حازم: يلا سَمِّ الله وافتح
عامر: بسم الله.....
-فتحا الباب ودخلا......
حازم: اي الضلمة دي كلها!!، ماجبناش معانا كشافات ولا شمع حتى
عامر: لحظة هرجع أجيب أي حاجة ننور بيها
- وفي هذه الأثناء أغلق الباب بقوة
-حاول عامر فتح الباب ولكن لم يستطع
حازم: يا وقعة طين، احنا شكلنا اتحبسنا هنا، وبعدين يا عامر هنعمل اي؟، احنا مش هنموت هنا صح؟
عامر: عادي، اهدى كدا خالص واطمن، احنا مش هنموت ولا هيجرالنا أي حاجة طول ما احنا مؤمنين إن مفيش حاجة هتضرنا إلا بأمر الله.
حازم: طيب هنعمل اي؟، أنا مش شايف أي حاجة ولا فيه أي نور هنا
عامر: هات ايدك وامشي معايا، هنمشي خطوة خطوة واحنا ماشيين هنتحسس بايدينا حوالينا كدا يمكن نلمس أي حاجة تساعدنا
حازم: طيب
- سارا معًا بضع خطوات، والمكان حولهم ظلام دامس، ويكأنهم في قلب الظلام نفسه.
حازم: عامر، أنا سامع صوت رجلين بتمشي حوالينا
عامر: أنا كمان سمعت بس مرضتش أخوفك، فيه حاجة بتتحرك حوالينا وفي كذا اتجاه.
- قفوا مكانكم....
-وهنا صرخ حازم قائلا: انتوا مين؟؟
-همس عامر في أذنه: اسسسسس، اسكت، انزل على الأرض بهدوء وطلع السكينة من شنطتك وامسكها في ايدك، وأنا هعمل كدا، وأول لما تحس حاجة قربت منك اضرب وخلاص أي حاجة تحس بيها
حازم: حاضر
- وفي هذه الأثناء أنيرت المصابيح من حولهما، حلقة من الرجال تحيطهم، يحمل كل واحد منهم مصباحًا وسيفًا موجهًا نحو عامر وحازم...
عامر: انتوا مين؟
- أأنت عامر؟
عامر: نعم، ومن أنتم؟
- مرحبًا بك، كنا ننتظرك بأمرٍ من الأميرة، لا تخف، أنت في حمايتنا حتى تصل إلى الأميرة بأمان.
عامر: لن أذهب إلى أي مكان حتى تخبروني من أنتم؟، وإلى أين سنذهب،؟ ولماذا؟.
- يؤسفني إخبارك أنك ستأتي معنا ولو بالقوة.
عامر: أتظنك تخيفني بهؤلاء؟!، إذن حاول أن تقترب وسأقتلهم جميعًا، وأقتلك معهم.
- يا سيدي أنا مستشار أمن المملكة، والأمر جد خطير، نحن نضيع الوقت هنا والمملكة كلها ستنهار إن لم نذهب الآن.
عامر: عن أي مملكة تتحدث؟، وما علاقتي بذلك؟، يبدو أنك لا تفهم شيئًا!، أنا لست من هنا، لقد أتاني جواب يخبرني أن....
- سيدي...، آسف، سامحني فيما سأفعله الآن..
- أخرج الجنود بعض القماش في أيديهم وأشار إليهم قائدهم بالهجوم.
-هجموا على حازم فسقط منه سكينه ووضعوا القماش على فمه وأنفه حتى أغشي عليه، أما عامر فأصاب أحد الجنود بسكينه وضرب آخر بقدمه فأسقط منه سيفه.
-ركض عامر باتجاه السيف فانقضَّ عليه أحد الجنود من الخلف ووضع القماش على وجهه
- فقد عامر وحازم وعيهما........
- وبعد عدة ساعات استعاد عامر وعيه ليجد نفسه على سرير جميل وغرفة يبدو عليها من زخارف السقف والجدران أنها غرفة من قصرٍ ملكيٍّ أو ما شابه.
- نهض عامر وأسرع باتجاه الباب
-وفجأة فُتِحَ الباب.....
-نظر عامر أمامه فرأى عامر امرأةً ثلاثينية جميلة بلباس محتشم ساتر فاخرٍ وجميل وخمار يغطي كامل شعرها، ويقف من خلفها العديد من الحراس.
-تبدو المرأة كشخصية هامة أو امرأة ثرية، ولكن ملابسها تشبه تلك التي كانت في العصور القديمة.
-وقف عامر لبرهةٍ ينظر إليهم بعينين حائرتين، وفي هذه الأثناء ابتسمت المرأة إلى عامر، وقالت: غير معقول، أنت سراج الدين، والله لولا أنه مات بين يدي لظننته لم يمت وهو الذي يقف أمامي الآن.
عامر: من أنتم؟، ومن سراج الدين؟.
-أنا الأميرة سارة، وأنت هنا سراج الدين
عامر: أنا عامر، اسمي عامر، وأنا لست من هنا، كل ما في الأمر هو أنني دخلت من البوابة بعدما أتاني جواب، وأخبرتني سارة أنها....، لحظة..... قلتِ أن اسمكِ سارة؟؟
سارة: أجل، أنا أعلم كل هذا، وأعلم أنك عامر، ولكن منذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها قدمك هنا، أصبحت الأمير سراج الدين
عامر: لا أفهم شيئًا مما تقولين!، ولمَ لا تخبريني إذا كنتِ أنتِ سارة نفسها التي أرسلت إليَّ الجواب أم لا؟.
سارة: نعم، أنا سارة صاحبة الجواب.
عامر: إذًا لن أغادر من هنا حتى أفهم من أنتِ؟، وأين أنا؟، ولماذا اعتقلتمونا؟، ولماذا أخبرتيني في جوابك أنكِ زوجتي؟، هل أنتِ زوجتي بالفعل؟.
ابتسمت الأميرة، وقالت: نعم زوجتك، ولكن ليس كما تفهم، أنا زوجتك ولست زوجتك في نفس الوقت.
عامر: لا حول ولا قوة إلا بالله
سارة: اجلس، واهدأ، وسأشرح لك كل شيء
عامر: حسنًا، سأجلس ولكن، مهلًا..... أين صديقي حازم؟
سارة: هو في مكان آمن الآن، لا تقلق بشأنه
نظر عامر إليها بغضب، وقال: لن أجلس ولن أستمع إلى أي كلمة أخرى حتى أطمئن عليه
سارة: حسنًا، حسنًا، سأجعلك تطمئن عليه وستعود بمفردك لنكمل حديثنا وبعدها ستكونان معًا كيفما شئتما.
- ذهب عامر معها إلى غرفة حازم، وعندما دخل عليه وجده يجلس على حافة السرير وينظر إلى أرض الغرفة بعينين متعبتين.
عامر: حازم، اِنت كويس؟، حد عملك حاجة؟
- صرخ حازم في وجه عامر قائلا: انت ازاي كدا!!، هو فيه نيلة منيلة ممكن تتعمل تاني أكتر من اللي احنا فيه دا؟، احنا اتخطفنا ومحبوسين ومانعرفش هيحصل فينا اي؟... وكمان بيتكلموا بالفصحى، دول شكلهم مجانين يا عم، أنا لسه كنت بنادي وبزعق في الحارس لقيته بيقولي: ثكلتك أمك، أنا يتقالي ثكلتك أمك؟؟!، خالتك اتشتمت يا عامر
- ابتسم عامر ثم ذهب ووضع يده على كتف حازم، وقال: اهدى بس يا حازم واطمن، أنا وعدتك إن محدش هيقدر يعملك حاجة طول ما أنا عايش واللي عمل كدا الأميرة سارة هتعاقبه أكيد، صح؟
سارة: سمعت اسمي وأراك تنظر إليَّ، هل الحديث لي؟
عامر: أجل، حازم غاضبٌ من الحارس الذي قال له ثكلتك أمك، وأنا اطمئنه وأخبره أنك ستعاقبين مَن فعل ذلك.
سارة: بالطبع، أنت ضيفنا يا حازم ولا يرضينا إهانتك أبدًا، رغمَ أنَّ هذه الجملة لا تعتبر سبابًا، ولكني أعدك أنَّ من أزعجك سينال عقابه المناسب، سامحوني حينما لم أفهم كلامكم، هل لكنتكم هذه لكنةٌ أعجمية؟، مين أين أنتم؟.
عامر: وأنتِ أيضًا سامحينا، أنا أستطيع التحدث بالعربية الفصحى مثلكم ولكن حازم لغته الفصحى ضعيفة قليلًا، ونحن يا سيدتي من القاهرة.
سارة: القاهرة، إذًا أنتم من نفس بلدة السيد عثمان، أقصد السيد طلعت!!
- صاح عامر وحازم في صوت واحد قائلين: السيييييد طلعت!!!!!
سارة: يبدو أن الاسم أزعجكم، على كل حال، أطلب منك يا حازم أن تنتظرنا هنا وأنا سأتمشى مع عامر قليلًا، أريد أن نتحدث في بعض الأمور الهامة ثم سيعود إليك.
عامر: هرجعلك تاني يا حازم، مش عاوز أي تهور لحد ما أرجع
حازم: حاضر، بس انجز وخلصنا أنا عاوز أرجع بيتنا.
- ذهبت الأميرة برفقة عامر إلى حديقة القصر وجلسا على كرسيين متقابلين ثم بدأت حديثها قائلة:
أولًا، أود أن أعتذر منك على الطريقة التي أحضرناك بها إلى هنا، ثانيًا أعرفك بنفسي أنا الأميرة سارة زوجة القائد سراج الدين، وابنة الأمير محمد بن ميمون الأندلسي رحمهما الله.
عامر: وأين أنا الآن؟
سارة: أنت في مملكة غرناطة
عامر: الأندلس؟!!!
-نظرت إليه سارة بحزنٍ وقالت بصوتٍ تملؤه الحسرة: دعنا نقول غرناطة
عامر: أليست غرناطة جزءًا من الأندلس؟
سارة: بلى، ولكن لم نعد نملك من الأندلس سواها، والآن هي على المحك أيضًا، أرجوك ساعدني
-وقف عامر وهو ينظر إليها بغضب شديد ثم صرخ قائلًا: أرجوكِ ساعديني أنتِ، أنا سيجن جنوني مما أسمعه!!، أنتِ لا تعلمين من أنا، ولا من أين أتيت!، ولا تدركين أن هذا الكلام الذي تقولينه لا يصدقه عقل!!، عن أي غرناطة تتحدثين؟!، نحن الآن في العام الهجري 1444 وتقولين لي غرناطة والأندلس!!، كل ذلك انتهى وأصبح بين يدي الأسبان الصليبيين الآن.
سارة: اجلس يا سراج الدين واسمعني
عامر: لا تناديني بسراج الدين مرةً أخرى، أنا عامر ولا أحب سوى اسمي.
سارة: حسنًا، أنا آسفة، اهدأ واجلس يا عامر من فضلك واسمعني، للوهلة الأولى أحسست أنك شخصٌ طيبٌ، وأنا أعذرك في غضبك وعدم تصديقك لكلامي، ولكن دعني أخبرك ما أعلمه وما فهَّمني إياه السيد طلعت، ثم يكون لك الخيار بعدها.
عامر: آسف لانفعالي، أرجو المعذرة
سارة: لا بأس، أنا أعذرك كما أخبرتك.
عامر: جيد، أنا أسمعك الآن
سارة: السيد طلعت هو رجل من عالمكم كما قال لي، اكتشف كتابًا عن طريق الصدفة يؤدي إلى عالمنا إذا رسمت على إحدى ورقاته بوابةً، في البداية عندما جاء السيد طلعت إلى هنا لم يكن يعلم أين هو ولم يكن يصدق الفارق الزمني بين عالمه وعالمنا، إلى أن تشاجر مع أحد رجال غرناطة فأمسكوه الحراس وذهبوا به إلى القاضي، وعندما حكى لهم قصته وأنه من عالم آخر اتهمه الجميع بالجنون، حتى أنا عندما حكى ليَّ الحراس قصته ظننته مجنونًا، فكيف أصدق من يخبرني أنه جاء من بابٍ خلفه أناسٌ يعيشون في زمنٍ يسبق زمننا بمئات السنين؟!.
عامر: وماذا حدث بعد ذلك؟، وهل بالفعل في هذا العالم يكون كل ما تخيلته وحلمت به حقيقة؟.
سارة: نعم ولكن ليس هنا، أنت الآن في عالم الماضي، ولكن هناك عالم آخرٌ للخيال، له بابٌ آخر ولا يعرفه إلا السيد طلعت.
عامر: السيد طلعت مرة أخرى؟؟!
سارة: أجل، هو من يملك الكتاب وينتقل بين هذه العوالم كما أخبرني.
عامر: أكملي ماذا حدث بعد أن حكى لكم قصته واتهمتموه بالجنون؟.
سارة: أخلى القاضي سبيله لأنه مجنون كما يظنون، ولكن في أحد الأيام جالت قصته في خاطري ودفعني فضولي لاستدعائه فأرسلت الجنود للبحث عنه، وأنا في الحقيقة كنت أريده لغرض التسلية بأحاديثه المجنونة لأنني أحب سماع هذه القصص العجيبة، فحكى لي قصته وأخبرني أنه يذهب إلى عالمه ويعود إلينا مرة أخرى ليستكشف عالمنا.
عامر: كيف ذلك؟، نحن عندما دخلنا من البوابة لم نستطع فتحها للعودة!
سارة: لا أعلم، هذا ما أخبرني به، ولكن ربما لأنه يملك الكتاب، حتى أنه أراني شيئا صغيرًا هكذا يسمى الهاتف، وأخبرني أنكم تضغطون عليه ثم تتحدثون إلى بعضكم البعض فيه، ولكن في الحقيقة لم أصدقه، لأنه شيء لا يصدقه عقل ولا يقبله منطق، ولكنه كان بالفعل شيء غريب، وكانت تخرج منه أضواءٌ وأشكالٌ عجيبة، وقام بتصويري به وأراني صورتي وقد قام ذلك الهاتف بحفظها، وحينها تأكدت وتيقنت من أنه ساحرٌ وكل ما يفعله من أفعال الجن والشياطين، فأمرت بسجنه حتى لا يؤذي أحدًا.
عامر: سجنتيه!!، الحمد لله أنني لم أخرج هاتفي وإلا كنت معه الآن.
ضحكت سارة وقالت: لا، لا تقلق لقد أخرجته بعدها.
عامر: الهاتف، أهلي، لقد نسيت أمر أهلي، لابد أنهم قلقون جدا علينا الآن.
سارة: ألم تخبرهم أنك قادمٌ إلى هنا؟
عامر: لا، لو أخبرتهم لاتهموني بالجنون ولذهبوا بي إلى طبيبٍ نفسيٍّ، يجب أن أعود إليهم الآن، الهاتف، سأحادثهم في الهاتف...
سارة: لن يعمل هنا كهاتف السيد طلعت
عامر: إذًا أريد السيد طلعت حالا
سارة: اهدأ وسأحضر لك السيد طلعت وسأتركك اليوم تعود إلى أهلك وتطمئنهم عليك، ولكن عليك أن تستمع إلى بقية حديثي وما أريده منك.
عامر: ولكن لا تطيلي الحديث من فضلك.
سارة: أجل، لا تقلق، قبل تسعة أيام اغتال الظلٌّ أبي أمير غرناطة وزوجي سراج الدين قائد جيش غرناطة
عامر: الظلّ؟، من هذا؟
سارة: جاسوس وقاتل مأجور يعمل لصالح الأسبان، يغتال ويقتل ويسفك دماء قادة جيشنا، هو مثل الهواء لا يُرى ولا يشعر به أحد، ولم يتمكن أحدٌ من الإيقاع به حتى الآن.
عامر: لم أفهم حتى الآن ماذا تريدين مني؟، ولماذا أنا مجبرٌ على البقاء هنا حتى الآن؟.
سارة: لا، أنت لست مجبر هنا، أنت ضيفنا ويمكنك المغادرة في أي وقت، وأنا أخبرتك أنني سأساعدك للعودة إلى عالمك وطمأنة أهلك عليك، ولكن اسمحلي أن أخبرك شيئًا أخيرًا.
عامر: تفضلي
سارة: أخبرني السيد طلعت، أنَّ كل واحد من عالمنا له شبيهٌ في عالمكم، يشبهه في الخِلقَةِ والصفات
عامر: وبعد ذلك؟
سارة: أنت تشبه سراج الدين
عامر: استنتجت شيئًا، ولكن أتمنى أن يكون خاطئًا.
سارة: أريدك أن تحل محل سراج الدين، وهذا سر لا يعلمه أحدٌ إلا أنا ومستشار الأمن وكبار مساعديه الذين جاءوا بك إلى هنا.
-ضحك عامر بسخرية، وقال: هذه مزحةٌ أليس كذلك؟
سارة: لا، أنا بالطبع لا أمزح، لقد فعلنا كل ذلك وجئنا بك إلى هنا بالتعاون مع السيد طلعت، لتحل محل سراج الدين، أنا لم أعلن لأهل غرناطة اغتيال قائد جيشهم حتى الآن، لو علموا ذلك لانهار الشعب وجيش المملكة ولدخلوا الأسبان ومزقوا مملكتنا الوحيدة المتبقية.
عامر: ولكني لا أرى نفسي كفئًا لهذه المهمة، أنا مجرد إنسان عاديٍّ، لم أكن يومًا قائدًا لجيش ولا لأي شيء.
سارة: سنؤهلك ونعلمك ونمنحك كل ما تحتاج إليه.
عامر: لا، سامحيني، أنا أعتذر عن قبول هذا المنصب، ابحثوا عن غيري
- وهنا صرخت سارة في وجه عامر قائلة: تعتذر!!!، أقول لك شعبٌ مسلمٌ وبلدٌ مسلمٌ على حافة السقوط والانهيار وتقول لي أعتذر.
رد عامر على صراخها بصراخٍ وهو يقول: وأنا لا أريد أن أخبرك أنني قادمٌ من المستقبل وغرناطة هذه التي تريدين حمايتها ستسقط، سقطت غرناطة ولم تصبح الأندلس كلها ملكًا لنا، أفيقي واستيقظي من نومك، أنتم ما زلتم تعيشون في الماضي، غرناطة ستسقط، ستسقط
أكملت سارة صراخها وهي تقول: لا، غرناطة لن تسقط، ستعيش غرناطة المسلمة وستظل، وسنستعيد ما ضاع من الأندلس، الأمة لم تمت ولن تموت، الأمة ما زال فيها رجالا، حتى وإن ماتوا جميعًا ولم يبقَ في غرناطة إلا النساء، سنقاتل ونموت بشرف، أما عديمو الشرف فتبًا لهم وألف تبّ.
هدأ عامر من نبرته، وقال: سيدتي أنتِ لا تفهمينني، أنا أقصد أن الذي سيحدث....
-قاطعته سارة بقولها: الذي سيحدث لم يحدث بعد، نحن لن نستسلم لما سيحدث مهما كان، لقد مات أبي وزوجي وكثيرٌ من أهل غرناطة الشرفاء دفاعًا عن أرضهم وأعراضهم، أنا لم أكن أريدك أن تكون قائد الجيش لأنك فقط تشبه سراج الدين ولا لتمثل على الشعب أنك هو، ولكنِّي أريدك أن تدافع عن شرفك وعن شرف نساء أمتك، عن أرضك التي يطمع فيه الأسبان، أريدك عامر المسلم، وليس سراج الدين، سراج الدين مات ولكن عامر لم يمت بعد.
عامر: أريدك أن تفهمي وجهة نظري....
سارة: لقد انتهينا يا عامر، لن أسمع منك أي كلمةٍ أخرى، سأستدعي السيد طلعت ليساعدك أنت وصديقك على الرحيل،
وسامحني عندما رأيتك وظننت أنَّ سراج الدين ما زال حيَّا، ولكنِّي تيقنت الآن أنَّه قد مات، وأنَّ غرناطة قد سقطت بالفعل مع موته.
- استدعت الأميرة السيد طلعت صاحب الخمسين عامًا- وهو نفس الرجل ساعي البريد الذي أعطى عامر الجواب الأول-، وأمرت بإحضار حازم، وعندما جاء السيد طلعت كان يلبس زيًّا عسكريًّا وكأنه قائد من قادة الجيش أو ذو منصب هامٍ في الجيش
-أعطت الأميرة ظهرها لعامر ومن معه وقالت: هذا هو السيد طلعت، مساعد من مساعدي القائد سراج الدين، الآن يا سيد طلعت ساعد عامر وحازم في العودة إلى عالمهم، انتهت مهمتهم هنا، وضع شيئا على وجهك حتى لا يراك أحدٌ يا سيد عامر.
السيد طلعت: ولكن يا سيدتي...
سارة: افعل ما أمرتك به ولا تراجعني
السيد طلعت: أمرك سيدتي
- انقلب وجه عامر وملأه الحزن والغم....
-وبعد لحظات تلثم عامر وخرجوا من القصر بصحبة السيد طلعت، وطوال الطريق لم يتفوه بكلمةٍ واحدة، ولكن ظل ينظر بحزنٍ إلى وجوه الناس وإلى بيوت المدينة، وهو يفكر ويتخيل ما سيفعله الأسبان بأهل غرناطة إذا سقطت بالفعل ودخلوها،
وفي هذه الأثناء قاطعه صوت حازم:
مالك يبني فيه اي؟، من ساعة ما خرجنا وأنت قالب وشك وقربت تعيط كدا، مالك؟، مش فرحان إننا راجعين لأهلنا وبلدنا، يا عم بص الناس في البلد دي لابسين ازاي وبيتكلموا ازاي، احنا شكلنا رحنا بلد فيها بدو ولا اي، أنا مش فاهم حاجة بس مش مهم، المهم إني هرجع بيتنا.
عامر: ماشي يا حازم، اسكت بقا لحد ما نرجع البيت علشان أنا تعبان
حازم: ماشي، شكلك تعبان فعلا، مش هرخم عليك دلوقتي ولا هسألك عن حاجة لحد لما ترجع وترتاح.
عامر: سيد طلعت، هو اِنت ازاي عرفتني من بين الناس اللي في الدنيا كلها إني شبه سراج الدين كدا بكل سهولة؟، وأنا في مكان واِنت في مكان، انت حتى عمرك ما شوفتني ولا أنا شوفتك قبل كدا!!!
السيد طلعت: الكتاب
عامر: اه، اي حكاية الكتاب دا بقا؟، وازاي يعني الكتاب دلك عليا، هو بيتكلم كمان؟
السيد طلعت: الكتاب دا بيعمل حاجات كتيرة، وكل حاجة بيعملها الكتاب مشروحة في كتاب تاني، المهم أنت بمجرد ما رسمت وجهك اللي هو مطابق لوجه الأمير سراج الدين على الكتاب أخدني عند بيتك وعرفني كل حاجة عنك، وبعدها خططت مع الأميرة سارة ازاي نجيبك لهنا.
عامر: عاوز أسألك أسئلة كتيرة جدًّا ولكن تعبان أوي دلوقتي
السيد طلعت: مفيش مشكلة، يمكن نتقابل بعدين ونكمل كلامنا وتسأل براحتك
- نظر عامر إليه بحزنٍ وقاله له:
هو أنا غلطت لما رفضت طلب الأميرة يا سيد طلعت، حاسس إني عملت جريمة كبيرة في حق الناس دول كلهم، أنا مش جبان ومش خايف من الموت، مع إني عارف إن الموضوع فيه موت كدا كدا، ولكن أنا بس كنت خايف أموت وأهلي مايعرفوش عني حاجة ولا يعرفوني فين ولا كنت بعمل اي، وكمان أنا وانت عارفين يا سيد طلعت إن غرناطة هتسقط في النهاية، وأي محاولات لمنع دا هتكون كلام فاضي.
السيد طلعت: أكيد غلطان يا عامر، انت للأسف بتتكلم بنبرة استسلام وخوف، وبعدين انت مين قالك إنها هتسقط تاني في العالم دا مش يمكن نلحقها هنا وماتسقطش زي ما حصل، مش يمكن انت اللي تعيد صياغة التاريخ في العالم دا، وبعدين افرض حصل وسقطت ما انت هتبقى حاولت وماتقعدش باقي عمرك حاسس إنك كنت السبب، وأهلك شرف ليهم إن ابنهم يموت وهو بيدافع عن أرضه وأمته.
عامر: معاك حق يا سيد طلعت، أنا كان لازم أكلم الأميرة......
-وهنا قاطع صوت عامر صوت جميل لشاعر ينشد شعرًا أندلسيًّا جميلًا....
عامر: توقفا، هل تسمعان هذا الصوت، إنه قادمٌ من هذا المنزل
السيد طلعت: نعم، يبدو أنه منشدٌ ينشدُ شعرًا أو موشحًا أندلسيًا
عامر: وصوتُه حزينٌ جدًّا، دعوني أستمع له قليلا.
فَجَائِعُ الدَّهْرِ أَنْواعٌ مِنْوَعَةٌ
وَللزَّمَانِ مَسَرَّاتٌ وَأَحْزَانُ
وَلِلْحَادِثَاتِ سُلوانٌ يُسَهِّلُهَا
وَمَا لِمَا حَلَّ بِالإِسْلاَمِ سُلوانُ
دَهَى الْجَزِيرَةَ أَمْرٌ لا عَزَاءَ لَهُ
هَوَى لَهُ أُحُدٌ وَانْهَدَّ ثَهلانُ
أَصَابَها الْعَيْنُ فِي الإِسْلاَمِ فَارْتَزَأَتْ
حَتَّى خَلَتْ مِنْهُ أَقْطَارٌ وَبِلْدانُ
فَاسْأَلْ بَلَنْسِيَةَ مَا شَأْنُ مُرسِيةٍ؟
وَأَيْنَ شَاطِبَةٌ أَمْ أَيْنَ جِيَّانُ؟
وَأَيْنَ قُرْطُبَةُ دَارُ العُلُومِ فَكَمْ
مِنْ عَالِمٍ قَدْ سَمَا فِيهَا لَهُ شَانُ
وَأَيْنَ حِمْصُ وَمَا تَحْوِيهِ مِنْ نُزَهٍ
وَنَهْرُها العَذْبُ فَيَّاضٌ وَملْآنُ
قَوَاعِدُ كُنَّ أَرْكَانَ البِلَادِ فَمَا
عَسَى البَقَاءُ إذا لَمْ تُبْقَ أَرْكَانُ
تَبْكِي الحَنِيفِيَّةُ البَيْضَاءُ مِنْ أَسَفٍ
كَمَا بَكَى لِفِراقِ الإِلفِ هَيمانُ
عَلَى ديَارٍ مِنْ الإِسْلاَمِ خَالِيَةٍ
قَدْ أَقْفَرَتْ وَلَها بِالكُفْرِ عُمرانُ
حَيْثُ المَسَاجِدُ قَدْ صَارَتْ كَنَائِسَ مَا
فِيهِنَّ إِلَّا نَوَاقِيسٌ وَصُلْبَانُ
حَتَّى المَحَارِبُ تَبْكِي وَهْيَ جَامِدَةٌ
حَتَّى المَنَابِرُ تَرْثِي وَهْيَ عِيدانُ
يَا غَافِلًا وَلَهُ فِي الدَّهْرِ مَوْعِظَةٌ
إنْ كُنْتَ فِي سِنَةٍ فَالدهرُ يَقْظَانُ
حازم: عامر، انت بتبكي؟
عامر: ضاعت الأندلس والآن يريدون غرناطة، لما كنت بقرأ تاريخ الأندلس كنت ببكي، احنا ضيعنا من ايدينا منارة العلم وفردوس الإسلام في الأرض، القصيدة اللي سمعناها دي قصيدة في رثاء الأندلس وأحوال بلاد الإسلام
وهي لأبي البقاء الرُّندي، ودي كمان من القصائد اللي كنت بحب أقرأها وأقعد أبكي، بس عمري ما تخيلت إني هعيش واقعها بنفسي وهسمعها في الزمن اللي اتكتبت فيه، كل كلمة اتقالت كانت قاسية أوي على قلبي.
سيد طلعت: حاسس إنك قربت تغير رأيك
عامر: سيد طلعت، يلا بينا نرجع للأميرة سارة نقولها إني هقوم بالمهمة دي بعد ما أروح أطمن أهلي وأرجع.
سيد طلعت: الله أكبر، أيوا كدا يا بطل، يلا بينا
حازم: لحظة بس، اي اللي يلا بينا وهنرجع تاني!!، وغرناطة اي؟، وزمن اي اللي بتتكلموا عنه؟، أنا مش فاهم أي حاجة أبدًا!!!
عامر: هفهمك بعدين يا حازم كل حاجة بالتفصيل.
- عادوا إلى الأميرة واعتذر لها عامر ثم أخبرها أنه سيذهب ليطمئن أهله وسيجد حلًا ومبررًا لغيابه ثم سيعود لتولي مهمته هنا.
- فرحت الأميرة سارة جدا، وأمرت جنودها بالخروج فورًا وإعلان أن القائد سراج الدين ما زال حيًّا ولم يقتل كما أشاع الجواسيس بين الناس.
-سارة: عامر يجب أن تخرج الآن إلى الناس وأنت ترتدي ثياب القائد سراج الدين حتى لا يشك في أمرنا أحد ولا تتحدث إلى أي شخص أبدًا حتى تعود وأعلمك كل شيء عن سراج الدين، ككلامه وأسلوبه وتعامله مع غيره، اتفقنا؟
عامر: اتفقنا
- ارتدى عامر ثياب سراج الدين وارتدى حازم ثياب جندي ثم ودَّعا الأميرة وخرجا سويًّا برفقة السيد طلعت وساروا بين أهل غرناطة
- عامر: سيد طلعت، صحيح انت كنت واخدنا فين كدا أول مرة ودلوقتي برضو رايحين فين
-السيد طلعت: للبوابة اللي جيتو منها، أنا معايا المفتاح.
- وفي هذه الأثناء استوقف عامر صوتٌ يقول:
" أنا أعرف سراج الدين جيدًا...
لن يهدأ له بال حتى ينتزع رقبة الظلّ بيده، ولن يغفر لمن خان الأمير، ولا لمن تجرأ على دمه،
رائحة إعلان الحرب على الأسبان تملأ الأفق،
وأيام الظل في هذه المدينة أوشكت على النفاد.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!