دخل عامر إلى قاعةٍ صغيرةٍ من قاعات القصر، وأمر بإحضار حازم على الفور. وما إن وقف بين يديه حتى نظر إليه عامر بوجهٍ صارم وقال:
"يا حازم، قد عزمت أن تُؤمِّن خولة وطلحة حتى يبلغا القاهرة في أمان."
ارتسمت الدهشة على وجه حازم، وارتفع صوته قائلاً:
"أتريدني أن أبقى بعيداً عنك؟! لا، يا عامر، لقد أقسمت أن أكون معك حيثما كنت. دعني أرافقك في رحلتك."
أطرق عامر رأسه لحظة ثم رفع عينيه بنظرة حادة وقال:
"كلا، لن يرافقني أحد. سأمضي وحدي."
ارتبك حازم وقال بصوتٍ ممتزجٍ بالغضب:
"أتمضي وحدك؟! كيف؟! وأين عبد الرحمن؟ أتتركه هنا؟"
فأجابه عامر:
"عبد الرحمن باقٍ هنا، وأنت أيضاً ستعود بعد أن تطمئن أن خولة وطلحة بلغا بيت خالتك في القاهرة سالمين. ستكون أنت وعبد الرحمن وبقية القادة حصني في هذه الأرض."
تقدم حازم نحوه، وصوته يختنق بالرفض:
"مستحيل! أن تمضي وحدك إلى القدس، ما تفكر فيه هو أشبه بالانتحار، ولن أدعك تفعل ذلك!"
ابتسم عامر ابتسامةً هادئة، وقال وهو يضع يده على كتف صديقه:
" لقد ضاعت سارة من جوف قصري، ولم أستطع أن أحميها كالرجال. سأعود بها بيدي أنا، كما ضاعت من يدي."
اشتعل غضب حازم فأمسك عامر من ذراعه وقال بصوتٍ مرتعش:
"لا، لن تذهب وحدك، ما دمت حيًّا!"
ساد الصمت لحظة، ثم أطرق عامر وقال في هدوءٍ مخادع:
"حسناً، كما تريد... لن أذهب وحدي. سأنتظرك حتى تعود. لكن إياك أن تبوح لخولة بما دار بيننا. لقد أخبرتها أنني ذاهب مع الجيش، ولا أريد أن تعلم ما أفكر فيه. أفهمت؟"
"فهمت... سألتزم بما أمرتني به."
غادر حازم المكان، وهو لا يدري أن عامر قد عزم في قلبه أن يخدعه وينطلق وحده.
وبعد قليل، دخل عبد الرحمن إلى القاعة ومعه القادة.
جلسوا جميعاً في صمتٍ مهيب، حتى قام عامر من مجلسه وقال بصوتٍ يملأ القاعة رهبة:
"قد عقدت العزم أن أسير إلى القدس وحدي."
تبادل القادة النظرات في ذهول، ثم قام عبد الرحمن قائلاً:
"مولاي، هذه رحلة محفوفة بالموت، بل هي فخٌّ نصبه الصليبيون. لن أدعك تذهب وحدك!"
رفع عامر يده يشير إليه بالجلوس، وقال بصرامةٍ قاطعة:
"لم أجمعكم لأستشيركم، بل لأُعلِمكم بقراري. سأمضي ومعي دليلٌ واحد يرشدني الطريق ذهاباً وإياباً، وأما أنتم فابقوا هنا. إن كان هذا خدعة من فرديناند، وأراد أن يشغلني ليهجم على أرضنا، فإني آمركم أن تراقبوا جيشه عن كثب، فإذا تحرك بخيانة فانقضّوا عليه بخططنا الهجومية التي اتفقنا عليها."
سكت عامر لحظة ثم أضاف بصوتٍ حازم:
"اعلموا أنكم لا تنتصرون لأنني بينكم، بل لأن الله معكم، وإن غبت عنكم فلن تغيب عناية الله عنكم. فأرسلوا أمري هذا إلى كل حصوننا وأبراج المراقبة، ولتُكتب الأوامر الليلة، وليحملها الرسل قبل الفجر."
ثم التفت إلى عبد الرحمن وقال:
عامر: "أحضروا لي دليلاً ذكياً الآن، فلا وقت للانتظار."
فساد القاعة صمتٌ مهيب، لا يُسمع فيه سوى أنفاس القادة المتقطعة، وقد أدركوا أن عامر قد ختم أمره، وأنه لا رجوع عن قراره.
---
كانت ليلة من ليالي غرناطة يلفها صمتٌ ثقيل، لا يقطعه إلا وقع أقدام الحرس في أزقة القصر. وفي تلك الساعة، خرج عامر متخفّياً مع رجلٍ غريب الملامح، حادّ النظرات، يتوشح عباءةً من صوفٍ بنيّ اللون، ويشد على خاصرته خنجراً عربياً قصيراً. كان ذلك هو الدليل الذي طلبه عامر، رجل يُدعى محمد بن ناصر، من أبناء البحّارة والتجّار الذين اعتادوا الأسفار بين المغرب والمشرق وله في كل بلد زارها أصحاب ربما يساعدوهما إن احتاجا لذلك.
وقف عامر أمامه، وقال بصوتٍ منخفض:
"ما اسمك أيها الرجل؟"
محمد:
"محمد بن ناصر، يا سيدي."
عامر:
"حسناً يا محمد، قد اخترتك لتكون دليلي في هذه الرحلة، فصف لي الطريق الذي سنسلكه من غرناطة حتى القدس، على ألا نمرّ ببلاد الصليبيين ولا بأرضٍ لهم فيها أعينٌ."
انحنى محمد برأسه احتراماً، ثم قال بثقة:
محمد:
"سمعاً وطاعة. الطريق طويل، لكنه آمنٌ بإذن الله. سنبدأ من ميناء ألمرية، وهو أقرب الموانئ إلى غرناطة، وسننزل إلى البحر في سفينة صغيرة تقودنا جنوباً نحو سواحل المغرب الأقصى. هناك سندخل ميناء سبتة أو طنجة، وكلاهما في يد المسلمين. ومن المغرب نعبر بالساحل حتى فاس، ثم نتجه شرقاً حتى نبلغ تلمسان ثم بجاية في الجزائر. كلها ديارٌ للمسلمين، آمنة."
أصغى عامر بانتباه وهو يشد على مقبض سيفه، بينما تابع محمد قائلاً:
محمد:
"من بجاية نسير شرقاً بمحاذاة البحر، حتى نصل إلى تونس، ثم نركب البحر ثانيةً إلى طرابلس، ومنها نتابع المسير شرقاً إلى برقة ثم الإسكندرية في ديار مصر. مصر كلها في سلطان المسلمين، ومن هناك ندخل إلى القاهرة، دار الخلافة وحصن الإسلام. سنجد في القاهرة من يمدّنا بالمؤن والزاد والرجال إن شئت."
أشرق وجه عامر وهو يبتسم ابتسامةً خفيفة وقال:
"أرض الكنانة...."
أومأ محمد برأسه مواصلاً:
محمد:
"بعد أن نستريح في القاهرة، نسلك طريق القوافل شرقاً عبر سيناء، حتى نبلغ العريش، ثم إلى غزة، ثم نسير جنوباً إلى أن ندخل أرض القدس. كل هذا الطريق تحت راية المسلمين، ولن نمسّ أرضاً من أراضي الصليبيين."
ظل عامر صامتاً لحظة، يتأمل الخريطة في ذهنه، ثم قال بنبرةٍ واثقة:
"طريق طويل، لكنه آمن بإذن الله. ما أشد حاجتي إلى السرعة، وما أشد خوفي من أن يسبقنا الأعداء إلى غايتنا. أتحسب أننا سنصل قبل أن يعلم فرديناند؟"
ابتسم محمد ابتسامةً مطمئنة، وقال:
محمد: "يا مولاي، البحر أسرع الطرق، وإن شاء الله وأحسنت الرياح إلينا فلن يستغرق وصولنا إلى سواحل المغرب إلا أياماً معدودة. ما أخشاه هو العيون، لا الطريق. الصليبيون يملؤون البحر بمراكبهم، وقد يعترضوننا إن علموا بأمرك."
فشد عامر قبضته وقال بصرامة:
عامر: " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، الله معنا ولن يضيعنا يا محمد"
انحنى محمد وقال بجدية:
"أقسم بالله أنني لن أخذلك، وسأقودك إلى القدس كما وعدتك."
تنفّس عامر بعمق وهو ينظر نحو الأفق حيث يمتد الطريق المجهول، وقال في نفسه:
"القدس تناديني... وسارة تنتظرني هناك. لن أعود إلا بها، أو يعود جسدي بلا روح."
---
ثم صمت عامر، وقال:
"يا محمد، نحتاج إلى حيلةٍ تضلّل أعين الصليبيين. فإن عرفوا بخروجي فلن يتركوني أعبر البحر سالماً."
محمد:
"صدقت، يا مولاي. البحر مليء بسفنهم، وقد جعلوا من التفتيش عادةً لكل مركب يعبر."
فكر عامر قليلاً، ثم قال:
عامر: "إذن فلنركب سفينةً من السفن التجارية التي تحمل القماش. على أن نصطحب معنا من منسوجات غرناطة ما يثير إعجاب التجّار، فيكون ظاهر أمرنا أننا تجّارٌ نسافر ببضاعتنا إلى أسواق المغرب ثم إلى مصر وإلى القدس. وبذلك لن يشكّ فينا أحد، ولن يتمكن الصليبيون من الإمساك بنا إن شاء الله."
ابتسم محمد، وقال بإعجاب:
محمد: "حيلة بارعة، أيها القائد. فالقماش الغرناطي مشهور بين التجّار، وسيكون خير ستارٍ لرحلتنا. سأدبّر الأمر وسأبحث لنا عن سفينة معروفة بين المراكب التجارية، حتى لا يثير مظهرها الريبة."
أومأ عامر برأسه، وعيناه تلمعان بعزم وخوف:
"إذا كانت هذه رحلة تجارة في نظر الناس، فهي في حقيقتها رحلة حياة أو موت. اجعل كل شيء جاهزاً مع أول ضوء للفجر."
انصرف محمد يعدّ العدة، بينما بقي عامر وحده، يضع يده على مقبض سيفه ويهمس:
"سارة... ها أنا قادم، ولو وضعت الدنيا كلها في وجهي سدّاً، فلن أعود إلا بك."
---
وفي قصر طليطلة، حيث يجلس الملك فرديناند على عرشه، التفّ القادة حوله، وهو يتحدث بنبرةٍ متعجرفة، يضرب بكفه على مقبض كرسيه الذهبي قائلاً:
"لا خيار أمام سراج الدين إلا البحر، ولا مهرب له غيره. لم تبلغني أخبارٌ حتى الآن عن تحرّكه، ولكني واثق أنه لن يترك زوجته الأسيرة في أيدينا. سيفعل أي شيء لاستعادتها، حتى لو كان ذلك الثمن حياته."
ثم اعتدل في جلسته، وعيناه تقدحان ناراً:
"أريد منكم أن تُبلّغوا جميع سفننا الحربية في البحر: لا مركب يمرّ إلا ويُفتَّش. وإن وُجد فيه غريب أو رجل ذو ملامح مشبوهة، فلتُكبَّل يداه ويُؤتى به أسيراً. أريد سراج الدين ذليلاً تحت قدمي، وسأقتله بيدي، لكن بعد أن أُذيقه صنوف العذاب، حتى يتمنّى الموت فلا يجده. سأمزّقه إرباً إرباً، وأُخرج أحشاءه أمام عينيه، وأتركه ينزف دمه حتى يلقى حتفه ألماً."
ساد صمتٌ ثقيل، فقطعه صوت أحد القادة متردداً:
"مولاي، أليس من المتوقع أن يرافق سراج الدين جيشٌ كبير؟ فهو ذكي، وربما يشك في المكيدة ويصطحب عدداً من السفن ورجالاً كثراً."
فابتسم فرديناند ابتسامةً باردة وقال:
"نعم، هذا ما أتوقعه، فهو يعرف أني أترقّبه، ولن يُقدم على مغامرة كهذه إلا مدجّجاً بجنوده."
وهنا تقدّم قائد آخر بخطوات ثابتة، وقال وهو ينحني احتراماً:
"اعذرني يا مولاي، لكنني أرى غير ذلك. سراج الدين رجلٌ ماكر، وقد يفكّر بطريقةٍ مختلفة. أظنه سيسعى إلى الوصول إلى القدس خفية، دون جيشٍ ولا صخب. أظنه سيذهب وحده."
رفع فرديناند حاجبيه، ثم ضرب بيده على مسند العرش وقال:
"أجل! لقد أصبتَ كبد الحقيقة. سراج الدين لن يجرّ وراءه جيشاً يكشف مسيره، بل سيخفي نفسه في ثوب التجّار. كيف لم يخطر ببالي ذلك؟"
اقترب القائد بخطوةٍ أخرى وقال:
"نعم، يا مولاي. الأغلب أنه سيتخفى في إحدى السفن التجارية، يتوارى خلف أقنعة القماش أو البهارات، كما اعتاد التجّار أن يسلكوا البحر دون ريبة."
نهض فرديناند من مكانه فجأة، وعيناه تقدحان شرراً، ثم صرخ بأمرٍ قاطع:
"إذن فلتُفتَّش كل سفينة تجارية، وكل مركب صغير، وكل تاجر يعبر البحر. لا رحمة لأحد! وإن وصل سراج الدين إلى القدس سالماً، فلن ينجو بحارة البحر من سيفي. سأجعلهم عبرة لكل من يتهاون في طاعتي!"
وهكذا، انطلقت الأوامر الصارمة إلى الأسطول الصليبي، لتُحكم الشبكة في عرض البحر، بينما كان عامر في غرناطة يُعِدّ عدّته لركوب البحر، متخفياً في قافلة تجارية تحمل قماش غرناطة الفاخر.
---
بعد يومين من إبحارهم في البحر، وقد هدأت الأمواج ومالت الشمس نحو المغيب، إذا بسفينة ضخمة تلوح من بعيد، تحمل على سارياتها صليباً عظيماً يرفرف في الهواء، وعرف عامر على الفور أنّها إحدى سفن التفتيش الصليبية التي تجوب البحر تبحث عن المسلمين والتجّار لابتزازهم أو القبض عليهم.
اضطرب الركاب، وبدأت الهمسات تسري بينهم كالنار في الهشيم. وقف عامر إلى جانب محمد، يرمق السفينة الآتية بسرعة، ثم قال بصوت منخفض:
- محمد، الأمر جدّ خطير. إنهم صليبيون، وربما هم يبحثون عني.
اقتربت سفينة التفتيش، حتى التصقت تقريباً بسفينتهم، وقفز منها جنود مدججون بالسلاح، وجعلوا يصرخون بلغة غليظة يأمرون الجميع بالاصطفاف على ظهر السفينة.
أمسك عامر بذراع محمد وقال له بحزم:
- اتبعني، ولا تسأل.
قاد عامر صاحبه إلى مؤخرة السفينة، حيث الممرّ المؤدي إلى أسفل، ونزل مسرعاً إلى المخزن المظلم حيث صناديق الخشب والبراميل. هناك، فتح أحد الصناديق الكبيرة، كان ممتلئاً بأقمشة سميكة، ثم التفت إلى محمد قائلاً:
- سأدخل هنا، وأختبئ بين القماش. أنت غريب عنهم، لن يعرفوك. أما أنا فلا.
ثم أمسك عامر بيده وابتسم ابتسامةً هادئة رغم الموقف وقال:
- إذا عثروا عليّ فلا تقل إنك تعرفني، بل عد إلى غرناطة، وبلّغهم بما جرى.
ثم نام داخل الصندوق، وأغلق محمد الغطاء بإحكام.
لم تمض لحظات حتى اندفع الجنود الصليبيون إلى أسفل، يحملون المشاعل في أيديهم، وبدأوا يقلبون في الأمتعة. وقع نظرهم على محمد واقفاً إلى جوار القماش، فارتابوا فيه، وتقدّم أحدهم صارخاً:
- أيها الكلب! أأنت تخبئ البضائع عن أعيننا؟
أمسكوا به بعنف، وضربوه بأعقاب سيوفهم حتى ترنّح، ثم جرّوه إلى سطح السفينة. صعد محمد بين أيديهم مقهوراً، والركاب ينظرون في رعب، بينما أحد الجنود التقط قطعة قماش من بين يديه ولوّح بها ساخرًا، ثم رماها في البحر ضاحكاً بصوت أجش، وتبعه الآخرون بإلقاء باقي الأشياء لبقية التجار، والضحكات تملأ الجوّ كأنها صفعة على وجوه المسلمين الواقفين عاجزين.
تركوه أخيراً يتلوّى من الألم، ثم عادوا إلى سفينتهم، وانسحبت سفينة التفتيش ببطء عن مرمى البصر.
تنفّس الركاب الصعداء، بينما محمد جلس على ركبتيه، يراقب أقمشة التجار وبضاعتهم وهي تغوص في البحر وقلبه يشتعل غيظاً. وما إن غابت السفينة عن الأفق حتى أسرع يهرول إلى أسفل المخزن، يفتح الصندوق بيدين مرتجفتين.
قال محمد وهو يلهث:
- الحمد لله... لم يروك.
ابتسم عامر وهو يضع يده على كتف محمد وقال:
- الحمد لله، لقد مضت العاصفة، ولن يوقفنا شيء عن بلوغ القدس. أنا آسف لما أصابك.
محمد:
ــ لا عليك يا سيدي، ما يهمني هو أنك بخير.
عامر:
ــ أقسم لك أنني سأجعلك تأخذ ثأرك من جنود فرديناند هؤلاء يومًا ما.
---
مرّت أيّامٌ على حادثة التفتيش، والأمواج قد هزّت السفينة وصقلتها كأنما تختبر صبرها وصبر من عليها. وفي صباحٍ هادئٍ، قال محمد وهو يرفع يدَه ليشير إلى جهة الشاطئ:
- ها نحن ذا نبلغ النقطة الثانية من مسارنا: طنجة.
تغيّر وجهُ الجميع، وملأت البسمة وجوههم قبل أن تُلقي السفينةَ بأوصالها عند رصيفٍ مزدحمٍ بالحركة. وحينها علت أصوات صياح البائعين، وأدْنَت روائحُ البهارات والزيتون من أزقّة المرفأ إلى داخل السفينة. كانت طنجة حينها مدينةٌ تجارية عامرة، ميناءٌ للصُّنَّاع والتُجّار، يختلط فيها لهجُ أهل المغرب بلسانٍ أندلسيٍّ نابعٍ من مهاجرين ومرابطين. أسوارٌ قديمة تحيط بالمدينة، وبرجٌ حصينٌ يطلُّ على البحر شاهداً على عصورٍ تعاقبت عليه.
نزل عامر ومحمد بين زحامٍ من البحّارة، وحملا صناديق القماش إلى برِّ الميناء، وتحفّظا في سلوكهما على هيئةِ تاجِرَين لا يلفتان الأنظار. كان محمد يتكلّمَ بنبرةٍ هادئةٍ وهو يسرد لعامر وصفَ المدينة وما تشتمل عليه من مرافق:
- طنجة يا مولاي ليست مدينةً صغيرة، بل ميناءٌ استراتيجيٌّ يلتقي فيه تجّارُ الغرب والشرق. ترى فيها مراكبٍ قادمةً من عجَمٍ ومن قرطاجة، وأسواقٌ عريضةٌ تتزاحم فيها أقمشةُ سَوَاءٍ وحبوبٌ وتوابل. سأعرّفك على رجلٍ أعرفه هنا. هو سيدُ مخازنٍ ويمتلك داراً واسعةً يقيم فيها التجار المسافرون.
قاد محمد عامرَ في زقاقٍ ضيِّقٍ إلى محراب السوق، حيث أضاءت الشمس مصابيحَ النحاس، وسمعا نداءَ أهلِ الحِرفِ بكلماتٍ بلغاتٍ مُختلفة؛ أمازيغيةٌ، أندلسيةٌ، وعربيةٌ مرنةٌ وهم يروجون لما يبيعونه من حُليٍّ وفَخّارٍ وخيوطِ قُماشٍ طُرِّزت بعناية.
لم تمض ساعة حتى وصلا إلى شيخٍ من كبارِ التجّار يُدعى يونسُ بنُ الحاجّ؛ رجلٌ طاعنٌ في السن، قابلهما وهو يبتسم بوجهٍ ودودٍ، وعيناه تحملان خبرةً طويلةً بمداخل المرافئ. وحينما رآه محمد نادى عليه، فتفقد الشيخ الوجوهَ بعينٍ حذرةٍ، ثم إذا بوجهِه يلمعُ حين رآى محمدَ:
- محمد! ألم تخلُف الوعد وتطيل الغياب؟! تعالَ إليّ يا ولدي.
احتضنه الشيخ وصافحه وصافح عامر ثم قادهما إلى دارٍ فسيحةٍ ذات فناءٍ تُحيط به أَسِرَّةٌ من الخشبِ، وأطباقٌ من التمر والزيتون على موائدٍ صغيرة. أُسندت إليهما غرفتان هادئتان؛ أما في المساء فقد عُقد مجلسٌ صغيرٌ في الفناء، وشربوا من إبريقٍ من الشاي العطر، بينما حدّثهم يونس عن أمور الطريق:
- إن أردتما متابعة المسير، فخير ما تفعلان أن تقضيا ليلَتين هنا، تُجددان المؤن، وتستريحان قبل العبور إلى البحر الشرقي. أمورُ الطريق الآن معقّدةٌ بعض الشيء: قوافلُ الساحل تحرسها فرقٌ مواليةٌ لأمراءٍ متغيرين، ولا بدّ أن تعلموا أن السلطة هنا ليست واحدةً محكمةً؛ فالحُكم يتقاسمه تجّارٌ محليون وولاةٌ يتوزّعون على السواحل. لكنكم آمنونَ ما دمتما في دارِنا، وسأمنحكما رجالًا مخلصين يعلمانكم طرقَ المخارج الآمنة.
جلس عامرُ مع يونس وحينما سأله عن سبب رحلته، حكى له عامر بلياقةٍ عن حاله: أنه تاجرٌ مسافر، وأن رغبته ليست سوى زيارةِ بلادٍ للقاء عائلةٍ قديمة، لا أكثر. تجاوب يونس بنبرةٍ تُخفي خلفَها فضولاً:
- عيني قرأت في عينيك غير ذلك، ولذا إن أردت أن تشق طريقك إلى المشرق دون أن تُفتضَح، فاعتمد على رجالٍ ثقات؛ سأدلكَ على رجلٍ يعرف شطوطَ البحر والمرافئ الخفيّة، يُدعى أبو حكيم؛ أما الآن فستُخبّئان بضاعتكما في مرابضٍ لا يطأها أحدهما، ورجال سيصطحبانكما إلى سفينةٍ تجاريةٍ تتجه شرقاً بعد ليلتين.
قال محمد:
- أما أنا فسأبقى مع صديقي عامر حتى ننجز مهمتنا ونعود إلى غرناطة وسأعود إلى طنجة لأبقى معك وأدرس الحديث على يديك كما وعدتك يا شيخي.
يونس:
ــ وأنا سأنتظرك يا بنيّ، ولكن لا تطل الغياب فلا تدري متى يحين أجلي.
محمد:
ــ لا تقل هذا رجاءً، أطال الله عمرك وبارك فيه.
-وفي تلك الليلة نام عامر، لكن قلبه كان يوشك أن يشتعل بسؤالٍ واحد: هل مازالت سارة حيَّة وهل هي في القدس بالفعل أم أن فرديناند أرسلهم خلف السراب؟.
أقاما في دار يونس ليلتين؛ وفي اليوم الثالث، بعد أن جدّدا مؤونتهما وسلّما على من يُعرفان من رجال يونس في الميناء، ثم ركبا سفينةً تجاريةً تُنقل تجارًا وبضاعةً إلى الشرق.
---
ما إن غادرت السفينةُ رصيفَ طنجة بعد ليلتين من الاستراحة والتزود، حتى أخذت تودّعُ الأطلسَ ببطءٍ، وتلوحُ السواحلُ البعيدة كما لو أنّها تودّع مسافراً عتيقاً. اجتمع عامر ومحمد على السطح، ينظران إلى لانهائيةِ البحرِ الباهتةِ، وقد قرّرا أن تكون المحطةُ التاليةُ على الساحل الشرقي للمغرب الكبير: الجزائرُ
- التي تعلوها أسوارٌ وقلعةٌ، ويَعرفها البحّارةُ عن بعدٍ بنيرانِ أبراجها.
قال محمد، وهو يحدّق في الخرائط المرسومة في ذهنه كأنها طريقُه المألوف:
- سنصلها بعد ثلاثة أيّامَ من الإبحار المعتدل ولكن إذا هبَّتْ علينا رياحٌ شماليةٌ سيهبُّ معها عُسرٌ وتأخيرٌ. ولكن دعنا لا نفكر في الشيء السيء الآن، سأكمل حديثي عن الجزائرُ
ـــ هي ميناءٌ كبيرٌ، لكنه متقلبٌ في أحوالِه: له تجارٌ متحذرون، وأمراءٌ محليونُ يَختلفون في علاقاتهم مع القوّاتِ البحرية. لا بدّ أن نتحفّظ.
ثم تابع محمد:
- إنّ أولَ ما يُلفِتكَ عند الاقتراب سورٌ يُطوِّق المدينة من جهة البحر، وبرجُ المراقبة على الهضبةِ يختصُّ بمراقبة السفن. السوقُ الكبيرُ داخلَ الأزقّةِ الضيّقةِ يَحتوي على أقمشةٍ يجلبها النّاسُ من غرب إفريقيا ومن الشرق. هناك رجالٌ يعرفون قوةَ الحرسِ البحريِّ والمرابطين على الشاطئ، وسيعينوننا على الإرساء بعيدًا عن أعينِ التفتيش المسلّح.
حطّوا رحالهما، ونزلا بحذرٍ وسط صخبٍ من التجار. ثم ذهبا وسألا الناس عن أبي حكيم، حتى وصلوا إلى بيته، وعندما فُتِحَ الباب
قابلهما رجلٌ أسمرُ الوجهِ عظيم الهيئة، قدّم نفسه: مرحبًا أنا أبو حكيم، من أنتما؟.
وبعد أن أخبراه بأنَّ الشيخ يونس بن الحاج يوصيه بهما. دعاهما أبو حكيم إلى داره الصغيرة عند المدخلِ القديم للمدينة، فجلسوا في فناءٍ مُحاطٍ بأرففٍ من الأوعية والأواني، وأدناهم وهو يشير إلى طبقٍ من التمرِ والشايِ: - لا تُظهرا غيرَ ما ينبغي أن تُظهراه. سأجهّز لكما مكاناً على إحدى السُّفنِ الصغيرةِ التي تُقلُّ زُيوتاً وأقمشةً نحو الشرق. أما عن الطريق فهُوَ واحدٌ من ثلاثةِ مساراتٍ نُفضِّله:
أولها السَّيرُ المتواصلُ على الساحل، وثانيها الخروجُ بعيدًا عن الساحلِ ثم القطعُ نحو الجنوب فوق المياه الحرّةِ حتى الوصولِ إلى حلقِ البحر الأحمر عن طريق ليبيا ومصر. لكنّي أُفضّل لكما إن أردتُما الطريق الأكثر أمانًا أن تَركبا سُفينةً تجاريةً تُغادر ليلاً إلى تونس ثم إلى برّ ليبيا، حيث تجدا ميناءً يؤمّنُهُ حاكمٌ أقلّ صِدامًا مع الغرباء؛ وبعدها تقطعان الطريق إلى طرابلسَ ثم إلى الإسكندرية.
نظر عامر إلى محمد، وقال:
- أيُّ طريقٍ تراه أنتَ آمنًا أكثر؟
أجاب محمد بثقةٍ مكسورةٍ من تعب البحر:
- الطريق الساحليُّ ستكون فيه مجابهاتٌ مع مراكبِ حرسٍ صليبيّةٍ، لكن موانئَ الجزائر وتونس وطرابلس غالبًا ما تتقلب ولها روابطُ تجاريةٌ وولاؤها لِمَن يدفع. إذا ما ركبنا سفينةً تجاريةً متجهةً إلى تونس ثم طرابلس، فسنتخفى تحت ستارِ التجارة. أما المُخاطرةُ الكبرى فهي العبورُ المباشرُ إلى الشام جنوبًا من فوق البحر، فقد تجتذبُنا سفنُ البحثِ الصليبيّةُ أو قراصنةُ البحر.
فاقتنع عامرُ، وابتسم لِمحمد قائلاً:
- أحسنت، هذا ما أردتُ سماعهُ. جهّز أقمشة القطن والمال الذي أعطاه لنا الشيخ يونس في طنجة.
قضوا في الجزائر ليلتين. وفي الليلة الثانية، دبر أبو حكيمُ لهم مركبًا صغيرًا قادهم به حتى وصلا إلى السفينة المرغوبة وصعدا على متنها وهي سفينةٌ تجاريةٌ تُسمّى "أمواجُ الشرق".
قبلَ أن يُغادِرا، منحهما أبو حكيمُ رسالةً إلى رجلٍ في طرابلسَ يُدعَى "الشيخُ مُراد"
- أملٌ يفتحُ لهما مخرجًا عند الحاجة، ووجهٌ واحدٌ يعرّفهما بين التجار حين يشير إصبع الشكك إليهما.
---
توالت الأيام على ظهر السفينة "أمواج الشرق"، والبحر يبتلع مسافاتٍ طويلة بين الجزائر وتونس. كان عامر يخرج كل صباح إلى مقدّمة السفينة، يرمق الأفق بعينين تتناوب فيهما الدهشة واليقظة، فيما جلس محمد إلى جواره يفسّر له طبيعة البحر وسلوك الرياح.
قال محمد وهو يشير بيده إلى اتجاه الرياح:
- إذا حافظت هذه الرياح على ثباتها، فسنبلغ سواحل تونس بعد أربعة أيام. إنّها مدينة محصّنة بأسوارٍ عالية، يحكمها الحفصيون، وهم متقلّبون في ولائهم بين ملوك المغرب وبين القوى الأوروبية، لكنهم أهل حضارةٍ زاهرة بالعلم والتجارة.
سأل عامر:
- وكيف يكون استقبال الغرباء فيها؟
أجاب محمد:
- إنّ للتونسيين قلبًا رحبًا، ولكن لا يخفى أنّ العيون تراقب كل قادم. لا بدّ أن نبدو كتجّار أقمشةٍ لا أكثر، ونلزم الحذر.
وبينما الليل يرخي سدوله، كانوا ينامون على سطح السفينة تحت أغطية بسيطة، يتسامرون أحيانًا مع البحّارة ويستمعون إلى قصصهم عن أسواق صقلية وطرابلس ومراكش. وكان عامر يصغي في صمت، كأنّه يجمع خيوطًا تربط البحر بالبرّ.
وبعد أربعة أيام، لاحت أبراج تونس من بعيد، متوّجةً بقبةٍ بيضاء تُشرف على الميناء. ما إن اقتربت السفينة من الرصيف حتى انبعثت رائحة التوابل والزيوت، واختلطت أصوات التجار بالمنادين، وأبواق الحراس بصياح الدواب.
قال محمد وهو يشير إلى المدينة:
- هذه تونس يا سيدي. هنا تُباع الأقمشة القادمة من الشرق، والتوابل القادمة من السودان والهند. سنبيت الليلة عند رجلٍ أثق به يُدعى الشيخ عبد الرحيم، وهو من التجار الذين يحفظون العهد ويكرمون الضيف.
دخلا المدينة من باب البحر، فانبسطت أمامهما أسواق ضيقة متعرجة، يظلّلها شجر التين والنخيل. كانت الحوانيت تضجّ بالباعة: هذا يمدح سمنه، وذاك يفاخر بزيتونه، وآخر يصرخ على جوخه.
استقبلهما الشيخ عبد الرحيم في داره القريبة من جامع الزيتونة، وكان رجلاً وقورًا بلحيةٍ بيضاء وعينين نافذتين. رحّب بهما قائلاً:
- مرحبًا بأبنائي، أنزلكما الله في دارٍ آمنة.
جلسوا في مجلسٍ مفروشٍ بالبُسط الملونة، وقدّم لهما اللبن والخبز والزيتون. ثم التفت إلى محمد سائلاً:
- ما خطّتكما بعد تونس؟
أجاب محمد:
- نُيَمّم وجوهنا شطر طرابلس، فهي بوابةٌ إلى الشرق، ومنها ندخل مصر. نرجو أن تدلّنا على طريقٍ آمن.
ابتسم الشيخ عبد الرحيم وقال:
- بين تونس وطرابلس طرق بحرية وساحلية، أمّا البرّ فمليءٌ بالقبائل التي لا يؤمَن جانبها. لكن إن سلكتم البحر على متن قافلةٍ تجاريةٍ، فستصلون بسلام. لي قريب هناك يُدعى يوسف بن عطاء، سيُعينكم إن ذكرتم اسمي.
قضى عامر ومحمد ليلةً في دار الشيخ، استراحا من عناء البحر، وصلّيا في جامع الزيتونة حيث تعانق أصوات المؤذنين قبابَ المدينة. وفي الفجر التالي، حملا زادًا كافيًا من التمر والماء والخبز، وودّعا مضيفهما شاكرَين.
عادا إلى الميناء حيث كانت تنتظرهما سفينة تجارية متجهة إلى طرابلس، محمّلة بالجلود والأقمشة والزيوت. وما إن أبحرت حتى وقف عامر ينظر إلى تونس وهي تبتعد شيئًا فشيئًا، وقال لمحمد:
- كل مدينة نمرّ بها تزيدني شوقًا إلى الغاية. أشعر أنّ القدس تنادينا من بعيد.
أجابه محمد:
- كل خطوة نخطوها تجعل القدس تقترب منا يا مولاي.
---
مضت الأيام، وبعد رحلةٍ قصيرةٍ في البحر، لاحَ الأفقُ بارزًا بأبراجٍ صفراءٍ وبيوتٍ متراصة؛ ميناءٌ تحفّه أسوارٌ شُيّدت لتصدّ الريح والعواصف، وعلى رأسه علمٌ يرفرف فوق قلعةٍ قديمةٍ تُراقب المدّ والجزر. قال محمد بلهفةٍ وهو يقرّب منظاره:
- هذه طرابلس الغرب، يا مولاي. إذا ثبتْنا على هذا الساحل فقد خطونا خطوةً جوهرية نحو مصر.
رست السفينة في مرسى يضجّ بالحركة: قوارب صغيرةٌ تنقلُ البضائع، ورجالٌ يلوّحون للحاضرين، ونفَسٌ حارٌّ يختلط فيه عبقُ الصنائع والزيوت بريحِ البحر. نزل عامر والركبان إلى رصيفٍ مرصوفٍ بالحجارة، وتبعه محمد بفرحةِ رجلٍ يطأ الأرض كما لو أنّه يعود إلى بلدٍ يعرفه قلبه.
وصَفَ محمدُ طرابلسَ لأول وهلةٍ على لسانٍ مُتمرِّسٍ:
- طرابلسُ الغرب مدينةٌ ساحليةٌ عظيمةٌ، أسواقها تفيض بالبضائع من المغرب ومصر والشّرق، وتختلط فيها لغاتٌ وألوان. وفي بعض الأحياء يزاولُ الباعة فنّهم بحِرفيّةٍ عريقة. (وسميت هذه المدينة بطرابلس الغرب لتمييزها عن طرابلس الشام).
قاد محمد عامرَ عبر الأزقّةِ الضيقةِ إلى دارٍ مُرتّبةٍ على نحوٍ تاجرّيٍّ، حيث استقبلهما يوسف بن عطاء، مُرحِّبًا بهما بوجهٍ هادئٍ وابتسامةٍ تعبر عن كرم المضيف. دار بين يوسف ومحمد حديثٌ سريعٌ، ثم التفت يوسف إلى عامر وقال:
- أهلًا بك يا سراج الدين. اطمئنّوا؛ طرابلسُ ترحّب بالزائرين، لكنّ الحكمة أن تبدو كما تبدو التجّار: ثيابٌ متواضعة، وعبارةٌ قليلة، وابتعادٌ عن الجدل مع الحُرّاس.
جلس الرجال في مجلسٍ مُظلّلٍ، وُضع أمامهم طعامٌ. تحدث يوسف إلى عامر بقلبٍ صريحٍ:
- إذا كنتم عازمين على الوصول إلى مصر ثمّ إلى القدس، فالبحرُ هو طريقكم الآمن من هنا إلى الإسكندرية، وهناك تُجدّون مَن يُوصلُكم عبر بلادٍ يَعرفها أهلُها. أمّا المسالك البرّية فخطرةٌ على هذه الناحية بسبب عصابات السلب والقبائل الرحل. سأُهيئ لكم مكانًا على سفينةٍ تجاريةٍ متجهةٍ إلى الإسكندرية غدًا عند الظهر، على شرط أن تتنكّروا بزيّ التجّار الذين يذهبون في العادة إلى هناك، وتحملوا بضائعٍ تُبرّر سفرَكم. ولا تقلقوا أنا سأتولى ترتيب ذلك.
نظر عامر إلى محمد ثمَّ إلى يوسف، وقال بثقةٍ هادئة:
- افعل ما تراه مناسبًا، ونحن شاكرَين لك، جزاك الله الفردوس يا سيدي.
ابتسم يوسف وهو يُدلّهم بالرأي:
- وجزاك يا بنيّ، سأخطر قبطان السفينة باسمٍ مستعارٍ لكما. ولي طلبٌ واحد: لا تُثيرا فضول من معكما على السفينة قدر الإمكان حتى تصلا بأمانٍ إلى الإسكندرية
في اليوم التالي صعدا إلى سفينةٍ تجاريةٍ متواضعةٍ مرسى طرابلس، محمّلةً بالجلود والزيوت والأقمشة. كان القبطانُ رجلاً شاحبَ الوجه، عيونه لا تَختفي منها قدرةٌ على الملاحَظة.
---
انطلقت السفينة من ميناء طرابلس. ارتفعت الأشرعة البيضاء فوق موجٍ مضطربٍ، ومع كل نسمة ريحٍ يزداد الأفقُ قربًا، حتى بدت في الأمد البعيد مآذن عالية وبيوت بيضاء متراصة كأنها عقود لؤلؤ على شاطئ ممتد.
قال محمد وهو يشير بيده نحو الشمال الشرقي:
- ها نحن نقترب يا مولاي من الإسكندرية، دارُ العلم والتجارة، ووجه مصر الحَسَن.
أمسك عامر بحافة السفينة، وقد امتلأ قلبه بشيءٍ من الطمأنينة وهو في داخله يتشوق إلى رؤية وطنه مصر في صورته القديمة كيف كان، وقال:
- لقد سمعت كثيرًا عن هذه المدينة، أنها حصينة، وأنها مقصدٌ للتجار والطلاب من كل مكان. صفها لي كما تعرفها، يا محمد.
ابتسم الدليل وأجاب:
- الإسكندرية، يا سيدي، مدينة عريقة جميلة، أهلها يلقبونها بدرة البحر المتوسط، وهي جميلة جدًّا حقًّا. وأمراؤها يتناوبون عليها بحزم، وفيها الحرس الذين يراقبون كل غريب. أسواقها عامرة بالبضائع: التوابل من الهند، الزيوت من الشام، القطن والكتان من أرض مصر، والكتب التي ينسخها العلماء. لكن فيها أيضًا عيونٌ تتبع كل من يدخلها، وجواسيس يترصّدون الغرباء. علينا أن نكون كالتجار المساكين: قليلي الكلام، عاديِّي الهيئة.
ثم أضاف وهو يقترب من أذن عامر:
- بعد الإسكندرية نرحل برًّا إلى الفسطاط أو القاهرة، ومنها نسلك طريق القوافل إلى سيناء. وسيناء، وإن كانت صحراء قاسية، إلّا أن القوافل تعرف دروبها، وفيها محطات ماء وأديرة صغيرة يأوي إليها المسافرون. ومن هناك نعبر إلى العريش، ثم نواصل إلى غزة، ومن غزة إلى القدس، إن قدّر الله لنا الوصول.
كان عامر يصغي بعناية، ثم قال:
- حسنًا، ولكن علينا أن نُعِدَّ لأنفسنا ستارًا محكمًا. وكما فعلنا في كل البلاد التي مررنا بها، سنحمل الأقمشة الغرناطية كأننا تجار جاءوا للبيع. إن سُئلنا، نقول إننا نسعى لعقد صفقات في أسواق القاهرة. وهكذا لا يشك أحدٌ في غايتنا.
أومأ محمد برأسه موافقًا.
دخلت السفينة الميناء، فاستقبلتهم الإسكندرية بمشهدها المهيب: المنارة العظيمة وقد خفتت معالمها لكنها ما زالت تذكّر بالمجد القديم، والبوابات الموصدة يحرسها جنود مماليك، وأسواق تضج بالحركة، حيث الأصوات متداخلة واللغات متعددة.
وبعد أن رست السفينة على شاطئها، أخذ محمد عامر وصار يسأل عن بيت تاجر قديم، رجلٌ مسنّ ذو لحية بيضاء، يعرفه محمد معرفةً قديمة. اسمه الحاج منصور، تاجر أقمشة. رحّب بهم بحرارة، ثم قال:
- مرحبًا بكم في الإسكندرية، أنتما ضيفيَّ هذه الليلة. بيتي متواضع لكنه آمن، وسأعرّفكما ببعض أصحاب القوافل الذين يرحلون إلى القاهرة غدًا. الطريق إليها طويل لكنه مأمون في ظل حراسة المماليك.
جلس عامر ومحمد في مجلسه، وقد وُضع أمامهما طعامٌ من السمك المشوي والخبز المصري الطازج. وبين اللقمة والحديث، سأل عامر مضيفه:
- يا حاج منصور، هل يتعرض المسافرون إلى القاهرة لمكائد في هذا الزمان؟.
ابتسم الرجل وأجاب:
- الطريق بين الإسكندرية والقاهرة مأهول بالقرى والنقاط العسكرية، لكن بين حين وآخر تظهر جماعات من قطاع الطرق. غير أن القوافل الكبيرة، إذا اجتمعت، فلا يقدر عليها أحد. نصيحتي أن تذهبا مع قافلةٍ، وأن تبيتا في الاستراحات المعروفة، وستصلان سالمين إن شاء الله.
نظر عامر إلى محمد وقال:
- إذن غدًا نلحق بأول قافلة تذهب إلى القاهرة. علينا أن نُسرع، فكل يومٍ يمضي يكون هدفنا فيه في خطر.
في الليل، جلس عامر وحده يتأمل البحر من نافذة ضيقة، وقد تذكر سارة في أسرها، وتذكر غرناطة البعيدة التي تركها خلفه. وخولة وطلحة في عالمه في القاهرة، فتمتم بصوتٍ خافتٍ:
- يا رب، كما أنجيتنا من البحر ومن تفتيش أعدائنا، أنجنا حتى نصل إلى القدس، وأعد إلينا من نحب، واجعل لهذه الرحلة نهايةً تعلو فيها راية الإسلام في الأندلس وفي كل بقعة مسلمة.
وهكذا، باتوا ليلتهم في دار الحاج منصور، يتهيئان للرحلة الجديدة: من الإسكندرية إلى القاهرة، وبعدها ستبدأ مرحلةٌ أخرى من السفر عبر أرض الكنانة من الفسطاط إلى سيناء.
---
مع شروق الشمس أيقظهم الحاج منصور ليلحقا بالقافلة، وبالفعل سريعًا جهزا متاعهما وزادهما ولحقا بالقافلة...
طوال الطريق كان محمد يراقب عامر بصمت، ثم قال:
- هذه هي مصر. هنا ترى الأمن في وجه الفلاح، وترى الصبر في يد المرأة التي تعجن خبزها على الضفاف. الفسطاط التي نقصدها هي قلبها، بنيت منذ الفتح الإسلامي، وكانت دار الإمارة، وفيها جامع عمرو بن العاص، أول مسجد بُني في إفريقيا. حين نصل إليها، سنجد من يمد لنا يد العون، فهي ملتقى العلماء والتجار، وأرضها آمنة لمن يطرق بابها بحسن نية.
ابتسم عامر وهو يخفي لوعته قائلاً:
- كأنها درة الشرق، لا عجب أن يتنافس عليها الملوك.
ثم أومأ عامر برأسه وهو يشيح بوجهه نحو السماء، يخفي دمعة لم يشأ أن يراها أحد. كان قلبه يردد: هنا وُلدت الحضارات، وهنا سيبقى النيل شاهداً على أن مصر، مهما اشتد البلاء، لا تنحني إلا لله.
مرّت أيام وهما يسيران مع القافلة، يبيتان في قرى صغيرة، يستقبلهما أهلها بكرم لا مثيل له. حتى إذا مالت الشمس يوماً إلى الغروب، بدت الفسطاط أمامهما، مدينة عظيمة، أبراجها تلوح في الأفق، وأصوات مؤذنيها تتعالى، كأنها تسبّح مع أفلاك السماء.
دخل الرجلان متخفّيان، واستراحا عند رجلٍ من أهل العلم، شيخ وقور استقبلهما في داره القريبة من الجامع الأزهر، وقال لهما:
- مرحباً بكما، من جاء طالباً الأمن في مصر وجده. ومن جاء طالبًا العلم وجده، هنا تجد كل شيء، وكل شيء يجدك.
قضيا ليلتهما هناك، وفي الصباح الباكر خرج محمد مع عامر إلى ساحة الجامع الأزهر، فأشار بيده إلى الطريق الممتد شرقاً وقال:
- الآن سنسير مع قافلة متجهةٍ إلى القدس، ولكن أولًا سنسير إلى سيناء ثم نعبر صحراء سيناء حتى نبلغ العريش. إنها طريق الأنبياء، لكنها أيضاً طريق العطش والخطر. الرمال تمتد بلا نهاية، والسراب يضلل العيون، ولا مأمن إلا عند آبارٍ متفرقة يعرفها البدو.
قال عامر وهو يتأمل كلام محمد:
- وهل سنلقى من يعيننا في تلك الفيافي؟
أجابه محمد بثقة:
- نعم، أهل سيناء معروفون بالشهامة، يحمون الغريب إذا استجار بهم. نعم لقد سنلقى عند العريش رجالاً يهدوننا السبيل، فهي بلدة عامرة على ساحل البحر، وإن كانت صغيرة، فهي حصنٌ في تلك الفيافي، وبوابة إلى الشام. هكذا أخبرني شيخ الجامع الأزهر.
في تلك الليلة، جلس عامر وحده في فناء الدار، يتأمل القمر وهو يعلو فوق قباب الفسطاط، وقلبه يخفق بين الخوف والأمل. كان يعلم أن الطريق أمامه لن يكون سهلاً، لكن مصر بثّت في روحه طمأنينة غريبة، كأنها تقول له: امضِ، فالأرض التي احتضنتك ستظل تدعو لك أينما ذهبت.
---
خرج عامر ومحمد مع بزوغ شمس اليوم التالي، وقد زوّدهما الشيخ بما استطاع من ماءٍ وزادٍ قليل يكفي لبضعة أيام. سارا على ظهور الجمال مع قافلة صغيرة من التجار المتجهين شرقاً، فالصحبة في الصحراء حياة، والرفقة فيها أمان.
ما إن غادروا أرض الفسطاط ووصلوا بعد رحلة متعبة إلى سيناء حتى بدا لهما الأفق مفتوحاً على مد البصر، لا أشجار ولا أنهار، غير رمال تمتد كبحرٍ ساكن لا يعرف الرحمة. الشمس تعلو شيئاً فشيئاً، كأنها سهم من نار يخترق الهامة والصدور.
قال محمد وهو يشد لثامه على وجهه:
- هذه هي صحراء سيناء يا سيدي، أرض جافة لا ينجو فيها إلا من عرف مسالكها. هنا عبر موسى عليه السلام مع بني إسرائيل،
وهنا تجلَّى الله سبحانه وتعالى، وهنا مرّت جيوش الفاتحين. ولكنها أيضاً مأوى قطّاع الطرق إن غفلنا، فلا بد من الحذر.
أجاب عامر وهو يضبط خطوات جمله:
- لا عجب أن تكون هذه الأرض ميزاناً للرجال، فمن صبر عليها صبر على كل محنة بعدها. ولا عجب أنَّهم يطمعون فيها.
على طول الطريق، كانوا يبيتون عند آبار معروفة للقبائل البدوية. يستقبلهم رجال بسطاء، يضيّفونهم بما تيسّر من لبن الإبل وخبز الشعير، ويقصّون عليهم أخبار القوافل والطرق. وفي الليل، حين يخيّم السكون، كانت السماء تلمع بالنجوم، كأنها قناديل هداية معلّقة فوق رؤوسهم.
مضت أيام من المسير الشاق، والرمال تلسع وجوههم بالرياح، حتى ظهرت في الأفق أبراج صغيرة على ساحل البحر. أشار محمد بيده وهو يقول بصوت يملؤه الارتياح:
- تلك هي العريش يا عامر، بوابة مصر إلى الشام.
اقتربوا من البلدة، فإذا هي حصن صغير عند مصب وادٍ تحيط به بساتين نخيل قليلة. استقبلهم بعض أهلها بود، فقد اعتادوا مرور القوافل والتجار. أنزلهم رجل من وجهائها في بيته، وقدّم لهم التمر والماء البارد، وقال وهو يبتسم:
- أنتم الليلة ضيوف العريش، والغريب فيها كأهلها.
جلس عامر في تلك الدار يتأمل صمت المكان، ثم التفت إلى محمد وسأله:
- وما الوجهة القادمة؟
أجابه محمد:
- من هنا نسير بمحاذاة الساحل حتى غزة، فهي مدينة كبيرة تحت حكم المماليك أيضًا، عامرة بالأسواق والجنود، ومنها نتابع إلى القدس. لكن الطريق بين العريش وغزة طويل، يمر بسهول ورمال، وقد نصادف فيه أخطاراً، فلا بد أن نكون يقظين.
أطرق عامر لحظة ثم قال:
- لا بأس، لقد قطعنا أكثر الطريق، ولن يثنينا عطش ولا تعب.
في تلك الليلة، ظل يسمع خرير البحر المتلاطم إلى جوار العريش، كأنه يبشره بأن الطريق إلى القدس قد بات أقرب مما كان يتصور.
---
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!