الفصل 2 | من 44 فصل

رواية شخوص متداخلة الفصل الثاني 2 - بقلم .

المشاهدات
19
كلمة
2,621
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

جالسَين على الرصيف، أمامنا منزلنا يشتعل بالنيران. أقبل أختي برجفة، أحاول تهدئتها، أحاول أن أمنع الانهيار لكن داخلي كان ينهار كنا قد علمنا قبل دقائق أن أهلنا قُتلوا قبل أن تلتهمهم النيران. وصلت سيارات الإطفاء، ترجل رجالها يركضون وسط اللهب، مرّت دقائق طويلة كأنّها دهور ثمّ خرجوا وهم يحملون نقالتين، كلّ منهما مغطاة بملاءة بيضاء. اقتربتُ بخطى مُنكِّسة، وكأن الأرض أثقل من أن تحملني، مددتُ يدي لأزيح الغطاء، فصرخ أحد رجال الإطفاء بصوت مشوب بالتحذير "جُسَداهما محترقان بالكامل... لن تحتملوا رؤيتهما."

صرخت أختي وهي تجهش بالبكاء "بحق العذراء، دعني أراهما أريد وداع أمي وأبي للمرّة الأخيرة"

هزَّ رأسه رافضًا، فشعرت أن شيئًا بداخلي يتحطم عصرتُ يدي، استجمعت آخر ما تبقى من قواي، ورفعت الغطاء. لم أتحمّل وجهيهما لم يعودا لهما، مجرد قطعة سوداء، متفحمة، بلا ملامح!

مشهد لا أستطيع تصديقه وضعت كفي على عيني أختي، احتضنتها بشدة وهي تصرخ وتبكي وتنتحب سقطنا على الأرض، وأنا أحاول احتواء انهيارها ودموعها تغرق التراب تحتنا. توقفت سيارة سوداء بجوارنا. خرج منها رجل طويل القامة، خطواته واثقة، بهيئة رسمية خضراء مزينة بنجوم ذهبية على كتفه. تقدّم نحونا، عيناه على الجثث، ثمّ ثبت بصره علينا، قال بصوتٍ مهيب "لا إله إلّا الله، إنّا لله وإنّا إليه راجعون الرحمن يرحمهم، البقاء لله."

لم أجب كنت مشغولة بتهدئة أختي نُقلت الجثامين إلى سيارة الإسعاف، ومعها روحي لم أعد أشعر برجليّ، همست في أذن أختي وأنا أضغط على يدها "خذي نفسًا عميقًا، لا تنهاري أرجوكِ من أجل المسيح" لكن جسدي لم يحتمل. تهاوى بصري، وتشوشت رؤياي، صرتُ أراها شخصين، ثمّ سقطتُ.

•••

الساعة العاشرة والنصف صباحًا - مستشفى الطوارئ المركزي.

فتحت عيني ببطء، الضوء الأبيض اصطدم بوجهي، لكنه لم يبدّد الظلمة التي انعقدت داخلي. كلّ شيء كان ضبابيًا رأسي مثقل، أنفاسي متقطعة، أحسست بوخز الكانيولا في يدي، ورائحة المطهرات تحاصرني. أمامي أجهزة تومض، رأيت الساعة كانت السابعة صباحًا علمت حينها أني نمت لساعات طوال، كان الضابط والدكتور واقفين بقرب رأسي يتحدثان وجهيهما معقود بالقلق، تنبه الضابط أنّي استيقظت فقال بهدوء"كيف حالكِ الآن؟"

لم أُجب. لم أملك طاقة للكلام، فالصوت في داخلي كان يصرخ بصمتٍ مرير: "لا تسألني عن حالي، فأنا فقدت ملامح نفسي البارحة"

كنت أُجاهد كي لا أنهار أمامهم ولكن الحقيقة أنني كنت منخورة من الداخل، فارغة، مُجردة من كلّ ما يمنح الإنسان قدرة الوقوف. كرهت نفسي، واحتقرت هذا الضعف الذي لا يشبهني هذا ليس مكاني ولن أسمح أن أكون هنا مرّة أخرى.

قلت لهم إنني بخير، وإنني لا أحتاج للبقاء أعترض الدكتور لكن لم أكترث أمسكت بأختي للخروج قالت لي بعد أن أحتضنتني خائفة "إلى أين نذهب؟ لم يعد لدينا بيت"

كلماتها كانت خناجر وتنهّدت طويلًا "سندفنهم أوّل ثمّ سنفكر، لا تخافي أنا هُنا معكِ لن أترككِ"

هدأت قليلًا، قبل المغادرة ذهبنا الى مركز الشرطة كانت جلسة تحقيق وتقديم الإفادة وسرد ما حدث، طلبت إغلاق ملف القضية وتحمل المسؤولية، بصعوبة خرجنا للذهاب إلى المقبرة، تمَّتْ مراسم الدفن، وعلمت أن كلّ التكاليف تكفّل بها الضابط نفسه دون أن يسألنا بعد انصراف الجميع، جلست أختي على القبر، تسكب صمتها، وألمها، وتكسر قلبها بنظراتها
لم أتدخل تركتها، هذا حقها الأخير في البكاء.

أربعة ساعات متواصلة لم تتحرك، لم تنبس ببنت شفة كنت خائفة عليها لكنني عاجزة عن ازالة الألم من قلبها، الجريمة التي ارتُكبت تلك اللّيلة كانت أسوأ من الليالي الثلاث التي سبقتها..

حين بدأت الشمس بالغروب، استطعت بصعوبة أن أوقفها، أن أقطع صمتها كان الضابط لا يزال هناك، واقفًا يتأمل السّماء، يستند إلى سيارته، يداه مشبوكتان، وعيناه تائهتان لم أفهم سر نظراته ولا وجوده أمسكت بيد أختي، ونهضنا معًا رآنا نغادر، فاقترب قائلًا "دعوني أوصلكم"

نظرت إليه، وقلت بفتور "إلى أين؟"

-إلى البيت
-نملك بيت واحد وأحترق حتّى الرماد
-ألّا تملكون قريب؟
-لا
-أيُعقل؟ حتّى أقرباء والديكِ؟ لم يأتِ أحد، لم يسأل، لم يحضر الدفن!

نظرت إليه مباشرة، وقلت بحدة "هذا أمر يخصنا أرجوك لا تتدخل فيما لا يعنيك"

-معكِ حقّ أعتذر.

أضفتُ "شكرًا على وقوفك معنا على المال الذي دفعته دون سبب مقنع، سأعيده إليك قريبًا، لا تقلق"

-لم أطلبه
-وأنا لم أطلب منك أن تدفع
-حسنًا كما تشائين

غادرنا المقبرة أتساءل أين سنذهب؟ ماذا سنفعل؟ لا أعلم، أصبحنا بلا مأوى، حتّى أجرة سيارة لا أملكها ولم أجرؤ على رفع يدي لطلب التوصيل. حلّ اللّيل والبرد تسلل إلى عظامنا. جلسنا على الرصيف عندها أتى الضابط بعينه، أوقف سيارته إلى جوارنا، وأنزل النافذة "اركبا، لن يُوصلكما أحد في هذا الوقت دون مقابل، اللّيل مُخيف"

شعرت بجسدي يتجمد لم يكن لدي خيار لأرفض. نظرت إلى أختي كانت شاحبة، وعيناها تبحثان عن قرار.

اللّيل كان طويلًا ثقيلًا، كأن السّماء قد ابتلعت كلّ نورها وتركتنا وحدنا، على الرصيف، نرتجف من البرد والتيه.

تردّدتُ ليس خوفًا منه، بل خوفًا من نفسي، من عجزنا، من كوننا لم نعد نملك شيئًا، حتّى الكرامة صارت ثقيلة على الأكتاف المنهارة.

رمقته بنظرة متوترة، وسمعت صوتًا داخليًا خافتًا يقول: "اركبي... إن لم يكن أملًا، فهو الأقل وجعًا بين هذا الخراب"

همست أختي في أذني، بصوتٍ خافت أقرب للرجاء: "لنركب، يبدو أن الضابط رجل طيب، وسيساعدنا، ثمّ إننا لا نملك خيارًا آخر في هذا الوقت"

أجبتها بجمود: "لا أحب أن يُقَدم لنا العون"
-ماتيلدا وماذا بعد؟
-حسنًا، اصعدي.

فتح لنا الباب، صعدتُ أنا وأختي أولًا، ثمّ تبعنا هو. قحقح قليلًا، كأنّه يحاول كسر صمت المكان، اكتفيت بإلقاء تحية مقتضبة، ظللت ساكنةً طول الطريق، فتحت النافذة، أخرجت يدي، أغمضت عيني، وتركت النسيم يلفح وجهي، رائحة التراب المبلل، شوارع فارغة، لا بشر، لا ضجيج. أتساءل متى سترأف بنا الحياة، متى أعيش دون خوف؟ دون توتر؟ دون أن أرتجف عند كلّ صوت عالٍ؟ متى ستتوقف المصائب، القتل، الدم، والموت عن ملاحقتي؟ أربعة أعوام مضت جعلتني أشيخ أربعين عامًا لقد استُنزف كل ما فيّ، قلبي لا أعلم من أين لي هذه القوّة، ولا كيف ما زلت أقف، أتنفس. كان من المفترض أن أموت معهم حين فقدت عائلتي، أولئك الذين كانوا عالمي، أصبحت يتيمةً للمرّة الثانية.

قطع الضابط أفكاري، صوته أعادني إلى الحاضر كصفعة: "عذرًا، إلى أين أنتما ذاهبتان؟ هل لديكما قريب أو جهة معينة؟"
-أجل، الكنيسة هي الأقرب إليّنا الآن.
-آها، فهمت، بالمناسبة أنا مسلم، كنت على دين المسيح، ثمّ أسلمت قبل ثلاث سنوات.
- أنت والرّب، يا أخي
-اسمي إبراهيم
-أهلًا
-صراحة، أنا مستغرب جدًّا، كيف لا أحد يسأل عنكما؟ لا أقارب، لا تواصل؟
-صلة الرحم يمكنك أن تتولاها بنفسك
-أقسم أنني لم أقصد التدخل، وإن أزعجتكِ كلماتي فأنا آسف حقًا!
-فقط أوصلنا لأقرب كنيسة، وسأكون مُمتنة.
-لكن الكنائس مغلقة بهذا الوقت، أليس كذلك؟
-لا، أعرف واحدة ما تزال مفتوحة.
- تمام، بِعيني.
ساد صمتٌ قصير، ثمّ سألني:"مقتل عائلتك واحتراق المنزل، لا يزال التحقيق جاريًا نُحاول الوصول إلى الجاني، ولن نغلق القضية حتّى يُعاقب المجرم بالتأكيد، هل لديك شك بشخص؟

سؤاله أعادني إلى الخلف، إلى ماضٍ اخترت أن أدفنه شعرت بجسدي يتجمد..

-هل تسمعينني؟ لم تجيبي...

نظرت إليه بتركيز، حاولت أن أبعد ذاكرتي وأشتات أفكاري، ثمّ قلت بهدوء:
-عذرًا على التأخير، لا أشك بأحد.
-متأكدة؟ حسنًا، سنكمل التحقيق حتّى نصل للحقيقة.
-لا أريد تحقيقًا، من الأفضل أن تُغلق القضية، لقد أعطيت إفادتي وأبلغتهم بطلبي.

رفع حاجبيه من الدهشة، ثمّ ضحك باستخفاف" لا تخفين شيئًا؟"
-أخبرتك سابقًا، لا أعلم شيئًا، ولا أملك أيّ معلومات مفيدة.
-إذًا، لماذا لا ترغبين بالتحقيق؟ لا بد من سبب.
-لا تتدخل في الأمر. ابق بعيدًا، هذا أفضل لك، حياتك ثمينة.
حدق في عينيّ، يشكّ، يتساءل، لكنني لم أُعره اهتمامًا.
-لن أبقى في العراق، أيامي هنا معدودة.
-ولماذا تسافرين؟
-عمل.
-وأيّ عمل هذا؟
-سألت كثيرًا، وأجبتك بما يكفي.

التفتُّ إلى النافذة... الكنيسة بدت أمامنا.." شكرًا لك. لن أنسى معروفك، وسأُعيد لك المال خلال ثلاثة أيام"
-لا داعي، لم أفعل سوى واجبي الإنساني.
-سأعيده رغم ذلك.
-كما ترغبين.

هززت رأسي بالإيجاب، نزلت ممسكةً بكف أختي، ثمّ انطلق بسيارته بسرعة، ربما تأثر بكلامي.

دخلنا.. كانت فارغة إلّا من الأب كلاديوس، يقرأ ويرتل في صلوات القداس. أشعلت شمعة، أغمضت عيني، وبهمسٍ مرتجف ودموع حارقة تسيل على خدي، قلت "يا مريم العذراء، أنقذيني.. حياتي متاهة تشبه رقعة شطرنج، أحاول الهرب منها، أرجوكِ، السّلام هو كلّ ما أريده. لقد تعبت، تهت، الحادثة التي وقعت قبل ثلاث سنوات تكررت البارحة! الذين رحلوا هم أحبّائي من الصعب عليّ أن أتقبل فكرة غيابهم، وعلى الرغم من هذا إلّا أنّي أؤمن بأن الربّ أرحم بهم من هذه الحياة القاسية لقد صاروا بين يدي الله وسأظلّ أدعو لهم بالرحمة والغفران.

عدتُ إلى وحدتي مشرّدةً إلّا من أخت صغيرة هي قطعةٌ من روحي إن مسّها الأذى فسوف أجن! فهي ما تبقّى من عائلتي! أحاول أن لا أنهار، أن أبقى صامدة لكن قواي باتت تتساقط واحدة تلو الأخرى.

الخطوة الأوّلى أن أغادر بغداد، بل العراق كلّه. بقائي هنا لم يعد آمنًا، إنّه خطرٌ دائم، متربّص بي وبأختي، لن ننجو إن بقينا. كما قُتلت عائلتي، سيعودون ليكملوا ما بدأوه، ليقتلونا بدم بارد.

حين وضع الأب يده على كتفي، فتحت عيني ومسحت دموعي التي لا تسقط إلّا في الدعاء. رأيته باسمًا، يعرفني أنا ماتيلدا،
بخّرني بالبخور المقدّس، فابتسمت.

-أبي، لا تنسَ الدعاء لي.
-الرّب معكما يا ابنتي، لا تخافا، سأدعُ لكما، عسى الرب أن يحميكما ويحقق أمانيكما.
-آمين.

صليت وأشعلت شمعة دعوتُ الرّب أن ييسّر طريقي المجهول ثمّ خرجتُ من الكنيسة بعدما أُغلقت أبوابها، وقد تغيّر الطقس فجأة.
كنتُ أمشي خلف أختي، ممسكةً بيدها، والسيارات تمرّ من حولنا، والهواء رطب يبدو المطر سيهطل من جديد.

أخرجت هاتفي من جيبي، مسحت الشاشة المبتلّة، ثمّ جلستُ على مقعدٍ خشبي صغير بجانب الطريق. اتصلت.. رنّ الهاتف طويلًا، حتّى جاءني صوته:
-مرحبًا دانيال؟
-ماتيلدا؟! أين كنتِ؟! أبحث عنكِ منذ الصباح
-والديّ قُتلا بأبشع طريقة يمكن تخيلها وبيتنا احترق.

سكتَ، وقد صُدم تمامًا "ماذا؟! لحظة لا أستوعب! متى؟ وكيف؟"

قصصتُ عليه كلّ ما حدث، صمتَ للحظة، ثمّ قال بنبرة مكسورة: "فليرحمهما الربّ... ومن تتهمين بالجريمة؟"
-القاتل نفسه! هو من نفّذ كلّ الجرائم السابقة
-متأكدة؟ أم مجرد شكّ؟
-دانيال، أقسم إنّه هو
في ليلة الجريمة كُتبت على الحائط عبارة "بدأ العد التنازلي" وكان أوّل حرف من اسمه موقّعًا بها.

-لقد فعل ما أراد بدمٍ بارد، لم يتردد، قتل أرواحًا بريئة، إنه سبب كلّ ما يحدث في حياتنا، خسرت عائلتي مرّتين ومات أقرب النّاس إليّ بسببه!
-أنا أصدقك
-لن أسكت أنا عازمة على أخذ حقي، دم عائلتي لن يُهدر، ولا رحيلهم سيمرّ دون حساب لا أقبل بالظلم أن يستمر ولا أرضى أن أبقى ساكنة أمام هذا الخراب.

سأنتقم سأحاسب كلّ من ظلمني كلّ من دمّر حياتي، أنا وأختي كل ما فعلوه بنا، سيدفعون ثمنه غاليًا وان أهدأ حتّى أرى القاتل ميتًا أمام عينيّ.

لكن قبل كلّ شيء، عليّ الرحيل يجب أن أغادر، أترك الأشياء خلفي، وأخرج من العراق
فنحنُ في خطر دائم، لا نعلم متى تأتي لحظة النهاية حياتنا أصبحت لعبة شطرنج والعدو ينتظرنا في كلّ زاوية.

__
نمارق رحيم✍️🏻

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...