أن أكتب رسالتي القادمة بدمائك..... "
- الظــل.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!