دخل عامر إلى القصر. ثم نظر إلى خولة وإلى تسنيم، وقال بهدوء:
- سنُعيد تسنيم إلى أهلها... سأذهب معها، وكذلك أنتِ خولة، ونمكث هناك أسبوعين.
ثم توجّه إلى سارة في رواق القصر، حيث كانت تقف ساهمة الطرف، تبدو عليها أمارات الحزن. قال لها بصوت هادئ:
- سأغيب لبعض الوقت، وإن سأل عنّي أحد، قولي له: لقد أخذ إجازة قصيرة ولا يرغب في مقابلة أحد.
سارة نظرت إليه نظرة مكلومة، ثم اقتربت منه بخطى بطيئة وقالت:
- لا تذهب مع خولة بعيدًا، أرجوك... أريدك أمام عيني، أخشى أن تؤذيك.
تأمّل عامر وجهها دون أن ينطق، فتابعت هي بصوتٍ مختنق:
- لستَ واثقًا بكلامي، كعادتك... لكن على أية حال خذ هذا وضعه في ثيابك من أجلي، لقد كنت أتلو فيه للتو...
وأخرجت من عباءتها مصحفًا صغيرًا، ناولته له بكلّ خشوع وقالت:
- أرجو الله أن يحفظك به.
أخذه عامر برفق، وقال مبتسمًا:
- جزاكِ الله خيرًا... إنكِ طيّبة ولطيفة يا سيدة سارة.
تورد وجهها قليلاً، ثم نظرت له وقد أغمضت نصف عينيها وقالت:
- لا تنادني "سيدة"... وإن كنتُ أكبر منك ببضع سنين، فهذا لا يُعطيك الحق في مخاطبتي بتلك الطريقة... نادِني باسمي فقط.
ابتسم عامر ثانية وقال ممازحًا:
- فدتكِ عيوني... كما تريدين يا سارة.
ثم ودّعها بلطف، ونادى على خولة وتسنيم، واتّجه الثلاثة نحو بوابة القصر.
---
كان موسى واقفًا عند مدخل القصر، ينتظر بملامح متحفّزة. وما إن رأى عامر يخرج بصحبة فتاتين حتى اقترب، ووقعت عيناه على تسنيم، التي كانت تخرج بحياء ظاهر، وتبدو عينها من خلف النقاب مثيرةً لفضوله.
قال موسى وهو يحدّق فيها:
- من هذه الفتاة؟ لباسها غريب، وغطاء وجهها لا يشبه نساء غرناطة.
رد عامر بثقة:
- هذه قريبتي... وهكذا لباسهنّ الجديد.
ابتسم موسى بإعجاب، وقال:
- جميل... بل رائع. إنني أحببت حشمتها، وأعجبني حياؤها. إن أذنت لي، أطلب يدها للزواج.
أجابه عامر بهدوء، وهو ينظر إليه نظرةً فيها احترام:
- أقدّر عرضك يا موسى، لكنّ الأمر ليس ممكنًا. أعتذر منك.
تغيّر وجه موسى، وارتسم عليه الامتعاض والغضب، لكنه تمالك نفسه وقال بجفاف:
- كما تشاء.
ثم انصرف دون كلمة أخرى، تاركًا خلفه صمتًا غريبًا خيّم على باب القصر.
أما عامر، فقد التفت إلى خولة وتسنيم وقال:
- هيا بنا... فالطريق طويل.
---
وبينما هم يواصلون المسير، التقى عامر بابن خالته حازم، وقد كان يسير نحوه متأهبًا.
قال له عامر وهو يربّت على كتفه:
- تعال معنا يا حازم... راقب الطريق جيدًا، ثم اتبعنا وعد إلى بيتك بعد قليل.
حازم:
- اتفقنا، يا رجل.
ضحك عامر وقال:
- ما شاء الله، يبدو أنك أتقنت الفصحى من معلمك الشيخ عبد البر!
ابتسم حازم:
- أظنّني الآن قادرٌ على الحديث مع الناس بعدما كنتُ صامتًا كالأصنام!
- منك لله! - دا أنا بوقي وجعني من قلة الكلام!
عامر:
- لو كنتَ اتكلمت، ما كناش هنفضل عايشين لحد دلوقتي أصلًا!
ضحك جميعًا، ثم مضوا في طريقهم عبر البوابة، نحو بوابة العودة إلى القاهرة.
---
حين عبروا البوابة ووصلوا إلى القاهرة، حملت رائحة الزحام والخبز الطازج في الأزقة نفحة من الحنين. ساروا في الأزقة القديمة حتى بلغوا منزل عائلة عامر.
دقّ الباب، وفتحت الأم الباب بلهفة، فصرخت:
- عامر!. تسنيييييم.
احتضنت تسنيم وهي تبكي.
أبو عامر وهو يسحب تسنيم من يدها باتجاهه ويقول بصوتٍ غاضب:
- كنتي مختفية فين كل دا يا هانم؟!.
عامر: اهدوا يا بابا بعد إذنك، تسنيم كان مقبوض عليها اشتباه مع واحدة تانية، أنا رحت ضمنتها وخرجتها.
أم عامر:
- يا قلبي يا بنتي، الحمد لله إنه نجاكي منهم.
أبو عامر بعد أن جلس وتنهد:
- لا إله إلا الله، آسف يا بنتي على الاستقبال دا بس حطي نفسك مكاني وأنا أب مش عارف بنته عرضه وشرفه وحبيبته حصلها اي
تسنيم: ولا يهمك يا بابا، أنا مقدرة خوفكم وقلقكم عليا الفترة اللي فاتت بس كان غصب عني والله، المهم اطمنوا أنا بخير الحمد لله، رحبوا بقا بعامر ومراته.
-نظر أبو عامر وقال:
- الحمد لله على سلامتك يا بطل، معلش يابني أختك ربكت دماغنا ملحقناش نفرح برجوعك وانت واحشنا أوي
عامر:
- ولا يهمك يا بابا، أنا عارف الظروف اللي عشتوا فيها الكام يوم اللي فاتوا، المهم إنها رجعت بالسلامة.
أم عامر:
ــ مين الحلوة اللي معاك دي يا حبيبي بلبسها الغريب دا.
عامر وهو يبتسم ويشير إلى خولة:
ــ دي مراتي، أنا عارف إني مكنش ينفع أتجوز من غير ما أقولكم بس هي جت كدا أنا آسف.
نظرت أم عامر إلى خولة، ثم فتحت ذراعيها واحتضنتها بشدة، وقبّلتها على جبينها، حتى اضطربت خولة وارتبكت.
قالت تسنيم ممازحة:
- على مهلك يا ماما...دي حتة بسكوتة أحسن تكسريها!، روحي يا عامر بقى ارتاح انت والبسكوتة بتاعتك دي.
ضحك الجميع، ثم دخلوا إلى غرفهم.
---
دخل عامر وخولة غرفته ليرتاحا قليلاً، وبعد أن استيقظا، اجتمعوا جميعًا في صالة المنزل. جلست خولة قرب أم عامر التي قالت لها بلطف:
- نورتي بيتنا يا قمر... اسمك اي يا حبيبتي؟
ابتسمت خولة، ثم نظرت لعامر وهمست:
- إنها تنظر إليّ... هل تقصدني؟
- نعم، تقول إنك أنرتِ بيتنا، وتشبهكِ بالقمر، وتسألك عن اسمك.
ابتسمت خولة بلطف:
- شكرًا لكِ يا أمي... أنتِ جميلة ولطيفة، اسمي خولة.
نظرت أم عامر إلى ابنها باستغراب:
- هي بتتكلم كدا ليه يا عامر؟
أجاب عامر:
- معلش هي مش بتفهم ولا بتتكلم إلا بالفصحى.
ضحك والده:
- إذن... تزوجتها لهذا السبب، أيها الماكر!، اي رأيك في الفصحى بتاعتي؟
عامر:
ــ ممتاز يا أبي، أنت شيخي ومعلمي الأول، حفظك الله.
ثم نظر إلى تسنيم:
- عاوزك تعلميها العامية المصرية علشان ماتتعبش معانا، عاوزها بعد أسبوعين قبل ما نمشي من هنا تكون خولة المصرية.
أجابت تسنيم بحماس:
- ماتقلقش سيب الموضوع دا على تسنيمة، أهلًا بيكي يا حلوة... من بكرة هصحيكي تجيبي العيش من المخبز!
عامر:
- لأ بلاش هبل، أنا قلت اللهجة بس.
تسنيم:
- طيب، خلاص ماتتحمقش عليها أوي كدا، موافقة بس فين اللي.... ؟!، مش عاوزة أوضح بقا..
عامر:
- انتي يا ولية يا قادرة مابتعمليش حاجة لله أبدًا؟!
تسنيم:
- لأ... مش كفاية إنك اتجوزت من ورايا يا خاين! أنا مستنية بس لما ترتاح وتفوقلي كدا، لحظة... هي بتبصلنا كدا ليه؟! هل تفهمين شيئًا يا خولة؟
قالت خولة بهدوء:
- لا، ولكني أشعر أن بينكما حديثًا لطيفًا... يبدو أن عامر يحبك كثيرًا.
تسنيم:
- وأنا كمان بحبه للأسف! بس جابلي ضرة والشوكولاتة هتتقسم على اتنين، ماشي يا عامر.
ضحكت أم عامر:
- انت قلتلنا في آخر شات بينا إنك مرتاح في شغلك، بجد مرتاح والدنيا كويسة معاك، أنا قلبي بيبقى واكلني عليك.
أجاب عامر:
- أيوا، الحمد لله... بس سامحوني، إني جاي ايد ورا وايد قدام كدا من غير أي فلوس أو أي حاجة.
قالت الأم بعطف:
- يا حبيبي فلوس اي وحاجة اي، دي كفاية دخلتك علينا دي بالدنيا كلها، انت اتجوزت وبقا عندك بيت واحنا الحمد لله ربنا ساترنا ومش محتاجين حاجة، كل منانا إن ربنا يسعدكم بس ويحفظكم لينا أنت ومراتك وأختك.
قالت تسنيم:
- عامر، روح يلا هات الشوكولاتة وماتتأخرش، وانتي يا حلوة تعالي معايا هعلمك تفهمي كلام الناس اللي بيستغفلوكي دول.
ضحك الجميع، وامتلأ البيت بنور اللقاء... وبداية حياةٍ جديدة.
---
[داخل قصر غرناطة - قاعة الاستقبال]
يقتحم عبد الرحمن القاعة مهرولًا، وعلى وجهه علامات القلق والتوتر، فيتجه مباشرة نحو الأميرة سارة التي كانت تجلس وتلاطف هِرَرِهَا(جمع هِرَّة..."القطة").
عبد الرحمن (بلهفة):
أيتها الأميرة، أطلب لقاءً عاجلًا مع القائد سراج الدين... الأمر لا يحتمل التأخير!
سارة (ترفع رأسها باستغراب):
ماذا حدث؟ تكلّم!
عبد الرحمن:
وردتني أنباء مؤكدة عن تحرّكات مشبوهة يقودها سامر وبعض الجنود التابعين له... يبدو أنهم يخطّطون للتمرّد على القائد. لا أستطيع اتخاذ قرار باعتقالهم دون أمر مباشر منه.
سارة (بقلق، ثم تهدأ نفسها):
القائد نائم حاليًّا... وحين يستفيق، سأُبلغه فورًا.
بعد أن انصرف عبد الرحمن، صارت سارة تسير في القاعة بخطى متوترة، تحاول التفكير بحل، ثم تتوقف فجأة كأن فكرة لمعت في ذهنها.
سارة (بهمس):
السيد طلعت...
---
[لاحقًا - وفي حديقة القصر الخلفية]
يدخل السيد طلعت، يقوده أحد الحُرّاس، فتتجه إليه سارة مباشرة.
سارة:
هل استعدت مفتاحك من عامر؟
السيد طلعت (ببرود):
لأ ولكني أستطيع عبور البوابة من دون مفتاح.
سارة (بإصرار):
جميل... إذًا نحتاج عامر حالًا. هناك خطر داهم، وتمرد يلوح في الأفق، ولا بد من حضوره.
السيد طلعت:
سأذهب إلى القاهرة وأحضره... ولكن، بالمقابل، أريد منك شيئًا.
سارة (ترفع حاجبها):
وما هو؟
السيد طلعت:
أريدك أن تبحثي في القصر عن الكتاب الذي أخذه عامر من بيتي حين كنت معتقلاً... لقد رفض إعادته إلا إن أخبرته بأسرارٍ لا يمكن البوح بها.
سارة (تنظر له شزرًا):
ألم تقل إنك تستطيع عبور البوابة من دون مفتاح؟
السيد طلعت:
نعم... ولكن عامر سرق الكتاب.
سارة (تتقدم منه بخطوات غاضبة):
اصمت!، وإن تلفّظت بمثل هذه الكلمة مجددًا... سأقطع لسانك.
ينظر إليها طلعت مذهولًا:
ــ حسنًا، إذن يجب أن يعرف أهل غرناطة أنَّ سراج الدين ليس سراج الدين...وتحديدًا إذا علم المتمردون بهذا.. تخيلي معي ماذا سيحدث.
نظرة سارة بغضبٍ واقتربت أكثر منه ثم فجأة سحبت منه سيفه ووضعته على رقبته بحزم.
سارة (بصوتٍ بارد):
لا تظن أنني طيبة طوال الوقت... طيبتي لها حدود، وأنت قد تخطيت تلك الحدود.
السيد طلعت (يتحدث بصوت مختنق تحت حد السيف):
أنا آسف... لكنك لا تدركين ما يحمله ذلك الكتاب... عامر لا يعرف خطورته، ولا خطورة مَن يبحثون عنه... إن لم نعده إلى أصحابه، شفرة أوڤاميندرا ستقتلني، وتقتل عامر، وتحرق غرناطة بأكملها.
تركته سارة ثم قالت (بعينين ضيّقتين):
ماذا تعني بشفرة أوڤاميندرا؟
السيد طلعت (يتردّد):
لا يمكنني البوح بهذا السر... أرجوكِ، أعطني الكتاب.
سارة (بصلابة):
لن أخون عامر أبدًا... ولن أُعطيك شيئًا دون أمرٍ منه. اغرب عن وجهي!
السيد طلعت (يحاول رفع صوته):
لن أذهب إلى عامر... ولن أعيده!
سارة (تشير له بالخروج):
هو عائد بعد أسبوعين على أي حال... قلتُ لك: اغرب عن وجهي!
ألقت له سيفه ثم تراجع طلعت ببطء، والسيف، قبل أن يستدير ويغادر بخطى مثقلة، بينما تتنفس سارة بعمق، تحاول استجماع ثباتها أمام هذه التهديدات الجديدة.
---
مرت الأيام سريعًا في بيت عامر، وكانت خولة غارقة في سعادتها وسط أهله. تعلّمت شيئًا من لهجتهم، وتعلّقت بتسنيم وأم عامر بشدة. البيت كان دافئًا، والضحك يملأ أركانه، وكل يوم كانت خولة تكتشف أمرًا جديدًا عن هذا العالم المختلف.
كانت تستيقظ باكرًا مع تسنيم، تساعدها في أعمال البيت، وتضحكان على زلّات لسانها حين تخطئ في بعض الكلمات، وتحاول أن تتقن نطق "عيش" بدلًا من "خبز"، ونطق "بامية" و "ملوخية" وغيرها من الأشياء المختلفة. ومع مرور الوقت، شعرت أن هذا المكان قد صار جزءًا من قلبها.
وفي آخر يوم قبل الرحيل، كانت الشمس تودّع السماء بلونها الذهبي، والجو ساكنٌ كأنّه يتهيّأ للفراق. عامر كان يرتّب أمتعته، وخولة واقفة إلى جانبه، تساعده بصمت. وفي الصالة، كانت تسنيم تجلس بهدوء، تبدو شاردة قليلاً.
خرج عامر من غرفته، ثم اتجه نحوهم وهو يقول:
- إحنا هنمشي دلوقتي... أشوفكم على خير بقا إن شاء الله.
نظرت تسنيم إلى خولة، ثم قالت بلطف:
تسنيم:
- بعد إذنك يا خولة...
ثم ركضت فجأة، وارتمت في حضن عامر، ودموعها تبلل كتفه:
- ماتطوّلش علينا تاني، بالله عليك... قلبي بيتعب كل ما بتغيب.
احتضنها عامر بحنان وهمس:
- ماتقلقيش يا تسنيمتي، مش هغيب كتير... أنا دايمًا هاجي أنا وخولة. اتطمني.
بس بقى علشان خاطري... ماتعيطيش علشان قلبي بيوجعني عليكي.
اقتربت خولة من تسنيم، ووضعت يدها على كتفها، وقالت:
خولة:
- انتي طيبة وحنينة يا تسنيم....أنا حبيتك
عامر:
ــ الله، اي الجمال اللي أنا سمعته دا، بقيتي بتتكلمي مصري أحسن مننا أهو.
ضحكت خولة ثم احتضنت تسنيم بحنان وهي تربت على ظهرها، وردّت تسنيم العناق كأنما وجدت في خولة أختًا لم تنجبها الأيام.
كانت أم عامر تقف عند الباب، تمسك بمنديلها، تحاول أن تمنع دموعها من السقوط، ثم قالت:
- خلاص هتمشي يا عامر يعني مش هنشوفك تاني. أنا حبيتك وحبيت خولة مراتك، خلينا معانا شوية كمان علشان خاطري..
اقتربت عامر منها ومسح دموعها بيده ثم قبَّل رأسها، وقال بلطف:
ــ سامحيني يا أمي أنا مضطر إن شاء الله قريب هنجتمع كلنا ومش هنفترق تاني أبدًا.
دمعت عيون خولة ثم قالت بتأثر:
ــ انتوا أكتر ناس وحشين أنا شوفتهم في حياتي
عامر:
- لحظة... انتي قلتي إيه؟ وحشين؟!
ثم التف إلى تسنيم وقال:
- بت يا تسنيم، انتي عملتي فيها إيه؟! دي بتقول "وحشين"! دي كلمة مش حلوة يا خولة!
نظرت خولة إلى تسنيم مستنكرة:
- تسنيم، ألم تخبريني أنها جملة جميلة، ويجب أن أودّعهم بها؟
تسنيم (وهي تضحك):
- أيوا اتبلي عليّا بقا واظلميني، ماشي يا خولة! أنا غلطانة إني ماسيبتكيش عايشة مدبلجة زي ما كنتي.
ضحك عامر وقال:
- مع إني متأكد إنك قولتليلها كده فعلًا... بس ماشي يا تسنيم يا أروبة! لما أرجعلك المرة الجاية هعرف أتصرف معاكي.
اقتربت أم عامر من ابنها، وقبّلته في جبينه:
أم عامر:
- تروح وترجعلنا بألف سلامة يا حبيبي... أبوك كان عايز يشوفك قبل ما تمشي، يسلم عليك ويوصّلك.
تنهد عامر وقال:
- معلش، قوليله عامر سابلك أحلى سلام... مش عاوز أتعبه، كفاية عليه تعبه في الشغل... يلا بقى، في رعاية الله.
ودّعهم عامر وخولة، ثم اتجها سويًا نحو بوابة العالم الآخر، بينما كان قلبه ممتلئًا بالدفء، ولسانه يهمس لخولة:
"البيت... ليس جدرانًا وسقفًا فقط، بل قلوب تحبك من غير شرط، وتنتظرك مهما غبت."
---
في مساء يوم عودته، دخل عامر قصر غرناطة بخطى هادئة، والقلق يتسلّل بين ثنايا قلبه. لم يكد يخطو بضع خطوات حتى لحقت به سارة، وقد بدت على وجهها أمارات القلق والاهتمام.
قالت بصوت منخفض:
- سراج الدين، عليّ أن أخبرك بشيء مهم... لقد جاءني عبد الرحمن، وأخبرني أن هناك مجموعة من الرجال يتجمّعون في أحد أحياء المدينة ويتحدثون علنًا ضدك، بل ويتهمونك بالخيانة.
تغيّر وجه عامر، وقال بنبرة حازمة:
- أحضري لي عبد الرحمن وموسى في الحال، أريد سماع الأمر منهما بنفسي.
وبعد دقائق، اجتمع ثلاثتهم في قاعة صغيرة، وكان عامر واقفًا أمامهما، يحدّق فيهما بنظرة صارمة.
قال عبد الرحمن:
- سيدي، هناك مجموعة من المتمردين يُثيرون الفوضى في المدينة، يتآمرون عليك، ويشجّعون الناس على العصيان. أطلب إذنك بالقبض عليهم فورًا، قبل أن يستفحل أمرهم.
- غير أن موسى، وقد كانت نظرته حادة ومريبة، قال بهدوء:
- أنا لا أوافقك الرأي يا سيدي. لو قبضنا على أولئك الرجال لمجرد أنهم يختلفون معك في الرأي، فإن أهلهم سينتفضون، وسنجد أنفسنا في دوّامة لا تنتهي من التمرد. نستطيع احتواء الأمر بحكمة، دون تهوّر.
نظر عبد الرحمن إليه باستياء وقال:
- ولماذا تدافع عن المتمردين يا موسى؟! نحن بحاجة إلى يدٍ عليا في غرناطة، نحتاج إلى الحزم، وإلى إعلان القائد سراج الدين ملكًا للبلاد في أسرع وقت ممكن، وإلا سيفلت الأمن من بين أيدينا.
ردّ موسى وقد بدا عليه الإصرار:
- إن أعلنا القائد ملكًا الآن، فإن التمرد سيشتدّ أكثر. علينا أن ننتظر حتى تهدأ الأمور قليلًا.
تنهد عامر وقال بهدوء:
- أنا أتفق مع موسى... لا نلقي القبض على أحد الآن.
عبد الرحمن حاول الاعتراض:
- ولكن يا سيدي...
قاطعه عامر بصرامة:
- انتهى النقاش. سأفكر في الأمر، وأتخذ قراري لاحقًا.
انفضّ المجلس، وسار عامر في ممرات القصر، حتى وجد سارة جالسة وحدها في ركنٍ من الحديقة، تتأمل الغروب بصمت. اقترب منها وجلس بجوارها، وقال:
- سمعت آراء عبد الرحمن وموسى... ولكنني لا أدري ماذا أفعل، أنتِ أحكم وأعقل من في هذا القصر... قولي لي، ماذا أفعل؟
رفعت سارة عينيها إليه، وابتسمت بحماس:
- أتيتني قبل أن تذهب إلى خولة؟
أومأ برأسه وقال مبتسمًا:
- نعم، أتيت إليكِ أولًا.
أشرق وجهها فرحًا وقالت:
- أولًا، يجب أن نعلنك ملكًا لغرناطة هذا المساء. لا يمكن أن تظل المدينة بلا ملك، فالفوضى ستحكمها إن تأخّر الإعلان.
أما بخصوص المتمردين، فاترك موسى وفرقة الظلام يتتبعونهم بهدوء، ويراقبون تحركاتهم. فإن كانوا يخططون لشرّ، قبضنا عليهم وأخضعناهم لمحاكمة عادلة.
ابتسم عامر وقال:
- أريد أن أعترف لكِ بشيء... كلما تحدّثت معك، أشعر براحة عجيبة. أثق في رأيك أكثر من الجميع.
ابتسمت سارة، ولكن ملامحها تغيّرت قليلًا، وقالت:
- وبالنسبة لخولة، أريد أن أقول لك شيئًا...
قاطَعها برفق:
- إن كان شيئًا سيئًا، لا أريد سماعه. من فضلك، دعي خولة بعيدة عن هذا الحديث.
صمتت سارة لحظة، ثم قالت:
- حسنًا... كما تريد. لا أريد إزعاجك. فقط... انتبه لنفسك، وراقب جيدًا من يقف خلفك...
ثم نظرت إليه وسألته:
- أريد أن أسألك سؤالًا...
قال بلطف: - تفضلي.
همست:
- ماذا تعني لك سارة؟
نظر إليها عامر بحيرة، وأجاب بتردّد:
- سأخبرك لاحقًا...
ثم نهض وقال وهو يبتعد:
- سأذهب لأرتاح قليلًا حتى المساء.
وداعًا يا سارة.
وبقيت سارة في مكانها، تتأمل ظله وهو يغيب خلف الجدار، وهمست لنفسها:
- "سأنتظر، ولو طال الانتظار..."
---
في ساحة القصر الكبير، اجتمع أهل غرناطة من كل حدب وصوب، واصطفّ الجنود في صفوف منتظمة، ترفرف فوقهم رايات الأندلس المزينة بالهلال الأخضر والسيف الأبيض. زُيِّن القصر بالأقمشة المطرّزة والمشاعل المضاءة، وتعالت الهتافات من أفواه الجميع، وترددت في الأرجاء أصوات الفرح احتفاءً بالملك الجديد. أقيمت الولائم، وامتلأت الموائد بما لذ وطاب من الطعام، وجلس الكبار والصغار يرقبون المشهد التاريخي بقلوب نابضة بالأمل.
وقف عامر، الذي بات يُعرف في غرناطة بـ"سراج الدين"، على المنصة المُقامة وسط الساحة، مرتديًا عباءة ملكية من المخمل الأسود المطرّز بالذهب، وعمامة بيضاء تعلوها جوهرة زرقاء. على يمينه وقفت سارة بثوبٍ أبيض أندلسيٍّ جميل، تنظر إليه بعينين فيهما الفخر والحنان. وعلى يساره اصطفّ حازم، وعبد الرحمن، وموسى، وقد علت وجوههم الجديّة والمسؤولية.
رفع سراج الدين يده، فخفتت الأصوات وساد صمتٌ مهيب، ثم قال بصوتٍ حازم:
"يا أهل غرناطة الكرام...
لستُ أخاطبكم اليوم بوصفي ملكًا توّجتموه، ولا أميرًا جلستم له مجلس السمع والطاعة، بل أنا سراج الدين، أخوكم في الدم والدين، ابن هذه الأرض، وابن نسائها، وأبٌ لأطفالها.
جئتكم لا لأتسلّط عليكم، بل لأحمل معكم أعباء غرناطة، لأكون لكم عونًا لا عبئًا، سيفًا لا سوطًا، ظلًّا لا ظلامًا.
من اليوم، لن يكون في غرناطة جائعٌ ونحن نأكل، ولا فقيرٌ ونحن نملك.
بيت مال المسلمين سيعود، وسأشرف عليه بنفسي، ولن يُصرف درهمٌ فيه إلا بحق.
سندعم الزُّرّاع، وننصر التُّجّار، وسنأخذ من أرباحهم ما يعيننا على البناء، وسنزرع ونتاجر معهم، لا عليهم.
سنحمل السيف لنحمي غرناطة ونعيد هيبة الإسلام ورويدًا رويدًا سننظر إلى ما ضاع من الأندلس...
قد نكون اليوم وحدنا، محاطين بالصليبيين، لا سند لنا من بلاد الإسلام... لكن حسبُنا الله ونعم الوكيل.
سنثبت، وسنقاوم، وسنحمي غرناطة بإذن الله حتى آخر رمق.
وأخيرًا...
باب القصر مفتوحٌ لكم جميعًا، لا سلطان فوق العدل، ولا كرامة لملك يظلم رعيّته.
وإن ظلمتُكم يومًا، فتعالَوا إليّ، وحاكموني، فإنّني أقبل العقاب ولا أقبل الذلّ.
أعدكم اليوم بدولةٍ شريفة، عادلة، قويّة، لا تُبنى على دماء الأبرياء، بل على قواعد العدل وقول الله ورسوله."
وما إن أنهى خطبته حتى تعالت الهتافات: "سراج الدين! سراج الدين!"، وانطلقت الهتافات في كلّ أرجاء القصر، وانحنت الرؤوس إجلالًا لما سمعته من كلماتٍ لم يألفوها من ملوكٍ من قبل.
---
وفي خضمّ الاحتفال، اقترب عبد الرحمن نحو عامر، وهمس في أذنه، ثم انحنى قائلًا:
- "سيدي... وجد الجنود رجلًا ميتًا، على مقربةٍ من التلّ المطلّ على القصر... كان يحمل قوسًا وسهامًا، يبدو أنه كان يستعدّ لاغتيالك."
قطّب عامر حاجبيه، وسأل بحدة:
- "ومن قتله؟"
ردّ عبد الرحمن بحذر:
- "لا نعلم... لم يكن في المكان أثرٌ سوى جثته."
تلفّت عامر سريعًا وسأل:
- "وأين خولة؟"
وفي تلك اللحظة، ظهرت خولة من بين الجموع، تقترب بخطى واثقة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ عذبة، وفي يدها صحنٌ صغير من الحلوى.
قالت بمزاح لطيف وهي تقف أمامه:
- "ملكنا الجميل... مقامٌ يليق بجميلٍ مثلك!"
ابتسم لها عامر وقال:
- "أين كنتِ؟، ولماذا تضعين لثامًا على وجهك"
قالت بخفة:
- لأنني أخجل من ظهوري أمام جمع من الناس، وذهبتُ لأجلب لك هذه الحلوى، لتأكلها احتفالًا بتتويجك."
ردّ مبتسمًا:
- "دعيها حتى أعود... الآن أريد أن أذهب إلى الشيخ عبد البر."
ثم التفت إلى حازم وقال:
- "أريد رؤيته في الحال."
هزّ حازم رأسه قائلًا:
- "هيا بنا، ستجده على الأرجح يُلقي درسه في المسجد."
وانطلقا معًا، وسط نظراتٍ من المحبة والهيبة في آنٍ واحد، بينما سارة تتابع المشهد من بعيد، وفي قلبها دعاءٌ لا ينقطع:
"اللهم احفظه، واحفظ غرناطة من كل شر."...
---
خرج عامر من القصر دون موكب ولا حراسة.
وقف عند بوابة القصر ونادى على حازم قائلًا:
- "سأذهب إلى المسجد، ولا حاجة لي بالحرس."
لكن قبل أن يخطو، أتى عبد الرحمن بخطوات قلقة، وقال بإصرار:
- "مولاي، دعني أكون برفقتك، فإن غرناطة لم تهدأ بعد، والأعين لا تأمن."
نظر عامر إليه بابتسامة خفيفة ثم قال:
- "لك ذلك، ولكن انتظرني خارج المسجد، أنت وحازم."
وصلوا إلى المسجد الكبير، وكانت أنواره خافتةً هادئة، تصعد من مشاعل الزيت، ورائحة البخور تعبق المكان بخشوع، ودخل عامر وحده، تاركًا عبد الرحمن وحازم عند الباب.
---
في الداخل، كان الشيخ عبد البر جالسًا على بساط من الحصير، وأمامه جمعٌ من طلبة العلم، وجهه أبيض كضياء القمر، تكسوه لحيةٌ بيضاء كثيفة، ونظرة مطمئنة يعلوها أثر السجود، يتلألأ من عينيه نور الإيمان.
كان يحكي لتلامذته في صوت هادئ لطيف:
"كان بشر الحافي من العابثين، يسرف في اللهو ويغرق في المعصية.
وفي ليلة من الليالي، كان في لهوه مع أصحابه، يشربون ويمرحون، فمرّ بهم رجلٌ صالح، فطرق الباب.
فخرجت إليه جارية، فسألها: أحرٌّ صاحب هذا الدار أم عبد؟
فقالت: بل حرّ.
فقال: صدقتِ، لو كان عبدًا لراعى أدب العبودية.
فبلغ كلامه مسامع بشر، فانتفض قلبه، وأسرع إلى الباب حافيًا، يبحث عن الرجل، فلما لحقه، سأله أن يعيد عليه كلماته.
فلما أعادها، خرّ بشر ساجدًا على التراب، وقال: بل عبد! بل عبد!
وهام على وجهه حافيًا منذ ذلك اليوم، وقال: لا ألبس نعلًا بعد أن صالحني ربي وأنا حافٍ.
فترك المعاصي، وهجر الذنوب، وأقبل على الطاعة، وصار من التائبين الزاهدين."
ثم قال بنبرة خاشعة:
"وهكذا، من رحم الظلمة تخرج أنوار الهداية، فطوبى لمن سمع فوعى، وعمل فنجا."
ثم أردف قائلًا:
"انتهى الدرس، وفي الختام نقول: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين."
قام الطلبة واحدًا تلو الآخر، وانصرفوا في هدوء، إلا عامر، الذي جلس في مكانه متأمّلًا، بعيدًا قليلًا، يرقب المشهد بعينٍ حائرة.
ثم اقترب شاب من الشيخ، كانت عيناه دامعتين، ووجهه مبلّلٌ بالدموع، وقال بصوتٍ متهدّج:
- "يا شيخ، لقد ارتكبت ذنبًا عظيمًا... وكنتَ تتحدث عن التوبة، فأردت أن أسألك: هل لي من توبة؟"
ابتسم الشيخ عبد البر بحنو، ووضع يده على كتفه، وقال:
- "نعم يا بني، فإن ربك هو التوّاب الرحيم، لا يرد من جاءه منيبًا. مهما بلغت ذنوبك، فإن رحمته أوسع، وإن مغفرته أعمّ."
انفجر الشاب باكيًا وهو يقول:
- "ولكنني أشعر بالخجل من ربي، رزقني المال والقوة، فعصيته بهما، ثم سترني، ثم يهديني للتوبة، والله بئس العبدُ أنا، ونعم الربُّ هو."
اقترب الشيخ منه، واحتضنه بحنان أبوي، وقال:
- "ابكِ يا ولدي، ابكِ لأنك أجرمت في حق العظيم، ولكن لا يدفعك بكاؤك إلى اليأس من رحمته، وهو الرحمن الرحيم.
إن دموع ندمك غالية عند الله، فإنها تغسل القلب، وتفتح باب الرجاء.
قال حبيبنا محمد ﷺ: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْمنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ)..صدق نبيُّنا ﷺ
يا بنيّ جرمك عظيم وخطأك كبير...
ولكن عفو الله أكبر وأعظم، فاذهب واسكب بين يديه عبرات ندمك واخفص رأسك بالخضوع والذل لقوته، واطلب العفو والمغفرة وعاهده على ألا تعود، وأبشر بالمغفرة إن شاء الرحمن.
رفع الشاب رأسه، وقال:
- "ويقبلُ صلاتي بعد كل ما فعلت؟"
تبسّم الشيخ وقال:
- "ويفرح الله بها، بل يفرح بك أنت! ألم يقل النبي ﷺ:
(إنَّ اللَّهَ حيىٌّ كريمٌ يستحي إذا رفعَ الرَّجلُ إليْهِ يديْهِ أن يردَّهما صفرًا خائبتينِ)
اذهب وصلّ ركعتي توبة، فالصلاة باب العودة، ومفتاح القرب."
انفرج وجه الشاب فرحًا، وجرى نحو موضع الوضوء، ليبدأ مع ربه صفحةً جديدة.
---
ظلّ عامر في مكانه، حتى رفع الشيخ بصره إليه وقال:
- "وأنت، يا من ترتدي الدنيا... ألك حاجة؟"
اقترب عامر بتؤدة، وقال باستغراب:
- "أرتدي الدنيا؟"
ابتسم الشيخ وقال:
- "من نظر إلى ثيابك علم أنك ترتدي الدنيا، وتخلع عنك ثوب الآخرة."
فأجاب عامر بتواضع:
- "أنا ملك غرناطة الجديد."
رفع الشيخ حاجبيه، ثم قال برفق:
- " ملك غرناطة الجديد، تعالَ معي، يا بني."
قاده إلى زاوية من المسجد، حيث كان موضوعًا نعشٌ خشبي صغير، ذلك الذي يُحمل عليه الأموات.
أشار إليه الشيخ وقال:
- "لقد حمل هذا الخشب ملكًا ومملوكًا، غنيًّا وفقيرًا، من لبس الحرير ومن لبس الخيش... الكل فيها سواء."
ثم رفع إصبعه نحو السماء وقال:
- "يا بني، هو الملك، وكل ما عداه مملوك."
تنهّد عامر، وقال بصوت متهدّج:
- "ولهذا جئت إليك، يا شيخي... لم أتخيل يومًا أن أكون ملكًا، وأحمل في عنقي شعبًا بأسره. سيسألني ربي عن كل جائع، ومظلوم، وخائف. سيسألني عن كل شيء يقع في ملكي."
أجابه الشيخ:
- "ما دمت تخاف، فلا تخف."
فقال عامر بدهشة:
- "لم أفهم، يا شيخي."
قال الشيخ:
- "ما دمتَ تخشى الله، وتحرص على العدل، فلن يكلّفك الله إلا ما في وسعك، ولن يعذّبك بما لم تطله يدك.
لكن إن اطمأنّ قلبك، واطمأننتَ في نومك، ونسيتَ رعيتك، فاعلم أنّك في طريق الهلاك، فإن الله لا يأمن مكرَه إلا القوم الخاسرون."
انخفضت رأس عامر، ثم قال بخشوع:
- "أنا بحاجة إليك... إلى نصحك، وتوجيهك... أريدك قريبًا من القصر، وسأعدّ لك..."
فقاطعه الشيخ عبد البر قائلًا:
- "لا أحب القصور، ولا أحب مجاورتها.
أنا أفضّل النوم على تراب داري، على أن أنام على حرير قصرك... أخشى إن اقتربت أن أنسى لحظة أنني عبد مملوك لسيدي. "
- ثم أشار نحو السماء.
قال عامر مبتسمًا بتواضع:
- "إذًا، فدعني أكون تلميذًا بين تلاميذك."
نظر إليه الشيخ، وقال:
- "لك ذلك، ولكن لا تأتِ إلى مجلس العلم وأنت ترتدي الدنيا، فإنه حجابٌ بين القلب والعلم.
فهمت يا بني؟"
هزّ عامر رأسه وقال بإجلال:
- "فهمت يا شيخي."
استأذن عامر وأدار ظهره وهمّ بالخروج من المسجد..
ولكن استوقفه صوت الشيخ عبد البرّ:
ــ رأيتك في رؤية ليلة أمس مع بعض الأشخاص، ولم أكن أعرفك، واليوم جاءت بك قدمك إليَّ...سبحان القادر
عاد عامر وسأله:
ــ ماذا رأيت؟!....
الشيخ عبد البرّ:
لا أريد أن أخبرك ولكن......
---
وفي نفس اللحظة في مكانٍ آخرٍ خارج حدود غرناطة...
يقف رجلٌ عملاقٌ يحتسي شرابه، ويقول:
ــ خرجت من القفص ثم أصبحت تحلم بالتحليق يا سراج الدين...
ثم تابع وهو يقهقه:
ــ ولا تعلم أيها الأبله أنَّك أنت من تدخل الآن خنجرنا في قلبك...
وقريبًا سيتمزق بيدك.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!