لم يطل الصمت طويلًا. فبينما كانت النيران تأكل ما تبقى من حدائق القصر، نهض عامر فجأة، وانتزع عباءته المبلّلة من على كتفيه، ونظر إلى الجميع من حوله وقال بصوتٍ عالٍ:
- من أراد أن يهرب، فليهرب الآن... ومن بقي، فليعلم أن غرناطة لن تسقط، والله لن تسقط!
صمت الجميع. حتى صوت اللهيب خفت، وكأن غرناطة نفسها حبست أنفاسها تستمع لندائه.
تابع عامر، وقد التفّ حوله عبد الرحمن وحازم وسارة وخولة والجنود المخلصون:
- اجمعوا من تبقى من الرجال، سنقسم المدينة إلى ثلاث مناطق:
> المنطقة الأولى: يقودها عبد الرحمن لحماية الأحياء القريبة من باب العديسة. المنطقة الثانية: تكون بقيادة حازم وتُحصّن السوق والمخازن بعد إطفاء الحرائق. وفي المنطقة الثالثة: أنا بنفسي سأقود الدفاع عن القصر وباب البيازين.
ثم نظر إلى خولة وسارة وقال لهما:
- أريدكما أن تشرفا على النساء والمصابين، وتُحوّلا قاعة الولائم إلى مشفى.
هزّت كلتاهما رأسها دون تردد، وانطلقتا في صمتٍ لتنفيذ أوامره.
اقترب عبد الرحمن وقال:
- وماذا عن موسى؟ نأمر بالقبض عليه؟
أجاب عامر وقد اشتدّت نظراته:
- لا... ليس الآن، إن أمسكنا به علنًا قد ينهار بعض الجنود من أتباعه وخاصة فرفة الظلام، سنُحكم القبضة من الداخل أولًا... ثمَّ أريده حيًا، لكن لا تتركوه يغيب عن نظركم لحظة.
صاح أحد الجنود فجأة:
- سيدي! قوات قشتالية تقترب من باب السُبَيطَة!
نظر عامر نحو السماء التي بدأت تميل إلى الحمرة مع شروق الشمس، وقال:
- إذًا... بدأ النهار، وبدأت معه معركة المصير.
ثم رفع سيفه عاليًا وهتف:
- من أراد نصرًا أو شهادةً، فليتبعني إلى البيازين!
وانطلق يركض بين الأزقة، خلفه الجنود والأهالي يحملون السيوف، والماء، والحجارة، وكل ما يمكنهم الدفاع به عن مدينتهم.
غرناطة لم تُسلّم مفاتيحها بعد...
---
تقدّم عامر بين الأزقة الضيقة المؤدية إلى باب البيازين، وخلفه مجموعة من الجنود يلهثون، وعيونهم تتنقل بين النوافذ والسطوح. الدخان ما زال يتصاعد من خلفهم، وأصوات الاشتباك تقترب...
قال أحد الكشّافين وهو يهبط من أعلى سطح:
- سيدي، قوات قشتالة توغلت بالفعل في الحي الغربي، وهناك من يفتح لهم الأبواب من الداخل!
قطب عامر حاجبيه، وقال دون تردّد:
- إلى هناك فورًا. لا تتركوا خائنًا واحدًا في المدينة حيًّا.
ركضوا حتى وصلوا إلى الزاوية التي تُشرف على سوق الغلال. وهناك، كان المشهد مرعبًا... جنود قشتالة بالخوذ الحديدية يتقدمون، تتبعهم موجات من المرتزقة والمارقين، يرفعون صلبانهم وسيوفهم، وبعضهم يطلق صيحات النصر بلغتهم.
وقف عامر فوق صخرة مرتفعة وقال بصوتٍ غاضبٍ:
- أنتم لا تعرفون غرناطة... ولا تعرفون رجالها!
ثم أشار بيده وقال:
- الآن يا رجال غرناطة!
ومن فوق الأسطح انهالت قِرب الزيت المغلي وأحجار ضخمة كانت مخبأة منذ أيام، وسهام نُقعت رؤوسها بالنار، لتنقضّ كجحيم من السماء.
توقّف تقدم العدو فجأة، وسقط العشرات منهم في اللحظات الأولى، لكنهم لم يتراجعوا، بل التحموا مع الخطوط الأمامية للمدافعين.
صرخ أحد الجنود وهو يُقاتل جنبًا إلى جنب مع عامر:
- إنهم كثيرون... ولكننا نثبت بقوة الله!
عامر، وقد تلطخ وجهه بالدم، صرخ:
- لا تتراجعوا شبرا! القصر خلفنا، والناس تنظر إلينا، ومن يمت، فليمت واقفًا!
وفجأة، سُمع صوت عالٍ يخرج من بين جنود العدو، بلغة عربية مكسّرة:
- أين سراج الدين؟! أنا خوان رودريغو، جئت لأقطع رأسك وأعلقه على أسوار قشتالة!
سحب عامر سيفه وتقدّم وسط الجنود، ثم صرخ:
- ها أنا... اقترب إن كنت رجلًا!
تقدّم خوان ممتطيًا حصانًا مدرّعًا، وخلفه حرّاسه. لم ينتظر عامر كثيرًا، بل اندفع وقطع الطريق عليه، وارتطم سيفاهما وسط اشتعال المعركة.
دارت بينهما معركة فردية وسط اشتباك الجيش. ضربات متبادلة، وشرر يتطاير، وصيحات تتصاعد حتى تلقى عامر طعنة في كتفه.
وفي هذه اللحظة وقف عامر، وقد ملأه الغضب لفقد بعض المخلصين، وخيانة موسى، واحتراق غرناطة، لم يكن يقاتل بسيفه فقط، بل بغضب مدينة كاملة.
وفي لحظةٍ خاطفة، غافل خوان بضربة تحت ذراعه، فسقط أرضًا، وقبل أن ينقضّ عليه عامر، هرع جنود قشتالة وانتشلوا قائدهم.
صاح أحدهم:
- انسحبوا! انسحبوا فورًا!
وتراجع الجيش القشتالي مؤقتًا تحت ضغط المقاومة، والسهام من كل حدب، والنار المنبعثة من الأزقة.
تنفّس عامر بصعوبة، وهو يضع يده على صدره، ثم التفت إلى من حوله:
- لقد أنذرناهم... المعركة بدأت، ولن تنتهي إلا باستعادة هيبة غرناطة.
---
بعد انحسار موجة الهجوم الأولى، وعودة الهدوء النسبيّ إلى أزقة البيازين، عاد عامر إلى القصر وقد أنهكته المواجهة. كان الجرح في كتفه ينزف، لكنه أصرّ على حضور اجتماع القادة داخل قاعة المجلس.
دخل بخطاه الثقيلة، وكان في المجلس حازم، عبد الرحمن، أيوب-رشحه عبد الرحمن لعامر ليكون خلفًا لموسى ووافق عليه-، وعدد من الشيوخ والعلماء... وعلى الطرف يجلس موسى، بثيابه المزخرفة وعيناه تترقبان.
قال عامر بصوت حادّ:
- من فتح باب العديسة وأبواب الحيّ الغربيّ للعدو؟ من أرسل الإشارة لإشعال النيران في مخازن السلاح وفي حدائق القصر؟ من سلّم الخرائط للغزاة؟.
ساد صمتٌ عميق، والأنفاس احتُبست.
ثم دخل فجأة أحد الحُراس، يدفع أمامه رجلًا مُكبّل اليدين. ركع الرجل على الأرض، وهو يبكي:
- سامحني يا مولاي... أنا أحد رجال موسى، وقد أجبرني على تسليم مفاتيح مخازن الأغذية والإمدادات لجنودٍ لا يتحدثون العربية! وكنت أظنه يخدم المملكة... لكنه كان يخطط معهم.
شهق الجميع.
تقدّم حازم وقد اشتعل وجهه غضبًا:
- موسى؟!، كيف تجرؤ؟!.
نهض موسى بهدوء، ورفع رأسه قائلاً بصوت يملؤه الغرور:
- لأنك لم تكن تستحق الملك يا سراج الدين، أنت ضعيف، وكل ما نحن فيه الآن بسبب ضعفك، أما أنا... فلم يُسمَح لي يوماً أن أكون شيئًا أكثر من ظلّك.
وقف عامر أمامه مباشرة، وقال:
- أنت خائن. ومهما كانت حجّتك، فقد بعتَ غرناطة للعدو!
ضحك موسى بمرارة:
- لم أبعها... بل أنقذتها منكم. قشتالة ستدخل المدينة عاجلاً أم آجلاً، على الأقل أردت ألا تحرقني نيرانكم حينها.
ثم التفت إلى عبد الرحمن وقال:
- وأنت يا مسكين، تفديه بروحك، وتظن أن وفاءك سيملأ بيتك ذهبًا!!.. ستظل طوال حياتك كلبًا وفيًّا ينتظر فتات الخبز من سيده ثم تموت كلبًا فقيرًا أحمقًا.
أخرج عبد الرحمن سيفه:
- أيها الحقير، لقد تماديت!
عامر:
ــ توقف يا عبد الرحمن
أشار عامر بيده إلى الحراس:
- خذوه، وضعوه في الزنزانة. لن يُعاقب إلا بعد أن ننتصر.
اقتيد موسى، صامتًا، مبتسمًا، والدم يسيل من فمه بعدما صفعه أحد الجنود.
خرج من القاعة صوته الأخير:
- المدينة لن تصمد... أنتم لا تعرفون من يزحف نحوكم.
عمَّ الصمت من جديد... لكنّه هذه المرة كان ثقيلًا ومخيفًا.
أما عامر، فقد جلس على العرش، ونظر إلى الجميع بعينين لا تحملان دموعًا، بل نارًا:
- لا راحة بعد الآن. لا نوم، لا تهاون. الليلة، نحفر خنادق الدم بأيدينا... وغدًا، نلقّن الغزاة درسًا لا يُنسى.
---
وحينما حلَّ الليل...
وقف عامر في ساحة القصر، يحيط به عبد الرحمن، حازم، أيوب، وكبار الجنود، بينما الخرائط تُفرش على الطاولة الحجرية وسط الساحة.
قال عامر بحزم:
- بعد خيانة موسى، فقدنا السيطرة على باب العديسة، والعدو يتوغّل داخل الحيّ الغربي... ولكن يتقدمون ببطء وبأعداد قليلة.
أشار القائد أيوب على الخريطة:
- القشتاليون يتمركزون في الساحة القديمة خلف باب العديسة، وإذا لم نقطع تقدمهم، سيصلون إلى المسجد الأعظم مع الفجر.
قال عبد الرحمن:
- نقترح إنشاء حواجز نارٍ عند مداخل الأزقة، نجبرهم على التقهقر أو التفرّق.
أجاب عامر:
- ممتاز. تُجهّز كميات الزيت، ونضع القِدرَ تحت قيادة حازم. أنت تعرف الأزقة جيدًا.
هزّ حازم رأسه:
- أمرك، يا سيدي. سأُشعلهم إن اقتربوا من قلب المدينة.
ثم التفت عامر إلى القائد أيوب:
- جهّز كتيبة الخيّالة، وراوغ العدو من باب الجبل الأحمر. افتحوا عليهم النار من الشرق، وادفعوهم للداخل حيث نُغلق خلفهم البوابة ونحاصرهم.
ردّ أيوب بثقة:
- كأنهم دخلوا جحر الموت، يا مولاي.
رفع عامر عينيه إلى السماء، ثم قال:
- وأسوار القلعة هل مازالت صامدةً أمام مدافع الصليبيين... يا رب سلم غرناطة من شرورهم.
عبد الرحمن:
ــ نعم ما زالت صامدة، هدأت المدافع الصليبية قليلاً منذ توغلهم إلى المدينة.
عامر:
- كل من لديه عائلة... ليودعهم الآن. لن ننام الليلة. ولن نصلي الفجر إلا والدم على أطراف سيوفنا. إنهم يظنون أننا انهزمنا... لكننا الآن فقط بدأنا القتال.
وبعد لحظات..
تحركت القوافل والأسلحة والرجال، بينما كانت سارة تقف على شرفة القصر، تراقب عامر وتهمس لخولة:
- لم أره هكذا منذ أن وصل إلى غرناطة. كأنّ شيئًا داخله قد استيقظ.
ردّت خولة، والدموع تلمع في عينيها:
- لأنه يعلم... إن خسر الليلة، لن تبقى هناك غرناطة ليحميها غدًا.
---
أمطرت السماء رمادًا بدل المطر، وتلألأت المدينة بنيران الحريق، كأنها لؤلؤة تحترق في جوف الليل.
كان عامر يتقدّم أول الصفوف في الزقاق الضيّق المؤدي إلى السوق الكبير. على جانبيه وقف الجنود المختبئون خلف عربات مقلوبة وواجهات البيوت المهجورة. خلفه مباشرة عبد الرحمن وحازم، والسيوف مشهورة، والقلوب لا تعرف الخوف.
صاح أحد الحراس من فوق سطح منزل:
- القشتاليون يقتربون! خمسون رجلًا على الأقل!
أشار عامر بيده:
- الآن، أطلقوا الزيت!
فاندفع الجنود يسكبون الزيت المغلي من الشرفات والأسطح على رؤوس العدو، واشتعلت الأرض تحت أقدامهم. تعالت صرخات الجنود القشتاليين، وبدأوا يتراجعون في فوضى.
قال حازم مبتسمًا وهو يرمق النار:
- هذا زقاق الذئاب يا أعداء الله!
انقض عامر وجنوده عليهم كالسيل، ودار قتالٌ محتدم. كان عامر يقاتل بسيفه كعاصفة غاضبة. يضرب من اليمين، ويغرس من اليسار، والعدو يتساقط كأوراق الخريف.
عبد الرحمن صرخ:
- احذر يا عامر!
استدار عامر فجأة ليرى فارسًا ضخمًا يندفع نحوه، لكن سهمًا أطلقه أحد الجنود من فوق أحد الأسطح استقرّ في عنق الفارس قبل أن يبلغه.
تقدّم عبد الرحمن وجثا على ركبتيه بجوار عامر:
- ما يزالون يأتون، إنهم يحاولون الالتفاف من زقاق الأقمشة.
صاح عامر:
- أغلقوا الزقاق بالحجارة... ولا تتركوا ممرًّا واحدًا إلا وبه فخ أو نار!، وأعطي الأوامر للرماة باعتلاء أسطح زقاق الأقمشة.
أصدر أوامره بسرعة، وتمّ سحب العربات وإشعال مشاعل الزيت على أطراف الشوارع، وتحولت أزقة المدينة القديمة إلى متاهة من النار والدخان.
في هذه الأثناء، في الأزقة الخلفية، كان القائد أيوب يقود فرقة الخيالة، يداهمون مؤخرة العدو، يضربونهم على حين غفلة، ويعودون كالعاصفة. وكانت صرخات القشتاليين تتعالى:
- كم بابًا لهذه المدينة؟! من أين يأتون هؤلاء؟
في أحد الزوايا، كان جنديٌ من جنود عامر يهمس لزميله وهو يضع السهام على وتر القوس:
- نحن لا نحمي غرناطة فقط... بل نُقاتل من أجل شرفنا أيضًا.
بينما استمرّت المعركة حتى طلوع الفجر، كان عامر واقفًا، تتصبب الدماء والعرق من جبينه، وثوبه ممزّق، لكنه لا يزال شامخًا...
انسحب الجنود القشتاليون من غرناطة بأكملها وخرجوا متقهقرون من باب العديسة عائدون إلى قادتهم خارج أسوار غرناطة.
قال حازم وهو يلهث:
- لقد صدّينا الهجمة الأولى... لكنهم سيعودون.
أجابه عامر بصوتٍ خافت:
- فليعودوا... سنموت في الطريق إن لزم الأمر، لكنهم لن ينالوا مرادهم ما دمت حيًا.
سامر من خلف الجنود يقف بعيدًا ويهمس لنفسه:
ــ هذا إن دمت، ولكنك لن تدوم.
---
مع طلوع الشمس، كانت رائحة الدخان لا تزال تفوح في أزقة غرناطة، ولكن المدينة صارت أكثر هدوءًا... هدير السيوف قد خفت، وخطى الخيول المتمهّلة على الحصى كانت تعلن انتهاء المعركة.
وقف عامر أمام باب العديسة، متشحًا بدرعه المُحطَّم، وسيفه لا يزال يُقطّر من دماء الليل. من خلفه مصطفّون عبد الرحمن، حازم، أيوب، ونور الدين بن غالب- أحد ترشيحات عبد الرحمن أيضًا-.
وفي الساحة، حيث احتشد أهل غرناطة من رجال ونساء وشيوخ، رُفع جسد موسى على خشبة ضخمة عُلّقت على باب العديسة، واللافتة مكتوبٌ عليها:
> "هكذا يكون مصير كل خائنٍ باع أرضه وعِرضه"
أدار عامر وجهه نحو الجمع، وقال بصوتٍ عالٍ يسمعه كل من حضر:
- لقد انتهى الليل يا أهل غرناطة... ولن ينام فينا خائنٌ بعد اليوم.
ثم التفت إلى عبد الرحمن:
- أريد أسماء كل من تواطأ مع موسى وساعد على تسلل العدو، اجمعوهم، سيُحاكمون أمام الناس، ثم يُعلَّقون بجوار سيدهم الخائن.
أومأ عبد الرحمن برأسه، ثم نظر إلى حازم وقال:
- اجمع الرجال، فلن يطول بحثنا عن الأفاعي.
وبعد ساعات، جاء تقرير حازم إلى عامر، وفيه أسماء الخونة الذين تمّ القبض عليهم:
1. إسماعيل بن فاروق - تاجر أسلحة هرّب أسلحة الجيش إلى الصليبيين.
2. منير الزهراوي
- كاتبٌ في المجلس الملكي حيث يكون اجتماع القادة، وافق سراج الدين على تعيينه قبل أيام من هجوم الصليبيين وكان يسرّب الأخبار إلى معسكر قشتالة.
3. سعيد القيسي
- عجوز من حيّ البيازين، أتاح لقوات العدو العبور من ممرٍّ خلف المسجد.
4. لطيفة بنت يوسف
- وصيفة في قصر الحمراء، كانت تراسل امرأة قشتالية وتنقل لها أخبار القصر من الداخل.
5. أحمد بن جابر
- من حرّاس باب الرملة، سمح بدخول العدو خلسة ليلة الهجوم.
6. عبدالملك النباهي
- قاضٍ سابق، استخدم مكانته للتشويش على قرارات عامر ونشر الشائعات في صفوف الأهالي.
وقف عامر في قاعة القصر بعد الاطلاع على القائمة، وأمر بصوتٍ حازم:
- يُنفّذ فيهم حكم الإعدام مع شروق الغد أمام الجميع...ولا تمثلوا بهم بعد موتهم ولا تضربوهم بسيوفكم ولا بأيديكم، بل فاتركوهم لأهلهم.
ثم التفت إلى الجند قائلاً:
- ابدأوا بترميم باب العديسة، وباب إلبيرة، وباب الرملة، وباب البيازين، وامنعوا المرور عبر باب قُماش حتى إشعارٍ آخر...بعد تنظيفه وترميم المنازل هناك.
وصاح:
- أي رجل يُهمل موقعه من الآن، سيُحاكم كما يُحاكم الخائن.
في تلك اللحظة، دخل أحد الرسل مسرعًا يحمل راية بيضاء، وهو يلهث:
- القائد الصليبي... يُرسل طالبًا الهدنة... ثلاثة أيام... لدفن قتلاهم!
أمسك عامر بالرسالة وقرأها بهدوء، ثم نظر إلى الحضور وقال:
- نُمهلهم ثلاثة أيام... ليس من أجلهم، بل لأننا نُخطط لما بعد الثلاثة أيام.
ثم خرج من القاعة ووقف في شرفة القصر المطلة على المدينة المكلومة، وهمس لنفسه:
- الآن فقط... بدأت الحرب الحقيقية.
---
بعد بدء الهدنة المؤقتة، وتحديدا في صباح اليوم التالي، وقف عامر يتأمل جدران غرناطة المتشققة، وأبوابها التي أنهكتها المعارك، فأمر الجنود والبنَّائين والنجَّارين بسرعة ترميم الأبواب والأسوار، وعلى رأسها باب العديسة
ثم أمر عبد الرحمن وحازم بجمع بقية الخونة وكل من تواطأ أو راسل العدوّ من أهل المدينة. وفي غضون يومين، أُلقي القبض على عدد من الخونة:
عبد المالك بن زريق،
يوسف الغرناطي،
سالم بن العارف،
حسان بن محمد،
أبو القاسم بن خلدون،
وعلي القرشي.
وقد اجتمعوا تحت السلاسل في ساحة القصر، ينتظرون مصيرهم، حتى أمر عامر بإعدامهم بعد محاكمة سريعة، وعلّق بعضهم على أبواب المدينة عبرةً لغيرهم.
لكن بالرغم من شدّة القبضة في الداخل، لم يكن عامر قد تدارك كارثةً كانت تقترب بصمتٍ قاتل...
---
وفي مساء اليوم الأول من الهدنة، كان عامر جالسًا في مجلسه مع القادة، وأحد المسئولين قدّم تقريرًا مفزعًا:
- "المخازن احترق أكثر من نصفها في الحريق الأخير يا سيدي... والناس بدأت تقتات من أعشاب الطرقات!"
قال عبد الرحمن بقلق: "المدينة محاصرة منذ أيام، وإن لم نجد سبيلًا للحصول على الطعام، سنواجه تمردًا داخليًا قبل هجوم الصليبيين."
عامر (واقفًا، وصوته يحمل حزمًا ممزوجًا بالألم):
- إنّ غرناطة لا تستطيع أن تصمد وحدها طويلًا، وإنّ جيوش فرديناند تتكاثر كالسيل، فاليوم هم يحاصرون، وغدًا يقتحمون. لا بدّ أن نطلب العون... من إخواننا في ديار الإسلام.
عبد الرحمن (وقد شبك يديه أمامه):
- تقصد مَن منهم بالتحديد؟
عامر:
- سنبعث إلى المماليك في مصر والشام، وإلى حفصة تونس، وإلى وُطاسيّي المغرب، بل حتى إلى العثمانيين شرقًا. نرسل لهم جميعًا، فلعلّ الله يُوقظ في قلب أحدهم نخوة، أو يُحرك في دمائه صرخة حقّ.
عبد الرحمن (بتردّد):
- لكن يا مولاي... ألم تُبعث الرسائل من قبل؟ وكم من نداءٍ أرسلته غرناطة... فعاد الصدى بالخذلان؟.
عامر (يرد بصرامة):
- نعم... لكننا سنُعيد الكرّة، لا يحقّ لنا أن نستسلم قبل أن نستنفد كل الطرق. نكتبها بدموع أراملنا، وصيحات أطفالنا، ودماء شهدائنا.
أيوب (بصوت حزين):
- أخشى يا مولاي أن لا يكون فيهم اليوم مروءة ولا شرف... بل سلاطين منشغلون بعرشٍ ومتاع.
عامر (ينظر إلى الجميع بعين دامعة، لكن شجاعة):
- حتى إن لم يأتِ أحد، فلنكتبها... ليكون الله شاهِدًا أنّا ما قصرنا، ولا سكتنا، ولا بعنا الدم الذي يجمعنا.
- وهكذا، نهض الكُتّاب وشرعوا يُسطّرون الرسائل، تحمل رجاء وغضبًا، تحمل نَفَسَ غرناطة الأخير...
وبعد الانتهاء من كتابة الرسائل نظر عامر إلى عبد الرحمن فوجده ينظر إلى الأرض ويوشك على البكاء..
عامر:
ــ ما بك يا عبد الرحمن؟
عبد الرحمن:
ــ نحن نحاول الإمساك بالماء يا سيدي
عامر:
ــ لماذا؟
عبد الرحمن:
ــ لأن هذه الرسايل ستأخذ أيامًا كثيرة حتى تذهب وتعود، ونحن يتبقى لدينا يومين فقط على انتهاء الهدنة، وأقل من 5 أيام وينتهي ما تبقى من الغذاء، ناهيك عن المدافع الصليبية التي تدك أسوارنا وأبوابنا.
عامر(بعد أن جلس على كرسييه من هول الصدمة):
ــ لقد نسيت، وماذا سنفعل الآن؟
عبد الرحمن:
ــ لا أدري، لقد تأزم الأمر..
عامر:
ــ سنرسل الرسائل، وسأفكر في حلٍ لمعضلة الغذاء.
---
بدأ الجوع يفتك بالناس، وظهر سامر مجددًا في الظلال... يقود جموعًا من الجوعى، يحرّضهم، يغذّي غضبهم بكلمات مسمومة.
وفي الليلة التالية، تجمهر العشرات أمام قصر عامر، يصرخون ويقذفون الجنود بالحجارة، وهجم بعضهم على مخازن الطعام، وتحوّلت المدينة من الداخل إلى فوضى خرساء. ولكن سرعان ما فرقهم الجنود بالقوة.
---
وفي القصر...
كانت شابة في مقتبل العمر، تتسلل في الظلام إلى إحدى الغرف، وتفتح رسالة صغيرة تسلمتها منذ لحظات.
نظرت إلى الخط الأجنبي فيها، تقرأ:
"الآن... حان دورك. اقتليه.
وإن لم تفعلي، سنرسل غيرك...."
شهقت، وارتجف جسدها. أغلقت الرسالة ببطء، وفتحت صندوقًا صغيرًا أخرجت منه خنجرًا فضيًّا... قبضت عليه، وبقيت واقفة في الظلمة، تقاوم ارتعاش قلبها.
---
في غرفة أخرى من القصر، كان عامر جالسًا في صمت، بجسده المنهك وعينيه الشاحبتين، ومن حوله خريطة المدينة وخطط الصمود.
دخلت عليه سارة بهدوء، جلست إلى جواره، وقالت:
- "لم تأكل شيئًا منذ يومين... ولم تنم أيضًا."
عامر:
- "غرناطة جائعة يا سارة... كيف آكل وأنا لا أملك أن أطعمهم؟"
قالها بصوت متهدج، ثم أسند رأسه على الحائط، وأغمض عينيه.
وضعت سارة يدها على جبينه، فشهقت:
- "حرارتك مرتفعة! أنت مريض!"
عامر:
- "أنا بخير... فقط... أريد أن أراها، أين خولة؟"
نظرت سارة إليه، وفي عينيها شررٌ مخفيّ:
- "لا أدري... اختفت فجأة، كعادتها."
- "ذهبت إلى غرفتها ولم أجدها..."
- "ربما تُعدّ لك شيئًا... سأذهب وأجلب لك الدواء. لن أتأخر، لا تذهب إلى أي مكان"
---
وبعدما خرجت من الغرفة، ظهر شخصٌ مقنّع كان يختبئ، انسلّ من خلف الستائر، واتجه نحو عامر بخطوات صامتة.
رفع الخنجر... وعامر كان على وشك أن ينهض...
لكنّه شعر بشيء يخترق كتفه فجأة.
صرخ، وأمسك يد المهاجم، لكن المقنّع أفلت الخنجر، وفرّ من الباب...
عامر ترنّح، وخرج يركض خلفه... لكنه وقع على وجهه في ممر القصر من شدّة الإعياء.
بعد دقائق، كانت سارة عائدة تحمل الدواء، وفوجئت بجسد عامر ملقى على الأرض، والدم يسيل من كتفه.
- "عامر! ما بك؟!"
عامر:
- "طعنني... شخص مقنّع... وهرب..."
صرخت سارة:
- "خولة! خولة!"
جاءت خولة تجري، ووقعت على ركبتيها بجانب عامر تبكي وتحتضنه، لكن سارة دفعتها بقسوة، وأمسكتها من شعرها:
- "لا تلمسيه، أين كنتِ؟!، لن أسمح لكِ بقتله، قبل أن تمري على جثتي أولا؟!"
خولة وهي تبكي:
- "أنا أقتله؟! أرجوكِ لا تظلميني... دعيني أطمئن عليه!"
عامر بصوت ضعيف:
- "سارة... من أجلي... دعيها..."
سارة أطلقتها ببطء، ثم جلست على ركبتيها، تنظر إلى خولة بعينين دامعتين:
- "أرجوكِ يا خولة، لا تقتليه... اقتليني أنا إن أردتِ... أعدك أنني لن أقاوم... فقط لا تحرميني من سراج الدين مرةً أخرى..."
خولة صمتت، ثم همست:
- "لو كنت أريد قتله... لقتلته وهو نائمٌ بجواري كل ليلة... تعقلي يا سارة، وتوقفي عن الشكِ بي!"
---
وفي قصر الملك فرديناند، كان الاجتماع الصليبي منعقدًا.
دخل رسول على عجل، وقال:
- "وصلتنا الأخبار... الطعنة لم تكن قاتلة... أصابت كتفه فقط."
نظر فرديناند إلى الخريطة، وضرب الطاولة بكفه:
- "كيف أقتلك يا سراج الدين...؟!"
---
وفي القصر...
نُقل عامر إلى غرفته، وأُحضر الطبيب فورًا.
جلست سارة إلى جواره، وأمسكت يد خولة وقالت لها بصوت مكسور:
- "اسمحي لي أن أبقى بجانبه... سامحيني... كنت أغار فقط... ما كنتُ لأظن بكِ سوءًا لولا قلبي... الغيرة أعمتني."
** قالت لها ذلك ولكن داخلها كان لا يزال يشك... وإن أظهرت الهدوء، فالعاصفة لم تهدأ في صدرها. **
---
وفي صباح اليوم الآخير من الهدنة استيقظ عامر وهو يربط كتفه وخرج إلى مجلس القادة للتخطيط لمرحلة ما بعد الهدنة.
وقبل أن يتكلم أحد جاء عبد الرحمن المجلس متأخرًا.
نظر إليه عامر، وقال:
ــ تأخرت على غير عادتك.
عبد الرحمن:
ــ كنت أحضر رسالة جاءت عبر رسول من الصليبيين.
عامر:
ــ رسالة!، اقرأها من فضلك.
من فرديناند، ملك قشتالة، سيد الحرب، إلى سراج الدين بن صهيب، ملك غرناطة الواهنة المحاصَرة.
لقد بلغني أنك أرسلت رسائل استغاثة إلى بلادٍ تظنُّ أنها ستكسر حصارنا، أو تُسكت مدافعنا، أو توقف زحف جنودنا... أفقْ يا سراج الدين، فما من أحدٍ في هذه الأرض يجرؤ على تحدي سيف قشتالة أو يُشير بإصبعه إلى تاجي دون أن يُقطَعَ ذلك الإصبع، ويُدفن مع رأسه.
أنت وحدك الآن... محاصرٌ بالجوع، والفوضى، والخذلان. لا حول لك ولا قوة إلا برجالٍ يحترقون في كل ليلة، وبأسوارٍ تتهاوى، وبخناجرٍ تحيط بعنقك من كل الجهات.
لكن، رغم ذلك... أعجبتني جرأتك.
أنت خصمٌ جديرٌ بالاحترام. وقد آن أوان أن تُبدِّل موقعك، لا إلى خانعٍ ذليل، بل إلى صديقٍ مطيع.
لا أريدك خائنًا لوطنك، فهذه مرتبة لا تليق بك، ولا أرغب لك أن تكون ملكًا عميلًا، فذلك ما كنتَ سترفضه. إنما أريدك تابعًا لي، وفيًّا لأوامري، ترفع رايتي في الحرب، وتعطي التحية لاسمي في السلم.
أعرض عليك معاهدةً جديدة... ولكن بشروطي:
1. تدفع غرناطة لي جزيةً شهرية مقدارها مئتا ألف دينار ذهبيّ، دون تأخير.
2. تكون حاكمًا على غرناطة، لا أكثر، وتخضع لأمري، كغيرك من وُلاة مملكتي.
3. تحضر مجلسي الملكي في طليطلة، وتُقبّل الخاتم، وتسمع الأوامر بصمت، وتنفذها دون جدال.
4. جيشك يصبح جيشي... يقاتل من أجلي، لا من أجل أوهامك.
وفي المقابل، أرفع عنك الحصار، وأسحب جيوشي، وأدعك تطعم المسلمين الجوعى، وتدفن موتاك بسلام.
تذكر جيدًا، لقد أذللتني ذات يوم في معركة مضت، ولكن الأيام دُوَل... وقد حان وقت إذلالك، فانظر إن كنت تملك شجاعة الرفض... أو حكمة القبول.
مختوم بخاتم الملك فرديناند، من خيمته الكبرى أمام أسوار غرناطة
في الخامس من ذي القعدة سنة 745 للهجرة / 1344 للميلاد
---
وقف القادة حول عامر في صمتٍ مطبق، أعينهم تترقبه، وألسنتهم ترفض النطق بما همس به الواقع في آذانهم. الرسالة من فرديناند لا تحتاج إلى شرح... إذلال صريح، ابتزاز وقح، معاهدة تخنق الكرامة كما تخنق الحبال أعناق الرجال.
قال عبد الرحمن بصوتٍ مهتز:
- أيها القائد... لا أظن أنك تفكّر حقًا في قبول هذا العرض! إنها شروط العبيد لا الملوك!
وهتف أيوب:
- لسنا بحاجة إلى فتات صليبي! الموت أهون من طأطأة الرأس!
واتّسقت أصواتهم جميعًا:
- بالتأكيد... لن تقبل بالشروط الظالمة هذه!
خفض عامر رأسه، ولم يتفوه بكلمة... ثم أشار للرسول الذي حمل الرسالة وقال بصوتٍ واهن كأنّما يخرج من كهفٍ مظلم:
- اكتب إلى فرديناند... قل له إنّي موافق... فليسحب جنوده أولًا، ويرفع الحصار... ثم أعاهدكم أن أوقّع على المعاهدة.
سُمع همسٌ في القاعة، ثم صمتٌ طويل، كأنّ الزمان نفسه توقف... أما عامر، فقد تركهم جميعًا، وسار بخطًى مثقلة نحو جناحه الخاص.
---
دخل عامر إلى غرفته..
كان جالسًا على الأرض، وحده، ظهره مسنود إلى الجدار، ووجهه مخفي بين يديه. تسللت خولة إلى الداخل، جلست بجانبه، ثم وضعت يدها على كتفه دون أن تتكلم.
دخلت سارة بعد أن طرقت الباب بخفة:
- أأدخل؟
رفع عامر عينيه... وعيناه محمرّتان، كأنّ النار كانت تسكنهما منذ قليل.
قال وهو لا ينظر إليهما:
- لم أتخيّل يومًا أن أوافق على شيءٍ كهذا... أن أكسر عزة غرناطة بيدي، أن أوقّع على ذُلّها بنفسي...
أنا... بعت غرناطة... أنا خائن... أنا فاشل... ما كان ينبغي لي أن أكون قائدًا... ما كان ينبغي أن أسمع لك يا سارة حين توسلتِ إليّ أن أكون سراج الدين...
وضعت خولة كفها على وجهه برفق:
- أنت لم تبع شيئًا... أنت أنقذت أرواحنا، ما كنت تملك خيارًا آخر.
سارة (بثبات ونبرة حازمة):
- لا تقل إنك خائن... لقد قاتلت كملكٍ حقيقي، وقاتلوا ككلابٍ جائعة...
أنت لم تُهزم، يا سراج الدين... الحرب لم تنتهِ بعد. المعاهدة ما هي إلا هدنة مؤقتة...
وقد أرسلت رسائلك إلى بلاد المسلمين... وسننتظر ردّهم، وسيناصروننا إن شاء الله... حينها، سنمزّق المعاهدة، ونقاتل كما لم نقاتل من قبل.
عامر (بصوتٍ مكسور):
- إذًا، سننتظر... سرابًا.
سارة (وهي تقترب أكثر):
- بل ننتظر حقًّا... والحقّ لا يموت ما دام في الأرض رجال مثلك.
لقد أذللت فرديناند من قبل، وجعلته يتراجع بجنده... ولا أحد غيرك كان ليفعل ما فعلت. لا تُقسُ على نفسك... لا أحد يحارب في كل الجهات وحده ثم ينجو دون خدوش.
نهض عامر فجأة، ونفض دموعه بكفه، وقال بعينٍ تشعّ منها شرارة:
- أنتِ محقة، سأقبل بشروطه... نعم، ولكنني أقسم بالله، يا سارة، أمامكِ وأمامكِ يا خولة، وأمام الله الذي يشهد علينا...
سأعيد غرناطة مستقلّة... بل سأعيد الأندلس كلّها... وسيتجرّع الصليبيون كأس المرارة قطرةً قطرة...
---
- تمر الأيام.....
وبدأ عامر بخطة سرية: اغتيال الخونة، واستقطاب الصنَّاع من الصليبيين ممن يتقنون صناعة المدافع والبنادق، وإغراؤهم بالذهب، وإنشاء سراديبٍ أسفل المسجد الأعظم لتخزين الغذاء، ولكن في الحقيقة كانت تصنع فيها الأسلحة بعيدًا عن أعين الصليبيين داخل غرناطة.
يتعاون مع عبد الرحمن في تحديد الخونة واحدًا تلو الآخر، ويغتالونهم في صمت.
ورويدًا رويدًا تتحول جدران القصر إلى خلايا فكرٍ ومقاومة، يُرسم فيها فجر جديد للعزة والحرية.
ففي الخفاء... تُعدّ المدافع...
وفي الخفاء... تُشحذ البنادق...
وفي قلب عامر، نار لا تنطفئ.
---
في صباحٍ ساكنٍ وفي أحد الأحياء العتيقة، خرج عامر متخفّفًا من أعباء القصر وهموم السياسة، متجهًا صوب المسجد الكبير حيث يقيم الشيخ عبد البرّ، ذاك العالم الذي كان له في قلبه موضع خاص، لكنه يعلم أن ما فعله في الأيام الأخيرة قد حفر بينهما جدارًا من الجفاء.
دخل عامر المسجد بخطواتٍ متردّدة، وما إن وقعت عين الشيخ عليه حتى تغيّرت ملامحه، ونهض واقفًا وهمّ بالخروج دون أن يلتفت.
ناداه عامر بصوت متهدّج:
- مولاي الشيخ... أرجوك... اسمعني، لا تحكم عليّ قبل أن تعرف الحقيقة.
لكن الشيخ مضى خطاه، فعاجله عامر وهو يمسك طرف عباءته:
- بالله عليك، إن لم تكن تراني جديرًا بثقتك كقائد، فانظر إليّ كعبدٍ من عباد الله، جاءك ليعتذر.
توقّف الشيخ، التفت إليه بوجهٍ تتنازعه المرارة والمحبّة، وقال بحزم:
- ماذا تريد، يا سراج الدين؟ أتيتني بعد أن طأطأت رأس غرناطة للصليب، وبعد أن وقّعت بيدك معاهدة الذلّ، وجعلتنا نُضرب بالخناجر ونحن مكشوفو الظهر؟!
أخفض عامر رأسه، وقال بصوتٍ منخفض:
- أعلم أنك غاضب... لكني أقسم بالله يا مولاي، لم أكن خائنًا، ولم أبع غرناطة. كل ما فعلته كان من أجل دماء الأبرياء، من أجل نساءٍ كنّ سيُسبين، وأطفالٍ كان سيُلقى بهم في النار.
صمت الشيخ لحظة، فاستطرد عامر وهو يرفع عينيه إليه:
- سأخبرك بسرٍّ لا يعرفه أحدٌ من الناس، لم أخبر به إلا زوجتيّ وعبد الرحمن وحازم: أنا منذ أول يومٍ وقّعت فيه المعاهدة، وأنا أعدّ العدّة في الخفاء. في السراديب نصنع البنادق والمدافع. استقطبتُ خبراء من الصليبيين أنفسهم، اشتريتهم بالمال، وهم يصنعون أدوات الحرب لنا. نُخطّط لكلّ شيء، نُعدّ العدة ليومٍ ستعود فيه راية غرناطة مستقلة... بل راية الأندلس كاملة.
نظر إليه الشيخ طويلًا، ثم قال بتنهيدة حزينة:
- إن كان ما تقوله صدقًا، فلماذا تركت الناس في ظنّهم أنك بعتهُم؟
رد عامر بثبات:
- لأنني لا أسعى لأن أكون بطلًا في أعينهم... بل أريد أن أكون سببًا في عزّهم ونصرة دينهم. لا يعنيني المجد الشخصي، بل يُهمّني أن يحيا أبناؤهم في كرامة، وأن نعيد الأرض لسلطان الإسلام.
ساد صمتٌ مؤثر بينهما، ثم قال عامر:
- ولهذا جئت أطلب منك أمرًا. أريدك أن تتولّى مشروعًا عظيمًا: أن تتحول المساجد بعد الصلوات إلى مدارسٍ للقرآن والفقه، والتفسير، والحديث، وسيرة النبي ﷺ. علّموا الأطفال معنى العقيدة، ومحبّة الإسلام، والدفاع عن الدين، والغيرة على أرض المسلمين.
هزّ الشيخ رأسه بالإيجاب، وقد لمعت عيناه بالدموع، وقال:
- لقد كنت أظنّك هويتَ في مستنقع السياسة، فإذا بك تعلو فوق كثيرٍ ممن لبسوا عباءة الدين. سأفعل ما طلبت... بل سأجعلها مهمّتي في الحياة.
اقترب عامر من إحدى الحلقات الصغيرة حيث يجتمع الأطفال حول شيخٍ يعلّمهم آياتٍ من سورة الأنفال، فجلس بينهم متواضعًا، ووضع يده على كتف أحدهم وقال باسماً:
- أتدرون من هو خير القادة؟
فقال أحدهم:
- القائد سراج الدين؟
فضحك عامر، وقال:
- لا... بل رسول الله ﷺ، حين وقف في بدر وقال: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، فلن تُعبد في الأرض».
ثم نزل إلى مستواهم، وأخذ يحدّثهم عن الشجاعة، والإيمان، والعدل، والرحمة، وكيف كان نبينا القائد يُحب أصحابه ويعدّهم رجالًا وهم بعدُ أطفال.
راح الأطفال يضحكون ويصغون، وفي تلك اللحظة، شعر عامر أن بناء النصر لا يبدأ من الأسوار، بل من القلوب الصغيرة التي تؤمن أنّ أرض الإسلام تستحقّ الدفاع، ولو كلّفهم ذلك أعمارهم.
وابتسم الشيخ عبد البر، وهو يقول في نفسه:
- إن كانت هذه البذور تُزرع اليوم... فالثمار قريبًا ستُقطف.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!