سكن الليل في غرناطة، لكنه لم يجلب سكينة، بل أثقل المدينة بأصداء الغدر، إذ لا تزال كلمات الرسالة الملطّخة بدم "سعيد" تتردد في رأس عامر كطَرقات مطرقة على سندان.
> "إليك هديتي الأولى...
لم أكن أنوي قتل سعيد، لكن الحبر نفد، وكنت بحاجة إلى دمٍ أكتب به رسالتي...
دعنا من هذا، وأخبرني كيف نجوت من خنجري؟
كل من ذاقه لم يُكتب له أن يتنفس بعدها...
إلا أنت.
نجوت...
لكنك لن تنجو مرةً أخرى....."
---
وقف عامر بين رجاله، والدم ما يزال يبلل أطراف الرسالة.
عبد الرحمن (بحزن):
"كان وفيًّا، مستعدًا أن يموت في سبيلنا... سعيد لم يكن جنديًّا فقط، بل كان أخًا."
عامر (بصوت مبحوح):
"وقد رحل كالأبطال، لكن دمه لن يذهب هدرًا."
-اقتربت خولة، وجهها شاحب، وحاجباها منعقدان من شدّة الغضب والكتمان.
خولة:
"الظل يلهو معنا... يترك لنا رسائل لا لشيء إلا ليكسرنا. إنه لا يكتفي بالقتل، بل يُمعن في إذلالنا."
-المعتز بالله (وهو يتأمل الرسالة):
"لكن هذا لا يشبه سلوك قاتل مأجور... هذا شخص يعرفكم، يعرف نقاط ضعفكم، يختار ضحاياه بعناية ليؤلمكم، لا ليُنهيكم."
-عامر (وقد حدّق في الورقة طويلًا):
"هو يهددني... يطلب مني أن أغادر غرناطة وأفتح أبوابها للأسبان. هذا ليس قاتلًا... بل خائنٌ يعمل لأجل قوةٍ أكبر."
ثم رفع عينيه فجأة وقال:
"أين كان الحراس ؟ كيف دخل الظل إلى القصر؟"
حازم:
"راجعنا المناوبات... لا شيء مريب. لا أحد دخل عبر البوابات. سعيد كان في جناحٍ مغلق لا يدخله أحد دون إذن."
صمت عامر لحظة، ثم قال:
عامر:
"إذن، هو يعرف الممرات. يعرف أماكن غرفنا. وربما... يعيش بيننا."
خولة (بهمس متوتر):
"سيدي... ماذا لو كان في مجلسنا؟"
-نظر عامر إلى الوجوه حوله...
كلها مألوفة،
لكنه لم يعد يثق بأي وجه....
---
*في الصباح التالي...*
-أصدر عامر أوامر صارمة بتشديد الحراسة، وتبديل مواقع الحراس كل ساعتين. منع الدخول والخروج من القصر دون إذن شخصي منه.
-أمر بتفتيش كل الممرات القديمة، خاصة تلك التي تؤدي إلى الجناح الخلفي.
-عامر (بحزم):
"الظل اختار سعيد ليقول شيئًا. لقد نزع ورقة من شجرة قوية ليُضعف الجذع... ولن نسمح له بأن يظن أن تلك الضربة شقّت أرواحنا."
---
وفي المساء، جلس عامر في قاعة القصر يتأمل شجرة الأنساب المعلّقة على الجدار، يتتبع أسماء الأمراء، القادة، الأسر القديمة...
ثم تمتم:
-عامر (بصوت خافت):
"السيد عثمان... أين أنت الآن؟ ألم تكن في سجون عبدون؟ لم نعثر عليك يوم سقوطه... ولم نرَ لك أثرًا حتى الآن."
-رفع رأسه ببطء، ثم نظر إلى خولة الجالسة بعيدًا تقلب دفاتر المدينة.
عامر:
"هل يُعقل... أن يكون هو.....؟! "
---
وإلى جانب نافذة القصر، وُضِعَت وردة سوداء، غُرِزَت في حافة الحجارة. لم يضعها الحرس، ولم يرها أحد حين أشرقت الشمس...
تحتها ورقة صغيرة، طُويت بعناية، كُتب فيها:
> "الخسارة الأولى كانت تحذيرًا... التالية ستكون إعلانًا.
في المرة القادمة، لن يكون مجرد جنديّ.... بل قلب المملكة ذاته."
> - الظل
---
*وفي مكانٍ آخر....*
كانت الليلة ساكنة، على غير العادة.
المدينة نائمة، لكنّ الشر لا ينام.
بعيدًا عن القصر، في أطراف غرناطة الشرقية، كان بيت مهجور غارقًا في السكون... لا يزوره أحد، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منه. اعتاد الناس أن يصفوه ببيت النُذر، بيت الحكايات البائسة، حيث يُقال إن الأشباح تتحدث فيه بعد منتصف الليل.
لكن داخله...
كان الضوء خافتًا، ينبعث من مصباح زيتٍ قديم.
وفي منتصف الغرفة، جلس رجل طويل القامة، مغطى بالسواد من رأسه حتى قدميه، قناع معدني يكسو وجهه، لا يظهر منه سوى عينين لا تشبهان أعين البشر.
جلس أمام طاولة حجرية، فوقها خرائط متهالكة، ورموز غريبة، وأسماء حُفرت بأداة حادة.
أسماء معروفة:
سراج الدين
خولة
عبد الرحمن
موسى
حازم
وأسماء أخرى... لم تُذكَر من قبل.
ثم رفع رأسه، وقال بصوت خفيض ولكن مشبع بالكره:
"لقد جرّبتم أن تحاصروني... لكنني الماء، أتسلّل من الشقوق.
قتلتُ أحدكم، وبقيتُم واقفين.
الآن... ستنهار حجارتكم واحدة تلو الأخرى."
- وبعد لحظات ومن ظلامٍ دامس جاءت امرأة، ملثّمة، ترتدي عباءة خضراء داكنة، وعلى عنقها وشمٌ صغير لرمحٍ يمرّ خلال وردة.
المرأة:
"وصلت رسالتي إلى يد عامر. تمامًا كما طلبت."
-الظل (دون أن يلتفت إليها):
"أحسنتِ. سيشكّ في الجميع، وسينهار من الداخل."
المرأة:
"لكنهم بدأوا يتتبعونك... وأوشكوا أن يكتشفوا الطريق."
-أشار الظل إلى جدارٍ خلفه، فانفتح بطريقة سرّية، كاشفًا عن ممرٍ تحت الأرض.
الظل:
"لدي مئة مخرج... ولدي مئة تابع، كلٌّ منهم مستعد أن يقتل دون أن يسأل، ويموت دون أن يتردد."
ثم أمسك بخنجر مغطى بقطعة قماش سوداء، وقال:
"لم ينجُ أحدٌ من هذا الخنجر... إلا سراج الدين.
وسيندم أنه نجا."
---
في مكان آخر... داخل حيّ متواضع من أحياء غرناطة...
كان عبد الرحمن يسير خلف رجلٍ غريب، يتبع تعليمات عامر بمراقبة من يدخل ويخرج من المدينة بعد نشر خبر محاكمة عبدون.
الرجل بدا مرتبكًا، ينظر خلفه كل لحظة، ثم توقف عند منزل صغير، ودقّ الباب ثلاث دقات قصيرة، ثم طويلة.
فتح له غلام صغير، نظر حوله ثم أدخله.
انتظر عبد الرحمن قليلًا، ثم اقترب.
لكن قبل أن يلمس الباب،
اخترق الجدار بجانبه سهمٌ تفاداه في اللحظة الأخيرة.
-اختبأ فورًا خلف سارية حجريّة، ونظر حوله، لكن لا أثر لأحد.
رفع صوته:
عبد الرحمن:
"أنا لا أهابك يا ظل، أخرج إن كنت تملك شجاعة المواجهة!"
لكن لم يُجبه أحد.
فقط، سقطت عند قدميه ورقة مربوطة بريشة سوداء.
فتحها:
> "عيوننا مفتوحة... وآذاننا أقرب إليك مما تظن.
لا تراقبنا... بل راقب من بجانبك."
---
*وفي القصر...*
كان عامر يتلقى تقريرًا من أحد الرسل:
الرسول:
"سيدي، تم العثور على قطعة من ملابس سعيد، في بئرٍ قديم مهجور على أطراف السوق."
عامر:
"وماذا في ذلك؟"
الرسول:
"كانت هناك أيضًا قطعة من وشاحٍ أبيض... عليه تطريز خاص."
عامر (وقد عقد حاجبيه):
"تطريز؟"
الرسول:
"نعم، نقش قديم كان يستخدمه فقط خدم القصر في عهد الملك الراحل... من ضمنهم، شخص يُدعى عثمان."
---
عامر وقف فجأة، قلبه يخفق بشدّة.
عامر (لنفسه):
"السيد عثمان... إن عاد، فهو يعرف كل الطرق، كل الأسرار...
وإن خانه قلبه، فإننا أمام مصيبة لا تُدرك حدودها."
رفع رأسه وقال بصوتٍ عالٍ:
"فتّشوا أرشيف الحرس القديم. أريد كل شيء عن عثمان... من اعتقلوه، من استجوبوه، من قابلوه آخر مرة... وأين اختفى...."
---
في صباح اليوم التالي، اجتمع عامر برجاله في قاعة الاجتماعات الخاصة: عبد الرحمن، موسى، حازم، خولة، والمعتز بالله.
وبينما كانوا يناقشون الخطط المقبلة، فُتح الباب ودخلت الأميرة سارة، يعلوها الوقار، وتخطو بثبات ملكيّ.
سارة (بلهجة واثقة):
"أطلب أن أكون جزءًا من هذه الاجتماعات. لي حقٌّ في معرفة ما يُخطط لمملكتي حتى يتم مبايعة ملك جديد لغرناطة."
عامر (بهدوء):
"تفضّلي، يا أميرة غرناطة."
-جلست سارة، وأخذت تُراقب وجوه المجتمعين، ثم تركّز بصرها على خولة، التي جلست بصمتٍ معتاد.
-دار النقاش حول تحركات "الظل" المقبلة، وتفاصيل عملية اختراق شبكته. ظلّت سارة صامتة برهة، ثم قالت فجأة، بنبرة باردة:
سارة (بالفصحى الصارمة):
"ألم يكن وجودكِ بيننا، يا خولة، بدافع إنقاذ والدك؟ وها قد عاد، فما عادت لكِ ضرورة في هذا المجلس."
-ساد الصمت....
خفضت خولة عينيها ولم ترد، وبدت على وجهها علامات الانكسار، لكن كرامتها منعتها من التفوّه بشيء.
-تابعت سارة، بنفس النبرة الجافة:
"من الأفضل أن تغادري الآن... فهذه الاجتماعات للقادة والأميرات فقط."
هنا نهض عامر من مكانه، وعلت نبرته، وقد تغيرت ملامحه:
عامر (بغضب):
"كُفِّى يا سارة. السيدة خولة ليست غريبة عنا، بل هي إحدى أعمدة هذا المجلس، ومستشارتي الخاصة، ولن أسمح بإهانتها ما دمتُ على رأس هذا المكان."
سارة (وقد خفضت صوتها):
"لم أقصد الإهانة... بل..."
عامر (مقاطعًا):
"ما قصدتِه لا يُبرر ما قيل. لن يُطرد أحدٌ من هذا المجلس، خاصةً من قدّم حياته لهذه المملكة."
-التفت إلى خولة، لكنها كانت قد نهضت وغادرت القاعة في صمت.
---
*في باحة القصر الخلفية...*
أسرع عامر في أثرها، حتى لحق بها قرب السور الحجري.
عامر (لاهثًا):
"لماذا غادرتِ بهذه السرعة؟"
خولة (بصوت خفيض):
"لا أرغب في أن أكون سببًا في نزاع بينك وبين زوجتك."
عامر (وقد تغيرت ملامحه):
"كم مرة ينبغي لي أن أقول إن سارة ليست زوجتي؟!"
خولة (بأسى وهي تنظر إليه):
"سامحني... يبدو أنك فقدت صوابك، يا سيد سراج الدين."
صمت عامر لحظة، ثم نطق بشيء كاد يهزّ الأرض من تحته:
عامر (بهدوء ممزوج بالحزن):
"أنا لست سراج الدين... أنا عامر، رجل من عالم آخر. سارة هي من استدعتني إلى هنا، وأنا لا أنتمي إلى هذه البلاد."
نظرت إليه خولة بدهشةٍ صامتة، وكأنها تسمع كلماتٍ لا تُصدَّق.
خولة (بتردد):
"عامر؟ عالم آخر؟... سيدي، لعلّ التعب قد أثقل روحك. عليك أن ترتاح، وسيمضي هذا كله."
عامر (وقد اتسعت عيناه):
"أتعنين أنني مجنون؟"
صمتت.
عامر (بحسرة):
"لا بأس... أخطأت حين أحببتك. كنت أنوي أن أطلب يدك من أبيكِ بعد أن نتخلص من الظل. ولكن يبدو أنني كنت واهمًا."
-استدار وغادر المكان بخطواتٍ ثقيلة، يجرّ خلفه حزنًا لم يعد يستطيع حمله.
---
ليلٌ جديد يُطلُّ على غرناطة، ولكن هذه المرة، المدينة لا تصرخ ولا تشتعل.
الهدوء الثقيل يملأ ممرات القصر...
كأن شيئًا على وشك الانفجار، لا في الخارج، بل في الداخل. في القلوب.
كان عامر يجلس وحيدًا في القاعة الغربية، أمام موقدٍ خافت، ناظراً إلى اللهب كما لو كان يقرأ فيه شيئًا لا يراه سواه.
خطوات ناعمة اقتربت من خلفه.
لم يلتفت.
سارة، بثوبٍ أبيض فضفاض، وشالٍ ثقيلٍ يُغطي كتفيها، تقف على بُعد أمتار منه، صامتة للحظة، ثم قالت(بصوت خافت):
"أيعقل أنك ما زلت غاضبًا؟"
-لم يجب.
سارة (تتنفس ببطء):
"ربما كنت قاسيةً أكثر مما ينبغي... لكنني لم أكن أقصد أن أجرحك."
-التفت عامر نحوه أخيرًا، بعينين هادئتين، دون حدّة، لكن أيضًا دون دفء.
عامر:
"لا يهم ما كنتِ تقصدين، بل ما قلتِ، وما فعلتِ."
-سارة (بخجل):
"أنا... لست معتادة على أن يُخالفني أحد، أو أن يُغضبني رجل... ربما لهذا تصرّفت بتلك الحماقة."
-ابتسم عامر بسخرية خفيفة.
عامر:
"إذا كنتِ تطلبين الصفح لأنكِ معتادة على السيطرة، فلستِ بحاجة لاعتذار.
أنا لست من رجال بلاطكِ يا سارة."
-اقتربت منه قليلاً، وجلست بصمت، تنظر إلى اللهب معه، ثم همست:
سارة:
"لكنك لست أيّ رجل...
أنت أنقذتني، واخترت أن تلقي بنفسك في وسط النار على رغم أنك كنت تملك مفتاح العودة، أنا على قيد الحياة الآن بسببك أنت، وغرناطة لم تسقط بسببك أنت."
-لم يرد.
سارة (تنظر إليه):
"عامر... أنا آسفة."
-قالتها بصوت خفيض، دون أن تنظر إليه هذه المرة، وكأنها تخشى ردّه.
-صمت ثقيل مرّ بينهما....
سارة:
"أتعلم؟... كنت أظن أني أعرف معنى القوة.
أن أحكم، أن أُصدر أوامر، أن يُسمع لي الكلام.
لكنني حين رأيتك ترفض كلامي دون تردّد، شعرت لأول مرة أنني لا أملك شيئًا... ولا حتى قلبي."
رفع عامر نظره نحوها، لكن لم يقل شيئًا.
سارة (وقد ابتسمت بمرارة):
"كنتُ أعجب بك منذ لحظة دخلت من بوابة القصر...
ثم كرهتك لأنك لم تلتفت إليّ كما يفعل الجميع.
ثم أحببتك، فقط لأنك كنت مختلفًا... صادقًا."
-ظل عامر صامتًا، عيناه لا تهربان من عينيها، لكن لسانه يقيّد ما يشعر به.
سارة:
"هل ترفضني لأنني قاسية؟... "
عامر (بهدوء):
"لا أرفضك، يا سارة... بل أرفض أن أكون جزءًا من صراعات لا أفهم دوافعها.
أنا غريب عن عالمكم... وأنا نفسي، ما زلت لا أعرف من أكون تمامًا."
سارة (وقد اقتربت قليلاً):
"أنت من نحتاجه الآن...
وأنا...
أنا أحتاجك."
-امتدت يدها لتلامس يده، لكنه سحبها بهدوء.
عامر:
"لا تطلبي مني أن أبادلك شعورًا لا يزال يتخبط داخلي.
قلبي ليس فارغًا... ولا مستعدًّا لأن يكون ساحة حرب بينكِ وبين أيّ أحد."
صمتت سارة، وعيناها تنكمشان كأنما تخشى الدموع أن تفضحها.
سارة (بهمس):
"هل أحببتَها؟"
-أدار وجهه، ولم يجب.
سارة (تبتسم بسخرية):
"لا حاجة للإجابة. السكوت كان دومًا أبلغ من الكلام."
وقفت بهدوء، نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بلغة أكثر نضجًا، كأن شيئًا ما في داخلها انكسر بهدوء:
سارة:
"شكرًا لأنك لم تخدعني...
وشكرًا لأنك أنقذتني من غروري، قبل أن تنقذني من عبدون."
-استدارت لتغادر، لكن قبل أن تصل إلى الباب، توقفت، ثم همست دون أن تلتفت:
"إذا احتجتني... ستجدني دائمًا إلى جانبك، واسمح لي أن أحضر في مجلسك، أمَّا عن خولة فأنا سأذهب وسأعتذر لها ولأبيها وسأعيدها إلى مجلسك من جديد، لعلك تسامحني."
-وغادرت.
---
جلس عامر في مكانه، يحدّق في الموقد، والنار تتلاشى شيئًا فشيئًا.
همس لنفسه:
"وهل أحتاج حقًا إلى مزيد من المعارك... في قلبي؟".....
---
*قبل الفجر بلحظات...*
جلس عامر في جناحه الخاص، يُراجع الرسائل المضبوطة، والأسماء المتورطة في خيانة عبدون، والرموز التي لم تُفكّر بعد.
أحسّ بشيء ناقص، شيء لم يُغلق بعد.
تأمل قائمة المعتقلين...
ثم همس:
"السيد عثمان... أين هو؟"
رفع رأسه ببطء، وكرّر:
"ألم يكن السيد عثمان من أوائل المعتقلين في عهد عبدون؟
أين اختفى بعد تحرير القصر؟"
أسرع إلى غرفة الاجتماعات، استدعى عبد الرحمن وموسى على الفور.
دخل الرجلان وهما لا يكادان يلتقطان أنفاسهما من الحيرة والقلق، فبادرهم عامر:
عامر (بحزم):
"هل تفقّد أحدكم قائمة السجناء المحرّرين ليلة سقوط عبدون؟"
عبد الرحمن:
"راجعنا معظم الأسماء، وأرسلنا من يعيدهم إلى منازلهم بعد التوثيق... لم نُبلّغ عن فقدان أيّ شخص."
عامر:
" والسيد عثمان؟."
موسى (باستنكار):
"لا أدري ولكن لا أظن خيانة عثمان، مستحيل... لقد كان حجرًا في أساس المملكة، وكان الظل يطارده منذ أعوام!"
عامر:
"ومن يُطارَدُ طويلًا... يعرف كيف يختبئ جيدًا.
أو... كيف يُخفي خيانته."
-ساد الصمت....
عبد الرحمن:
"أتظن أنه انقلب؟"
عامر:
"لا أظن، لكنني لا أستبعد. عبدون لم يكن يعمل بمفرده. كان هناك يد خفية تحرّكه وتُنسّق معه في الظل... شخصٌ أذكى من أن يُرى... أقدم من أن يُنسى."
موسى:
"هل تعني... الظل؟"
عامر نظر إليهما نظرةً طويلة، ثم تمتم:
"أخشى أن يكون الظل قد لبس قناع عثمان."
---
*صباح اليوم التالي..*
اجتمع عامر برفاقه في القاعة الكبرى.
-خولة بعد أن عادت وسارة أيضًا حضرتا الجلسة، كلتاهما تحمل تعبيرًا مختلفًا؛ الأولى يقظة، مركّزة، والثانية هادئة، حذرة.
-وضع عامر أمامهم خريطة صغيرة، تحيط بالقصر ومراكز الاعتقال المؤقتة.
عامر:
"عثمان لم يُسجّل في أيّ من مراكز التوقيف. لا جثة، لا أثر، لا رسالة، لا شيء."
سعيد (وقد عاد من جولة خارجية):
"سيدي... لدينا دليل."
أخرج ورقة صغيرة، عليها ختمٌ مشوّه وكلمات ممزقة، سلّمها لعامر.
قرأها الأخير بصوتٍ منخفض:
> "...لا تفتحوا الباب الثاني... إنه ليس كما تظنون... عثمان... لم يعد عثمان..."
-ارتفعت رؤوس الجميع.
سارة (بتوتر):
"ما معنى هذا؟ هل أصيب في السجن؟ هل تعرّض لغسيل دماغ؟"
-خولة (بهدوء قاتل):
"أو أنه انقلب علينا قبل ذلك بكثير... وتظاهر بالولاء حتى اللحظة المناسبة."
عامر:
"يبدو أن عثمان خرج من السجن... قبل دخولنا بساعات.
والأغرب أن الحراس لا يذكرون أنهم رأوه يغادر."
المعتز بالله:
"هل يكون استخدم أحد الممرات السرية؟"
عامر:
"ربما... أو أن من أخرجه كان من داخل القصر.
أريد كل مَن كان ضمن طاقم الحراسة تلك الليلة، يُستجوب قبل الغروب."
---
*ما بعد الغروب...*
عاد عبد الرحمن مسرعًا يحمل تقريرًا صغيرًا:
عبد الرحمن:
"أحد الحراس اعترف بأنه تلقّى أمرًا شفويًا بإطلاق سراح عثمان، والأمر جاءه من رجل يرتدي زيًا ملكيًا، لكنه لم يكن من رجال القصر المعروفين."
عامر (بهدوء):
"قناع جديد... بل ظلّ جديد."
-سكت لحظة، ثم تابع:
"بدأت أشعر أن 'الظل' ليس رجلًا فقط... بل فكرة.
وقد يكون في جسد عثمان الآن...
أو أسوأ من ذلك... عثمان هو من أنشأه."
-نظر إلى رجاله:
"سنجد السيد عثمان...
وسنعرف إن كان خائنًا، أم ضحية."
-ثم أردف وهو ينهض من مكانه:
"وإن كنّا قد أسقطنا عبدون، فربما لم نكن نُحارب سوى خيال.
والمعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!