اتسعت عيناي دهشة: ماذا تفعل هنا؟ أرجوك لا تخبرني أن أنّك المدير!
-اخفضي صوتك، يا شَرِسة.
صرخت: هل تسخر؟!، هل كنت تعلم أنني أعمل في هذه الشركة منذ البداية، ولم تخبرني حين التقينا؟!
رد ببساطة وهو يهز كتفيه: ربّما. أشار إلى الكرسي الّذي أمامه: تفضّلي.
-لا أريد.
-حسنًا، نعم، كنت أعلم.
أطلقت تنهيدة حارة: إذن لماذا لم تخبرني بذلك حين التقيتني بالأمس في الشارع؟ لماذا ادّعيت أنها صدفة؟
-لأنها كانت كذلك فعلًا.
صرخت باسمه مجددًا، بنبرة فقدت صبرها. "حسنًا، افصلني عن العمل. لا أريد البقاء هنا."
رفع حاجبيه: لِمَ؟
-السبب بسيط جدًّا يا إبراهيم، لا أشعر بالراحة في المكان الذي تتواجد فيه. في الواقع، أنا لا أرتاح لك أبدًا.
نظر إليّ طويلًا، ثمّ ابتسم وقال: تنطقين اسمي بشكل جميل.
تراجع بخطوات بطيئة، وجلس على الطاولة، ناظرًا إليّ بنظرة ماكرة: لن أفصلك.
ضحكت بسخرية حادّة: الأمر ليس بيدك. أنا قلت ما لدي، وعليك التنفيذ. سواء أتمّ فصلي أم لا، فلن آتي هنا مرّة أخرى.
سكت لحظة، ثمّ قال بنبرة جدّية: فكّري بأختك الصغيرة، من أين تقتنين دواءها إن لم يكن لديكِ مال كافٍ؟
أجبته بذهول: وكيف عرفت بأمرها؟
ابتسم بخبث: أخبرتني العصفورة.
-جعلتني أتأكد بأن قراري صائب، لن أعمل هنا، وداعًا، والأفضل أن تتظاهر بأنّك لا تعرفني إن صادفتني في الطريق، ولا تقترب مني أبدًا لأنّي سأكون شَرسة تمامًا كما تقول.
كنت أتحدث بانفعال بينما كان هو يبتسم، غير مبالٍ بثورتي، تمتمَ، وهو يتأمّلني بعينيه للحظات: عيناكِ السوداوان، وتلك الشامة الجميلة...كأنكِ تحملين بين ملامحكِ جمال الكون، وقد ابتُليتُ بكِ بلاء لا يُحتمل.
توقفتُ لدقائق أردت كلمة واحدة فقط تعبر عن موقفي المذهول، أجبته بعصبية: أيُّها المُتهتِّك، أيُّها العابث، ليأخذك الربّ! حسنًا؟
ضحك بصوت عالٍ، بينما كنت أرمقه بنظرات حانقة، غادرت المكتب دون أن أقول شيئًا آخر. كان الجميع يرمقنا بنظرات مندهشة، وكأنّهم سمعوا كلّ ما دار بيننا. استدرت إليهم بعصبية: على ماذا تندهشون؟ تكلموا!
لكن لم يرد أحد، بدا أنهم لم يفهموا شيئًا من الذي قلته. خرج إبراهيم بعدي، وقال بالتركيّة الصارمة: الجميع إلى العمل فورًا.
فعلوا، دون أن يجرؤ على الإعتراض. رمقته بنظرة حقد، فبادلني إياها بابتسامة هادئة. غادرتُ بخطى سريعة، وبينما كنت أنزل السلالم، أمسك بيدي."انتظري، لا تذهبي!"
نظرت إلى يده التي شدّت على يدي بقوّة. قلت له وعيناي في عينيه:"أولًا، اترك يدي."
فعل، ثمّ وقف متكئًا على خاصرته:"لماذا تحكمين على شخص لا تعرفينه بهذه القسوة؟"
-لأنّك غريب.
وقف في طريقي بعناد. "أريد التحدث إليكِ، ماتيلدا. هناك أشياء كثيرة في قلبي أريد أن أقولها."
ــوأنا لا أريد سماع شيء منك.
هز رأسه بتفهم:"ليس هناك مشكلة أن لم اتحدث الآن اتحدث غدًا."
دفعته بيدي جانبًا، وتابعت طريقي. لم أجد سيارة أجرة، فذهبت إلى المحطة وانتظرت نصف ساعة، ثمّ عدت إلى الشقة.
كنت منهارة تمامًا، تمددت على السرير أحاول استيعاب ما حدث، لكن ذهني كان مشوشًا. شعرت وكأن هناك لعبة تُدار من خلف الستار، لكن بهدوء غريب.
إبراهيم... لا أفهم هذا الرجل. غريب الأطوار، يحمل الغموض كله في عينيه، وصوته هادئ كهدوء يسبق العاصفة. شخصيته معقدة إلى حدٍّ مخيف. حاولت تهدئة نفسي، لكن بلا جدوى. كنت في صراع شرس بين القلق والتفكير المشتّت. نظرت نحو باب الغرفة، فوجدت كاردينيا واقفة تحدّق بي.
همست لها: "تعالي، لا يوجد وحوش هنا."
قبّلتها بحنان، ثم تذكرت فجأة: آه، يا الهي، نسيت كيس الأدوية في الشركة! أخبريني هل حرارتك مرتفعة؟
-لا، الحمد لله، أشعر بتحسّن.
الجرس دقّ فجأة، استغربنا... من الذي يأتي في هذا الوقت؟ عادةً لا يزورنا أحد سوى صاحب الإيجار والخالة، نظرت من خلال العين السحريّة. كل ما رأيته كان يدًا مزينة بساعة سوداء. شعرت بالريبة، تمالكت نفسي، تذكرت أنني في تركيا، هنا آمان بالتأكيد، لكن من عساه أن يكون؟ فتحت الباب بثقة، ويا ليتني لم أفعل، رأيته، للمرّة الثالثة يُفاجئني.
يرتدي ملابس رياضية بيضاء، ممسكًا بباقة ورد وعلبة شوكولاتة، وبابتسامة آسرة. صرخت بانفعال: ستجلب لي نهايتي!
ابتسم وقال: "أعوذ بالله من كلماتكِ القاسية."
تقدّمت نحوه بنبرة حادة، عيني تقدحان بالغضب:" كيف عرفت عنواني؟ ماذا تريد أن تقول؟ هذه المرّة، أقسم بربّ المسيح، لن أبقى صامتة!"
–اهدئي، يا شَرِستي.
قد جُنّ جنوني لكن لا أستطيع الصراخ، لا أريد أختي أن تراه.. "لا تستخدم صيغة الملكية في الحديث عني رجاءً!"
هزّ رأسه ببطء، حاجباه يعلوان قليلًا وكأنه يسجّل ملاحظة:حسنًا، فهمت.
–لماذا جئت؟ أجب بوضوح.
أجاب وقد انعكست في عينيه لهفة:" عيناي أرادت رؤيتك. أنا لست من قرر القدوم، بل لبيت طلبًا"
–كلامك لا يهزّني أتعلم؟، وأدرك تمامًا ما وراءه. لذا، إن لم ترحل الآن، سأتصل بالشرطة!
ابتسم ولم يكترث، وضع الذي يحمله على الأرض، ثم مدّ يده إلى جيب بنطاله، أخرج من محفظته بطاقة رسمية. ناولني إياها وهو يقول بنبرة عسكرية: معكِ الضابط إبراهيم. قولي لي من هو ذلك الكلب الذي تجرأ على إزعاج أنثى قوية تُلقب بـ"الشَرِسة"؟
–هل أعتبر هذا استهزاء؟!
ضحك قليلًا:" لماذا لا تتركين لي فرصة للكلام وأن أوضح لكِ نفسي؟"
لم أعلّق، حاولت أن أغلق الباب عليه، لكن وضع يده عمدًا، وانغلق الباب على أصابعه. شهق متألمًا، وبينما أمسَك بيده المتأذية، كنت واقفة مذهولة.
اقتربت منه مرتبكة:" آسفة، لم أقصد."
همس وهو يبتسم رغم الألم:"لكِ العذر."
شعرت بوخز ضمير. لم أستطع أن أتركه يرحل بهذه الحالة:" انتظر، سأحضر لك ثلجًا… ربّما يخفف من الألم، كاردينيا! تعالي بسرعة."
جاءت وما إن رأت إبراهيم، حتّى اتسعت عيناها بصدمة أنت؟! الضابط الذي تكاد أختي أن تكون مجنونة بسببك؟!
رمقتها بنظرة صارمة على عفويتها المزعجة، بينما هو ظلّ يبتسم وكأن كلماتها راقت له.
قلت لها: "ابقي معه وراقبيه، سأحضر له ثلجًا، الباب انغلق على يده."
أومأت دون أن تنطق، بينما ابتسم هو من فكرة "مراقبته". دخلت المطبخ، أخرجت بعض الثلج من الفريزر ووضعته في إناء، وعدت. وجدته واقفًا في مكانه. قال مازحًا:" من باب الذوق، قولي لي تفضل، ادخل، هل أبقى واقفًا هكذا؟"
-أنت تعلم لولا الحادثة لما أدخلتك؟
دخل وجلس قرب الباب وهو يقول" إلى هذه الدرجة تكرهين وجودي؟ مؤسف."
ناولته إناء الثلج، ووضع يده فيه بهدوء. لم يتكلم أحد منا. ثم وقف بعد دقائق وقال بابتسامة:"شكرًا على الجرح… وعلى العلاج أيضًا، آنسة ماتيلدا."
رددت وأنا ما زلت متوترة من قربه: "عفوًا، وأقسم باليسوع… لم يكن مقصودًا."
رفع حاجبه، مشككًا: "لِمَ تقسمين؟ من يُقسم عادةً… يكون كاذبًا."
–هل تسرق كلامي؟
-أمزح فقط.
نظرت حولي وقلتُ باستغراب: أين كاردينيا؟
قال: "كانت بجانبي حين ذهبتِ، ثمّ لحقت بكِ."
ركضت إلى المطبخ فلم أجدها. هرعت إلى غرفتنا، وإذا بها ممدّدة على الأرض، بجانب السرير، وكوب ماء مكسور بجوار يدها. صرخت باسمها، ركض إبراهيم وهو يسألني "ما الذي حدث؟!"
جلست قربها، وضعت رأسها في حضني، أضرب وجهها بخفة وأنا أتمتم: "حبيبتي كاردينيا، أفيقي، افتحي عينيكِ الجميلتين، هيا، فداكِ قلبي!"
كأنها حمامة ساكنة بين يدي، بلا حراك، لا يد تتحرك ولا ساق. تمسّكت بالأمل، تماسكت رغم الألم، ونهضت أحاول حملها.
قال إبراهيم: " لا يمكنكِ حملها، سأفعل أنا. اتصلي بالإسعاف."
–لا، لا داعي. سأأخذها للمشفى بنفسي.
–لا تكوني عنيدة. قد تتأخرين، وقد يكون الأمر خطيرًا. لا سيارة لديك، ولا توجد بسهولة سيارات الأجرة في هذا الوقت.
–حسنًا، فقط هذه المرّة. لن أطلب مساعدتك مجددًا.
–سنتناقش لاحقًا. الآن، أختكِ أولى، يجب أن نعرف سبب فقدانها للوعي.
اقترب مني، حملها بين ذراعيه، فيما أنا أسرعت لألتقط هاتفي والمفتاح، وأغلقت باب الشقة خلفي.
نزلنا بسرعة، أشار إلى سيارته:
– أمامكِ، افتحيها بسرعة.
ركضت إليها، الباب كان مقفولًا. وصل خلفي وهو يحمل كاردينيا.
– المفتاح في جيب قميصي، أخرجيه.
ترددت لحظة، ثم اقتربت، أزحت شعر أختي قليلًا، وأخرجت المفتاح بيد مرتجفة… لم أكن يومًا بهذا القرب منه.
فتحت الباب، صعدت وهي على حجري. أغلق الباب، وصعد خلف المقود، وانطلق.
بينما يقود، نظر إلي عبر المرآة:
– هناك عطر في الدرج. ناوليني إياه، لعلّه يساعدها.
أخرجته، قرّبته من أنفها، لكنها لم تستجب. شعرت بنار تحترق في صدري، خوفي عليها يفوق الوصف.
مسحت شعرها، وخاطبتها بقلق:
– كاردينيا، افتحي عيونچ، فدوة تره اختج تندفن وياچ إذا صار بيچ شي.
– إبراهيم، أسرع! أرجوك.
– لا أستطيع تجاوز السرعة، القانون لا يسمح.
– حاول.
– إن شاء الله.
– أرجوك اختر أقرب مشفى… ويفضل أن لا يكون معروفًا.
– تمام.
قضينا قرابة عشرين دقيقة حتى وصلنا. نُقلت على السدية، ودخلت غرفة الفحص.
خرج الطبيب بعد دقائق، هممت بسؤاله، لكن إبراهيم سبقني وقال:
– دكتور، دعيني أشرح لها الأمر. اذهبي أنتِ لرؤية أختك.
هززت رأسي موافِقة، فقلبي كان معلقًا بأختي، لم أرغب سوى في رؤيتها. لم أتردد، سارعت بالدخول إلى الغرفة.
اقتربت منها، طبعت قبلة دافئة على جبينها وهمست بحنان:
— "يا روح روحي، لا شيء بكِ سوى العافية إن شاء الله... خفت عليكِ، ظننت أنني سأفقدكِ وتتركينني وحيدة."
أمسكت بيدها المرتجفة، همست من جديد:
— "لا تتركيني وحدي... أنا عمري كله بجانبك."
ضغطت على يدها برفق وكأنني أستمد منها الطمأنينة.
في تلك اللحظة، دخل إبراهيم ووقف عند الباب يتأملني بصمت. أشار إليّ بيده يدعوني للخروج. أجبته بعيني: "لا أستطيع". فأعاد النظر إليّ مؤكدًا: "فقط لدقيقة." هززت رأسي بالإيجاب.
— "كاردينيا، سأذهب إلى الحمام وأعود، موافقة؟"
أجابتني بصوت خافت:
— "لا تتأخري."
— "أبدًا."
غادرت الغرفة، أمسك إبراهيم بيدي وسرنا معًا حتى توقفنا جانبًا. نظرت إليه متسائلة، حاجبي مرفوعان في انتظار الجواب، بينما هو ظل صامتًا.
— "هيا، تكلم... ما الأمر؟"
أخفض رأسه قليلًا وقال:
— "الطبيب قال إن كاردينيا تعاني من مرض في القلب."
تجمدت في مكاني، مصدومة من وقع كلماته.
— "لكن لا تقلقي... المرض بسيط، ليس خطيرًا."
— "ماذا تقول؟ كيف أُصيبت؟! أختي سليمة، أعرفها... لم تكن تعاني من أي شيء! كيف يمكن أن تمرض فجأة؟!"
— "اهدئي، دعيني أشرح لك."
— "قل لي... ما الذي قاله الطبيب بالضبط؟"
— "قال إنها مصابة بما يُسمى الرجفان الأذيني."
شعرت بألم يخترق صدري، فتمتمت بألم:
— "يا ويلي عليها... كنت أتمنى أن يصيبني أنا بدلاً منها. هي لا تتحمل شيئًا... كانت كالوردة، كيف تمرض فجأة هكذا؟!"
ردّ إبراهيم بصوت مكسور:
— "لا تلوميها... هذا بسبب الصدمة التي تعرّضت لها بعد وفاة عائلتها. هل نسيتِ ما حدث؟ الجريمة وكل تلك التفاصيل؟"
زفرت بقوة وقلت:
— "ليس هذا موضوعنا الآن... أريد أن أفهم، ما هو الرجفان الأذيني؟ وماذا قال الطبيب بالتحديد؟"
— "حسنًا، اجلسي أولًا... يدكِ ترتجف."
هززت رأسي موافقة، وجلست على أحد الكراسي. نهض إبراهيم وجلب كوبين من الماء، تناولت واحدًا منهما، فقد كنت عطشى من كثرة الحديث. جلس إلى جانبي، تاركًا مسافة صغيرة بيننا.
— "كيف تشعرين الآن؟ هل أنتِ بخير؟"
— "نعم، الحمد لله... تحدث من فضلك."
قال بصوت جاد:
— "الرجفان الأذيني هو اضطراب في نظم القلب، حيث ينبض بشكل سريع وغير منتظم. هذا يزيد من خطر الإصابة بسكتة دماغية أو فشل قلبي أو مضاعفات أخرى خطيرة."
— "أعوذ بالله... عمرها فدا عمري!"
— "نعم، الرجفان الأذيني حالة طبية تستدعي التدخل الفوري والعلاج المستمر."
شهقت بحدة:
— "لكنك قلت إنه بسيط!"
— "خفت أن تكون ردة فعلك أقوى إن أخبرتك فورًا، لذلك حاولت تهدئتك أولًا."
— "كنت خائفًا عليّ؟!"
ابتسم بهدوء وقال:
— "هل أُكمل؟"
— "طبعًا، تابع..."
— "الأعراض تشمل ضيقًا في التنفس، شعورًا بالتعب، دوارًا، ألمًا في الصدر... هل تتذكرين شيئًا منها؟"
— "نعم! كانت دائمًا تشكو من ضيق التنفس، كانت تقول إن قلبها يؤلمها، وأنها لا تتنفس جيدًا، أو تشعر بالدوار. لكنني كنت أظن أنها مصابة بالبرد أو أن الجو قد تغيّر عليها... أو ربما إنفلونزا."
— "بإذن الله، ستكون بخير."
— "آمين... وماذا قال الطبيب أيضًا؟"
— "وصف لها أدوية اشتريتها فورًا، وأكد ضرورة العناية بها جيدًا. لا يجوز أن تتعرض لأي توتر أو غضب."
— "كانت متوترة جدًا في الأيام الماضية."
— "هذا التوتر قد يؤدي إلى تدهور حالتها، فاحذري."
— "هي عيناي الاثنتان، والله!"
— "أعلم... لكن وجب التنبيه."
— "شكرًا لك... لقد أتعبتك اليوم."
ابتسم قائلاً:
— "عفوًا... تعبك راحة بالنسبة لي."
— "هل يمكنني إخراجها؟"
— "حسب الطبيب، يجب أن تبقى حتى المساء، ثم يمكنك أخذها على مسؤوليتك."
— "بالطبع... لن أبقى أكثر، سأنتظر المساء."
— "سأنتظر معكِ."
— "أحقًا تنوي البقاء؟"
أجاب مبتسمًا:
— "معكِ."
سكتُّ، رافعة حاجبي، فابتسم أكثر وقال:
— "لن أذهب، لا تحاولي. سأعيدكِ إلى الشقة ثم أذهب."
— "كما تشاء... لستَ مُجبَرًا."
— "لكنني أريد."
مرت الساعات، نظرت إلى الساعة فكانت تشير إلى السادسة مساءً.
كان إبراهيم جالسًا بجانبي، لم يتركني لحظة، وكاردينيا مستلقية نائمة بسلام.
خرجت من الغرفة، توجهت إلى الحمام، غسلت وجهي، ثم توضأت. سألت عن غرفة الصلاة، فجاءت إحدى الموظفات وأشارت لي إليها، شكرتها ثم دخلت وأغلقت الباب خلفي.
في السادسة مساءً، نشكر الرب الذي منحنا الليل سكنًا وراحة من عناء النهار.
بدأت الصلاة، أرتل المزامير في سكون، أرفع ندائي إلى الله، راجيةً الشفاء لقلب أختي... وروحي.
"مَا أَحْلَى مَسَاكِنَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ! تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ. قَلْبِي وَلَحْمِي يَهْتِفَانِ بِالإِلهِ الْحَيِّ. الْعُصْفُورُ أَيْضًا وَجَدَ بَيْتًا، وَالسُّنُونَةُ عُشًّا لِنَفْسِهَا حَيْثُ تَضَعُ أَفْرَاخَهَا، مَذَابِحَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ، مَلِكِي وَإِلهِي. طُوبَى لِلسَّاكِنِينَ فِي بَيْتِكَ، أَبَدًا يُسَبِّحُونَكَ. سِلاَهْ. طُوبَى لأُنَاسٍ عِزُّهُمْ بِكَ. طُرُقُ بَيْتِكَ فِي قُلُوبِهِمْ. عَابِرِينَ فِي وَادِي الْبُكَاءِ، يُصَيِّرُونَهُ يَنْبُوعًا. أَيْضًا بِبَرَكَاتٍ يُغَطُّونَ مُورَةَ. يَذْهَبُونَ مِنْ قُوَّةٍ إِلَى قُوَّةٍ. يُرَوْنَ قُدَّامَ اللهِ فِي صِهْيَوْنَ. يَا رَبُّ إِلهَ الْجُنُودِ، اسْمَعْ صَلاَتِي، وَاصْغَ يَا إِلهَ يَعْقُوبَ. سِلاَهْ. يَا مِجَنَّنَا انْظُرْ يَا اَللهُ، وَالْتَفِتْ إِلَى وَجْهِ مَسِيحِكَ. لأَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا فِي دِيَارِكَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ.
اخْتَرْتُ الْوُقُوفَ عَلَى الْعَتَبَةِ فِي بَيْتِ إِلهِي عَلَى السَّكَنِ فِي خِيَامِ الأَشْرَارِ. لأَنَّ الرَّبَّ، اللهَ، شَمْسٌ وَمِجَنٌّ. الرَّبُّ يُعْطِي رَحْمَةً وَمَجْدًا. لاَ يَمْنَعُ خَيْرًا عَنِ السَّالِكِينَ بِالْكَمَالِ. يَا رَبَّ الْجُنُودِ، طُوبَى لِلإِنْسَانِ الْمُتَّكِلِ عَلَيْكَ"[21].
"أَسَاسُهُ فِي الْجِبَالِ الْمُقَدَّسَةِ. الرَّبُّ أَحَبَّ أَبْوَابَ صِهْيَوْنَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَسَاكِنِ يَعْقُوبَ. قَدْ قِيلَ بِكِ أَمْجَادٌ يَا مَدِينَةَ اللهِ: سِلاَهْ"[22]. ويدعون قائلين: "لأَسْكُنَنَّ فِي مَسْكَنِكَ إِلَى الدُّهُورِ. أَحْتَمِي بِسِتْرِ جَنَاحَيْكَ. سِلاَهْ"[23].
أنهيت صلواتي، أغمضت عيني برهة، وضعت كفّي فوق كفّي ورفعت الدعاء بحرارة من أعماقي.
— "يا مريم العذراء، أرجوكِ سانديني... لم أعد أملك القوة. كاردينيا، شقيقتي، إن ساءت حالها، ستنهار قواي كلها... وهي تستمد مني الصبر والقوة، فكيف أضعف أمامها؟ أرجوكِ، الطفِي بها، وامسحي عنها الألم."
هدأت روحي بعد الدعاء، أمسكت بصليبي بقوة، وعدت أدراجي إلى غرفة كاردينيا. كان إبراهيم هناك، نائمًا على الكرسي، ذراعاه متشابكتان وصدره يعلو ويهبط بهدوء. لم أتمالك نفسي، ضحكت خلسة على منظره، وتذكرت عناده عندما رفض الذهاب... مشكلته أنه لا يعرف التراجع.
جلست أنتظر اقتراب الساعة السابعة، لأصطحب كاردينيا وأعود إلى الشقة. وما إن جلست حتى دوّى صوت الجهاز فجأة. فزع إبراهيم مذعورًا وهو يصيح:
— "هجوم؟! أين سلاحي؟!"
ضحكت، ضحكة خرجت من القلب، ربما للمرة الأولى منذ وفاة عائلتي وسفري... ضحكة حقيقية، بريئة، أخرجتها ردة فعله الطريفة.
— "أنت في المستشفى، حضرة الضابط إبراهيم، لا في المركز."
فتح عينيه وحدق بي، ثم ضحك وقال:
— "يلعن إبليسك!"
— "صح النوم."
— "صح بدنك، ودامت ضحكتك."
— "شكرًا."
— "ضحكتك... تمزّق قلبي من شدّة جمالها."
— "عفوًا؟ ألستَ تتجاوز حدودك الآن؟ أم أنني مخطئة؟"
ابتسم بخبث:
— "أنتِ المخطئة."
هممت بالرد، لكن الطبيب دخل، فاضطررنا إلى الصمت. إبراهيم حاول كتم ضحكته، بينما كنت أرمقه بنظرات حادة.
مرّت ساعة، استيقظت كاردينيا، ساعدتها على النهوض، ثم خرجنا من الغرفة. وقبل أن أخطو خارج الباب، وجدته واقفًا في وجهي.
-إلى أين؟
-إلى الشقة طبعًا.
-إذن، فلنذهب.
-نذهب؟ لا تقل لي أنك تنوي إرجاعي أنت أيضًا؟
-بالتأكيد. أتركك تخرجين في هذا الوقت، مع أختك المريضة؟! هل فقدتِ صوابك؟
-ومن أنتَ، مع احترامي، لتتصرف وكأنك مسؤول عني؟ هل أنا بهذه الأهمية؟
-أكثر مما تتصورين.
-إبراهيم!
-نعم، هيا، تأخرنا.
وقفت في مكاني، مترددة. فقال وهو يبتسم بنصف جدية:
-أعدك، هذه المرّة الأخيرة التي أوصلكِ فيها، فقط لأن الوقت متأخر ولأن أختكِ مريضة... أقسم بذلك.
-حقًا؟
ضحك:
-لماذا أنتِ دائمًا متسرّعة في إصدار الأحكام؟
-خصوصًا معك أنت.
-هيا بنا، هيا.
أكملت إجراءات الخروج ووقّعت على الأوراق، ثم هو تولّى دفع التكاليف. لم أعترض، كنت متوترة، قلقة على كاردينيا التي كانت مستلقية على الأرض في لحظة غياب عن الواقع. نسيت أن أحمل نقودًا معي، لكنني قررت أن أعوّضه حين نعود إلى الشقة.
ركبنا السيارة، وعندما وصلنا، فتحت باب الشقة، دخلت كاردينيا إلى الداخل، بينما بقي هو واقفًا عند الباب، يبتسم.
نظرت إليه بتساؤل فقال:
-الوردة التي وضعتها عند الباب لم تدخل... لم يحالفها الحظ، فذبلت. وعلبة الشوكولاتة... لا داعي لذكرها. حظي سيئ كما ترين."
رمقتُ الوردة الذابلة وابتسمت:
-لم يكن مقدّرًا لها.
-ربّما.
-قبل أن تذهب، انتظر لحظة.
-بالطبع، ولكن من باب الذوق، ألا تسمحين لي بالدخول؟
-بالطبع لا، الدخول ممنوع.
ضحك:
-كنت أمازحك. حسنًا، سأنتظر هنا.
أغلقت الباب، توجهت إلى الغرفة، وجدت كاردينيا قد نامت فورًا، حتى دون أن تغيّر ملابسها. فتحت خزانتي، أخذت منها مبلغًا مناسبًا وعدت إلى الباب. فتحته، فوجدته واقفًا، متكئًا على الحائط، إحدى يديه في جيبه، والأخرى على ذقنه. يبتسم.
-دامت ابتسامتك.
تأملني، ثمّ عدّل وقفته وقال:
-آمين.
اقتربت منه، وضعت المبلغ في يده:
-هذا ثمن الأدوية وتكاليف المستشفى.
ضحك وهو يأخذ المال:
-كنت أعلم أنك ستأتين. توقعت أن تفتحي الباب، تمدّي يدك، وتقولين: تفضل، هاك!
ضحكت:
-لأنك تعلم أنني لا أحب أن يدفع أحد عني.
-ولهذا سأخذها. لأنكِ إن لم تعطيني المال، ربما ستتصلين بالشرطة... وتقولين: رفض أخذ أمواله!"
ضحكنا معًا، ثمّ ساد بيننا لحظة صمت قصيرة.
همست له:
-شكرًا.
-على ماذا؟
-لا أعلم... لكن وقوفك إلى جانبي اليوم يكفي لأقول لك شكرًا.
أجاب بنبرة دافئة:
-لا، بل أنا من يشكركِ.
-لماذا؟
-لأنني أنهيت يومي وأنا أنظر في عينيكِ.
__
نمارق رحيم✍️🏻
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!