ابتسم وقال بصوت هادئ تطغى عليه الطمأنينة: "الرّب دائمًا يُنصف المظلوم، وأنتِ ظلمتِ كثيرًا، لذا هو معك، وأنا كذلك، لا تخافي. أعلم كم أنتِ قوية، وستتجاوزين هذه المرحلة الصعبة، وستمضين قدمًا.
ثمّ أردف: " برأيي يا ماتيلدا اتركي فكرة الإنتقام الآن، ليس وقتها، حين يأتي الوقت المناسب، ربّما بعد سنوات، ستكونين قادرة على فعل ما ترغبين به. أما الآن، فالهروب هو خياركِ الوحيد. يجب أن تسافري وتختفي، حتّى يعتقدوا أنكِ متِّ، وينسوكِ تمامًا.
تنهدتُ، وأجبته: "الرّب كريم"
-هل جوازات السفر بحوزتكِ؟
-نعم، موجودة عند صديقتي.
كنت أشعر بشيء غريب طيلة هذا الشهر، كأن قلبي يحذرني، لذا وضعت الجوازات والمستمسكات وحتّى النقود مع صديقة أثق بها وقد صدق حدسي، فكلّ شيء حدث كما خِفت.
قال وهو يبتسم بإعجاب: "أحسنتِ، هذا أفضل ما قمتِ به" ثمّ أكمل، وقد لاح الحزن في عينيه: "ماتيلدا، لو أخبرتِ والدكِ، ربّما لم يحدث كلّ هذا. كان ربّما سينقذكم، يسفّركم قبل أن يحترق البيت، ربّما كانوا أحياء الآن، وليسوا تحت التراب. شهقتُ وقلت بحرقة: "من قال لك أني لم أحاول؟ لكن كفى يا دانيال، أرجوك"
سكت قليلًا، ثمّ تمتم مترددًا: "آسف"
قاطعته: "لا تقل شيئًا، فقط، حاول أن تؤمن لي شقة، أو فندقًا غير معروف في -بغداد- لا أريدهم أن يعثروا عليّ. نحتاج إلى مكان آمن لنخطط للغد. الغد سيكون طويلًا، ويجب أن أستعد له، سأسافر خلال هذا الأسبوع.
-حاضر، أنا معكِ في كلّ خطوة.
-الرّب يحفظك، لقد أنقذتني في مواقف كثيرة، وسأبقى مدينة لك. بعد الرّب، لا أعتمد على أحد سواك أنت صديقي الأمين.
-لا حاجة للشكر بيننا، والآن أغلقي الاتصال الآن، ربّما يراقبون الخط كلّ شيء وارد.
-لا أستبعد ذلك.
-مع السلامة، واعتني بنفسكِ.
-وأنت أيضًا.
أغلقت الإتصال، والتفتُّ نحو أختي كانت تبكي بصمت، ثمّ همست بصوت مكسور:" انظري إليّ لماذا تبكين؟ انظري، أتكلم معكِ"
-لا شيء، لا تقلقي.
-كاردينيا!!
صرخت فجأة بحرقة: "هل يعجبك ما نحن فيه؟ لا بيت، لا عائلة، مشرّدات بين الكنائس والشوارع في هذه اللّيالي.
أجهشت بالبكاء، فاحتضنتها بقهر: "يا روح أختكِ، لِمَ أنا موجودة إذًا؟ قلتُ لكِ، وسأعيدها: أنا أختكِ الكبرى، أنا أمكِ وصديقتكِ وسندكِ وقوتكِ. أقسم إن رأيت دموعكِ مرّة أخرى، سأغضب منكِ، كاردينيا سنسافر ونرتاح أعدكِ بذلك.
مسحت دموعها وهمست بتعب: وأنا أعدكِ لا أكرر هذا.
-جيّد.
اتصلتُ بصديقتي واتفقنا على مكان اللقاء لتسلمني النقود والجوازات. استأجرتُ سيارة أجرة، وبعد ساعة ونصف، وصلت. وقفت عند الرصيف فرأيتها تقترب تعانقني قائلة:" مرحبًا"
أجبتها بإبتسامة: " أهلًا، لورين"
-أحضرت المال والجوازات، كلّ شيء كما هو، لا ينقصه شيء. اطمئني.
-أثق بكِ تمامًا.
أخذت الحقيبة منها، ووضعتها على كتفي" لورين، الشقة فارغة، أصحيح؟"
-نعم، كنت سأنبّهك على هذا.
ابتسمت، وقبّلت خدها، ثمّ استأجرنا سيارة أوصلتنا إلى الشقة، دخلنا، صعدنا الطابق، سلّمتني المفاتيح ثمّ خرجت وأغلقت الباب خلفها. مكثنا يومين داخل الشقة كانت ترسل لنا لورين الطعام والملابس، ثمّ ترحل بسرعة. في اليوم الثالث حضّرت كلّ شيء، خرجنا عند الفجر من الشقة، ومعنا حقيبة واحدة فقط، وقفنا على الرصيف دقائق، ثمّ توقفت سيارة دانيال، ركبنا بسرعة.
-إلى المطار، صحيح؟ - سأل.
-نعم، بالتأكيد.
انطلقت السيارة، وأنا غارقة في التفكير حتّى تذكرت الضابط الذي ساعدني، والذي وعدته أن أعيد له المال بعد ثلاثة أيّام، ثمن الدفن والعلاج في المستشفى. ضربت كتف دانيال بسرعة:
-لحظة، توقف!
انتفض من الرعب: "ماذا هناك؟! هل نسيتِ شيئًا؟"
-نعم، عليّ أن أسلم المال للضابط! (حكيت له قصته).
-لا يمكنكِ، لا وقت لدينا، أنسِ الأمر، هو لم يطلب المال أصلًا. المهم الآن أن تصلي إلى المطار، تبقّى ساعة فقط. إن فاتتكِ الرحلة، فلن تسافري أبدًا هذه فرصتكِ الأخيرة.
كلامه أيقظني كانت لحظة حاسمة اليوم هو آخر أمل لي إن تأخرتُ، انتهينا لذلك وافقت.
تشبّثتُ بكف كاردينيا، ومضيت... خطواتي متثاقلة، كأن الأرض تئن من تحتي شعرتُ بكف تُلامس كتفي، التفتُّ بحدّة، واتسعت عينايَ من الدهشة -الضابط إبراهيم!!-
نطقت بدهشةٍ لم أستطع إخفاءها "أهذا أنت؟!"
ابتسم بهدوء أربكني "نعم أنا، رأيتكِ صدفة مع أختكِ يبدو أن القدر جمعنا للمرّة الثانية، صدفة جميلة، أليس كذلك؟"
توترتُ، وهذا ليس من طبعي ارتبكت، تلعثمت وقلبي يُحذرني من شيء غير معلوم، سألته بتردد: "أنت مسافر إلى دولة أخرى؟"
-أجل.
سكتُّ لا أرتاح في حضوره هناك ظلٌ خفيّ خلف نظراته لا أستطيع تفسيره. كاردينيا أرادت الحديث، لكنني رمقتها بنظرة: "اصمتي"
سحبتني من يدي وهمست: "لا أشعر بالراحة تجاهه أيّ صدفة هذه التي ساعدنا بها، والآن سيسافر معنا؟ وعلى نفس الطائرة؟!"
همستُ بدوري: "ألم تقولي إنّه رجل طيب؟ والآن، فجأة، لا ترتاحين له؟ اسكتي ودعينا نغادر"
-حسنًا، هيا.
تركناه، وتوجهنا نحو وجهتنا، لكني تذكّرت أنّه هُنا وأنني لم أعد له ماله.
-كاردينيا، خذي هاتفي واصعدي، سأعود سريعًا.
رجعتُ. كان لا يزال واقفًا كأنّه كان يعرف أنني سأعود. تقدمت نحوه بخطواتٍ أسرع، فتحت حقيبتي الصغيرة وأخرجت المبلغ الذي أعددته مسبقًا، وضعت النقود في يده.
-شكرًا على ما فعلته معنا، مع السلامة.
ابتسم، تلك الابتسامة الغامضة ولم يجبْ. غادرتُ، وجلستُ في مقعدي جوار كاردينيا لكن قلبي كان يدق بعنف لا أعرف ما الذي انتابني، بعد دقائق، ظهر "دانيال" وهو يحمل هاتفه، وجهه شاحب، ونظراته مثقلة.
سألته: "ما الأمر؟" أجاب بصوت مضطرب: "ماتيلدا الرحلة إلى تركيا أُلغيت"
قلتُ بدهشة -ماذا؟! لماذا؟!
-حصل خطأ بالحجز. حجزوا مقعدًا واحدًا فقط، ونسوا أختكِ. لذلك طلبت إلغاء الحجز، لأنكِ لا يمكنك السفر وحدكِ.
-بالطبع لا أستطيع. لكن ما الحل؟ إن لم نغادر بغداد اليوم سنُقتل لا يوجد أمان.
-أعلم لهذا فكرت أن آخذكما إلى أربيل ما رأيكِ؟
-وكم من الوقت سنبقى هناك؟
-لمدّة أسبوعين حتّى يهدأ الوضع، إن لم يظهر خطر، تبقين هناك وإن حدث أمر غريب، سأحجز لك فورًا تذكرة إلى تركيا.
-حسنًا، لا خيار أمامي.
خرجنا من المطار، واستأجر لنا دانيال سيارة من بغداد إلى أربيل بعد ساعات وصلنا، سألته "أين سنقيم؟"
-سأبحث الآن عن شقة مؤقتة، حتّى نجد منزلًا أو عمارة مناسبة، كلّ التعب يهون لأجلكما. سآخذكما إلى أقرب حديقة لتنتظرا، وسأتصل ببعض الأصدقاء ربّما يعرفون مكانًا آمن للإيجار.
ذهب بنا إلى حديقة قريبة، جلسنا على المقاعد، وابتعد قليلًا ليتحدث بالهاتف. عاد بعد نصف ساعة، وجهه يحمل بشائر طيبة "وجدتُ شقة بسيطة، غير معروفة، حفاظًا على سلامتكما. إيجارها معقول، استأجرتها لأسبوعين". ابتسمتُ بحمدٍ على هذا التيسير لعلّ الأيام المقبلة تمرّ بسلام.
حين دخلنا الشقة، وجدناها كما وصفها دانيال: بسيطة، نظيفة، وآمنة. كاردينيا استسلمت للنوم فورًا. أما أنا، غسلت وجهي، وتمددت جوارها. لكن النوم فارقني تمامًا. نظرت إلى الساعة، كانت التاسعة والصلاة في الثالثة توضأت، وبدأت أصلي، أُرتّل كلماتٍ حانية بصوتٍ خافت، ونبرةٍ منهكة (أغسل يديّ في النقاوة، فأطوف بمذبحك يا رب،
لأُسمع بصوت الحمد، وأُحدّث بجميع عجائبك، يا رب، أحببتُ محل بيتك، وموضع مسكن مجدك أرسل نورك وحقك، هما يهديانني ويأتيان بي إلى جبل قدسك،
وإلى مساكنك. فآتي إلى مذبح الله، إلى الله بهجة فرحي، وأحمدك بالعود يا إلهي)
أنهيتُ صلاتي ودخلت المطبخ كان فارغًا تذكرت أن دانيال قال إنه سيجلب لنا الغداء فقلتُ ننتظره، رأيت زجاجة ماء، شربتها، جلستُ على الكرسي، وضعت يدي على رأسي، تفكيري لا يتوقف يا الله خذ بثأري ممن سرق طفولتي وحطّم قلبي.
(عودة إلى الماضي - قبل ثلاث سنوات)
أسندت رأسي بهدوء على الطاولة، وجعلت جفنيّ ينطبقان بتعب، ليتسلّل عقلي إلى الوراء إلى ذلك الماضي الذي لا يرحم.
خرجتُ من الجامعة، أحمل ملفاتي في يدٍ، وحقّيبتي مُعلّقة على كتفي الأيمن كنتُ أرتدي تنّورةً سوداء قصيرة وقميصًا أبيض، شعري كان منسدلًا على ظهري حرًّا، سرتُ بثقة وخطى ثابتة، وعيناي معلّقتان بالطريق حتّى وصلت إلى الكراج وركبتُ سيارتي ما إن هممت بتشغيلها، حتّى لفتت نظري ورقة بيضاء على الزجاج الأمامي، لم أكن قد رأيتها من قبل ترجلتُ لأقترب منها وقلبي ينبض بقلق، التقطتها وفتحتها وما إن قرأت ما كُتب حتى تجمّدت أنفاسي "ابتدأت الحرب، وبدأتِ أنتِ بالخسارات كوني هادئة - F"
وقفتُ مذهولة مَن كتب هذا؟ وما الذي يعنيه؟ هل يعرفني؟ هل يراقبني؟ رميتُ الورقة في سلة المهملات وركبتُ السيارة مسرعة، كلّ ما أردته حينها أن أصل إلى البيت وأطمئن. فتحتُ الباب بعجلة، أمي كانت في المطبخ تطبخ، وأبي جالس يقرأ الإنجيل تنفّستُ بإرتياح، هم بخير.
قبّلتهم وصعدت إلى غرفتي جلست على السرير أقلب في هاتفي، لكن بالي لم يغادر تلك الورقة وكلماتها، قلتُ في نفسي: "هل أخبر والدي؟ أم أتحمل الأمر وحدي؟ لا أريد أن يتأذّى بسببي" فجأة وصل إشعار رسالة من رقم مجهول فتحتها فورًا: "اهدئي الأمر ليس سريعًا بهذا الحد. - F"
يا ربّ السّموات، من هذا F؟ كيف حصل على رقمي؟ اللعنة، حظرته فورًا وألقيت الهاتف بعيدًا عني أحاول الّا أكترث ربّما طفل يريد اللعب معي، لكنّي بدأت أشك لأنه لم يتوقف لمدّة أسبوع كل يوم أستلم رسالة، إمّا على زجاج السيارة أو على هاتفي قررت وقتها أن لا أستمرّ هكذا لا بدّ أن أخبر أبي.
"أبي أريد أن أخبرك بشيء، هناك شخص يلاحقني برسائل غريبة، لا أعرف مَن هو، ولم أؤذِ أحدًا لأُعاديه"
نظر إليّ بقلق "أبنتي، لا تُقدّمي شكوى للشرطة، أغلقي الموضوع"
- لكنّه يُزعجني منذ أسبوع
-غدًا سأذهب معكِ، وسنُنقلكِ إلى جامعة أخرى.
-مستحيل! لا يمكنني ترك جامعتي وزملائي صعب جدًّا
-إذن، ماذا أفعل؟ أخبريني.
-سأكسر الشريحة وأُغيّر حساباتي، وسأغيب غدًا عن الجامعة لأفكر.
-جيّد وأيّ شيء يحدث، مهما بدا بسيطًا، تخبريني به فورًا.
-حاضر.
•••••••
(عودة إلى الحاضر)
أفقت من شرودي على دخول كاردينيا جلستُ مستقيمة وقلتُ لها بابتسامة مصطنعة: "صباح الخير"
-أنا جائعة بل سأموت من الجوع.
ضحكتُ بخفة: "آه يا صغيرتي، سيأتي دانيال لا تقلقي ستأكلين"
صلّينا وانتظرناه لم يتأخّر، وعندما وصل، كان يحمل وجبتي طعام شهي، أنواع كثيرة من المشويات اللذيذة جلسنا على الأرض نتناول الطعام.
••••••
مرّ أسبوع على هذا الروتين، لم نغادر الشقة، وكان دانيال يتكفّل بكلّ شيء استأجر شقة بجانبنا ليكون قريبًا، وقال: "حالما تستقرون، أرجع لبغداد" لكن، في بداية الأسبوع الثاني، قلبي لم يعد مطمئنًا كنت أرى كوابيسًا كلّ ليلة، وكان صوت داخلي يقول: "اخرجي من العراق." حتّى جاء اليوم الذي قلب كلّ شيء.
رسالة على هاتفي:
"الشقة رقم ٢١... هل أراحتكِ؟"
تجمّدت، حظرت الرقم فورًا، وأتصلت بدانيال وأخبرته. قال مباشرةً: "ماتيلدا، أنا غير مرتاح لبقائكِ في أربيل. سأحجز الآن، وإن شاء الله بعد يومين تكونين في تركيا."
__
نمارق رحيم✍️🏻
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!