الفصل 23 | من 32 فصل

رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار

المشاهدات
14
كلمة
4,740
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

في سكون الليل، حين خفَّت الأصوات في قصر الحمراء، وكان ضوء القمر يتسلّل بخجل من خلف الستائر الحريرية، استلقى عامر في غرفته متكئًا على سريره، وخولة مستلقية إلى جواره، رأسها على صدره، وذراعه يلفّها كأنما يخشى عليها من نسمات الهواء.

أخذت تلاعب أصابعه بأناملها، وقالت بصوت هامس:

- عامر... لو رزقنا الله بولد، فبمَ نسميه؟

عامر:
ــ أريده أن أعطيه اسمًا من أسماء الصحابة.

خولة:
ــ أي صحابة؟

عامر:
ــ صحابة رسول الله، هل نسيتيهم؟!!

خولة(وهي مرتبكة):
ــ لا، نعم، نعم، تذكرت، سامحني، أنساني حبك كل شيء.

ابتسم وهو يضمّها إليه أكثر، وقال:

- ما رأيك نسميه "طلحة"، على اسم طلحة بن عبيد الله؟

ثم ابتسم عامر، وهو يقول:

- طلحة... اسمٌ عظيم لصحابيٍّ عظيم.

نظرت إليه خولة بفضول وقالت:

- احكِ لي عنه، أريد أن أعرف لماذا اخترت هذا الاسم.

تنهد عامر، ثم قال بصوت يملؤه الإعجاب:

- طلحة بن عبيد الله، يا خولة، هو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وكان من أوائل من أسلموا، وكان من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ. لُقِّب بـ"طلحة الخير" و"طلحة الجود" و"طلحة الفياض"، وكان يُعرف بشدة كرمه وشجاعته.

صمت برهة، ثم تابع وهو ينظر إلى عينيها:

- أتدرين ماذا فعل يوم أُحد؟ لقد جعل من جسده درعًا يحمي به رسول الله، حتى شُلَّت يده من كثرة ما أصيب. لم يهرب، ولم يَخف، بل دافع عن النبي بكل ما يملك من روح وقوة، وقال فيه رسول الله ﷺ: «من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله».

اغرورقت عينا خولة بالدموع، وهمست:

- ما أعظمه... يستحق أن يحمل ابننا اسمه فعلًا.

ضحك عامر برقة وقال:

- أريده أن يكون شجاعًا، كريمًا، نقيًّا مثل طلحة. لا أريد له أن يعيش عظيمًا بين الناس فحسب، بل عظيمًا عند الله. أن يكون سيفًا للحق، وقلبًا لا يخاف في الله لومة لائم.

ثم وضع يده على بطنها برفق، وقال مبتسمًا:

- يا صغيري، إن كان اسمك طلحة، فاجعل حياتك كطلحة... لا تأبه بالريح إن هبت، بل كن صخرةً في وجه الباطل، ورحمةً في يد الضعيف.

تململت خولة قليلًا بين ذراعي عامر، ثم رفعت وجهها إليه وهمست بدلال:

- وإذا كانت فتاة... ماذا سنسميها يا زوجي الحبيب؟.

ابتسم عامر، ومسح على شعرها بحنو وهو يحدّق في عينيها قائلًا:

- فتاة؟... آه، إذًا ستكون زهرة قلبي... وسأسميها "عائشة".

ارتسمت على وجه خولة ملامح الدهشة الممتزجة بالفرح، فقالت:

- عائشة؟

أومأ برأسه وقال بخشوع:

- نعم، عائشة بنت أبي بكر... أم المؤمنين.. السيدة العالمة، الفقيهة، الطاهرة. كانت ذكية فصيحة، صاحبة عقل وقلب، ومواقف لا تُنسى في نصرة الإسلام. أحبها النبي حبًّا عظيمًا، حتى إن الناس كانوا يعرفون حبه لها ولا يسألونه إلا وهي في بيتها.

ثم أضاف وهو ينظر نحو الأفق:

- أريد لابنتي أن تكون عفيفة، قويّة، تحفظ كتاب الله، وتكون سندًا لي كما كانت عائشة لرسول الله ﷺ، وكما كانت خديجة رضي الله عنهما، وأن تكون نورًا في زمنٍ تكثر فيه الظلمات.

عانقته خولة بقوة، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت وهي تضحك بخجل:

- إذًا سواء طلحة أو عائشة... يبدو أن بين أيدينا قائدًا أو قائدةً من قادة الإيمان.

قبّل عامر جبينها بلطف، وهمس:

- بل بين يدينا أمل الأمة... وسرّ سعادتي، أنتِ وطفلنا، أنتما أملي وسيفي الذي أقاتل به في أصعب اللحظات.

ثم ضمّها إليه بقوة، وقال:

- خولة... إن رزقنا الله بعائشة، فلن أتركها تغيب عن ناظري لحظة، ولن أترككِ وحدكِ يومًا... أنا رجلٌ غيورٌ جدًا.

ضحكت خولة وقالت بلطف:

- زوجي الحبيب... أعدك أن أجعل حياتنا جنة... وأنا يكفيني أنك معي.

ثم ابتسمت برضى وراحت تغمض عينيها على صدره، ثم رفعت رأسها قليلًا وقالت:

- عامر... صحيح، سمعت أنك أعفيت أبي من مجلس القادة... هل هذا صحيح؟

هزّ رأسه، وقال:

- نعم، لقد تقدم به العمر، والمرض أرهقه. لم يكن من اللائق أن أثقل كاهله بمشاقّ القيادة. أردت له الراحة والكرامة في ما بقي له من أيام.

أجابت بنبرة ممتنة:

- أوامرك كلها جميلة، يكفي أنه يعيش بيننا مُكرمًا... أنا لستُ منزعجة، بل ممتنة لك.

ثم سكتت للحظة، كأنما تجاهد في البوح بسر دفين، قبل أن تقول بتردد:

- عامر... هل يمكنني أن أعترف لك بسر؟

اعتدل قليلًا، وأخذ ينظر في عينيها بجدّية:

- قولي يا خولة.

قالت وهي تبتلع ريقها:

- المعتز بالله... ليس أبي الحقيقي.

صمت عامر، واتسعت عيناه بدهشة، وقال:

- ماذا؟!، كيف؟!

أمسكت بكفه سريعًا وقالت برجاء:

- اهدأ من فضلك... استمع إليّ حتى النهاية.

ثم تابعت بهدوء:

- المعتز بالله تزوج أمي بعد وفاة زوجته الأولى بسنة فقط... أمي ليست من هنا... ولا أنا.

أخذ عامر نفسًا عميقًا وقال بنبرة تعجبٍ:

- من أين إذًا؟

أطرقت برأسها، ثم قالت:

- من بلادٍ بعيدة... لكن لا يهم الآن. المهم أنني بين يديك... بين ذراعيك. لا أريد أن تفسد هذه اللحظة الجميلة.

ثم اقتربت منه أكثر، وضعت يدها على قلبه وقالت بشغف:

- عامر... أنا أحبك كثيرًا، أريدك لي وحدي. لا أريدك أن تفارقني، ولا أن تشاركني فيك امرأة أخرى...

ثم أضافت بصوت متهدّج:

- أنا أفهم أنك تقدّر سارة لأنها ساندتك كثيرًا، لكنك لا تراعي غيرتي... أنا قلبي يحترق حين أراك تحدّثها، أو تبتسم لها كما تبتسم لي... أرجوك، لا تسلبني قلبي.

أمسك عامر رأسها، وقبَّل جبينها بلطف وقال:

- أنا لكِ وحدك يا خولة... لا تخافي. ما دمتُ حيًّا، فلن يمسّ قلبك حزن، ولن أقتلك بحبك لي أبدًا.

فابتسمت ابتسامة مُضيئة، وضحكت ضحكة طفولية، ثم ألقت بنفسها في حضنه بقوة وقالت:

- زوجي... حبيبي... كن لي دومًا، فأنا لا أطيق بُعدك.

فأحاطها بذراعيه، وهمس في أذنها:

- وأنا لن أكون إلا لكِ... يا زهرة غرناطة.

---

في صباح يومٍ رماديٍّ لفَّه الضباب، خرج عامر متخفِّيًا في زيِّ أحد الفقراء، مرتديًا عباءةً بسيطة، وقد تلثّم حتى لا يعرفه أحد. قرّر أن يرى بعينيه حال الناس، لا من شرفة قصره، بل من قلب الشوارع.

مشى في الأسواق، تارةً يُحادث امرأة تبيع الخبز اليابس عن حالها ومشكلاتها، وتارةً يُساعد شيخًا على حمل جرّة الماء. أعطى هذا دراهم، واشترى من ذاك ما لا يحتاجه، فقط ليُعينهم.

وفي أحد الأزقّة، رأى صبيَّان يتحاوران. قال أحدهما للآخر بعينين تقدحان بالغضب:

- أنا لا أحب الملك سراج الدين، لقد قبل بصفقةٍ مخزيةٍ مذلّة!

توقّف عامر، ونظر إلى الغلام مليًّا، ثم قال:

- ربما قبل بها ليحميكم من الجوع، من الموت، من الدمار...

فشدّ الغلام قبضته وقال:

- الموت أهون، أشرف، وأقلُّ ألمًا من الذُّل...

اهتز صوت عامر، وكادت عيناه تدمعان، لكنه ما لبث أن ابتسم بحزن، وربت على كتف الغلام وقال:

- لعلّك على حق....

---

تابع عامر طريقه بين الأطفال، جلس إليهم، داعبهم، وحدثهم، وأطعم الجائعين منهم. وهناك، على أطراف إحدى الحدائق، رأى طفلًا يُصوِّب قوسًا خشبيًّا نحو عصفورٍ صغير.

أطلق السهم الأول... فأخطأ. ثم الثاني... فأخطأ أيضًا. لكن الثالث أصابه، وسقط العصفور.

وما إن رآه الطفل يتهاوى، حتى جثا على ركبتيه وبدأ يبكي بحرقة.

اقترب عامر منه وربت على رأسه وقال:

- لِمَ تبكي يا بُنيّ؟ لقد أصبته في النهاية، وهذا يدل على براعتك.

رفع الطفل عينيه المغرورقتين وقال:

- وكيف أفرح؟! أأنا أُقاتل الصليبيين بسهمٍ لا يصيب من المرة الأولى؟! والله لقد خذلتُ الإسلام إن مرّ سهمي مرتين قبل أن يصيب.

انكسر قلب عامر، واحتضنه بشدّة، وطبع قبلة على جبينه، وقال بصوتٍ يفيض رجاءً:

- في يومٍ من الأيام، لن ندفع الجزية، ولن نُسلِّم غرناطة، ولن نستسلم إلا على رقابنا جميعًا... أمثالك هم رجاء هذه الأمة.

---

عاد عامر متجهًا إلى السرداب السريِّ حيث يشرف عبد الرحمن على صناعة المدافع والبنادق البدائية، وقد استُقدِم لها عددٌ من الحرفيين والحدّادين الماهرين.

دخل عامر وقال:

- عبد الرحمن، هل علَّمتَ رجال غرناطة هذه الصناعة كما أمرتك؟

فردّ عبد الرحمن بثقة:

- نعم يا مولاي، بل إن بعضهم تفوّق على معلميه.

فقال عامر وهو يتقدّم متفحِّصًا الأدوات:

- دَعْ الصليبيين يُكملون ما بدأوه، لكن على رجالنا أن يبدأوا التصنيع بأيديهم، دون حاجةٍ إليهم. ولا نُخرجهم من الورشة إلا حين نقرر ساعة الحرب... لا نريدهم أن يُفشوا سرّنا. وأيضًا أكثروا من صناعة المجانيق الضخمة المتنقلة...

- مفهوم يا سيدي، سأُتابع التنفيذ بدقّة.

ثم نظر عبد الرحمن وقال:

- أريد أمرًا منك بالقبض على سامر. إنه يزرع الفتنة في الخفاء.

عامر:
- نعم... لكنه ذكيّ. لو قبضنا عليه الآن، لن نجد دليلًا يثبُت عليه، وسيخرج بريئًا، وربّما يُشعل الناس علينا.

- فما العمل إذن؟

قال عامر وهو يخطو نحو الضوء:

- راقِبوه... تتبّعوه في صمت... حتى يسقط بجرمه. أريد أن يُقبض عليه متلبسًا، فلا يكون لأحدٍ حجّة في الدفاع عنه.

انحنى عبد الرحمن وقال:

- سمعًا وطاعة يا مولاي.

خرج عامر من الورشة، والشمس قد بدأت تشقُّ طريقها من خلف الجبال، والهواء يحمل وعدًا جديدًا... وعدًا بأن هذه المدينة، لا تزال تنبض بالعزة.

---
وبعد انقضاء مدة حمل ولي العهد..
ولد طلحة وأقيمت الاحتفالات في كافة أرجاء غرناطة لمولده

كان عامر مسرورا جدا وأخبر خولة أنهم سيذهبون إلى القاهرة ليفرح أهله بولادة حفيدهما الجميل..

وكان ردها أن الزيارة كل أربعة أشهر إلى القاهرة لا تكفيها بل تريد أن تعيش هناك.

---

وبعد مرور عام...
وفي سردابٍ سريٍّ تحت أحد أجنحة القصر، اجتمع عامر برجاله المقرّبين، حازم، وعبد الرحمن، وأيوب، ونور الدين بن غالب. جلسوا حول طاولة خشبية عتيقة تفترشها خرائط مفصلة للأندلس، وأمامهم شموعٌ تتراقص نارها في الظلال، تُلقي بأنوارٍ خافتة على وجوههم المتحفّزة. غاب عن المجلس السيّد عثمان، الذي استُبعد منذ مدّة بعد خلافٍ محتدم دار بينه وبين عامر حول كتابِ شفرة أوڤاميندرا، فأدرك عامر أن الخلاف معه قد يصل إلى الخيانة.

أشار عامر إلى إحدى الخرائط، ثم قال بصوتٍ حازم:

- هذه غرناطة... قلب الأندلس النابض، لكن القلب وحده لا يحيا بالجسد، ولا الجسد يُحمى إن تُرك القلب محاصرًا. لقد خُدعنا من قبل حين اكتفينا بالدفاع من خلف الأسوار، فحاصرونا حتى جاع الناس وتزلزلت الأسوار. أما اليوم... فلن نمنحهم شرف الحصار، بل نحن من سنحاصرهم.

ساد صمتٌ قصيرٌ، ثم أكمل عامر وهو يُنقّل إصبعه بين المناطق المحيطة بغرناطة:

- لن نُعيد الخطأ. هذه المرة سنهاجمهم، لا ننتظرهم... سنبدأ في التخطيط للانقلاب على الصليبيين، واستعادة الأندلس قطعةً تلو الأخرى، حتى نصل إلى إشبيليّة وقرطبة وطليطلة، ثم نرفع راية التوحيد فوق كل أراضي الأندلس من جديد.

رفع رأسه ونظر إلى رجاله:

- والآن... بماذا نبدأ؟

تقدّم عبد الرحمن وقال:

- أقرب النقاط إلينا هي بلدة البيّازين ووادي آش، وهما منطقتان استراتيجيّتان، تخضعان لحُكم ضعيف من قبل ولاة الصليبيين، ويمكن كسب الناس فيهما بسرعة.

قال حازم:

- بعد ذلك يمكن التوسّع إلى ألبيونة ولورقة، ثم نصل إلى مالقة، ومنها نؤمّن السواحل... فمتى ما أمّنا البحر، استطعنا قطع الإمدادات القادمة من قشتالة وأراجون.

قال أيوب بتفكّر:

- ولكن علينا ألا نظهر أنفسنا في البداية... نحتاج لثورات شعبية يقودها رجالنا في الخفاء، ويكون تدخلنا كأنّه نصرة للمظلومين لا إعلان حرب مباشرة، حتى نظل خارج دائرة انتباه فرديناند أكبر وقت ممكن.

هزّ عامر رأسه موافقًا وقال:

- نحتاج لخطة تُبنى على الكتمان، وعلى بناء الثقة مع الناس. سنرسل رسائل مشفّرة إلى رجالي في تلك المناطق، يبدأون بالتحرّك ببطء. لا نريد نصرًا سريعًا ينهار، بل تأسيسًا ثابتًا لا يُنتزع.

قال نور الدين:

- والشباب؟ كثير منهم يتدربون سرًّا، ولكنّهم متعجّلون.

ابتسم عامر وقال:

- علمهم أنّ العجلة في الجهاد قد تقتل الحلم قبل أن يولد. لا نريد ثائرًا متهورًا، بل مجاهدًا فقيهًا يعرف ما يطلب ويصبر عليه.

ثم نظر عامر إلى الخرائط مجددًا وقال:

- سنجعل غرناطة مركزًا للقيادة، ونجعل المساجد منابرًا للعلم والجهاد، وسنربّي الأجيال على العزّة لا الهزيمة، وعلى الأمل لا اليأس.

ثم رفع نظره إلى رجاله وقال:

- اجعلوها سرًّا بيننا، لا يخرج منه حرف... حتى يحين الموعد، وتدقّ ساعة الفجر الحقيقي.

فأجابوه جميعًا بصوتٍ واحد:

- سمعًا وطاعة، يا سيدي.

---

في مساءٍ هادئٍ من ليالي غرناطة، وبعد انفضاض اجتماع السراديب، دخل أحد الحراس على عامر في جناحه الخاص وأبلغه بأن السيد عثمان يطلب لقاءه. نظر عامر في صمت، ثم أشار للحارس أن يدخله.

دخل السيد عثمان بخطاه المهيبة، ورغم ما بدا عليه من شيبة وتعب السنين، فإنّ في عينيه عزيمةً لم تخبُ. وقف أمام عامر وقال بنبرةٍ واثقة:

- قبل أن أقول ما جئتُ من أجله، أرجوك لا تظن أني أسخر منك... ولا أني أضع من قدرك. حين جئتَ أنت وحازم إلى غرناطة... أنا من جلبكما. كنت أرى فيكما الأمل الذي سيمنع سقوط هذه المدينة، وعلّمتكما الفروسية والمبارزة، وشرحت لك كل ما كنت أعلمه... كان همّي الوحيد آنذاك هو حماية غرناطة.

سكت لحظة، ثم أكمل:

- وعندما رفضتَ إعطائي الكتاب، لم أخنك. وقاتلت الصليبيين بكل ما أُوتيتُ من قوة، رغم أنك استبعدتني من مجلس القادة. لم أخن... لكن ما يؤلمني يا عامر أنك ما زلت تصرّ على إبعادي. لماذا؟

نظر إليه عامر بعينٍ حائرة، ثم قال بهدوء:

- ظننت أن خلافنا على الكتاب قد يدفعك لخيانتي... وكنت أخشى أن يصل بك ذلك إلى ما لا يُحمد عقباه.

فقال السيد عثمان بنبرة هادئة:

- أنا لا أخون، يا عامر. نحن القاهريون لا نخون، أبدًا... كل ما في الأمر أني خفت من وجود الكتاب في غرناطة. إنه خطرٌ علينا جميعًا.

أجابه عامر متسائلًا:

- وما الذي يجعله خطرًا؟ ولمَ ترفض إخباري؟.

قال عثمان بصوتٍ منخفض وهو يقترب منه:

- سأخبرك... ولكن بشرطٍ واحد: ألا تذكر لأحد ما سأقوله، حتى لحازم.

أومأ عامر برأسه وقال:

- أعدك.

تنهد السيد عثمان طويلًا، ثم قال:

- الكتاب الذي بين يديك اسمه "شفرة أوڤاميندرا". في أول صفحاته رموزٌ لا يفكّها إلا رجل واحد: أوڤاميندرا نفسه. أما باقي الأوراق، فهي بيضاء... لكنها ليست فارغة، بل تنقل حاملها إلى بوابات مختلفة، كل بوابة تؤدي إلى عالم غريب... سبع بوابات لسبعة عوالم مختلفة تمامًا عن عالمنا.

اتّسعت عينا عامر، وهمس:

- وأين أوڤاميندرا الآن؟

رد عثمان بنبرة قلقة:

- تركته في القاهرة، في عالمنا، ولكنه قد يكون دخل من نفس البوابة، وربما يكون الآن في عالمنا. ولن يتوقف حتى يجد الكتاب... وإن وجده معنا، سيقتلنا.

عامر بذهول:

- ولماذا يقتلنا؟ ما ذنبنا؟!

أجابه عثمان وقد أشاح ببصره:

- أنا من أخطأ. طمعتُ في الكتاب... سرقته منه بعدما حكاني قصته. لم أكن سارقًا قط، ولكن الكتاب أغراني. من يملك هذا الكتاب، كأنما يملك كنوز الدنيا.

اقترب عثمان أكثر وهمس:

- وربما هو الآن يبحث عني، وسيقتلني... وسيقتلك أيضًا، لأن الكتاب يعرف كل من لمسه بيده. هكذا قال لي أوڤاميندرا.

سكت عامر قليلًا، ثم قال بحزم:

- وماذا تعرف أيضًا عن هذا الكتاب؟

أجابه عثمان بسرعة:

- أعطني الكتاب، وسأخبرك بكل شيء.

نهض عامر من مجلسه، وابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال:

- لا... لست بحاجة إلى أن أعرف الآن. كنت أعلم أن هذا الكتاب يخفي سرًّا أكبر مما أظن... وربما ما زال يخفي ما هو أعظم. لكني سأكتشف ذلك بنفسي، وسأعيد الكتاب إلى صاحبه، حين يحين الوقت.

هتف عثمان وقد بدأ القلق يتسرّب إلى صوته:

- لا يمكنك الذهاب إلى عالم أوڤاميندرا! ستلقى حتفك ما إن تتجاوز البوابة. ذلك العالم... مليء بمخلوقاتٍ قاتلة، وبشرٍ يختلفون عنّا، وحيوانات وطيور وحشرات لا نعرفها. إنه عالم ليس للبشر أمثالك.

عامر، بنبرة هادئة عازمة:

- إن كان هذا هو قدري، فلن أهرب منه... وإن كان عليّ أن أمر عبر سبعة عوالم لأعيد ما ليس لي، فليفعل الله ما يشاء. لكني لن أُخفي الكتاب، ولن أُسلمه دون أن أعرف سره. سأعرف... حتى لو كنت أنا الثمن.

جلس عامر بعدها في صمت، وأدرك عثمان أن عامر قد بدأ يسلك طريقًا لا عودة منه. ثم انصرف في هدوء.

---
وبعد عدة أيام...
كان عامر يجلس ويلعب مع ابنه في حديقة القصر
ثم أخرج من جيبه خنجرًا ونظر إليه كثيرًا. إنَّه الخنجر الذي طُعِن به في كتفه في غرفته.

وفجأة وقف عامر من مكانه فجأة، وقال:
إنَّه نفس التي كانت تملكه خولة ونفس الخنجر الذي رأيته في يدها يوم قتل محمد بن الأمين.
والشخص الذي طعنني مرتين رأيت عينيه إنها أعين خولة... ويدها التي أمسكتها كتنت يد خولة.. لقد كان كل شيء واضحًا ولكنني كنت أحمقًا.

وفي هذه اللحظة أخذ عامر طلحة وأعطاه لسارة، وأخبرها أنه سيذهب إلى نهر دراو برفقة خولة. ثم تركها وذهب إلى غرفة خولة، ودخل دون أن ينطق بكلمة. كانت خولة تجلس عند النافذة، تقلب نظرها في السماء، وما إن لمحته حتى ابتسمت وقالت:

- أتيت أخيرًا... كنت...

لكنه لم يرد. فقط ثبت نظره عليها، بعينين جامدتين، وصدرٍ يعلو ويهبط وكأنه يحمل فيه جبال غرناطة كلها.

ثم قال بصوت منكسر:
- تعالي معي.

نظرت إليه في حيرة، ترددت لحظة، ثم سألته:

- إلى أين؟

عامر:
- إلى نهر دراو.

نهضت وسارت خلفه، لا تدري إلى أين يقودها قلبه لا قدماه. كان صامتًا طوال الطريق، وخطواته تنبض بالغضب، وعيناه لا تلتفتان لها.

همست إليه عدة مرات، تناديه، تسأله، لكن الصمت كان أقسى من الإجابة.

حتى إذا بلغا ضفة النهر، استدار عامر إليها، وأخرج من جيبه خنجرًا كبيرًا، رفعه أمامها وقال:

- ما هذا؟

اتسعت عيناها، وارتبكت أنفاسها، واحمرّ وجهها كمن فُضح ستره.

- إنّه... خنجر... كنت سأ...

- لا زلتِ تحاولين الكذب يا... يوستينا.

ارتجفت شفتاها، كأنما سُحبت الأرض من تحت قدميها، وتمتمت:

- أنا...

- لا تُكملي.

ثم رفع صوته، كأنما يفرغ غضبه في الهواء:

- يوستينا الجاسوسة الصليبية الذكية! خدعتِ ملك غرناطة، وتسلّلتِ إلى قلبه الأحمق، ثم مزّقته بيدكِ، دون رحمة... دون شفقة!

انهمرت دموعها فجأة، وركعت أمامه، وقالت:

- لا تقل هذا... أرجوك... دعني أشرح. نعم، أنا يوستينا، وُلدتُ بين الصليبيين، لكنني آمنت بالإسلام، وأهله، وأحببتك... أنت وحدك.

أنا لم أخنك... كنت معكم، وضدهم، وكنت أقاتل في الخفاء، من أجلكم.

عامر:
- كذبتِ! خدعتِني، وسفكتِ دماء إخوتي!

خولة:
- نعم... نعم، أنا من قتلتُ سعيد... ومن قتلت محمد بن الأمين، ومن قتلت الجندي يوم تتويجك ملكًا. لكنهم كانوا خونة، عملاء للصليبيين!

عامر:
- وهل طعني في كتفي كان من أجل غرناطة أيضًا؟!

خولة:
- نعم... كنت مجبرة. لو لم أفعلها لأرسلوا غيري... طعنتك طعنة لا تميت، فقط لتفشل مهمتهم... وكنت أنوي الاعتراف لك بكل شيء هذا اليوم... صدقني!

عامر:
- تعترفين لي الآن؟ بعد أن كدتِ تزهقي روحي؟!

خولة:
- أقسم لك... فقط كنت أحاول حمايتك.

عامر:
- قتلتِ رجالي، وغرستِ سكينك في قلبي، ثم تطلبين الصفح؟!

خولة:
- أعلم أنّ ما فعلته كان فظيعًا... لكنني لم أسفك دمًا بريئًا قط، لا أملك دليلًا، لكنّك سترى في عينيّ الصدق.

عامر:
ثم اقتربت منه، ووضعت يدها على صدرها:

خولة:
- أنا خولة... زوجتك... حبيبتك... منذ أن عرفت الإسلام، لم أعد يوستينا. أصبحت منكم.

عامر:
- لقد شككت في الجميع ووثقت بكِ، وكم حاولت سارة أن تشير إلى خيانتك ولكنِّي كنت أغلق فمها قبل أن تتفوه بكلمة واحدة تمسَّك!

خولة:
صدقني أنا لم أخنك، سأشرح لك وستسامحني...

عامر:
لا ينعت الخائن نفسه خائنًا.

ثم رفع سيفه نحوها، وصوته يرتجف بين الألم والغضب

لكن ما إن همّ بإنزال السيف حتى ألقت بنفسها عند قدميه، وضمّت ساقه، تقبّلها باكية، وقالت بصوتٍ يتهدّج:

- أرجوك... لا تقتلني... ليس من أجلي، بل من أجل طفلنا....

توقف السيف في الهواء. وجمد عامر في مكانه. كأن صاعقة شقّت صدره نصفين.

أغمض عينيه، وأسقط السيف من يده، ثم قال بصوت مكسور:

- سأدعكِ تُحَاكمين محاكمة كاملة... لا من أجلك، بل من أجل ذلك الطفل... أما أنتِ، فقد انتهيتِ من قلبي.

لكنها لم تترك قدمه، بل ضمّتها بقوة، تبكي وتقول:

- سامحني، إن أبعدتني عنك سأموت! أرجوك... أنا لم أعد يوستينا... أنا خولة... خولة التي أحبّت عامر، وكانت تقاتل معه، لا عليه!، أنا لم أقتل إلا العملاء، كنت أحاول حمايتك وحماية غرناطة، صدقني أنا صادقة.

وفجأة...
سمعا دوّى صهيل خيول في الأفق، وقبل أن يلتفت عامر، كان ثلاثة عشر فارسًا قد أحاطوا به من كل جانب. سيوفهم لامعة، وأعينهم حاقدة.

أمسك عامر خولة، وقال بغضبٍ:
- من أنتم؟!

لكن أحدهم اندفع وضربه برجله فسقط أرضًا، ثم خطف اثنان منهم خولة عنوة، وهي تصرخ:

- عامر! لا تتركني! عامر!

سحب عامر سيفه من الأرض، ووقف يقاتلهم بجنون، بلا درع، بلا خيل، فقط غضبه ونصل سيفه. لكنه تلقّى ضربة من الخلف أوقعته على ركبتيه، وسالت الدماء من فمه.

ركض خلفهم مترنحًا، ينزف من كتفه وصدره، لكن الخيول اختفت في الضباب.

ظل واقفًا عند النهر، والدماء تلطخ ثوبه الأبيض، وصدى صراخها يرتد في أعماقه...

- خولة...!

---

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...