سمعتُ طلبه المقزّز فألقيتُ عليه نظرة ممتلئة بالاشمئزاز، وقلتُ بحدّة:
– «إذن، إلى هذا الحدّ أنتَ مقرفٌ ومثيرٌ للاشمئزاز؟!»
رمقني بعينين متصلبتين وقال بنبرة آمرة:
– «نفّذي ما طلبتُه فورًا، هيا تعالي.»
قهقهتُ باستهزاء:
– «أحقًّا تتحدّث بجدّ؟!
أولًا، اخجل على نفسك؛ أنتَ في عمر أبي وتطلب أفعال المراهقين! ليحفظ الله عقلك.
ثمّ أقسمُ بأمن العذراء أني لو فتحتُ الباب لفضحتك أمام الناس، وجعلت الضباط في المركز يسخرون منك فضيحةً لم يشهدها العراق من قبل!
أتظنّ أنّ بإمكانك خداع (لورين) ببضع كلمات؟ ضربة واحدة في موضع حسّاس قد تُنهي نسلك. فاخرس وأبلع لسانك، فإني خارجة وكأن شيئًا لم يكن. مع السلامة، حضرة الرائد قتيبة الشريف.»
لم ينبس بكلمة، فحدّقتُ فيه لحظةً ثم فتحتُ الباب بعصبية. لكني فوجئتُ بوجه الضابط حسن يقف أمامي.
قال لي مستفسرًا:
– «لورين، ما الذي حدث في الغرفة؟»
رفعتُ حاجبيّ بتحدٍّ:
– «ومن أنتَ حتى تسألني؟!»
– «مجرد سؤال.»
– «اسأل سيّدك المحترم، هو مَن يجيبك. أمّا الآن فتَنحَّ عن طريقي.»
– «حسنًا، تفضّلي.»
خرجتُ من المركز مُنهكةَ النفس. في مثل هذا المكان لم يعد ثمّة أمان، وفقدتُ ثقتي بأي أحد مهما كان شأنه.
مشيتُ حتى سيارتي المركونة بعيدًا. وما إن أردتُ الانطلاق حتى انتبهتُ إلى وردةٍ حمراء وظرفٍ أسودَ ملصوق بزجاج السيارة. اضطررتُ إلى النزول لأعرف ما الأمر. تناولتُ الوردة، كنتُ على وشك شمّها لكنّي خفتُ أن يكون فيها شيء، فتركتها وفتحت الظرف. قرأتُ المكتوب فيه:
> «أحبّ جرأتكِ أيتها المثيرة… هل لي بقبلةٍ من شفتيكِ؟
F»
شهقتُ دهشةً، وعيناي تتسعان وهما تقرآن الرسالة. التفتُّ حولي أبحث بعينيّ، ثم ثبتّ نظري على المركز. الرائد قتيبة هو نفسه (F)!!!
لساني انعقد من الصدمة. رميتُ الورقة بسرعة، ركبتُ السيارة وانطلقتُ من المنطقة، ويدي على خدي أحاول أن أربط الأحداث. ضغطتُ على بوق السيارة مرارًا؛ رأسي يكاد ينفجر. كيف يكون (F) هو قتيبة؟! إذن مَن يكون الرجل الذي رأيته في الملف إذا لم يكن (F)؟ أيمكن أن يكون هناك مجرمان اثنان يلعبان بأعصابنا؟ وإذا لم يكن قتيبة هو (F) فكيف وصلت الرسالة إليه وعرف بما جرى في الغرفة؟ وإذا كان هو (F) فلماذا أرسل لي الرسالة وأراني صورة مجرم آخر؟
نظرتُ إلى الساعة، كانت الواحدة ظهرًا. توجهتُ إلى حديقة عامة، وجلستُ هناك حتى السادسة مساءً؛ ست ساعاتٍ متواصلة وأنا أفكّر وأحاول فهم ما يجري.
تنفستُ بعمق وأنا أراقب الأطفال يلعبون بالمراجيح من بعيد، وأطقطق بأصابعي عادةً لأخفّف من توتري. فجأةً سمعتُ رنين الهاتف ينبئ بوصول رسالة. لمستُ الشاشة وفتحتها؛ جسدي ارتعش وقشعر جلدي مما كُتب فيها:
(نصيحة مني لكِ: التفكير الزائد يسبّب القلق والاكتئاب والاضطرابات. كوني هادئة يا مثيرةF)
بعد دقيقتين جاءت رسالة أخرى:
(بالمناسبة… أعترف لكِ: أنتِ أجمل من صديقتكِ الساذجة. عيناكِ تفقداني الصواب حقًا.)
اللعنة! كيف عرف رقمي؟ هذا خامس رقم أغيّره بسببه. هممتُ بالرد لكني آثرتُ أن أرى إلى أين يريد الوصول. كنتُ مركّزةً على الشاشة حين لمعت مجددًا وجاءت رسالة ثالثة:
(نصيحة أخيرة: ابتعدي من ضجيج الأطفال فهو يزعجكِ. أنا مهتمّ بأمركِ ولا أقبل أن تُرهقي نفسكِ. عودي إلى البيت فورًا.)
شهقتُ من الصدمة؛ إنه هنا، يراني في الحديقة! تلفتُّ يمينًا ويسارًا ثم أسرعتُ إلى سيارتي، ركبتها وأقفلتُ الأبواب بخوف. مجرمٌ خطير مثله لا يُؤمَن؛ كل شيء متوقَّع منه. لكن كيف يتجوّل بهذه الحرية؟ يا ربّ، عقلي سيتفتت!
وقبل أن أشغّل السيارة وصلتني رسالة أخرى من رقم مختلف:
(أحبّ الأشخاص الذين يأخذون الكلام دون أن يُتعبوني.)
لم أترك شتيمة إلا وأطلقتها في داخلي. ما هذا النذل؟ إلى أين يريد أن يصل؟ قدتُ السيارة بلا نيّة للعودة إلى بيتي، وتجولتُ ساعةً كاملةً بين المناطق حتى أخذني الطريق إلى بيت (ماتيلدا).
أوقفتُ السيارة ونزلت عند السابعة مساءً. المنطقة شبه خالية، بنايات مهدّمة، لا بيوتَ سكن. هنا حدثت جرائم شتى قبل أربع سنوات. الآن تحاول الشرطة أن تتواجد بعد جريمة قتل أهل (ماتيلدا) لتمنع الجرائم. في هذا المكان تُقدَّم القرابين ويُمارَس السحر وتُباع المخدرات.
مشيتُ بحذر، هاتفي ومفتاح السيارة في يدي. وصلتُ إلى بيت عائلة (ماتيلدا). فتحتُ الباب الحديدي بكلتا يديّ ودخلت. ظهرت أمامي حديقة واسعة يتوسطها بيتٌ نصفه محترق ونصفه الآخر مهدّم؛ هيكل باقٍ وكراسٍ وأشياء مبعثرة على الأرض. المكان مرعبٌ مهجور.
قلبي كان شجاعًا؛ لم أتردد في المضيّ، بل جلستُ على الأرض وعيوني تتفحّص المكان وتدمع. كيف أصبح هذا البيت الجميل رمادًا؟! هنا عشتُ مع (ماتيلدا) سنتين بفرحنا وحزننا وخوفنا وتوترنا. تشاركنا كل الأحاسيس.
ظللتُ على الأرض أستعيد ذكرياتي المؤلمة، أتذكّر يوم قُتلت عائلة (ماتيلدا)؛ أصعب يوم مرّ علينا. تسع جرائم تلت ذلك. نحمل حقدًا وكراهيةً عميقة تجاه (F). أربع سنوات وهو يلهو ويقتل بدم بارد. إنسانٌ حقير مجرم يصعب وصفه. شعورٌ قاسٍ أن تفقد كل شيء وأن تكون حياتك مهددة في أي لحظة.
لكن اليوم أخيرًا عرفتكَ. اليوم ستُدمَّر. سأُخبر الجميع من أنت. ستنصدم (ماتيلدا) كما انصدمتُ أنا، لكنها ستنتقم منك انتقامًا لا تتصوره، وسأكون يدها اليمنى.
مسحتُ دموعي وتفحّصتُ هاتفي، فإذا الساعة العاشرة والنصف ليلًا. قفزتُ رعبًا: أربع ساعاتٍ جلستُ هنا! حتمًا أمي الآن قلقة عليّ. اتصلتُ بها سريعًا وأخبرتها أني في بيت صديقتي (ماتيلدا) وسأعود. قالت لي وهي تكاد تبكي:
(يا مجنونة! ذهبتِ إلى تلك المنطقة؟ بالله عليكِ احفظي نفسكِ وعودي سالمة. أرجوكِ عودي الآن.)
فأجبتها أهدئ من روعها:
– لا تبكي يا أمي ولا تخافي. ساعة وأكون عندكِ بإذن الرب.
– الرب يحفظكِ ويبعد عنكِ كل مكروه. قلبي سيتوقف. عودي سالمة، لا أريد إلا رجوعكِ.
– أمي، ادعي لي أصل بالسلامة، ولكل حادثٍ حديث.
نظرتُ إلى الهاتف، الشحن عشرة بالمئة. قلت لها:
– هاتفي سينطفئ في أي لحظة، سأغلق الاتصال قبل أن تنتهي البطارية.
– انتبهِي لنفسكِ وردّدي الأدعية، لا تستخفّي بالموقف.
– إن شاء الله يا أمي. مع السلامة.
أنهيتُ المكالمة ووضعته في جيب بنطالي. سرتُ نحو الباب لأخرج، لكنني حين دفعته لم ينفتح! استغربتُ. حاولتُ مرارًا دون جدوى؛ مقفول من الخارج! من أغلق الباب عليّ في هذه الساعة؟ دفعتُه بقوة بلا فائدة.
ساعةً كاملةً وأنا أحاول بلا جدوى. ظهري يؤلمني، والظلام يشتدّ. هاتفي على وشك النفاد، ولا نور يُنير المكان، ولا أحد ينقذني. الساعة الآن الحادية عشرة والنصف ليلًا في منطقة تُلقَّب بالموت لكثرة الجرائم. موقف لا يُحسد عليه.
سمعتُ فجأةً صوتًا قريبًا من الباب؛ توسلات رجل بصوت خشن ونحيب. صُعقتُ. من هذا؟ ارتعدتُ وخفتُ. يا ربّ، ما هذا الموقف الصعب؟ خلّصني من هذه الليلة.
في لحظة ضعفٍ صرختُ بأعلى صوتي:
– «من في الداخل؟ بحقّ المسيح افتحوا الباب! أرجوكم!»
أعصابي تلفت وصوتي انقطع:
– «أكيــد تسمعونني! افتحوا الباب! أنا لم أؤذِ أحدًا! افتحوا!»
تحسّستُ الأرض حتى وجدتُ حجرًا صلبًا، ركلتُ به الباب عند القفل مرةً واثنتين وثلاثًا، ثم دفعتُه بكل قوتي حتى استجاب وانفتح. ابتسمتُ بنصر: يا ربّ رحمتك!
نفضتُ ملابسي من التراب وركضتُ نحو سيارتي البعيدة قليلًا. ركبتُها، مفتاحي وهاتفي في يدي، متجاهلةً كل شيء، المهم أن أخرج من هذه المنطقة. لكن قدمي اصطدمت بشيءٍ على الأرض. انحنيتُ بخوف وشغّلتُ ضوء الهاتف لأستكشف. فتحتُ عينيّ دهشةً وصرختُ بقوة؛ جسدي اقشعرّ، كياني اهتزّ من المنظر أمامي. ابتعدتُ سريعًا، أمسكتُ رأسي بكلتا يديّ، دموعي تنهمر بحرارة على خديّ. لم أستوعب ما أراه:
جثة قتيبة… يده مقطوعة، عيناه مقلوعتان، والدم يسيل من عنقه.
يتبع…
___
نمارق رحيم ✍️🏻
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!