الفصل 6 | من 44 فصل

رواية شخوص متداخلة الفصل السادس 6 - بقلم .

المشاهدات
18
كلمة
4,556
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

سَكَتُّ، وبادلته النظرة... شعرتُ حينها بصدق كلماته. لا أعرف ما الذي أصابني في تلك اللّحظة، أحسستُ بشعورٍ غريب، غريب جدًّا.

تفاجأتُ من نفسي... لماذا التزمتُ الصمت؟ لماذا تركته يتحدث بحريّة؟ لماذا منحته الفرصة ولم أقاطعه؟

همس مبتسمًا وهو يحدّق في عينيّ بتركيزٍ حاد: ماتيلدا، أنتِ مُميزة. أحببتُ قوتكِ وشخصيتكِ. للمرّة الأوّلى أرى امرأة بهذا القدر من الصلابة، حتّى الموت لا يهزّك! هذا يعجبني، اعتبريه مديحًا... أو ربّما جرأة زائدة مني.

سكتُّ.

-أأعتبر صمتكِ علامة رضا وقبول؟

-لا، فقط أريد أن أرى إلى أين تريد الوصول؟

ابتسم، وصمت. ظلّ يحدّق بجرأةٍ لافتة ثمّ تقدّم نحوي قائلًا: هل ستباشرين العمل في الشركة؟
-لا.
-لماذا؟
-لقد أخبرتك بالسبب، لا تخدع نفسك.
-لأنّك لا تطمئنين في وجودي؟
-أجل.
-لستُ شيطانًا، كيف أقنعكِ أن نيتي معكِ ليست سيئة؟
-لا تحاول إقناعي، لا حاجة لذلك.
-كما تشائين... لكن ألم تفكّري بأمر أختكِ وعلاجها؟
-سأتدبّر أمر العمل.
-لا توجد وظائف بهذه السهولة في تركيا.
-الرب موجود.
سكت لحظات، ثمّ سأل:
-لا مجال إذن؟
-أبدًا.
-كما تشائين، لن أتوسل إليكِ.
حدّقت في وجهه، لم أتمالك نفسي من الضحك على كلماته...
-على ماذا تضحكين؟
تمالكتُ نفسي بصعوبة، وقلتُ:
-عليك.
-حقًا؟!
أقترب أكثر، ثمّ دفعني إلى الحائط، ويداي أصبحتا على صدره...
-ماذا فعلت؟! ابتعد!
-لم أفعل شيئًا... فقط أردت إسكاتكِ. ضحكتكِ مسموعة، وإن خرج أحد وسمعكِ، ماذا سيقول عنك؟. دفعته بقوّة من صدره وصفعته، قلتُ بإنفعال: إن كنتَ مهتمًّا بسمعتي لهذه الدرجة، أبتعد عني، حضرة الضابط إبراهيم. ومن الأفضل ألا أراك مجددًا!
-هكذا إذن؟
-نعم، وإن لم تذهب للأبد فسأتصل بالشرطة.
-تمام، ذاهب... تصبحين على خير. اعتني بنفسكِ وبصحة أختكِ، وإن احتجتِ شيئًا، فأنا موجود دائمًا في الشركة.

لم أُجِب. دخلتُ الشقة وأغلقتُ الباب، قلبي كان على وشك أن ينفجر. الحوار معه مستفزّ جدًّا، جعلني أتوتر بشدّة، كان شعورٌ غريب. تمددتُ على الأريكة. لم يأتِني النوم، ولا غفَت عيناي. قضيتُ اللّيل بأكمله أفكر فيه. لم أقتنع أن نيّته طيبة. تكرار الصدف جعله يبدو كاذبًا ومخادعًا. لكنه كان متواجدًا اليوم، لم يتركني لحظة، ظلّ بجانبي في المستشفى، وأشترى الدواء. كلامه قبل أن يغادر جعلني أفكر فيه بطريقة مختلفة... ربّما... ربّما يكون صادقًا؟
شعرتُ بتناقض في مشاعري وتفكيري.
عقلي يقول لي: "لا تثقي به."
وقلبي يقول: "إبراهيم يحبك أو معجب فعلًا!"

صمتُّ... تركتُ التفكير، لأنني إن استمريت على هذا الحال، فسأُجن بسببه. وفي النهاية، مرجعي دائمًا هو عقلي. من جهة، هو لم يعترف ولم يُلِحّ على حبّه، بل قال إنّ نيّته معي ليست سيئة. ومن جهة أخرى، يتغزّل بي بكل جرأة! لم أشعر بالوقت، حتّى أصبحت الساعة الرابعة فجرًا.. تفكيري كان متشعبًا جدًا. أخيرًا سلّمت أمري لله، وأغمضتُ عينيّ...

                    *******

في صباح اليوم التالي، استيقظتُ على لمسات كاردينيا على شعري، وهمساتها الحنونة:"استيقظي، يا زهرتي"

-صباح الورد، يا روحي. كيف أصبحتِ؟"
قالت كاردينيا بابتسامة:
-أنا بخير، الحمدُ للرب. أشعر بتحسن منذ أن أخذت العلاج... وأنتِ؟
أجبتها باستغراب:
-ولِمَ هذا السؤال؟
-أعلم أنكِ لم تنامي حتّى الفجر.
-عادي، وما المشكلة؟
-المشكلة في قلبكِ.
-ماذا؟!
-أعرف أنكِ كنتِ تفكرين بالضابط (صاحب النجوم)، وأنّكِ بدأتِ تميلين إليه وتحبينه على ما أعتقد!
-لا يوجد شيء من هذا القبيل يا أختي! هل جننتِ؟ أن أحب هذا الضابط الفضولي المستفز؟ بالطبع لا، دون شك.
-لا تكذبي، كلّ شيء واضح في عينيكِ.
-هل رأيتِ حلمًا بي وأنا متزوجة من إبراهيم؟
ضحكتُ:
-بعيدًا عن المزح، فقط أريد أن أسألك سؤالًا.
-اسألي، يا ست كاردينيا!
-هل تحبينه فعلًا؟ بحق السيدة العذراء؟
-لماذا تريدين تعكير مزاجي منذ الصباح؟ قلتُ لكِ لا! ألا تفهمين؟! قلبي لا ينبض له، وإن نبض، في تلك اللّحظة سأخبركِ فورًا، لا تقلقي!
-سنرى...
-أرجوكِ غادري وجهي!
ضحكت وغادرت...

فتحتُ الثلاجة... كانت فارغة، لا شيء سوى الحليب. أخذتُ محفظتي وأنا أرتب شعري قلتُ لها: "أغلقي الشقّة، سأعود خلال نصف ساعة." أومأت برأسها.

الجو كان دافئًا ذهبتُ إلى السوبر ماركت القريب من العمارة، اشتريتُ بيضًا، أجبانًا، وبعض الحلويات لها. ثم توقفت عند بائع الكعك يصنع كعكًا شهيًا جدًّا، خاصّة في الصباح. وبجانبه شخص يبيع القهوة. شربتُ كوبًا، ثمّ عدتُ إلى المسكن. حضّرتُ الفطور رغم أنني لم أكن جائعة بعد كوب القهوة، لكن فقط لأجل كاردينيا الغاليّة، جلستُ بجانبها، لأنها لا تحب أن تأكل بمفردها.

حضّرت لها لفائف الطعام، وأطعمتُها بيدي، وسقيتُها الحليب. وحين انتهت، أعطيتُها حبتها الدوائية. تحدثتُ معها عن مرضها، لكنني لم أخبرها بخطورته، حتى لا تخاف.
قلتُ لها إن الأمر بسيط، وكثيرون يمرضون ويتعالجون ويشفون. اطمأنت لكلامي، وسكتت. ولم تفتح الموضوع مجددًا.

اقترحتُ عليها قائلة:
-ما رأيكِ أن تقضي بعض الوقت أمام التلفاز أو تأخذي قيلولة؟ وفي العصر نخرج لنُغيّر الأجواء قليلًا، أعلم أنّكِ ترغبين بالخروج، لكنّكِ لا تُصرّحين، وأنا أعترف، الشهران الماضيان كنتُ مشغولة ولم أخصّص لكِ الوقت الذي تستحقينه... ولكِ الحق عليّ.

فرحت كاردينيا كثيرًا بكلامي، ومنذ تلك اللحظة صارت تترقّب العصر بشوق، تسألني مرارًا: متى سنخرج؟
وكنت أبتسم من سعادتها، كأن ابتسامتها كانت تُكافئني عن كل انشغالاتي.

بعد الظهر، أديتُ الصلاة، ثم حضرتُ الغداء.
جلستُ بعدها في الصالة، وأخذتُ هاتفي واتصلتُ بـ دانيال.

رنّ الهاتف، ثم أجاب بسرعة:

- "عجيب! رديتَ بسرعة اليوم، عادةً ما تترك قلبي يرتجف قبل أن ترد!"

ضحك وقال:
- "كنتُ على وشك الاتصال بكِ، للاطمئنان... لكنكِ سبقتني."

- "القلوب عند بعضها، أليس كذلك؟"

- "بالتأكيد."

- "كيف حالك؟"

- "الحمد لله، أشتاق إليكِ والرب شاهد."

- "وأنا أكثر، لكنك تعرف الظروف... ليس بيدي، ولا قلبي طاوعني على ترك العراق. لكنك تعرف السبب، ولا داعي للتكرار."

- "نعم، أعلم. الله كريم... وأنتِ كيف حالكِ؟"

- "حياتي تسير بين الشقة والشركة. لكن حصل أمر لم أكن أتوقعه، وقلب الموازين كلها."

- "ما الذي حدث؟! أرجوكِ لا تُخيفيني!"

- "تتذكر الضابط إبراهيم الذي أخبرتك عنه؟ الرجل الذي ساعدني يوم احترق البيت..."

- "نعم، ما به؟"

- "يسكن هنا، في تركيا، وفي ذات الحي!"

- "حقًا؟ ربما صدفة."

- "ربما... لكن الأمر الأعجب أنه مدير الشركة التي أعمل بها!"

- "لحظة! كيف يكون ضابطًا ومدير شركة؟"

ضحكتُ:
- "لا شيء يصعب عليه."

- "هل ترتاحين له؟ إن لم تكوني مرتاحة، سأبحث لكِ عن حل حتى لو اضطررتِ للانتقال من المنطقة."

- "وماذا أفعل بعدها؟ أظل أبحث عن سكن أنام فيه؟ أنا لا يهمني، لكن أختي؟ ومرضها؟ لا أستطيع أن أرهقها أكثر... سأبقى في الشقة وأتجاهل الضابط. وإذا تجاوز الحدود، سأعرف كيف أتصرف."

- "لحظة! كاردينيا... ما بها؟ ما مرضها؟ ماذا يحدث؟!"

فأخبرته بكل شيء.

صمت قليلًا، ثم قال بنبرة مُتحيّرة:
- "صراحةً، لم أقتنع! كانت مثل الوردة، في كامل صحتها... أعلم أن ما مررتن به ليس سهلًا، لكنه لا يُفسّر ما حصل لها. كيف أُصيبت بمشكلة في القلب بين ليلة وضحاها؟"

- "أنا تأكدت بنفسي، رأيت التحاليل والتقارير. لكنني مؤمنة أن الله أرحم وألطف. إن شاء الله تتعافى ولا يصيبها أذى."

تنهد وقال:
- "إن شاء الله."

- "أريدك أن تجد لي عملًا."

- "لماذا؟"

- "لأن إبراهيم هو المدير، وقد أخبرته أنني لن أعود إلى الشركة. طلبت منه أن يفصلني."

- "اتخذتِ القرار دون تفكير! في وضعك الحالي، أين ستجدين عملًا بسهولة؟"

- "سأتدبّر أمري، لا شيء مستحيل."

- "سأبحث لكِ، وآمل أن أجد وظيفة مناسبة... ادعي لي، لأني لست مطمئنًا."

- "الله كريم... خذ راحتك."

- "الله معكِ، اعتني بنفسكِ، وقبّلي كاردينيا عني."

- "سأفعل... في عينيّ."

أغلقتُ الخط، وانتظرت حتى الساعة الخامسة، ثم استعددنا للخروج.

رغم أنني أردتُ أن نمشي، لأن الأجواء كانت دافئة ومنعشة، فضّلت أن أستأجر سيارة أجرة لأجل كاردينيا، خشية أن تُرهقها المسافة.

ذهبنا إلى منتزهٍ عائلي، واستمتعنا بوقتنا هناك. قضينا ساعتين من المرح، ثم دخلنا مطعمًا قريبًا. طلبتُ لفّتَي كباب وبعض العصائر بدلًا من المشروبات الغازية، لأنها لا تناسب حالتها.

جلسنا على رصيف الشارع العام، نأكل ونضحك. كنا نراقب الناس، والأضواء حين بدأت تنير المكان زادت المشهد جمالًا.

حين انتهينا، بدأتُ أمشي ممسكة بيدها، منحتها حرّيتها الكاملة، لتفعل ما تشاء، فقط لأجل حالتها النفسية.

وحين اقتربت الساعة من التاسعة، استأجرتُ سيارة وطلبت من السائق ـ بالتركية التي بدأت أتعلمها مؤخرًا ـ أن يوصلني إلى أقرب كنيسة. رغم بُعد المكان، أصريت على الذهاب.

حين وصلنا، كانت الساعة تقترب من العاشرة. دخلنا، فذهبت كاردينيا لتُصلي وجلست بعدها تنتظرني في المقاعد الخلفية.

أشعلتُ شمعة لأجلها. كان الأب حاضرًا، فاقتربت منه وأخبرته بحالة أختي، فابتسم، ووقف إلى جواري، وبدأ يدعو لها:

> "أيّها الرب الطبيب الأعظم، إليك نأتي بكل ثقة وتواضع، واثقين بعظمة رحمتك وحنانك، خصوصًا نحو المرضى والمتألمين.
نضع بين يديك المريضة كاردينيا، راجين من جلالك أن تلمسها بيدك الحانية لمسة شفاء.
فقد قلتَ: تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم.
فارحم، يا رب، ابنتك، وامنحها الشفاء التام، وأعدها إلى عائلتها سالمة من كل وجع وضيق.
نشكرك على نعمك ومحبّتك، ونطلب أن تتحقق مشيئتك بما فيه خيرٌ للمريضة وأهلها، فأنت إله الخير، وكل ما يخرج منك صالح.
فأنتَ في التعب راحة، وفي الحزن عزاء، وفي المرض شفاء... عليك اتكالنا، وفيك رجاؤنا.
ومنك نطلب، بشفاعة أمّنا السيدة العذراء، التي لا تُخيّب رجاء من يطلب شفاعتها...
فاستجب، يا رب.
آمين."

ابتسمتُ بتأثر عندما انتهى من الدعاء، وشكرته قائلة:
- "شكرًا، أبي."

بقينا هناك نصف ساعة إضافية، ثم خرجنا.

عدنا إلى الشقة قرابة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل.
نامت كاردينيا، بينما جلستُ أتصفح هاتفي، واشتقت إلى لورين... اتصلتُ بها فورًا.

أجابت بصوت عتب:
- "شهران وأنا قلقة عليكِ! لم تتصلي، ولم أملك رقمك الجديد!"

- "أعلم، أنا آسفة جدًا، نسيت... وانشغلت كثيرًا في عملي. حتى دانيال، أكلمه مرة في الأسبوع لخمس دقائق بالكاد!"

- "لا بأس... حصل خير. كيف حالكِ؟ هل استقرّت حياتكِ الجديدة؟ والله أشتاق إليكِ كثيرًا!"

- "يا عمري، أنا أشتاق أكثر! وكل شيء بخير... الحياة تمضي."

أنهَيتُ المكالمة مع لورين بعد حديثٍ طويل.

وفي صباح اليوم التالي، اتصل بي دانيال وأخبرني أنه لا يزال يبحث لي عن عمل، ويطّلع على الإعلانات بشكلٍ يومي.

مرّ أسبوع كامل دون أن أعثر على وظيفة مناسبة. بدأت أفقد الأمل تدريجيًا.

وذات يوم، حين شعرتُ بالضيق، قررت زيارة جارتنا السورية "أم صلاح". جلستُ بجانبها، فدعتنا على العشاء وقالت إنها تشعر بالوحدة وتحبّ أن تتونس بنا. ناديتُ على كاردينيا، فجلست معنا. بقينا هناك حتى وقتٍ متأخر، نتناول الطعام ونتبادل الأحاديث... كانت "أم صلاح" صاحبة حديثٍ لطيف يُنسي الهموم.

في لحظة هدوء، أخبرتها أنني أبحث عن عمل، فقالت إن محلًا جديدًا لملابس الأطفال قد فُتح مؤخرًا في آخر الشارع، ويبحث صاحبه عن عاملة... لم تتردّد في اقتراحه عليّ.

أعجبتني الفكرة ولم أرفضها. أعطتني اسم المحل، لكنني قررت أن أُحادث دانيال أولًا لأعرف رأيه.

سهرنا عندها حتى الفجر، ثم عدنا إلى الشقة.

وفي الصباح، اتصلتُ بدانيال وأخبرته. أجاب بحماسة:

- "إذًا، ما الذي تنتظرينه؟ اذهبي فورًا! الحمد لله، أخيرًا وُجد العمل."

أخبرتُ كاردينيا بالأمر، ثم خرجت من المنزل.
كانت الأجواء هادئة، تمشيتُ قليلًا حتى وصلت إلى المحل... كان اسمه واضحًا على اللافتة.

دخلتُ بهدوء، وتحدثتُ إلى صاحب المحل، وأخبرته أنني جئت من طرف "أم صلاح". رحّب بي واتفقنا على الراتب، وأخبرني أن أوقات الدوام ستكون من الثامنة صباحًا حتى الرابعة عصرًا.

عدتُ إلى الشقة، فرِحةً لأنني وجدت عملًا أخيرًا، لكن في داخلي شيء من الحيرة... كيف أترك كاردينيا وحدها طوال اليوم؟

حضّرت غداءً خفيفًا، وجلست معها لأخبرها. ابتسمت وقالت بثقة:

- "أنا لستُ جبانة، لا تقلقي عليّ. اذهبي واعملي، واطمئني... هل نسيتِ أنني تعلّمت القوة منكِ؟ كيف أخاف، وأنتِ أختي ماتيلدا؟!"

ضحكتُ وقرصتُ خدها بحنان:

- "أسعدتِ قلبي بكلامكِ. لكن مهما كبرتِ، ستبقين أختي الصغيرة، ويظل قلبي معلقًا بكِ!"

- "ماتيلدا! عمري تسعة عشر عامًا! كُفي عن قول (صغيرة)!"

- "في عيني، ستظلين دائمًا الطفلة المدلّلة المشاكسة."

- "ستُغرينني بأن أبيع عنادي عليكِ!"

عانقتها وأنا أضحك من قلبي...

وفي أول يومٍ لي بالعمل، شعرت براحة غير متوقعة. كان العمل بسيطًا، ممتعًا، وخفيفًا.

كنت أستيقظ صباحًا، أحضّر فطورًا لكاردينيا، أحتسي قهوتي، ثم أخرج إلى عملي. أعدّ الدقائق حتى الرابعة عصرًا، لأعود إليها من جديد.

مرّ الأسبوع الأول سريعًا. كنت منشغلة بين العمل واهتمامي بأختي حتى نسيت همومي كلّها.

                     *******

أكتوبر/ الإثنين.

الساعة الثامنة صباحًا

وصلتُ إلى المحل كعادتي، لكنني تفاجأت أن الرجل الذي قابلني ليس نفسه صاحب المحل!
سألتهُ مباشرةً:"من تكون؟"

أجاب:
- "Ben onun kuzeniyim"
"أنا ابن عمه."

نظرتُ إليه بريبة، ثمّ أجبته باقتضاب:
- "Tamam"
"حسنًا."

لم أُطِل الحديث. تجاهلته وذهبت لأفرغ البضائع الجديدة. بدأتُ بتعليق الملابس وترتيب بعضها في المخزن. مرّت الساعات، ولم تأتِ أيّ من العاملات! لم تكن عطلة، وكان من المفترض أن يكون الجميع حاضرًا، لكنني بقيت وحدي... وهو! رغم الحرج، قررت التزام الصمت، فبضع ساعات وتمضي. دخل بعض الزبائن واشتروا القليل، ثمّ خرجوا. لكن طوال تلك الساعات، لم يُبعد الرجل عينيه عني كانت نظراته غريبة... موحشة... تشعرني بالقرف. وحين اقتربت الساعة من الثالثة، قررت الانصراف قبل الموعد المعتاد. شعرت بالاختناق من نظراته. رتّبتُ المكان، وضعت الصناديق في المخزن، وأعددت نفسي للخروج. خرجتُ من المخزن، أخذتُ حقيبتي، وتوجهت نحو الباب، لكنه سبقني وأغلقه بسرعة، ثم أمسك بيدي! تجمّدتُ لحظة. نظرت إليه مباشرة، أحاول أن أقرأ ملامحه، أو أجد تفسيرًا لتصرفه الغريب.

- "Kapıyı neden kapattın?"
"لماذا أغلقتَ الباب؟"

ردّ بوقاحة:
- "Çok güzelsin ve senden hoşlanıyorum!"
"أنتِ جميلة جدًّا، وأنا مُعجب بكِ!"

ضحكت بسخرية وقلت له:
- "Teşekkür ederim"
"شكرًا."

لكنه تمادى وقال:
- "Yer boş, sadece sen ve ben... Beni öpmeye ne dersin?"
"المكان خالٍ، أنا وأنتِ فقط... ما رأيكِ أن تُقبّليني؟"

تفاجأت من جرأته القذرة!
سألته ببرود:
- "Emin misin?"
"هل أنت متأكد؟"

هزّ رأسه علامة على الموافقة، فابتسمتُ في وجهه وقلت:
- "Peki, yakınıma gel."
"حسنًا، اقترب مني."

اقترب، أمسك وجنتَيّ بكلتا يديه، وحين اقترب ليُقبّلني، كنتُ مستعدة... ضربته بكلّ قوتي في موضعٍ لا يُنسى بالتأكيد! سقط أرضًا يتلوّى من الألم، وأنا أضحك ضحكة لا مبالاة. أخذتُ المفاتيح من جيبه، فتحت الباب، وقبل أن أغادر، قلت له:

- "Umarım kız kardeşlerini öpersin!"
"أتمنى أن تُقبّل أخواتك!"

حاول الوقوف، فدفعته بقوّة وسحبت الباب خلفي وأغلقته. وضعت المفاتيح فوق سلة المهملات المجاورة، وسرتُ بهدوء، وكأن شيئًا لم يكن.

عدتُ إلى الشقة، رويت كلّ ما حدث لكاردينيا، ضحكنا معًا حتّى البكاء. لكنّي لم أستطعْ كتمان الأمر، فاتصلت بدانيال، وكان هو الآخر يضحك من كلّ قلبه.
قال مازحًا:
-لماذا لم تُبادليه القبلة؟ لقد تحسّر قلبه المسكين!
-أخواته موجودات!
ضحك من جديد:
-الرب يلعنه! حتّى في مكان عمل، تغلبه شهواته؟ أين عقول هؤلاء؟
-ربّما في سلة المهملات أو المجاري!. لن تعودي إلى ذلك المحل، صحيح؟
-بالطبع لا! لا أريد عملًا كهذا.
-وظيفة بحث عن القُبل؟!
-أغلق الموضوع... لقد تقزّزت نفسي!
-حسنًا... نفتح موضوعًا جديدًا؟ أنا مشتاق إليكِ، بقدر رحمة الرب!

قال دانيال بصوتٍ تغلبه العاطفة:
-أنا أشتاق إليكِ أكثر، والرب يشهد! كلّ يوم أحنّ إلى أيامنا القديمة... يلعن الظروف التي باعدت بيني وبين أهلي وأصدقائي. لم يتبقَّ لي سوى أنتِ ولورين!

-سيزول كلُّ شيء، تهون بإذن الله... قبل أن ننهي الاتصال، دعني أخبرك شيئًا.
-ما هو؟
-لماذا لا تعودين إلى الشركة؟
-عفوًا؟! دانيال، هل أنتَ جادّ؟!

-ماتيلدا، لننظر للموضوع من زاوية مختلفة. أنتِ من ضخّمتِ الأمر! واضح أن إبراهيم لا يُريد بكِ سوءًا، وإلّا لما بقي صامتًا قرابة شهر، لم يزعجكِ، ولم يصادفكِ حتّى وهو في نفس المنطقة. لو أراد الأذى لفعل شيئًا، لكنه لم يفعل. ألا ترين أن كلامي منطقي؟"

-أبدًا... كلامك غير مقنع.
-إلى متى ستظلين هكذا؟
-دانيال، لا أستطيع إطلاق حكم على شخصٍ لا أعرفه. إبراهيم بالنسبة لي كتلة من الغموض... لا أستطيع أن أظلمه، فأنا لا أعرفه حقًا. وبذات الوقت، لا أقدر أن أمنحه ثقتي للأسباب نفسها!

-أنا أرى أن عودتكِ إلى الشركة هي الحل الأفضل، فلا عمل أنسب من هذا، ولا بيئة أفضل.
-سأفكر..
-حسنًا، إن حدث شيء، اتصلي بي فورًا، تصبحين على خير، واعتني بنفسكِ يا زهرتي.
-في أمان الربّ.

                     *******

أنهيتُ المكالمة، وفي اليوم التالي، طرق باب الشقة صاحب المحل السابق، يعتذر عمّا فعله ابن عمّه. يبدو أنه علم بالأمر وندم. طلب مني أن أعود للعمل، لكني رفضت بكل حزم وأخبرته أنّي لا أنوي العودة هناك مجددًا.

مضى أسبوع على ذلك... كنا نعيش على أمل خافت، لكن علاج كاردينيا قد نفد، والطبيب طلب أن أشتري كمية إضافية... ثمن العلاج كان مرتفعًا جدًا، ولم أكن أملك المبلغ.

عدتُ إلى الشقة وأنا أحمل شعورًا خانقًا... ليس بسبب العجز، بل بسبب ألمي على أختي. قلبي يئن عليها، فهي روحي وكلّ حياتي. إن لم أُدبّر ثمن العلاج، ستسوء حالتها أكثر!

أخفيت عنها كلّ شيء. لم أُرد لها أن تشعر بأي ضيق. بحثتُ عن عمل من جديد، بكل الطرق الممكنة، بلا جدوى. دانيال كان يبحث معي، يسأل أصدقاءه، يتابع الإعلانات.. لكن دون أيّ فائدة.

كنت بين نارين: أختي... وعلاجها. كلّ شيء بحاجة إلى المال، وكلّ ما أملكه من عزيمة لم يكن كافيًا. لم أكن قلقة على نفسي، بل على كاردينيا فقط. لقد وعدتها حين سافرنا إلى تركيا أن تعيش حياة كريمة، أن لا تحتاج لشيء ومن المستحيل أن أخلف بوعدي الذي قطعته.

فكّرت طويلًا... ثمّ اتخذت قراري. إن رأيتُ إبراهيم، سأطلب منه العودة إلى العمل، لكن بشرط واضح: أن لا يزعجني، ولا يفتعل لقاءات أو صدف، أريد أن أكون موظفة لا أكثر. أذهب وأعود... بلا أيّ تداخل.

                      ********

في إحدى اللّيالي، شعرتُ بالاختناق. خرجت من الشقة لأستنشق بعض الهواء.

الساعة كانت الحادية عشرة ليلًا، الجوّ بارد.
توجهت إلى الحديقة الصغيرة في نهاية الشارع، جلستُ على أحد المقاعد المحاطة بالأشجار. مرتدية معطفًا أسود، أحاول تدفئة يديّ بالنفخ عليهما.

سمعتُ وقع خطواتٍ تقترب، لكن لم ألتفت. كنتُ في عالمٍ آخر... غارقة في التفكير. جلس أحدهم بجانبي. ما زلتُ أنفخ على أصابعي، نظري مشدود نحو الشارع. ثمّ همس بصوته المعهود:

-كيف حالكِ يا شَرِسَتي؟

تجمّدت. التفتُّ إليه بسرعة مذهولة:
-لا تقل إنّها صدفة!
ابتسم قائلاً: نفس السبب الذي جاء بكِ أتى بي أيضًا.
-كنتُ بحاجة إلى هواءٍ نقي..
-وأنا كذلك.
-لكنك لوّثت الهواء كلّه بمجيئك!

اكتفى بابتسامة خفيفة كأنّه اعتاد عليّ، بينما بقيتُ صامتة، منزعجة، أريد أن أقفْ، لكن قلبي قال: " لا ترحلي".

حلّ صمت طويل بيننا، لم يُكسره سوى أصوات أنفاسنا الباردة. كان الشارع خاليًا تمامًا، السكون تام، والهواء يهمس بأسراره.
حتّى تساقط الأوراق كان مسموعًا.

أخذتُ نفسًا عميقًا، قررت الحديث:
-إبراهيم، أريد أن أخبرك بشيء، وأتمنى أن تسمعني حتّى النهاية...

قاطعني:
-تودّين العودة إلى الشركة، أليس كذلك؟

صُدمت! كيف علم! لم أتردد بطرح سؤالي "كيف عرفت هذا؟"

-لأنّ هذا هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يجمعنا في هذا الوقت.

-ما رأيك؟

-طبعًا أقول لكِ عودي! لقد مرّ شهر، وأنتِ تعملين في ذاك المحل، بينما أنا قلبي مشغول بكِ. علمتُ بما فعله ذلك الوغد معكِ... ولو كنتِ بجانبي، لما حدث ذلك أبدًا. لكنكِ لا تريدين الاقتناع! أنا إنسان مسالم، تالله لا أريد بكِ سوءًا.

-كيف علمت بما حصل؟

-رأيتكِ حين خرجتِ من المحل وقفلتهِ، وشعرتُ أن هناك شيئًا غريبًا. أخذتُ المفاتيح وتحدثتُ إليه... وجعلته يعترف بكلّ شيء. بطريقتي الخاصّة. كان مجرد حيوانٍ يبحث عن قُبلة.

-وكيف رأيتني؟!

-نحن جيران، أليس كذلك؟ أراكِ كل صباح... ألم تلاحظي؟!

__
نمارق رحيم✍️🏻

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...