الفصل 13 | من 32 فصل

رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الثالث عشر 13 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار

المشاهدات
12
كلمة
2,501
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

في ساحة المجلس، كان الطفل الذي أُرسل بالرسالة يقف أمام عامر، يرتجف من شدة التوتر، والجنود يحاصرونه.

عامر (وهو يجلس أمامه بلين): - لا تخف يا صغيري، فقط أخبرني... من أعطاك الرسالة؟

الطفل (بهمسٍ): - رجلٌ طويل... يرتدي عباءة سوداء، لم أرَ وجهه، قال لي فقط: أوصلها بسرعة، ولا تنظر خلفك.

أخذ عامر الزجاجة من يد الطفل وفتحها بحذر. في داخلها ورقة صغيرة مطوية بعناية، وعليها:

> "أمُّك بخير... ولكنَّها أصبحت واحدةً منَّا.
أنا لا أختبئ منك، بل أسير من خلفك.
أنا بين جنودك... بين من تثق بهم.
والطعنة المقبلة ستأتيك من حيث لا تتوقع...
كن مستعدًا لخسارة المزيد؟"

- الظــل

تجمد عامر في مكانه، وعيناه تشتعلان بالغضب والقلق معًا.
تقدّمت خولة نحوه وهمست:

- سيدي... رسائله لا تخيفنا، لكنها تُربكك.

عامر (بصوت حاد): - لأنني أعرف أن تهديده ليس مجرد حبر على ورق.
لقد خطف أمي... ويهددني بأحد المقربين. هذا يعني أن خائنًا جديدًا بيننا.

---

ليلاً...

عاد عامر إلى قصره متعبًا، غاضبًا، ومهمومًا. خطواته كانت ثقيلة، وعيناه شاردتان.

دخل إلى الحديقة الداخلية، وجلس على الأرض بصمت، ثم مدّ يده إلى التراب، وأخذ قبضة صغيرة بين أصابعه، تمعّن فيها طويلًا، ثم همس:

- أم سراج الدين... أقسم أنني سأعيدك، مهما كان الثمن.

وفجأة، جاءه صوتٌ من خلفه، قاطعًا عليه خلوته:

- سيدي القائد... لقد جئتُ بخبرٍ عاجل.

التفت عامر بسرعة، فوجد عبد الرحمن يركض، ويلهث، ووجهه مبلل بالعرق، وثيابه مغبرة.

عامر (ينهض بسرعة، وعيناه تشتعلان قلقًا):
- تكلّم، ما الأمر؟

عبد الرحمن (وهو يحاول التقاط أنفاسه):
- الأمر... يتعلق بـ السيد عثمان.

عامر (وقد ضاق جبينه فجأة): - ماذا به؟

عبد الرحمن:
- لقد... اختفى، مرةً أخرى.

عامر:
- ماذا تقول؟! متى كان ذلك؟!

عبد الرحمن:
- قبل ساعةٍ فقط. وخروجه هذه المرة لم يُرَ من أيّ باب، ولم تفتح أية بوابة. لكنه... ليس في القصر، وكل محاولات العثور عليه باءت بالفشل.

سكت عامر لحظة، ثم قال ببطء، كمن يربط الخيوط معًا:

- إذًا... كان هنا تحت أعيننا، والظل يتحرك كما يشاء، وأمي اختُطفت من بين أيدينا، والسيد عثمان يختفي كلما اقتربنا من الحقيقة...

عبد الرحمن:
- هل تشكّ في أنه...؟

عامر (بصوت منخفضٍ كالسيف):
- لا أريد أن أشكّ، ولكن... الظل قال: "الطعنة تأتيك من أكثر شخص لا تتوقّعه".

- ثم نظر عامر إلى سيفه وعيناه لا ترمشان:

- إن كان السيد عثمان هو الظل... فلن يهرب هذه المرة.
وإن لم يكن...
فمن هو الظل الذي نعيش معه في كل مجلسٍ، وكل خطة، وكل خطوة؟!

عبد الرحمن (بصوتٍ مرتجف): - وما العمل الآن؟

عامر (بحزم):
- اجمع الرجال. أغلقوا أبواب القصر، لا أحد يخرج ولا أحد يدخل.
وأحضر لي خولة... أحتاج عقلها الآن قبل سيفي.

----

اجتمع عامر مع رجاله في الغرفة السرية، وخارطة المدينة مرسومة أمامهم.

عامر (وهو يشير إلى نقطة على الحافة الشرقية للمدينة): - ثلاث ليالٍ من المطاردة... وكان يترك كل مرة أثرًا متعمدًا، كأنما يقودني.

خولة:
- تريد القول إنه يريدك أن تذهب إليه؟

عامر:
- أجل، ويريدني أن أصل... في الوقت الذي يحدده هو.

عبد الرحمن (مقاطعًا):
- ولكننا راجعنا كل الأماكن التي ذُكر أنها استُخدمت كمخابئ. كلها فارغة.

عامر (بصوتٍ حاد):
- لم نراجع مكانًا واحدًا... مغارة عين الصقر.

موسى:
- لكنها مغلقة منذ عشرين عامًا!

عامر:
- إلا على من يملك المفتاح.

- ثم أخرج عامر من جيبه تميمةً قديمة، كانت ضمن أشياءٍ وجدت في جناح عبدون، محفورٌ عليها نقش غريب:
"تُفتح للحاكم إن دخلها وحده."

---

وعند منتصف الليل...

وقف عامر مع خولة ورجاله أمام باب المغارة، والمصباح الزيتي في يده.

-همس وهو يضع التميمة في شق صغير: - إن كنتَ هناك... فاعلم أنني سأدخل إليك وحدي، كما أردت.

ببطء، انفتح الباب الحجري، كاشفًا عن نفق عميق لا تُرى نهايته.

دخل عامر، وأخرج سيفه.

في الداخل، كانت الرطوبة خانقة، والهواء ممتلئًا برائحة الرماد والعفن... حتى وصل أخيرًا إلى غرفة حجرية تتدلى من سقفها سلاسل، وعلى الجدار... كانت أمه مقيّدة، مغطاة الرأس، مستندة إلى الحائط كجثة ساكنة.

- أمي! أمي، أفيقي!

ركض نحوها، وجثا أمامها، فكّ عنها القيد، وهمّ أن يرفعها... حين سمع صوتًا خلفه:

- دائمًا تأتي في اللحظة التي أريدك أن تأتي فيها يا... سراج الدين.

استدار عامر بسرعة، ليجد الظل واقفًا على الحافة المقابلة، وجهه مغطّى بقناع نصفه محترق، والنصف الآخر أسود قاتم، وبيده سيف.

عامر (وقد أشهر سيفه):
- هذه نهايتك... لن تفلت منِّي هذه المرة.

الظل (بصوتٍ خافت):
- النهاية؟ لا... بل هي البداية.

- وانقضّ عليه فجأة، تبادلت السيوف والضربات شررًا، وكان عامر أسرع، وأكثر حذرًا.
وحين أفلت القناع من وجه الظل، لم يظهر شيء... سوى وجه مغطّى بالوشم، ملامح مجهولة تمامًا، كأنما ليست لهوية بشرية حقيقية.

-ثم، باغته الظل بطعنة مفاجئة في جانب بطنه، وتراجع راكضًا نحو النفق المظلم.

عامر (وهو يترنح من الألم، ثم يتماسك):
- لن تهرب هذه المرة...

لكنه سقط على ركبتيه، فالتفت إلى أمه التي استعادت وعيها ببطء.

- هيا بنا يا أمي... سنعود معًا... سنعود إلى القصر.

اقتربت والدته منه بهدوء غريب... عيناها جامدتان، بلا دموع، بلا رجفة.

ثم مدت يدها نحو سيفه... وانتزعته منه ببطء.

عامر (بدهشة): - أمي؟! ماذا تفعلين؟!

رفعت السيف إلى صدره... واقتربت منه خطوة.

- من اليوم... أنا لست أمك.

عامر (وقد بدأ قلبه يخفق بشدة):
- أمي... ماذا تقولين؟ ......

أجابته بصوتٍ هادئ لكنه خالٍ من الرحمة:

- إن اقتربت من الظل مرة أخرى... سأقتلك بيدي...

ثم أدارت ظهرها... وسارت نحو ظلام النفق، تاركة عامر ينزف على أرض المغارة.

ظل يردد لنفسه كالممسوس:

- أمي......

----

وبعد لحظات حاول أن يقف على قدميه وخرج من باب المغارة وهو يمسك جانبه بيده ويده ملطخة بدمائه.

وقف الجميع عند مدخل المغارة، وجوههم يملؤها الانتظار والقلق...
موسى كان أول من انتبه إليه، فركض نحوه:

موسى (بلهفة):
- سيدي، ما الذي حدث؟ هل وجدتها؟ هل أنقذتها؟

لكن عامر مرّ بجانبه دون أن ينظر إليه، كأنه لا يراه.

خولة اقتربت مسرعة، وقلبها يتلوى:

خولة (بصوتٍ مختنق):
- سراج الدين... أنت تنزف! ماذا جرى؟ أجبني أرجوك... أجبني!

توقف عامر ببطء، رفع عينيه نحوها...
لكن نظرته لم تحمل الحزن، ولا حتى الغضب، بل شيئًا أبرد من الموت....

ثم استدار نحو رجاله:
عبد الرحمن، موسى، حازم...

وبصوتٍ مبحوح، مكسور، خرجت منه كلمات كأنها تُنزف لا تُقال:

- كلّكم... خَونة.

عبد الرحمن (مصدومًا):
- خونة؟! نحن يا سيدي؟!

عامر (بصوتٍ حاد كالسيف):
- لا أريد أن أسمع شيئًا... لا تبرير، لا قَسم، لا نظرات كاذبة.
أريد أن أمشي... وحيدًا.

اقتربت خولة وقالت (بصوت مرتجف):
- دعنا نداوي جرحك أولاً ثم نتحدث فيما حدث لاحقًا، لا تخف نحن معك... أنا معك... وأنت تعرف هذا...

نظر إليها مطولًا، كأن كلمتها تمزّقه أكثر، ثم قال:

عامر:
- لا أريد أحدًا معًا.

ثم سار بلا التفات، أما خولة فتبعته وسارت خلفه تكلمه وهو لا يجيبها حتى وصلا إلى القصر فركضت وأحضرت الطبيب له.

دخل عامر القاعة الكبرى، مترنّح الخطى، يتكئ بيده المصابة على الجدار ثم سقط أرضًا هنا دخلت خولة وأوقفته ومعها الطبيب ووضعوه على الأريكة.

-لم تمر لحظات، حتى انفتح باب القاعة فجأة، ودخلت سارة مسرعة، ووجهها يعلوه الهلع.

- سراج الدين! - صاحت باسمه وقد جثت أمامه - ماذا حدث؟! ما هذا الجرح؟ من فعل بك هذا؟!

مدّت يدها تتحسس موضع الدم على ثوبه، ثم نظرت إليه بعينين تملؤهما الدموع والرجاء:

- أخبرني... أرجوك... أنت تُخيفني!

لم يجبها عامر، فقط اكتفى بنظرة ساكنة...

-حينها دخلت خولة، تحمل لفافات الشاش وبعض الماء، وقبل أن تقترب، رفعت سارة عينيها نحوها، ثم وقفت ببطء.

- لا حاجة لنا بكِ، - قالتها سارة بجمود - أنا سأتولى أمره.

ثم التفتت إلى عامر، وأمسكت يده بحنان:

- من هذه اللحظة... لن أسمح لك أن تخرج وحدك مرةً أخرى. أينما ذهبت، سأكون إلى جانبك.

ثم نظرت إلى خولة نظرة حادة، ونطقت بنبرة صارمة:

- ولن أسمح لأيٍّ كان... أن يؤذيك. إلا على جثّتي.

خولة ظلّت واقفة في مكانها، يملؤها صمتٌ ثقيل، لا ردّ على ما قيل، ولا غضب. فقط نظرة واحدة ألقتها على عامر، ثم انحنت برأسها قليلاً، واستدارت خارجة من القاعة.

-عامر، رغم ألمه، نظر إلى الباب الذي خرجت منه، وكأن روحه تسير خلفها.

-لكن سارة أحاطته بذراعيها وقالت بهدوء:

- أنت لست وحدك يا سراج الدين... لن أتركك تواجه هذا الظل وحدك أبدًا.

رفع نظره نحوها أخيرًا، وقال بصوت متهدّج:

- بل أنا وحدي منذ البداية.

ثم أغمض عينيه... وسقط منهكًا بين ذراعيها.

---

في صباح اليوم التالي...

كان ضوء الفجر يتسلل إلى أرجاء القصر..

في غرفةٍ هادئة، استيقظ عامر على صوت خافت وهمسة قريبة:

- سراج الدين... هل أنت بخير؟

فتح عينيه ببطء، فإذا بسارة تجلس على الأرض إلى جوار فراشه، رأسها مائل على حافة السرير، وعيناها محمرّتان من السهر والبكاء.

عامر(بصوتٍ منهكٍ):

- لم تَنَمِي؟

رفعت رأسها، ونظرت إليه بلهفة:

- كيف أنام وأنت تتألم؟ كنت أضع يدي على صدرك كل ساعة لأتأكد أنك لا تزال تتنفس.

صمت عامر لحظة، ثم قال:

- لا تستحقين كل هذا العناء من أجلي....

أمسكت سارة يده بقوة وقالت:

- بل تستحق أكثر من ذلك... كلّ ما فيك يستحق أن يُقاتَل من أجله.

ثم سكتت، ونظرت في عينيه نظرة طويلة، وكأنها تحاول أن ترى قلبه من خلالهما.

- سراج الدين...

- نعم؟

- أنا أعرف أنني كنت قاسية عليك من قبل... لكنني خفت، خفت أن أفقدك كما فقدتك من قبل أنا ما زلت أراك زوجي سراج الدين.

- وماذا تريدين؟

ارتجفت شفتيها قبل أن تتكلم، ثم قالت بصوتٍ مرتعش:

- أريدك أن تعدني... أنك لن تذهب إلى أي مواجهة أخرى دون أن أكون إلى جانبك.

- هذا خطر، يا سارة.

- أنا لا أطلب الإذن... أنا شريكتك في كل شيء، ولا أنسى أبدًا أنك بقيت هنا من أجلي. فإن كان قد كتب عليَّ الموت فأريد أن أموت وأنا معك.

ابتسم عامر رغم ألمه، ثم أغلق عينيه قليلاً.

وبينما كان السكون يخيم على الغرفة، دخل عبد الرحمن ببطء، وملامحه تنذر بعاصفة.

عامر (بصوت متقطعٍ وهو يفتح عينيه): - ماذا هناك يا عبد الرحمن؟ لا تخبرني أن عثمان ظهر مجددًا...

عبد الرحمن (بقلقٍ شديد): - لم يظهر، ولكن... هناك أمر آخر.

سارة نهضت بسرعة، واقتربت منه:

- تكلم!

قال عبد الرحمن وهو يتلفت حوله ثم يهمس:

- وصلتني رسالة مشفّرة... من أحد عملائنا في السوق القديمة.

- وماذا تقول؟

- "السيد عثمان شوهد قبل ساعةٍ واحدة... يدخل سردابًا قديمًا خلف جامع المنار. ولم يكن وحده... بل كانت معه امرأة... تُشبه تمامًا... أمك."

جفّ الدم في وجه عامر، ووقف وهو يمسكه جانب بطنه من الألم، ثم ضرب زجاجات الدواء فأوقعها أرضًا وقال (بصوت يملؤه الغضب) :

- الظلّ، الظلّ، الظلّ، ماذا تريد مني يا ظلّ، تريدني أنا إذن تعالى وقاتلني وأقسم أنني سأقطع عنقك.

-أوشك من شدة ألمه أن يسقط فأمسكت سارة وعبد الرحمن بذراعيه وأجلساه وقالت بحزنٍ:

ــ اهدأ، أنت مازلت تتألم، جرحك عميق ويحتاج إلى راحةٍ وهدوء، أرجوك اهدأ وسيكون كل شيء على ما يرام.

عامر: أنت من بدأت اللعبة يا ظلّ وأنا اليوم سأنهيها......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...