الفصل 16 | من 44 فصل

رواية شخوص متداخلة الفصل السادس عشر 16 - بقلم .

المشاهدات
17
كلمة
6,152
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

ابتسمتُ لها، كانت في حالةٍ من الدهشة، فربّتُّ على ظهرها برفق ثم تركتُها. مسحتُ يديّ بالمنشفة، ونزعتُ صدريّتي وعلّقتُها بينما الأفكار تتزاحم في رأسي. خرجتُ من المطعم متوجّهةً إلى الحديقة الجانبيّة. هناك اتّصلتُ بـ"جَنّات"، كان هاتفها يرنّ دون أن تُجيب. انتظرتُ نحو ربع ساعة، واقفةً أترقّب ردّها، حتى أجابت أخيرًا. جاء صوتها مُضطربًا، مُرتجفًا، فزاد ذلك شكوكي.

جَنّات: لِمَ اتّصلتِ؟ هل حدث شيء؟
قلتُ: لا، لكن اليوم جاء شخص يسأل عنكِ.
جَنّات: مَن؟
قلتُ: ما بالكِ ارتبكتِ هكذا؟ أهو مُجرم يا عزيزتي؟ إنه رجل عادي، سأل عنكِ فقط.
جَنّات: لم أرتبك… فقط أسأل: مَن هو؟
قلتُ: لم أعرف اسمه، لكنه قال إنه F… صديقكِ.
جَنّات: هل كان يرتدي قناعًا أسود؟
قلتُ: نعم، صحيح. أتعرفينه؟
جَنّات: أعرفه… أعني… لا… مَن يكون؟ ماذا يريد منّي؟ لا تعلمين؟

كانت تتخبّط بكلماتها، فألححتُ عليها لأوقعها في الفخّ دون أن تمنح نفسها وقتًا للتفكير. صوتها يرتجف، وتوتّرها يفضحها.

جَنّات: لا أعرفه… أنا فقط أخذتُ المال وفعلتُ ما طلبه منّي…

كانت اعترافاتها صدمة. انقطعتْ كلماتُها فجأة، وكأنّها أدركت أنها أفشت ما لا ينبغي.

قلتُ لها بحدّة:
– أيُّ نوعٍ من البشر أنتِ؟ كنّا نظنّكِ صديقة، فإذا بكِ تخونين صداقتنا… وتخونين المدير! أنا أكره الكذب والخيانة. سترين يا سيّدة جَنّات ما سأفعله بكِ.

جَنّات: لقد أجبرني…
قلتُ: لم يُجبرك أحد! لا تكذبي. أنتِ أصلًا لستِ إنسانة صادقة… أنتِ سيّئة.
جَنّات: قال لي إنني إن لم أنفّذ أوامرَه سيقتلني… حتى إنّه كان يحمل مسدّسًا.
قلتُ: والمال؟
جَنّات: هو من أعطاني إياه… قال إنه مكافأة.
قلتُ: توقّفي عن الكذب!
جَنّات: أنا لستُ في المنزل الآن… وربّما هاتفي مُراقَب!

صرختُ فيها:
– المدير كان يقول لنا دائمًا: "بابا"، ويعدّنا بناته. كان يزيد رواتبنا ويشجّعنا بكلماتٍ صادقة. كلّ ذلك لم يقف في عينيكِ؟ وفي النهاية تنامين في المستشفى بسبب طمعكِ بالمال؟ ألم يردعكِ ذلك؟ ما أشدّ ما فيكِ من قسوةٍ ووقاحة!

جَنّات: أنا آسفة يا لورين… سامحيني…
قلتُ: بعض الاعتذارات يجب أن تُرفَض.

أغلقتُ الهاتف في وجهها. ناكرةٌ للجميل، لا يُؤمَن جانبها.
ذلك الموقف علّمني ألّا أهبَ ثقتي لأحد، وألّا أقدّم حبًّا لمن لا يستحقّه. كرهتُها… لأنّني أكره الخائنين.

ومع ذلك، لم أستطع اللجوء إلى الشرطة؛ فالبنت ستُقتل بسبب F، وستتفاقم المصيبة. كان يفعل كلّ شيءٍ عن قصد… عن خطّة.

أدهشني وجوده في بغداد! أصاب عقلي الذهول… إن كان هنا، فمَن يكون هناك إذًا؟

---

أخذتُ عنوان المستشفى من البنات، وأخبرتُ أمّي بنيّتي الذهاب، فوافقت. ركبتُ سيارتي، واشتريتُ باقة ورد جميلة، ثم توجّهتُ إلى المستشفى. دخلتُ وسألتُ عنه، ثم مضيتُ نحو غرفته. سلّمتُ عليه أوّلًا، ثم رويتُ له كلّ شيء، دون أن ألمّح إلى اسم F حفاظًا على حياته.

قلتُ له:
– هناك مَن تعمّد وضع شيءٍ في طعامك… وجَنّات ساعدته.

رأيتُ القهر في عينيه، ومدى الأذى الذي أصابه. قلتُ كلماتٍ تهوّن عليه، عساني أخفّف عنه بعضًا من الألم.

خرجتُ بعدها وعدتُ إلى البيت.

حدّثتُ أمّي بكلّ ما جرى. هكذا كنتُ منذ صغري؛ كلّ ما يحدث — صغيرًا كان أو كبيرًا — أُخبرها به. هي بئر أسراري، لا تخونني. صحيح أنّها تغضب أحيانًا، لكنّنا نجلس بعدها ونفكّر معًا، ونصل إلى القرار الصحيح.

عندما أخبرتها عن "جَنّات"، ارتعبت وقالت:
– لورين، لا تعودي إلى العمل في المطعم.

سألتُها: ولِمَ؟
قالت: ما حدث خطير، وقد يضع لكِ السمّ في المرّة القادمة. هذا القاتل يلعب لعبته بهدوء… ولا أحد يوقفه.
قلتُ: أريد أن أفضحه… لكن دانيال يمنعني.
قالت: دانيال مُحقّ. إن فضحتهِ، سنموت. دعي حياتنا هادئة، ولا تفتحي بابًا جديدًا للمشاكل. واتركي المطعم.
قلتُ: لكن… كيف سنعيش؟ ماذا سأعمل؟
قالت: حياتكِ أهم. كما وجدْتِ عملاً، ستجدين غيره.
قلتُ: والمدير؟ أأتركه في هذه الحال؟
قالت: بقاؤكِ خطر عليه. قد يهدّدكِ به… أو يقتله بدمٍ بارد كما قتل غيره. نبتعد عنه حفاظًا على حياته؛ فهو طيب ولم يؤذِنا يومًا.
قلتُ: كما تريدين…
قالت: يا ابنتي… إن حدث لكِ مكروه — لا سمح الله — فمن يبقى لي بعدها؟

ابتسمتُ، وقبّلتُ يدَيها.
– روحي فداءٌ لكِ يا أمّي.

صعدتُ إلى غرفتي، بدّلتُ ملابسي، وتوضّأت للصلاة.

وقلتُ في دعائي:
«واغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، كَمَا نَغْفِرُ لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا، وَلَا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، وَلَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ، فَإِنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَالْقُوَّةَ وَالْمَجْدَ إِلَى الأَبَدِ. آمِين.»

فرغتُ من تسبيحاتي، ثم تمدّدتُ على سريري. وقعتْ عيناي على صورة والدي فوق الرفّ، مُزيّنةً بالورد.

ابتسمتُ بهمسٍ موجوع:
– يرحمك الربّ…

لقد تُوفي والدي عام 2007 في حادث سير، ولا نعلم إلى اليوم مَن الذي صدمه. الشرطة أغلقت القضيّة بعد الدفن، لعدم وجود أيّ دليل…
لكنّني أنا ودانيال وماتيلدا نؤمن يقينًا أنّ F هو السّبب.

•••••••••••••

تركيــا – إسطنبول
مــاتيلــدا

أجمل العلاقات تلك التي نتمكّن فيها من أن نكون عاشقين… وفي الوقت ذاته أقرب صديقين.

يومًا بعد يوم، كان حبّه يكبر في داخلي. صرتُ أتجاهل تصرّفاته الغريبة، ولم أعد أفرّق بين الصواب والخطأ. أو بالأحرى… كنتُ واثقةً به ثقةً عمياء، ثقةً غطّت بصري، وغلّفت بصيرتي.

كان قد منحني حبًّا واسعًا، صادقًا وعميقًا، حتى صرتُ في كلّ يومٍ أحمد الربّ لأنّه عوّضني في نهاية المطاف بـ"إبراهيم".
كان إبراهيم عِوَضي عن تلك الأيام المُرّة التي عشتُها… وعن انكساراتي كلّها.

الشركة – التاسعة صباحًا

جلستُ في مكتبي، أقبض على هاتفي بيدي، وقلبي يخفق بقوّة توجعني. كان يقلقني حدس داخلي يخبرني بأنّ مكروهًا أصاب دانيال… خطرٌ ما يلتفّ حوله.
آخر مكالمة بيننا انقطعت فجأة، ومن بعدها لم يتّصل. وكلّما حاولتُ الاتصال وجدته إمّا مغلقًا أو مشغولًا… لا يجيب أبدًا. وكذلك لورين.

طرق أحدهم الباب.
قلتُ: تفضّل.

دخل رجل بزيّه الأسود الرسمي، وقد نزع سترته، وفتح الأزرار الثلاثة الأولى من قميصه بعناية، وابتسامة هادئة تتوهّج على وجهه. قال وهو يقترب:
– حبيبتي… هل أنتِ مشغولة؟

ابتسمتُ له:
– لا، يا بَرهمي.

أغلق الباب خلفه وتقدّم نحوي. لمح الهاتف بين أصابعي، فسأل بنبرة امتزج فيها الفضول بالغيرة:
– هاا، حبيبتي… مع مَن كنتِ تتحدثين؟

صمتُّ لحظة، ثم تنفّستُ بعمق وقلت:
– مع صديقي… أنتظر اتّصالًا منه.

هزّ رأسه نصف هزّة وقال:
– صديقكِ؟ ومنذ متى؟

قلتُ: هو في العراق… لم أخبرك عنه. إنه صديقي منذ الطفولة.

ابتسم ابتسامة صغيرة، سحب الهاتف من يدي برفق وقال:
– انسَي أمر صديقكِ الآن… لا يهمّ.
مشتاقٌ إليكِ يا روحَه.

توردتُ خجلًا، واقترب منّي، فأحاط خصري بيده ببطء، ولامست يده الأخرى خدّي بنعومة حانية. ثم همس في أذني:
– أحبّكِ… شَرِسَتي، وبشدّة.

قلتُ: وأنا أيضًا… أموت عليك.

تبادلنا النظرات طويلًا، وانزلقت عيناه نحو شفتيّ. أدركتُ ما ينوي فعله، فتراجعتُ بسرعة، فضحك هو ضحكة عالية دافئة.

إبراهيم: دعيني أتذوّق… لا تكوني خبيثة.
قلتُ: لا، ممنوع!
إبراهيم: حبيبتي، لا أتحمّل أن تكوني قريبة منّي ولا أستطيع الاقتراب منكِ… متى يشعر قلبكِ ودين محمّد؟ أنا لا أصبر.
قلتُ: أفكّر…
إبراهيم: هذا الشهر تكون الخطوبة.

شهقتُ:
– ماذا؟! لا!

إبراهيم: ولماذا ترفضين؟
قلتُ: لنجعلها في الشهر الخامس.
ابتسم وقال:
– ولماذا ليس في الشهر الرابع؟
أبريـل.

ارتبكتُ:
– لااا، لا أحبّ هذا الشهر.
إبراهيم: ولماذا؟ أيوجد أجمل من الشهر الذي وُلدتِ فيه؟
قلتُ: برهم… رجاءً، لا تضغط عليّ بشيء لا أحبّه. لن أفعله مهما حدث.
إبراهيم: هذا هو حبيبي… لن أجبركِ.
قلتُ: فلنجعلها في الشهر الخامس.
إبراهيم: بعد أربعة أشهر إذن… هممم.
قلتُ: نعم.
إبراهيم: إذن، نبدأ من الآن.
قلتُ: على ماذا؟ لدينا وقت طويل.
إبراهيم: لا، حبيبتي… أريد كلّ شيء كاملًا، متقنًا. نختار القاعة والخواتم والذهب… كلّه من الأفضل.
قلتُ: حسنًا، لكن لماذا العجلة؟
إبراهيم: بالعكس… على مهلنا. كلّ نهاية أسبوع نشتري شيئًا أو نجهّز شيئًا… نبدأ من الشهر المقبل.
قلتُ: تمام، حسب راحتك… افعل ما تراه مناسبًا.
نظر إليّ مطوّلًا ثم قال:
– أشعر أنكِ لستِ سعيدة بما يكفي.
قلتُ: بالعكس، سعيدة… سأرتبط شرعًا وقانونًا بمن أحبّ. فقط… بالي مشغول بصديقي، لذلك أنا متوتّرة قليلًا.
إبراهيم: آه… صديقكِ؟ ما اسمه؟
قلتُ: دانيال.
إبراهيم: عاشت الأسماء… واضحٌ أنّكِ تخافين عليه كثيرًا. هل تحبّينه؟
قلتُ: إنّه أخي… وصديقي منذ الطفولة. طبيعي أنني أحبّه… نحن متعلّقان ببعض كثيرًا.
إبراهيم: وهل تحبّينه أكثر منّي؟
قلتُ: ما هذا السؤال؟!
إبراهيم: أجيبي.
قلتُ: برهم… أغلق الموضوع، لن أجيبك.
ضمّ ذراعيه إلى صدره وسأل بحدّة:
– دانيال أم إبراهيم؟
قلتُ: ما هذا الكلام؟! لا يمكنني الاختيار… لا تحاول.
إبراهيم: أريد أن أعرف مَن الأقرب… لو خيّروكِ بيني وبينه، مَن ستختارين؟
قلتُ: لم أتوقع أن يكون عقلك صغيرًا لهذه الدرجة… كيف تُخيّر حبيبتك بينك وبين شخص عزيز على قلبها؟
إبراهيم: لا تتهرّبين… هل الجواب صعب إلى هذا الحد؟
قلتُ: برهم، رجاءً لا تُحوّلها دراما. قلتُ لك: هو صديقي، وأنت حبيبي… لا تُقارن المحبّتين!
إبراهيم: حسنًا… هذا كلامكِ.
قلتُ: ما بك؟ كيف تفكّر؟
إبراهيم: سأذهب إلى مكتبي… لا تأتِ.
قلتُ: اذهب حيثما شئت… لن آتي.
إبراهيم: يا الله… هكذا أصبحت؟
هززت رأسي:
– نعم.

قبض يده بعصبيّة وقال:
– من أجل ألا أؤذي نفسي… لا أريد رؤية وجهكِ. لا تأتين.
قلتُ: ماذا؟ تؤذي نفسك؟ ماذا تقول؟
إبراهيم: لااا تأتين… لقد حذّرتك!
قلتُ: إبراهــــــــيم!
ووضع إصبعه على شفتيه وقال هامسًا:
– شششش…

قبل أن أنطق، خرج من المكتب وصفق الباب بقوّة.

دفعتُ الكرسي وقمتُ أركض خلفه. كان واضحًا من غضبه أنّه سيفعل شيئًا مؤذيًا بحقّ نفسه.
يا ربّ… قلبي لم يعد يحتمل.

طرقتُ باب مكتبه المغلق:
– إبراهيم، افتح الباب يا برهمي…

رفعتُ صوتي أكثر ليضطر لفتحه. الموظفون كانوا ينظرون إليّ بدهشة، متسائلين عن سبب طرقي العنيف وصوتي المرتفع.

طرقتُ الباب بقوّة، حتى فتحه أخيرًا… دون أن يرفع بصره نحوي، ويده خلف ظهره.

دخلتُ وأغلقتُ الباب.
قلتُ بحدة: أجننت يا إبراهيم؟! صار لي ساعة أناديك ولا تفتح الباب!
قال ببرودٍ متعب:
– آه…؟
قلتُ: ماذا فعلت بنفسك؟
– لا يهمّ…
قلتُ: بَرهمي، كفاك. أجبني.
– إن لم يكن لديكِ شيء تقوله… اخرجي من مكتبي وعودي لعملكِ. يلا.
قلتُ: إبراهيم! أحقًا تقول هذا؟ لن أخرج… والربّ لن أخرج.
قال بانكسار:
– لخاطر الله يا حبيبتي… اخرجي.
قلتُ: عمري أنت… مستحيل أخرج. ما بك؟ كلّمني!
– ماتيلدا… لا تعانديني.

صمتُّ فجأة… وانسحب بصري نحو يده المخفيّة خلف ظهره. تقدّمت بسرعة وسحبتها… فتجمّدت عيناي من الصدمة.

– برهم! جرحتَ يدك بالسكّين! يدك تنزف دمًا!
قال متعبًا: صدّقيني… الأمر غير مهم.
– لا! لا تختبرني بهذا الشكل! والربّ أفقد عقلي من منظر الدم! ابقَ هنا… لا تتحرّك.

قبضتُ على يده ونقلته إلى الكرسي. ثم أسرعتُ إلى المكتب، فتحتُ الدرج الأخير، وأخرجتُ علبة فيها القطن والمعقّم ولفافات الجروح البيضاء…

تقدّمتُ نحوه وجلستُ عند طرف طاولة الكتب، فيما كان هو جالسًا قبالتي على كرسيّه، حتى غدا وجهي قريبًا من وجهه. قلتُ له بهدوء قلق:

– إنّ يدك مصابة بجرح عميق، ويبدو أنّها تحتاج إلى تخييط.

ابتسم نصف ابتسامة وقال دون مبالاة:
– قبّليها وستُشفى.

رمقته بضيق:
– برهم!
– ماذا؟

تنفّستُ طويلاً واقتربت منه، ثم احتضنته بكلتا يديّ وأحطتُ عنقه بذراعيّ، وهمستُ منهكة:
– هل تعلم أنّي أحبّك؟ أنت الأوّل في حياتي، فلا تُقارن نفسك بأحد… أيًّا كان. ففي كلّ خيارٍ يُعرض عليّ… سأختارك أنت.

ابتسم برهم وردّ بخفوت:
– حقًا؟
– نعم.
– أنا أم دانيال؟
– أنت… أنت فقط.
– أحبّك يا شراسة قلبي.

رفعتُ رأسي ونظرتُ إليه برجاء:
– عِدني ألّا تُعيد هذا الموقف مرّة أخرى… ولا تؤذي نفسك لأيّ سبب.
– حسنًا.
– لا، أريد وعدًا… لأطمئن.
– وعد.
– أحبّك كثيرًا.
– وأنا أحبّك… حبًّا لا يُوصف.

سحبني من يدي قليلًا، فقلت له:
– حبيبي… كيف جرحتَ يدك؟
– بالمقص.

اتسعت عيناي:
– أتقول الحقّ؟
– نعم، وأقسم بذلك.

هززت رأسي بحزم:
– يجب أن تذهب إلى المستشفى، فالجرح عميق ولا يُستهان به.
– دعيه… سيشفى وحده رغمًا عنه.
– من أجل خاطري… ألا تستجيب لي؟
ضحك بخفة وقال:
– لأجلكِ؟ اطلبيني روحي، أقدّمها لكِ بلا تفكير.

– إذن، اذهب…
– حاضر، لكن لديّ طلب.
– وما هو؟
ضحك وقال:
– قبلة.

ضحكتُ بخجل، فاقتربني إلى صدره. نظرتُ إلى الأرض وتمتمت:
– هيا… اذهب قبل أن يلتهب الجرح أكثر.

رفع ذقني بأصبعه، وأصبحت عيناه بعينيّ مباشرة، وهمس:
– والطلب؟

– عندما تعود.
– أتسايسينني؟
– نعم، أسايسك.

رفع حاجبه وقال بتمثيل الضيق:
– لن أذهب إذن.
– برهم…
– عيونكِ؟
– حسنًا… فقط اذهب.

غمز وقال بخفّة:
– طَلْقَة.

تجمّدتُ لحظة:
– ماذا؟!
ضحك:
– أقصد… سأذهب بسرعة كالطلقة، ممّ تخافين؟

تنفستُ وقلت:
– ظننتُ… لا بأس. سأتابع عملي الآن.

قال وهو يراقبني بحنان:
– روحي… يا بعد روحي أنتِ.

سألته وأنا أراقب يده:
– يا ربّ… كم من الدم نزف؟
– عزيزتي، هذا ليس صبغًا.

وأضاف وهو يقترب:
– كلّ كلمة غزل أقولها لكِ… هي حقيقة، لا مجرد كلام.

– أنا روحك؟
– نعم… حياتي وعمري.

– وهكذا… كم تحبني؟
رفع حاجبه وهز رأسه بطريقة طفولية، ثم حدّق في عينيّ وقال:
– كثيرًا… كثيرًا جدًا.

ابتسمت:
– يعني؟
– يا لكِ من مشاغبة…

اعتدل في جلسته وقال بجدّية دافئة:
– قلتُ لكِ سابقًا، وسأقولها مجددًا: أنتِ والوطن… كليكما في دمي. فقيسي حجم حبّي لكِ، فهو أكبر من الحدود. أنا مستعدّ لفعل أيّ شيء من أجلك… جرّبي واطلبي حياتي، وستجدينها تهون لأجلك.

شردتُ بابتسامة:
– يعجبني كلامك حين يكون اعترافًا بالحب… موجّهًا إليّ وحدي.

فقال بثقة:
– وحبّك أنتِ تجاوز حدود العشق… والله وحده يعلم مقدار ما يحمله قلبي لكِ. الكلام لا يكفي… لقد امتلكتِني. حياتي ملكٌ لكِ… وباسمك. تخيّلي حجم الفكرة.

ضحك ثم اقترب من شفتيّ همسًا:
– يا شراستي… دعيني أقبّل هذه الشفاه التي تقول كلامًا يحيي الروح.

– عدنا إلى موضوع القبلة؟ لا حيلة لك إلا بها!
– وهل هو ذنبٌ أن يكون حلمي؟
ضحكت:
– عندما نُخطب رسميًا… افعل ما تشاء.
– تقصدين أقبّلك وقت أشاء؟
– …سخيف. هيا، ارتدِ معطفك واذهب للمستشفى واتصل بي عندما تصل إلى البيت.

– حاضر… لكن ساعديني على ارتدائه، فأنا لا أستطيع استعمال يدي المصابة.
– بسبب جنونك طبعًا.
– الجنون نتيجة كلامك. هيا… دلالك عليّ مقبول.

– ألم أقل لك لا تؤذِ نفسك؟ كيف تفعل هذا؟!
– يا ربّي… ما إن قلتِ كلمة (مجنون) حتى ثار الدم في عروقي، كأنكِ تشتمينني!
ضحكتُ:
– حسنًا… أعتذر منك يا سيّدي.

ضحك وقال:
– هيا… هاتِ معطفي.

ذهبتُ إلى الأريكة لأحضره، فوجدتُ ورقة تسقط منه. التقطتُها وفتحتها… كان عنوانًا مكتوبًا:
"سينما أطلس – شارع الاستقلال رقم 131 – أطلس باساجي – باي أوغلو – إسطنبول."

عدتُ إليه وقلت باستغراب:
– برهم… ما هذا؟
– ما بها؟

تقدّمت وأنا ألوّح بالورقة:
– هذا عنوان سينما؟
رفع حاجبه بضيق خفيف:
– لقد أفسدتِ المفاجأة…

اتسعت عيناي:
– هل… كنتَ قد حجزتَ لنا؟
– نعم. يوجد فيلم سيُعرض للمرة الأولى، فقلتُ أحجز ونذهب سويًا، نُغيّر الأجواء.

سلمته المعطف فأخذه إلى صدره وقال:
– ألبسيني… ما بالكِ شاردة؟
– نسيت… لحظة.

ألبسته المعطف وقلت:
– معذرة، لم أقصد إفساد المفاجأة، لكن الورقة سقطت ووقعت بيدي… ففتحتها بدافع الفضول فقط.

ضحك بخفّة ومسح على يدي:
– كمّلي…
– ماذا أكمل؟

اقترب مني، أسند جبينه إلى ركبتي، ثم احتضنني وقال:
– هيا… أرضيني.
– دعني أذهب يا برهم.
هزّ رأسه بإصرار طفولي:
– لا… أرضيني.

حاولتُ إبعاده بعبث:
– ابتعد…
– يا لهذه الكلمة… كيف تهزّني بهذه الطريقة؟
– برهم، بالله عليك.
– وهل أدعك؟ أنتِ… تلك الشفاه التي تُذيب رجولتي.

– إلى متى ستظلّ تتغزل؟
– وهل تُلامين؟ أنتِ عسل… دعيني أتنعّم قليلاً.

وفجأة… قُرع الباب.
قبل أن يردّ برهم، دخَلت امرأة كبيرة لا أعرفها.
تجمّدت حال رؤيتها لنا وهو يحتضنني. حاولتُ إبعاده، لكنه لم يسمح، فدفعتُه برفق وهمست بانزعاج:
– برهم! ابتعد… ألا ترى أن امرأة واقفة عند الباب؟
– أبقي… يا حياتي.
– ابتعد!
– ششش…

قالت المرأة مترددة:
– عذرًا سيد إبراهيم… لم أعلم أنّ بصحبتك فتاة.

فأجابها بثبات حادّ:
– وهذه الفتاة لها اسم… ماتيلدا. وهي حبيبتي وخطيبتي. فلا تُحاولي التقليل منها، هل هذا واضح؟

التفتُّ إليه مذهولة:
– خطيبتك؟!

ثم نظرتُ إلى المرأة التي بدت عليها الصدمة.
ابتعدتُ عنه قليلًا، فأمسك بيدي، وتقدّمنا معًا نحوها، وهو يضغط على كفّي، بينما يده الأخرى المصابة يخبّئها في جيب بنطاله…

قال إبراهيم بنبرة رسمية حين التفت إلى الفتاة:
"نعم يا لمياء، ما الذي جاء بكِ؟"

أجابَت بثبات:
"لأمرٍ مهم. سألتُ الموظّفة في شركتك إن كان المدير موجودًا، فقلتُ لها إنني أريده، فأخبرتني بوجوده… ولم أعلم أنّ معك هذه الفتاة."

ابتسم ببرودٍ وكأنّه يقطع طُرق الشكّ، وقال:
"هذه… اسمها ماتيلدا."

التفتت إليّ لمياء وقد ارتفع حاجباها قليلًا، ثم قالت بنبرة مجاملة:
"مرحبًا آنسة ماتيلدا."

أجبتها بهدوء:
"أهلًا."

قالت لمياء وهي تُثبت الملف بين يديها:
"هل يمكن أن تتركينا وحدنا؟ لديّ موضوع مهم مع صديقي إبراهيم."

قلتُ بهدوء متصنّع:
"آه… حسنًا، كما تريدين."

لكن قلبي كان يغلي.
كيف أتركه معها؟ كيف أجلس جانبًا بينما هما يجتمعان وحدهما؟
ثم نظرت إليها… كانت جميلة جدًا؛ شعر أشقر طويل، عينان خضراوان، وتنّورة بيضاء قصيرة تكشف أكثر مما تستر. شعرت بالنفور من جرأة ملبسها، ومن ثقتها.

انتبه إبراهيم لتغيّر ملامحي، فابتسم ضاحكًا، ثم مال نحوي وقال بصوتٍ يسمعه الجميع:
"لا تغيظي قلبكِ… أنتِ أجمل الجمال، ومن تقف أمامكِ لا تُحرِّك شعرة من رأسي. اطمئني… عيني لا ترى غيرك، وقلبي مُسجَّل باسمك أنتِ وحدك."

شدّ على يدي، فبادلته ابتسامة هادئة.

ثم التفت إلى لمياء وقال بصرامة واضحة:
"ماتيلدا تبقى. إن كان لديكِ موضوع، فتحدّثي به أمامها. لا شيء عندي أُخفيه، ولا أمر يستحقّ أن يُخبّأ."

قالت لمياء:
"تمام… كما ترغب."

أشار لها بالجلوس، فجلست، وجلس هو على كرسي مكتبه، بينما وقفتُ خلفه بثبات.

التفت إليّ وهمس:
"لِمَ لم تجلسي؟"

قلت:
"ألا ترَين أنها جلست؟"

قال وهو يرفع حاجبه:
"أقف أنا، وتجلسين أنتِ."

قلت بإصرار:
"لا، لا داعي. أنا مرتاحةٌ في وقوفي. حدّثها بما تشاء."

ابتسم:
"كما تريدين يا حبيبتي."

ثم قال موجّهًا حديثه إلى لمياء:
"ماذا تشربين؟"

قالت:
"قهوة مُرّة."

"تمام."

جاءت الموظّفة بعد دقائق، وضعت الكوب، ثم خرجت وأغلقت الباب.

ارتشفت لمياء رشفة، ثم وضعت الكوب على الطاولة، وقالت:
"هذا ملف القضيّة… تفضّل."

تغيّر وجه إبراهيم فور أن قرأ العنوان، ثم قال بقلق:
"أيّة قضيّة؟"

قالت لمياء بثقة:
"اقرأ… وستعرف."

أخذ الملف من يدها، واقترب من النافذة يطالع الأوراق، ثم تغيّرت ملامحه تمامًا. عاد إليها بخطوات متوترة وقال:
"كيف عرفتِ؟!"

قالت:
"الضابط دُريد سلّمني هذا الملف، وقال لي: أعطيه لإبراهيم فورًا. وأعطاني رقمه، وقال إنه يريد الحديث معك بشكلٍ ضروري."

قال إبراهيم وهو يمدّ يده:
"أعطيني بطاقته بسرعة."

فتحت حقيبتها، أخرجت البطاقة، ناولته إياها، فوضعها في جيبه وقال:
"هل هو موجود في تركيا؟"

قالت لمياء:
"أغلب فريق المخابرة موجود هنا، لكن دُريد عاد إلى العراق صباح اليوم."

قال إبراهيم:
"حسنًا. شكرًا لكِ."

"لا شكر على واجب… هذا عملي. والآن أستأذن."

"أهلاً وسهلاً بكِ في أي وقت."

وقفت، أمسكت حقيبتها، وصافحته.
لكنني رأيت تلك النظرة… النظرة التي تُقال فيها كلمات لا تُنطق. لم أفهمها، لكنني شعرت أنها تحمل تاريخًا لم يخبرني به إبراهيم.

بعد خروجها، أغلقت الباب وجلست على الأريكة، بينما جلس هو بقربي.

قال بهدوء متعب:
"هل يمكنكِ أن تدلكي رأسي؟"

قلت:
"هل تشعر بالألم؟"

قال:
"كثيرًا…"

وضع رأسه في حضني، مدّ قدميه على الأريكة، فمرّرت أصابعي على وجهه ورقبته أدلّكه برفق.

قال وهو يُغمض عينيه:
"آه… عاشت يداكِ. أَرَحتِني."

قلت:
"سلامتك يا حبيبي."

ومضت ربع ساعة دون كلمة، ثم نهض فجأة وقال:
"يلا… سأذهب إلى الطبيب. شكرًا لكِ يا حبيبتي، أتعبتكِ."

قلت:
"أبدًا، لم تتعبني. وأنا أيضًا خارجة… انتهى دوامي، وسأعود إلى الشقّة."

قال:
"الله معكِ."

"وانتبه على نفسك."

"وأنتِ أيضًا."

وقفت لأخرج، فاستوقفني:
"لحظة يا شرستي."

التفتُّ إليه:
"نعم برهمي؟"

قال:
"لماذا لم تسأليني عن الملف؟ أو عن لمياء؟ لم تفتحي فمكِ بكلمة."

ابتسمت وقلت بهدوء بالغ:
"لا أحبّ التطفّل على عملك كضابط. ما يخصّك يخصّك. إن أردتَ أن تحدّثني، فستفعل دون أن أسأل."

قال بنبرة امتنان:
"ولهذا أنتِ مختلفة… ومميّزة بعيني. أحبّك."

"وأنا أيضًا."

خرجت من الشركة، ركبت السيارة، وعدت إلى الشقّة.
كانت كاردينيا تشعر بالملل الشديد، وهذا من حقّها… وأنا أيضًا بدأت أشعر بالضيق تجاه وضعها.

مع أنها بلغت الحادية والعشرين… إلا أنّها ستبقى في عيني طفلتي الصغيرة.

خلعت حقيبتي، أخذت حمّامًا سريعًا، صلّيت، ثم خرجت إلى المطبخ أبحث عن غداء، فابتسمت حين رأيت أنها طبخت "تبسي خضروات"… طبقي المفضّل.

بعد الطعام وغسل الصحون، جلست معها في الصالة، وهي تشاهد مسلسلًا أجنبيًا.

قلت لها مازحة:
"يعطيكِ العافية… الطبخة رائعة. صرتِ طباخة يا كاردينيا!"

ضحكت وقالت:
"ههههههه… شكرًا!"

"حقًا، مضبوطة جدًا."

قالت وهي تبتسم:
"إذن سأطبخ كل يوم."

"هذا من حسن حظّي، أن آكل من يدك الحلوة."

قالت:
"عُمري… دلّلي."

سألتها:
"كيف كان يومك؟"

قالت:
"الحمد لله، بخير. وأنتِ؟ كيف كان عملكِ؟"

"لا بأس… ليس مرهِقًا. وإبراهيم يساعدني كثيرًا."

قالت بخُبث:
"ما شاء الله… وكيف حال إبراهيم؟"

ضحكت:
"بخير. لماذا؟"

قالت:
"يعني… متى الخطوبة؟"

ضحكت أكثر:
"اليوم قرّرنا… والرب."

"حقًا؟ ومتى؟"

"شهر أربعة."

ابتسمت وقالت بدعاء جميل:
"حلو… شهر مناسب. يا رب يكون ارتباط صادق، وتتوّفقون، وتبدؤون حياة زوجية مليئة بالسعادة."

قال أمين بصوته المائل إلى القلق:
ــ أتدرين؟ بالي مشغولٌ عليكِ.
نظرتُ إليه باستغراب:
ــ لِمَ؟
ــ لا أعلم… فقط لا أستطيع تركك.
ــ لا تُفكّر هكذا. هذا بيت إبراهيم، وهو بجانب الشقّة، قريب جدًّا… نفس الشارع ونفس المنطقة.
ــ حتّى لو… كيف أتركك تعيشين وحدك في الشقّة؟
ضحكتُ قائلةً:
ــ إذًا زوّجني!
رفع حاجبيه وقال ممازحًا:
ــ يبدو أنّكِ مُتعَبة.
ــ هههه، دعابة! أنتَ فقط تُريد حلاً.
ــ الرّب كريم، نفكّر لاحقًا… المهم أنّي ذاهبة لأنام الآن. أيقظني قبل المغرب، أشعر بتعبٍ شديد ونعاس.
ــ حسنًا، بعيوني… نوم العافية.
ــ حبيبتي.

دخلتُ غرفتي، وتمدّدتُ على السرير.
رنَّ هاتفي، نظرتُ إلى الشاشة… "إبراهيم قلبي".
ابتسمتُ وأجبت:
ــ مرحبًا… حبيبي.
قال بصوته المليء بالدلال:
ــ هلا… يا مَن تعذّب حالتي.
ــ عمري، كيف حالك؟
ــ الحمد لله، وصلتُ البيت.
ــ ويدك؟
ــ عالجها الطبيب، قال الجرح بسيط.
ــ حقًّا؟
ــ نعم، وداعتِك.
ــ الحمد للرب على سلامتك.
ــ أنتِ سلامتي.

سكتُّ لحظة…
قال إبراهيم:
ــ ها؟ تريدين النوم يا حبيبتي؟
ــ نعم، والله نعسانة ومتعبة.
ــ سلامتكِ من التعب يا روحَه.
نامي الآن، ولا تنسي… الليلة آخذك إلى السينما. نازل فيلم جديد نشاهده سويًّا، ونتعشّى في المطعم.
ــ تمام، حبيبي.
ــ وحجزتُ ثلاث تذاكر… كاردينيا ستأتي معنا.
ضحكتُ وقلت:
ــ يفكّر بي دائمًا.
ــ طبعًا، وكيف لا؟
ــ بدأت أنعس كثيرًا.
ــ إلى اللقاء أذن.

نمتُ بضع ساعات، ثم استيقظتُ.
حلّ الليل، وأرسل لي رسالة: "هيا، استعدّي… ساعة وأصل" مع وجه يومض بعينه. ضحكتُ وأرسلتُ له وجهًا يضحك.

ارتديتُ بنطالًا أسود وبلوزة بسيطة، ومعطفًا جلديًّا أسود. رفعتُ شعري إلى أعلى على شكل كعكة، ووضعتُ أحمر شفاهٍ فقط.

قالت كاردينيا:
ــ أختي… أعترف لكِ بشيء؟
أجبتها وأنا أرشّ العطر:
ــ قولي.
ــ كما قال إبراهيم… أنتِ حقًّا (جميلة الجميلات)
استدرتُ نحوها:
ــ ممم… ومن أين عرفتِ هذا اللقب؟ هو دائمًا يقوله لي، كيف عرفتهِ؟
ــ في أحد الأيام كنّا جالستين، أخذتُ هاتفه بدافع الفضول… أردتُ أن أعرف ماذا يسجّل رقمكِ باسمه.
ــ وماذا كان مسجّلاً؟
ابتسمتْ:
ــ "شَرِسَتي" وبين قوسين (جميلة الجميلات)
ضحكتُ، رنّ هاتفي، وردّ إبراهيم:

ــ هيا، أنا بانتظاركما… انزلا.

نزلنا وأغلقتُ باب الشقّة. كان إبراهيم متكئًا على باب سيارته، يدير المفاتيح بين أصابعه. وحين رآني، اعتدل واقفًا وقال:
ــ أين كنتما؟ صار لي ساعة أنتظر!
ــ حبيبي، تأخّرنا عشر دقائق فقط.
ــ هيا… اركبوا.

جلست كاردينيا في الخلف، وجلستُ أنا إلى جانبه في الأمام.
وصلنا بعد وقت ليس بطويل، فميدان تقسيم لا يبعد كثيرًا عن منطقتنا مسلك، خاصّةً وإبراهيم ليس بطيئًا في القيادة.

نزلنا في أجمل شارع في تركيا… شارع الاستقلال.
دخلنا السينما، كانت كبيرة وجميلة، مختلفة عمّا اعتدتُ رؤيته.
اشترى إبراهيم الفشار وقدّم لكاردينيا مشروبًا غازيًّا، وقال:
ــ لنستمتع بهما ونحن نشاهد الفيلم.

جلسنا في المقاعد الوسطى، وبدأ الفيلم. ساعتان ونصف حتى انتهى.
خرجنا، وكان رأي كاردينيا واضحًا:
ــ لم يعجبني أبدًا!
وأيّدها إبراهيم:
ــ صحيح… لم يكن جيدًا.
قلتُ ضاحكةً:
ــ بالعكس، استمتعتُ كثيرًا! أنتما بلا ذوق، هههه.
تخصّرت كاردينيا وقالت:
ــ أنتِ تحبّين الأكشن، وأنا أحب الأفلام الكوميدية.
ثم سألت إبراهيم:
ــ وأنت؟ أيّ تصنيف تحب؟
أجاب وهو يغمز لي:
ــ أحبّ الرومانسي.
ضحكت كاردينيا:
ــ هلو هلو!

واصلنا السير، وهي واقفة تتأمّل اللوحات. اقتربَ إبراهيم منّي وهمس:
ــ أرأيتِ البطل حين قبّل البطلة؟
ــ نعم، ما به؟
ــ لِمَ لا نجرّب المشهد؟
رفعتُ حاجبيّ:
ــ أيعقل؟
ضحك وقرص خدّي:
ــ دعابة فقط… ولكن بدين محمّد، أتدرين كم عذّبتِني؟ أحمر شفاهك هذا جعلني أترك الفيلم وأحدّق بكِ فقط.
ــ أحبّ الأحمر.
ــ وأنا كذلك… انظري كيف تتشابه أذواقنا!
ــ صدّقت.
قال بخبثٍ طريف:
ــ ما رأيكِ… أتذوّقه؟
ــ عدنا من جديد؟
ــ فقط أردتُ معرفة طعمه.
قلتُ ساخرةً:
ــ بدأتَ تسخف.
ــ جديدة عليكِ؟
ــ أبدًا… منذ زمن.
ــ الله يخلق… وعبدُهُ يُبتلى.

فتح سلّة المهملات ليرمي العلبة، فانسكب قليل منها على بنطالي.
قال بسرعة:
ــ لم أنتبه… سامحيني.
ــ لا بأس، سأذهب إلى الحمّام أمسح المكان. لن يحدث شيء.
ــ حسنًا، ولكن لا تتأخّرين.
ــ أتريد هاتفي؟
ــ نعم، أعطيني إيّاه… كي لا يتبلّل أو ينكسر.

ناولته الهاتف، وضعه في جيبه، وقال:
ــ حبيبتي… أنا بانتظارك.
ــ حسنًا عزيزي، سأعود سريعًا.

ذهبتُ إلى الحمّام، مسحت البنطال حتى زال الأثر، وغسلتُ وجهي وعدّلتُ ملابسي.
خرجتُ… وعدت إلى المكان الذي كنّا فيه.
لم أجد إبراهيم… ولا كاردينيا.
يا ربّي… أين ذهبا؟ هل غادرا؟

خرجتُ إلى الشارع، أبحث يمينًا ويسارًا… لا أثر لهما. فكّرت: ربما ذهبا إلى موقف السيّارات.

توجّهتُ نحو الكراج… وبينما أمشي، شعرت بيدٍ تُلامس كتفي. التفتُّ بسرعة… رأيت رجلًا يرتدي قناعًا أسود وخوذة تخفي وجهه تمامًا، لا تُرى منه عيناه.تجمّدتُ من الصدمة، كان واقفٌ بصمت، يحدّق بي دون كلمة.


وخز قلبي… وشعرتُ بخوفٍ أعرفه.
همستُ بصوتٍ مرتجف:
ــ F…؟!!
ارتجفت أطرافي حين أجابني بصوت خافتٍ بارد:
ــ نَعَم.

ي

تبع...
____
نمارق رحيم✍️🏻

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...