كان ضوء الشمس ينساب بخفة على أسوار غرناطة حينما خطت تسنيم خطواتها الأولى في طرقات المدينة العتيقة، بملابس لا تشبه لباسهم، ولهجة لم تألفها آذانهم. كانت تنظر من حولها بدهشة، تتأمل النقوش العربية والعمارة الأندلسية الخلابة، لا تصدق أنها قد عبرت حقًا إلى عالم أخيها.
لم تكد تخطو خطواتها القليلة حتى اصطدمت بجمع من الناس يحدقون فيها باستغراب، ويتأملون ملامحها الغريبة، ويهمسون بعبارات مريبة.
"من أين أنتِ يا فتاة؟!" قالتها امرأة بفظاظة، وهي تراقب ملابسها التي لا تمت لغرناطة بصلة.
أجابت تسنيم مرتبكة:
"أنا... أنا جاية أدور على أخويا... هو اسمه عامر..."، ونطقت الاسم بلهجتها القاهرية الخالصة.
فُغرت أفواه البعض، وتغيرت ملامح آخرين. وكان أحد الجنود، يُدعى سامر، يراقبها من بعيد.
تقدّم نحوها وصرخ:
"ما هذه اللهجة؟!، وما هذه الملابس الغريبة؟!، من أي البلاد أنتِ؟!"
قالت بتوتر:
"أنا مصرية... يعني... من هناك... بس معرفش أشرحلكم إزاي وصلت هنا."
رمقها سامر بنظرة شكّ حادة، ثم أشار بيده نحو الحرس:
"ألقوا القبض عليها! قد تكون جاسوسة أُرسلت من قِبل القشتاليين، تتظاهر بالضياع ولا تُجيد لغتنا."
صرخت تسنيم:
"استنوا! أنا مش جاسوسة! اسألوا عامر! هو هنا! أخويا!"
لكنه لم يُنصت لها، وسُحبت من بين الجموع نحو مركز الحراسة.
---
وبعد يومين في القاهرة، داخل منزل الأسرة، كان عامر قد تلقّى صدمة اختفاء شقيقته.
احتضن أمه المكلومة وقال بصوت مملوء بالعزم:
"ماتقلقيش يا أمي، تسنيم هترجع إن شاء الله... أقسملك بالله هترجع."
ثم استدار نحو خولة، ونظرات الحيرة والقلق ترتسم على وجهه:
"لقد دخلت تسنيم من البوابة دون أن تدري حجم ما فعلت... علينا أن نعود إلى غرناطة فورًا."
أومأت خولة برأسها موافقة، وسار الاثنان مسرعين عائدين إلى شقة حازم، حيث انتقلوا عبر البوابة إلى العالم الآخر.
---
حين عاد عامر إلى قصره في غرناطة، كانت سارة واقفة تنتظره، تتأمل الأفق بقلق لم تعتده في نفسها.
سارة (بحدة ممزوجة بالقلق):
"أين كنت؟! اختفيت فجأة دون أن تخبر أحدًا! قلقت عليك كثيرًا."
عامر (بصوت خافت، يتملكه الهم):
"ذهبت إلى القاهرة... كان علي أن آخذ خولة إلى هناك."
سارة (بغضب متزايد):
"القاهرة؟! وهل تُخبر هذه الغريبة عن السرّ الذي بيننا؟! من تكون أصلاً؟! قلبي لم يرتح لها منذ أن رأيتها معك، وأشعر أنها ليست منّا."
عامر (ينفجر غاضبًا):
"كفى يا سارة! أختي مفقودة، ربما تكون في خطر، وأنتِ لا يهمك سوى السر وخولة، هل جننتِ!!."
سارة (بعينين دامعتين):
"آسفة... أنا آسفة..."
استدارت وانطلقت مسرعة في الممر، بينما كان عامر يهمّ باللحاق بها.
لكن خولة أمسكت بيده بلطف، وقالت بصوتها الهادئ:
"اتركها الآن،... أختك أولى، فلنبحث عنها قبل فوات الأوان."
نظر عامر إليها، ثم أنزل رأسه بتنهيدة، وأومأ موافقًا، ثم انطلقا سويًا ليعرف أين أُخذت تسنيم... وكيف سيُنقذها...
---
وبعد لحظات....
خرج عامر وخولة من بوّابة القصر الخلفيّة. كان كلٌّ منهما يرتدي عباءة أندلسية بسيطة، وقد غطّت خولة رأسها ووجهها بوشاحٍ داكن، فيما شدّ عامر عمامةً خفيفة على رأسه وأخفى ملامحه قدر المستطاع.
همست خولة، وهي تمشي بجانبه بخطواتٍ ثابتة:
- هل تظنّ أنّ أختك توجد في أحد المنازل؟ أم أنّها...
قاطعها عامر وردّ بنبرة منكسرة:
- لو أنّها بخير، لَسعت للبحث عني... أشعر أنّها وقعت في يد شريرة.
وصلا إلى سوق العطارين، حيث الضجيج لا يهدأ، والأصوات تتشابك. باعة ينادون على بضائعهم، نساء يساومن على الأسعار، وصبية يركضون بين الأرجل. وقف عامر بجانب أحد البائعين وسأله بنبرة هادئة:
- عفوًا يا عمّ، هل رأيت شابةً صغيرة، لا تعرف لهجتنا، كانت تتجول وحدها هنا البارحة؟
رفع البائع حاجبًا وقال وهو يهشّ الذباب عن بضاعته:
- كثيرةٌ هي الوجوه التي تمرُّ يا بنيّ، لكن إن كانت غريبةً في لهجتها... فربما أخذها الجنود.
تغير وجه عامر، وهمست خولة وهي تنظر إليه:
- إن صحّ ذلك... فقد تكون في خطرٍ كبير.
مرّا بعدها على سوق الحدادين، ثم دلفا إلى زقاقٍ ضيّق خلف الجامع الكبير، حيث جلسا ليستريحا برهة، قبل أن يقترب منهما فتى نحيل يحمل سلة برتقال.
قال بخبث:
- أنتما غريبان... أليس كذلك؟ تبحثان عن فتاة؟
انتفض عامر واقترب منه:
- ماذا تعلم؟ هل رأيت شيئًا؟
ردّ الفتى، وهو يبتسم ابتسامة ماكرة:
ــ سمعت، ولكن لكل شيء ثمن.
غضب عامر وأمسك به ووضع خنجرًا على رقبته:
- أخبرنا بما تعلمه، وإلا ستكون رأسك هي المقابل؟
ارتعش جسد الفتى وقال بصوتٍ مرتجف:
- لا أرجوك، لا تقتلني، سأخبرك، سمعت بعض الجنود يتحدثون عن فتاة "مختلّة في لسانها" تم القبض عليها في حيّ البوابة القديمة... أخذوها إلى دار الاستنطاق.
---
في تلك اللحظة، خلف أبواب دار التحقيق، كانت تسنيم تجلس مربوطة اليدين، تحدّق حولها بعينين غاضبتين ودموعها بالكاد تُحبس. أمامها وقف سامر، قائد الحرس، وقد شبك يديه خلف ظهره، يتأمّلها بصمتٍ طويل، ثم قال ببطء:
- اسمك؟
رمقته تسنيم باحتقار:
- تسنيم.
ابتسم سامر ابتسامة باردة:
- وقحة... غريبة... ولهجتك لا تشبهنا... من أين أتيتِ؟
أجابت بعناد:
- لن تفهم... حتى لو شرحتُ لك.
اقترب منها، ورفع عن وجهها النقاب، ثم أمسك بصفحة وجهها بيده المغطّاة بالقفاز الجلدي، ثم همس:
- نحن نفهم كل شيء... لكننا لا نحبّ أن يخدعنا أحد. هل أتيتِ من معسكر ملك قشتالة؟ هل أُرسِلتِ للتجسس؟
شهقت تسنيم، وقالت بعصبية:
- أنا أخت عامر... اسأله! أين هو؟! هو سيشرح لك كل شيء!
قهقه سامر ضاحكًا، ثم التفت إلى أحد الحراس:
- فتّشوا غرناطة من جديد... وابحثوا لي عن عن هذا الإسم... وإن لم نجده، فربما علينا أن نُخرج الحقيقة من هذه الحمقاء بطريقتنا.
---
في تلك الأثناء، كان عامر قد خرج من الزقاق وسحب خولة معه بسرعة.
خولة:
- سنذهب إلى دار الاستنطاق، ولكن ليس من الباب الأمامي... أعرف ممرًّا خلفيًّا يُستخدم لنقل الأسرى سِرًّا. إن كانوا قد أخذوها، فهناك سنعثر عليها ونأخذها دون أن يرانا أحد.
هزّ عامر رأسه بإصرار:
- فلنسرع إذًا... لا وقت للانتظار.
ومضيا في شوارع غرناطة، والخوف ينهش في قلب عامر.
---
في أروقة دار الاستنطاق، كانت تسنيم ما تزال مقيّدة اليدين، والغضب يشتعل في عينيها، بينما سامر يواصل استجوابه بأسلوبٍ لا يخلو من الاستفزاز. وما إن فُتِح الباب فجأة، حتى دخل عامر بعباءته الطويلة، وخلفه خولة تمشي في صمت.
وما إن وقعت عينا تسنيم عليه، حتى ارتفعت صرختها مِلأ المكان:
- عامر! حبيبي! تعالى بسرعة... اضرب الراجل الوحش دا!
نظر إليها عامر ببرود، واقترب حتى وقف أمامها، ثم قال بصوتٍ جليٍّ:
-مَن عامر؟ يبدو أنّك قد فقدتِ صوابك. أنا القائد سراج الدين، ولا شأن لي بهذيانك هذا.
أشارت تسنيم إليه بإصرار:
- لأ! اِنت عامر! أنا مش هتلخبط، أنا أختك!
رمق عامر سامر بنظرة ثابتة، ثم قال:
- دعها لي يا سامر... سأتولّى التحقيق معها بنفسي. ولعلّني أستطيع انتزاع الحقيقة منها بطريقة أسرع.
أومأ سامر، وقال:
- كما ترى يا سراج الدين... هي لك.
أشار عامر لخولة، ففكّت قيد تسنيم بهدوء، ثم أمسكت بذراعها وسارت بها إلى الخارج، يتبعهم عامر بصمت. وما إن ابتعدوا عن أسوار الدار، ودخلوا في زقاقٍ ضيق تحجبه الأشجار، حتى التفتت تسنيم نحو عامر وابتسمت بدموعها:
- كنتُ واثقة إنك مش هتسيبني، بس... اتأخرت عليا يا وحش! ازاي تسيبهم يعملوا فيّا كده؟!
لم ينظر عامر إليها، بل ظلّ يخطو أمامها بصمت. أسرعت تسنيم خطواتها واقتربت منه أكثر، ثم وضعت يدها برفق على ذراعه وقالت:
- أنا آسفة... عارفة إنّي غلطت، ومكانش ينفع أعدّي من البوابة من غير إذنك... بس انت كمان اتأخرت أكتر من يومين، وأنا قلقت عليك، خفت يكون حصلك حاجة... خفت عليك يا عامر... سامحني علشان خاطري.
توقّف عامر عن المشي، ظلّ صامتًا لحظة، ثم التفت نحوها وقال بصوتٍ هادئ:
- خلاص... حصل خير يا تسنيم. يلا علشان هرجعك البيت، أمك وأبوكي هيموتوا من القلق عليكي. لكن فكّري هتقوليلهم اي؟.
ابتسمت تسنيم ابتسامة ماكرة وقالت:
- بسيطة! هقولهم إنّي اتقبض عليّ "اشتباه"، وكانوا بيحققوا معايا... مش أنا فعلًا اتقبض عليّ؟
ضحك عامر ونظر إليها نظرة فيها مزيج من العتاب والمحبة، ثم قال:
- عيلة سوسة... مابتغلبيش أبدًا. الحمد لله إني مش عدوك.
ضحكت تسنيم بخفة، ثم نظرت إلى خولة وسألتها:
- وأنتِ أيتها المدبلجة؟، هل ستأتين معي..
ابتسمت خولة وأجابت بلطف:
- ماذا تعنين بالمدبلجة؟
عامر:
- لا تعني شيئًا. اسكتي يا تسنيم.
تسنيم:
- حاضر بس علشان خاطري خليني أقعد معاك هنا شوية، أنا لسه مش مصدقة إن الحاجات دي حقيقية..
عامر:
- هترجعي علشان يتطمنوا عليكي، وأنا هبقى أجيبك مرة تانية... وإياكِ تحاولي تيجي هنا تاني من غير إذني..
تسنيم:
حاضر
---
عاد عامر وخولة إلى قصر غرناطة، تسير إلى جواره فتاةٌ صغيرة الملامح، يعلو وجهها القلق، وتخطو خطواتٍ حذرة في الممرات المرصوفة بالفسيفساء. كانت تسنيم تحدّق بانبهار في تفاصيل القصر، أما عامر، فقد بدا شاردًا، بينما خولة تمشي بمحاذاته، تلقي نظراتها على الفتاة من حين لآخر.
عند البوابة الداخلية، ظهرت سارة، بخطاها الواثقة، ينسدل ثوبها الأندلسي المطرّز برقة، ووجهها يملؤه التساؤل. وما إن وقعت عيناها على تسنيم، حتى اقتربت منها وابتسمت:
- من أنتِ؟!، ملابسك غريبة وغطاء وجهك أيضًا ليس كغطاء وجه نساء غرناطة!!.
تسنيم:
- اسمي تسنيم، أخت عامر... أقصد، سراج الدين، وأنا مش...
- أخت عامر؟! - قطعت سارة حديثها بدهشة، ثم نظرت إلى عامر - لم تخبرني أن لك أختًا!
لم يرد عامر، بينما خطفت خولة يد تسنيم بلطف:
- تعالي معي، سأريكِ الحديقة... فيها زهورٌ لم تري مثلها من قبل.
لكن سارة تقدّمت نحوها بخطوة وقالت بحدة:
- لا، تسنيم ستكون معي أنا! أريد أن أجلس معها قليلاً.
- ولمَ؟ - أجابتها خولة بهدوء متماسك - تسنيم أخت زوجي، وأنا أحبها وأريد أن أكون معها.
- (تنفعل سارة):
تريدين كل شيء لنفسك! أخذتِ سراج الدين، والآن تريدين أخته أيضًا؟
- خولة(بهدوء):
لم آخذ شيئًا، سراج الدين اختارني، وأنا لم أخدع أحدًا.
سارة(وهي تنظر إليها بغضب شديد):
- كاذبة! أنا أعلم أنكِ خططتِ لكل شيء، وأوقعتِه في شِباكك. وسأعرف كيف حدث هذا، وأكشفه.
خولة (وقد بدأ صوتها يرتجف من الضيق)
ــ سواء علمتِ أم لم تعلمي، سراج الدين زوجي، ويحبني، وهذه هي الحقيقة.
-في تلك اللحظة، دخلت تسنيم بسخريتها الطفولية المعتادة لتهدئة حدة الحديث قائلة:
- استوب! إيه كيد النساء ده يا جماعة؟ أنا شكلي جيت في وقت مش مناسب خالص!، ومن الآخر كدا، أنا مش هبقى معاكي ولا معاها... أنا هقعد مع عامر، ساكت ليه يا سي عامر؟! أنت طلعت خاربها هنا والستات بيتخانقوا عليك!، هو دا اللي اتفقنا عليه؟ مش اتفقنا محدش فينا هيتجوز؟ يا خاين!
انفجر عامر ضاحكًا، ورفع يديه ساخرًا:
- هقول اي يعني؟ لله الأمر!
ثم اقترب من سارة وتابع حديثه:
- اجلسي معها يا خولة، وأنا سأتمشى مع سارة قليلًا وسأعود إليكم. ثم تجلس تسنيم مع سارة قبل أن أعيدها إلى البيت بعد قليل.
نظرت خولة إلى عامر نظرة مريبة لم يفهم مغزاها، لكنه نظر إلى سارة:
- تعالي نتمشى قليلاً، أريد أن أخبرك شيئًا.
مشت سارة إلى جواره، صامتة، حتى جلسا في طرف الحديقة تحت ظل الزيتونة العتيقة.
قال عامر بنبرة هادئة:
- أنا آسف على ما حدث. كنت خائفًا على تسنيم، ولم أقصد أن أجرحك.
سارة( وهي تنظر بعيدًا):
- أو لأنني قلت شيئًا لم يعجبك عن خولة.
عامر:
- خولة فتاة طيبة، لا تكرهك يا سارة. لماذا لا تحبينها؟.
أدارت وجهها إلى عامر:
- لأن قلبي يخبرني أنك في خطر معها.
عامر:
- خطر؟ أهذه خولة نفسها التي وثقتِ بها، وتركتِ لي الرسالة معها حين اعتقلكم عبدون؟
تغيّر وجه سارة، واتسعت عيناها بدهشة:
- ماذا؟! أنا لم أترك لك رسالة مع خولة، لم أكن أعرفها أصلًا. الرسالة تركتها مع خادمة تُدعى سعاد. خولة كذبت عليك، .. وهذا يعني أنَّ حياتك في خطر بالفعل معها.
ساد الصمت برهة، ثم قال عامر:
- حسنًا، سأصدقك... أين الخادمة سعاد؟، ولا تخبريني أنَّها اختفت.
- ولكن هذا ما حدث بالفعل، لقد اختفت فجأة... ولا أحد يعرف لها أثرًا.
- اختفت!، أجل
ثم حدّق فيها طويلًا - أنتِ تغارين، وتريدينني أن أبقى في القصر، لا لكِ، ولا لغيرك. سارة... أنا لست زوجك، زوجك مات. أنا عامر... وخولة زوجتي. أرجوكِ، أريد أن أعيش حياة زوجية هادئة وإلا سآخذها وأغادر وأترك غرناطة بما فيها.
أخفضت سارة رأسها، ونظرت إليه نظرة حزنٍ وحسرة ثم انفجرت باكية، وركضت إلى غرفتها.
في تلك اللحظة، دخل عبد الرحمن مسرعًا:
- سيدي! الناس يتجمعون أمام القصر، ويصرخون بأنك أخفيت الجاسوسة، ويطالبون بمحاكمتها وإعدامها أمام أعينهم!
خرج عامر بسرعة، ووقف على درجات القصر العالية، ينظر إلى الجموع:
- ما الأمر؟ عن أي جاسوسة تتحدثون؟
اقترب سامر، وقد بدا عليه الغضب:
- عن الفتاة التي أدخلتها القصر. من هي؟
صمت عامر لحظة، ثم قال:
- إنها... إنها ليست جاسوسة.
- (يرفع سامر صوته) إذًا من تكون؟!
تردد عامر، ثم نظر إلى الجموع، لم يتفوه بكلمة، ولم يستطع أن يقول أنها أخته.
صاح سامر بصوت مرتفع:
- أرأيتم، يا أهل غرناطة؟! قائدكم سراج الدين يخبئ الجواسيس الصليبيين في قصر غرناطة، ويخفي حقيقتهم! أليست هذا خيانة؟!، بلى والله وأكبر خيانة.
-همهم الناس، وبدأ الغضب يظهر على الوجوه، بينما ظل عامر واقفًا مكانه، صامتًا، يحاول أن يُحكم قراره قبل أن تتصاعد الأمور...
---
عامر لا يزال واقفًا على درجات القصر، بينما هدأت الجموع قليلًا، تترقّب ما سيقوله. وفي تلك اللحظة، خرج عبد الرحمن من بين الحرس واقترب منه وهمس بصوتٍ حازم:
- سيدي، مرني بقطع رأس سامر الآن، وأعدك بأن يرتدع كل من يفكر في التمرّد عليك.
لكن عامر رمقه بنظرة صلبة، ثم قال بهدوء:
- لا. لن أقطع رقبة مسلم مثلي لمجرد أنه أساء الظن بي... ليست هكذا تُدار الأمور في دار الإسلام. علينا أن نجلس معه ونتحدّث بالحسنى، ونبيّن له الحقيقة.
قال عبد الرحمن محتدًا:
- سيدي! إذا رأى الناس سامر يتمرّد عليك ويتّهمك بالخيانة دون أن يُعاقب، فستتجرأ عليك رقابٌ أخرى، وسينتشر التمرد في المدينة كالطاعون... ردعه واجب يا مولاي، لا خيار فيه.
سكت عامر برهة، ثم قال بنبرة حازمة:
- قلت لا. لن تكون الدماء سبيلنا إلى الحكم. بل نردّ على الظلم بالعدل، وعلى التهكّم بالحجّة، وعلى الغضب بالحكمة.
ثم التفت إلى الحارس بجواره:
- نادِ سامر... ليأتِ إلى المجلس الآن، لنتحاور سويًّا.
مضى الحارس مسرعًا...
وبعد لحظات نظر سامر إلى عامر نظرة غاضبة وقال بنبرةٍ حادة:
- لن أجلس مع رجل يُخفي جاسوسة بين جدران قصره. لن أتحاور إلا بعد أن تظهر الفتاة علنًا وتُحاكم أمام أهل غرناطة كافة. وإن لم تفعل، فإننا سنعلن الخروج عليك.
عمّ الصمت المكان، وسرى التوتّر كالكهرباء في الهواء. تبادل الناس النظرات، والهمسات بدأت تعلو شيئًا فشيئًا. أما عامر، فبقي واقفًا بهدوئه المعهود، وعيناه تحدّقان في الأفق، وكأنّ عقله يسابق الزمن ليجد مخرجًا.
همس عبد الرحمن بجواره:
- الآن، ما العمل يا سيدي؟ إن سكتَّ، تفجّرت المدينة... وإن ردعتهم، كُسرت هيبتهم، ولكن استُعيدت هيبتك.
رفع عامر رأسه أخيرًا وصعد على مكانٍ مرتفع وفي مواجهة الحضور قال بنبرة واثقة، تخترق الصخب:
- أنا سراج الدين وأبي هو صهيب الغرناطي قائد جيش غرناطة الاسبق، وإن كنتم قد نسيتم فقد مات شهيدًا وهو يدافع عن هذه الأرض.. أنا جذر عميق في هذه الأرض، أنا بعضٌ من ترابها،
وأنا من وقفت قبل أيام اقاتل بسيفي معكم وأذللنا رقاب الصليبيين معًا، عندما حاولوا التعدي على شرف غرناطة، وها أنتم اليوم تقفون أمامي وفي أعينكم نظرات الخوف والشك.... أنسيتم من أنا ومن أبي وماذا قدمنا لهذه الأرض... أنا لا أفخر ولكن أذكركم.. بأنَّني لن أخون هذه الأرض حتى وإن خانها الجميع..
وفي هذه اللحظات هتف جميع الحضور للقائد سراج الدين..
وعند انصرافهم استدار عامر ليدخل إلى القصر، فناداه سامر...
سراج الدين...من اليوم أنا لست جنديًّا في جيشك... والقصة لم تنتهي بعد...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!