كان يقف أمامي ذلك الرجل الذي حطّم حياتي قبل ستة أعوام؛ قاتل عائلتي وقاتلي أنا أيضًا، مجرم خائن ارتكب تسع جرائم، ويُسمي نفسه F. ذبح أرواحًا بريئة لا تحمل ذرة من الشر. أصبح مسدسه امتدادًا ليده، واعتادت عينيه أن تلمعا عند الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وعشق شهر أبريل كما يعشق الوحش رائحة الدم. طعامه المفضل لحم البشر، وشرابه المفضل الدماء ممزوجة بالكحول. قلبه صلب حدّ أن الجنون أكل إنسانيته حتى لم يعد فيه سوى بقايا هوس قاتل.
******
تراجعتُ خطواتٍ إلى الوراء، محاولة السيطرة على رعشة جسدي. خوف، قلق، توتر، وماضٍ لا يتوقف عن مطاردتي.
همست لنفسي: اهدئي، لستِ وحدكِ. أنتِ في شارع عام، ومئات النّاس حولكِ، لن يستطيع إيذاءكِ، لستِ في العراق، المكان مختلف هذه المرّة.
قطع صوتُهُ أفكاري، ثابتًا في مكانه كأنّه سيلتقط أنفاسي قبل أن تهرب: مرحبًا يا ماتيلدا.
أجبته وأنا ألهث، غير مصدّقة وجوده أمامي: كيف عرفتَ مكاني؟!
قال بهدوء بارد: لِمَ أنتِ غاضبة؟ أردتُ فقط أن نتسلى قليلًا.
صرخت به: لستُ ماتيلدا القديمة! لن أخاف منك بعد الآن، ولعلمك، هناك أناس قريبون، وإن صرختُ سيأتون فورًا.
ابتسم ابتسامة ساخرة: يبدو أنّ الحبّ أضعفك كثيرًا، لم أتوقع أن ينبض قلبك لشخصٍ آخر، لكنّه وسيم بما يكفي لأعذركِ.
ارتجفت يداي غضبًا: إن حاولتَ إيذاء إبراهيم سأقتلك بيدي!
قال ببرود أرعبني: وهل يكتفي مجرم مثلي بعددٍ محدود من الجرائم؟
أدرت وجهي محاولة الركض، لكنّه لحق بي فورًا، قبض على يدي بقوة كأن الحديد يلتصق بالمغناطيس، حاولتُ سحب يدي، بلا جدوى.
رفعت صوتي، لكنّه سبقني وهو يلمح المسدس عند خصره، ويحدّق بطفل ورجل يقفان قربنا: إن ارتفع صوتكِ، فحياتهم ستنتهي، وستكونين السبب.
شهقتُ: أنت بلا ضمير حقًا، دعني أذهب!
قال بأمرٍ لا يُحتمل: ستأتين معي.
عضضتُ على أسناني وقلتُ بحدّة: لن أذهب معك! اترُك يدي!
اقترب مني قائلًا: دقائق فقط، لن نتأخر.
صرخت: لن أذهب لأي مكان! ألا تسمع؟!
أمسك مسدسه: حسنًا.
اتسعت عيناي رعبًا، هذا مجرم، سيفعلها دون تردد، قلبي انقبض بقوّة ثمّ ززت رأسي موافقة، فضحك: اتبعيني.
أعاد مسدسه إلى بنطاله، وأمسك يدي يجرّني بينما أسأله أين يأخذني. قادني بهدوء إلى شارع خالٍ، ثمّ دفعني نحو زاوية ضيقة بين جدارين، محاصرًا إيّاي. أخرج سكينًا صغيرة وقال: اجرحي يدكِ.
تراجعت مصدومة: ماذا؟! هل جننت؟! بالتأكيد لن أفعل!
أخرج مسدسه مرّة أخرى، وصوّبه نحو طفلة كانت تجلس على كرسي صغير تلعب بمكعبات.
ـ إن أصابت الطلقة هذه الطفلة فذنبها على عاتقكِ، وليس لي علاقة.
استدرتُ بذهول نحو الطفلة: أنت بلا قلب، الطفلة لا ذنب لها! حتّى أنّني لن أجرح يدي، دعني وشأني!
فتح أصابعي بجسارة، ووضع السكين عليها، رفعتُ يدي المرتجفة وهو يرفع كمّ بلوزتي قائلًا بحزم قاسٍ: اجرحي.
صرخت:
ـ لن أفعل ما تريد!
ضغط على زناد المسدس قليلًا: هذه آخر مرّة. إن لم تنفذي طلبي سأقتلها، ودمها في رقبتكِ أيّتها الفتاة المتمردة.
ارتفع صوتي بالبكاء والتوسل: بحق العذراء لا تؤذِها! أرجوك دعني واتركني!
هز رأسه، وجّه المسدس نحو الطفلة، ضغط… كان سيدمرها.
صرختُ من أعماق قلبي:
ـ لااا!!
وغرستُ السكين في يدي.
سقطتُ أرضًا أصرخ من الألم، وهو يضحك بصوتٍ عالٍ مجنون، مستمتعًا بعذابي.
ترك يدي أخيرًا، صعد دراجته، عدّل خوذته، وأشار لي بحركته المعتادة: “إلى اللقاء”. ثم انطلق بسرعة جنونية.
*******
ركضتُ مباشرة نحو المرآب، أبحث عن إبراهيم بعينين دامعتين. التقطتُ أنفاسًا ثم لمعت عيناي عندما رأيته يقف قرب السيارة مع كاردينيا، يتحدث عبر الهاتف. صرخت باسمه، التفت فورًا، ناول هاتفه لكاردينيا، وركض نحوي.
أمسك يدي، جذبني إلى صدره بقوة، كان قلبه ينبض كطبول حرب، وأنفاسه متلاحقة، ملامحه مرعوبة.
إبراهيم:
ـ أين كنتِ؟! أقسم بدين محمد عقلي توقف… أين اختفيتِ؟!
لم أستطع قول جملة مفهومة. كنت أرتجف. كاردينيا احتضنتني تهدئني، بينما هو قبض على يدي وقال بقلق:
ـ هيا لنعد إلى الشقة… وجهك شاحب. سنتحدث هناك.
شددتُ على يده، لكن الألم دفعني للتأوه. سحب كم بلوزتي… واتسعت عيناه عندما رأى الدم يغطي يدي.
تفجر غضبه:
ـ حبيبتي، ماذا حدث؟! من الذي جرحكِ؟! لا تعذبيني… تكلّمي!
همستُ بصوتٍ منكسر:
ـ هو… كان السبب.
اقترب وجهه مني، وصوته يرتجف غضبًا:
ـ من هو؟
تشبثتُ بقميصه محاوِلةً النطق بما حدث، لكن الدنيا دارت بي بشكلٍ مفاجئ؛ رأيته يتضاعف أمامي كأن صورتين تنفصلان عن بعضهما. وضعتُ يدي على رأسي، أطلقتُ صرخة قصيرة، ثم انهار جسدي على الأرض.
انحنت كاردينيا تجاهي وهي تصرخ:
ـ أختي… حبيبتي! يا إبراهيم، أقسم بالله أن أختي ستفقد عقلها إن لم نُسعفها بسرعة!
قال إبراهيم بصوتٍ آمر:
ـ افتحي باب السيارة… الآن، دون أي كلام.
هزّت رأسها بسرعة:
ـ حاضر… حاضر.
حملني إبراهيم من الأرض إلى صدره، كان يحتضنني بقوة، وملامحه غارقة في الخوف والقلق على أختي. ركض بي إلى السيارة، وضعني على المقعد، وأسندتُ رأسي على كتف كاردينيا التي أخذت تمسح وجهي المرتجف.
شغّل إبراهيم المحرّك وهو يقول بلهجة متوترة:
ـ حاولي إبقاءها مستيقظة… اضربي خدّها بلطف إذا احتاج الأمر.
أومأت كاردينيا:
ـ حاضر.
وصلنا الشقة سريعًا. صفّ إبراهيم السيارة، حملني مرة أخرى، وسبقتْه كاردينيا لتفتح الباب، لحسن الحظ كانت تملك المفتاح.
مدّدني على السرير، ثم طلب منها:
ـ أحضري عطرًا وماء… بسرعة.
---
فتحتُ عيني بصعوبة، الرؤية ضبابية. كان جالسًا بقربي، وما إن لاحظ استيقاظي حتى ابتسم، وطبع قبلة سريعة على جبيني.
إبراهيم:
ـ الحمد لله على سلامتكِ يا روحِي.
قلتُ بصوت متعب والدوار يثقل رأسي:
ـ برهمي… ماذا حدث؟
جلس بقربي وقال بحدة يملؤها الخوف:
ـ هذا السؤال أنا من يجب أن يطرحه. فقدتِ وعيكِ في المرآب… حملتُكِ وعدتُ بكِ إلى الشقة. أخبريني، ماذا حدث لكِ؟ والله كدتُ أفقد عقلي… وجهكِ كان أصفر، ويدكِ كلّها دم. لم يحدث لكِ شيء كهذا سابقًا.
لم أجد في داخلي قوة للحكي. تمددت أكثر، وسحبت الغطاء حتى وصل إلى وجهي… كنت أريد الهروب من العالم كله.
قال بصوت مضطرب:
ـ لا تصمتي… صمتكِ يخنقني.
لم أُجب. نادى بسرعة:
ـ كاردينيا! أحضري معقمًا وقطعة قماش… أي شيء لأعالج يدها.
دخلت كاردينيا بعد لحظات وهي تحمل معقمًا وقطعة قماش حمراء.
قالت:
ـ لم أجد إلا هذا… للأسف لا توجد ضمادات ولا لاصق عندنا.
أخذها منها، وحين اقترب بقطعة القماش الحمراء صرختُ فجأة، وكأن اللون نفسه يجلد روحي:
ـ أبعدهُ عـنّي! أبعدهـ… لا أريده! أكره اللون الأحمر… أبعده!!
تجمد الاثنان مصدومين. اقترب إبراهيم ومدّ يده نحوي:
ـ ماتيلدا… ما بكِ؟ لماذا تخافين اللون؟
قالت كاردينيا بدهشة وقلق:
ـ حبيبتي، لم أكن أعلم أنكِ تكرهينه لهذه الدرجة.
دفعت يدها بقوة، وارتجفتُ وأنا أصرخ بكلمات غير مفهومة، ثم صرختُ بأعلى صوتي:
ـ اخرجوا… اخرجوا من الغرفة! أكره اللون الأحمر… كلّه بسببه… بسببه!
اقترب إبراهيم بسرعة، أمسك وجهي بيديه، ووضع أصابعه على شفتي مانعًا كلامي:
ـ ششش… اهدئي. أي شيء تريدينه سيتحقق. فقط… اطمئني.
رما قطعة القماش لكاردينيا:
ـ تخلّصي منها فورًا. أحضري أي شيء غيرها.
قالت كاردينيا بقلق:
ـ حسنًا… لكن دير بالك عليها.
غادرت، ثم عادت بعد دقائق تحمل قطعة قماش أخرى. عالج إبراهيم الجرح، طهّره، وربطه، ثم قال وهو ينهض:
ـ سأذهب إلى الصيدلية. لن أتأخر. أنتِ… لا تتحركي من مكانكِ، وممنوع أن تخرجي. مفهوم؟
ثم التفت إلى كاردينيا:
ـ انتبهي لها… لا تتركيها وحدها.
ابتسمت بثقة:
ـ بعينيّ الاثنتين.
خرج إبراهيم، فأغلقت كاردينيا باب الشقة وعادت إلى الغرفة، جلست بجواري تمسّد شعري بقلق.
همستُ لها بصوتٍ مرتعش:
ـ رأيتُه.
اتسعت عيناها:
ـ مَن؟
ـ هو… F.
صرخت بصدمة:
ـ مستحيل! كيف جاء إلى تركيا؟ أرجوكِ… قولي إنكِ تتوهمين.
أجبتها بمرارة:
ـ أقسم بربّ يسوع… لم أتوهم. رأيته… وهو من جرح يدي بالسكين.
حدقت بي صامتة، لم تستوعب ما سمعت. أمسكتُ يدها، وعدّلت جلستي، وضعت وسادة خلف ظهري وقلت:
ـ يجب أن نغادر تركيا.
قالت بدهشة:
ـ إلى أين نذهب؟ بعد كل هذا العناء وجدنا سكنًا وعملًا… هل نعود للتشرد من جديد؟
قلت بصوت مرتجف:
ـ وماذا نفعل؟ نبقى ننتظر المجرم ليقتلنا؟ رأيته اليوم… كلّمني… وجرح يدي. يعني أن اللقاء الثاني قريب… وقريب جدًا.
قالت وهي تتنفس بخوف:
ـ وكيف عرف أننا ذهبنا إلى السينما؟
ـ هذا طبيعي. ربما يراقبنا. إذا استطاع الوصول إلى تركيا، فيمكنه الوصول إلى مدينتنا… إلى شقتنا.
قالت فجأة:
ـ لدي حل.
نظرتُ إليها متسائلة:
ـ ما هو؟
ـ أخبري إبراهيم عمّا حدث.
شهقتُ غاضبة:
ـ مستحيل! هل جننتِ؟
قالت بحزم:
ـ لا تنسي أن إبراهيم ضابط مخابرات… هو الوحيد القادر على مساعدتنا. سيقبض على F، ويُنهي هذا الكابوس. أخبرِيه… لنرتاح. كل ليلة أنام وأنا قلقة بسببه.
هززت رأسي بقوة:
ـ لا… لا أريد أن يعرف.
قالت بعتاب:
ـ ولماذا تخفين عنه شيئًا كهذا؟ قد يغضب منكِ لاحقًا.
قلت بصوت مخنوق:
ـ أنا خائفة عليه… إن حاول تتبعه أو جمع معلومات عنه… سيقتله! كما قتل عائلتنا بدمٍ بارد.
انهمرت دمعة من عين كاردينيا، وقالت بصوت مكسور:
ـ ماتيلدا… اشتقتُ لأمي.
انقبض قلبي عليها، جذبتها إلى صدري بسرعة، وبدأت تبكي بصوتٍ مسموع، بينما أحاول تهدئتها بكلماتٍ أعرف أنها ضعيفة أمام ألمها.
ـ حبيبتي… أنا معكِ دائمًا. وبالنسبة لأمي… من الطبيعي أن نشتاق إليها. لكن العذراء معنا… ادعي وصلّي، ستشعرين بالراحة.
سألتني وهي تمسح دموعها:
ـ ومن سيأخذنا إلى الكنيسة؟
ـ أنا… غدًا. أعدك.
صمتت لحظات ثم همست بخوف:
ـ والمجرم؟
قلت بضيق واضعة يدي على قلبي: إن رأيته مرّةً أخرى، سأخبر إبراهيم… لقد سئمت هذا الوضع. إلى متى سيظل يهدّدنا ويقتل؟ لا أعرف ماذا يريد، ولا أفهم غاية جرائمه التي لا تُحصى.
وبينما كنّا نتحدث، دوّى صوت الجرس. سارعت كاردينيا إلى فتح الباب، فدخل إبراهيم وهو يحمل كيسًا من الأدوية وآخر مليئًا بالفاكهة. اقترب منّي، جلس إلى جانبي، وبدأ بتعقيم الجرح ولفّه بعناية. ثمّ قال بنبرة ممتلئة بالقلق: حبيبتي، حاذري من الماء… انتبهي ليدكِ ولنفسكِ. ما زلتِ شاحبة. هل آخُذكِ إلى الطبيب؟
هززتُ رأسي نافية: لا حاجة لذلك، أشعر بتحسّن.
ابتسم قائلًا: الحمد لله.
ثمّ التفت إلى كاردينيا وقال: أحضرتُ بعض الفاكهة، سأعدّ لها عصيرًا طبيعيًا. وجهها مصفر ومتعب، إنّها تُهمل نفسها كثيرًا.
أومأت كاردينيا وقالت: حسنًا، أعطني إياها لأُعدّ العصير. لكن إبراهيم نهض وقال بحزم لطيف: لا، سأعدّه بنفسي.
سألته كاردينيا: أأرافقك إلى المطبخ؟
فأجاب بلا تردد: لا داعي، ابقي إلى جانب أختكِ ربّما تحتاج شيئًا.
غادر نحو المطبخ، وبقيتُ صامتة لبرهة. بعد دقائق عاد يحمل كأس العصير، وقدّمه لي. أخذته منه وشربت… وما إن وصلت آخر رشفة إلى فمي حتى شعرت بنعاس ثقيل يُطبق على جفوني. أغمضت عينيّ، ثم فتحتهما ببطء.
قال إبراهيم وهو ينهض: نامي الآن، وعندما تستيقظين اتصلي بي.
سألته بصوت متعب: كم الساعة؟
-الحادية عشرة تقريبًا. إلى اللقاء.
تمتمتُ بنبرة مرهقة: الربّ يرافقك… يا حبيبي.
رحل، وأطفأت كاردينيا الضوء، ثمّ تمددت إلى جانبي ونامت سريعًا. أما أنا، فبقيت مستيقظة، أسترجع ذكرياتي والجرائم التي حدثت وأتساءل عن القدر الذي جمعني بإبراهيم وأوقعني في حبّه. التفتُّ نحو اليمين، فرأيت وجه كاردينيا قريبًا من وجهي. ابتسمتُ؛ فهي تشبهني كثيرًا، إلا أن تفكيرها مختلف تمامًا عني. كاردينيا تركت الدراسة بعد الصف السادس بسبب هروبنا من العراق ولجوئنا إلى تركيا. فاتحتُها أكثر من مرّة بموضوع الجامعة، لكنّها ما تزال ترفض. صار لنا عامان في تركيا، ولا تزال تخشى الالتحاق بالدراسة. وأنا أيضًا خائفة عليها… خاصّة بعد رؤيتي لـ "F" اليوم.
عمري الآن ستة وعشرون. تخرّجتُ في كلية الإدارة والاقتصاد عام 2007 حين كان عمري اثنين وعشرين سنة. في تلك السنة وقع حادث وفاة والد لورين… تركت لورين عملها، أما أنا فلم أعمل أصلًا بسبب "F". وعندما جئت إلى تركيا، كانت المرّة الأوّلى التي أعمل فيها… في شركة إبراهيم.
تنهدتُ طويلًا، أمسكت هاتفي، اتجهت إلى قائمة المكالمات، واتصلت بداينال. رنّ الهاتف… تمنّيت من أعماقي أن يجيب. رنّ… ورنّ… وقبل أن تنقطع المكالمة، فتح الخط.
لكن لم يصلني صوته… لم يقل "مرحبًا". صمت. لم أسمع سوى أنفاسه. شعرتُ بقلبي ينقبض بقوّة، وخرجت مني شهقة مكبوتة. عندها سمعتُه يسحب نفسًا طويلًا، ثمّ قال بصوت مختنق: مشتاقٌ إليكِ… أقسم بالربّ والكتاب المقدس… مشتاق.
كلماته اصطدمت بقلبي انسابت دموعي على خديّ. قلت له بخنق: كيف حالك؟
ارتفع صوته بقلق: هل تبكين؟
-كيف سمح لك قلبك أن تختفي أشهرًا طويلة؟ لا صوت، لا خبر!
قال بحزن مضطرب: الربّ وحده يعلم ما الذي جرى… كيف حالكِ أنتِ؟
-أحاول أن أكون بخير… وأنت؟
-طالما أنتِ بخير… فأنا بخير.
سكتنا طويلًا. كان الخط مفتوحًا، لكنّ الكلمات فقدت الطريق بيننا.
مسحت دموعي، ثم قلت: إبراهيم قرّر أن تتم خطوبتنا بعد أربعة أشهر.
صمت قليلًا، ثمّ قال بصوت خافت: أعرف أنّكِ قوية.
-ماذا تعني؟
- لا شيء، اعتني بنفسكِ، وليمنحكِ الربّ السعادة.
ثمّ انقطع الاتصال فجأة، دون أن يمهلني فرصة لأجيبه. بقيتُ مذهولة، أحدّق في الشاشة المُظلمة.
*********
العراق – بغداد
لورين
غادرتُ المنزل في أوّل يوم لي في الوظيفة الجديدة. ركبت سيارتي، وبعد دقائق مرّرت بمحل العصائر، طلبت كوكتيلًا، شربت نصفه، ثمّ خرجت وأنا أدندن بصوت خافت. عدت إلى السيارة، وما إن هممت بتشغيلها حتّى اهتزّت بصوت ارتطام خفيف عند مقدمتها. ترجلتُ فورًا ونظرت، فإذا بجسم رجل شامخ يقف أمام السيارة. بدا أطول من عمود الكهرباء بأضعاف. همست بدهشة: ارزقني طولك فقط.
رفعت بصري نحو وجهه، شعرت وكأنّي رأيته سابقًا!، ابتسم، وضيّق عينيه، وقال بلطف: صباح الخير يا آنسة.
- أهلًا، صباح النور.
سكت لحظةً، ثمّ فرك يديه بتوتر، وقال بصوت متقطع: لورين… أنا أُحبّكِ.
____
نمارق رحيم✍️🏻
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!