استغربتُ من حديثه فقلتُ: أستاذ، لقد رأيته، بل وتحدثتُ معه!
ابتسم متعبًا قائلًا: تخيّلي من شدّة إرهاقكِ أنّكِ تظنين ذلك. اغسلي وجهكِ واخرجي إذا أنهيتِ عملكِ، واضح أنّكِ أرهقتِ اليوم كثيرًا.
أجبته بإصرار: لكنّي متأكّدة، لم أتخيّل!
- عودي إلى بيتكِ يا لورين.(بلهجة حازمة)
أطرقتُ ثم قلتُ: حسنًا...
غيّرتُ ملابسي، أخذتُ حقيبتي وغادرتُ المطعم. ركبتُ سيّارتي وأنا أسترجع حديث المدير: لماذا يُصرّ أنّي أتوهّم؟ أنا واثقة ممّا رأيتُه، بل تحدّثتُ معه وردّ عليّ! فكيف يكون وهْمًا؟
لكن من جهةٍ أخرى... لماذا اختفى؟ ومن يكون أصلًا؟
توقّفتُ عند متجرٍ صغير، اشتريتُ عصيرًا وقطعة كعكٍ وعدتُ إلى السيارة. أكلتُ قليلًا وشعرتُ ببعض الراحة. ثم تابعتُ الطريق، وهاتفي في يدي، أترقّب اتّصالًا منه. يا ربّ، لعلّه يتّصل!
مضى أسبوعان وهو غائب، لا يتّصل ولا يلتقيني، وأنا أعلم السبب ولكنّ الشوق ينهشني. اعتدتُ أن نذهب إلى العمل معًا، ونأكل معًا. تنهدتُ بضيق: آه يا دانيال، ما حالك الآن؟
بسبب ذلك الـ"F" تغيّر كل شيء. دمّر حياة صديقتي ماتيلدا، وها هو الآن يبدأ لعبته ليهدم حياتنا، ولم يكتفِ بعد.
ثبتّ نظري على النافذة الجانبية، وذكرياتي أعادتني إلى سنةٍ مضت، إلى اليوم المشؤوم...
العودة إلى الماضي - بغداد، 2009، الساعة السابعة مساءً
كنتُ جالسةً في حديقة البيت على الأرض، أحمل حاسوبي المحمول في حضني، وبجانبي طبقٌ من المكسرات المتنوّعة. كان الملل ينهشني. جاءت أمّي تحمل العشاء في صينيّة، أخذتُها منها وجلست هي بجانبي.
سألتُها:
- ها، لماذا أنتِ شاردة؟
أجابت بهدوء:
- لا شيء يا ابنتي، لكن نسيتُ أن أخبركِ؛ صباحًا جاءت سيارة شرطة وأنتِ نائمة.
- خيرًا إن شاء الله، بخصوص ماذا جاءوا؟
- قال الضابط إنّ لديهم بعض "الأغراض" في المركز. تلك الأغراض كانت في البيت بعد الجريمة التي قُتلت فيها عائلة ماتيلدا. قالوا: تعالوا واستلموها لأنّ صاحب البيت مختفٍ، ولا يعلمون أنّ صديقتكِ سافرت.
- أوه، ألم تسأليهم ما هذه الأغراض؟
- لا أعلم، لكن قالوا أشياء أخرجوها من البيت المحترق.
- حسنًا.
- كُلي الآن واعتني بصحّتكِ، حتى في تعبكِ تبقين جميلة.
ابتسمتُ:
- يحفظكِ الله يا أمي.
- حبيبتي...
أكلتُ قليلًا ثم فتحتُ الحاسوب واتّصلتُ بدانيال، فتح الكاميرا وكان يأكل.
ضحكتُ وسألته:
- ماذا تأكل؟
قال:
- معكرونة، أتحبّين أن أرسل لكِ بعضًا منها؟
- لا، أنا آكل دجاجًا.
- ألف عافية، أمّكِ طبخته، أليس كذلك؟
- نعم.
- كنتُ أعلم؛ لأنّكِ ضعيفة في الطبخ، لا تعرفين الملح من السكّر.
- ليس إلى هذه الدرجة!
- هههههه، أتذكرين حين وضعتِ ملحًا في القهوة بدل السكّر؟ ثم اختلقتِ عذرًا أنّكِ خلطتِ العلب!
- أووه، لِمَ لا أكذب إذًا؟
- احكيها على غيري، أنا أحفظكِ أكثر من نفسكِ.
- عِشتَ يا دنو.
ضحك، وضع يديه على عينيه وسكت.
- ها، ماذا بك؟ خوّفتني، هل تذكّرتَ شيئًا؟
ضحك ونظر إليّ:
- لا، فقط تذكّرتُ كاردينيا. كانت دائمًا تقول لي "دنو"، فأغضب أحيانًا وأعتبره دلعًا سخيفًا. والآن أتمنّى أن تقوله لي ألف مرة في اليوم مقابل أن أراها!
- الله كريم، سيأتي يوم ونلتقي.
- هذا اليوم بعيد، صار حلمًا أصلًا.
- لا تكن سلبيًا يا دانيال، تفاءل.
- إن شاء الله.
- صحيح، نسيت أن أخبرك: غدًا سأذهب إلى مركز الشرطة.
- لماذا؟ هل هناك جريمة جديدة وأنا لا أعلم؟
ضحكتُ بمرارة:
- لا، الله لا يقولها، دعنا نرتاح قليلًا من المصائب.
- إذن ماذا؟
- صباحًا جاءت سيارة شرطة، قالوا هناك أغراض من بيت ماتيلدا بقيت لديهم بعد أن أُغلقت القضية نهائيًا. طلبوا أن نستلمها.
- غريب، تذكّروها الآن؟
- نعم، فكّرتُ بالأمر لكن الله أعلم.
- حسنًا يا روحي، لو لم يكن عندي عمل غدًا لذهبتُ معكِ.
- لا بأس، أذهب وحدي، ليس أمرًا صعبًا، سيارتي موجودة.
- تمام، وأي شيء يحصل أخبريني به، ولا تتّصلي بماتيلدا.
- لماذا؟
- مسكينة، ستتذكّر الجريمة من جديد وتتأذى، وهي بالكاد بدأت تنسى.
- نعم، كنتُ مقرّرة ألّا أخبرها، أحسنتَ أنّك نبّهتني.
- الأغراض ستبقينها عندكِ؟
- نعم، لكن أوّلًا أريد أن أعرف ما هي.
- ربما ساعات أو شيء من هذا القبيل، حسنًا روحي، دعيني أكمل أكلي.
- أكمل يا صاحب البطن الكبير.
- هاهاها، عينكِ الأدبسز عليه.
- هههههه، لا عيني، هنيئًا ومريئًا.
- هههههه، يلا باي.
- أكيد، باي.
في صباح اليوم التالي
استيقظتُ بنشاط، تناولتُ الفطور مع أمّي ثم بدّلتُ ملابسي: بنطالٌ وقميصٌ قصير يصل إلى عظمة الصدر وفوقه جاكيت، أحبّ هذا الستايل. شعري القصير الكيرلي تركته منسدلًا على كتفيّ.
حين صارت الساعة الحادية عشرة أخبرتُ أمّي أنّي ذاهبة، كانت تصلّي، جاءت إليّ وهي تحمل مبخرة، بخّرتني برائحة طيّبة وقدّمت لي قلادة الصليب. أخذتها ولبستها حول عنقي:
- عجبًا، كيف نسيتُها أمس؟ بحثتُ عنها كثيرًا ولم أجدها، الحمد لله أنّكِ وجدتها يا أمي.
- حبيبتي، اذهبي وديري بالكِ على نفسكِ.
- لا تقلقي على ابنتكِ الذكيّة.
قبّلتُ يدَيها بعمق، فهزّت رأسها بحبّ وقالت:
- يرضى الله عليكِ.
وضعتُ الحقيبة حول خصري، خرجتُ من البيت، ركبتُ سيارتي وشغّلت دعاءً أسمعه وأردّده بلساني. كنتُ مبتسمة وهادئة طوال الطريق.
لكن عيني وقعت على المرآة الجانبية؛ سيارة سوداء حديثة تتبعني. استغربت، في محافظتنا لا يملك مثلها إلّا تاجرٌ كبير أو ضابط استخبارات أو ذو نفوذ حكومي. مستحيل أن يكون شخصًا عاديًا!
تجاهلتُ الأمر وأكملتُ طريقي، انعطفتُ في أزقّة، لكن السيارة ظلّت تتبعني. لا أنكر أنّ الخوف دبّ في قلبي. نظرتُ إلى السكين الذي وضعته أمامي للأوقات الصعبة، وإلى بخّاخ الفلفل الحار، أدواتٌ مهمّة لأدافع عن نفسي. وإذا اضطررتُ أستخدم لساني وذكائي، أو ركلةً في المنطقة الحسّاسة. ضحكتُ بصوتٍ عالٍ: يا لورين، في أيّ حال أنتِ!
ألقيتُ نظرةً أخرى في المرآة... السيارة اختفت! تعجّبتُ. هل وخز ضميره وخاف من الله؟
أكملتُ ضحكتي الساخرة وتجاهلتُ الأمر تمامًا.
وصلتُ إلى المركز، أوقفتُ سيارتي، قرأتُ اللوحة الأمامية: "مركز شرطة بغداد". سمّيتُ بالله ودخلتُ بخطواتٍ واثقة.
تحدّثتُ مع الضابط وقدّمتُ هويّتي:
- أنا لورين، التي طُلب منها استلام الأغراض.
هزّ رأسه وقال: "نعم"، وأدخلني إلى غرفة الرائد المحقّق في القضيّة.
طرق الباب، فجاء صوت الرائد: "تفضّل".
دخلنا وألقيتُ التحيّة.
قال الضابط:
- سيدي، هذه مدام لورين.
أجابه الرائد:
- لا حاجة للتعريف، أعرفها، يمكنك أن تذهب.
- حاضر سيدي.
ابتسمتُ باستغراب ولم أفهم قصده. خرج الضابط.
أشار إليّ الرائد قتيبة إلى الكرسي:
- تفضّلي يا لورين.
جلستُ بهدوء، نزعتُ حقيبتي ووضعتها على الطاولة، فلاحظتُ عينيه تتجهان إلى بطني عند منطقة السرّة. صُدمتُ، لكنّي تماسكتُ؛ أخذ ما أريد وأرحل، لستُ في مزاجٍ لمشكلة جديدة.
قال قتيبة:
- الأغراض كنتُ محتفظًا بها.
- ما السبب؟
- حين أطفأنا الحريق الذي حصل، كان هناك بعض الأثاث لم تلحقه النار، لكن مصيره كان إلى القمامة. غير أنّ هناك صورًا بإطارات، بعضها محترق، لكن بقيت ثلاث صور سليمة واضحة.
- صور ماذا؟
- صورة تخصّكِ، والثانية لعائلة المتوفَّين، والثالثة صورة تجسّد مريم العذراء عليها السلام وبها صليب.
- حسنًا، هل يمكن أن تعطيني الصور لأخذها؟
- نعم، لحظة.
فتح الدرج وأخرج ظرفًا وأعطانيه. أخذته وجلستُ وفتحته. شعرتُ بانقباضٍ في قلبي حين رأيتُ صورة صديقتي، وترحّمتُ على عمّها وخالتها في صورةٍ قديمة. أمّا صورة مريم العذراء فضممتُها إلى صدري مبتسمة.
ثم رأيتُ صورتي... كانت صورةً لي وأنا أرتدي بنطالًا وحمّالة صدر فقط، شعري منسدلٌ على السرير. تذكّرتُها جيّدًا؛ ماتيلدا التقطتها لي قبل ستّ سنوات. غضبتُ، بالتأكيد تفكيره وسخٌ واحتفظ بالصورة لغرضٍ قذر.
قلتُ له بحدّة:
- حسنًا، سأرحل الآن. شكرًا لك، حضرة الرائد المحترم الخلوق قتيبة.
قال مبتسمًا:
- لا والله لن تخرجي قبل أن تشربي قهوتكِ، هي موجودة دقيقة فقط.
لم أجب، فرفع جهاز اللاسلكي وقال:
- الضابط حسن، أحضر ما طلبته منك.
ثوانٍ ودُقّ الباب، دخل الضابط، قدّم التحية، وضع القهوة على الطاولة وخرج.
نظر إليّ قتيبة مبتسمًا:
- تفضّلي، اشربي.
عقدتُ حاجبي وقلتُ:
- لا داعي، أريد أن أخرج، اعتبر قهوتك مشروبة.
- اشربي دون اعتراض.
- عفوًا؟
- عندي موضوع مهم عن الجريمة سأخبركِ به، سيفيدكِ.
نظرتُ إليه متفاجئة:
- أيّ معلومة؟ ياريت تقولها!
- اشربي أوّلًا ثم أتكلم.
- لماذا؟
- أنا ضيّفتكِ ولا أحبّ من يردّني.
- حسنًا...
أخذتُ الكوب الورقي وشربتُ القهوة دفعة واحدة. هزّ رأسه غير راضٍ.
قلتُ له:
- إذا سمحتَ، تحدّث بسرعة، القهوة شربتها.
- حسنًا، اسمعي وركّزي بكلامي... القاتل أظنّ أنّكِ تعرفينه.
صرختُ مذهولة:
- ماذا؟!
- نعم، وأنا مستعدّ الآن أن أريكِ وجهه.
- إذن ماذا تنتظر؟ دعني أراه!
- لكن بشرط.
- اعتبر شرطك مُنفّذًا، بالله عليك أريد أن أعرف من هو القاتل والمجرم!
ابتسم بخبث:
- تمام، اتفقنا.
- تكلّم دون تأخير ومماطلة، أعصابي تلفّت!
- لا بأس... اسمعي، مضت أربع سنوات ونحن نبحث عن المجرم الذي ارتكب جرائم فظيعة، ضحاياه أناس طيّبون. وبعد تحقيق طويل، عرفنا أخيرًا صورته واسمه وكل معلوماته.
سكتُّ مذهولة. هل سأرى المجرم المجهول؟
قال قتيبة:
- هل تسمعينني يا لورين؟ أين شردتِ؟
هززتُ رأسي:
- نعم، هل يمكن أن أراه؟
- نعم، لكن لا تخبري أحدًا، ليكون سرًّا بيني وبينكِ يا لورين.
- حسنًا.
- عفية عليكِ.
نهض من كرسيه، سار خطوات إلى الخزانة، فتحها وأخرج ملفًا أسود وأقفلها بإحكام. تقدّم نحوي، فتح الصفحة الأولى. أخذتُ الملف منه بيدٍ مرتجفة، نظرتُ إلى صورته، قرأتُ اسمه ومعلوماته... صرختُ:
- لاااا! مستحيل!!
انتفض وقال:
- تعرفينه؟
- كيف لا أعرفه؟! مستحيل! لم أتوقّع أن يكون هو! بالله قل لي إنّي في حلم لا في حقيقة! ما الذي يحدث يا ربّ؟
أمسك كتفي وقال:
- اهدئي يا لورين، تعالي اجلسي في مكانكِ، ارتاحي، من حقكِ الصدمة.
هززتُ رأسي وجلستُ، يدي على عينيّ لا أستوعب. ماتيلدا لو عرفت ستجنّ!
بعد دقائق قال قتيبة:
- ها يا لورين، كيف حالكِ الآن؟
- نعم، بخير.
- للأسف، المجرم لا نعرف مكانه. هو ذكيّ، جعلنا أشهرًا نبحث عنه في شمال العراق بعد أن وصلنا خبر أنّه هناك، ثم تبيّن أنّه يعيش في بغداد في مكانٍ لم نفكّر به! قلبنا بغداد ولم نجد له أثرًا، حيرنا، لا ندري كيف يهرب والشرطة في كل مكان تبحث عنه واسمه في كل المراكز! صرنا نعتقد أنّ له مكانًا تحت الأرض، لا نستبعد شيئًا من مجرم خطير مثله.
تنهدتُ:
- وماذا الآن يا سيدي؟
- البحث مستمر، وإذا عرفنا معلومة جديدة سأتصل بكِ وأخبركِ أولًا بأول.
- حسنًا، شكرًا لك.
لبستُ حقيبتي وهممتُ بالخروج، فقال بصوتٍ مسموع:
- والشرط؟
تظاهرتُ بالنسيان:
- أيّ شرط؟
ضحك:
- يا بنت، أنا قتيبة، لا تتغابين عليّ.
- آه، تذكّرت، نعم تفضّل، ما شرطك لتنفّذه؟
ثبت عينيه على شفتيّ وقال ببرود:
- أريد قبلة.
يتبع..
__
نمارق رحيم✍️🏻
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!