تحميل رواية شظايا قلوب محترقة وكانها لي الحياة الجزء الثاني بقلم سيلا وليد pdf
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ شظايا قلوب محترقة وكانها لي الحياة الجزء الثاني بقلم سيلا وليد.
الفصل 63
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض، ويوم العرض عليك"
في قصتنا… لم يعد شيء في مكانه، حتى المشاعر التي بدت صلبة تكسّرت عند أول اختبارٍ للقدر.
كانت تحمل في صدرها نار العتاب، ووجع الكرامة، وذكريات جعلتها تقتنع أن الرحيل كان اختيارًا، وأن الصمت لم يكن إلا خذلانًا، وأن الحب إن وُجد أصلًا لم يكن كافيًا ليبقى.
لكن خبرًا كالصاعقة، كان كفيلًا بإسقاط كل ما ظنّته يقينًا.
في لحظة واحدة، اهتزّ ما بداخلها، وتشققت الصورة التي بنتها عنه فوق جراحها بصبرٍ قاسٍ. تهاوت الاتهامات التي ألقتها عليه، وكأنها لم تكن يومًا.
لم يكن ما شعرت به ندمًا فقط، ولا خوفًا فقط… بل شيء أشد قسوة: إدراك متأخر للحقيقة حين لا يكون الوقت في صالحها.
وحين حاولت أن تلتقط معنى ما حدث، لم تجد سوى سؤالٍ واحد يطرق عقلها بإصرارٍ موجع: هل ما زال هناك وقت لتصحيح ما كُسر… أم أن القدر سبقها هذه المرة؟
لحظة صمتٍ ثقيلة خنقت المكان؛
بعد انفجار ميرال بكلماتها التي هزَّت القلوب، نهض إلياس ببطء من مقعده، يشعر بأنَّ الأرض تسحبه لا قدميه…لا يصدِّق ما سمعه، بل شعر بأنه مجرَّد وهم، وكأن أذنيه فقدتا القدرة على التصديق.
مسحت ميرال دموعها المرتجفة، وتراجعت خطوة، عيناها معلَّقتان بأرسلان.
_ كان وعد بينَّا…علشان مش عايز حد يعرف.
ارتجف صوتها، وانهارت، كتفاها يهتزَّان بعنف:
_ مكنش عايز يحس بالعجز قدَّام حد…
تتابعت شهقاتها، حتى صار جسدها كلُّه يرتعش من البكاء.
_ كان بيتعذِّب في صمت، لفّ على دكاترة كتير، لمَّا هيَّ قالت له عايزة طفل…طلب منِّي أكلِّمها تأجِّل الموضوع شوية.
استدارت فجأة نحو ضي
التي كانت قد انهارت أرضًا، تضمُّ ركبتيها، تبكي بقهر، والأوراق المرتجفة بين يديها.
اقتربت منها خطوة، وهتفت بصوتٍ منكسر:
— طلبت منِّك ولَّا لأ؟
دارت حول نفسها حين فاق الألم قدرتها، وهي تشعر بأنه يطاردها من كلِّ اتجاه، أنفاسها بدأت تتقطَّع، وضعت يدها على صدرها تحاول التقاطها:
_حبيبي يا بني، اختار يتوجع، علشان هيَّ تعيش…
ابني اختار يبعد، وسكت والكل اتَّهمه بالخيانة، بالغدر، بالأنانية…وهو حتى مفكَّرش في نفسه.
شهقة خرجت منها كأنها تمزِّقها:
_ بقاله أكتر من سنتين بيتألِّم لوحده علشان “الأستاذة” تعيش!
رفعت عينيها نحو إلياس، نظرة مليئة بالخذلان:
_ حاولت أفهِّمك، بس إنتَ مكنتش شايف غير خيانته، غير إنه ظلم بنت عمُّه.
ولا مرة فكَّرت، يمكن كان بيضحِّي!
صمتت لحظة…ثم قالت بمرارة قاتلة:
_ ولمَّا رجع..علشان أخته، كانت الأستاذة مجهِّزة غرفة إعدامه.
اقتربت من ضي، توقَّفت أمامها، تحدِّق فيها باحتقارٍ واضح:
_ بتعيَّطي دلوقتي؟
ما كنتيش صابرة شوية كمان تحقَّقي إنجازك العظيم بعد ما يمشي؟
انحنت نحوها، وصار صوتها أشدَّ قسوة:
_ صدَّقيني…خبر جوازك لوحده كان كفاية عليه…
مكنش محتاج حفلتك الهابطة دي.. لأنه غبي وبيعشقك يا متخلِّفة، ورغم انهيارها..
استقامت ببطء، نظرتها باردة كالسكاكين:
_ افرحي يا أستاذة..
وأحسن حاجة عملتيها إنك هتتجوزي، يمكن ابني يعرف يفوق من كابوسك.
اتَّجهت نحو حقيبتها، ثم توقَّفت دون أن تلتفت:
_ وأوعي تفكَّري، إنتي وأبوكي،
إني هسيب ابني يتغرَّب بعيد عنِّي، علشان تعيشي على وجعه.
التفتت إلى غرام…
التي كانت واقفة في مكانها، وكأن قيودًا قد شدَّت قدميها للأرض..تنظر إلى ميرال بعيونٍ مجمَّعة بالدموع.
نظرت لها ميرال طويلًا، نظرة ممتلئة بالألم أكثر من الغضب:
_ دعيتي على ابني من غير حق،
قدَّام أبوه وأمه.
ارتجف صوتها، لكنَّها تماسكت بصعوبة:
_مكنش محتاج دعوتك يا مدام غرام،
هوَّ كان موجوع بما فيه الكفاية.
صمتت لحظة، ثم خرجت كلماتها بهدوءٍ موجع:
_ وأنا هطلع أحسن منِّك، وأقولِّك ربِّنا يسعد بنتك.
أغمضت عينيها لثوانٍ، كأنها تبتلع ألمًا أكبر من قدرتها:
_ الغلط مش عليكوا…الغلط عليَّا أنا
لأنِّي وعدته ما أتكلمش، وسِبته للوجع ياكله لوحده.
سحبت حقيبتها، وتحرَّكت نحو الباب بخطواتٍ ثقيلة، لكنها توقَّفت فجأة… واستدارت نحو زوجها:
" أنا هاخد ابني، وأروح أقعد عند ماما.. لمَّا بنت أخوك تخلَّص انتقامها، وإنتَ اشهد على شهادة وفاة ابنك بجوازها، كدا كدا مبقتش تهمُّه..نظرت نظرة أخيرة نحو ضي:
_مبروك، هخلِّيه يبعت لك هدية الجواز يا مدام...قالتها وتحرَّكت لتكمل طريقها.
لكن إلياس اندفع خلفها، بخطواتٍ مترنِّحة.
أمسك بذراعها بقوة، أنفاسه متقطِّعة، وعينيه غارقتانِ في صدمةٍ لم يستوعبها بعد:
_استني..استني يا ميرال.
قالها بعتابٍ مجروح.
_صونتي وعد ابنك، ونسيت إنِّ له أب.
_إلياس...كل اللي هتقوله دلوقتي لا هيقدِّم ولا هيأخَّر.
أخرج هاتفه بيدٍ مرتعشة، ورفع السمَّاعة بسرعة:
_ مالك…شوفلي حد في المطار، يوقف سفر يوسف ضروري!
جاءه الصوت من الطرف الآخر:
_ فيه حاجة يا إلياس؟
هزَّ رأسه بعنف، كأنه ينفي لنفسه قبل غيره:
لا…مفيش، بس سافر من غير ما أشوفه..امنع سفره.
_ حاضر.
أنزل الهاتف ببطء، كأنَّ يده أصبحت أثقل من أن يحملها.
نظرت له ميرال، الدموع تملأ عينيها، بصوتٍ متوسِّل:
_ هنلحقه…صح؟
هنلحق الواد يا إلياس؟
لم يجب…فقط شدَّ على ذراعها أكثر، يتمسَّك بها كي لا ينهار.
فتح باب السيارة بجسدٍ واهن، وجلس خلف المقود، لكن يده توقَّفت على المفتاح…
وصوت واحد فقط كان يضرب رأسه بعنفٍ يتكرَّر، يتكرَّر بلا رحمة، حوارهما يوم زاره.
نظرة يوسف الهادية، كلماته المكسورة التي لم يفهمها وقتها…صمته الذي ظنَّه عنادًا، ولم يدرك أنه كان استسلامًا.
انقبض صدره فجأة…
وضرب المقود بقبضته بعنف:
_ إزاي مفكرتش في حاجة زي كدا، إزاي كنت غبي، للدرجة دي كنت بعيد عنه!!.
التفتت إليه ميرال بفزع:
_إلياس...الحق الولد، وأوعى يفهم إنَّك عرفت حاجة، خلِّيه هو اللي يقولَّك.
رمقها بنظرةٍ غاضبة:
_دلوقتي الحق الولد، جاية تقولي بعد إيه، ليه يا ميرال، ليه موضوع زي دا يتخبَّى عنِّي.
_علشان أخد مني وعد، مكنش عايز يضايقك.
قاد السيارة وهو يهزُّ رأسه، معترضًا على حديثها.
عند ضي...
جلست على الأرض، تضمُّ ساقيها إلى صدرها، وتسند ذقنها فوق ركبتيها، تحاول أن تحتمي بنفسها من كل ما ينهار بداخلها.
وذكرياتها معه تتلاحق أمام عينيها بلا رحمة...
كلماته عن إرادة الله...نظراته المكسورة كلَّما فتحت هي الحديث عن الإنجاب...إصرارها على الذهاب إلى الطبيبة...رفضه الحاد، الذي كانت تظنُّه عنادًا...بينما كان في الحقيقة وجعًا أكبر من أن يُقال.
انهمرت دموعها بغزارة، حتى ابتلَّ وجهها بالكامل، وخرجت شهقاتها متقطِّعة، حادَّة، كأنها سكاكين تلتفُّ حول عنقها وتمنعها من التنفُّس.
آه...كيف يمكن لقلبٍ أن يتعذَّب بسبب أكثر الناس حبًّا له؟
انحنت غرام سريعًا، تحاول أن ترفع ابنتها من الأرض، عندما رأت أرسلان جالسًا في مكانه، جامدًا كالصخر، بينما كانت عيناه وحدهما تفضحان الألم الذي ينهش روحه.
أما يزن...فخرج دون أن ينطق بحرف.
اقتربت غرام أكثر، ووضعت يدها على وجه ابنتها المرتجف:
_ ضي...قومي يا حبيبتي..
رفعت ضي عينيها إليها.
عينان ضائعتان، مذعورتان..وقلبًا يصرخ ألمًا..
لتقول بصوتٍ مكسور، بالكاد خرج من بين بكائها:
_ أنا عملت إيه يا ماما...أنا عملت إيه؟
ثم هزَّت رأسها بعنف، كأنها ترفض ما تسمعه، أو ربما ترفض نفسها.
_ معقول...معقول يوسف كان شايل كل ده جوَّاه؟ وأنا...وأنا كنت بفكَّر إنه بيظلمني!!.كنت بغضب منه..وبكرهه في اللحظة دي..وهو كان بيتوجع لوحده؟
شهقت بقوة، وضغطت كفَّيها فوق صدرها:
- أنا وجعته يا ماما، وجعته أوي، قهرته، كل كلمة قولتها كانت بتكسره وأنا مش شايفة، كنت بقسى عليه وهو ساكت، ساكت ومستحمل...
انهارت أكثر، وانحنت للأمام، تبكي بحرقة و قلبها يتمزَّق بين ضلوعها:
_ أنا قتلته بالكلام، ما رحمتوش، مستحيل يسامحني، يوسف مستحيل يسامحني..
ارتجفت غرام.
لأنَّ كل كلمة كانت تخرج من فم ابنتها، كانت تصيبها هي الأخرى.
هي أيضًا تذكَّرت حديثها معه، تذكَّرت نظراته، وصمته، وتلك المرارة التي كانت تملأ عينيه وهو يستمع إلى اتهاماتهم جميعًا.
شعرت بالذنب يتسلَّل إلى قلبها ببطء، ثم يشتعل بداخله كنارٍ أُلقيت في حقل قمحٍ يابس، لا تترك شيئًا إلَّا وتحرقه.
ضمَّت ابنتها بقوة إلى صدرها، وبكت معها، عليها، وعليه، وعلى كل كلمة خرجت منهم ولم يعرفوا وقتها أنها كانت تطعن إنسانًا ينزف بصمت.
ربتت على ظهرها المرتعش، وقالت وسط دموعها:
_ اهدي يا حبيبتي...إن شاء الله عمِّك يلحقه...إن شاء الله يوصلُّه قبل ما يسافر.
لكنها لم تستطع أن تكمل.
اختنق صوتها، وخرجت منها شهقة موجوعة وهي تهمس:
_ يا حبيبي يا ابني...كنت شايل كل ده لوحدك؟ والله كنت شاكَّة..ربِّنا يكون في عونك يا ميرال.
ابتعدت ضي فجأة عن أحضان والدتها، ونهضت بسرعة، تكاد تتعثَّر من شدَّة ارتجافها.
مسحت دموعها بكفٍّ مرتعش، ثم قالت بصوتٍ مختنق، لكنَّه مليء بالذعر:
_ لا...لا، أنا لازم ألحقه، لازم أشوفه، أنا الوحيدة اللي المفروض تمنعه، قبل ما يضيع مني، قبل ما أخسره للأبد.
بالخارج..
جلست بجواره بصمت:
_طيب هوَّ ما قالش حاجة، ليه مشي كدا، مش كان متِّفق معاك توصَّله للمطار؟.
مسح على وجهه والألم يتسلَّل لخلايا جسده:
_معرفش يا رولا..حتى لمَّا قولت لطنط ميرال، اتفاجأت هيَّ كمان.
_طيب ليه، مش حاولت معاه ليه يا بلال؟.
التفت إليها:
_حاولت والله، هوَّ مش مدِّيني فرصة أصلًا، وإنتي شايفة من يوم الفرح، أخد طنط ميرال وقال إيه عايز يفسَّحها قبل ما يمشي، ومرجعش غير إمبارح بالليل..
روحت أتكلِّم معاه، لقيت بابا بيزعَّق بسبب موضوع ضي، محبتش أضغط عليه.
_أنا هتجنِّن يا بلال بجد، يوسف إزاي بقى الموضوع مش فارق له، دا كان بيقول أنا بحبِّ ضي أوي، ونصحني كتير، ليه اتخلَّى عنها بكلِّ سهولة؟.
زفر بلال باختناق:
_معرفش، دا اللي هيجنِّني أنا كمان، وخصوصًا النهاردة شوفت الوجع في عينه وقت إعلان خطوبة ضي.
تذكَّرت رولا أمر الخطوبة:
_إنتَ إزاي ما تقوليش حاجة زي كدا صح؟!.
_هوَّ أنا كنت أعرف، أنا كل اللي أعرفه، إن نور متقدِّم لضي، وأنا قايل لك الموضوع دا من زمان.
أومأت له بتذكُّر:
_أه دا من كام شهر، وإنتَ لمَّا ما بقتش بتتكلِّم قولت يبقى الموضوع خلص.
شرد بلال وهو يقول:
_كان بيبتدي مش بيخلص.
عاد بجسده للخلف يستند برأسه على المقعد:
_أنا تايه بين الاتنين، يوسف اللي مش عايز يتكلِّم ويقولِّي ماله، وضي اللي عمَّالة تدوس عليه علشان وجع قلبها، ونظراتها لي اللي كلها اتِّهام.
لمست وجهه بحنان:
_معلش اتحمِّلها، هيَّ معذورة برضو، أصلها بتحبُّه أوي، وأكيد مش عايز حد يقولَّك.
أغمض عيناه وما زال على وضعه.
_بلال...فتح عيناه يتطلَّع إليها بصمت.
_أنا قولت لماما على اللي حصل بينَّا، مكنش ينفع أسكت المرة دي.
اعتدل وهو يومئ أليها منتظرًا بقية حديثها.
_هيَّ ما قلتش حاجة، لكن قالت مينفعش، لازم تيجي تاخدني قدَّام الكل.
صمتت وانحنت تنظر للأرض:
_وخصوصًا نبِّهتني لحاجة، لكن لسة ما اتأكدتش.
رفع ذقنها ينظر لعينيها:
_أنا كل اللي يهمِّني إنتي وبس، واتكلِّمنا في الموضوع دا، وإنتي اللي رفضتي.
احتضنت كفَّيه:
_إنتَ بتضحك على مين يا بلال، أنا دلوقتي أبص في عيونك أفهمك، مكنش ينفع، وإنتَ قلبك وعقلك مع أختك.
_بس إنتي من حقِّك.
ابتسمت..
_من حقِّي إيه، ما أنا معاك أهو، والعيلة كلَّها عارفة إن إحنا بنكون مع بعض، ولو على الموضوع اللي قاله بابا، فأنا هفهِّمك، قبل فرحنا بكام يوم، كنت كاتبة في نوت يا ريت أعيش فرحة فرحي زي أي عروسة، كأنِّي مش عروسة ولا حاسَّة بطعم الفرحة.
بابا طبعا شاف المكتوب، وفكَّره إني كتبت الأيام دي.
رفع كفَّها وقبله:
_أنا عارف فرحنا مكنش زي أي اتنين بيتجوزوا، علشان كدا، الدنيا تهدى شوية وأعمِّلك أحلى فرح يا نور عيوني.
دنت وطبعت قبلة على وجنتيه، تهمس إليه:
_أنا فرحتي في حضنك، مش عايزة أي حاجة تاني، وبعدين نسيت الفستان اللي جبته وفرَّحتني بيه في فرح شمس، ولَّا الليلة دي؟.
_تؤ...الفستان علشان كان لازم تبقي أجمل واحدة، إنَّما الليلة دي كانت هديِّتك إنتي مش أنا.
ابتسمت تتذكَّر تلك الليلة..
صباح يوم الزفاف أرسل لها.
خرجت من الحمَّام، وجدت صندوقًا كبيرًا مزيَّن وعليه ورقة مطوية، اقتربت، تسحب الورقة:
_دا فستان علشان الفرح، معاه كلِّ حاجة، شوفي لو عايزة تغيَّري أي حاجة، عندك الرقم، هيبعتوا اللي يعجبك.
فتحت الصندوق، ومدَّت يدها تخرج منه فستانًا أبيض مزيَّن بفصوصٍ بيضاء، تعطيه رونقًا خاص، مع لمسة ناعمة من مجوهراته وحجابه، فتحت صندوقًا آخر ملحقًا به، وجدته حذاءً بنفس لون الفصوص.
مرَّرت أناملها عليه، ثم رفعت الورقة تستنشق رائحته بها، اتَّجهت إلى خزانتها وارتدت ثيابها سريعًا، تريد أن تلحقه قبل ذهابه لعمله.
خرجت ولم تنتبه لفستانها الذي ترتديه دون أن تغلق سحَّابه.
وصلت إلى منزل والده:
_بلال جوَّا يا طنط ولَّا مشي؟.
نظرت غرام إليها للحظات ثم أومأت دون حديث، أسرعت بالدخول متجهة لغرفته، كان يتحدَّث بهاتفه وهو يغلق زرَّ قميصه:
_تمام يا حمزة، هشوفه، ما تشغلش بالك أنا هتصرَّف.
دلفت الى الغرفة، وحاوطته من الخلف، تضع رأسها على ظهره.
ابتسم ثم استدار إليها:
_إيه الرضا دا كلُّه.
دنت منه تحاوط عنقه، ورفعت نفسها، وطبعت قبلةً سريعة على خاصَّته، تراجعت تنظر لعينيه، ثم همست:
_الليلة هبات في حضنك، ما ليش دعوة، أنا مراتك، قالتها وعيناها بعينيه ليسقط ما بيده، لم تكترث لحالته، وقبَّلته مرةً أخرى واستدارت وهي تقول:
_متتأخرش..قالتها وانسحبت بهدوء مثلما دخلت وكأنها لم تفعل شيئًا.
خرجت من شرودها، تنظر إليه بابتسامة
_بتبص لي كدا ليه؟.
ضمَّها لأحضانه ونفسًا عميقًا، يدفن وجهه بخصلاتها:
_يعني قولتي لماما إنك بتِّي في حضني؟.
تورَّدت وجنتيها تهزُّ رأسها ثم قالت:
_بلال..لازم تقول لبابا، ماما قالت لي مينفعش كدا..رفعت رأسها:
_أنا كنت بحاول نصبر علشان موضوع ضي ويوسف، ودلوقتي يوسف جه، وهيسافر كمان، وضي اتخطبت، خلاص مبقاش ينفع نأجِّل أكتر من كدا..كفاية التلات شهور العذاب دول.
لمس ذقنها، ثم فجأةً أمسك كفَّها:
_قومي تعالي.
قطبت جبينها باستفهام:
_هنروح فين؟.
_هقول لباباكي إننا هنرجع بيتنا، خلاص مفيش سبب يخلِّينا كدا، وإنتي قولتي ضي اتخطبت..صمت متذكِّرًا:
_بابا كان بيقولِّي نور هيجي علشان يكتب الكتاب.
_يعني إيه مش فاهمة؟.
_ولا أنا بقيت فاهم حاجة، بابا حاول معاها لكن هيَّ مصرَّة.
_أنا متفاجئة جدًّا، إزاي بتحبِّ يوسف وتتخطب لواحد تاني؟!.
طالعها بشك وقال:
_لأنَّها مش هتكمِّل مع نور، هيَّ بتضغط على يوسف، أنا متأكِّد ضي بتعمل كدا، علشان تضايق يوسف، بدليل موضوع كتب الكتاب دا.
عند إلياس...
كان يقود السيارة بسرعةٍ جنونية، كأنه يسابق الريح، بينما كانت ميرال تضع رأسها على زجاج النافذة، ترمقه بطرف عينيها بين الحين والآخر.
عيناه كانتا جامدتين، مثبتتين على الطريق، وجسده متصلِّب كقطعةٍ من الصخر، وأنفاسه تخرج بصعوبة، ثقيلة، متقطِّعة...وكلُّ شيء فيه كان يخبرها أنه لن يغفر لها.
اعتدلت في جلستها، وحاولت أن تتكلَّم بصوتٍ مرتجف:
_ إلياس...
لكنه لم يلتفت..ظلَّ ينظر أمامه بصمتٍ قاتل، صمتٌ جعل قلبها يرتجف داخل صدرها، حتى انهمرت دموعها.
_ كنت عايزني أعمل إيه؟ هوَّ اللي طلب من وعد ما اعرَّفش حد... وخصوصًا إنتَ علشان ما تتقهرش عليه...
مدَّت يدها تمسك ذراعه، تحاول أن تنتزع منه كلمة، أو حتى نظرة.
_إلياس...يوسف بيخاف عليك أوي، حبيبي ما حبش يشوفك مكسور بسببه.
أغمض عينيه لثوانٍ، صوت يوسف عاد يجلجل في رأسه:
_ أنا غدَّار يا بابا!
اشتدت أصابعه على المقود حتى ابيضَّت مفاصله، وكأنَّ بداخله نارًا لو خرجت لأحرقت كل شيء.
ارتفعت شهقات ميرال أكثر، وقالت بصوتٍ مختنق:
_ ده ابني...ابني اللي الدنيا كلَّها جت عليه بسببي، إنتَ نسيت الماضي عمل فيه إيه؟ مكنتش عايزة أكسره تاني، وللأسف، حتى الوعد مقدرتش أوفيه.. الكلِّ عرف.
ابتلعت شهقتها بصعوبة، ثم همست بانكسار:
_ تفتكر هيرجع يسامحني؟ ولَّا هيقول إني ما كنتش فارقة معاه؟ ما أنا دايمًا بدبحه.
استدارت ناحية النافذة، تبكي بصمتٍ موجع..ثم همست تحدِّث نفسها:
_ حبيبي...الناس كلَّها بترتاح في حضن أمَّها...إلَّا هو أنا دايمًا اللي بتعب قلبه.
فجأة، ضغط إلياس على الفرامل، فتوقَّفت السيارة على جانب الطريق. استدار إليها أخيرًا، وكانت نظراته موجوعة أكثر ممَّا هي غاضبة.
_ ليه دايمًا بتحطِّي وجع يوسف على الماضي:
نظرت إليه بعينين غارقتينِ بالدموع:
_ لأن دي الحقيقة.
هزَّ رأسه ببطء، ثم قال بحزمٍ امتزج بوجع:
_ لا...دي مش الحقيقة، أوعي تخلِّي شيطانك يقنعك بده، مفيش أم في الدنيا بتكون وجع لابنها بإرادتها، وجودك في حياته لوحده أكبر أمان.
سكت لحظة، ثم أكمل بصوتٍ خافت:
_ يوسف لسه بيتوجع...ومشكلته إنه كاتم كلِّ حاجة جوَّاه، ما بيتكلمش.
نظرت إليه بمرارةٍ باهتة:
_ما هو شبهك يا إلياس، من إمتى وإنتَ بتحكي وجعك؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، متعبة:
_ ولمَّا أنا أحكي...مين اللي هيشيل عنكم؟
رفع يده ببطء، ومسح دموعها بأنامله، ثم احتضن وجهها بين كفَّيه:
_ أهم حاجة عندي دلوقتي، أنتوا تكونوا مرتاحين، لازم أفوَّقه من الوجع اللي حاطُّه لنفسه، الله يسامحك، لو عرفت مكنش دا كلُّه حصل، قالها
ثم ابتعد عنها قليلًا، وأدار السيارة من جديد.
رنَّ هاتفه/
_ أيوة يا مالك؟
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال:
_ تمام...تمام.
أغلقت ميرال عينيها للحظة، قبل أن تسأله بسرعة:
_ قالَّك إيه؟
— كلِّم مدير أمن المطار، وهيعرف إذا كان يوسف سافر ولَّا لأ من مراجعة الجواز باسمه..ولو لسة هيوقَّف إجراءات سفره.
وضعت يدها على صدرها، وهمست برجاء:
_ يارب يا ابني...يارب تهدى وتسمع الكلام.
_أوصلُّه بس وكلِّ حاجة هترجع إن شاء الله.
_طيب وضي وكتب كتابها، شوفت المجنونة عملت إيه.
ازداد تنفُّسه كلما تذكَّر ما صار، ثم قال بنبرةٍ ثقيلة موجعة:
_معرفش، لكن على ما أظن بعد اللي سمعته مش هتكمِّل.
_تفتكر..تفتكر هتهدى، الواد روحه فيها.
ضغط على شفتيه بقوة، حين عجز عن الرد.
أمسكت ذراعه:
_كلِّم أرسلان، ما تخلهوش يجوِّز البنت يا إلياس، بلاش يموِّتوا الواد كدا.
هنا شعر إلياس بنيرانٍ تحرق صدره، فكلما تذكَّر ما فعله أخيه من خلف ظهره، يشعر بأنه طعنه دون رحمة.
_إلياس ما بتردش ليه؟.
_ضي بتحبِّ يوسف ياميرال، وعندي أمل إنَّها عملت كدا علشان توجعه مش أكتر، يعني ممكن ما تكملش الجواز.
_وممكن بعد ما عرفت سبب طلاقها، أمَّها تصرّ على الجواز.
أغمض عيناه للحظات، وكأنَّ هذا الشعور يأكل روحه، وهو يتخيَّل كمَّ الألم الذي عانى منه وحيده، همس بسريرته:
_يارب...يارب راضيه، التفت إلى ميرال:
_حتى لو حصل كدا، هيبقى نصيبهم كدا، متزعليش، النصيب دا بتاع ربِّنا.
لكن كلماته توقَّفت، حين لمح الزحام الممتدّ أمامه، والطريق المغلق تمامًا.
انعقد حاجباه، وهمس بقلق:
_خير يارب...
أوقف السيارة، وظلَّ للحظات ينظر أمامه في صمت، قبل أن يفتح الباب.
التفتت إليه ميرال بسرعة:
_ هتنزل ليه؟ إحنا لازم نلحق يوسف.
أغلق الباب، ثم انحنى قليلًا نحوها من الخارج وقال:
_خلاص..مالك اتصرَّف، يوسف مش هيعرف يسافر..وبعدين الطريق مقفول، هنعدِّي إزاي، هشوف فيه إيه؟
ثم تحرَّك مبتعدًا، متَّجهًا نحو الزحام.
أوقف أحد الواقفين وسأله بلهفة:
_ الطريق مقفول ليه؟
التفت الرجل إليه، وقال بوجهٍ شاحب:
_ في حادثة كبيرة قدَّام..عربية مقلوبة، وفي شاب جوَّاها، ومحدش عارف يطلَّعه، والإسعاف لسه ما وصلتش.
لا حول ولا قوة إلَّا بالله...
قالها وهو يشقُّ طريقه نحو مكان الحادث..
لا حول ولا قوة إلَّا بالله...ربِّنا يستر..
خطوة...اثنتان...ثلاث...
انحنى قليلًا بين الناس، يحاول أن يجد منفذًا وسط الزحام، حتى توقَّفت قدماه فجأة، وتجمَّد جسده في مكانه، حين وقعت عيناه على السيارة.. لا...مش ممكن، خطوة أخرى، لتتَّسع عيناه بذعر، وتقدَّم خطوتينِ متعثِّرتين، يحاول أن يقنع نفسه أنها ليست سيارة ابنه...أنَّ كلَّ ما يراه كذبة..وهم... كابوس وسيفيق منه بعد لحظة.
لكن الشهقة التي خرجت من صدره عفوية، بفطرته الأبويَّة وهو يرى ابنه داخل سيارته المنقلبة..
يوسف...
تمتم بها بشهقة كأنَّها تُنتزع من روحه انتزاعًا.
_لا..لا يوسف.
خرج الاسم من بين شفتيه مرتجفًا، ثم اندفع نحو السيارة كالمجنون:
_يوسف!
حاول الرجال إيقافه، أمسكوا بذراعيه، نادوه أن يهدأ، لكنَّه لم يسمع أحدًا. في تلك اللحظة لم يعد رجلًا قويًا، ولا أبًا يخشى هيبته، بل أصبح قلبًا مذعورًا يركض نحو ابنه.
أفلت نفسه منهم بعنف، وهو يدفع الجميع حتى وصل إلى السيارة..
وهنا فقط...
ما أقسى أن يقف الأب عاجزًا وهو يرى ابنه بين الحياة والموت، لا يملك له نجاةً، ولا يستطيع أن يأخذ عنه الألم، ولا أن يفديه بعمره، وهو الذي كان يتمنَّى لو حمل عنه كلَّ وجع، وكلَّ حزن، وكلَّ سوء.
نعم عزيزاتي..
فما قيمة العالم للأب وهو يرى فلذة كبده بين الحياة والموت.
هوى على ركبتيه أمام الباب، وأخذ يحاول فتحه بيدينِ ترتجفان:
_ابني...يوسف.
انكسرت كلماته، واختنقت في حلقه، وانهمرت دموعه رغمًا عنه.
رغم قوة إلياس، رغم قسوته التي طالما احتمى بها...إلَّا أنَّ كل شيءٍ داخله انهار في تلك اللحظة.
أصبح قلبه هشًّا، ضعيفًا، يرتجف كطفل.
راح يضرب الزجاج بيديه، بجنون، وكأنَّ كل ثانية تمرُّ تسرق ابنه منه أكثر.
_يارب...يارب...
كان يدعو بصوتٍ متحشرج، بينما قلبه يصرخ بالدعاء الذي لم يجرؤ لسانه على قوله:
_يارب...خذ بصري، ولا تجعلني أراه هكذا...
اقترب منه أحد الرجال بسرعة، ووضع يده على كتفه:
لازم نكسر الإزاز ونخرَّجه من الشباك،
لكن إلياس لم يكن يسمع، لم يكن يرى أحدًا.
كان كلَّ ما يراه هو يوسف.
يوسف فقط.
ظلَّ يضرب الزجاج بيديهِ المرتجفتين، غير شاعرٍ بالألم، غير شاعرٍ بشيء، إلَّا بالخوف الذي كان ينهش قلبه، والخشية المرعبة أن يفقده:
_ابني..ابني هيموت..صرخ بها وقلبه ينهار بعجز، نعم عزيزاتي هنا…
ابني هيموت..لم تكن كلمة تُنطق، بل نزيفًا يحرق مشاعر الأبوَّة، وجع عمرٍ كامل..
و انهيار أبٍ رأى الدنيا كلَّها تُسحب من بين يديه في لحظة.
اندفع للباب الآخر، يتعثَّر، يزاحم الناس، يدفعهم عنه كالمجنون، لا يسمع أحدًا، لا يرى أحدًا.
وصل إلى جسد ابنه العالق بالسيارة، بل العالق بين الحياة والموت، سقط على ركبتيه أمام السيارة، لا لأنَّه أراد، بل لأنَّ ساقيه لم تعودا تقويان على حمله.
حدَّق فيه طويلًا...
حدَّق في الوجه الذي كان يملأ قلبه ضحكًا، الآن مغمورًا بالدماء..
في العينين اللتين كانتا تناديانه: "أبي"، الآن أصبحت مغلقة عن الحياة، في الابن الذي كان يظنُّه أقوى به من كلِّ شيء...الآن أصبح أضعف من أي شيء..
هنا أصبح إلياس جسدًا بلا روح.
انهار ذلك الرجل الذي لم يبكِ يومًا.
ذلك الذي كان يحمل الدنيا فوق كتفيه، ويقف ثابتًا مهما اشتدت عليه الحياة.
انهار كطفلٍ ضائع.
مدَّ يده المرتجفة نحو السيارة، يطرق الزجاج بجنون، وصوته خرج ممزَّقًا، مبحوحًا، كأنَّ كل حرف فيه ينزف:
_يوووووسف.
قالها ينتظر أن يشعر به ابنه، وأن يفتح عيناه يطمئن روحه من أن تسرقها الحياة.
لكن صوته كان يرتدَّ إليه، ويزيد قلبه تمزُّقًا.
أخذ يضرب الزجاج بيديه، مرَّة..ثم أخرى...ثم أخرى...
حتى سال الدم من كفَّيه، ولم يشعر..
أيُّ ألمٍ هذا أمام ألم قلبه؟
أيُّ جرحٍ في يده، أمام الجرح الذي شقَّ صدره نصفين؟
رفع رأسه إلى السماء، وعيناه غارقتانِ بالدموع، ثم خرج منه دعاءً يشبه الصرخة:
_يا رب...يارب.
ارتجف صوته، وانكسر، ثم همس بما لا يقوله أبٌ إلَّا حين تبلغ روحه لا حول ولا قوة إلَّا بالله...
" يارب خد بصري ولا تجعلني أراه هكذا"
عند ميرال..
ترجلت من السيارة بعد تأخر إلياس، تشعر بألمًا كاد أن يفتك بقلبها
_رحت فين ياإلياس، يوسف هيسافر ومش هنلحقه
تحرَّكت بين الزحام، تبحث عنه وهاتفها على أذنها في محاولةٍ للاتِّصال به، فجأةً انتفض جسدها بذعر، وهي تراه يقترب من السيارة المنقلبة، يصرخ:
_ابني..
خطت ميرال بضعف، كأنَّ قدميها لم تعودا تحملانها، وكأنَّ ما تراه أمامها أكبر من أن يستوعبه عقل أو يحتمله قلب..توقَّفت في مكانها للحظات، جامدة، عاجزة عن الحركة، بينما كان إلياس أمام السيارة كإعصارٍ فقد عقله..يدفع الباب بكلِّ ما فيه من جنون، والرجال يحاولون إبعاده، لكنه لم يكن يرى أحدًا، لم يكن يسمعُ شيئًا. كان أعمى عن العالم كلِّه...لا يرى سوى ابنه.
وبقوة لا يعلم من أين جاءت، انتزع باب السيارة انتزاعًا، ثم انحنى بسرعة ولهفة، ويداه ترتجفان، وسحب يوسف من الداخل برفقٍ موجع...برفقِ رجلٍ يحمل روحه بين ذراعيه، شيئًا يخشى أن ينكسر من شدَّة الألم.
ضمَّه إلى صدره بقوة، حتى حين اقترب أحد الرجال ليساعده، ارتدَّ إلياس إلى الخلف واحتضنه أكثر، يشعر بأنَّ العالم كلِّه يريد أن ينتزعه منه.
ابتعد عدَّة خطواتٍ عن السيارة، وجلس على الأرض وهو يضمُّه، وأنفاسه تتكسَّر في صدره، بينما ميرال ما تزال واقفة بعيدًا، حاضرة بجسدها فقط...أمَّا روحها، فكانت ترفض أن تصدِّق.
رفع إلياس يده المرتجفة، وأخذ يمسح على وجه يوسف بيدٍ لا تكفُّ عن الارتعاش، بينما دموعه تنهمر بلا توقُّف.
_ لا لا..يارب ما تختبرنيش في ابني يارب.
اقترب رجلٌ منهم بسرعة، وانحنى قليلًا وهو يقول:
_ أنا دكتور...وسَّع لو سمحت، أشوفه...
ثم توقَّف للحظة، قبل أن يهمس بصوتٍ خافت:
_ عايش...ولَّا...
كلمة واحدة فقط...لكنها اخترقت قلب إلياس كطعنة، رفع رأسه إليه ببطء، وعيناه ممتلئتانٍ برعبٍ لم يعرفه يومًا، لم يفهم معنى ما سمعه، أو ربَّما فهمه وخاف من قول أنَّه لم يعش.
انحنى الطبيب سريعًا، وضع يده على يوسف، ثم قال بلهفة:
_ لسه عايش...الحمد لله، بسرعة إسعاف! لازم إسعاف حالًا! المريض بينزف.
قال أحد الواقفين:
_ ناخده بأيِّ عربية!
لكن الطبيب هزَّ رأسه بسرعة:
_ لا...حالته حرجة، لازم إسعاف، همَّا أقدر يتعاملوا معاه..أنا هحاول أوقف النزيف، قالها وهو يحاول أن يفعل ما يلزم في تلك الحالة.
هنا..انهار إلياس..ينظر الى ابنه، كأنه أصبح جثَّة لا تمتُّ للحياة بشيء، لحظات وابتعد الطبيب:
_دا اللي قدرت عليه، فيه خبطة في دماغه جامدة، وعلى ما أظن صدره كمان، لازم إسعاف بسرعة.
رفعه إلياس ببطءٍ حذر، يضمُّه إلى صدره بعنف، حتى كاد يخفيه داخل أضلعه، وخرجت منه صرخةً موجوعة، ممزَّقة، صرخةُ رجلٍ يرى الدنيا كلَّها تنهار أمامه:
_ آآآه...يارب...ما تختبرنيش في ابني.
عندها فقط، أفاقت ميرال..تسحب أقدامها المرتعشة بوهن، تدفع الناس بعيونِ ضائعة، رافضة ما تراه، توقَّفت تنظر لذلك الجسد الذي ضاعت ملامحه بالإصابات..
رفعت رأسها ببطء، وعيناها تائهتان، ثم همست بصوتٍ متقطِّع، كأنَّ الكلمات تخنقها قبل أن تخرج:
_ مين...مين اللي إلياس شايله؟
خطت خطوة..ثم أخرى، و جسدها كلُّه يرتجف، بينما قلبها يرفض الفكرة، يرفض الاسم الذي يدور في رأسها، يرفض أن يكون هو، وحين وصلت إليهما...توقَّفت.
وقفت تنظر إلى الجسد المستلقي بين ذراعي إلياس، وعيناها تدوران فوقه ببطء، بضياع، كأنها لم تعد تعرف كيف ترى، أو كأنها تتوسَّل لعينيها أن تكذِّبا ما أمامهما.
ثم هوت على ركبتيها.
ارتجف جسدها كلِّه، ومدَّت يدها نحوه ببطءٍ شديد، تخاف أن تلمسه فتتأكَّد أنه ابنها.
وضعت يدها على رأسه، ومسحت عليه برفق، ثم انزلقت أصابعها حتى وصلت إلى يده.
رفعتها بين كفَّيها، وحدَّقت فيها طويلًا، طويلًا جدًّا بضياع،
ثم ضمَّتها إلى صدرها، كلُّ هذا وهي لم تستوعب ما يدور، قلبها يخفق بجنون من فكرة أنَّه ابنها..
وبصوتٍ مكسور، خافت، لا يشبه صوتها:
_ مين ده؟!.
بعينين ضائعتين..تحرَّكت على ملامحه، ومرَّرت أناملها على وجهه..
نظر إليها إلياس بحزنٍ يشقُّ صدره:
_يا حبيبي..مين دا يا إلياس؟.
سحب رأسها يضمُّها ويبكي بصمت.
قادتها عاطفتها الأموميَّة، رغم رفض عيناها أنَّه يوسف، رفعت يده إلى شفتيها، وقبَّلتها، ثم انفجرت دموعها أخيرًا، وهزَّت رأسها بعنف وهي تبكي:
_ لا..لا...ده يوسف، ده ابني، ده ابني يا إلياس..ده ابني.
كان إلياس يبكي بصمت، يحتضنها بقوة، عاجزًا حتى عن الكلام.
اقتربت سيِّدة من الواقفين، وانحنت بجوار ميرال، وهمست بحنان:
_ إن شاء الله هيقوم بالسلامة..ادعوا له...
لكن ميرال لم تكن تسمع.
كانت تنظر إلى يوسف فقط، كأنَّ الدنيا كلَّها اختفت، ثم مالت عليه فجأة، وسحبت رأسه من بين ذراعي إلياس إلى حضنها، وضمَّت وجهه إلى صدرها، وهي تبكي بصمتٍ موجع... صمتُ أمٍّ تشعر أن قلبها يُنتزع من بين ضلوعها.
ظلَّت تحرِّك كفَّيها بحنانٍ على وجهه، وعيناها تدفع الدمع بالدمع بصمت، لم تبكِ، لم تصرخ، فقط قالت:
_يوسف..حبيبي أنا جيت يا روح ماما.
قالتها ميرال وهي ترفعه إلى صدرها، كأنها تحاول أن تخفيه داخل قلبها، أن تبعده عن كلِّ هذا، عن الدم، عن الخوف، عن الموت نفسه.
_ خلاص مش هتسافر..أنا مستحيل أسيبك تبعد عنِّي تاني.
نظرت لوجهه وقبلة حنونة تصرخ بالألم على وجهه، ثم مرَّرت أناملها المرتجفة على وجهه، تمسح الدماء عن جبينه وخدِّه، وكأنَّها لو أزالت هذا الدم، سيعود كما كان، سيفتح عينيه ويبتسم لها.
_ اسم الله عليك يا حبيبي..اسم الله عليك يا قلب ماما...
وصلت سيارة الإسعاف أخيرًا، وصوتها مزَّق المكان..توقَّف إلياس للحظة، ورفع رأسه نحوها، ثم أغلق عينيه بقوة، يحاول أن يسيطر على انتفاضة جسده، على رعشة يديه، على قلبه الذي ينهار بصمت.
قفز أحد المسعفين من السيارة، واقترب بسرعة:
_لو سمحتوا..كلُّه يبعد.
همَّ بوضع الحامل بجوار يوسف، لكن إلياس مدَّ يده إليه، وصوته مبحوح، مكسور:
_ بالراحة..لو سمحت..بالراحة.
اقترب المسعف أكثر، وانحنى ليحمل يوسف، لكن ميرال ضمَّته إلى صدرها فجأة، ودفعته بعيدًا بيدٍ مرتجفة، وعيناها متَّسعتانِ بجنونٍ وألم:
_ محدش يقرَّب! محدش هياخد ابني منِّي!
تجمَّد الجميع، حتى إلياس نظر إليها بصدمة، بعجز، لا يعرف كيف لا تزال قادرة على تحمُّل كلَّ هذا الوجع دون أن تموت مكانها.
اقترب منها ببطء، وانحنى أمامها، ويده ترتجف فوق كتفها:
_ ميرال..سبيهم..سبيهم يشوفوا شغلهم.
لكنها رفعت رأسها إليه بعينين غارقتينِ في الدموع، وصرخت فيه وكأنَّها لا تعرفه:
_ ابعد عنِّي! محدش يقرَّب من ابني! محدش هياخده منِّي!
ثم نظرت إلى يوسف، إلى وجهه الشاحب، إلى الدماء على شعره، ومسحت على خدِّه بيدٍ مرتجفة:
_ هاخده البيت..وهو هيخفّ، صح يا حبيبي؟ هنرجع بيتنا.
ثم قرَّبت وجهها من وجهه، وهمست ببكاءٍ ممزَّق:
_ يوسف..حبيبي اصحى يلَّا قوم هنرجع البيت...
ارتفعت همسات الناس حولها:
_ لا حول ولا قوة إلَّا بالله ربِّنا يربط على قلبها.
لكنها لم تكن تسمع شيئًا.
كانت تهزُّه برفق، بحنان..ثم فجأةً بعنف، وكأنها تريد أن تعيده إليها بالقوة:
_ افتح عيونك يا حبيب ماما، يلَّا قوم، يوسف إنتَ مش سامعني؟!
_ميرال خلِّيهم ينقذوه، الولد هيموت.
_ هيموت..كأنَّ الكلمة شقَّت صدرها ومزَّقته، لتنفجر صرخاتها، صرخة مزَّقت المكان كلِّه:
_ يووووسف! بقولَّك افتح عيونك! بلاش توجع قلبي يا ابني!
قالتها وضمَّته بقوة إلى صدرها، حتى كادت تسحقه بين ذراعيها، وخرج صوتها ممزَّقًا، مختنقًا، كأنَّ روحها هي التي تصرخ:
_ ابني..يوسف..ابني...
اقترب إلياس بسرعة، وجذب يوسف بهدوء من بين ذراعيها، رغم مقاومة يديها المرتعشتين:
_ لو ما سبتيش الولد..هيموت.
رفعت رأسها إليه فجأة، وعيناها تحترقان:
_ اخرس!.
ثم عادت تنظر إلى يوسف، إلى وجهه الغارق بالدم، وانهارت وهي تهمس:
_ أنا السبب يا حبيبي..أنا السبب..
أمسكها إلياس من كتفيها بقوة، وهو يشعر أنها تنهار من بين يديه، بينما اقترب المسعفون وقد بدأ الضيق يظهر على وجوههم:
_ لازم ننقذ المريض بسرعة، عايزين نشوف حالته.
لحظة واحدة فقط..لحظة مرَّت كأنها عمرٌ كامل.
ثم أشار المسعف بسرعة إلى السيارة، وحملوا يوسف إلى الداخل.
ظلَّت ميرال مكانها، تبكي بلا صوت، وهي ترى ابنها يُرفع بعيدًا عنها، يُوضع داخل سيارة الإسعاف، ثم يُغلق الباب عليه.
وفي اللحظة التي أُغلق فيها الباب، شعرت وكأنَّ قلبها هو الذي أُغلق معه.
ركض إلياس خلف السيارة بسرعة، وطرق على الباب قبل أن تتحرَّك:
_ لو سمحت، أنا مش عايز ابني يروح مستشفى عام.
ردَّ المسعف بسرعة:
_ إحنا هناخده أقرب مستشفى، وحضرتك تقدر تستلمه من هناك.
أمسكه إلياس من ذراعه، وعيناه ممتلئتانِ بالغضب والرعب:
_ ابني هيروح المستشفى اللي أنا هقول عليها! يا إمَّا كده...يا إمَّا تسيبوه.
نظر المسعف إليه لثانية، ثم أشار للسائق، وصعد إلياس معهم إلى السيارة.
وقبل أن يغلق الباب، التفت بعينيه يبحث عن ميرال.
كانت ما تزال جالسة على الأرض..ساكنة.
تنظر إلى كفَّيها الغارقتينِ بدماء يوسف، وكأنَّها لا تعرفهما..وكأنها لا تصدِّق أنَّ هذا الدم كان منذ دقائق يجري داخل قلبها الصغير..علم إلياس من حالتها، أنَّها لا تشعر بشيء.
أخرج إلياس هاتفه بسرعة، واتَّصل:
_ يزن!
في تلك اللحظة، كان يزن يجلس مع بلال، يتحدَّثانِ بصوتٍ منخفض عن ما صار الليلة، وكيف وضعه مع زوجته، استمع إلى الهاتف ورفعه بسرعة:
_ أيوة يا إلياس..لحقت يوسف؟
ردَّ إلياس بصوتٍ متقطِّع، مختنقًا بالبكاء:
_ هبعتلك لوكيشن..هات ميرال من هناك، والحقوني على المستشفى بسرعة، أختك مش في وعيها.
وقف يزن من مكانه دفعةً واحدة، وشحب وجهه:
_ ليه!! إيه اللي حصل؟!
أغمض إلياس عينيه للحظة، ثم قال بصوتٍ ميِّت:
_يوسف عمل حادثة.
شهق يزن، غير مستوعبٍ مااستمع إليه:
_ إنتَ بتقول إيه؟!
_ يزن..ميرال مش حاسَّة بحاجة، وأنا مع يوسف في الإسعاف..بسرعة الحقها.
_تمام...تمام...
أغلق الهاتف، واندفع خارجًا كالمجنون.
_ عمُّو يزن...إيه اللي حصل؟
قالها بلال، لكن يزن لم يتوقَّف، فقال وهو يركض:
_ يوسف عمل حادثة.
تجمَّد بلال مكانه، وكأنَّ الكلمات أصابته في صدره مباشرة:
_ يوسف مين؟!.
التفت إليه يزن بعينينِ مذعورتين:
_هوَّ فيه يوسف غير ابن عمَّك!!.
ثم اندفع نحو سيارته.
ركضت رحيل خلفه وهي تصرخ:
_ يزن! استنى..أنا جاية معاك!
لكنه كان قد انطلق بالفعل، ينظر إلى الهاتف بيدٍ مرتجفة، يتتبَّع المكان الذي أرسله إليه إلياس.
أمَّا بلال...
فوقف لثانية واحدة فقط..
_يوسف عمل حادثة!!.يارب استر، قالها ثم اندفع هو الآخر نحو سيارته.
عند ضي قبل قليل..
دخلت بيت والدها، لتجد نور ووالده، والمأذون.
توقَّفت في مكانها، وعيناها تتحرَّكانِ بينهم ببطء، ثم قالت بصوتٍ مرتبك:
_ نور..عايزة أتكلِّم معاك.
خرج معها بعدما مال نحو والده هامسًا:
_ خمس دقائق وراجع.
لكن والده أمسك بذراعه قبل أن يبتعد، وقال بضيق:
_ رايح فين يا أستاذ؟ فاكر إني هستنى دقيقة كمان؟ إحنا بقالنا ربع ساعة واقفين، ولا حد استقبلنا. دول الناس اللي عاملهم حساب؟
نهض وهو يغلق سترته بعصبية، ثم أردف بسخرية لاذعة:
_ مش كفاية إنك هتتجوز مطلقة، لا، وكمان مفيش استقبال، ولا حتى يعرفوا الأصول.
تصلب وجه نور، وقال بصوت خافت:
_ بابا... لو سمحت.
أشار له والده بحدة:
_ مش عايز أسمع كلمة. بقالك شهور تضغط عليّ لحد ما جيت. فين أبوها اللي فاكر نفسه رئيس أمريكا؟ أنت أصلًا شفت الطريقة اللي كلمني بيها؟
ثم هز رأسه باستهزاء:
_ده واحد شايف نفسه... وما يعرفش أنا مين.
اقترب منه نور أكثر، وقال بصوت يحمل رجاءً صادقًا:
" بابا، علشان خاطري، أنا بحبها. استحمل شوية كمان.
رفع يده في حركة متوسلة:
_ علشان خاطري.
زفر والده بضيق، ثم رفع عينيه إليه طويلًا قبل أن يقول:
_ هستحمل... علشان خاطرك. لكن أسلوبك معاها مش عاجبني.
توقف لحظة، ثم سأله بحدة ممزوجة بالحيرة:
_ فيها إيه البت دي علشان مجنناك كده؟
ابتسم نور ابتسامة صغيرة، رغم التوتر الذي يعتصره:
_فيها إني بحبها يا بابا.
ظل والده ينظر إليه لثوانٍ، ثم لوّح بيده في استسلام وهو يجلس مكانه من جديد:
_ماشي يا نور...
تحرك نور بسرعة، يخشى أن يبدل والده رأيه، واتجه إلى الحديقة حيث كانت ضي تقف وحدها، بعيدة عن الجميع.. تنظر بشرود وضياع
وحين شعرت بخطواته خلفها، التفتت إليه.
ابتسم فور أن رآها، وقال برقة:
_ نعم يا حبيبتي؟
التفتت إليه بسرعة، وكأن الكلمة صفعتها.
اتسعت عيناها، بغضب وقالت بحدة مكتومة:
_ إيه حبيبتي دي يا نور؟
اقترب منها بخطوة، وعيناه تتفحصان وجهها بقلق:
_ ضي... إحنا بعد شوية هنكتب كتابنا.
ثم توقف فجأة، وقد انتبه لملامحها الشاحبة وعينيها المتورمتين:
_ أنتِ كنتِ بتعيطي؟
تحرك نحوها أكثر، لكنها تراجعت بسرعة، كأن اقترابه يثقل أنفاسها.
_ أنا كويسة... بس لازم تسمعني.
ظل ينظر إليها منتظرًا، بينما هي حمحت بصعوبة، ثم تراجعت خطوة أخرى للخلف.
_ نور... أنا آسفة. مش هقدر. حقيقي مش هقدر أكمل في اللعبة دي.
انعقد حاجباه، وردد الكلمة وكأنه لم يفهمها:
_ لعبة؟
أومأت برأسها ببطء، بينما راحت دموعها تنساب رغمًا عنها:
_ بالنسبة لي... آه.
ضاقت عيناه، وحدق بها طويلًا:
_ يعني إيه؟
استندت إلى الحائط خلفها، حين شعرت بأن قدميها لم تعودا تحملانها، ثم قالت بصوت مكسور:
_ أنا مكنتش ناوية أتجوزك.
اتسعت عيناه بصدمة:
_يعني إيه؟
التفتت إليه، بينما بقي ظهرها ملتصقًا بالحائط:
_ أنا ما ضحكتش عليك. أنا قلت لك من الأول إني مش هقدر، لكن أنت أصريت... ومكنش بينا أصلًا اتفاق على جواز.
_ آه... لكن أنتِ وافقتِ.
ابتلعت غصتها، ثم تابعت:
_ وافقت على خطوبة، وقلت لك إني لسه متأثرة بجوزي.
اشتد فكه، وقال بحدة:
_قصدك طليقك يا ضي. ووقتها قلت لك: سيبيلي قلبك، والباقي عليّ.
هزت رأسها، واختفى وجهها خلف دموعها:
_ قلبي مش ملكي علشان أديه لحد. وأنا ما كذبتش عليك.
اقترب منها أكثر:
_ ضي... أنتِ بتقولي كده علشان طليقك رجع. طبيعي إنك اتأثرتِ. اسمعي كلامي، خلينا نكتب كتابنا، وأنا أوعدك إني هعيشك أيام تنسيكي الماضي كله.
هزت رأسها بعنف:
_ مش هينفع... والله ما هقدر. بلاش تضغط عليّ. يوسف مش بس كان جوزي... يوسف كان حياتي كلها.
كور قبضته بعنف، واهتز فكه بغضب:
_ لاحظي إنك بتتكلمي عن طليقك يا ضي.
_ نور... افهمني لو سمحت. أنا مش هقدر. ربنا يرزقك باللي أحسن مني، أنا هرجع لجوزي.
اشتعلت عيناه، و صوته أكثر حدة: يعني بعد ده كله... برضه عايزة تسيبيني؟
_ أنا كنت رافضة من البداية... وأنت اللي أصريت. حتى كتب الكتاب اللي فاجأتني بيه ده، كان مستحيل يتم. وأنا قلت لك ده في التليفون... لكن أنت كنت مصر تضغط عليّ.
مرر يده في شعره بعصبية:
_عملت كده علشان ما نوصلش للحظة دي. كنت خايف من اللي حصل،. وفعلاً حصل. آه، أنا اللي قررت كتب الكتاب، لأني كنت عارف إنك أول ما تشوفي طليقك هتتأثري.
دار حول نفسه بعصبية، ثم توقف أمامها مباشرة:
_ أنا بقالي سنة يا ضي، سنة كاملة مستني.
رفعت عينيها إليه، وقالت بألم:
_ وأنا ما وعدتكش بحاجة. كنت دايمًا صريحة معاك. قلت لك إن يوسف لسه في قلبي... لكن أنت كنت بتضغط عليّ.
ترددت لحظة، ثم أغمضت عينيها وقالت:
_ وافقت على الخطوبة علشان أضايق يوسف وبس، لكني كنت مستحيل أتجوزك.
تجمد للحظة، ثم قال بصوتا منخفضًا ومخيفًا:
_ يعني... كنتِ واخداني كوبري؟
صمتت.. ذلك الصمت وحده كان كافيًا ليشعل كل ما بداخله.
اقترب فجأة، وقبض على ذراعيها بقوة: _أنتِ ما تعرفيش أنا ممكن أعمل فيكِ إيه دلوقتي.
رفعت إليه عينيها المتورمتين من البكاء، لكنها لم تبدُ خائفة:
_ما بقاش يهمني. اعمل اللي أنت عايزه... وخد حقك بالطريقة اللي تريحك. لكن جواز وخطوبة... مش هقدر. سامحني.
ضحك بمرارة، ثم دفعها بعيدًا عنه خطوة:_ أسامحك؟
ثم أشار إليها بغضب:
_ لأ يا أستاذة، أنتِ هتكملي معايا غصب عنك. الأول كنت سايبك براحتك... لكن دلوقتي انتهى. الناس كلها عرفت إنك خطيبتي.. مش هينفع تاني يوم ألاقي صورنا مالية الدنيا، وانفصالنا يبقى فضيحة.
اقترب منها خطوة، و هتف بصوتاأصبح أكثر قسوة:
_ يومين وهعمل حفلة، وهنكتب الكتاب. والنهارده هسيبك، لأن شكلك تعبانة. لكن بعد يومين... عايزك جاهزة لكتب الكتاب، والدخلة كمان.
ثم أكمل، وهو يحدق بها بعينين مشتعليتن:
_ وانسي أي اتفاق بينا، من دلوقتي هنتعامل زي أي اتنين متجوزين. وأنتِ أكيد فاهمة قصدي.
ساد صمتا للحظات، ظلت تنظر إليه لثوانٍ طويلة، ثم أنزلت عينيها إلى يدها
ببطء شديد وفتحتها تنظر لخاتم الخطبة
تقدمت نحوه، أمسكت كفه، ووضعت الخاتم داخله..
انا مقدرة زعلك، صدقني كدا احسن، انا مش هقدر، لان حياتي كلها ليوسف، نظرت للخاتم وقالت
_تخيل مااقدرتش اتحمله دقايق في ايدي، وقت ماحطيته خلعته، حسيته بنار، انا اسفة بجد، مش انا اللي هتقدر تسعدك، وقولت لك دا كتير،، لحد ماوصلتني اني اوافق، مش علشانك، علشان اضايق يوسف وبس
_اسمعيني انتي، مش نور الدين اللي يتقل بيه، ومش ابويا اللي يجي من سفر علشاني وحضرتك في الاخر تقولي اسفة
_اللي عندي قولته، وبالنسبة لقلبك مالكيش دعوة انا هعرف اخليه ينسى مليون زي يوسف بتاعك
اشار بسبباته بتحذير
_الاسم دا لو نطقتيه تاني هزعل اوي، خلينا متفاهمين
_دبلتك معاك يانور..
نظر إلى الخاتم في يده بذهول، وفتح فمه ليتكلم، لكنها رفعت يدها توقفه.
_ أوعى تفتكر إن علشان واقفة بكلمك يبقى أنا خايفة منك. غلطي الوحيد إني وافقت ألبس الخاتم ده.
ثم اقتربت خطوة، وصوتها يرتجف من الغضب والألم:
_ أنا من الأول كنت صريحة معاك. مش أنا لوحدي اللي غلطت... أنت كمان غلطت.
أشارت إليه بإصبع مرتجف:
_ أول ما عرفت إن يوسف رجع، حاولت تضغط عليّ بالنقطة دي. كنت عارف ومتأكد إني هوافق... لأنك عارف إني لسه بحبه.
ضحكت بسخرية موجوعة:
_ وبعد الخطوبة، بقيت تزن عليّ في كتب الكتاب... لأنك كنت متأكد إني هفضل أوافق علشان أضايق يوسف.
ثم همست:
_ ومش هكدب عليك... فكرتك عجبتني.
أغمضت عينيها لحظة:
_ موافقتي إنك تيجي بالمأذون النهارده كانت علشان يوسف يعرف إني تخطيته، وإن حياتي كملت من غيره.
فتحت عينيها من جديد:
_ لكني كنت مستحيل أكمل. لأني كنت عارفة إنه هيسافر النهارده، وكان لازم أوجعه زي ما وجعني.
ثم أشارت إلى الخاتم في يده:
_ وزي ما خططت لنفسك، أنا كمان خططت. والموضوع بينا انتهى هنا.
استدارت، وأعطته ظهرها:
_ نوّرت يا أستاذ نور.
ظل واقفًا مكانه، والخاتم في يده، بينما كانت النار تشتعل داخل صدره.
نظر إليها للحظة طويلة، ثم استدار بعنف وغادر إلى الداخل.
وما إن اختفى، حتى هوت هي على المقعد خلفها، وكأن كل القوة التي كانت تتمسك بها قد انتهت.
تنفست بارتجاف، ثم نظرت إلى يدها الخالية.
ابتسمت وسط دموعها:
_غبية... غبية ومتخلفة.
مررت أصابعها على إصبعها الأيسر، حيث كانت ترتدي يومًا خاتم يوسف.
وهمست بصوت مرتعش:
_ مستحيل أحط فيه حاجة تخص غيرك.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، وهي تتذكر صوته:
_ حبيبة ابنك يا ماما.
ارتجف قلبها بعنف.
_ وأنت حبيب عمري كله يا غبي.
أغمضت عينيها، وابتسمت وسط دموعها:
_ اصبر بس لما ترجع يا يوسف... ساعتها هعرفك يعني إيه تسيبني وأنت فاكر إني هسامحك بسهولة.
لكن ابتسامتها اختفت فجأة حين تذكرت آخر حديث بينهما.
فتحت عينيها بسرعة، ونهضت من مكانها:
_ لا... لا، أكيد مش هيفكر كده.
وضعت يدها على صدرها، بينما أخذت أنفاسها تضيق، ونبضات قلبها تتسارع بعنف:
_ هو عارف... عارف إني كنت بقول كده علشان أوجعه وبس صح؟
قطع شرودها صوت اندفاع سيارة يزن، بسرعةٍ متهورة، وخلفه بلال
اعتدلت في جلستها، تنظر الى تحركهم بدهشة، تتبعت أثر السيارتين حتى اختفيتا خارج البوابة.
رفعت هاتفها لتتصل بأخيها، توقفت حين
تذكّرت آخر شجار بينهما، كلماته الحادة، صمته القاسي بعد إعلان خطوبتها.. حتى انه صرخ بوجهها، واتهامها بالجنون، مغادرًا المكان كالغريب
زفرت بضيق، وأسندت رأسها للخلف، تمسح وجهها بعنفٍ، ثم انتبهت فجأة، إلى تأخر إلياس وميرال
عادت تمسك الهاتف، فتحت اسمه
تأملت حروف اسمه للحظات، قلبها يسبق أنفاسها، ثم أغلقت الشاشة بسرعة، وهي تشعر بكم الاشتياق إليه
بدأت تقلب بلا وعي، صورة تجرّ أخرى، حتى توقفت صورة قديمة كانت قد أخفتها
كبّرتها ببطء، ومررت أناملها على ملامحه، تتلمسه كأنها تلمس وجهه الحقيقي، لا مجرد صورة.
همست بصوتٍ مكسور:
_غبي يا ابن عمي، متعرفش إنك الهوا اللي بتنفسه؟
أغمضت عينيها، وصدرها يعلو ويهبط بثقل، تشعر بأن الهواء صار مؤلمًا.
تدفقت الذكريات دفعة واحدة، حديثها عن الإنجاب، تهديدها، قسوتها
وضعت كفيها على صدرها، تضغط بقوة، تحاول أن تمنع قلبها من الانهيار.
_إزاي استحملت كل دا إزاي طعنته كدا
فتحت عينيها، والدموع تحجب الرؤية، نظرت للصورة من جديد:
_آسفة… بس انت السبب انت إزاي تعمل فيا كدا؟
توقفت، شهقة صغيرة خانتها
_للدرجة دي، مش شايف حبي كفاية؟
هزت رأسها سريعًا، كأنها تعاتب نفسها:
_مش مهم، المهم تيجي وبعدها نتعاتب
قالتها مبتسمة
_عارفة هتبقى زعلان وزعلان اوي، بس هعرف اراضيك، والله هعرف ازاي تنسى
ماهو لازم ننسى يايوسف
نظرة عشق على صورته
_معرفش حد بيحب حد كدا، بعدك تعبني اوي يابن عمي، موتني بالبطئ، وعلشان ايه
غبية ياضي غبية
نظرت إلى ساعتها، ثم رفعت عينيها نحو البوابة، والقلق بدأ ينهشها:
_اتأخروا ليه كدا معقول راحوا فيلا السيوفي؟
لكن توقفت الكلمات على شفتيها،
حين رأت رولا تركض، تبكي بانهيار
متجهة إلى سيارتها بخطوات متعثرة، شهقاتها تقطع أنفاسها، وخلفها كريم وإيمان يحاولان اللحاق بها.
تجمدت ضي في مكانها، تراقبهم وقلبها بدأ يضرب بعنفٍ غير مفهوم.
حاول كريم الإمساك برولا:
_حبيبتي استني، مش هتعرفي تسوقي كدا!
لكن رولا كانت تصرخ بين بكائها:
_لازم أمشي يا عمو، لازم اطمن
التفت كريم سريعًا لإيمان:
_كلمتي البنات؟
أومأت وهي تسرع نحو السيارة.
اقتربت ضي أخيرًا، وتسائلت بصوت خرج ضعيفًا:
_مالها رولا؟ بتعيط ليه؟
نظرت لها رولا نظرة صامتة، ثم همست بصوت مكسور:
_عمو كريم… يلا
_استني يا بنتي، لما بلال يرد عليا، ونفهم راحوا أنهي مستشفى، اتصلت اكتر من عشر مرات هو ويزن مابيردوش
نظرت اليهم برعب تردد
_المستشفى؟
تقدمت خطوة، تشعر بأن قلبها يهوي بين اقدامها:
_ليه؟ ماله بلال؟ مين في المستشفى؟
لم تكمل حديثها، لتندفع رولا نحوها، تدفعها بقوة، بعينين مشتعلة بدموع وغضب:
_لو يوسف حصل له حاجة… عمري ما هسامحك يا ضي! سمعاني؟ عمري ما هسامحك!
تراجعت ضي خطوة، ونظرات تائهة بينهم:
_انتي… بتقولي إيه؟
_رولا... اهدي بقى، ولكنه توقف يجيب الهاتف:
_أيوة يا بلال… انتو فين؟
_مستشفى الشافعي يا عمو كريم…
اقتربت ضي أكثر، وكأنها تُساق دون إرادة، بينما تابع كريم بصوت متوتر:
_طمني… يوسف كويس؟
ثوانٍ…كأنها عمر كامل
ثم جاء صوت بلال مختنقًا، مكسورًا:
_ادعيله هو في العمليات محدش طمنا لسه، انا هدخله
هنا شعرت ضي بانزلاق الأرض من تحت قدميها، وهي تستمع الى كلمات كريم يوسف عامل ايه.. بينما اقتربت رولا، صوتها يرتجف:
_يوسف عامل إيه يا عمو؟ عايش صح؟
هنا لم تعد ضي تسمع ولا تفهم
تمتمت كالغريقة:
_ماله يوسف…؟
وفي تلك اللحظة، خرج أرسلان على الصوت:
_في إيه يا كريم؟ رايحين فين؟
ثم وقعت عيناه على بكاء رولا:
_مالك يا بنتي؟
رفعت رولا وجهها، ودموعها تسيل بلا توقف، وصوتها خرج كطعنة:
_يوسف عمل حادثة، وحالته خطيرة، قالتها، ثم التفتت ببطء نحو ضي
نظرة مليئة بالاتهام، بالكسر، بالوجع
_خلي بنتك تفرح يا عمو…
صمتت لحظة، ثم قالت كأنها تنتقم بالكلمات:
_خدتي حقك، كنتي عايزة تقهريه، اهو بيموت…
واكملت بصوت منخفض منكسر:
_يارب تفرحي
وقفت ضي كأنها تحولت إلى حجر،
لا تبكي، لا تصرخ…فقط قلبها، هو الذي سقط، وانتهى.
بعد تلات شهور
دلفت الممرضة تفحصه، نظرت لتلك التي تجلس تغفو بجوار فراشه على المقعد تتشبث بكفه، فتحت عيناها على خطوات الممرضة
_صباح الخير
لم ترد عليها، نهضت كعادتها، تقترب منها
_مفيش جديد
نظرت اليها الممرضة بحزن
_للأسف... كان نفسي اطمنك
اومأت بصمت، واقتربت منه، تمسح على شعره
_إن شاء الله بكرة يصحى
طالعتها الممرضة للحظات، ثم تحركت للخارج، بينما هي نزلت بركبتيها تضع ذقنها على فراشه تراقب جسده
_حبيبي مش كفاية عقاب بقى، طيب تعرف انت عاقبتني في الشهور دي، اكتر ماعاقبتني في السنة والنص
لمست وجنتيه واغروقت عيناها بالدموع
_وحشتني اوي، ياله افتح عيونك
اقتربت تهمس له
_طيب اصحى وأنا اوعدك هبعد عنك، عارفة مش هقدر، لكن لو هتصحى هحاول
رفعت كفيه تقبله
_يوسف أنا بموت، ياريتني أموت ولا اتعذب وانا شيفاك كدا
اسبوعا اخر، أصبحت مجرَّد بقايا إنسان…جسدًا بلا روح، وعينان منتفختان من البكاء، فقدتا القدرة على رؤية أي شيء سوى وجهه.
لا تسمع، لا تستجيب، كأنَّ العالم انمحى من حولها، ولم يتبقَّ لها إلَّا هو…ساكنًا، صامتًا، لا يشعر بشيء.
لم تفارق عيناها ملامحه، تحفظ كلَّ تفصيلة فيه تخشى أن تُسلب منها. فجأة..وضعت رأسها على وسادته، قريبة منه حدَّ الاختناق، وأناملها تتخلَّل خصلات شعره برفق، كأنها تعتذر له بكلِّ لمسة.
_يوسف…افتح عيونك بقى، أنا بموت.
همست بها بصوتٍ مكسور، رفعت كفِّه تقبِّله.
_كفاية، قلبي هيوقف.
تمتمت بها بصوتٍ يحمل وجعًا يفوق قدرتها على الاحتمال.
اقتربت أكثر، تمرِّر يدها على ذقنه، وابتسامة واهنة ارتسمت على شفتيها، سرعان ما اغرورقت عيناها بالدموع:
_دقنك طولت شوية، بس تعرف، شكلك أحلى كده…
صمتت، تنتظر…أيّ رد، أي حركة، أيّ إشارة تخبرها أنَّه يسمعها لكن الصمت كان أقسى من أن يُحتمل لقلبها.
دلف إلياس، توقَّفت خطواته، يتأمَّلها كلَّ يوم على نفس الحال، نفس الانكسار، نفس الروح المعلَّقة بين الأمل والانهيار.
_ضي.
نطق اسمها بحذر، لكنها لم تلتفت، كأنَّ صوته لم يصلها، كأنَّها في عالمٍ آخر لا يوجد فيه سواه.
اقترب منها، ومدَّ يده يمسِّد على شعرها بحنانٍ موجوع:
_حبيبتي…لازم تطلعي برَّة شوية، عايز أغيَّر له.
لكنها نفضت يده بضعف، دون أن تزيح عينيها عنه، وكأنها تخشى أنه إن غاب عن نظرها لثانية ستفقده للأبد.
وصل أرسلان وبلال، تبادلا نظراتٍ عاجزة، قبل أن يقترب بلال منها ويجلس بجوارها، يسحبها برفق إلى أحضانه:
_حبيبتي…خمس دقايق وارجعي تاني.
لم ترد ظلَّت كما هي، انحنت عليه، تحاوطه بذراعيها:
_هوَّ كويس مش محتاج حاجة.
لمست وجهه وانزلقت دموعها:
_لو حاسَّة إنُّه محتاج لكدا، أنا موجودة.
_ضي حبيبتي، حرام اللي بتعمليه، بتموِّتي نفسك.
هنا انهارت ببكاءٍ مرتفع، بعدما فقدت قدرتها، وأصبح صدرها لم يعد يحتمل المزيد.
ضمَّته تضع رأسها على صدره، وأردفت بصوتٍ واهنٍ خرج مرتجفًا، مليئًا برعبٍ حقيقي:
_خايفة…خايفة أرجع مالقهوش.
سحبها بلال الى أحضانه يحاول تهدئتها رغم دموعه التي عجز عن كبحها:
_ليه يا حبيبتي؟ هيروح فين، هوَّ مش حاسس بحاجة أصلًا…
ابتعدت عن أخيها، هزَّت رأسها بعنف، دموعها تتساقط بلا توقُّف، وكلماتها خرجت كطعنات:
_لا…هوَّ زعلان، زعلان مني، مش عايز يصحى علشاني، علشان أنا وجعته، كسرته…
شهقة قوية قطعت أنفاسها، وضربت صدرها بضعف:
_أنا السبب…أنا موِّت حبيبي بإيدي يا بلال.
قالتها و عينيها نحوه مرةً أخرى، نظرة مليئة بندمٍ يقتلها ببطء:
_أنا موِّته...أنا السبب.
فجأة فتح الباب ودلفت ميرال، رفع إلياس عيناه للباب:
_ميرال...تمتم بها بذهول.
الفصل 64
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
دلفت ميرال بوهنٍ يكاد يُسقطها أرضًا، تتشبَّث بذراع ابنتها كغريقٍ..وجهها شاحب، وعيناها زائغتان، روحها تسبق جسدها حيث يرقد ابنها.
ما إن رآها إلياس حتى اندفع نحوها، وقال بصوتٍ يحمل رجفةَ خوفٍ حاول إخفاءها:
_ميرال..حمد الله على سلامتك.
تحرَّكت شفتيها بصعوبة، وهمست بصوتٍ خرج مكسورًا، كأنَّ كل حرفٍ يُنتزع من قلبها:
_يوسف..عايزة أشوف يوسف.
ترنَّح جسدها فجأة، وكادت تسقط، فالتقطها سريعًا، يضمُّها إليه:
_يوسف كويس يا حبيبتي، ما ينفعش تقومي كده.
هزَّت رأسها بعنفٍ ضعيف، تدفعه بيديها المرتعشتين:
_سيبني…عايزة أشوفه دلوقتي.
انسحبت من بين ذراعيه، تخطو كأنها تمشي فوق فراغ، تتعثَّر، تكاد تسقط، ثم تُكمل بإصرارٍ موجوع..لم يعد جسدها يملك قوة، لكن قلبها كان يجرُّه جَرًّا.
أسرع خلفها، وحين مالت وكادت ترتطم بالأرض، لحق بها، أحاطها من جديد، واتَّجه بها نحو الغرفة.
فتح الباب…وتجمَّدت، عيناها وقعتا عليه.
على جسد ابنها الساكن، هادئًا بشكلٍ مرعب، أنفاسه لا تُرى، وجسده مُحاطًا بأسلاكٍ وأجهزةٍ تصدر أصواتًا باردة، كأنها تعدُّ اللحظات بدلًا من أن تحفظها.
شهقت…شهقة خرجت كطعنة.
تقدَّمت خطوة، ثم أخرى كأنها تخشى أن يكون مجرَّد وهم، أن تختفي صورته إن اقتربت.
لكن حين وصلت، خانتها قدماها..
فسقطت على ركبتيها أمام الفراش، وكأنَّ العالم كلُّه انهار تحتها.
_يوسف!..
خرج اسمه صرخةً ممزَّقة.
مدَّت يدها المرتعشة تلمس وجهه، باردًا كبرود الموتى، ساكنًا بلا رد.
ارتعش جسدها كلِّه، وانحنت فجأةً تضمُّه إليها، تحتضن رأسه بعنفٍ يائس، وكأنها تحاول أن تعيده للحياة داخل صدرها.
_اصحى يا حبيبي افتح عينيك، أنا هنا ماما هنا…وحشتها.
قبَّلت جبينه، خدَّيه، عينيه المغلقتين، بلهفةٍ مجنونة، ودموعها تنهمر عليه كالمطر:
_ يالَّه حبيب ماما افتح عيونك، هوَّ نايم من زمان..قالتها وهي تمسِّد على خصلاته.
جلس إلياس بجوارها؛ يحاول أن يبعدها قليلًا عن الأجهزة الموصلة بابنه..
وأردف بصوتٍ مبحوح:
_ميرال..خلِّي بالك، الأجهزة يا حبيبتي.
_أجهزة إيه؟..تمتمت بها بجهل دون أن تشعر، مرَّرت يدها في شعره، بأصابع ترتجف كأنها تخشى أن تختفي ملامحه:
_بردان كده ليه؟ حد يغطِّيه، يوسف ما بيحبش البرد.
خرجت كلماتها مشوَّشة، كأنَّ عقلها يرفض تصديق أنَّه ما زال بغيبوبته.
نظرت إلى إلياس فجأة، عيناها غارقتانِ في رعبٍ حقيقي:
_ هوَّ مش سامعني؟ قولِّي إنه سامعني، قولِّي إنه حاسس بيَّا.
اقترب إلياس، أمسك وجهها بين يديه، يحاول أن يثبِّتها:
_ سامعك، أكيد سامعك، ادعي له هوَّ محتاجك.
انهارت بين يديه، تبكي بخوف، لا تصدِّق أنَّه ما زال غائبًا، استدارت إلى ابنها في محاولةٍ ضائعة، وهمست بصوتٍ متكسِّر، يخرج من قلبٍ يُحتضر:
_طب اصحى، علشان إنتَ وحشتني أوي.
ثم عادت تضمُّه، كأنها تخاف أن يُسحب منها في أي لحظة، تشبَّثت به بكلِّ ما تبقَّى فيها من حياة، تردِّد بجنونٍ خافت:
_يوسف حبيبي، اصحى يلَّا.
مسَّد إلياس على شعرها المبعثر، دون إرداةٍ منها:
_ميرال..قومي حبيبتي علشان ترتاحي، هوَّ هيصحى قريب إن شاءلله، مش هيقدر يغيب عنِّك أكتر من كده.
قالها إلياس بصوتٍ مبحوح، كأنه يقنع نفسه قبل أن يقنعها.
تاهت ملامح ميرال بضياعٍ من كلماته، التفتت إليه ببطء، وكأنَّ الكلمات لم تصل، أو وصلت لكنَّها مخيفة لدرجة أنَّها لا تريد فهمها:
_ يعني إيه؟..
همست بها بجهلٍ مرعب، ثم عادت بعينيها إلى جسد يوسف، تحدِّق فيه، تنتظر منه أن يشرح لها:
_يعني إيه، يعني هوَّ مصحاش؟
صمتٌ ثقيل، خانق لا يُحتمل.
رفع إلياس عينيه إلى أرسلان، نظرة عاجزة، يطلب النجدة من كلمةٍ لا يستطيع قولها.
تقدَّم أرسلان بخطواتٍ بطيئة، ملامحه مشدودة، وصوته حاول أن يكون ثابتًا:
_ميرال الدكاترة طمِّنونا، هوَّ محتاج شوية وقت، وإن شاء الله هيرجع تاني.
التقطت الكلمة وكأنها طوق نجاة، لكن عقلها لم يفهمها، أو ربَّما رفضها:
_ محتاج شوية وقت؟
التفتت إليه فجأة، عيناها تلمعان برعبٍ يتضخَّم تردِّد بجنون:
_يعني إيه محتاج شوية وقت؟!
لم يجب أحد..تردَّد الصمت مرةً أخرى، أقسى من الأول..وفجأةً قطعه بلال بصوتٍ خرج حادًّا، مباشرًا، كطلقة:
_يوسف في غيبوبة يا طنط.
سقطت الكلمة على قلبها كنيرانٍ تحرق صدرها.
توسَّعت عينها بصدمةٍ أفزعتها، بعدما صفعها بلال بالحقيقة بكلِّ قوته. تراجعت خطوة، ثم أخرى، تهزُّ رأسها بعنف، ترفض، ترفض بكلِّ ما فيها:
_لا…لا…لا…
اقتربت من الفراش بسرعة:
_ابني مش في غيبوبة…
انحنت عليه، يداها ترتعشان وهي تمرِّر أصابعها على وجهه، على بشرته الشاحبة، على عينيه المغلقتين:
_هوَّ أنا بس..أنا اللي اتأخَّرت عليه، صح؟
انكسر صوتها، ودموعها سقطت فوق وجهه:
_ زعل منِّي، وقرَّر ما يكلمنيش
اقتربت أكثر، جبينها لامس جبينه، وكأنها تحاول أن تعيده للحياة:
_ بس خلاص أنا جيت، افتح عينيك بقى كفاية عليَّ.
مرَّرت يدها على شعره بحنانٍ يذوب ألمًا:
_يوسف…بصِّلي حتى لو زعلان بصِّلي بس…لم يتحرَّك، لم يرتعش، لم يرد.
توقَّفت أنفاسها للحظة، ثم شهقت، وكأنَّها تغرق.
رفعت رأسها فجأة، تنظر حولها بعينينِ ضائعتين:
_ ليه مش بيرد؟!
لكن الإجابة كانت الوجوه المتألِّمة التي تراها.
عادت إليه، تضمُّه بعينيها:
_يارب..لا، يارب مش حمل اختباري في ابني، غيبوبة لا..لا، يارب خد من عمري..
قالتها بصوتٍ باكٍ منكسر، ظلَّت تهمس بها كأنفاسٍ تُحتضر.
انحنت وضمَّته أكثر كأنها تحارب العالم كلِّه.
غير مصدِّقة أن ابنها بجسدٍ منهك، وقلبٍ يرفض الحياة، لا يسمع، ولا يجيب، ولا يعود.
ارتفعت أنفاسها وهي تستند على إلياس، حينما شعرت بأنَّ الارض لم تعد ثابتة تحت قدميها، احتواها بين ذراعيه وقال بصوتٍ حاول أن هادئًا:
_ميرال…وبعدين، فين إيمانك بربِّنا؟ يوسف كويس قدَّامك أهو…يلَّا يا حبيبتي علشان ترتاحي…وإن شاء الله هيبقى زي الفل.
تمتم بها وهو يرفعها من على الأرض، فنهضت بصعوبة، جسدها ثقيل كأنَّ الحزنَ سكب داخله رصاصًا، وعيناها معلَّقتان بابنها…لا ترى سواه، ولا تصدِّق أنه ما زال لم ينج.
لكن فجأة…
وقعت عيناها على ضي التي كانت جالسة على الأرض، تضمُّ ساقيها إلى صدرها، تضع ذقنها فوق ركبتيها، تنظر إلى اللا شيء…نظرة خاوية، من يراها يقول أنَّ روحها انسحبت وتركَت جسدًا فقط..دموعها تنزل بصمتٍ مؤلم، بلا شهقات، بلا صوت..حتى أصبح البكاء ملاذها.
توقَّفت ميرال مكانها، وتجمَّد جسدها، ونظراتها على ضي.
وعادت بها الذاكرة إلى تلك الليلة، بعد انتهاء فرح شمس..
دخلت عليها بخطواتٍ متردِّدة، وقلبٍ مثقل بما لا يُقال..
_عايزة أتكلِّم معاكي.
تنهَّدت ضي بعمق، كأنها تستعدُّ لجرحٍ جديد، وأشارت لها أن تجلس.
رفعت ميرال عيناها للحظة نحو غرام، كأنها تستمدُّ منها شجاعةً لم تعد تملكها، ثم عادت بنظرها إلى ضي..
وقالت بصوتٍ خرج متردِّدًا، محمَّلًا بالاعتراف:
_أنا عارفة إن يوسف غلط في حقِّك، وعارفة إنِّ من حقِّك تزعلي منه.
صمتت لحظة، تفرك كفَّيها بتوتر، ثم تابعت بصوتٍ أضعف:
_بس أكيد إنتي مش مصدَّقة إنه ممكن يغدر بيكي، إنتي بتقولي كدا من وجع قلبك، وحقِّك.
رفعت ضي عينيها ببطء، نظرة باردة، لكنها مليئة بشيءٍ أعمق من الغضب:
_ممكن تقولي عايزة إيه يا طنط؟
سؤال آلمها..جرحها، لكن ابتلعت ألمه، وتابعت:
_تصبري على يوسف شوية، بلاش تضغطي عليه يا حبيبتي، هو بيحبِّك، صدَّقيني، يمكن عمل كدا غصب عنه.. مكنش له لزوم رقصك وضغطك عليه النهاردة.
ضحكة مكسورة خرجت من ضي، أقرب للبكاء:
_غصب عنه؟؟.
ردَّدت الكلمة كأنها تذوق مرارتها، ثم نهضت فجأة، تدور حول نفسها :
_غصب عنه إزاي يا طنط، يعني لو كان عايز يسافر يحقَّق حلمه، كنت همنعه؟ آه، ما بحبش الغربة، بس كنت مستحيل أقف في طريقه!
توقَّفت، وأنفاسها تتقطَّع، ودموعها تنهمر دون رحمة:
_ابنك ماكنش في دماغه يكمِّل الجواز أصلًا..سنتين! سنتين وهوَّ بيخطَّط لكدا!
وضعت يدها على صدرها، تحاول أن تمسك قلبها قبل أن يسقط:
_نسيتي إحنا اتجوزنا إزاي؟
اقتربت منها ميرال، تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه:
_انسي كلِّ دا، المهم هو بيحبِّك ولَّا لأ، وإنتي أكتر واحدة تقدر تحسّ بده.
هزَّت ضي رأسها ببطء، و ضياعٍ كاملٍ في عينيها:
_بعد اللي عمله، مبقتش عارفة أحسّ بحاجة أصلًا.
ربتت ميرال على كتفها، تتشبَّث بأي أمل:
_لا بيحبِّك أوي كمان..ادِّيني يومين بس وأنا هأكِّدلك إنه بيحبِّك وبيموت فيكي.
صمت للحظات، ثم قالت ضي بنبرةٍ خالية من الحياة:
_خلاص يا طنط، مبقاش فارق.
رفعت عينيها، لكن لم يكن فيهما رجاء، فقط قرار موجع:
_هوَّ بنى حياته، وأنا كمان من حقِّي أبني حياتي.
تجمَّدت ميرال:
_يعني إيه؟
جاءها الرد…كطعنةٍ بطيئة:
_هرتبط بواحد تاني.
شهقت ميرال، تهزُّ رأسها برفضٍ مذعور:
_متعمليش كدا يا ضي يا حبيبتي!
لكنها لم تعد تسمع، انفجرت باكية، تضغط على قلبها تحاول إسكاته:
_دا بيوجعني أوي يا طنط، حاولت أهرب من شبح يوسف، بس قلبي بيموت، مبقتش بحسّ بحاجة غير الوجع وبس.
اختنق صوتها، ثم همست كأنها تقنع نفسها قبل أيِّ أحد:
_لازم أتخطَّاه…لازم أبني حياة بعيد عنه.
النهاردة وأنا برقص معاه، اتمنِّيت بس يقولي سامحيني، والله كنت هسامحه، وأخده في حضني، بس معملش كدا، راح وداس عليَّ بكل قوِّته.
اقتربت من ميرال، تنظر بعينيها:
_تعرفي قولت له إيه وأنا برقص معاه الرقصة اللي حضرتك حكيتي مرارتك عنها؟.
_قولت إنتي وعمِّي رقصتوها، لمَّا قرَّر يوجعك، حاولت أفوَّقه لكن هو مصرّ يدوس وبس، أنا خلاص أخدت قراري حتى لو هعيش بجحيم، هيكون أهون من إنِّي أموت كل يوم وأنا اسأل نفسي، ليه بعد العشق دا كلُّه يوجعني كدا، خلاص أنا هتجوز، وقولي له كدا، يمكن مفهمش كلامي.
نظرت لها ميرال بذهولٍ وألم:
_يعني عايزة ترتبطي، وإنتي بتحبِّي واحد تاني؟!.
_أومأت ضي، ودموعها لا تتوقَّف:
_آه وهو عارف..مش فارقلي الحياة أصلًا، بعد ابنك حياتي زي موتي.
ابتسمت ابتسامة باهتة موجعة أكثر من البكاء:
_وياعالم يمكن الشخص دا يقدر ينسِّيني يوسف.
التفتت ميرال إلى غرام، وعيناها مشتعلة بوجعٍ لم يعد يُحتمل:
_إنتي راضية على كلامها؟
نظرت غرام إليها بصمت، ثم هزَّت رأسها بضياع، وكأنها تردُّ على نفسها قبل أي أحد:
_اهي قدَّامك، مبقتش عايزة تسمع حد.
استدارت ضي ببطء، عيناها فارغتان… لكن كلماتها خرجت قاطعة، حاسمة:
_يوسف مبقاش فارق معايا يا طنط، ومن هنا ورايح مش هشوفه غير ابن عمّي وبس..لو هشوفه أصلًا.
شهقت ميرال بألم:
_كدا يا ضي؟
رفعت ضي ذقنها، وابتلعت غصَّتها بصعوبة:
"مش أنا اللي بعت لو سمحتي.
عادت ميرال إلى الحاضر، تضغط على عينيها تحاول أن تمحو تلك الكلمات من داخلها، لكن صدى صوت يوسف ظلَّ يطاردها، ينهش قلبها بلا رحمة:
_خلاص يا ماما ضي هتتجوز…مبقتش فارقة.
ارتجف جسدها...خطت ببطء حيث تجلس ضي، بينما كان إلياس يراقبها بصمتٍ موجع، يعرف جيِّدًا، أن هذه المواجهة ستكون قاسية.
انحنت ميرال أمامها، نظرت إليها طويلًا، إلى هيئتها المنكسرة، ثم همست بصوتٍ خافت، لكنه كان كالسهم:
_الدموع دي ندم..ولَّا إحساس بالذنب؟
لم ترد ضي..لم تتحرَّك حتى، بقيت كما هي..كأنَّها اختارت ألَّا تسمع.
اقترب إلياس بحذر، وصوته يحمل رجاءً خافتًا:
_ميرال…يلَّا علشان ترتاحي.
رفعت رأسها إليه فجأة، بنظراتٍ حادَّة، مضطربة:
_ضي بتعمل إيه هنا..مش هيَّ اتجوزت؟
_ميرال…حاول تهدئتها.
لكنها رفعت كفَّها تقاطعه، وصوتها خرج مرتجفًا، مؤذيًا:
_مش عايزة أسمع حاجة، خليِّها تمشي من هنا..لسه مستنية إيه؟ مستنية موته؟!
سقطت كلماتها كالصاعقة.
ثم التفتت إلى أرسلان، وعيناها تمتلئانِ برعبِ الأم:
_أرسلان…خد بنتك من هنا، مش عايزاها تقرَّب من ابني.
خفض أرسلان رأسه، يتمتم بصوتٍ مثقل:
_حاضر يا ميرال.
ثم نظر إلى بلال، وقال بهدوءٍ مكسور:
_خد أختك يا حبيبي روَّحها.
تقدَّم بلال نحو ميرال، محاولًا احتواء الموقف:
_طنط ميرال…هيَّ مش بتسمع كلام حد فينا، من وقت الحادثة وهيَّ مخرجتش من الأوضة دي، سيبيها.
لكن ميرال لم تكن ترى، لم تكن تسمع،
كانت ترى فقط ابنها على الفراش، بين الحياة والموت بسببها:
_خد أختك يا بلال، خلِّيها تروح تكمِّل انتقامها بعيد عن ابني.
نظر إلياس إلى بلال، وأومأ بصمت.
تقدم بلال نحو ضي، انحنى، ورفعها برفق من على الأرض، جسدها كان خفيفًا بشكلٍ مخيف، كأنَّ الروح لم تعد تثقله.
رفعت عينيها إليه فجأة، وتمسَّكت به، وصوتها خرج مكسورًا:
_مش همشي من هنا، موِّتوني…بس مش هخرج.
ثم أفلتت منه، واتَّجهت بخطواتٍ متعثِّرة نحو فراش يوسف، كأنها تُسحب إليه سحبًا:
_لمَّا يصحى، ويفتح عيونه.
خرجت الكلمات من ضي كرجاءٍ أخير، كأنها تتشبَّث بخيطٍ رفيعٍ بين الحياة والانهيار.
لكن قبل أن تلمس يوسف.
اندفعت ميرال نحوها بخطوةٍ واحدة، لا تدري من أين جاءت بتلك القوة، وسحبتها بعنف، دفعتها بعيدًا، وصوتها انفجر كبركانٍ مكبوت:
_إياكي تلمسيه! روحي اتجوزي علشان تنسيه يا غبية!
ترنَّحت ضي للحظة، لكن عينيها اشتعلتا، لم تتراجع، لم تنكسر.
رفعت رأسها بعنادٍ موجع، وصوتها خرج مبحوحًا لكنه صلب:
_مش همشي من جنب جوزي سمعتي؟ مش همشي من هنا.
دارت بعينيها على الجميع، دموعها متحجِّرة داخل مقلتيها، وجهها شاحب، وجسدها واقفًا فقط بالإرادة، لا بالحياة.
ثم صاحت بكلِّ ما تبقَّى فيها من قوة، من وجع، من حقٍّ يُسلب منها:
_مش همشي!
أشارت إلى يوسف، انهار صوتها، وتكسَّر بكاؤها:
_دا جوزي…غصب عنُّكوا وعنه!
ارتجفت شفتاها، لكن كلماتها خرجت كسكاكين:
_أنا مش معترفة بالطلاق اللي هوَّ خرب بيه حياتنا بقراراته الغلط! مش من حقُّه ياخد قرار حياتي أنا.
ضربت صدرها بيدها:
_أنا بس اللي من حقِّي أقبل أو أرفض، أنا بس.
ثم أشارت إليهم جميعًا، بعينينِ غارقتينِ في الانكسار:
_حياتي أنا اللي اتدمَّرت، قلبي أنا اللي اتحطَّم، محدش يقولِّي أعمل إيه!
صمتٌ ثقيل، خانق، لا يجرؤ أحد على كسره..والجميع ينظر إليها بألمٍ صامت.
لكن ميرال لم تعد تحتمل..صرخت، وصوتها يحمل تهديدًا ووجع أمٍّ على حافَّة الجنون:
_أرسلان.
التفتت إليه بعينينِ دامعتين، لكنها حادَّة كالسكاكين:
_بنتك مش مرحَّب بيها هنا، خلِّيها تمشي، دا لو باقي على الأخوَّة اللي بينَّا.
ثم اندفعت نحو ضي، مدَّت يدها لتسحبها من ذراعها بعنف، لكنها تجمَّدت، توقَّفت فجأة..عيناها اتَّسعتا بذهول..أنفاسها انقطعت، صوتًا خافتًا، ضعيفًا، خرج من بين شفتي يوسف..
همسٌ بالكاد يُسمع…لكنه اخترق القلوب جميعًا:
_ضي…
سقطت يد ميرال في الهواء.
التفتت بسرعة، عيناها تتَّسعانِ بصدمة، بينما ركضت ضي كأنَّ الحياة عادت إليها، سقطت على ركبتيها أمام الفراش، تزيل دموعها بارتباك، تضحك وتبكي في آنٍ واحد:
_حبيبي أنا هنا…افتح عيونك!
رفعت رأسها للجميع، بلهفةٍ مجنونة:
_سمعتوه..يوسف صحي، مش كدا؟!
ازداد بكاءها حين رأت إصبعه يتحرَّك،
صرخت بفرحٍ هستيري، وأمسكت كفِّه بسرعة، تقبِّله بجنون، ودموعها تغرق وجهها:
_يوسف…افتح عيونك يا حبيبي!
بلال! شوف الدكتور بسرعة.
اندفع بلال خارج الغرفة، بينما دفنت وجهها في صدر يوسف، تبكي بعويلٍ مزَّق الصدور، شهقاتها كانت كأنها تخرج من أعماق روحٍ احترقت بالكامل.
ارتجف جسد ميرال، عيناها مثبَّتتان على ابنها، لا تصدِّق…لا تجرؤ أن تصدِّق.
نظرت إلى إلياس..الذي جثا أمام ابنه، يمرِّر يده على شعره، ودموعه تنساب بصمتٍ ثقيل، كأنها اعتراف متأخِّر بكلِّ ما عجز عنه.
همست ميرال، بصوتٍ ضائع بين الحقيقة والوهم:
_إلياس…هوَّ صحي بجد، ولَّا أنا بحلم؟
رفع رأسه إليها، وعيناه تلمعانِ بالدموع، وأومأ ببطء:
_صحي…
بكت ضي بشهقات، تقول من بين شهقاتها:
_قال ضي يا عمُّو، يوسف قال ضي.
حاوطت جسده بذراعيها وما زال صوت بكاءها يشقُّ القلوب:
_آاااه...آااه، رد عليَّ يا يوسف.
التفت إلياس إليها محاولًا تهدئتها:
_ضي…بطَّلي عياط، هوَّ صحي، اهدي.
لكنَّها لم تكن تسمع.
كانت تبكي كأنها تفرغ كلَّ ما بداخلها دفعةً واحدة…كلَّ الصبر، كلَّ الألم، كلَّ الخسارة التي عاشت فيها وحدها.
وفجأة…انقطع صوت بكائها.
ارتخى جسدها بالكامل، وسقطت فاقدةً الوعي بين ذراعيه، بعد أن استنفدت آخر ما تبقَّى منها، وهي تهمس باسم حبيبها.
اقترب أرسلان بخطواتٍ متعثِّرة، وقلبه يطرق صدره بعنف، حين انقطع صوت ابنته فجأة…انحنى إليها فوجد وجهها قد شحب، وعينيها انطفأ فيهما كلَّ شيء.
_ضي...
لم تجب..مال يعدل رأسها من فوق صدر يوسف، وصوته خرج مذعورًا:
_بلال! أختك أُغمى عليها!
تمتم بها وبلال يفحص مؤشِّرات يوسف، رفع نظره إلى أخته التي سقطت مغشيًا عليها بين ذراع أبيه، وبين حركات أصابع يوسف، ليصبح بين جسدٍ سقط، وآخر عاد للحياة.
في تلك اللحظة، كان إلياس، يراقب
حركة جسد ابنه..
لمعت عيناه بالسعادة، وشفتيه تتمتم بالحمد، بينما شهقت ميرال، شهقة خرجت من عمق روحها، قبل أن تخونها قواها وتسقط أمام الفراش، بعدما فقد جسدها القدرة على الوقوف..بفرحة عودة فلذة كبدها.. ليعلو الضجيج الغرفة، من دخول الجميع.
بعد عدَّة ساعات…
هدأت الفوضى، لكن القلوب ما زالت ترتجف.
كان يوسف مستلقيًا، ملامحه مرهقة، لكن أنفاسه منتظمة..كأنه عاد من رحلةٍ طويلةٍ في الموت.
اجتمعوا حوله، جلست ميرال على طرف الفراش، عيناها غارقتانِ في وجهه، كأنها تحفظ تفاصيله من جديد، بينما جلست فريدة على الجانب الآخر، تمسك بيده بكلِّ ما تملك من خوفٍ وأمومة.
همست فريدة بصوتٍ مكسور:
_حاسس بإيه يا حبيبي؟.
فتح يوسف عينيه بصعوبة، نظر إليهم ببطء، وعيناه تمرُّ على الوجوه بتيه، ثم قال بخفوتٍ مُرهق:
_ الحمد لله.
ارتجفت شفتا ميرال، وابتسامة باهتة ظهرت فوق وجعٍ عميق، مدَّت يدها تمرِّرها على شعره بحنانٍ مرتعش:
_تستاهل الحمد يا حبيبي، قولِّي، في حاجة بتوجعك؟.
لم يرد..عيناه أغلقتا مجدَّدًا، وكأنَّ اليقظة أثقل من أن يحتملها.
رفعت ميرال رأسها بسرعة، والذعر يضرب ملامحها:
_هوَّ نام تاني ليه؟!
تقدَّم بلال بخطواتٍ هادئة، يحاول أن يزرع الطمأنينة رغم قلقه:
_ طبيعي..جسمه لسه مرهق، والمهدِّئات بتأثَّر عليه، هيبقى كده شوية، بين الوعي واللاوعي.
ابتلعت خوفها بصعوبة، وانحنت تقبِّل جبينه، قبلةً طويلة، تطمئن قلبها قبل أن تطمئنه.
في تلك اللحظة، اندفعت شمس إلى الداخل، تبكي بفرحٍ:
_ماما…يوسف فاق، بجد فاق؟
التفتت ميرال، واحتضنتها بقوة، كأنها تتشبَّث بها حتى لا تنهار:
_أيوة يا حبيبتي الحمد لله…الحمد لله..
كانت تكرِّرها، لكن صوتها لم يكن ثابتًا.
رفعت عينيها تبحث وسط الوجوه:
_فين إلياس؟
أجاب بلال:
_برَّا مع الدكتور…بيطمِّن عليه، متقلقيش.
دخلت غرام بهدوء، اقتربت منها وربتت على كتفها:
_حمد الله على سلامته يا ميرال.
هزَّت رأسها، ولم تستطع الرد.
مرَّ أسبوع…
يوسف ما زال يتنقَّل بين النوم واليقظة، جسده يحارب ليستعيد نفسه، وعقله يعود ببطء من غيبوبة سرقت منه ثلاثة أشهر.
لكن…
لم يكن هو الوحيد الذي كان يحارب.
وضي كذلك…كانت تسقط بصمت.
كأنَّها كانت مؤجلةً انهيارها طوال تلك الفترة، تحمَّلت الخوف، والانتظار، والانكسار؛ وقفت صامدة فقط لأنه لم يكن مسموحًا لها أن تنهار حتى يفيق وتستمع إلى همسه؛ وتتأكَّد أنه ما زال يتنفَّس كي تستطع هي الأخرى التنفُّس.
فكان كلُّ يومٍ يمرُّ دون أن يفتح عيناه، أن يهمس، أن يتحرَّك، تتآكل روحها بصمت، بدأ جسدها يخذلها تدريجيًّا، عيناها فقدت بريقها، وخطواتها أصبحت أثقل، وصوتها أضعف…حتى جاء اليوم الذي لم تعد فيه قادرة على التماسك..سقطت، دون صراخ، دون مقدِّمات.
سقطت كما يسقط شيءٌ استُهلك حتى نهايته.
لا ضجيج، لا مقاومة، فقط انهيار صامت، ينساب بين الوعي واللاوعي.
غابت أسبوعًا كاملًا في عالمٍ باهت، تُخدِّرها المهدِّئات، وتُطفئها الأيام.
حتى عادت، كوميضٍ خافتٍ يتسلَّل إلى روحٍ مُنهكة.
نهضت من فوق فراشها بتكاسل، وقفت والدتها مقتربةً منها:
_رايحة فين حبيبتي؟.نظرت لوالدتها بعيونٍ ذابلة، عيونًا ضاعت بها الحياة:
_رايحة أتنفِّس.
تمتمت بها بوهنٍ خافت، اقتربت والدتها:
_حبيبتي، مش الدكتور قال إنِّك محتاجة للراحة، جسمك تعبان.
_راحتي مش هنا ياماما، قالتها بنبرة متحشرجة، استندت على الجدار، وسحبت نفسًا بصعوبة، تنظر لوالدتها:
_شكلي حلو يا ماما؟.
اختنقت غرام بالبكاء، واقتربت من ابنتها التي أصبحت بقايا انسان:
_شكلك زي القمر يا حبيبتي.
_يعني هعجبه؟.
ضمَّتها غرام لصدرها وانسابت دموعها بصمت:
_هتعجبيه طبعًا، إنتي عجباه من غير حاجة.
ابتعدت قليلًا عن والدتها:
_ادعي لي يا ماما، مشواري صعب معاه.
احتضنت غرام وجهها تزيل دموعها:
_داعية لك من كلِّ قلبي حبيبتي، ربِّنا يريَّح قلبك يا بنتي.
هزَّت رأسها وانزلقت دمعة من عينيها:
_ادعي لي يسامحني يا ماما، لأنِّي وجعته أوي، أنا مش وجعته بس، أنا دبحته، هموت يا ماما، هموت لو فضل بعيد عني.
سحبتها لصدرها بقوة وبكت على بكاء ابنتها:
_بعد الشرِّ عليكي يا روح ماما، يوسف بيحبِّك، وبيحبِّك أوي كمان، اللي يعمل كدا بيكون عاشق يا بنت أرسلان، معرفش إيه اللي دار بينكم، لكن متأكِّدة إنُّه هيسامح.
أبعدتها عن أحضانها:
_خلِّي عندك صبر، ومتبيِّنيش ضعفك لحد، ومتخليش حد يهدِّ الحبّ اللي بينكم حتى يوسف نفسه، دافعي عن حبِّك وبكلِّ الطرق وأنا معاكي وفي ضهرك.
ابتسمت لوالدتها:
_يعني بابا مش زعلان علشان اللي عملته وقولته؟.
رفعت ذقنها تنظر لعينيها:
_مفيش أب بيزعل من ولاده، وشوفتي اللي كان بيقولِّك لو عملتي كدا، مش هتبقي بنتي، وقف قدَّام أخوه علشانك، هوَّ ممكن يكون واخد على خاطره، وخصوصًا بعد اللي حصل ليوسف.
أومأت بتفهُّم ثم خرجت، خطت إلى غرفته بهدوءٍ مؤلم، وصلت إلى باب الغرفة، توقَّفت للحظات تسحب نفسًا ثم زفرته، ثم دفعت الباب، وخطت..لم تكن مجرَّد خطوة..كانت عمرًا كاملًا تعبره.
توقَّفت عند العتبة..رأته مستندًا برأسه إلى الفراش، عيناه مغمضتان، وجهه ساكن…وبجواره عمَّها، ارتجف قلبها بعنف، حتى شعرت أنه سيخذلها ويسقط قبل أن تصل إليه.
همست اسمه بقلبها قبل شفتاها.. تحرَّكت..تسحب قدميها نحوه بصعوبة، كأنها تتعلَّم السير من جديد.
أنفاسها تتصاعد، متقطِّعة، مرهقة، ليس من الحركة، بل من الشوق إليه.
رفع إلياس رأسه على صوت الباب،
رآها وهي تدلف، نظر إليها بتقييم، باهتة، منهكة، ودموعها تسبق خطواتها.
اندفع إليها بلهفةٍ لم يُخفها:
_ حبيبتي…إنتِ كويسة؟
لم تجبه، عيناها كانتا معلَّقتين به وحده، بذلك الغافي الذي عاد من حافَّة الفقد.
تمتمت، بشفتينِ ترتجفان:
_ هو َّعامل إيه يا عمُّو…بقى كويس؟
احتواها بذراعيه حين شعر بضعفها، ورسم ابتسامة رغم انقباض قلبه:
_ كويس يا حبيبتي…إنتِ عاملة إيه؟
ابتسمت ابتسامة واهنة، وقالت بصوتٍ مكسور:
_ كويسة…طول ما هوَّ كويس.
لم تنتظر أكثر تحرَّرت منه، وخطت نحوه خطوة، ثم أخرى حتى وقفت أمام فراشه.
ظلَّت تنظر إليه لا تتحرَّك كأنها تحفظ ملامحه من جديد، تخشى أن يخطفه القدر إن أغمضت عينيها، مدَّت يدها مرتجفة، ضعيفة…مرَّرتها على وجهه برفق، كأنها تخشى أن توقظه، أو أن تكتشف أنه حلم.
دموعها انهمرت دون إذن، غير مصدِّقة أنه عاد، أنَّه هنا أمامها، شعر بلمستها.
فتح عينيه ببطء.
شهقت وتلألأت عيناها بسعادةٍ موجوعة، كأنَّ الفرح نفسه يبكي.
تعلَّقت به بنظرةٍ مرتعشة، تدعو الله أن يُبقي تلك العينين مفتوحتينِ لها العمر كلِّه.
_ عامل إيه؟
قالتها وهي تلتهم ملامحه بعينيها… كأمٍّ تطمئنُّ على رضيعها.
ردَّ بهدوء، وهو يسحب نظره من عينيها:
_كويس.
تدخَّل إلياس، محاولًا السيطرة على عتابهما:
_ بنت عمَّك كانت تعبانة يا حبيبي، بس كانت جنبك طول الوقت.
حاول يوسف أن يعتدل، فدفع الوسادة بوهن.
انحنت سريعًا، تسنده، لكنَّه رفع يده الموصولة بالإبر، وأوقفها:
_ مش محتاج مساعدة.
ثم نظر إلى والده، بصوتٍ خافت:
_ عايز أرتاح.
اقترب والده يساعده على الاستلقاء من جديد، بينما ظلَّت هي واقفة، صامتة.
تنظر إليه…فقط، صمتها كان أوجع من أي بكاء.
نظر إليها إلياس وقال برفق:
_ حبيبتي…إنتِ كمان روحي ارتاحي.
جلست على المقعد بجوار الفراش، دون أن تبعد عينيها عنه:
_ راحتي هنا يا عمُّو.
وضع يده على كتفها بحنان:
_ سيبيه لمَّا يفوق يا ضي…وبعدين اتكلِّموا.
ابتسمت ابتسامة موجوعة، وعيناها لا تزالان عليه:
_ سبته بما فيه الكفاية يا عمُّو، كفاية أوي كده.
انحنى إليها، يهمس بحذر:
_ بلاش يعرف إنِّنا عرفنا، لو عرف، ممكن تخسريه للأبد.
أنا واثق فيكِ…هتعرفي ترجَّعي جوزك.
وقبل أن يبتعد، أضاف بخفوت:
_وعلى فكرة…أنا مش زعلان منك.
قبَّل رأسها، وفي تلك اللحظة دخلت ميرال.
رفعت ضي رأسها، وقالت بنبرةٍ مكسورة:
_ أنا آسفة، عارفة إني كنت السبب… مكنتش أعرف إن كلِّ ده هيحصل.
توقَّفت ميرال أمامها، تتأمَّلها بقلبٍ مثقل.
تعلم…تعلم جيِّدًا كم تحبُّه.
وتعلم أكثر، كم يعشقها هو.
تذكَّرت همسه الأول بعد أن أفاق باسمها.
اقتربت، وقالت بهدوء وهي تنظر إلى يوسف:
_ يوسف لسه نايم؟
_لا…كان صاحي شوية، ولسه نايم.
هزَّت رأسها، ثم نظرت إلى إلياس:
_ طيب يا حبيبي، روح ارتاح شوية.
ثم التفتت إلى ضي:
_ أنا وضي هنا…متشغلشِ بالك.
تبادل إلياس وميرال نظرة صامتة… فهم كلٌّ منهما ما يدور في ذهن الآخر.
اقترب إلياس من ابنه، وقف للحظات يراقب أنفاسه المنتظمة، ثم تنهَّد واستدار، وغادر الغرفة بهدوء، وبقيت هي جالسة إلى جواره..لا تفعل شيئًا، سوى النظر إلى نومه.
ظلَّت ميرال تراقب حالتها، ثم تنهَّدت ونهضت متَّجهةً للخارج، بينما انحنت هي تهمس له:
_عارفة إنَّك صاحي، ومش عايز تشوفني.
بس إنتَ وحشتني أوي، وحشتني أوي يا يوسف.
فتح عينيه ببطء، ابتسمت، وجلست أمامه، وعيناها تغوصان في ملامحه بشغفٍ موجوع.
تعلَّق نظره بها للحظات، ملامحها التي سرقها الشحوب، وعيناها التي أنهكها السهر والبكاء.
انحنت تلمس وجهه برفق، وهمست بصوتٍ مرتجف:
_كنت هموت عليك.
استدار برأسه للجهة الأخرى، كأنَّ لمستها أحرقت شيئًا داخله:
_كتَّر خيرك…تعبتِك معايا.
ارتعش صوتها:
_يوسف…
استدار إليها فجأة، بنظرةٍ قاسية حاول أن يخفي خلفها ضعفه:
_عايزة إيه، وليه عاملة في نفسك كده؟ أنا بقيت كويس، ارجعي بيتك لجوزك، ليعملِّك حكاية ويفكَّرك زعلانة عليَّا.
لا تعلم لماذا ابتسمت، ابتسامة خافتة تحمل وجعًا أعمق من الدموع.
اقتربت منه، حتى أصبحت أنفاسها تلامس وجهه:
_متخافش على جوزي، هوَّ متفهِّم، وعارف إنتَ بالنسبالي إيه.
اشتعلت عيناه:
_اطلعي برَّه…مش عايز أشوفك قدَّامي.
مدَّت يدها تمرِّرها بين خصلات شعره بهدوء متحدٍّ:
_ولو مطلعتش…هتعمل إيه، هتشتكيني لجوزي؟
مطَّت شفتيها بخفَّة، وعيناها مثبَّتتان عليه:
_تمام…اشتكيني معنديش مشكلة خالص…ده بيحبِّني أوي، وهيتفهَّم خوفي.
اقتربت أكثر، أكثر ممَّا يحتمل:
_ياريت تغير منه، وتعرف بيحبِّني قدِّ إيه، وأنا كمان بحبُّه أوي.
هنا انكسر شيئًا داخله.
حاول الاعتدال بعنف، نازعًا الإبرة من كفِّه، كأنه ينتزع الألم من روحه.. صرخت وهي تندفع نحوه:
_يوسف! بتعمل إيه؟ هتجرح نفسك!
احتضنته تحاول تهدئته، لكنه دفعها بقوةٍ مفاجئة، قوة خرجت من وجعه لا من جسده، فسقطت أرضًا متأوِّهة.
صرخ بصوتٍ ممزَّق:
_بره!!! مش عايز أشوفك قدَّامي!!!
انسابت دموعها، بصمتٍ موجع.
اندفعت ميرال إلى الداخل على صوته، شهقت وهي تراها على الأرض:
_إيه اللي حصل؟!
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، كأنَّ الغضب يخنقه.
ساعدت ميرال ضي على النهوض:
_إيه اللي حصل يا حبيبتي؟
ابتسمت ضي ابتسامة باهتة تخفي انكسارها:
_مفيش يا طنط…عادي واحدة وجوزها، واختلاف بسيط بينَّا.
رفع عينيه إليها بصدمة، يتمتم داخله:
_جوزها؟!،
مسَّدت ميرال على ظهرها:
_إنتي كويسة؟
أومأت برأسها، والدموع تتجمَّع من جديد:
_كويسة الحمد لله، آسفة قلقتك.
التفتت ميرال إلى يوسف بقلق:
_مالك يا حبيبي؟
أغمض عينيه، هروبًا من دموعها، وحالتها التي تقتله.
اقتربت منه أكثر:
_يوسف…إنتَ كويس؟
ردَّ بصوتٍ متعب:
_كويس يا ماما، مش عايز أشوف حد، عايز أنام، لو سمحتي.
نظرت ميرال بينهما، ثم قالت بهدوء:
_طيب يا حبيبي ارتاح.
مدَّت يدها لضي:
_تعالي يا ضي، لازم ترتاحي إنتي كمان.
جلست ضي مكانها، دون أن تتحرَّك:
_أنا مرتاحة يا طنط…متقلقيش.
اشتدَّ صوته حادًّا:
_قولت مش عايز حد في الأوضة!
رفعت رأسها بثبات، ونظرت له مباشرة:
_أنا مش أي حد يا دكتور…أنا مراتك.
اتَّسعت عيناه بذهول:
_إنتي مجنونة!!.مرات مين، هوَّ أنا ولَّا إنتي اللي عمل الحادثة؟
خرجت ميرال بصمت بعد نظرة من ضي، تاركةً بينهما عاصفةً لا تُطفأ..
اقتربت منه ببطء، ثم انحنت واحتضنته رغم مقاومته:
_اسمعني يا جوزي الأمُّور، الطلاق اللي حضرتك عملته، أنا مش موافقة عليه. يعني أنا لسه مراتك يا جوزي يا حبيبي.
ابتسم بسخرية موجوعة، يتمتم:
_واحدة مجنونة…
همست قرب قلبه:
_مجنونة بس بحبَّك.
تجمَّد لثوانٍ…
وارتجف قلبه رغماً عنه، خانته قسوته.
رفع عينيه إليها، ممتلئةً بدموعٍ لم يستطع حبسها، وصوتٍ مكسور:
_إنتي عايزة مني إيه؟
_نسجِّل جوازنا، يعني نرجع نكتب كتابنا.
ظلَّ يحدِّق بها طويلًا، نظرة جامدة تخفي عاصفة لا تهدأ، ثم قال ببرودٍ قاسٍ:
_مش هيحصل…أحسن لك روحي كمِّلي جوازك، وخلِّفي ولد وسمِّيه يوسف، علشان يفكَّرك بأسوأ فترة عيشتيها.
كلماته سقطت عليها كصفعة، لكنها لم تتراجع.
نهضت فجأة، واتَّجهت نحوه، جلست بجواره على الفراش، ومدَّت يدها تمسك كفِّه رغم مقاومته:
_عارفة إنك مضَّايق مني وحقَّك.
رفعت عينيها إليه التي تصرخ بألمٍ صريح:
_لكن إنتَ السبب.
وضعت كفِّه فوق قلبها، ضغطت عليه وكأنها تريده أن يشعر بكلِّ نبضةٍ مكسورة:
_وجعت قلبي أوي يا يوسف، ده موجوع منَّك، وبينزف.
اختنق صوتها، وهمست:
_ما عملش حاجة غير إنه حبَّك وبس.
رفعت يدها تلمس وجهه، بأنامل ترتجف:
_ليه قتلتني يا يوسف؟
سحب وجهه بعيدًا، كأنَّ لمستها تفضحه:
_إنتي بتكدبي الكدبة وتصدَّقيها…أنا تعبان وعايز أرتاح، روحي شوفي عريسك، إيه يا مدام، خلَّصتي انتقامك مني؟
سكنت للحظة، ثم قالت بهدوءٍ مفاجئ:
_أنا قولت لك كدا علشان سمعت كلامك مع بابا.
تصلَّب جسده، وغصَّة حادَّة صعدت إلى حلقه.
اعتدلت في جلستها، تنظر له بثباتٍ مؤلم:
كنت مستنِّي مني إيه بعد اللي سمعته..
تفتكر ممكن أسامحك؟
أجابها دون أن ينظر إليها:
_مش عايزك تسامحيني، عايزك تخرجي من حياتي.
ثم التفت لها بعينينِ قاسيتين:
_آه زي ما قلت لباباكي، مش عايزك، اطلعي برَّه حياتي، وروحي عيشي زي ما إنتي عايزة..
وبعدين لمَّا سمعتي جاية بتعيَّطي ورايا ليه، إيه مبقاش فيه كرامة خالص، من إمتى يا أستاذة ضي وإنتي معدومة الكرامة.
هنا وقفت ببطء، استدارت وخطت نحو الباب، تحارب انهيارها بكلِّ ما تبقَّى فيها من قوة.
أمَّا هو…فأطبق على جفنيه بقسوة، ثم على شفتيه، وكأنه يمنع نفسه من النداء عليها.
عادت ذاكرته إلى حديثه مع أرسلان، تذكَّر حين خرج من منزل بلال، متَّجهًا لمنزله:
_يوسف.
التفت إليه، متوقِّفًا في مكانه:
_في إيه يا عمُّو؟
اقترب أرسلان منه، بنظرةٍ مثقلة:
_بقالي يومين عايز أتكلِّم معاك وبأجِّل.
_خير؟
تنهَّد، ثم قال:
_ناوي على إيه؟ مش كفاية كده.. تصالح مراتك.
ابتسم يوسف بسخرية جارحة:
_مراتي؟.ثم هزَّ رأسه:
_أنا مش متجوز يا عمُّو، أو تقدر تقول حاليًا مش متجوز…يمكن قدَّام إن شاء الله.
اتَّسعت عينا أرسلان بصدمة:
_إنتَ بتقول إيه يا بني؟! أنا لحدِّ دلوقتي مش فاهم عملت فينا كده ليه، هان عليك تكسرني؟
اقترب يوسف خطوة، وقال بصوتٍ منخفض لكنَّه حاد:
_اسمعني لو سمحت…الجوازة دي من الأوَّل كانت غصب، لا أنا كنت عايز أتجوز، ولا بنتك كانت بتفكر فيَّ.
توقَّف لحظة، وكأنه يجمع شتات قراره:
_حطِّيتوني قدَّام الأمر الواقع، حاولت أتأقلم، بس مقدرتش..مش قادر أكمِّل حياتي مع بنتك..مش مرتاح، حرام أدوَّر على راحتي؟.
نظر له أرسلان بألم:
_راحتك يا يوسف!.طيب وضي، راحتها فين؟
أجابه ببرودٍ قاتل:
_الاجابة دي مش عندي، بكرة تلاقي اللي يسعدها.
ثم أضاف، كأنه يقطع آخر خيط:
بس مش معايا…لأنِّي آخر واحد ممكن يسعدها.
صمت لحظة، ثم أكمل:
_أنا أصلًا ما وافقتش من الأوّل، إنتوا اللي فرضتوا عليَّ، وكان لازم ما أكسرش خاطرها علشان بنت عمِّي… كده خلصنا.
رفع عينيه بلامبالاةٍ مصطنعة:
_وبلاش تحسِّسوني إنها هتموت من غيري، ما هيَّ عايشة وزي الفل، خلُّوها تشوف حياتها ونرتاح كلِّنا.
_جاي تقول كدا بعد سنتين!.
صمت للحظات ثم قال:
_كنت بحاول أقنع نفسي بيها.
_علشان كدا طلَّقتها، طلَّقت بنتي علشان حاولت ومقدرتش؟!.
_لا..علشان أسباب كتيرة.
_إيه هيَّ الاسباب الكتيرة دي،
_بحتفظ بيها لنفسي يا عمُّو، من فضلك أنا بحبَّك وربِّنا أعلم إنتَ عندي زي بابا، متزعلش منِّي.
_يعني خلاص يا بني، كدا خلصت؟
فتح عينيه فجأة، كأنَّ كلماته لأرسلان طعنته.
دخلت ميرال بهدوء، وجلست أمامه دون كلام…تنظر إليه فقط.
قطَّب حاجبيه:
_بتبصي لي كده ليه يا ماما؟
ظلَّت صامتة للحظات، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
_البنت بتموت، توقَّفت..وارتجف صوتها قبل أن تكمل:
_مشفتش حالتها وإنتَ بين الحياة والموت.
صمتت…لكن نظرتها أكملت الباقي،
كلُّ شيءٍ لم تستطع قوله، كان واضحًا في عينيها.
_ماما اتكلِّمنا كتير في الموضوع دا.
_دا قبل الحادثة، كنت في لحظة هضِّيع، عيش حياتك مع اللي بتحبَّك.
_ماما...لو سمحتي، أنا تعبان ومش قادر.
_أومال ليه كنت هتموت لمَّا عرفت إنَّها هتتجوز، إنتَ كنت بتعيَّط يا يوسف.
أغمض عيناه:
_نصيبي يا ماما، نصيبي أتحرم منها، أخفّ وأسافر، ومش هرجع تاني خالص هنا، بعدها هتنسى، هيَّ كانت هتعيش لولا رجوعي.
_غلطان يا بن ميرال.
🔥🔥
بقصر الجارحي…
كانت تغفو بنومٍ عميق، كأنها تعوِّض أعوامًا من السهر والخوف، من يراها يظنُّ أنها لم تعرف النوم منذ زمن. جلس يراقب ملامحها الطفولية بهدوء، وابتسامة دافئة ترتسم على شفتيه، لتأخذه الذاكرة إلى ليلة زفافهما…
حين وصلا إلى الجزيرة لقضاء شهر العسل، دلف بها إلى الشاليه الخاص. توقَّفت عند المدخل، تدور عيناها في المكان:
_احنا هنقعد هنا لوحدنا؟
اقترب منها، واحتضن كفَّيها بحنانٍ مطمئن:
_هوَّ إنتي عايزة حد معانا؟
ارتبكت قليلًا، وهمست:
_مش قصدي يا حمزة، بس أصلي..
وضع إصبعه برفق على شفتيها:
_شش…مالك يا حبيبتي، بترتعشي ليه؟
ابتعدت خطوة، تحاول التماسك:
_عايزة أغيَّر…أغيَّر فين؟
أمسك كفَّيها، فشعر ببرودتها، فعقد حاجبيه بقلق:
_شمس…حبيبتي، اهدي..إنتي خايفة؟
هزَّت رأسها سريعًا:
_لا…بس الفستان تقيل، والسفر، عايزة أرتاح منه.
ابتسم بهدوء، وسحبها برفق إلى الأعلى..كانت تسير بجواره، لكن جسدها يفضح ارتجافها، فتح باب الغرفة، وأشار إليها:
_دي أوضة النوم.
دخلت بعينينِ متَّسعتين، تتأمَّل الزينة، واسمها المعلَّق على الجدران..حاوطها من الخلف، يهمس قرب أذنها:
_عجبتك؟
انتفضت بخفَّة من قربه، لكنها هزَّت رأسها بالإيجاب، بعدما خانها الكلام.
فهم خوفها دون أن تشرح..أمسك يدها وجلس بها على الفراش، ثم جثا أمامها، ينظر إليها بعينينِ عاشقتين:
_شمس…أنا مش عايزك تخافي منِّي.. مستحيل أأذيكي خالص..خدي وقتك، ولمَّا تحسِّي إنك جاهزة، أنا مستنِّيكي.
لمعت عيناها بالدموع، وسألته ببراءة: _يعني مش زعلان منِّي؟
ابتسم بحب، وجلس بجوارها، يسحبها إلى حضنه:
_أزعل منِّك على إيه بس؟
استكانت بين ذراعيه، وأغمضت عينيها، وكأنَّها وجدت أخيرًا الأمان الذي كانت تبحث عنه، أمَّا هو…فكان يحاول السيطرة على مشاعره، يضمُّها بحذر، وكأنها شيءٌ ثمين يخشى كسره.
لكن قربها، وبراءتها وهي تميل برأسها على عنقه، كفيلان بإرباكه.
تنفَّس بعمق، وحاول أن يهدأ، لكنه لم يستطع منع نفسه من رفع يده ليحتضن وجهها برفق.
نظر في عينيها طويلًا…ثم اقترب ببطء، يطبع قبلةً هادئة، تحمل طمأنينة أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، ولكن عفويتها وهي تتمسَّح بعنقه، وأنفاسها الناعمة تضرب بشرة عنقه، جعلت القبلة تتحوَّل لجنونِ عاشق، ممَّا جعلها تدفعه بوهن، تلتقط أنفاسها، وجسدها يرتجف:
_حمزة..مش دلوقتي، أنا مش قادرة، متزعلش منِّي..قالتها وهي تبكي.
توقَّف فورًا، وكأنَّ كلماتها أعادته إلى وعيه، اقترب منها دون تردُّد، وضمَّها بحنانٍ حقيقي:
_خلاص…خلاص يا حبيبتي، اهدي… مفيش حاجة مستاهلة دموعك.
ربت على ظهرها بهدوء، وصوته ينساب مطمئنًا:
_أنا جنبك، آسف..
فهدأت بين ذراعيه…بينما ظلَّ هو ممسكًا بها، لا كزوجٍ يريد، بل كقلبٍ يحتوي.وأبًا يخاف.
ابتعدت مبتسمة:
_ممكن تخرج برَّة، عايزة أغيَّر.
توقَّف للحظة يتابع جمالها الممزوج بالبراءة كأنها طفلة وليست أنثى ناضجة.
أومأ لها، وهو يقرص وجنتيها، هوت على السرير بعد خروجه:
_اهدي، اهدي خلاص كلِّ حاجة هتعدِّي، صمتت تحدِّث نفسها:
_غبية يا شمس، خايفة من إيه دا جوزك وحبيبك.
تأفَّفت ونهضت تنزع فستانها وهي تهمس لنفسها:
_عيب اللي بتعمليه، ماما وبابا لو عرفوا هيقولوا عليَّ عيِّلة.
توقَّفت تمسح جبينها تهمس لنفسها وهي تنظر لذلك القميص المخصوص لهذه الليلة الموضوع على الفراش، واختنقت بالبكاء:
_أنا طلعت عيِّلة أوي، ياربِّي دلوقتي يندم إنه اتجوزني، يالَّه ياغبية صلَّحي اللي بوظتيه، واعملي زي ما ماما قالت لك.
صلِّي واذكري ربِّنا وتوكَّلي على الله، مش هيموِّتك يعني.
ظلَّت فترة تنظر للقميص الشفَّاف، ارتجف جسدها وهي تتخيَّل نفسها أمامه به..ألقته من يدها:
_يالهوي هلبسه إزاي دا، دا شفَّاف أوي، ياربّ ساعدني، تذكَّرت شيئًا..
_الأوَّل لازم أكلِّم يوسف وأطَّمن عليه.
عند حمزة..
خرج إلى الحديقة سريعًا، بعدما فقد السيطرة.
دفع الباب بقدمه بغضب يسبُّ بلال في سرِّه، ثم اتَّجه إلى الحديقة يبحث عن شيءٍ يفرغ به غضبه، ولكنه توقَّف على صوتها:
_حمزة...
استدار إليها سريعًا،ولمعت عيناه بالسعادة:
_نعم حبيبتي..
_شوفت تليفوني، بدوَّر عليه مش لاقياه، كنت عايزة أكلِّم يوسف، عايزة أطَّمن وأشوفه عمل إيه مع ضي.
كوَّر قبضته بغضب، يستغفر ربَّه.
اقتربت منه وهتفت ببراءة:
_ما بتردش ليه؟.
_تعرفي أنا أستاهل ضر بي بالحزام يا روحي، يا ريت أبويا منعني من السفر.
_ليه بقى يا كابتن..على العموم شكرًا، هدخل أشوفه.
راقب تحرُّكها، مسح على وجهه:
_متجوز طفلة، ودي هتعامل معاها إزاي؟.
ابتسامة تجلَّت بملامحه:
_أحلى طفلة في الكون.
بعد قليل دلف للداخل، تسمَّرت قدماه، وهو يراها تقف بذلك القميص، تفرك كفَّيها بارتباك، نظر لكفِّها الذي يرتعش، وشفتيها، حتى عيناها تبتعد بها عن نظره.
اقترب منها، رفع كفَّيه يلمس وجنتيها:
_النهاردة اليوم كان مُرهق أوي، غير السفر، وأنا هلكان من التعب، إيه رأيك ننام؟.
رغم محاولاتها لتصبح زوجته، ولكن كلماته جعلت جسدها يرتجف.
سحب كفَّيها بهدوء، ونزع الروب، أغمضت عيناها، وشحب وجهها، وشفتيها كأنها تردِّد ذكر الله.
همس بجوار أذنها:
_شمس افتحي عيونك، متخفيش مش هعمل حاجة، مستحيل أقرَّب منك وإنتي في حالتك دي.
فتحت عيناها تنظر إليه بصمت.
فرد جسده على الفراش، ومدَّ ذراعيه:
_تعالي حبيبتي متخافيش، هاخدك في حضني بس.
تسلَّلت إلى أحضانه دون إضافة حرف.
فاق من شروده على صوتها:
_حبيبي سرحان في إيه؟.
قبَّل كفَّها الذي وضعته على وجهه:
_هفكَّر في مين غيرك يا شموسة.
بالمشفى عند بلال..
دلفت رولا إلى مكتبه، وجدته غافيًا على المقعد، وضعت حقيبتها بهدوء، واقتربت منه، انحنت تطبع قبلةً على شفتيه، فتح عيناه، ابتسمت وتراجعت:
_دكتورنا اللي نام في الشغل.
سحب يدها وجذبها إليه، لتجلس على ساقيه:
_نمت من التعب، بقالي كام يوم بطبَّق.
لمست وجنتيه:
_روح ارتاح شوية، بقالك أسبوع ما روحتش.
_مينفعش أسيب يوسف يبات لوحده، عمِّي مبقاش حمل سهر، غير لازم أكون جنبه لحدِّ ما يوقف على رجله.
_بلال الإصابات دي مش خطيرة صح، يعني كلِّ حاجة تمام؟.
_أيوة حبيبتي، الحمدلله، كنَّا خايفين من النزيف الداخلي، لكن الحمدلله، آخر أشعَّة، مفيش حاجة.
_طيب ضهره، سمعت عمُّو بيقول ضهره فيه إصابة.
_إن شاءلله، يخفِّ بعملية، لسة هنعمل إشاعة أخيرة ونشوف الفقرات...
المهمِّ قولي لي جاية ليه؟.
تلاعبت بزرِّ قميصه:
_مفيش وحشتني بس، قولت آجي أشوفك ما دام مش فارقة معاك.
ضمَّها بقوة بين ذراعيه:
_مين قال كدا، بلاش تعرفي مشتاق لك قدِّ إيه.
_لا عايزة أعرف.
وضع جبينه فوق جبينها، وآااه عاشقة خرجت بأنفاسه الحارَّة:
_مجنون على فكرة، أوعي تفكَّري المكتب هيحوشني عنك.
فجأة استمعوا لطرقات ِّودخول كارما
_فاضي يا دكتور؟.
لم تتحرَّك رولا من مكانها، ظلَّت كما هي جالسة على ساقيه، لتتراجع كارما معتذرة:
_آسفة، فكَّرتك لوحدك.
زمَّت رولا شفتيها قائلة:
_هوَّ فيه حد بيدخل على حد كدا؟.
اتجهت بنظرها اليه:
_إيه يا دكتور، متعرَّفش اللي شغَّالين معاك الأدب.
مضى اسبوعان
دلفت اليه، وجدته مازال غافيا، نظرت الى بلال الذي يغفو بجواره على المقعد، اتجهت اليه وايقظته بهدوء
_حبيبي قوم روح ارتاح وانا هنا
اعتدل يمسح على وجهه، ثم حرك رأسيه
_مينفعش، اسر زمانه جاي، مش عايزين نعمل قلق علشان عمو
سحبت كفيه
_تعالى عايزة اتكلم معاك في موضوع مهم
مضى بعض الوقت وهي بجواره، فتح عيناه، وجدها تجلس تنظر اليه
_فين بلال
_راح يجيب المأذون
قطب جبينه
_مأذون..!!
اومأت له بهدوء وهي تنظر اليه
ايوة بالظبط، زي ماايدك الحلوة دي مضت على ورقة الطلاق من غير علمي، هتمضي على ورقة الجواز
إلا إذا... قالتها وهي تقترب منه بخطوات بطيئة مهلكة لكلًا منهما
_هفضـ حك يادكتور
امالت بجسدها تتلاعب بزر قميصه
_هشغل عليك بتوع حقوق المرأة،
ومراتك شاطرة في الحاجات دي، وانت طبعا دكتور حليوة وبقالك اسم
اعتدلت تشير بيدها
_اه هنزله بكل لغات العالم، يوصل للمركز بتاع Cleveland Clinic
قالتها بغمزة من عينيها
_اطلعي برة واطفي النور، بدل مااتصل بمستشفى المجانين
جلست بجواره على الفراش
_عارف الرقم ياحبيبي، ولا اتصل انا
امالت تسحب الوسادة
ارفع راسك، علشان احط وراك المخدة دي، رقبتك هتوجعك
لم يكترث لوجودها، فاعتدل، اتجهت اليه تساعده، رفض في البداية، ولكنها لم تهتم لرفضه، الى أن استند على كفيها معتدلا
_ضهرك بيوجعك اوي
_لم يجب عليها، تراجعت للخلف دون اضافة شي، دقائق ودلف اسر وبلال وبجوارهم رجلا يحمل دفترا
التفت اليها سريعا، بعدما علم بهويته
_ايه اللي بيحصل هنا يابلال
_هنجوزك يادوك
_انت بتستعبط يايلا
_ابدا وحياة رحمة ابويا اللي نايم في البيت
مراتك المفترية هي اللي قالت لي هات المأذون، لتخلي البت تخلعني، وانا خايف على سمعتي
عند ارسلان
ظل امام جهازه لفترة طويلة، ثم رفع هاتفه
_ابعتي لي الفيديو من كل الخلفيات، مش ظاهر اوي
_تمام ياباشا
بعد دقائق، وهو يتفحص كل الفيديوهات التي توجد بمكان الحادث، استمع الى رنين هاتفه
_زي مااتوقعت ياارسلان، الفرامل كان ملعوب فيها، وقعت عيناه على السيارة التي قطعت طريق يوسف فجأة
_مش عايز حد في الكمبوند من غير حساب، وفي نفس الوقت مش عايز حد يعرف انت بدور على ايه، هتعرف تعمل الحركة دي يامالك ولا اشوف غيرك
_طيب لو الياس سألني، اقوله ايه
_قوله شهادة ميلاد ارسلان ضاعت وبيدور عليها..
على بوابة الكمبوند... توقفت امام الامن
_هنا منزل دكتور يوسف الشافعي
_نعم، نقوله مين
_دارين المعتصم
_لحظة هنقول للباشا، الدكتور، مريض بالمستشفى
_اريد عنوان المستشفى
الفصل 65
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
في عينيه عتابٌ مكبوت، وفي صدره عشقٌ ما زال يتشبّث بالبقاء رغم الانكسار. يقف على حافة الانهيار، ولا يسقط، لأنه ما زال يراها.
لا يدري أأتى ليعاتبها أم ليعترف بما ظلّ حيًّا فيه رغم كل شيء. كل ما فيه يميل نحوها، حتى صمته. يراها فيشتعل ما ظنه انطفأ، ويقف العشق كجمرٍ عنيد يرفض أن يبرد. وفي داخله اعترافٌ لا يكتمل: أنه ما زال يحبها كأن ما بينهما لم يُمحَ أصلًا.
أما هي، فقد أرادته سندًا لا لغزًا، حضورًا لا غيابًا. لكنها وجدت نفسها وحدها، تحمل الأسئلة حتى احترقت بها. ومع ذلك، حين تراه، يخونها كبرياؤها قبل قلبها، فيخرج عتابها ثابتًا، بينما داخلها يتصدّع.
وفي النهاية، ليس العتاب كلمات، بل جرحٌ يُفتح على مهل في موضعٍ لم يلتئم أصلًا.
وليس العشق خلاصًا، بل معركةٌ تُخاض بصمت، ويظل فيها القلب واقفًا حتى وهو ينكسر.
اعتدل يوسف بعنف، وعيناه تقدحان شررًا وهو يرمق بلال:
_إيه اللي بتقوله ده يا بلال!! إنت اتجنِّنت؟!
تقدَّم آسر بخطواتٍ حذرة، يحاول احتواء الموقف:
_يوسف..إحنا ما لناش دعوة..مراتك وأبوك قالوا عايزين مأذون، وإحنا نفَّذنا بس…
لم يمهله، قاطعه بصوتٍ انفجر كالرعد:
_اطلعوا برَّه!!
ساد الصمت لثانيةٍ ثقيلة، ثم التفت إليها بعينين مشتعِلتين:
_إنتي مش مراتي..فاهمة، إنتي اتجنِّنتي ولَّا إيه؟!
وقبل أن يردَّ أحد، دوت طرقاتٍ خفيفة على الباب، أعقبها دخوله.
دخل أستاذه بهيبةٍ وابتسامةٍ دافئة:
_ما شاء الله…دكتورنا بقى كويس.
تجمَّد يوسف للحظة، ثم اعتدل بسرعة، يرسم ابتسامةً باهتة تخفي عاصفة داخله:
_الحمد لله يادكتور، الفضل لله ثم لحضرتك.
اقترب منه الأستاذ، يتفحَّصه بعينٍ فاحصة يغلبها الفخر:
_لا، ما شاء الله…كده كان عندي حق أجِّل سفري علشان المناسبة الحلوة دي..هوَّ أنا عندي أغلى منك يا يوسف؟
تاهت نظرات يوسف بكلمات أستاذه..
تدخَّل بلال سريعًا، يسحب مقعدًا:
_اتفضل يا دكتور…ما هو علشان علاقتكم ببعض، يوسف أصرّ إن حضرتك تكون الشاهد على كتب الكتاب.
اتَّسعت عينا يوسف بذهولٍ صادم، بينما ضحك أستاذه بخفَّة:
_وأنا عندي أغلى من يوسف؟! ده ابني اللي ما خلفتوش…ولو مش غالي عندي، مكنتش أجِّلت مؤتمر مهمّ زي ده عشانه.
تمتم يوسف، يحاول استيعاب ما يحدث:
_لحظة بس يا دكتور، مين اللي قال لحضرتك..
قاطعه بلال بسرعة، وهو يشير ناحية الباب:
_معرفش عمُّو إلياس اتأخَّر ليه، بس بابا في الطريق، على وصول، معلش يا دكتور تعبناك.
ابتسم الأستاذ بمحبَّةٍ صادقة:
_لا يا حبيبي، مفيش تعب..كفاية إنِّ يوسف رافع راسنا كلِّنا برَّه.
ثم انحنى قليلًا، ينظر مباشرةً في عينيه: _أنا فخور بيك جدًّا يا ابني، وترشيحي ليك كان في محلُّه…بس عندي عتب عليك.
اعتدل، ولا تزال نظراته معلَّقة بوجه يوسف.
أمَّا يوسف…فكان في عالمٍ آخر.
نارٌ صامتة تشتعل داخله، تلتهم صدره ببطء..الوجوه حوله تتحرَّك، الأصوات تتداخل، لكنه لا يسمع شيئًا.
لقد فعلها والده مرَّةً أخرى، قيَّده، وقرَّر عنه، وساقه إلى زواجٍ لا يريده.
قبض على يده بقوة، حتى ابيضَّت مفاصله.
_يوسف…رد على أستاذك..تمتم بها بلال.
رفع عينيه ببطء، نظرة تائهة تحمل انكسارًا مكتومًا:
_آسف يا دكتور…سرحت شوية.
ربت الأستاذ على كتفه بحنان:
ولا يهمَّك..أتمنى تستقرّ في حياتك، وبلاش الحكاية دي تفضل تتكرَّر.
ثم رفع الأستاذ عينيه نحو ضي، بابتسامةٍ تحمل عتابًا خفيفًا:
_ وإنتِ يا أستاذة…فيه حد يزعَّل دكتورنا؟
وقبل أن تُجيب، انفتح الباب ودخل أرسلان بخطواتٍ ثابتة، وصوتٍ هادئ:
_السلام عليكم..آسف على التأخير، مكنتش أعرف إن يوسف مُصرّ إن كتب الكتاب يكون في حضور حضرتك.
أومأ الأستاذ بابتسامةٍ صافية:
_وعليكم السلام…لسه كنت بقولهم، يوسف ابني.
جلس أرسلان مقابله، وقال بثقةٍ دافئة:
_وهوَّ كمان بيعزَّك جدًّا.
كان يوسف يجلس بينهم كالغريب.
ينظر، يسمع، لكن لا يستوعب..كأنَّ لا أحد يخصُّه.
كأنَّهم يتحدَّثون عن رجلٍ آخر… يعيش حياته بدلًا عنه.
ارتفعت عيناه نحو أرسلان، وحدَّق به طويلًا، وصوتٌ داخليّ يصرخ:
_إزاي وافق، بعد كلِّ اللي قلتهوله؟! ولَّا…أمِّي قالت لهم؟!
انتقلت عيناه ببطءٍ نحو ضي،
فالتقت بنظرتها..نظرة ثابتة متحدِّية،
وعلى شفتيها ابتسامة خبيثة لم تصل إلى عينيها، لم يجد فيها شفقة، لم يجد حبًّا..
فقط إصرار.
اشتعل صدره:
بتعملي كده ليه!! انتقام؟!
قطع أفكاره صوت المأذون، رسميًا:
_اسم حضرتك؟…واسم العروسة؟
تجمَّد، نظر حوله بتيهٍ حقيقي.
هل يصرخ..هل يطردهم جميعًا و ينهي هذا العبث؟! لكن عينيه سقطتا على أستاذه،
الرجل الذي أجَّل مؤتمرًا مهمًّا فقط من أجله..أغمض عينيه بقوة.
ارتفع صدره وهبط بعنف، بين نارين، كرامته، وصمته.
أمَّا ضي…
فكانت تراقبه في صمتٍ موجع.
ترى كلَّ شيءٍ تجلَّى بملامحه، الصدمة، الغضب، الانكسار.
تعرف أنه لن يمرَّ الأمر بسهولة..
لكنها لن تتراجع..ليس بعد كلِّ ما حدث.
غصَّة خنقتها، وهي تتذكَّر حالته، وما علمته.
ظلَّت عيناها عليه وتذكَّرت كلمات ميرال إليها بعد إهانة يوسف لها حين
خرجت من عنده، بعدما طعنها بكلماته.
_"عديمة كرامة…"
كانت الكلمة ما تزال تصرخ داخلها.
خرجت سريعًا، حتى لا تنهار أمامه.
لكنها ما إن ابتعدت، انهارت..خرجت تغلق الباب خلفها تبكي بصمت ، لمحتها ميرال، فتقدَّمت بقلق :
_ ضي…إيه اللي حصل؟
رفعت عينيها…عينانٍ مثقلتانِ بالدموع والجراح:
_مفيش، هنزل أتمشَّى شوية.
أمسكت ميرال بكفِّها، تمنعها من الحركة، ونظرت داخل عينيها بصدق:
_أنا مش هضحك عليكي وأقولِّك إني مضايقتش من اللي حصل منك، بس إدِّيتك عذر.
توقَّفت لحظة، وتابعت بنبرةٍ ليِّنة:
_لمَّا شوفتك كنتِ بتموتي من خوفك عليه…لو كنت شاكَّة في حبِّك لابني، كنت طردتك من حياته بنفسي للأبد.
ارتعشت شفتي ضي، تنظر إليها بألم وهي تستمع لباقي حديثها..
_مش عارفة إيه اللي حصل بينكم دلوقتي بعد ماخرجت… بس عايزة أقولِّك حاجة: يوسف بيحبِّك، وبيحبِّك أوي كمان.
تنهَّدت بألم: آه غلط، وأنا كمان غلطت، بس غصب عنِّنا.
ثم همست بصوتٍ مثقل: يوسف مستحيل يقولِّك الحقيقة، وأنا كنت بين نارين، أدافع عن ابني، ولَّا أحفظ سرُّه.
تزاحمت الذكريات بقلب ضي؛ فخرجت على هيئة نيرانٍ تقبض على صدرها وهي تتذكَّر ضغطها عليه وإجباره.
ترقرقت الدموع بعينيها ثم رفعت رأسها، بانكسارٍ موجع:
_ طب ليه قالِّك ومقاليش..ليه يعيِّشنا في الوجع ده..ليه يوصَّلني أشك فيه وأتهمه بحاجات صعبة؟!.
هزَّت ميرال رأسها ببطء:
_ هوَّ ما قالش، أنا اللي فهمت..شفت كسرته بعيني، لمَّا جه وطلب مني إنك تأجِّلي موضوع الحمل.
هنا شعرت بانشقاق قلبها نصفين، كيف لم تلاحظ كمَّ الوجع الذي كان يداريه، كيف أوصلته لتلك المرحلة، تذكَّرت قبلته الأخيرة لها ودموعه التي ودَّعها بها، تعاظم الألم داخلها وانسابت دموعها كشلَّال.
رفعت ميرال ذقنها، ومسحت دموعها، طالعتها بعينينِ ترتجفان:
_هوَّ محتاج وقت، يمكن ربِّنا يرزقكم، ويمكن ما يكونش فيه نصيب.
شدَّدت على كفَّيها بتنهيدةٍ ثقيلة، ونظرت لها بجديَّةٍ حاسمة:
_ بس دا ميمنعش قبل أي حاجة، أنا كأم لازم أسألك..ما هو إنتي بنتي برضو، وربِّنا أعلم بغلاوتك عندي ، صمتت لحظة..
ثم أكملت:
_إنتِ عايزة يوسف…بعد كل اللي عرفتيه؟
اقتربت أكثر، تدقِّق النظر:
_ فكَّري كويس، دي حياة كاملة. والقرار ده مفيش رجوع فيه..وأنا والله مش هزعل منك، بس برضو مش هسمح لحد يكسر ابني حتى لو أبوه نفسه.
صمتت وظلَّت تنظر إليها ثوانٍ كأنها عمرٌ كامل..
ثم ردت ضي بصوتٍ مكسور:
هوَّ فيه حد بيتسأل عايز يعيش، ولَّا يموت؟
انزلقت دمعة على خدِّها،
وتابعت، وكلُّ كلمة تخرج من قلبها:
_يوسف حياة ضي.
شهقت بصعوبة:
_رغم كل اللي عمله…أنا مش قادرة أتنفِّس من غيره.
أغمضت عينيها، ودموعها تنهمر:
_جرَّبت الحياة من غيره، كانت موت، بموت كلِّ يوم وكلِّ لحظة.
رفعت عينيها لميرال، برجاءٍ موجع:
_أنا راضية بكلِّ حاجة، أي حاجة، بس أفضل جنبه.
استندت على الجدار ثم انهارت بكلماتها:
_بحبُّه أوي…بحبُّه لدرجة كرهت نفسي على الحبِّ ده، مش عارفة أعيش من غيره يا طنط، للأسف مش عارفة أعيش من غير ابنك، واخد قلبي وحياتي كلَّها.
لم تحتمل ميرال انهيارها، جذبتها إلى صدرها، تضمُّها بقوة.
كأنها تحاول أن تحمي قلبين…ينزفان في آنٍ واحد.
_وهوَّ بيحبِّك يا ضي، وبيموت عليكي.
خرجت من أحضان ميرال:
_كان، دلوقتي لا، مبقتش أشوف في عيونه الحبّ زي زمان.
_مش صح، يوسف زي باباه، مستحيل يبيِّن ضعفه قدَّام أي مخلوق، هوَّ بيعمل كدا علشان مش عايزك تقرَّبي ويضعف.
_نفسي أصدَّقك، بس مش لاقية دا.
احتضنت ميرال وجهها، تنظر لمقلتيها:
_طيب أنا هدخلُّه دلوقتي، وهتسمعي بودانك، المهمّ خلِّي بالك ميعرفش إنِّك عرفتي حاجة، لو عرف مستحيل يرجع لك.
أومأت بدموعها...
فاقت من شرودها على صوت المأذون:
_موافقة يا بنتي الزواج من يوسف إلياس جمال الشافعي؟.
نظرت إليه وجدته ينظر بعيدًا بوجهٍ جامدٍ خالٍ من أي مشاعر..
_موافقة يا عمُّو الشيخ.
تمتمت بها بهدوء، ورغم هدوئها، لكنَّ قلبها شعلةً من الجمر.
أمَّا بلال، فكان يتابع حالة يوسف بقلبٍ يتألَّم لأجله…الآن فقط فهم لماذا فعل ما فعل.
ظلَّ يراقب صمته القاتل، وكأنَّ كل لحظةٍ تمرُّ تمزِّق شيئًا بداخله.
ابتلع ريقه، وحاول بصعوبة أن يخفِّف الأجواء، رغم يقينه أن الغفران لم ولن يحدث بسهولة.
رفع عينيه إلى أخته، فوجدها تتابعه هي الأخرى…وعيناها تفضحان كمَّ الألم الذي تحمله.
تنهَّد ببطء، ثم نكز آسَر بخفَّة، وغمز له بطرف عينه، بينما الجميع منشغل بكلمات المأذون.
نهض فجأة، سحب الدفتر من يد المأذون، وأخرج قلمًا أنيقًا، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها خفيفة:
_تعرف القلم ده..جايبه مخصوص من باريس…علشان إيدك الحلوة دي تمضي هنا.
مال قليلًا وهو يبتسم:
_هوَّ أنا بس اللي أمضي على الورقة دي مرِّتين..مش إحنا شركا في كلِّ حاجة يا دوك؟
رفع يوسف عينيه نحوه ببطء،
نظرة واحدة فقط، كانت كفيلة بأن تقتله لو خرجت من عينيه.
سحب القلم من يده دون كلمة، ونظر إلى الورقة التي كُتب عليها اسمها، لحظاتُ صمتٍ ثقيلٍ مرَّت،
كأنها سيفٌ معلَّق على رقبة الجميع، الأنفاس محبوسة، والعيون معلَّقة بيده.
رفع رأسه أخيرًا..
نظر إلى ضي…لكنَّها أشاحت بوجهها بعيدًا.
نقل نظره إلى أرسلان، فوجد في عينيه عتابًا صامتًا، أثقل من أي كلام.
تنحنح بلال بسرعة، وقد شعر أنَّ يوسف على وشك التراجع:
_امضي يا دوك، بإيدك اليمين، خلِّي ربِّنا يبارك في الجوازة.
تدخَّل آسَر فورًا، بابتسامةٍ يحاول بها كسر التوتُّر:
_يا ريتك طلعت أشول يا ابن عمِّتي، مش الدكاترة بيكتبوا بالصيني؟
ردَّ بلال بسرعة:
_لا يا ظريف بالهندي.
قال آسَر وهو يهزُّ رأسه:
_تصدَّق؟ كنت عايز أروح أعيِّد على أبو لهب.
ضحك الاثنان بجوٍّ من المرح، ولم يكترثا لذلك الذي يرمقهم بنظرةٍ غاضبة..
وضع القلم على الورقة، وخَطَّ توقيعه.
دون حديث
تنفَّس الجميع، وكأنهم كانوا يغرقون.
سحب أآسَر بلال جانبًا، وهمس:
_أنا عايز أفهم، ليه يوسف رافض يرجَّع ضي رغم إنه بيحبَّها؟
_زفر بلال، وهزَّ رأسه:
أختي لسانها طويل…وأنا لو مكانه، كنت عملت عملية ربط على الجواز.
عقد آسَر حاجبيه:
_يعني إيه؟
ردَّ بلال بملل:
_يعني إيه؟! هقعد أشرحها لك إزاي دي، أقولَّك لمَّا تكبر شوية..قالها ثم ربت على كتفه بمزاح..
_بقولَّك إيه من الآخر قول ورايا ترتاح:
_لا أرى، لا أسمع، لا أتكلَّم..علشان ترتاح.
رفع آسر حاجبه بسخرية:
بتتريق؟
تحرَّك بلال وهو يهزُّ رأسه، لكنه توقَّف فجأة..على نظرة يوسف التي تؤلمه من عتابٍ قاسٍ.
بعد فترة انتهى عقد القران، خرجت بعدما أذن لها، كانت تتخبَّط بسيرها.. نظراته التي لم تعد تعلمها، دمعة انبثقت عبر وجنتيها، وصلت إلى مقعدٍ خشبي بالحديقة، هوت عليه بعدما فقدت ساقيها القدرة على الحركة، وضعت كفَّها على صدرها، علَّها تسحب هواءً لرئتيها بعد شعورها بالاختناق.
ضاعت نظراتها بالمكان، ولم ترَ سوى نظراته التي تخنقها، ألم يشعر بألم الفراق الذي ينخر العظام حتى اذابها؟!
ظلَّت لفترةٍ ليست بقليلة، فجأةً هاجت ضربات قلبها بعنف، وهي ترى اسمه يسطع فوق شاشة هاتفها، لقد جاءت اللحظة الحاسمة، لم تنكر هذا الخوف الذي تعاظم بداخلها من ردِّ فعله المنتظر، ورغم ذلك ارتدت قناع البرود وخطت بثقة متَّجهةً إلى غرفته، دلفت للداخل وجدت الغرفة فارغة من الجميع.
تحرَّكت إلى فراشه، كان منشغلًا بهاتفه، أنهى المكالمة، وألقى الهاتف بغضبٍ عنيف، يتذكَّر كلمات والدته عن حب ضي، ومافعلته في غيبوبته
اقتربت منه بعدما وجدت صمته، انحنت تسحب هاتفه من فوق الأرضية، تنظر إلى المتَّصل، وضعته بجواره، ولم تتحدَّث، ظنًّا أن مكالمته على ما صار، استدارت إلى الشرفة ولكنها توقَّفت على كلماته:
_متفكَّريش إنِّك لويتي دراعي، وما دام ما بقاش عندك كرامة يبقى ما تزعليش منِّي.
أغمضت عيناها وهي تواليه ظهرها، ابتلعت جمرات كلماته الحارقة، واستدارت إليه:
_ليه يا يوسف، ليه بتحاول تكرَّهني فيك؟.
سحب نظراته بعيدًا عنها ولم يرد.. ظلَّت تنظر إليه للحظات ثم تحرَّكت للنافذة، عقدت ذراعيها تنظر للخارج بصمت، فجأةً لمعت عيناها تحدِّث نفسها:
_المفروض تكوني أسعد واحدة، صدَّقتي اللي بيعمله، أومال لو ما سمعتيش بودانك إنه بيحبِّك بجنون، لازم تقنعيه إنُّه غلطان في اللي بيعمله.
بقصر الجارحي…
كانت تجلس أمام المسبح، تتحدَّث بهاتفها وتستمع إلى صوته الذي ينساب لقلبها قبل أذنيها:
_أكيد وحشتني…المهمِّ هترجع إمتى؟ عايزة أزور بابا…يوسف هيرجع بكرة، وماما كلِّمتني النهاردة وقالت هيكتب كتابه على ضي، كنت عايزة أحضر، بس إنتَ مش موجود.
جاءها صوته هادئًا، يحمل اعتذارًا صادقًا:
_آسف يا حبيبتي، زميلي عمل حادثة، ومكنش ينفع أسيبه في الوقت ده.
ابتسمت رغم اشتياقها:
_لا طبعًا…أنا بس بسأل، المهمّ خلِّي بالك من نفسك، ومتنساش صلاة الفجر.
_بحبِّك…
ساد الصمت لثوانٍ، لكن عينيها لمعتا بسعادةٍ خجولة.
_شموسة مبترديش ليه؟
همست بدلالٍ تعرف أنه يذوِّبه:
_ ما إنت عارف يا حمزة.
ضحك بخفَّة:
_عارف إيه يا شموسة، مستخسرة في جوزك كلمتين حلوين؟
أغمضت عينيها، وكأنها تعيش الكلمة قبل أن تقولها:
_أنا بحبَّك، أكتر من روحي يا حمزة.
ابتسم، وكأنَّ قلبه امتلأ بها:
_طب اقفلي يا شمس، أحسن تلاقيني عندك دلوقتي.
أطلقت ضحكةً ناعمة، اخترقت قلبه:
_طب متزعلش وتبقى طفل صغنَّن كدا، أكيد عارف إنِّي بعشقك، قالتها ثم أغلقت الهاتف ببطء، وابتسامة بريئة تزيِّن ملامحها، وحمرة خفيفة على وجنتيها.
نظرت إلى صورته التي تضيء شاشة الهاتف، ومرَّرت أناملها عليها بحنان: _بعشقك يا حبيبي، مش بس بحبَّك.
أطلقت تنهيدة عميقة، ثم أمالت رأسها للخلف وأغمضت عينيها، تستسلم للموسيقى الرومانسية من حولها..
لتأخذها ذاكرتها إلى ليلة زفافهما،
بعدما أشار إليها:
_شمس…متخافيش منِّي، أنا مش هاكلك، بس والله أموت وأعملها.
تورَّدت وجنتاها بشدَّة، وفركت كفَّيها بتوتُّر، وهي تتجنَّب النظر إليه:
_أصل…أصل.
أشارت إلى منامتها بخجلٍ واضح:
_هنام إزاي كده، الروب لو اتشال، القميص شفَّاف أوي، مش هينفع.
ابتسم بمكر وهو يرفع حاجبه:
_عندك حق يا روحي، ما ينفعش طبعًا، أحسن حل تخلعيه خالص.
انحنت تضربه بخفَّة على كتفه:
_يا قليل الأدب! وأنا اللي مفكَّراك مؤدَّب!
ارتفعت ضحكته، وجذبها نحوه فجأة، لتسقط فوقه دون مقاومة، لحظة سكون غريبة، لا يُسمع فيها سوى أنفاسهما المتلاحقة ودقَّات قلبيهما المتسارعة.
تعلَّق نظرها بعينيه، وارتجف صدرها مع قربه الذي أربكها بالكامل..حاولت أن تتكلَّم، لكن الكلمات خانتها.
مدَّ أنامله بهدوء، يزيح خصلات شعرها عن عينيها برفق:
_إنتي بنتي، قبل ما تكوني مراتي.
توقَّف لحظة، وقال بصوتٍ يلين أكثر:
_تفتكري ممكن أب يأذي بنته؟
لمعت عيناها بالدموع، فاختبأت في صدره، وكأنها وجدت ملاذها أخيرًا.
ضمَّها إليه بقوة، مغمضًا عينيه، وقلبه يصرخ داخل صدره بما يعجز لسانه عن قوله.
مرَّر كفِّه على شعرها بحنان:
_أنا يكفيني إنِّك في حضني، ملكي لوحدي.
تنهَّد بخفَّة:
_مش طمَّاع…خدي وقتك براحتك.
تشبَّثت به أكثر، وهمست بصوتٍ مرتعش:
_أنا بحبَّك أوي، بس مش عارفة مالي..مش خايفة منَّك، بس…تايهة شوية.
رفع ذقنها برفق، ونظر في عينيها الدافئتين:
_حبيبتي براحتك خالص، أنا عمري ما هغصبك على حاجة.
ابتسم يطمئنها:
_وده طبيعي…خصوصًا بعد اللي حصل في الفرح، وقلقك على أخوكي.
انتبهت فجأة، واعتدلت قليلًا:
_يوسف جه إزاي، إنتَ كلِّمته؟
أشار إلى خدِّه وهو يبتسم بمشاكسة:
_بوسيني…وأقولِّك.
ضحكت وهي تلكمه بخفَّة:
_ إنتَ مفيش حاجة بتعملها ببلاش!
مطَّ شفتيه بتظاهر:
_من ناحيتك لا…وبعدين الحاجات دي أي عيِّلة تعملها عادي.
انتفضت من فوقه بسرعة:
_عيِّلة! إنتَ بتلعب مع العيال؟
كبح ضحكته بصعوبة، وأشار إليها:
_ أومال إنتي إيه، مش عيِّلة؟
اشتعل غضبها، واستدارت تضربه بجدية:
_أنا مش عيِّلة، سمعتني!
انفجر ضاحكًا، وجذبها إليه مرَّةً أخرى:
_خلاص خلاص…أنا العيِّل، يلَّا رضيتي؟
هدأت بين ذراعيه، واستكانت، قبل أن تتمتم:
_ قولِّي بقى يا كبير…يوسف جه إزاي؟ أنا اتحايلت عليه، وماما كلِّمته، وبلال راح له كمان…
رفع كفَّيه يحتضن وجهها، وعيناه تلمعانِ بشيءٍ خفي…
_مش أنا وعدتك هرجَّعه، إيه الغريب؟
رفعت حاجبها بعدم تصديق:
_ أنا مستغربة إنه جه الفرح…كنت متأكدة إنه مش هيسبني، مش عارفة بقى.
اقترب منها قليلًا، وعيناه تلمعان بمكر:
_رحت له…وقولت له شموسة زعلانة أوي، وبتعيط ليل نهار…وبتقول مش هتجوز غير بوجود أخويا...أنا عايزة يوسف، أنا عايزة يوسف.
شهقت وهي تدفعه بخفَّة:
_ لا! يا راجل!
انفجر ضاحكًا بصوتٍ عالٍ، فعبست وهي تنظر له بغيظ، ليضمُّها إليه بذراعيه:
_يوسف بيحبِّك أوي على فكرة، وكان دايمًا بيتواصل معايا، ومع بلال البارد كمان..
جبته إزاي بقى لمَّا أخد حق جيِّته.
_لا والله..هسأل بلال.
_بلال في عينك..
ضحكت، ثم قالت بنبرةٍ تحذيرية مصطنعة:
_متغلطش على بلال.
رفع يديه باستسلام:
_تصدَّقي خوفت!
_بس بقى…
قالتها وهي تحاول كتم ضحكتها على غيرته من بلال، حاولت الابتعاد لكنه سبقها، واحتوى وجهها بين كفَّيه، ناظرًا لعينيها بجديَّة مفاجئة:
_ولا بلال، ولا يوسف حتى..أنا مش عايز غير حمزة وبس ياشمسي.
تاهت في نظراته، وكأنها سُحبت من العالم كلِّه نحوه:
_وأنا…أنا أصلًا مبفكرش غير في حمزة بس.
أغمض عينيه لحظة، يحاول السيطرة على شيء يتصاعد داخله، ثم ابتعد عنها بصعوبة، وهو يحمحم:
_طيب يلَّا علشان ننام، إحنا تعبنا أوي النهاردة.
ظلَّت تراقبه بصمت، نظرة طويلة مليئة بشيءٍ جديدٍ عليها.
ثم نهضت ببطء، وفكَّت روبها بهدوء، دون مبالغة، تحاول أن تكون طبيعية، لكن قلبها كان ينبض بعنف.
أغمض عينيه فورًا، متظاهرًا بالنوم، وكأنَّه يهرب من معركةٍ يعرف نتيجتها.
توقَّفت للحظات تنظر إليه، ثم تمدَّدت جواره بحذر.
مرَّت ثوانٍ ثقيلة، ساكنة، وصوت والدتها عاد يتردَّد داخلها:
“حبيبتي النهاردة بتبني حياة جديدة، أهمّ حاجة سعادة جوزك، هوَّ هيكون حياتك، بلاش كلِّ شوية ماما وبابا، ولا حتى أخوكي…
حسِّسيه إنه أهمّ حاجة، حمزة راجل بمعنى الكلمة، وبيحبِّك أوي، وده أهمِّ حاجة للست…
اسعديه يا شمس، هتحسِّي إنِّك عايشة في جنَّة.
وأي حاجة بينكم تفضل بينكم، حتى أنا معرفهاش…مش كلِّ حاجة تتحكي
وأنا واثقة إنه مش هيزعَّلك، وإنتي كمان حاولي متزعلهوش.
فتحت عينيها ببطء، التفتت إليه..
كان ساكنًا، هادئًا، لكن أنفاسه لم تكن كذلك.
اقتربت أكثر…ورفعت يدها بتردُّد، تمرِّر أناملها على ملامح وجهه برقَّة.
فتح عينيه فجأة، ونظر إليها بصمت.
صمتٌ مليء بكلِّ المشاعر بينهما، كلام لم يُقال، ومشاعر لم تعد تُخفى.
مرَّر أنامله على وجنتيها، إلى أن وصل إلى شفتيها، وعيونٌ تحكي ما عجز اللسان عن نطقه.
ابتسمت ببراءة، فرفع كفَّها وقبَّله، فقالت:
_أنا بحبَّك أوي…لم يمنح نفسه شيئًا، سوى أنه جذبها إلى أحضانه فورًا، كأنَّ الكلمة وحدها كانت كفيلة بأن تُسقط آخر حواجزه.
أغمضت عينيها، تستسلم لدفءِ احتوائه..
_ياالله…ما هذا الشعور الذي تسلَّل إليها دون استئذان؟
كأنها لأوَّل مرَّة تشعر بالأمان كاملًا.
نظرت إلى ذراعه الملتفِّ حولها،
فاقتربت أكثر، أكثر ممَّا توقَّعت،
حتى استقرَّت عند عنقه، تهمس بأنفاسٍ مرتجفة:
_حبيبي أنا جاهزة خلاص.
توقَّفت أنفاسه للحظة، ودقَّ قلبه بعنف، كأنه يُحارب نيرانه المتأجِّجة بداخله..
لم يفهم لماذا ارتبك الآن، وهو الذي تمنَّى تلك اللحظة مرارًا.
نظر إليها طويلًا تائهًا فيها:
_شمس…أنا مش مستعجل يا حبيبتي.
رفعت يدها تلامس وجهه برقَّة، وعيناها تقولان ما عجزت الكلمات عنه، طمأنينة، وثقة، واختيار...رغم خجلها الواضح، إلَّا أنَّ نظراتها تطمئنه بأنَّها ستصبح له الليلة.
لحظات صمت، لكنَّها كانت كافية، تردده بدأ يذوب شيئًا فشيئًا.
تحرَّكت أنامله بحذر على جسدها، يخشى أن يخيفها، يراقبها، ينتظر ردَّة فعلها.
لكنَّها لم تبتعد، بل اقتربت أكثر.
وهنا لم يعد هناك خوف، ولا تردُّد.
اقترب منها، بأنفاسٍ هادئة، وترك مشاعره تقوده…حتى ذابت المسافات بينهما، وتلاقت القلوب قبل أن تلتقي الأنفاس.
لحظة..لم تكن مجرَّد قرب، بل وعد، وبداية وانتماء كامل.
غاصا سويًا في عالمهما الخاص، عالمًا لا يعرفه سواهما.
مليء بالدفء والاحتواء، ونبضٍ واحد يجمعهما.
بعد وقت..
ابتعد عنها قليلًا، وقلبه لا يزال معلَّقًا بها، وعيناه تبحثان عن ملامحها بقلق:
_شمس إنتِ كويسة؟
اختبأت في صدره بخجل، تهزُّ رأسها بصمت.
كأنَّ الشفاه عجز ت عن النطق
ابتسم بحنان…وسحب الغطاء حولها، يدثِّرها بعناية، ثم طبع قبلةً دافئة فوق جبينها:
_ألف مبروك يا شمسي.
همست بصوتٍ خافت، متقطِّع من الخجل والرهبة الجميلة:
_الله يبارك فيك.
تشبَّثت به، فاحتواها فورًا، يضمُّها إلى صدره…يدفن وجهه في شعرها، ويغمض عينيه براحةٍ عميقة.
وفي تلك اللحظة، لم يكن يشعر فقط بالسعادة، بل بالاكتمال الذي انتظره منذ أن رآها لأوَّل مرَّة.
أمَّا هي…
فكانت تستمع لدقَّات قلبه، وتبتسم،
لأنها أدركت أخيرًا…
بأنَّ قلبها وجد مكانه.
أغمضت عينيها بابتسامةٍ خجلة، وهي تتذكَّر لحظات أجمل ما عاشت، لم تكن تعلم أنَّ هذه المشاعر ستجنيها في يومٍ ما، قلبها يصرخ بحبِّه أكثر، تسأل نفسها، ماذا فعل بي لأصبح بهذه الحالة، تمنَّت أن تظلَّ حياتها دائمًا مثل هذه الليلة...لم تشعر بنفسها وهي تضع رأسها بعنقه وتطبع قبلة؛ ولا تعلم بحركتها العفوية قد ألهبت مشاعر، صعب عليه تفاديها في هذه المرحلة..
تعلَّقت عيناه بها طويلًا:
_ما هذا الذي تفعليه بي صغيرتي؟
كيف لامرأةٍ واحدة أن تُربك روحه هكذا، أن تُشعل فيه هذا القدر من الشوق، وتُغرقه في خوفٍ لم يعرفه من قبل؟
مدَّ يده إليها، ثم توقَّف، كأنَّ بينه وبينها خيطًا رفيعًا من رهبةٍ مقدَّسة..
_هي أصبحت لي…همس بها داخله، لكن قلبه ارتجف فورًا:
_بل أنا أصبحت لها، أنا الأضعف أمامها.
أغمض عينيه لحظة، يحاول أن يهدِّئ تلك المشاعر الفيَّاضة..
_بين رجلٍ يريدها مرَّةً أخرى بكلِّ جوارحه.
وقلبٍ يرتعد خشية أن يؤذيها، ولو بنظرة.
كيف له أن يقرِّبها إليه دون أن يخيفها؟..
كيف يضمُّها، دون أن ترتجف بين ذراعيه، من قوة مشاعره؟..
تنفَّس بعمق، ونظر إليها من جديد،
فازداد اضطرابه.
كانت قريبة، أكثر ممَّا ينبغي، وآمنة أكثر ممَّا يحتمل..
_ياالله.
كيف أكون ملجأها، وأنا الغارق فيها إلى هذا الحد؟
كيف لي هذا الشوق والاحتياج إليها مرَّة أخرى، وكأنِّي لم ألمسها منذ قليل؟..
خفض بصره قليلًا، وكأنَّه يفرُّ من سحرها، ثم عاد يرفع عينيه إليها بعجزٍ صادق:
_والله وتالله إنِّي لا أخاف عليها منِّي، بل أخاف عليَّ منها، من هذا الحبِّ الذي يجعلني أذوب ضعفًا أمامها.
شدّت أنامله قليلًا حول جسدها، دون أن يشعر ثم ارتخت سريعًا، وكأنَّه يذكِّر نفسه:
_رفقًا بها إنَّها أمانة قلبك، لا مجرَّد شوقك.
مال برأسه قليلًا، بعد أن غرقت بنومها بين ذراعيه، وعيناه تفيضان بعشقٍ صامت:
_لن أكون لها خوفًا بل وطنًا.
ولئن احترق قلبي شوقًا، فحسبُه أن يطمئن قلبها.
ثم ابتسم ابتسامة خافتة، فيها وجعٌ جميل:
_ما أعجب هذا الحب، يجعلك تتمنَّى القرب، وتخشى أن تبلغه.
دفن وجهه بشعرها يستنشق رائحتها بوله، في محاولةٍ ألَّا يضعف أمام سحرها.
خرجت من ذكرياتها على صوت دينا:
_شمس الجوِّ برد حبيبتي، هدومك خفيفة.
رفعت عيناها إليها، ثم نظرت لثيابها:
_مش خفيفة أوي يا طنط، مش بردانة.
اقتربت دينا بعدما أمرت الخادمة:
_اعملي مشروب دافي لشمس هانم.
أومأت بطاعة..ثم تحرَّكت للداخل، بينما اقتربت دينا من جلوس شمس:
_حمزة كلِّمك النهاردة؟.
أومأت بخجل، ابتسمت دينا وقالت:
_أنا بسأل علشان اتَّصل وإنتي نايمة، كان قلقان.
_كلِّمته، وقالِّي مش هيرجع غير آخر الأسبوع.
_متزعليش منه حبيبتي، شغله صعب شوية.
هزَّت رأسها باعتراضٍ سريعًا:
_أبدًا أنا مش زعلانة، دا مستقبله ربِّنا يوفقه، الكلام جه عادي، لكن عمري ما هزعل يا طنط، ربِّنا يحفظه أهمّ حاجة.
_حبيبتي يا بنتي ربِّنا يسعدك، له حق حمزة يحبِّك أوي كدا.
تورَّدت وجنتيها ونظرت للأسفل دون حديث، قاطعهم وصول الخادمة بالمشروبات:
_عمران باشا، جه وبيسأل على حضرتك يا هانم.
توقَّفت دينا وأشارت على شمس:
_خلِّيكي مع الهانم لو احتاجت حاجة.
توقَّفت شمس، تحمل كوب مشروبها:
_لا خلاص، أنا هدخل جوَّا، عندي كام حاجة أتسلى بيهم.
أوقفتها دينا:
_عايزة تروحي لماما حبيبتي؟.
_لمَّا يجي حمزة يا طنط.
أومأت لها وتحرَّكت للداخل.
بمنزل طارق..
كانت تجلس بالحديقة تتابع طفلها وهو يلهو بدرَّاجته مع مربيته، شعرت بوقوف أحدٍ خلفها، التفتت إليه.
_عايز أخرج بكرة مع صحابي عرَّفي جوزك.
نهضت من مكانها تنظر إليه باستفهام، اقترب منها ذاك العنيد:
_صحابي طالعين رحلة للمتحف المصري، وأنا قولت لهم هروح معاهم.
_الرحلة دي تبع المدرسة؟.
_لا...خاصَّة بينا.
_بيكم مين..إزاي تخرج مع ولاد متعرفهمش؟!.
_إنتي مالك، أنا بقولِّك علشان تجيبي فلوس من جوزك، أنا كبرت مش منتظر حد يقول رأيه.
_كبرت إيه يا حبيبي، إنتَ لسة مكملتش خمستاشر سنة، إنتَ حتى مكملتش اتناشر سنة، عايز تخرج إزاي لوحدك؟.
نظر إليها ببغض ثم استدار وهو يقول:
_أنا قولت اللي عندي.
قالها وتحرَّك للداخل، بينما جلست هي مرَّةً ثانية تتنهَّد بألم:
_وبعدهالك يا مازن، هتفضل تعاملني كدا، أقول لطارق ولَّا أعمل إيه، الواد كلِّ شوية بيقسى ويتعصَّب أكتر.
مسحت على وجهها، وعيناها ذهبت لضحكات طفلها، ابتسمت تضع كفَّيها على أحشائها تحدِّث نفسها:
_مش عارفة بابا هيفرح بيكي، ولَّا هيزعل علشان حملت من غير ما أقولُّه، ربِّنا يستر.
بمنزل مالك..
عاد من عمله على صوت ضحكات والدته مع أولاده..
_برافو فريدة.
هكذا نطقتها ليال والدة مالك.
لمحت فريدة دخول والدها..ركضت إليه:
_بابي..بابي جه.
انحنى يحملها:
_أحلى بابي في الدنيا، حبيبة بابي عاملة إيه؟.
قبل أن ترد قاطعه صوت ابنه:
_وأنا حضرتك مش حبيب بابي؟.
فتح ذراعيه إليه:
_إزاي بقى، دا إنتَ سيد الناس يا عم فارس.
توقف ينظر لوالده ثم قال:
_لا أنا كبرت يا سي بابا.
ضيَّق مالك عيناه:
_الله، أومال زعلان ليه؟!.
_زعلان علشان حضرتك كان المفروض تحضر مبارة التنس ومجتش.
وصلت غادة وهي تحمل مشروباتهم:
_خلاص حبيبي، مش أنا رحت، وقولت لك بابا مشغول، خلاص بقى.
عقد ذراعيه يهزُّ رأسه:
_لا..ماليش دعوة، هوَّ وعدني.
اقترب مالك منه، وجلس على عقبيه:
_أنا آسف يا أستاذ فارس، ووعد المرَّة الجاية مش هنشغل، بابا ما حضرش مش علشان نسي، هوَّ كان في بلد بعيدة عن القاهرة، وكان صعب عليه يرجع ويلحق المباراة، بس أوعدك هعمل حسابي بعد كدا..اتَّفقنا؟
صمت الصغير، ثم هزَّ رأسه:
_اتَّفقنا يا سي بابا.
ضحك مالك بصوتٍ مرتفع وسحبه لأحضانه:
_كبرت وبقيت تحاسب بابا، يا أستاذ فارس.
تعلَّق بعنق والده وضحك:
_لسة زعلان منك، ومخاصمك، إلَّا إذا وافقت نروح عند جدُّو وتيتا فريدة.
_لا ياراجل...
بمنزل أرسلان..
كانت تدور بالحديقة ذهابًا وإيابًا بانتظار أرسلان، أو بلال، رفعت نظرها تجاه منزل إلياس، وتردَّدت تذهب إلى ميرال وتسألها عمَّا حدث...خطت خطوتين ولكنها تراجعت، فالعلاقة بينهم متوتِّرة منذ طلاق يوسف وضي.
زفرت بامتعاض لما تشعر به، جلست على المقعد تنتظر أي خبر، وقعت عيناها على سيارة رولا تدلف الكمبوند، نهضت واتجهت إليها، أوقفت رولا السيارة ماإن لمحتها:
_طنط غرام فيه حاجة؟.
اقتربت منها:
_بلال كلِّمك ولَّا لسة؟.
_لا ماكلمنيش من الصبح، فيه حاجة ولَّا إيه؟.
_طيب اتصلي بيه، شوفيه اتاخَّر ليه.
_هوَّ فيه حاجة؟.
نظرت إليها ولم تعلم بماذا تجيبها:
_راحو علشان يكتبوا كتاب ضي ويوسف من تلات ساعات ولسة مرجعوش.
هنا ترجَّلت رولا من سيارتها، وتجلَّت السعادة بعينيها:
_والله، ألف مبروك، بس ليه محدش قالي، يعني يكتبوا الكتاب من غير ما أعرف.
_مش زي ما إنتي مفكَّرة يا بنتي، بلال لمَّا يجي هيحكي لك، المهم اتصلي وطمِّنيني ليه اتأخَّروا، ليكون يوسف رفض.
_رفض!.أومال إزاي هيكتبوا الكتاب؟.
_رولا هتسمعي الكلام ولَّا لأ.
_حاضر...هكلِّمه.
رفعت هاتفها وانتظرت ردِّه ولكنه لم يرد.
_ما بيردش.
هنا شعرت غرام بالاختتاق، حين توقَّعت رفض يوسف وحالة ابنتها.
لحظات ودلفت سيارة بلال وخلفها سيارة آسر، ظلَّت تراقبهما إلى أن وصل إلى وقوفهما، ترجَّل من السيارة لتقترب منه بسرعة:
_إيه اللي حصل؟.
نظر لرولا ثم إلى والدته:
_واقفين كدا ليه؟.
_رد عليَّ يا بلال، إيه اللي حصل، يوسف عمل إيه؟.
_محصلش حاجة، كتبنا الكتاب، وضي قالت هتقعد معاه، هو خف،الحمد لله، عايز علاج طبيعي بس،علشان فقرات ضهره، وبابا قال هيعدِّي على تيتا.
تنهَّدت براحة ثم استدارت دون حديث ترفع هاتفها، تهاتف ابنتها، بينما اقترب بلال بعدما أشار لآسر بالمرور:
_واقفة كدا ليه؟.
_ليه ما قولتش على كتب الكتاب دا؟
حاوط جسدها وتحرَّك إلى منزل والده:
_مكنتش أعرف غير من كام ساعة، وانشغلت.
توقَّف ينظر إليها:
_إنتي لسة راجعة، إيه اللي أخَّرك كدا؟.
ظلَّت تنظر إليه بصمت، رفع حاجبه:
_فيه إيه مالك؟
_ليه مكنتش عايزني أعرف بكتب الكتاب؟
امتعض وجهه وقال باعتراض:
_إيه اللي بتقوليه دا، ما أنا قولت لك، مكنتش أعرف، ضي أصرِّت.
اقتربت منه وما زالت نظرات الشك تحاوطه:
_يعني إيه يوسف يكتب كتابه ومكنش يعرف، لا وكمان كان رافض، إيه اللي بيحصل بالظبط؟.
سحبها بقوة من خصرها حتى اصطدمت بصدره؛ لتشهق بذهول:
_بلال..اتجنِّنت إحنا في الشارع!
رفع يده على وجهها يتلمَّسه:
_حضرتك مش مصدَّقة كلام جوزك؟.
_جوزي، هوَّ فين جوزي دا؟! دا أنا بشوف عمُّو عثمان البواب أكتر منك.
رفع حاجبه وتساءل:
_والله، دلوقتي إنتي اللي بتقولي كدا؟!
تلاعبت بزرِّ قميصه ونظرت إليه بخبث:
_هوَّ أنا بقيت أشوف حاجة منك علشان تعجبني ولَّا متعجبنيش يا دوك، دا إنتَ أقلّ واحد بشوفه في اليوم، وممكن كل أسبوع مرَّة أو مرِّتين.
_بقى كدا؟.
قالها وهو يسحبها من كفِّها متَّجهًا إلى منزلهما.
_بلال رايحين فين؟
توقَّف ينظر إليها:
_بيتنا، كفاية بقى، هنفضل لحدِّ إمتى، الكلِّ عارف بإنِّنا بنتقابل، يبقى نرجع بيتنا وخلاص.
_بلال استنى مينفعش، ولكنه لم يستمع إليها وتحرَّك إلى المنزل.
سحبت كفَّها باعتراض:
_مينفعش، اللي بتعمله دا مينفعش.
استدار إليها بكامل جسده:
_إيه هوَّ اللي مينفعش، هنفضل عايشين كدا، خلاص كلِّ حاجة رجعت لأصلها، من حقِّنا نعيش.
_رولا متفكَّريش إنِّي راضي على كدا، متعلَّقين وبحاول أضغط على نفسي علشان الكل، بس النهاردة خلاص، كلِّ حاجة خلصت.
صمت للحظات ثم أشار بكفِّه على المنزل:
_أنا هطلع بيتنا، عايزة تيجي براحتك، مش عايزة براحتك برضو، لكن الليلة دي لازم نحط حد.
دنت منه تحتضن وجهه:
_حبيبي اسمعني، مش حلو في حقِّنا بعد اللي حصل، نرجع من نفسنا، إنتَ قولت الدنيا بقت تمام، خلاص، روح لعمُّو إلياس وباباك، وكلِّمهم يجوا لبابا، أنا مش هرجع من غير موافقة بابا، أنا متأكدة مش هيمانع لكن لازم يوافق.
ظلَّ يستمع إليها بصمت، لتقترب منه تطبع قبلة على شفتيه:
_وحياة رولا عندك ما تكسر خاطري المرة دي.
نظر إلى عينيها التي لمعت بالدموع خشية أن يرفض، ابتسم قلبه قبل عيناه، سحبها لأحضانه يضمُّها إليه بقلبٍ ينبض عشقًا:
_وحياة رولا عندي مستعد أهدِّ الدنيا كلَّها علشان تبقى في حضني.
رفعت رأسها اليه، وليتها لم ترفع، لتنساب دمعةً عبر وجنتيها:
_بحبَّك أوي يا بلال.
لم يهدأ قلبه الذي تمرَّد وطالب بقبلةٍ تهدِّئ نيران العشق والشوق، ضاعت بين ذراعيه بقبلته المجنونة، لحظات حتى سلب أنفاسها، ثم تراجع بعيدًا يشير بيده بعدما فقد السيطرة:
_تصبحي على خير حبيبتي.
وقفت تراقبه بعيونٍ عاشقة، ثم وضعت كفَّها على أحشائها:
_وإنتَ دايمًا حبيبي..تبسَّمت حين تخيَّلت ردَّ فعله حينما يعلم.
بمنزل إلياس..قبل عدَّة ساعات..
كانت تجلس بمواجهة ميرال، وعيناها تجولان في أرجاء المكان بانبهارٍ واضح، تتفحَّص التفاصيل وكأنها تحاول حفظها داخل ذاكرتها.
تمتمت بإعجابٍ صادق:
_قصركم…يبدو مبهرًا.
ابتسمت ميرال ابتسامة خفيفة، وقالت بنبرةٍ ودودة:
_شكرًا حبيبتي…دا مش قصر، دي فيلَّا.
_هل يوجد فرق؟.
_يعني..لكن هناك فرق، ثم سكتت لحظة، قبل أن تعود بنظرةٍ متفحِّصة إليها:
_ما قولتيش…تعرفي يوسف منين؟
رفعت نارين عينيها إليها، وقالت بهدوءٍ واضح:
_نحن نعمل معًا ف Cleveland Clinic.
أومأت ميرال برأسها، بينما انزلقت نظراتها إلى ساعتها..لاحظت نارين ذلك، فسألت:
_هل المستشفى بعيدة؟
هزَّت ميرال رأسها:
_لا…مش أوي..هو هيرجع على تسعة او عشرة بالكتير
تجمَّدت ملامح نارين للحظة، وكأنَّ الكلمة علقت داخلها.
_"هيرجع…"
تردَّدت في ذهنها بدهشةٍ وقلق.
خرج سؤالها هذه المرَّة بنبرةٍ أكثر حذرًا:
_أيعني هذا أنَّه بخير الآن؟
دقَّقت ميرال في ملامحها، ثم قالت بهدوء:
_أيوة بقى كويس.
وقبل أن تُكمل، قاطعهم دخول إلياس.
نهضت ميرال فورًا، واتَّجهت نحوه:
_إلياس…اتأخَّرت ليه، وقعت عيناه على دارين، فقالت ميرال:
_دي نارين، زميلة يوسف في كاليفورنيا.
وقفت نارين، ومدَّت يدها بابتسامة مهذَّبة:
_مرحبًا…أنا نارين، ويمكنك أن تناديني دارين.
نظر إلياس إلى يدها لحظة، ثم اكتفى بإيماءة خفيفة:
_مرحبًا.
تردَّدت يدها قليلًا، ثم سحبتها بهدوء، وارتسم ضيق خفيّ على ملامحها، قبل أن تقول:
_أتيتُ لأطمئن على يوسف، هل يمكنني رؤيته؟
ظلَّ إلياس ينظر إليها بصمت، ثم استدار قائلًا:
_ممكن…ارتاحي، هوَّ هيرجع بعد ساعات.
جلست نارين مجدَّدًا، والتفتت إلى ميرال:
_ولِمَ لا نذهب إليه الآن؟
أجابتها ميرال:
_علشان خلاص، هوَّ جاي بنفسه بعد شوية.
في تلك اللحظة، دلفت رحيل:
_ميرال…
استدارت ميرال:
_تعالي يا رحيل.
تقدَّمت رحيل، ونظرت إلى نارين، فأشارت ميرال:
_دي زميلة يوسف.
ابتسمت رحيل:
_أهلًا حبيبتي.
ردَّت نارين بلطف:
_شكرًا لكِ.
ضيَّقت رحيل عينيها قليلًا، ثم سألت:
_إنتي عربية؟
أجابت نارين:
_نعم.
مالت رحيل نحو ميرال هامسة:
_يزن قال إنِّ يوسف هيخرج النهاردة… صح؟
نظرت ميرال إلى ساعتها:
_أيوة…بس
بالمشفى عند يوسف..
كانت تجلس إلى جوار فراشه، تُسند ظهرها إلى المقعد، وتضع ساقًا فوق الأخرى في هدوءٍ مصطنع، تقلِّب هاتفها بلا تركيز..
وفجأة، انفرجت شفتاها عن ابتسامة، رفعت الهاتف سريعًا، ونهضت بخفَّةٍ مبتعدةً قليلًا عنه، تخشى أن توقظه.
_أهلًا حبيبتي…
جاءها صوت صديقتها مازحًا:
_إيه الحلاوة دي!
ابتسمت أكثر، وردَّت بدلالٍ خفيف:
_ميرسي يا قلبي…عجبتك الحلقة؟
_تحفة يا ضي ماشاء الله عليكي.
_طب يلَّا يا ستي، سبت لك القناة تلات شهور كمان.
_أيوة عرفت، لسه المدير قايلي، يارب تكوني كويسة وبخير حبيبتي.
تسلَّلت عيناها دون وعي نحو يوسف، الراقد في سكونٍ يوهم بالراحة، فهدأت نبرتها وهي تقول:
_الحمدلله…كويسة جدًّا، عايزة أرتاح شوية، بقالي سنة ما أخدتش إجازة.
_إجازة سعيدة يا حبيبتي.
ضحكت بخفوت:
_حبيبتي يا أمولة..سلام.
أنهت المكالمة، ثم اتَّجهت نحو الشرفة.
وقفت، تحدِّق في الزحام أسفلها، لكن عينيها لم تكن ترى شيئًا..كانت غارقة في صدى كلماته، في قسوته التي ما زالت تنبض داخلها..إنَّه لايريدها.
ارتجف قلبها، وكأنه يردُّ عليها بصوتٍ أقوى من أي عقل:
_"المهمّ إنك قريبة منه…المهم إنه بيحبِّك."
همست لنفسها:
_بيحبِّك…
لمعت عيناها بدموعٍ أبت أن تسقط، وهي تتذكَّر كلماتها…كلماتها التي ألقتها عليه كالسكاكين، بلا رحمة.. حين أرادت قهره، ولا تعلم أنَّ القهر يأكله حيًّا.
تنفَّست بعمقٍ مؤلم…نعم، أخطأت لكنَّها لم تكن وحدها..هو أخطأ معها حين أوهمها بالخداع.
ومع ذلك، أقسمت في داخلها بوجعٍ صامت، أنها لن تتركه…لن تتخلَّى عنه مهما حدث.
استدارت نحوه ببطء، تظنُّه غارقًا في نومه، لا يشعر بشيء.
بينما هو في الحقيقة كان يراها، يلتقط كلَّ تفصيلة، كلَّ همسة، كلَّ شيءٍ تفعله.
أشعلت داخله بنيران الغيرة حين كانت تبتسم بالهاتف…
ظنَّ بغباء الألم داخله أنَّها تحدِّث رجلًا آخر خلف تلك الابتسامة.
اقتربت منه بخطواتٍ متردِّدة، حتى جلست على طرف فراشه.
مدَّت يدها، ولمست وجهه بحنانٍ مرتجف، ثم همست، وصوتها يختنق بين الرجاء والانكسار:
_ربِّنا يقدَّرني..وأقدر أسعدك يا يوسف.
نفسي تحسِّ بوجع قلبي…تعرف إنِّي بموت من غيرك.
انحنت ببطء، وطبعت قبلةً خفيفة على وجنته…قبلةً تحمل اعتذارًا، واعترافًا، وحبًّا لم يعد يحتمل الفراق.
لم تشعر بتلك الدمعة التي انزلقت من طرف عينه.
دمعةُ رجلٍ يقاوم…يقاوم أن يفتح عينيه، أن يضمَّها، أن ينهار أمامها ويعترف أنه ما زال يعشقها حدَّ الوجع.
أيُعقل أن تكون حبيبته على هذا القرب
وهو يُجبر نفسه أن يبتعد؟
نعم…
إنه قلبٌ مُثقل، وطبيبٌ مجروح،
يدعو الله مرارًا وتكرارًا، أن تكرهه، فقط كي لا يؤلمها حبِّه.
استندت على كفِّها بجوار رأسه، وانحنت قليلًا، تداعب خصلات شعره بأنامل مرتجفة…
لم تستطع هذه المرَّة أن تمنع دموعها، فانسابت بصمتٍ ثقيل، وهي تستعيد شريط حياتهما…لحظةً تلو الأخرى.
خلَّلت أصابعها بين أصابعه، كأنها تستعيد حقَّها، وابتسمت…ابتسامة موجوعة، مشبعة بحنينها إليه.
اقتربت أكثر، حتى وضعت رأسها بجوار رأسه، وأغمضت عينيها، تتنفَّس بعمق،
تسرق أنفاسه…وكأنَّها تحاول أن تعيش منه، هنا لم يعد يحتمل، فتح عينيه فجأة.
انتفضت هي مبتعدة، وكأنها أُمسكت متلبِّسة بحبِّها، مسحت دموعها سريعًا قبل أن يراها، وقالت بصوتٍ خافتٍ مرتبك:
_هشوف الدكتور جه ولَّا لسه، قالتها وخطت بعض الخطوات..
ولكن استوقفها صوته:
_استني عندك.
تجمَّدت مكانها، تعطيه ظهرها، تخفي ما تبقَّى من ضعفها..
ليقول ببرودٍ متعمَّد:
_شوفي بلال في مكتبه، خلِّيه يجي لي.
وسكت لحظة، ثم أضاف:
_ومش محتاج دكتور…أنا كويس.
التفتت إليه ببطء، ثم عادت تقترب من الفراش:
_اسمعني يا يوسف، شكل الغربة نسِّتك مراتك يا حبيبي.
أنا موجودة، أي حاجة تخصَّك أنا موجودة.
حاول الاعتدال، فارتجف جسده من الألم، لتتحرَّك عيناها عليه بلهفةٍ خائفة، لكنه أصرّ، الاعتدال بنفسه وكأنَّ الألم أهون من الاستسلام لها.
قال بجمودٍ قاسٍ:
_أنا مش متجوز…والعقد اللي حصل ده..
لم تدعه يُكمل.
انحنت فجأة، تقطع كلماته بنظرةٍ حادَّة استقرَّت في عينيه، وقالت بصوتٍ منخفض، لكنه يحمل تهديدًا حقيقيًّا:
_أي كلمة تجريح تاني…
أقسم بالله همشي، ومش هتعرف لي طريق.
يمكن هم وصلوا لك، وعرفوا مكانك…إنما أنا لأ.
استقامت واقفة، أنفاسها متسارعة، وصدرها يعلو ويهبط.
رفع عينيه إليها، بوجعٍ حقيقي هذه المرَّة:
_إنتِ ليه بتعملي كده يا ضي؟
ضحكت بخفَّةٍ موجوعة، لا تخلو من مرارة:
_علشان آخد حقّي منَّك…يا ابن عمِّي.
مش ضي الشافعي اللي جوزها يطلَّقها من غير حق.
توقَّفت لحظة…ثم استدارت إليه، نظرتها هذه المرَّة كانت أكثر قوة، أكثر تحدِّيًا:
_ومتخافش…وقت ما أحبِّ نطلَّق، أنا اللي هقولَّك.
إنَّما مش بمزاجك..يا ابن عمِّي.
قالتها وكأنها تنهي معركة.. تحاول أن تقنعه أنها لا تعلم شيئا، لابد أن تكون قوية قاسية
استدارت بسرعة، وخطت نحو الخارج.
كانت خطواتها ثابتة…
لكن قلبها، كان ينهار في كلِّ خطوة.
وما إن أغلقت الباب خلفها…
حتى سقطت أوَّل شهقةٍ مكتومة من صدرها، بعيدًا عنه..
حتى لا يراها، وهي تضعف..رغم كلِّ هذا الكبرياء.
بعد ساعتين، وصل إلى الكمبوند برفقتها.
كان الجميع بانتظاره.
اقترب بلال منه بابتسامةٍ واسعة، وهو يربت على كتفه بخفَّة:
_يا هلا يا دوك..نوَّرتنا، والله ليك وحشة.
رمقه يوسف بنظرةٍ هادئة تحمل ما لا يُقال، وتمتم ببرود:
_حسابنا بعدين.
اقترب يزن وطارق سريعًا، فمدَّ طارق ذراعه يحاوطه ليساعده على السير:
_نوَّرت الدنيا يا حبيبي.
ابتسم يوسف بخفوت وهو يحاول أن يبدو متماسكًا
_حبيبي يا خالو…أنا كويس.
ثم التفت إلى يزن، بنبرةٍ أقرب للبحث منها للسؤال:
_فين آسر؟
أدار يزن عينيه حوله:
_زمانه جاي..اطلع إنتَ مع خالك علشان ما تتعبش.
لكن يوسف لم يتحرَّك، وعيناه تجوب الوجوه بقلقٍ خفيّ:
_فين إلياس باشا، مش باين ليه؟
وقبل أن يأتيه الرد…
خرجت والدته، وبجوارها فتاة.. اندفعت نحوه بسرعة.
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
يوسف! لقد اشتقت إليكَ كثيرًا!
تجمَّدت ملامحه للحظة، ثم التفت للصوت، يتمتم باسمها بدهشة:
_نارين؟.
اقتربت منه بابتسامةٍ مبهرة، وعيناها تفيض اهتمامًا:
_كيف حالك؟ حزنت كثيرًا لما أصابك.
_أنا كويس…قالها باختصار.
لكن الجميع كان ينظر بجهل، وخاصَّةً حين اقتربت أكثر، ووضعت كفَّها على كتفه بدلالٍ واضح.
_لم أستطع الانتظار حتى أطمئنَّ عليك…حين علمت أتيت فورًا، وصلت اليوم.
تسلَّلت نظرات يوسف إلى يدها فوق كتفه…ثم، دون وعي، ارتفعت عيناه نحو ضي.
كانت تقف بعيدًا صامتة، لكن عيناها تتحدَّثان.
سحب جسده خطوةً للخلف، مبتعدًا عن لمستها:
_شكرًا يا دارين.
ثم قال بصوتٍ مسموعٍ للجميع:
_دارين زميلة عمل.
قالها وهو يرمق ضي بطرف عينه، وكأنَّه ينتظر شيئًا.
لكن ضي لم تنتظر.
رفعت صوتها فجأةً للخادمة.
التفتت الخادمة سريعًا.
تقدَّمت ضي بخطواتٍ ثابتة نحو دارين، وابتسامة باردة ترتسم على شفتيها:
_وصَّلي الضيفة مكان الضيوف.
ثم نظرت إليها نظرة تحمل ما بين الترحيب والتحذير:
_نوَّرتينا يا دكتورة، الدكتور تعبان، لمَّا يرتاح هنبعتلك.
قالتها دون أن تنظر إلى يوسف، ثم سحبت ذراعه بقوة خفية، تدخله للداخل.
لكن دارين لم تتركه بسهولة:
_لحظة…
توقَّفت، وعيناها تتفحَّصان ضي:
_هذه أختك..هل هي شمس؟
ارتجف قلب ضي، وامتلأت عيناها بالدموع.
هل كان يتحدَّث معها عن ما يخصُّه؟
نظرت إليه تنتظر كلمة..تفسير…أي شيء.
لكنه صمت، ثم قال بهدوءٍ مقتضب:
_دي بنت عمِّي..هكذا نطقها فقط.
علَّقت عيناها بعينيه، تبحث عن بقية الحديث…لكنَّه لم يمنحها شيئًا.
أشار للخادمة دون أن ينظر مرَّةً أخرى:
_خلِّيكي مع دكتورة دارين…شوفي طلباتها.
ثم التفت، ونظر إلى بلال بنظرةٍ عابرة… قبل أن يتحرَّك للداخل بصعوبة.
اقتربت ميرال منه سريعًا، تسير بجواره:
_عامل إيه يا حبيبي؟
لم يجبها…سأل فقط، وكأنَّ السؤال عن والده أهمَّ من أي شيء:
_فين بابا؟
تردَّدت ميرال قليلًا:
_معرفش…يمكن عنده شغل.
توقَّف فجأة، ونبرته شابها ضيقٌ واضح:
_شغل إيه يا ماما..الساعة داخلة على 11.
مالك يا يوسف، زعلان علشان مرحش المستشفى، هوَّ مش كان عندك الضهر.
توقَّف وهو يمسك الدرج:
_يعني متعرفيش عمل إيه؟.
التفت على اقتراب ضي تشير للخادمة:
_طلَّعي الشنطة فوق.
أوقفها ونظر لوالدته:
_مش عايز حد يقرَّب منِّي، سمعتيني، يا إمَّا على أول طيارة هسافر.
نظرت إليه بضياع، مع اقتراب يزن:
_فيه إيه، مالك يا يوسف؟
_مفيش، عايز أرتاح...قالها واتَّجه إلى المصعد، بينما ظلَّت ضي تراقب تحرُّكه بقلبٍ يئنُّ بصمت.
ربتت ميرال على كتفها:
_روحي دلوقتي حبيبتي، سبيه النهاردة.
رفعت عيناها إليها:
_دا قال لزميلته بنت عمِّي، حتى مهانش يقول مراتي.
_ميرال اللي بتعملوه غلط، سبوه براحته.
هزَّت كتفها بضياع:
_انا مش عارفة يا يزن، ولسة إلياس لمَّا يعرف بموضوع كتب الكتاب دا، مش هيسكت.
_يعني إيه مش فاهم؟.
قصَّت له ميرال ما صار.
شهق يزن باعتراض:
_هوَّ دا اسمه كلام، واحد خارج من الموت، تضغطوا عليه كدا!.
_عمُّو يزن لو سمحت، أنا تعبت، ليه محدش بيفكَّر فيَّا، تعبت خلاص.. مبقتش قادرة أتحمِّل الضغط دا
قالتها وصعدت خلفه، أغمضت ميرال عيناها:
_مبقتش عارفة أعمل إيه، أنا كمان تعبت.
_طيب اهدي حبيبتي، كلِّ حاجة وليها حل.
_إلَّا يوسف يا يزن، دا تعب حياتي كلَّها.
سحبها لأحضانه:
_إن شاءلله خير حبيبتي، ضي شجاعة وحمولة ومتأكد هتعرف تخلِّيه ينسى.
_يارب...المهم مش عايزة حد يعرف زي ما اتفقنا.
_متخافيش، حتى طارق ميعرفش حاجة.
دلفت دارين الى المنزل المخصَّص للضيوف..
تجوَّلت عيناها بالمكان، ثم أشارت للخادمة:
_أريد حقيبتي.
أومأت لها الخادمة بطاعة، ثم خرجت. اتَّجهت إلى هاتفها:
_نعم سيدي، الأخبار التي وصلت إلينا لم تكن صحيحة، يوسف خرج اليوم، ورأيته يتحرَّك بسهولة.
_كيف...وموسى قال غير ذلك؟!
تذكَّرت حديث موسى بالاجتماع:
_لقد تمَّت العملية بنجاح سيدي.
_حقًّا، هل مات؟!
_يقولون أنَّه بحالة ليست جيدة، لا تقلق سيموت، لاحقًا.
_لا أعلم سيدي، أنا وصلت الى منزل إلياس، نعم هو ذلك الذي رأيناه بذلك الفيديو، ولكنه كبر قليلًا.
_إيفا...كوني حذرة، إنَّك في منزل لأحد كان يعمل ضابطًا بالأمن الوطني، لازم تؤدين مهمتك سريعًا.
_وكيف لي أن أصل لذاك المنزل؟.
_لا أعلم، ولكنَّك ذكية وستفعلينها، هل دواء موسى معك؟
_نعم..لا تقلق سأعمل حتى أصل لهدفي.
أعطيني الاسم كاملًا، وهل يربطه شيئًا بالعروس؟.
_نعم..أقول لك الشيء مرَّةً واحدة عليك حفظه، إسحاق الجارحي.
_علمت...لا تقلق، سأعود قريبًا بأخبارٍ جيِّدة.
بقصر الجارحي..
ترجَّل من سيارته والغضب يأكل أحشائه:
_الباشا موجود؟
_أيوة يا أرسلان باشا، لسة واصل حالًا.
لحظات قليلة، حتى هبط إسحاق:
_يا هلا يا هلا، وأنا بقول القصر منوَّر ليه.
اقترب منه كالمجنون الذي فقد عقله:
_تضحك عليَّ يا إسحاق، أنا تضحك عليَّ، وتقولِّي دا كانت زيارة عابرة؟!
_اتجنِّنت يلا مالك، فيه إيه، كبرت وخرَّفت؟!
_حادثة يوسف بفعل فاعل، استلقَّى بقى لمَّا إلياس يعرف تخطيطك.
_إنتَ بتقول إيه؟!
قاطعهم رنين هاتف إسحاق..
_أهلًا إسحاق باشا، فيه حاجة شوفها بعتهالك.
_تمام...التفت إلى أرسلان:
_أنا مستحيل، أحط يوسف في خطر.
_اسمعني يا إسحاق، زمان لمَّا كنت بتطلب مني حاجة مكنتش بتأخَّر، حتى بعد مابعدت، لكن عند أولادي، فأنا بحذَّرك تقرَّب من واحد فيهم، قدَّامك تمانية وأربعين ساعة، وتجب لي اللي عمل كدا، وإلَّا..
_خلاص يا أرسلان، أنا هتصرَّف.
تطلَّع إليه بصمتٍ لاذع ثم تحرَّك وغادر القصر.
بغرفة يوسف..
نهضت من فوق الأرض، لحظات تنظر إليه، ثم دون أن تفكِّر كثيرًا، نزعت حجابها، مع حذائها وتسلَّلت إلى أحضانه، يكفي ما صار إلى الآن، لم يعد لديها قدرة الإحتمال، وضعت رأسها بحنايا عنقه، وأغمضت عيناها، لا تريد أن تفكِّر في شيء، سوى أنها بأحضانه فقط، دقائق قليلة لتذهب بنومها، بعدما شعرت بدفء قلبها الذي تجمَّد بالبرد والخواء، وصل إلياس إلى غرفته مع اقتراب ميرال تحمل مشروبًا دافئًا:
_لسة منمتيش؟.
_هشوف يوسف صحي، ولَّا لأ يشرب حاجة دافية.
مدَّ يده وتناوله منها:
_هاتيه وروحي ارتاحي شوية، وأنا هشوفه.
أمسكت ذراعه:
_لسة مااتكلمش معاك في حاجة؟.
_ميرال روحي نامي، هتوقعي من طولك.
_أنام إزاي وابني كدا؟
_ميرال، إحنا نقول الحمدلله.
_الحمدلله..تمتمت بها، واستدارت للمغادرة، مع دلوف إلياس الى غرفته، تجمَّدت أقدامه بمكانها، التفتت ميرال إليه مع كلماته:
_ياربِّي عليكي يا بنت أرسلان!.
تحرَّكت ميرال للداخل، توسَّعت عيناها وهي ترى ضي نائمة بأحضان ابنها، رفعت عيناها لإلياس:
_أنا فكَّرتها مشيت.
التفت إليها:
_ادخلي صحِّيها، وفهِّميها مينفعش اللي بتعمله دا، هوَّ مش جوزها دلوقتي.
ابتلعت ميرال ريقها بصعوبة:
_ماهو..ماهو..
نظر إليها بتدقيق:
_ماهو إيه، مالك؟.
_مش هيَّ كانت بتسألك على مأذون؟
_مش فاهم تقصدي إيه؟.
اقتربت منه بحذر:
الصبح كانت بتقولَّك إيه؟.
ذهب بذاكرته:
_أمم، وبعدين كمِّلي سامعك.
_إيه هوَّ اللي أمم، حضرتك ما بتدردش ليه على اللي قولته؟.
كتم أرسلان ضحكاته، وهو يبعد بعينيه عن إلياس.
_بت إنتي طبيعية؟!
_حضرتك شايفني نافخة مثلًا، دي خدود طبيعية، وشفايف طبيعية، حتى اسأل ابنك.
جزَّ إلياس على أسنانه:
_مش موافق.
_هوَّ أنا هتجوزك إنتَ علشان آخد رأيك، أنا بقولَّك تشوف مأذون.
نظر لأرسلان الذي ارتفعت ضحكاته:
_مش جيباه من بعيد، نسخة مصغَّرة من عمَّها، والكلّ بيشهد بكدا.
_ليه عمَّها بجح كدا؟!
_وأكتر..مش كدا يا ماما؟.
_بالظبط يا حبيبي، اسألني أنا.
_مفهمتش برضو.
سحبته للخارج وأغلقت الباب وقالت:
_يوسف كتب كتابه عليها النهاردة.
ضيَّق عيناه وتساءل:
_يعني إيه، مش فاهم، إزاي وهوَّ مكنش عايزها تفضل معاه في المستشفى، هيَّ عرَّفته إنها عرفت حالته؟.
_ولو عرَّفته كان عمل كدا.
_ميرال أنا مصدَّع، ما تقولي، هو سر.
قصَّت له ما صار من اتفاق ضي مع بلال وأستاذه.
جحظت عيناه، كوَّر قبضته بعنف:
_إنتِ إزاي تسمحي بحاجة زي كدا؟!.
بغرفة رولا..
كانت تتحدَّث معه بالهاتف:
_خلاص، بكرة مفرقتش يا حبيبي.
تنهَّد على الجانب الآخر:
_ما تنزلي نقعد شوية في الحديقة.
_لا تعبانة وهلكانة وعايزة أنام، بكرة نتكلِّم تصبح على خير.
_وإنتي من أهله حبيبي.
ابتسمت وأغلقت الهاتف، تضع كفَّيها على أحشائها:
_باقي ليلة واحدة بس، وبابي يعرف يوجودك، صمتت تنظر للبعيد:
_عايزة أشوفه هيعمل إيه لمَّا يعرف انه هيبقى أب.
أغمضت عيناها وسحبت نفسًا طردته بهدوء:
_يارب بقى الساعات دي تعدِّي بسرعة.
قطع الصمت رنين هاتفها:
_مدام رولا، عرفت مكان معتز يا هانم.
اعتدلت سريعًا:
_فين؟!.
بروح نايت كلاب في ( )
ابعت لي اللوكيشين بسرعة.
_تحت أمرك.
نهضت سريعًا، ترتدي ثيابها وهي تمتم:
_أنا هعرَّفك يا حيوان ازاي تلعب عليَّ.
قالتها وسحبت مفاتيح سيارتها متَّجهة للخارج.
_رولا رايحة فين دلوقتي؟.
ارتبكت قليلًا، ثم اقتربت منه:
_آسفة يا بابا، نازلة رايحة لبلال، اتصل وقالِّي تعبان.
_رايحة فين بالظبط، بيتكوا ولَّا بيته؟.
ابتلعت ريقها تفكِّر سريعًا حتى لا ينكشف أمرها:
_بيتنا طبعًا
_مش قادرين تتحمِّلوا ليلة واحدة؟
اقتربت منه وقبَّلته على وجنتيه:
_خلاص بقى يا يزون، لازم تحرج بنتك، سلام بقى.
_شوف البت..خرجت رحيل على صوته:
_مالك؟.
_بنتك..من غير خجل قالت رايحة لبلال.
ضحكت رحيل وقالت:
_ربِّنا يسعدهم، خلاص بقى يازيزن ما تسيبهم.
_مكنش ينفع الفترة اللي فاتت، ابن أختي بين الحياة والموت وأنا بفكَّر في بنتي.
_الحمدلله، ربِّنا يحفظه.
_يارب...هعدِّي على كريم شوية، وأشوف آسر مرجعش ليه لحدِّ دلوقتي.
بغرفة يوسف..
تململ في نومه يشعر بثقلٍ خفيّ على صدره، فتح عينيه ببطء، ليقع بصره على خصلاتٍ ناعمة تنسدل على وجهها، تلامس بشرته في حميميةٍ صامتة..تأمَّلها للحظات، ثم رفع يده بحنوِّ غريزي، يزيح تلك الخصلات برفق، يخشى أن يوقظها، انسابت أنامله فوق ملامحها بهدوء، تتبَّع وجهها كأنَّه يقرأه من جديد…حتى انكشف وجهها كاملًا، قريبًا منه حدَّ الوجع.
ظلَّ يمرِّر أصابعه عليها، مأخوذًا بسكونها، إلى أن تجمَّدت يده فجأة… حين تذكَّر ما أصابه، ابتعد بجسدٍ مرتعش، يهمس لنفسه:
_كيف عليه أن يتحمَّل ألم قربها، في نفس الوقت دوى في رأسه كلماتها كصفعةٍ قاسية ارتطمت بروحه.
انتفض وسحب ذراعه بعنفٍ من تحت رأسها، كأنه ينتزع قلبه من شعورٍ خانَه.
فتحت عينيها على إثر حركته، نظرت حولها بارتباك، قبل أن تتذكَّر..اعتدلت سريعًا، تجمع خصلات شعرها، وعيناها تستقرَّان عليه:
_ إيه اللي جابك هنا، مش قولت مش عايز حد؟
زفرت بإرهاق، ونهضت تعدِّل ثيابها، بينما اعتدل هو في جلسته، يرمقها ببرودٍ متعمَّد.
ردَّت بثباتٍ متعب، كأنها تتشبَّث بما تبقَّى لها:
_ اللي أعرفه…إن مكاني جنب جوزي.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، خالية من أي دفء:
_ جوزك، اللي اتجوزتيه بالعافية؟
اقتربت منه أكثر، تتحدَّى المسافة بينهما، ونظرتها ثابتة:
_ ريَّح نفسك يا يوسف…أنا عاجبني كده، ومهما تقول مش هغيَّر رأيي.
أمال رأسه قليلًا، وكأنَّ كلماتها أثارت داخله شيئًا معقَّدًا، ثم قال ببرودٍ أشد:
_ تمام…براحتك، وأنا كمان مستفيد.
ارتبكت ملامحها رغم محاولتها التماسك:
_ يعني إيه؟
دنا منها أكثر، حتى تداخلت أنفاسهما،
واحتضن شفتيها بقبلةٍ جامحة، مؤذية لكلاهما، كأنه يعاقبها على اقترابها منه، ويعاقب نفسه بحرمانه منها، دامت القبلة حتى انسحبت أنفاسها، ليبتعد قليلًا، وما زالت أنفاسها تمتزج بأنفاسه.
رفعت عيناها إليه، وقلبًا يرتجف من الاشتياق:
_وحشتني أوي.
كلمة كصوت الكروان لليل العاشقين، تنبع دفء، سوى برود قلبه الذي ينشطر، غاص بعينيه في عينيها، قبل أن ينطق بكلماتٍ خرجت هادئة، لكنها حادَّة كالسكاكين..ليتوقَّف الزمن عندها.
اتَّسعت عيناها، وانسحبت أنفاسها من صدرها، كأنَّ الهواء تخلَّى عنها، لم تستطع أن تمنع دموعها التي انسابت بصمت، تتساقط فوق وجنتينِ شاحبتين.
أمَّا هو…فتراجع إلى الخلف ببرود، وكأنَّ شيئًا لم يكن، وكأنه لم يهدمها للتوّ بكلماته.
بقيت تنظر إليه…بصمتٍ موجع، بعينينِ غارقتين، ووجهٍ شاحب… كشحوب الموتى.
الفصل 66
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
لم يكن الانهيارُ حدثًا طارئًا في حياتهما، بل قدراً كُتب عليهما ببطءٍ كليلٍ لا فجر له، ظنّ كلٌّ منهما أنِّه أقوى من الهزيمة، وأنّ قلبه أقدر على احتمال الخيبات، لكنّ ما بينهما لم يكن عابرًا؛ كان عهدًا انكسر، وزواجًا انتهى ثم عاد وكأنّه يعيد الحياة من بدايتها، يبحث عمّا فقده بين أنقاض ما كان.
كان هو يحمل في عينيه حكاياتٍ لم تُروَ، وأوجاعًا خبّأها خلف صمته الطويل، وكانت هي تخفي خلف صلابتها خوفًا عميقًا من السقوط. وحين جمعتهما الحياة من جديد، لم يكن اللقاء خلاصًا كما تخيّلا، بل كان بدايةً لانهيارٍ آخر… أشدّ قسوة، وأصدق شعورًا.
انكشفت هشاشتهما أمام بعضهما البعض، كأنّهما لم يتعلّما كيف ينسَيان ولا كيف يغفران. وبين قربٍ يوجع وبُعدٍ لا يُحتمل، ظلّ الحبّ بينهما قائمًا… عنيدًا، متعبًا، لا يموت ولا يمنح السلام.
وهكذا لم يعد السؤال: هل سينهاران؟
بل متى… وكيف سيجدان نفسيهما بين أنقاض هذا العشق الذي لم يرحم قلبيهما.
🔥🔥
قبل اي حاجة الفصل كبير جدا، واخد مني مجهود جبار، اتمنى اشوف تقدير عليه
مش محتاجة غير انك تدوسي على النجمة فقط، بتوع الفيس، لايك الله يسعدكم، ومتنسوش ترشحوا الرواية في الجروبات لانها تستاهل نبدأ فصلنابسم الله ♥
أنهى قبلته، وأنامله عالقة على وجهها بينما قلبها لم يعد يخفق، بل كان يصرخ، يصرخ به، عليه، ومنه.
اشتياقها لم يكن شعورًا عابرًا، كان وجعًا متراكمًا في صدرها، يكاد يمزِّقها لتعود إليه.
كم تمنَّت أن تلقي بنفسها بين ذراعيه بلا حساب، أن يضمَّها كما كان يفعل، أن يهمس باعتذاره، أن يفتح قلبه لها… ويقصَّ عليها كلَّ ما أخفاه، كلَّ ما كسرها بصمته.
تمنَّت وتمنَّت…لكن الأمنيات لا تُعيد ما انكسر، ولا تُرمِّم قلبًا تعلَّم كيف يتألَّم في صمت.
رفعت عينيها إليه مباشرةً، وقلبها سبق شفتيها واعترف بما عجزت عنه كرامتها:
_وحشتني أوي يا يوسف…
تعلَّقت عيناه بعينيها، كغريقٍ وجد شاطئه بعد غرقٍ طويل…
يا ليتَه يستطيع أن يصرخ… أن يهدم هذا الصمت اللعين، أن يخبرها أنَّ اشتياقه لها لم يكن ألمًا فقط، بل كان احتراقًا مستمرًّا لا يهدأ.
لو وضعت يدها فوق صدره الآن، لارتعبت من جنون دقَّاته، من لهفته التي يخنقه، من اسمها الذي لا يغادره.
لكن العقل كان أقسى.
انتشله ببطء من ضعفه، وذكَّره بكلِّ ما حدث، بكلِّ كلمة كسرت، بكل وجعٍ مرَّ بينهما.
ذكَّره ألَّا يضعف أمامها، حتى لا يكون سبب سقوطها من جديد، رأى عودته إليها لم يكن حبًّا في نظر عقله، بل أنانية موجعة لنفسه.
ماذا فعلت لتجني ما أصابه؟.
اشتدَّت نظراته، وتصلَّبت ملامحه رغم الفوضى داخله، بين قلبٍ يركض نحوها؛
وعقلٍ يقيِّده بأنه ربَّما لم يحقِّق أمانيها.
ذكريات حديثها عن الأطفال يذبحه، وقسوتها عن كرهه يدفنه حيًّا، ورغم الذكريات القاسية إلَّا إنَّه ما زال يعشقها بجنون، عليه أن يصمت أمام ذلك العشق حتى يهرب مرَّةً أخرى، هو ليس بشجاع لمحاربة القلب، هو أقلَّ من ينظر لعينيها ويدَّعي الكره، لكن عليه أن يفعل ذلك دون أن يرفَّ جفنه.
التفت إليها مرَّةً أخرى، وكأنَّ شيئًا خفيًّا شدَّه نحوها رغم محاولته الفرار…
وقال بصوتٍ خرج منخفضًا، لكنه يحمل قسوةً مفتعلة:
_أنا مكنتش عايز أزعَّلك…بس إنتِ مصرَّة.
اقترب بجسده منها، حتى صار بينهما ذلك القرب المؤلم…ذاك الذي يُشعل ولا يداوي.
استقرَّت عينيه على عينيها، ورأى فيهما ما كان يحاول الهرب منه… لهفة، انتظار، رجاءً خافتًا يتمسَّك بأي كلمة منه.
تردَّد لحظة…لحظة واحدة فقط كادت أن تُسقط كل أقنعته…
_أنا…
تعلَّقت بكلماته، كأنها تتشبَّث ببقية روحه، ابتسامتها الصغيرة المرتجفة كانت كفيلة بأن تخلخل ثباته…كادت تسحب روحه من صدره بالفعل..ظنَّت أخيرًا سيتكلَّم، سيفتح قلبه، سيعترف بكلِّ ما خبَّأه خلف صمته الطويل.
لكن بدل أن يُنقذها..ذبحها.
_أنا اتجوِّزت.
قالها ببرودٍ متعمَّد، التفت إليها كاملًا، يواجهها بنظرةٍ جامدة، فيها من الجبروت ما يخفي خلفه انهيارًا لا يُرى.
_أنا راجل وطبعًا مكنش ينفع أقعد من غير جواز، ومكنتش حاطط في دماغي أرجع هنا تاني، بس الظروف حكمت. حاولت أبعد عنِّك علشان متزعليش، بس إنتِ…
لم يُكمل..لم يستطع لشحوب وجهها الذي زحف إليها كالموت البطيء، حتى بدت كجسدٍ فارقته الحياة، طالعته بعينٍ متَّسعة بصدمة لم تجد لها مخرجًا..أتقن ردَّة فعله بقسوة كادت أن تصدِّقها
للحظة..للحظة فقط كانت ستسقط بفخِّ كذبه، إلَّا أنَّ صوته الذي استمعت إليه يردِّد في أذنها، حبيبة ابنك، المهمِّ هيَّ تعيش.
ورغم انهيار قلبها بصمت..إلَّا أنَّها تطلَّعت إلى عينيه:
_إنتَ كدَّاب…سامعني؟ إنتَ كداب!
قالتها بصوتٍ خرج مهتزًّا، لكنَّه مشبع برفضٍ قاطع…وثقة عمياء.
نهضت بسرعة، وكأنَّ المكان يضيق بها، وتحرَّكت مبتعدة بخطواتٍ غير متَّزنة.
_واحد كدَّاب…كدَّاب، عايز تقهرني وبس.
إنتَ عايز تقهرني وبس.
تمتمت بها تحاول إقناع نفسها.
توقَّفت فجأة…
استدارت إليه، وعيناها تشتعلانِ بغضبٍ ممتزجٍ بوجعٍ لا يُحتمل:
_اسمعني كويس…علشان ما تحاولش تفقدني أعصابي.
أي حاجة أتحمِّلها منَّك يا يوسف، أي حاجة، وهعمل نفسي مسمعتش حاجة، ومهما تقول، ومهما تعمل، أنا مش هبعد يا يوسف.
اقتربت منه خطوة، خطوة واحدة، لكنها كانت كأنَّها تعلن حربًا كاملة.
هي تعلم أو تحاول أن تقنع نفسها، أنه يقول ذلك ليؤلمها فقط، ليُبعدها..
لكن قلبها، كان جمرةً مشتعلة، تحترق مع كلِّ نفس.
انحنت قليلًا، حتى أصبحت عيناها في مستوى عينيه تمامًا:
_وقت ما أحس إنِّي أخدت حقِّي منَّك، هنطلَّق، وهبعد عنك.
أشارت بإصبعها وأردفت بنبرةٍ تهديديَّة واضحة:
_هدفَّعك تمن وجع قلبي،وانت بتاخد قرارات تدمرنا، وبعدها وعد مني، ساعتها مش هتشوف وشِّي تاني.
توقَّفت لحظة…اختنقت أنفاسها، كلَّما تذكَّرت كلماته الجنونية..فردَّت بكلماتٍ خرجت قاسية، وكأنها تحتمي بها:
_مش أنا اللي تتجوز عليَّ، ولا حتى تفكَّر مجرَّد تفكير.
نزلت بجسدها تغرس عيناها بعينيه:
_إلَّا قلبي يا يوسف، لأنُّه بيتحوِّل لنار هيحرقك بيها، وبلاش اصطناعك الزائف، لأنِّي حفظاك.
وضعت كفَّها على صدره:
_دا هيبطَّل ينبض لي في حالة واحدة بس، لمَّا تندفن تحت التراب.
اعتدلت تهزُّ كتفها وتكوَّرت الدموع بعينيها:
_زيي بالظبط، اعرف لمَّا قلبي الغبي لما يبطل ينبض لك يبقى هكون تحت التراب..استدارت بجسدها تنظر إليه:
_فتعامل معايا على أساس إنِّي قدرك حتى لو مؤقتًا..وإياك أسمع منك كلام يمسِّ كرامتي ولَّا قلبي.
استقرَّت نظراتها في عينيه…
نظرة لا تشبه استسلامًا…بل حربًا ستربحها مهما حدث.
راق له جنون غيرتها، ذاك اللهيب المشتعل في عينيها وكأنها تعلن امتلاكه دون خوف، شفتيها المرتجفتانِ وهي تقذفه باتهاماتٍ قاسية، لكنها بالنسبة له كانت أعذب اعترافٍ بالحب، ابتسم رغم ألمه، وفي داخله عاصفة لا تقلُّ عنها جنونًا.
أقسم بينه وبين نفسه، لولا ما أصابه، لما ترك بينها وبين أنفاسه مسافة، لاحتواها حتى تذوب بين ذراعيه، حتى تنسى أين تنتهي وأين يبدأ..كان سيغرقها عشقًا، لا بكلماتٍ تُقال، بل بإحساسٍ يُعاش…إحساس يُكتب في نبض القلب لا على الورق.
"مجنونة…نعم، لكنَّها جنوني أنا.
وأنا…غارقٌ فيها حتى النخاع، حدًّا لا نجاةَ منه ولا رغبةً في النجاة..
أشتهي أن أذوب بها الآن، أن نضيع سويًًّ،
أن نكون شيئًا واحدًا…لا يُفرِّق بينه قلبٌ ولا جسد."
صمتت تنظر إلى ابتسامته البلهاء، التي أصابتها بالجنون، كأنه يستخفُّ بحديثها:
_حضرتك مش عاجبك كلامي؟.
_أتعامل معاكي بأنهي نوعية، زوجة تانية ولَّا أولى؟.
اشتعلت كلماته في صدرها كشرارةٍ سقطت فوق بركانٍ مكتوم؛ فارتجف جسدها كلِّه بغضبٍ كاسح يليق بعاشقةٍ لا تعرف القسمة:
_اخرس، مش عايزة أسمع صوتك.
_إنتي حرَّة…ما تصدَّقيش، أنا مش خسران…بالعكس.
قالها ببرودٍ مستفز، وعيناه تنزلقان فوق جسدها بجرأةٍ فجَّة، كأنَّها لم تكن حبيبته.
اقترب أكثر، وهمس بنبرةٍ أكثر قسوة:
_والله حلو أنا خلاص اقتنعت على الأقل، لمَّا أحبِّ أنزل، ألاقي ستِّ هنا… ومعايا هناك واحدة... راقت له غيرتها، فحاول اشعالها بكل جبروت
هنا..لم يعد الغضب مجرَّد شعور.
بل صار إعصارًا يقتلع كلَّ ما تبقَّى من صبرها.
انحنت نحوه فجأة، متناسيةً جرحه، وكأنَّ الألم الذي فيه لا يساوي شيئًا أمام النزيف الذي في قلبها، ودفعته بقوةٍ كادت تسقطه، وهي تصرخ به بصوتٍ مرتجفٍ من شدَّة الانفعال:
_هموِّتك…سامعني؟! حتى لو مطلَّّقين..مش من حقَّك!
كانت تضربه بكلماتها قبل يديها، تدفعه مرَّةً بعد أخرى، كأنها تحاول أن تنتزع منه هذا البرود الذي يخنقها.
_إنتَ ملكي أنا لوحدي!
خرجت منها كاعترافٍ جريح، لا كتهديد.
رفعت إصبعها نحو عينيه، وعيناها تشتعلان بجنونٍ مخيف:
_هقلع عينك دي.
ورغم الألم الذي مزَّق جرحه تحت ضرباتها..
ورغم كلُّ شيء…توقَّف الزمن بالنسبة له عند تلك اللحظة.
هنا لم يرَ غضبها، بل عشقها، لم يسمع تهديدها، بل خوفها منه، وعليه.
فاشتعل بداخله شيءٌ أخطر من الألم،
رغبةٌ عارمة، مجنونة، لا تعترف بمنطقٍ ولا جرح.
مدَّ يده فجأة، قبض على معصمها بقوة، وسحبها نحوه بعنفٍ أربكها، حتى اصطدمت بصدره، أنفاسها تتلاحق، وعيناها تتَّسعان بين صدمةٍ وارتباك.
اقترب منها حتى تلامست أنفاسهما، وصوته خرج أجشّ، محمَّلًا بشيءٍ بين الغضب والاحتياج:
_إنتي اتجنِّنتي!.
حاولت الابتعاد من قبضته، ولكنه شدَّها أكثر، كأنه يعاقبها..أو يعاقب نفسه بها، وعيناه تغوصان في عينيها بجوعٍ لا يُخفى:
_اصبري عليَّ لمَّا أخف.
حاولت أن تقاومه…أو هكذا أقنعت نفسها..
لكن ارتجافها خانهـا، وقلبها الذي يخبط بعنفٍ فضحها أكثر.
أدرك تخبُّطها فهمس قرب شفتيها، بنبرةٍ منخفضة مشتعلة:
_منكرش إنِّك جميلة وفهماني، والماضي يثبت دا، غير البنات اللي برَّة.
اندفعت نحوه بكلِّ ما يعتمل داخلها من نيران، دفعتـه بكفَّيها بقوة حتى سقط فوق الفراش متأوِّهًا، وكأنَّ ألم جسده لا يُقارن بما أشعلته كلماته داخلها.
وقفت للحظة، تحدِّق به…عيناها تقدحانِ شررًا، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاسٍ متلاحقة، قبل أن تنحني نحوه، تستند على ركبتيها، تقترب أكثر ممَّا ينبغي:
_شكلك مفهمتش كلامي، بحذَّرك للمرَّة الأخيرة، تتلاعب بعواطفي يا دكتور؟
قالتها بصوتٍ أشدُّ وقعًا من الصراخ.
_لو نسيت مين هيَّ ضي أفكَّرك، معنديش مشكلة.
اعتدلت فجأة، تهرب من نفسها قبل أن تهرب منه، واتَّجهت نحو غرفة الملابس تجرُّ حقيبتها بعنف، بينما قلبها كان يصرخ أن تعود و تنهي هذا الجنون الذي يشتعل بينهما.
لكن كرامتها كانت تقف كحاجزٍ صلب، تمنعها، حتى وهي تحترق.
على الجانب الآخر، حاول أن يعتدل… فشل.
تأوُّه مكتوم خرج منه وهو يضغط على موضع الألم، يسحب أنفاسه ببطء، كمن يحاول السيطرة على عاصفةٍ داخله، لا على وجعٍ بجسده..يريدها بكل ذرَّةٍ بجسده، ورغم ذلك يقاوم جنون عشقه بها.
نهض أخيرًا، تعلَّق بالفراش، شدَّ نفسه للأعلى بصعوبة، وعيناه تبحثان عنها بلهفةٍ لم يعترف بها حتى لنفسه، لم يجدها.
للحظة…ظنَّ أنها رحلت.
أغمض عينيه، وكأنَّ الفكرة وحدها كانت كفيلة بإسقاطه من جديد.. وقلبه يتمرَّد عليه بعدم قوَّة تحمُّلِ بعدها،
نزع قميصه بعصبية، وألقاه أرضًا، يحاول التخفيف من نيرانه المشتعلة.
_عند رولا..
اتَّجهت إلى سيارتها تتحدَّث بهاتفها:
_آسيا بسرعة قبل ما بلال يشوفني.
_بلبس الشوز وجاية، أغلقت الهاتف وتحرَّكت إلى السيارة، استقلَّتها وانتظرت وصول آسيا.
بعد قليل خرجت السيارة من الكمبوند .
_أرسلان باشا مدام رولا خرجت حالًا.
نظر بساعته وقال مستغربًا:
_رايحة فين دي دلوقتي؟!
رفع هاتفه واتَّصل بفريق أمنه:
_خلِّيكم ورا مدام رولا من غير ما تحس.
ولكنَّه توقَّف على اسم إسحاق الذي أنار الشاشة، فأغلق المكالمة:
_أيوة يا عمُّوو.
_تعال..عايزك.
_فيه حاجة؟ أنا لسة كنت عندك.
_لمَّا تيجي...قالها إسحاق وأغلق الهاتف، بينما نهض أرسلان متَّجهًا إلى سيارته.
توقَّف عند الملحق الخاص بالضيوف:
_مين هنا؟،
_ضيفة الدكتور يوسف.
_يوسف...مين دي؟!
وصل أحدهم:
_دي كل حاجة تخصَّها، جبتها من المطار.
أمسك الورقة:
_دارين الحسن..قرأ بياناتها، ثم أعطى الورقة لرجل الأمن:
_عملتو اللازم؟
_إلياس باشا، أمرنا يا باشا ننضَّف المكان بالكاميرات، كلُّه تمام.
_لا..قالها وهو ينظر إلى دارين التي تتحدَّث بهاتفها:
_عايز كاميرات حديثة التقنية جدًّا، وغير مرئية، اتصرَّفوا خرَّجوها من الاستراحة وظبَّطوا الدنيا.
_تحت أمرك يا باشا.
قاد أرسلان سيارته متَّجهًا إلى قصر الجارحي...وصل بعد قليل، ترجَّل من سيارته بخروج شمس تحمل قطَّتها:
_عمُّو حبيبي، شوفي يا كايا مين اللي جالنا.
احتضنها يقبِّل رأسها:
_ملاك عمُّو عاملة إيه؟
_زعلانة أكيد، حضرتك كنت هنا ومشيت من غير ما تسأل.
حمل قطَّها وداعبه قائلًا:
_جالي تليفون مهم، وأديني جيت تاني أهو.
داعب قطَّها:
_أكيد حمزة مش هنا، ما دام بتلعبي مع كايا.
_ايوة..عندي زهق، يوسف عامل إيه؟.
_كويس حبيبتي، بقى تمام أوي.
تحرَّكت معه للداخل:
_بوسه لي، وقولُّه هزروه لما يجي حمزة
_هوَّ إنتي مش بتكلِّميه؟.
_لا كلِّمته، بس من الصبح.
قرص وجنتيها:
_كفاية يا مفترية، عرفت إنِّك كل ساعة بتكلِّميه، اطمِّني هو بقى كويس.
نظرت إليه بحزن:
_غصب عنِّي، حضرتك عارف علاقتي بيوسف مش مجرَّد أخ.
احتوى ذراعيها وأردف بنبرةٍ حنونة:
_ربِّنا يخليكم لبعض حبيبتي، بس عايزك تهتمِّي ببيتك برضو، مش عايزين حماكي يشمت فينا.
قالها وهو ينظر إلى إسحاق الذي وصل إليهم.
ضحك إسحاق وهو يتابع شمس بنظراته:
_مالكش دعوة، شمس الجارحي، دي بقت تبعنا ومهما تعمل على قلبنا زي العسل.
_شوف إزاي، دا إحنا دفنينه سوا يا إسحاقو.
التفت إلى شمس وقال:
_حبيبتي عرَّفي دينا إنِّ أرسلان هنا.
_حاضر...قالتها وتحرَّكت للداخل، بينما سحبه إسحاق لمكتبه.
_في إيه؟.
أشار إليه بالجلوس، ثم قام بفتح شاشة العرض، وضغط على بعض الأرقام، كأرقامٍ سريَّة، لتفتح الشاشة على صورة موسى، وصديقه ودارين وبعض من الشخصيات.
تراجع ارسلان بجسده، وابتسامة ساخرة زيَّنت وجهه:
_كنت شاكك، وعملت حسابي.
أغلق الشاشة واتَّجه بنظره إلى أرسلان:
_جالي خبر إنَّها نزلت مصر، وعندكم.
_وحضرتك عايز تعرف سبب النزول؟
_تؤ...نهض من خلف مكتبه واتجه يجلس بمقابلته:
_أنا دلوقتي بشوف مين ورا حادثة يوسف، ممكن ميكنش همَّا، يمكن حد من أعداء إلياس.
_هتسهبل يا إسحاق!! أعداء إلياس، هيظهروا فجأة بعد السنين دي كلَّها، ماهو كان موجود.
_أنا بقول ممكن، وفي نفس الوقت حاطط دول في قايمة الاتِّهام.
_لا ما تحطِّش، لمَّا تقولِّي طلبت إيه من يوسف، وأنا هعرف مين اللي عمل كدا.
أمال إسحاق بجسده يحدج أرسلان:
_إنتَ ليه بتحسِّسني إنِّي طلبت منُّه ياخد طابنجة ويموِّتهم؟!
_طلبت إيه يا إسحاق مش عايز لف ودوران؟
أصلي هعرف، ومش من يوسف، إنتَ ناسي أنا كنت شغَّال إيه؟.
عاد إسحاق بجسده يرمقه:
_لا مش ناسي، علشان كدا بعتلك.
ضحك أرسلان بصوتٍ مرتفع:
_والله كنت عارف، إسحاق مستحيل يخرج من توبه، رمقه للحظات ثم قال:
_والمرة دي إيه يا ترى؟
_حياتي.
توسَّعت أعين أرسلان...فهزَّ إسحاق رأسه ووقف:
_عايزين يموِّتوني، لأنُّهم عرفوا آخر عملية فريقي السبب فيها.
توقَّف أرسلان بذعر:
_وإنتَ إيه اللي عرَّفك بالكلام دا، وإزاي وصلُّهم حاجة خطيرة بالشكل دا؟!
_الدكتور اللي كان بيراقب يوسف، انكشف للأسف، وغسلوا دماغه.
_أووبس، يعني عرفوا كلِّ حاجة.
أومأ إسحاق:
_للأسف مشكِّتش ولا مرَّة إنُّهم يكشفوه، لكن حصل اللي حصل.
_ودا عرفوه إزاي وإمتى؟
_معرفش...تقريبًا يوم نزول يوسف، لأنُّهم لو عرفوا قبلها كانوا صفُّوه.
شهق أرسلان بذعر ودار حول نفسه بغصبٍ
كاد أن يلتهم إسحاق:
_أنا قولت لك إيه، ابعد يوسف عن الشغل دا..اقترب منه كالمجنون:
_طلبت منه إيه يا إسحاق، علشان ييجوا وراه يموُّتوه؟!
_يا بني لسة متأكدناش إنُّهم همَّا.
صاح أرسلان بغضب:
_إنتَ بتضحك على مين، أومال البتِّ اللي جت دي جاي تطمَّن عليه!.
_أرسلان اهدى، إنتَ عصبي وكدا مش هتعرف تتصرَّف.
كوَّر قبضته يضغط عليها بأسنانه:
_آاااه...بقى بعد اللي عملته دا كلُّه، برضو العيال وقَّعوه في الخطر.
التفت إليه بغضبٍ مكظوم:
_لازم تتصرَّف، سمعتني، زي ما ورَّط الولا تخرَّجه، ولو اتأذى منه شعرة واحدة صدَّقني..هيكون صعب بينا.
ربت على كتفه وأشار إليه بالجلوس:
_طيب اقعد، وأنا هتصرَّف، وأنا بوعدك مفيش حاجة هتصيب الولاد.
نفض ذراعه وابتعد عنه:
_قولت لك كتير، المهمَّات دي عايزة تدريب.
_يوسف ما انكشفش، هوَّ كان ذكي جدًّا، لكن عرفوا إزاي معرفش.
_ميهمنيش تعرف ولَّا لأ...كل اللي يهمِّني الولاد كلُّهم في خطر، مش يوسف بس وإنتَ فاهم كلامي كويس، وتخيَّل لو إلياس عرف هيحصل إيه، هواجه إزاي قولِّي.
_إلياس شاكك أصلًا.
طالعه بذهول وتساءل:
_يعني إيه، وعرفت إزاي؟!.
_لأنه بيحقَّق، بس من بعيد، فريق كامل من النيابة بعد فحص العربية، وطبعًا مش صعب على النيابة تجيب الكاميرات.
دار ارسلان حول نفسه، ورفع كفَّيه يرجع خصلاته للخلف بعنف:
_مش هيسكت.
أومأ إسحاق بتأكيد:
_للأسف...وهوَّ فعلًا حجز سفر الفجر.
قاطعهم رنين هاتف أرسلان..
_أرسلان باشا إزاي معاليك.
تنفَّس بهدوء ورسم ابتسامة:
_جاسر باشا، وحشتيني والله.
ضحك الآخر وهو يقول:
_كلِّ المعلومات وصلت لجهازك يا باشا، والوضع كما توقَّعنا.
_يعني؟.
_الأوَّل خد المعلومة المهمَّة دي، معتز الدمنهوري بيكون أخو زوجة أجنبية لراجح.
_نعم يا خويا؟!
ضحك الآخر، بينما استغرب إسحاق تبدُّل حالة أرسلان وضحكه:
_أه والله...معلومة مؤكَّدة، أكمِّل ولَّا أخاف عليك من الصدمة الجاية؟.
_هوَّ فيه صدمة أكبر من كدا؟.
_نعم...بعد ما بحثت ورا معتز دا، لقينا له علاقة بشخص ما..كان طبعًا لازم نعرف.
_جاسر، اختصر الوضع مش متحمِّل.
_فيه ابن لراجح مش مصري الجنسية
والشخص دا عنده ولد.
لحظة اثنان ثلاثة،حتى انفجر أرسلان بالضحكات..سحب إسحاق الهاتف:
_مالك يا متخلِّف اتجنِّنت، قالها وهو يرد:
_أيوة يا جاسر، معاك إسحاق الجارحي.
_أهلًا إسحاق باشا، إزي معاليك يا باشا.
_الحمدلله..إيه الأخبار؟
_مفيش..معتز الدمنهوري له علاقة براجح، يعني راجع ينتقم، بس اللي اتأكِّدت منُّه جاي وعارف بيعمل إيه.، حضرتك عارف اللي زي الشخص دا بيتصرف ازاي
_تمام فهمت...قالها وأغلق الهاتف، بينما التفت إسحاق إلى أرسلان الذي ما زال يضحك:
_ماتهدى مالك في إيه؟.
_الراجل دا لو ما متش، كان بقينا فروع في كل دول العالم.
_اتهدّ بقى خلينا نفهم..
راجح إيه اللي له ولد دا؟.
هزَّ كتفه بجهل، ثم مسح على وجهه بغضب:
_معقول، طيب مين وفين؟.
_خلاص اسكت، اتحرَّك إنتَ متخليش حد يدوَّرلك، الموضوع ما دام وصل لراجح، يبقى معتز دا جاي للانتقام، وكان بادئ برولا، أكيد فاهم قصدي؟.
_بس ليه، ينتقم ليه، وهو مجرد اخو مراته
نهض أرسلان بأنفاسٍ مرتفعة:
_دا اتوزَّع علينا، رولا، بلال، آسر، بس يا ترى بلال كان في الدايرة علشان رولا، ولَّا أنا المقصود؟.
نهض إسحاق من مكانه وأشار إليه بتحذير:
_روح لجاسر، وافهم إزاي راجح له ولد، واتأكِّد بنفسك يا أرسلان، وراقب معتز كويس، ما دام له علاقة يبقى بيلعب من تحت الترابيزة.
_قصدك إنِّ ابن راجح ميعرفش اللي معتز بيعمله؟،
_مقدرش أقول حاجة مش متأكِّد منها، على العموم هشوف برضو، المشكلة هيكون صعب نوصلُّه، وخاصَّةً إنُّه مش مصري.
_معتز...
أومأ وقال: بالظبط، وزي ما جاسر جاب المعلومة يبقى هيعرف يوصَّلك مين اللي وراه.
عند رولا..
وصلت إلى المكان المنشود، ولكنها توقَّفت فجأة تنظر بالمرآة، ثم تحرَّكت بالسيارة.
نظرت إليها آسيا:
_إيه..منزلتيش ليه؟.
_عمُّو أرسلان، بعت حراسة ورانا.
التفتت آسيا للخلف، ثم اتَّجهت إليها:
_وبعدين، بقالك قدِّ إيه بدوَّري عليه.
ضربت على المقود تصرخ؛
_هتجنِّن يا آسيا، إزاي كنت غبية كدا.
بكت وهي تتحدَّث:
_الراجل اللي دمَّر حياتي وكسرني قدَّام الكل، كان معايا معظم الوقت، وجاي بكلِّ بجاحة وجبروت يخلِّيني أشتغل معاه.
ربتت آسيا على كتفها:
_طيب اهدي، علشان نعرف نفكَّر.
توقَّفت بالسيارة، وعادت بجسدها للخلف:
_تخيَّلي لو بلال شاف السي دي دا، أكيد كان قتله، متأكِّدة كان قتله.
_حبيبتي لازم تهدي، صمتت ثم تساءلت:
_طيب إنتي إيه اللي خلَّاكي متأكدة إنِّ بلال ما شفوش؟.
أغمضت عيناها بألم وقالت:
_طلبت منه اللاب، كنت عايزة أشوف زفتة كارما دي مسجِّلة إيه على جهازه، دايمًا بلاقيها بتبعت له حاجات، فتحته، لقيت فيه أسطوانة، سألته وقتها كان مشغول على اللاب الخاص، قالِّي معرفش، جاتلي من فترة على المستشفى، ولسة مشغلتهاش.. معرفش فيها إيه، لمَّا أفضى.
رفع نظره من فوق الجهاز:
_افتحيها لو شاكَّة في حاجة، وعلى فكرة فيه سي دي تاني عندك، عمُّو إلياس إدهولي.
_عمُّو إلياس، بتاع إيه دا، وليه بتقولِّي؟.
نهض واقترب يحاوط مقعدها بذراعيه:
_فيه حادثة سقوط البيبي.
رمقته بطرف عينيها:
_ما صدَّقتنيش صح؟.
استدار وجلس على ذراع المقعد وهو يحتضن كفَّيها:
_مضحكش عليكي، أي حد مكاني مكنش هيصدَّق، نسيتي قولتي إيه؟.
رفعت عيناها التي تكوَّمت بها الدموع:
_كنت زعلانة ومقهورة منك أوي، لأنِّي حبِّيتك أوي، وحسِّيت إنَّك موِّتني.
جلس أمامها وما زال يحتضن كفَّيها:
_والله لو أعرف علاقتنا هتوصل لكدا، كنت مستحيل أوجع قلبك.
رفع كفَّيها وطبع قبلة مطوَّلة ثم رفع عيناه إليها:
_رولا أنا بعشق كلِّ حاجة فيكي، إزاي هبقى عايز أقهرك.
احتضنت وجهه، ثم انحنت تضع جبينها فوق جبينه:
_وأنا بحبَّك أوي، ونفسي يبقى عندنا ولاد كتير.
لمست وجهه وتابعت حديثها:
_بلال أوعى تزعَّلني تاني.
بتر حديثها بقبلةٍ جامحة يؤكد لها أنَّها هي التي ينبض القلب باسمها، ثم نهض وهو يقرص وجنتيها:
_هخلَّص شغل ونروح بيتنا، مش عايزه فارغ، وبارد، إيه رأيك نعمل بيتزا؟.
أومأت له بعيونٍ عاشقة ثم قالت:
_طيب خلَّص شغلك بسرعة، وأنا هتسلَّى شوية لحدِّ ما تخلص ونروح بيتنا بس مش علشان البيتزا.
قطب جبينه متسائلًا:
_فيه حاجة؟.
ابتسمت تهزُّ رأسها ثم قالت:
_لمَّا نروح هناك..تمام؟.
_إنتَ تؤمر يا روحي.
_االباس ورد بتاريخ ميلادك
نظرت اليه بحب وقالت
_عارفة، شوفتك وانت بتفتحه مرة، توقفت واتجهت اليه، ودون تفكير جلست على ساقيه تحاوط عنقه
_أنا بحبك اوي يابلال، صمت ينظر اليها _مبقتش قادر على البعد يارولا، حرام، لمست وجهه
_بكرة ايه يابلال
_بكرة ذكرى احسن يوم في حياتي، وعد هيكون احسن ذكرى مش تنساها، قبل كفيها واشار اليها بالوقوف
_دقيقة كمان مش مسؤل
قبلت وجنتيه ونهصت، خرجت من شرودها ثم التفتت إلى آسيا وتابعت حديثها:
_وقتها فتحتها بالغلط، وشوفت..
بكت بصوتٍ مرتفع تمسح دموعها: _وشوفت الفيديو اللي شوفتيه دا، طبعًا أنا وقتها دماغي وقفت، ولولا إنِّك جيتي لي وقتها، وعمُّو بعت لبلال كان عرف.
ردَّت آسيا:
_اللي بعت الفيديو دا عايز يورَّط بلال صح؟.
_أكيد...عايزينه يعمل جريمة، الحمدلله إنِّي أخدته، معرفش لو شافه إيه ممكن يحصل له.
قالتها ببكاءٍ مرتفع، فسحبتها آسيا إلى أحضانها:
_طيب اهدي وما تزعليش، أنا من رأيي آسر يعرف، أو باباكي.
رفعت رأسها وتساءلت:
_تفتكري معتز اللي باعته؟.
_ما أظنش، أكيد مش عايز يكشف نفسه.
قاطعهم رنين هاتفها:
_دا عمُّو أرسلان، دلوقتي الأمن خبَّره بوقوفنا.
_أيوة يا عمُّو.
_خرجتي من غير علم جوزك، وترجعي تعيَّطي، ارجعي قبل مابلال ياخد باله، وقتها ما تلوميش غير نفسك.. عشر دقايق لو مرجعتش هخليه يطلقك ياطليقة ابني
بمنزل يزن وخاصَّةً بغرفة آسر..
كان منكبًّا على أوراقه، منشغلًا بقضيةٍ ما، استمع إلى طرقاتٍ على باب الغرفة:
_ادخل.
دخلت سدن تحمل فنجان قهوته:
_محتاج مساعدة؟.
نهض من مكانه، يتناول الفنجان منها:
_تسلم إيدك يا سوسو، قهوتك إدمان، معرفش من وقت ما بدأتي تعمليها مبقتش أحبِّ غيرها.
_بالهنا حبيبي..نطقتها دون وعي، ولم يكترث بنطقها لأنه كان منشغلًا بشيءٍ آخر.
أشار إليها بالجلوس:
_اقعدي، لو فاضية.
_طبعًا فاضية، ولو مش فاضية أفضِّيلك نفسي.
نظر إليها نظرة امتنان، ثم اقترب يضع الجهاز أمامها، وجلس بجوارها، وبدأ يشرح لها المطلوب.
كانت تراقب ملامحه عن قرب؛ ذقنه الخفيفة التي زادته صلابة، وعيناه البنيِّتان اللتان تحملان ذات العمق الذي كان يميِّز والده، على عكس رولا التي ورثت عن والدتها عينيها المائلتينِ للَّونِ الزيتي.
ارتفعت نظراتها نحو خصلاته، وتوقَّفت لحظة، تمنَّت لو تمدَّ أناملها وتغوص بها برفق.
ابتسمت بشرود، تتخيَّله مستلقيًا، يتوسَّد ساقيها، وهي تعبث بخصلاته في هدوء…مشهد سرقها بعيدًا عن الواقع، حتى قطع صوته تلك اللحظة:
_فهمتي هتعملي إيه؟
انتفضت على إثر سؤاله، وعادت سريعًا، وقد ارتبكت ملامحها، وازدادت حمرة وجنتيها دون إرادةٍ منها.
راقبها باستغراب، وقد لاحظ تغيُّرها المفاجئ.
_سدن…فهمتي؟
هزَّت رأسها نفيًا، تحاول جمع شتات نفسها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_آسفة يا آسر…ممكن تعيد؟
تأمَّلها لثوانٍ، بنظرةٍ تحمل شيئًا من الشك، قبل أن يتنهَّد بخفوتٍ ويعيد حديثه، بينما ظلَّت هي تحاول التماسك، تخفي خلف هدوئها تلك الفوضى التي أثارها مجرَّد خيال.
_تمام..عاد يشرح لها المطلوب، وهي تستمع إليه بتركيز، فبدأت تعمل بجدٍّ واجتهاد، بينما هو نهض من مكانه وتابع عمله، دلفت رحيل إليهما بالقهوة:
_عملت لكم قهوة، توقَّف متَّجهًا إلى والدته:
_تسلم إيدك حبيبتي، مع اني لسة شارب ..وضعت القهوة أمام سدن:
_زنقك معاه؟.
رفعت رأسها إلى رحيل، وابتسمت:
_أنا فاضية مش ورايا حاجة، وبكرة الجمعة إجازة.
ربتت رحيل على كتفها بحنان:
_ربِّنا يوفَّقك حبيبتي، جبت لك كام ساندوتش ماما قالت لي إنِّك ما أكلتيش حاجة من الصبح.
هزَّت رأسها بالرفض:
_لا..ماليش نفس ياطنط والله. قاطعهم آسر:
_سبيهم يا ماما، أنا جعان وهي هتاكل معايا.
التفتت إليه رحيل تشير للطعام:
_عملت لك إنتَ كمان، يا ربِّ متنساش نفسك، والصبح ألاقيهم زي ماهمَّ.
اقترب منها وقبَّل وجنتيها:
_حاضر أستاذة رحيل، عليكي الأوامر وعليَّ بالطاعة.
طالعته بحنان وقالت:
_ربِّنا يوفَّقك يا حبيبي..هسيبكم علشان معطلكمش..أومأ لها فغادرت الغرفة، بينما اتَّجه آسر وجلس بجوار سدن:
_اشربي القهوة قبل ماتبرد مع ساندوتشات ماما هتعجبك.
_ما ليش نفس والله يا آسر، كفاية القهوة.
رفع حاجبه يشير للساندوتشات:
_ويرضيكي رحيل تطردني الصبح، وأنا ماليش غير العشَّة دي.
ضحكت على كلماته:
_عشَّة..طيب يا سيدي، هاكل علشان ما تنطردش من عشِّتك.
ظلَّا لبعض الوقت يتناولون الطعام مع بعض الأحاديث عن العمل، إلى أن انتهت من الطعام، فقام آسر متَّجهًا إلى أوراقه مرَّةً أخرى، وهي إلى الجهاز، دخلت آسيا:
_مساء الخير.
رفع نظره إليها، ينظر إلى ثيابها:
_كنتي برَّة؟..تحرَّكت إلى جلوس أختها:
_أيوة.
_أيوة..ردَّدها بنبرةٍ ساخرة، ثم قال:
_الساعة اتناشر، مش عايزة تعقلي؟.
جلست متأفِّفة:
_بقولَّك إيه، أنا أخدت إذن بابا، وبعدين ما لكش دعوة، خلِّيك في شغلك، أنا جاية لسدن.
التفتت إلى جلوس أختها:
_ياله علشان ننام، بتعملي إيه؟.
أشارت إلى الجهاز:
_هثبِّت دول لآسر بس، روحي نامي لو عايزة.
عادت بجسدها للخلف:
_لا..خلَّصي هستناكي.
كان يتابعها وهو منشغل بعمله، اتَّجهت إليه بأنظارها
_بقولَّك يا آسر، عايزة أعمل ورق يثبت إنِّي مقيمة هنا في مصر، مش عايزة أشغل بابا، قولِّي أعمله منين وهعمله.
رفع رأسه إليها:
_البطاقة، الجنسية مش مصرية؟.
_أيوة..بس فيه أوراق تانية الشركة محتاجاها، خلاص قرَّرت أتعيِّن فيها.
_اشمعنى المرَّة دي، ما إنتي جرَّبتي كذا حاجة.
زمَّت شفتيها تهزُّ رأسها:
_ودي فيها إيه، التيم حلو، مرتاحة معاهم، وكمان نور شخص ظريف أوي، أكيد اتعاملت معاه أيام ما كان شغَّال مع ضي.
_بس أنا مش مقتنع.
نهضت من مكانها واتَّجهت إلى جلوسه، اقتربت مستندةً على مكتبه:
_أنا ماليش دعوة برأيك، مش طالبة غير إنَّك تقولِّي الورق المطلوب، عندي شهادات أميريكية عايزة أوثَّق علشان أعرف آخد مكاني الصح، أنا مقعدتش هنا غير سنتين بالكتير، وكمان التعليم سنة واحدة.
سحب ذراعها فجأة، لتهوى بجسدها إليه دون إرادة:
_أنا خلقي ضيَّق، قولت الشركة دي لا، ولولا معاكي مشروع كنت منعتك.
أدمعت عيناها من مسكته القوية:
_إيدي يا آسر، بتوجعني.
لم يكترث لحالتها، وتابع بفظاظة:
_بعد كدا اللي أقولِّك عليه هوَّ اللي يتعمل، ولمِّي شعرك اللي فرحانة بيه بدل ما أقصُّه لك.
قالها ثم تركها، وهبَّ من مكانه متَّجهًا للخارح دون حديثٍ آخر.
جلست على مقعده، تمسِّد على كفَّها من الألم، توقَّفت سدن متَّجهةً إليها:
_آسيا..إنتي كويسة؟.
رفعت عيناها التي تكوَّرت بها الدموع:
_هوَّ مالوش دعوة بيَّا، أنا اللي غلطانة إنِّي لجأت له.
مسَّدت على خصلاتها، ثم احتضنت رأسها:
_متزعليش منه، هوَّ خايف عليكي، خايف يكون نور دا عايز حاجة بعد موضوع ضي.
بكت تمسح دموعها وهي تهزُّ رأسها:
_لا..دا عايز يضايقني وخلاص، بس والله ما هسكت له بعد كدا، وهقول لخالو، مالوش دعوة بيَّا.
نهضت من مكانها تزيل دموعها بعنف:
_أنا مش محتاجة لحد، ويوم ما أحتاج مش هلجأ له، انسان مستفز.
قالتها وخرجت متَّجهةً لمنزلها، بينما خرج هو متَّجهًا إلى حمَّام السباحة، قام بنزع ثيابه وألقى نفسه بالمياه، علَّه يطفئ نيران غضبه من تلك المتمرِّدة.
ظلَّ يسبح لفترةٍ من الوقت، يحاول أن يسيطر على دقَّات قلبه باسمها، خرج بعد فترة، توقَّف يلهث كالذي قطع أميال من الجري، يهمس لنفسه:
_ليه دي اللي قلبك دق لها، ليه وإنتَ عارف إنَّها متمرِّدة، ياترى هتقدر على تمرُّدها ولَّا طريقك هيبقى صعب؟.
بغرفة يوسف..
خرجت من غرفة الملابس بعد قليل، لتجده غافيًا بصدره العاري الذي يعلو ويهبط ببطء..وقعت عيناها على كنزته الملقاة أرضًا، فاقتربت بحذر، وانحنت تلتقطها.
توقَّفت أمام الفراش، تراقب ملامحه بعينينِ مثقلتينِ بالألم..زوجها، حبيبها، بل عشق روحها، قريبٌ منه حدَّ الوجع، وبعيدٌ كالمستحيل، كأنَّه تفاحة آدم المحرَّمة.
مالت بهدوء، تسحب الغطاء وتُغطِّي جسده، لكن عيناها تعثَّرتا بجرحه الغائر في صدره..جلست بجواره بحذر، ومدَّت أناملها المرتجفة تتحسَّس موضع الألم.
انسابت دمعة على وجنتها…ماذا لو أصابه مكروه، هل كانت ستقدر على الحياة بدونه؟
هزَّت رأسها بعنف، ترفض تلك الفكرة التي كادت تزهق روحها.
استسلمت أخيرًا..انحنت تقبِّل موضع جرحه برفق، ثم وضعت رأسها على صدره، تبكي بصمت، وكأنَّ جراحها هي من تنزف.
فتح عينيه ببطء حين شعر بها:
_ ضي…
همس بها بصوتٍ متعب، بين النوم واليقظة.
أغمضت عينيها، تقاوم اندفاع مشاعرها، ثم نهضت سريعًا مبتعدة، تهرب من نفسها، ومن ضعفها، اتَّجهت إلى الأريكة دون أن تنطق.
تابعها بعينين نصف مغلقتين، كأنه يراها في حلم، حتى استسلم مجدَّدًا للنوم تحت تأثير أدويته الثقيلة.
أمَّا هي..فظلَّت تراقبه بصمتٍ موجع، تتخبَّط داخلها رغباتٍ متناقضة؛
تريد أن تعود إليه، أن تختبئ بين ذراعيه،
لكنَّها تخشى…تخشى أن يخذل قلبها قبل أن يعود هو إليها.
يجب أن تنتظر حتى يبوح بما يثقل صدره.
هنا تذكَّرت أوراق التحاليل.
نهضت ببطء، واتَّجهت نحو مكتبه داخل غرفة النوم ثم بدأت تبحث.
فتحت حاسوبه وجدته مغلقًا.
حاولت مرَّة، واثنتين، وأخرى… أصابعها ترتجف، وأنفاسها تتسارع، حتى ألقت بزفرةٍ حادَّة ومسحت على وجهها بعنف، تعاقب نفسها على جهلها به.
تركت الجهاز، واتَّجهت إلى الأدراج.
فتحت واحدًا..ثم آخر…أوراق كثيرة، أبحاث طبيَّة، ملاحظات بخطِّ يده..كلُّ شيءٍ عنه، إلَّا ما تبحث عنه.
فجأةً توقَّفت يدها على كارتٍ صغير، مغلق بعناية.
تردَّدت للحظة قبل أن تفتحه…وكأنها تخشى ما بداخله، فتحته ببطء، لتجد
اسمها، اسمها فقط مكتوبٌ بخطِّه، وتاريخ زفافهما، يبدو أنَّه أحضره بالعام الذي مضى وهو بالخارج، هل حقًّا تذكَّر هذا اليوم، فتحت ما به ليرتفع النبض بعنف،على عبارةٍ جعلت أنفاسها تختنق:
"لولا لم أعشقها…لعشقتها حتى الموت."
تجمَّدت مكانها، سقطت الدموع فجأة، غزيرة، حارقة، حتى غطَّت ملامحها بالكامل.
رفعت كفَّيها إلى فمها، تكتم شهقاتٍ كادت تفضحها، بينما جسدها كلِّه يرتجف.
_ غبية…إزاي كنتِ عمية كده؟
خرجت الكلمات منها مكسورة، مشحونة بندمٍ يكاد يمزِّقها.
بيدٍ مرتعشة، سحبت دفتره…دفتر مذكَّراته الذي كانت قد قرأت منه سابقًا.
قلَّبت الصفحات بسرعة، وكأنَّها تبحث عن كلِّ ما يخصُّها، عن آلامه منها، وهي تتزف بصمت، حتى توقَّفت على صورتها.
مرسومةً بأنامله…بتفاصيلها التي لا يراها إلَّا عاشق.
تحتها كلماته:
"لم يكتب لنا القدر الحياة،
لكن القلب عنيد، عنيدٌ حدَّ التمرُّد،
يقف بين القدر والحياة ويسأل: لِمَ لا؟
لأنَّها هي الحياة…
وقدرٌ بلاها…لا يُسمى حياة"
انهارت وانفجرت بالبكاء، سقطت برأسها على المكتب، بقوَّةٍ فوق سطحه، تضربه تعاقب ذاتها، وكأنَّ الألم الخارجي أهون من ذاك الذي ينهش صدرها.
كلماته، اعترافه، حبِّه الذي لم تره، وحديثها القاسي له، اتِّهاماتها، شكَّها،
كلَّ ما أصابته به، أصبح كسكِّينٍ يغوص في قلبها بلا رحمة، هنا فقط أدركت هي السبب في ذلك الحادث الذي كاد أن يسلبه منها للأبد.
شهقت بقوة، تختنق بندمها، ورفعت رأسها، بدموعها التي لا تتوقَّف.
مسحت وجهها بعنف، وعيناها تشتعلان بعزمٍ و قسمٍ يُولد من قلبٍ منكسر..
قلبٍ أدرك متأخِّرًا، أنَّها من جنت على هلاكهما، أعادت كلُّ شيءٍ مكانه، فجأةً اتَّجهت إلى الجهاز مرَّةً أخرى، وفتحته بتاريخ زواجهما، ليفتح أمامها، ابتسمت من بين دموعها:
_آاااه يا قلبي، إزاي دوست عليه أوي كدا؟.
قلَّبت به، إلى أن وصلت إلى التحاليل، وقامت بإرسالها لجهازها، ثم قامت بإغلاق الجهاز مرَّةً أخرى، وكالعادة يُغلق على صورتهما معًا، صورة زفافهما، نظرت إلى عيناه التي كانت تشعُّ حنانًا وعشقًا، رفعت أناملها تتحسَّس وجهه، وكلماتها كعويلٍ بأذنها:
_غدَّار وخاين، إنتَ غدَّار وخاين، بكرهك.
أغمضت عيناها بألم، تمنَّت أن يفقد ذاكرته على تلك الكلمات، حتى يعفو ويصفح عنها.
نهضت بعدما أعادت كلُّ شيءٍ بمكانه، ولم تترك سوى لمساته فقط، حتى لا يشكَّ بأمرها، تحرَّكت للخارج، تسحب روبها ونزلت للأسفل تتعثَّر بخطواتها ودموعها تسقط بلا توقُّف ألمًا وندمًا على ما أصابهما بفعل يدها النكراء.
بغرفة إلياس..
تمدَّد بجوار ميرال الغافية، وشرد بكلمات الضابط:
_بعد الفحص الجنائي الحادثة بفعل فاعل يا إلياس، يعني حد كان قاصد يموِّته.
أطبق على جفنيه بقسوة، يشعر بشيءٍ يلتفُّ حول صدره كقبضةٍ لا تُفلت.
أنفاسه تتلاحق، وقلبه يضرب بعنف..
لحظات…وكانت ستُسرق منه حياةُ ابنه كاملة.
خانته دموعه رغمًا عنه، تسلَّلت حارقة على وجهه، وإحساسٌ قاتل يطوِّقه، كأنَّ قيدًا من نار يلتفُّ حول روحه..
من الذي أراد قتل ابنه؟
وكيف وصل الحقد إلى هذا الحد؟
لكن…
بلحظةٍ واحدة، تسلَّل الشيطان إلى عقله…
صوت ضي:
_ "ابنك لو جه…هقتله، سمعتني؟ هموِّته على اللي عمله فيَّا!"
اتَّسعت عيناه، وارتفع نبضه بجنون، يهزُّ رأسه بعنف، يحاول طرد تلك الكلمات التي تدوي داخله كالمطارق.. لا…لا مستحيل..
ضي؟!
لكن صورة ضي حين تغضب، حين تنكسر…وحين تفقد السيطرة، تتحوَّل لوحشٍ كاسر، فرك جبينه بقوة، ونيرانًا تأكله:
_هي تغضب، وتقول كلام جارح وأفعال غيرة، لكن ما تأذيش، أنا بنتي متأذيش جوزها، وخاصَّةً لو بتموت فيه، معقول حبَّها له ممكن تأذيه، لا لا...مستحيل، مستحيل، ذهب بذاكرته ليوم الحادث..
دلفت إلى المشفى كأنَّها فقدت الحياة.
وجهها شاحب حدَّ الموت، خصلاتها مبعثرة، وأنفاسها متقطِّعة، وعيناها… لا تتوقَّفان عن البكاء.
كانت تبحث بين الوجوه كغريقة تتشبَّث بأي أمل.
_ يوسف!..فين يوسف؟!
قالتها بصوتٍ خرج ممزَّقًا، يحمل رعبًا لا يُحتمل.
نهض بلال سريعًا، متَّجهًا نحوها:
_ حبيبتي، في العمليات…شوية وهيخرج، إن شاء الله، لم تدعه يُكمل.
انهالت عليه ضربًا، كالمجنونة:
_ أنا عايزة أشوفه! دخَّلني له! أنا لازم أشوفه!
حاول الإمساك بها، لكنَّها كانت كالإعصار، تتفلَّت من بين يديه، تصرخ باسمه وكأنَّ روحها تُنتزع منها.
_ يوسف!! أنا عايزة يوسف يا بلال.
انهارت فجأةً بالأرض، وصوتها تحوَّل إلى نحيبٍ مفجع:
_ أنا السبب، أنا اللي قتلته، أنا قتلته!
وصل يزن مسرعًا، يحاول مساعدته في تهدئتها:
_ ضي! حبيبتي، اهدي..يوسف كويس، الدكاترة جوَّا وهيخرجوا يطمِّنونا.
اتَّجهت إلى بلال تدفعه بعنف، بعيونٍ مشتعلة بجنون الألم:
_ إنتَ بتعمل إيه هنا؟! إنتَ مش دكتور! ادخل له! قولُّه…قوله ضي كانت بتقول كلام وخلاص، والله كلام.
اختنق صوتها، وارتفعت شهقاتها:
_ قولُّه ما يقساش عليَّا، خلِّيه يقوم يا بلال.
جذبها بلال إليه، يضمُّ رأسها إلى صدره محاولًا كتم انهيارها، لكنها كانت تذوب بين ذراعيه، تصرخ وتبكي بلا وعي.
أشار سريعًا للممرِّضة، وقال بصوتٍ منخفض:
_ حقنة مهدِّئ بسرعة.
كانت ما تزال تقاوم، جسدها يرتجف بعنف، وصوتها يخفت تدريجيًا وهي تردِّد باسمه:
_ يوسف…أنا هموت، ثم خارت قواها تمامًا.
وسقطت بين ذراعيه، كعاشقةٍ انهارت روحها قبل جسدها.
وبعد أن أفاقت على وقع الخبر، وعلمت أنَّه بالعناية المركَّزة، توقَّفت على باب غرفته، لم تتحرَّك إنشًا واحدًا، عيناها معلَّقتان بجسده، تراقبه بخوفٍ، كأنَّها إن رمشت ستفقده…كأنَّ الموت يتربَّص به، ينتظر لحظة غفلتها.
وفجأةً..انطلقت صفَّارات الأجهزة بحدَّة، تُعلن توقُّف القلب، تجمَّد الدم في عروقها.
اندفع الأطباء إلى الداخل، تتعالى أوامرهم،يحاولون إنعاش قلبه، بينما كانت هي تقف لثانيةٍ واحدة فقط… ثانيةٍ كانت كفيلة بتمزيق روحها..ثم دفعت الباب بقوة، غير عابئةٍ بأي صوتٍ يناديها أو يدٍ حاولت إيقافها، اندفعت نحوه.
دموعها تسبقها، وصوتها يتهشَّم من الألم وهي تنحني فوقه، تدفن وجهها في صدره:
_ما تموِّتنيش…لا ما تموِّتنيش..أنا من غيرك بموت سامعني؟! فوق علشاني فوق…قالتها بكلماتٍ تخرج متقطِّعة، كأنَّها تُسحب من بين أضلاعها انتزاعًا.
حاولت الممرِّضة سحبها، لكنَّّها كانت كالغريق الذي تشبَّث بخشبة النجاة الأخيرة.
التفتت لها بعيونٍ مشتعلة، وصفعتها دون وعي، دون إدراك، دون أي شيء سوى الرعب، بأنه سيُختطف من بين يدها:
_أوعي تلمسيني! محدش له دعوة بيَّا!
ثم عادت إليه، تشعر بعالمها كلِّه انكمش حتى صار في هذا الجسد المسجَّى أمامها..تصرخ به:
_وإنتَ…إنتَ مش من حقَّك تسيبني! فاهم؟! مش بكيفك تمشي! أنا لسه ماخدتش حقِّي منَّك…لسه ما شبعتش منَّك!
انهارت إلى صراخٍ ممزَّق، وراحت تضرب صدره بكفَّيها، كأنها تُعاقبه على خيانته للحياة، أو ترجوه أن يعود.
في الجانب الآخر على نافذة الغرفة انهارت ميرال.
سقطت كجسدٍ فقد روحه، كأمٍّ انطفأ قلبها قبل أن ينطفئ قلب ابنها..لم تحتمل الفكرة..لم تستوعب عالمًا لا يكون هو فيه، غابت عن الوعي، كأنَّها اختارت الهروب إلى ظلامٍ أرحم من واقعٍ ينتزع منها فلذة كبدها.
حملها يزن وأسرع بها إلى الداخل، بينما بقي إلياس واقفًا…لا يتحرَّك.
ينظر من النافذة، الحاجز الوحيد بينه وبين انهياره.
وضع كفَّيه على الزجاج، جبينه يكاد يلامسه، وعيناه معلَّقتان بابنه…بذلك الجسد الذي يصارع الموت.
_يارب خد من عمري وإدِّيه، يارب..
قالها بصوتٍ مكسور، لا يشبهه.
اقتربت فريدة، وربتت على ظهره بحنانٍ مرتجف:
_إن شاء الله ربِّنا هيجبرك فيه، لكنَّه لم يلتفت..
لم يرَ شيئًا، لم يسمع أحدًا.
كان كلُّه عند ذلك القلب الذي توقَّف، وعند تلك الأجهزة التي تصرخ كأنَّها تنعي حياته هو، لا حياة ابنه.
"يارب استودعتك أغلى ما أملك، فلا ترُدُّني فيه خائبًا"
مرَّت اللحظات كالسكاكين..محاولة فشل..
وأخرى خيبة، وثالثة أنفاسٌ محتبسة.
حتى وصل الطبيب إلى محاولته الأخيرة…صمتٌ ثقيل..ثم نبضة..
ضعيفة، متردِّدة، لكنَّها حيَّة.
عاد الصوت إلى الجهاز، وعادت الحياة…لا إليه وحده، بل لكلِّ روحٍ كانت معلَّقة بخيطٍ رفيع بين الرجاء والهلاك.
انفلتت شهقةٌ من صدر إلياس، كأنَّ الهواء عاد إليه بعد غرقٍ طويل. أغمض عينيه، ودمعةٌ خانته، بينما ارتخت يده عن الزجاج.
اقترب أرسلان، وسحبه برفق:
_إلياس اقعد، إنتَ بقالك ساعات واقف هتقع من طولك.
نظر إليه بعينينِ تائهتين، يغشاهما وجعٌ ثقيل، وقال بصوتٍ مبحوح:
_أنا وقعت خلاص…يوسف كسر ضهري.
لم تكن كلماتٍ عابرة، بل اعترافُ رجلٍ تهشَّم من الداخل.
احتواه أرسلان سريعًا، ضمَّه إلى صدره، رغم أنَّ كلاهما يحتاج إلى من يسنده، إلَّا أنه شدَّ عليه بذراعيه، يحاول أن يمنع سقوطه، بينما هو نفسه يتهاوى بصمت.
اقتربت فريدة، وضمَّت ولديها معًا، تحاول أن تجمع شتاتهم داخل حضنها، رغم أنَّ قلبها نفسه يتصدَّع. مسحت على ظهر إلياس، وقالت بصوت يرتجف بين الحزم والحنان:
_مالكم يا ولاد جمال..فين إيمانكم بربِّنا؟ وده إيه غير اختبار من عنده..
رفعت وجه إلياس بكفَّيها، أجبرته أن ينظر إليها، كانت تحاول أن تبثَّ فيه قوةً لا تملكها في تلك اللحظة:
_عايز تبقى مؤمن من غير اختبار يا حضرة الظابط..من إمتى وإنتَ ضعيف كده؟ قوم اصلب نفسك، علشان ابنك لمَّا يقوم يلاقي أبوه جبل، ما فيش حاجة تهزُّه.
كانت كلماتها تخرج كالسياط…تؤلمه، لكنها تحاول أن تُعيد تشكيله من جديد.
_شوفت إيه من الاختبارات علشان تقول راضي؟ ادعي ربِّنا يقوِّيك يا ابن جمال، ادعي لابنك، عمر اللي يلجأ لربِّنا ما يخسر.
ارتجف صدره، وشعر بأنَّ كلماتها تضرب جرحًا مفتوحًا، وقبل أن يردَّ جاء صوت الطبيب قاطعًا كلَّ شيء:
_آسف يا إلياس باشا…المريض دخل في حالة غيبوبة.
لحظة واحدة وكان الجبل قد انهار.
سقط إلياس على المقعد خلفه، كأنَّ ساقيه خانتاه فجأة، وشحُب وجهه، ينظر إلى الطبيب بعينينِ فارغتين إلَّا من ألمٍ لا يُحتمل، لم يعد قادرًا حتى على التماسك.
حتى فريدة…تلك التي كانت تُشدُّ أزر الجميع، خانتها دموعها..انسابت على وجنتيها بصمت، وهي تهزُّ رأسها مردِّدةً بصوتٍ مكسور:
_الحمدلله على كل حال.
تنحنح الطبيب، مشيرًا نحو الغرفة بحرج:
_مدام ضي مش راضية تخرج…وده غلط.
رفعت فريدة عينيها إليه، وفي نظرتها يقينٌ غريب رغم انكسارها:
_سيبها يا ابني معاه، يمكن لمَّا يحس بيها…يحارب ويقوم.
هزَّ الطبيب رأسه باعتراضٍ خافت:
_بس ده ما ينفعش…
قاطعته بنبرةٍ لا تقبل الجدال، وهي تستمدُّ قوتها من إيمانها:
_هينفع يا دكتور…هينفع إن شاء الله. إنتَ بس اهتمّ بالمكان اللي هتقعد فيه معاه.
ساد صمتٌ ثقيل بعد خروج الطبيب… صمتٌ محمَّل بالرجاء والخوف معًا..
عاد إلياس من دوَّامة ذكرياته كمن يُنتزع من غرقٍ عميق، صدره يعلو ويهبط بصعوبة، وكأنَّ الهواء لم يعد يكفيه.
شعر بالاختناق..
تحرّك ببطءٍ نحو شرفة غرفته، فتح الباب، واستقبلته نسمات الليل الباردة، لكنَّها لم تُطفئ النار المشتعلة داخله.
وقف يحدِّق في الفراغ..ونزول الامطار يضرب الأرض.
رفع رأسه للسماء:
_يا رب…
خرجت منه كأنَّها آخر ما يملك.
أغمض عينيه، ومال برأسه إلى الخلف، وصوت داخله يهمس:
_اقوى علشان ابنك، لازم تعرف مين اللي عمل كدا، من إمتى وحد بيجبب حقَّك.
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
وقعت عيناه على خروج ضي من المنزل، متجهة إلى الحديقة .. ظل واقفا يتابعها بصمت.
عند ضي، نزلت الحديقة وجلست فوق العشب تشعر بنيران تكويها، ظلت لدقائق تم استندت برأسها على الجدار، تنظر للسماء الملبدة بالغيوم، وصوت العاصفة الشتوية تقترب، ظلت تنظر للنجوم التي اختفت خلف الغيوم، رجفة أصابتها كحال النجوم في ليل الشتاء، استمعت إلى رنين هاتفها، ولكنها لم تهتم، وكأنها وحيدة...
بالداخل استمع إلى رنين هاتفه، اعتدل بصعوبة يسحبه
يتصل بضي ما يتردش، خليها ترد علي ضروري
معرفش هي فين.
تمتم بها وأغلق دون أن يسمع شيئا آخر دقائق بمكانه، إلى أن نهض بأنفاس مرتفعة ببحث عنها.
تحرك بخطوات واهنة، إلى أن خرج إلى شرفة غرفته تجمد بمكانه وشعر بانسحاب أنفاسه وهو
براها تتكور بجلستها ومياه الأمطار تغرقها، كأنها لم تشعر بشيء.
تحرك للأسفل سريعا رغم آلام جسده، وصل إليها بغضون دقيقتين.
رفعت عينيها الغارقتين بالدموع، تنظر إليه بصمت موجع، ثم همست بشفاه مرتجفة
أوعى تقولي إلي وحشتك.
مد يده إليها، وقال بصوت حنون
قومي... الجو بيشتي، هدومك غرفت.
تعلقت عيناها بكفه الممدودة لحظة، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة، ولكن قبل أن ترد.
قاطعهما صوت خلفهما، بنيرة مبهورة
هذا المطر يبدو رائعا ... علمت ان جو مصر جميل.
استدار یوسف، عقد حاجبيه وهو يقول :
بتعملي ايه بژه یا نارین؟ الجو برد.
هنا نهضت كالملسوعة، كأن شيئا اشتغل بداخلها، واتجهت بنظرات حادة نحو تلك التي اقتربت
من يوسف، وهي تتمايل بخفة متعقدة:
تمنيت أمشي تحت المطر... أنا بعشق الجنون، إيه رأيك حبيبي جو ؟.
تم مالت نحوه اکثر بابتسامة متحدية:
هل تحب الجنون، أم أنك لم تفو لإصابتك ؟
اقتربت في منها، بخطوات ثابتة رغم العاصفة بداخلها، وقالت بحدة باردة:
مين سمح لك تخرجي في الوقت ده ؟
رفعت حاجبها بازدراء
انت فاكرة نفسك في بيت أبوكي ؟ الضيف له احترامه ... ولا متعرفيش حاجة عن
الذوق.. أشارت إلى ملابسها :
نسيتي تلبسي ولا إيه ؟
ضي ايه اللي بتقوليه ده ؟
قالها يوسف بصوت منخفض، لكنه حاد.
التفتت إليه بعينين مشتعلتين يختلط فيهما الغضب بالألم:
ايه يا دكتور مش عايز تتجلن تحت المطر؟
اقتربت منه حتى كادت أنفاسهما تختلط رفعت ذراعيها حول عنقه، بينما قلبها يصرخ بصمت مذبوح.
ابتسمت له ابتسامة موجعة:
تصدق؟ عمري ما فكرت أرقص معاك تحت المطر.....
حاول أن يبتعد، لكنها شدت عليه أكثر عيناها لا تفارقان تلك التي تراقيهما، نظراتها تحمل تحديا واضحا.
دنت أكثر حتى لامست شفتيها شفتيه تهمس بصوت بالكاد يسمع:
البنت دي لو شوفتها قدامي ثاني هموتها.
قالتها ثم قبلته قبلة سريعة، تحمل غضبها ووجعها معا، قبل أن تبتعد وتنظر في عينيه :
أنا طالعة منتألحرش الجو برد وجرحك لسه مخفش.
استدارت إلى تارين بنظرات حادة كالسكاكين :
وإنتي روحي البسي، إحنا هنا مش في مولد أبو العربان، دا تلاقيه عندكم.
ثم عادت بعينيها إليه، بنبرة لاذعة:
خاف من ربنا يا دكتور ... مش لاقي غير اللي رخصوا نفسهم ؟
اقتربت منه تغلق زز قميصه بأنامل ترتجف رغم تماسكها :
الجو برد قولت يعني مش كفاية عيان، لا ومبتسمعش.
تحركت خطوتين، ثم توقفت استدارت ببطء نظرتها تخترق نارين
لسه واقفة، ولا عاملة نفسك مش فاهمة عربي ؟
تم التفتت إليه بابتسامة خفيفة تخفي انهيارها:
الدكتور كان نفسه يلبي طلبك.. بس عنده متعة أحسن من جنان المطر صح يا دكتور؟
رفعت كفيها إلى وجهه، لمسة أخيرة تحمل ألف معنى، وغمرت بطرف عينها، قبل أن تستدير
وتصعد...
دنت منه دارين
من هذه الفتاه ألم تقل ابنة عمك ؟.
استدارت إلى نارين ينظرات حادة كالسكاكين :
وإنتي روحي البسي. إحنا هنا مش في مولد أبو العربان دا تلاقيه عندكم
ثم عادت بعينيها إليه، بنبرة لاذعة:
خاف من ربنا يا دكتور ... مش لاقي غير اللي رخصوا نفسهم؟
اقتربت منه تغلق از قميصه بأنامل ترتجف رغم تماسكها:
الجو برد قولت يعني مش كفاية عنان، لا ومبتسمعش.
تحركت خطوتين، ثم توقفت استدارت ببطء، نظرتها تخترق نارين
لسه واقفة، ولا عاملة نفسك مش فاهمة عربي ؟
ثم التفتت إليه، بابتسامة خفيفة تخفي انهيارها:
الدكتور كان نفسه يلبي طلبك.. بس عنده متعة أحسن من جنان المطر صح يا دكتور؟
رفعت كفيها إلى وجهه، لمسة أخيرة تحمل ألف معنى، وغمزت بطرف عينها، قبل أن تستدير
وتصعد...
دقت منه دارین
من هذه الفتاه، ألم نقل ابنة عفك ؟.
كان يراقب تحرك ضي، فلقد أشعلت نيرانه التي حاول إخمادها لفترة طويلة...
استدار على سؤال دارين
هذه زوحتي، ولم تكن زوجتي فقط، هذه حياة يوسف، أتمنى أن تكوني حذرة بالحديث معها.
لأنها مجنونة بالغيرة.
انتبهت على ذلك ... يبدو أنها متعبة جدا جو، كيف أحببت هذه المجنونة، أعتذر لكلها ...
أوقف حديثها بإشارة من إصبعه:
ألم أقل لكي زوجتي، ولن اتقبل بأي حرف يسيء إليها؟.
اووه، يبدو أنك تعشقها حقا.
أكثر مما تتخيلين، هيا اذهبي إلى مكانك، حتى لا يغضب والدي، فهنا قوانين يجب أن تحترم.
بالا على.. كان يقف بالشرفة يدخن سيجارته ويراقب المشهد منذ أن نزل إلى ضي، ظل واقفا
لينهي حوارهما، واستدار يعود للداخل، ولكنه توقف حين لمحها تقترب منهما.
_كيف أتشبث بكبريائي،
وأنت تنحني للحياة حتى لا تنكسر بي؟
كيف أُحاسبك،وأنت تُعطي دون أن تُحصي؟
فأنا لم أخسر كرامتي كما يبدو،
أنا فقط وضعتها جانبًا قليلًا،
كي لا أخسرك أنت.
وفي النهاية…
لم يكن يهم من المخطئ،
ولا من انكسر أولًا،
كان يهمني فقط، أن تبقى بجانبي
عند ضي، نزلت الحديقة وجلست فوق العشب، تشعر بنيرانٍ تكويها، ظلَّت لدقائق ثم استندت برأسها على الجدار، تنظر للسماء الملبَّدة بالغيوم، وصوت العاصفة الشتوية تقترب، ظلَّت تنظر للنجوم التي اختفت خلف الغيوم، رجفة أصابتها كحال النجوم في ليل الشتاء، استمعت إلى رنين هاتفها، ولكنَّها لم تهتم، وكأنَّها وحيدة..
بالداخل استمع إلى رنين هاتفه، اعتدل بصعوبة يسحبه:
_بتِّصل بضي ما بتردش، خلِّيها ترد عليَّ ضروري.
_معرفش هيَّ فين.
تمتم بها وأغلق دون أن يسمع شيئًا آخر، دقائق بمكانه، إلى أن نهض بأنفاسٍ مرتفعة يبحث عنها، تحرَّك بخطواتٍ واهنة، إلى أن خرج إلى شرفة غرفته، تجمَّد بمكانه وشعر بانسحاب أنفاسه وهو يراها تتكوَّر بجلستها ومياه الأمطار تغرقها، كأنها لم تشعر بشيء.
تحرَّك للأسفل سريعًا رغم آلام جسده، وصل إليها بغضون دقيقتين.
رفعت عينيها الغارقتينِ بالدموع، تنظر إليه بصمتٍ موجع، ثم همست بشفاهٍ مرتجفة:
_أوعى تقولِّي إنِّي وحشتك.
مدَّ يده إليها، وقال بصوتٍ حنون:
_قومي…الجوِّ بيشتي، هدومك غرقت.
تعلَّقت عيناها بكفِّه الممدودة لحظة، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة، ولكن قبل أن ترد، قاطعهما صوتٌ خلفهما، بنبرةٍ مبهورة:
_هذا المطر يبدو رائعًا…علمت أن جوّ مصر جميل.
استدار يوسف، عقد حاجبيه وهو يقول:
_بتعملي إيه برَّه يا نارين؟ الجوِّ برد.
هنا نهضت كالملسوعة، كأنَّ شيئًا اشتعل بداخلها، واتجهت بنظراتٍ حادَّة نحو تلك التي اقتربت من يوسف، وهي تتمايل بخفَّةٍ متعمَّدة:
_تمنَّيت أمشي تحت المطر…أنا بعشق الجنون، إيه رأيك حبيبي جو؟.
ثم مالت نحوه أكثر، بابتسامةٍ متحديَّة:
_هل تحبّ الجنون، أم أنَّك لم تقو لإصابتك؟
اقتربت ضي منها، بخطواتٍ ثابتة رغم العاصفة بداخلها، وقالت بحدَّةٍ باردة:
_مين سمح لكِ تخرجي في الوقت ده؟
رفعت حاجبها بازدراء:
_إنتِ فاكرة نفسك في بيت أبوكي؟ الضيف له احترامه…ولَّا متعرفيش حاجة عن الذوق..أشارت إلى ملابسها:
_نسيتي تلبسي ولَّا إيه؟
_ضي! إيه اللي بتقوليه ده؟
قالها يوسف بصوتٍ منخفض، لكنه حاد.
التفتت إليه بعينين مشتعِلتين، يختلط فيهما الغضب بالألم:
_إيه يا دكتور، مش عايز نتجنِّن تحت المطر؟
اقتربت منه حتى كادت أنفاسهما تختلط، رفعت ذراعيها حول عنقه، بينما قلبها يصرخ بصمتٍ مذبوح.
ابتسمت له ابتسامةً موجعة:
_تصدَّق؟ عمري ما فكَّرت أرقص معاك تحت المطر…
حاول أن يبتعد، لكنها شدَّت عليه أكثر، عيناها لا تفارقانِ تلك التي تراقبهما، نظراتها تحمل تحدِّيًا واضحًا.
دنت أكثر، حتى لامست شفتيها شفتيه، تهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع:
_البنت دي لو شوفتها قدَّامي تاني هموِّتها.
قالتها ثم قبَّلته قبلةً سريعة، تحمل غضبها ووجعها معًا، قبل أن تبتعد وتنظر في عينيه:
_أنا طالعة متتأخَّرش، الجوِّ برد وجرحك لسه مخفِّش.
استدارت إلى نارين، بنظرات حادَّة كالسكاكين:
_وإنتي روحي البسي. إحنا هنا مش في مولد أبو العريان، دا تلاقيه عندكم.
ثم عادت بعينيها إليه، بنبرةٍ لاذعة:
_خاف من ربِّنا يا دكتور…مش لاقي غير اللي رخَّصوا نفسهم؟
اقتربت منه، تغلق زرَّ قميصه بأنامل ترتجف رغم تماسكها:
_الجوِّ برد قولت، يعني مش كفاية عيَّان، لا ومبتسمعش.
تحرَّكت خطوتين، ثم توقَّفت، استدارت ببطء، نظرتها تخترق نارين:
_لسه واقفة، ولَّا عاملة نفسك مش فاهمة عربي؟
ثم التفتت إليه، بابتسامةٍ خفيفة تخفي انهيارها:
_الدكتور كان نفسه يلبِّي طلبك..بس عنده متعة أحسن من جنان المطر، صح يا دكتور؟
رفعت كفَّيها إلى وجهه، لمسة أخيرة تحمل ألف معنى، وغمزت بطرف عينها، قبل أن تستدير وتصعد…
دنت منه دارين:
_من هذه الفتاه، ألم تقل ابنة عمَّك؟.
كان يراقب تحرُّك ضي، فلقد أشعلت نيرانه التي حاول إخمادها لفترةٍ طويلة..
استدار على سؤال دارين:
_هذه زوحتي، ولم تكن زوجتي فقط، هذه حياة يوسف، أتمنَّى أن تكوني حذرة بالحديث معها، لأنَّها مجنونة بالغيرة.
_انتبهت على ذلك...يبدو أنَّها متعبة جدًّا جو، كيف أحببت هذه المجنونة، أعتذر، لكنَّها..
أوقف حديثها بإشارةٍ من إصبعه:
_ألم أقل لكي زوجتي، ولن أتقبَّل بأي حرف يسيء إليها؟.
_أووه، يبدو أنَّك تعشقها حقًّا.
_أكثر ممَّا تتخيَّلين، هيا اذهبي إلى مكانك، حتى لايغضب والدي، فهنا قوانين يجب أن تُحترم.
بالاعلى..كان يقف بالشرفة يدخِّن سيجارته ويراقب المشهد منذ أن نزل إلى ضي، ظلَّ واقفًا لينهي حوارهما، واستدار يعود للداخل، ولكنه توقَّف حين لمحها تقترب منهما.
بالأعلى..كان يقف بالشرفة يدخِّن سيجارته ويراقب المشهد منذ أن نزل إلى ضي، ظلَّ واقفًا لينهي حوارهما، واستدار يعود للداخل، ولكنَّه توقَّف حين لمحها تقترب منهما.
باليوم التالي..
بمنزل يزن..دلف بلال يبحث عنها بعينيه:
_صباح الخير.
توقَّفت رحيل تشير إليه:
_صباح الخير حبيبي، تعال افطر.
دار بعينيه متسائلًا:
_رولا ما صحيتش ولَّا إيه؟.
_صحيت يا أخويا من شوية، مش قولت نتلمّ شوية، لازم سهر كلِّ ليلة، ماتحترم نفسك ولَّا أعند.
قاطعم وصول رولا:
_صباح الخير حبيبي...قالتها وانحنت تقبِّله.
رفع بلال حاجبه:
_هوَّ مين اللي حبيبك، أومال أنا إيه؟.
ضحك يزن بصوتٍ مرتفع، يمسِّد على خصلات ابنته:
_أبوها طبعًا حبيبها الأول
وضعت رأسها على ذراع والدها وابتسمت بمشاكسة:
_هوَّ فيه حد ياخد مكانك يابابا، دا إنتَ الحبِّ كلُّه.
_حبِّك برصة عمية بجناحين.
قهقه يزن وهو يحاوط ابنته:
_ابعد عينك عنَّا يلا، ياله على بيتكم.
نظر إلى رولا وقال:
_امشي يا رولا.
رفعت رأسها لوالدها:
_خلاص بقى يا بابا، بلال برضو حبيبي.
هبَّ من مكانه وتحرَّك إليها:
_وعلشان الكلمتين الحلوين دول، والله لنفطر في بيتنا، وقدَّام أبوكي أهو.
قالها وانحنى يحملها وهي تصرخ بضحكات:
_بلال نزِّلني...قالتها بصراخ، رفع يزن فنجان قهوته وقال بنبرةٍ باردة:
_والله لو خرجت بيها من البيت لأقعدها في بيت أبوها كمان سنة، وقادر وأعملها.
تجمَّد بوقوفه، ينظر إليها بذهول:
_شوفتي أبوكي بيقول إيه؟!.
أنزلها بهدوء ونظر إلى يزن الذي طالعه باستفزاز:
_تعال يا محترم كمِّل فطارك، قال تفطروا في بيتكم.
جزَّ على شفتيه وقال:
_شكرًا...بالهنا يا أخويا.
قالها وخرج متَّجهًا إلى الخارج.
بمنزل إلياس قبل قليل..
فتحت ميرال عيناها وجدته يقف أمام المرآة يرتِّب ثيابه، التفت إليها:
_صباح الخير يا ميرو، اعتدلت تجمع خصلاتها:
_صباح الخير حبيبي، إنتَ خارج؟.
أغلق راطة عنقه، ثم استدار إليها:
_مسافر كام يوم، عايزك تاخدي بالك من يوسف لمَّا أرجع، ومتخلهوش يعمل حاجة مع ضي.
نهضت من فوق الفراش وتحرَّكت إليه:
_إيه اللي حصل، هو َّ ممكن يطلَّقها تاني؟.
_معرفش، بس حاولي لحدِّ ما أرجع، مفيش وقت أنتظره، زمانه نايم.
_إنتَ مسافر فين؟.
_شغل يا ميرال، من إمتى بتسألي.. تراجعت دون حديث، اقترب وجلس بجوارها:
_حبيبتي عندي شغل مهمّ، كام شركة عايز أتعاقد معاهم علشان أطقَّم أمن جديدة.
_مش كفاية شغل وترتاح بقى يا إلياس، هتفضل لحدِّ إمتى تشتغل، إحنا مش محتاجين.
_وأنا بشتغل علشان إحنا محتاجين، معرفش أقعد من غير شغل، أنا غيرك.
دفنت رأسها بصدره وتمتمت:
_ربِّنا يقوِّيك حبيبي يارب.
مسَّد على خصلاتها وقال:
_دا اللي عايزه، تدعيلي.
توقَّف وقال:
_خلِّي بالك من ضيفة يوسف، إحنا منعرفهاش، أكيد فاهمة قصدي؟.
_حاضر..متقلقش، أنا مش مرتحالها أصلًا.
بعد قليل..
تجمَّع الجميع على طاولة الإفطار بوجود أرسلان وغرام وبلال..اتَّجهت غرام بنظرها إلى ميرال:
_عايزة اتكلِّم معاكي بعد الفطار.
أومأت ميرال دون حديث، بينما نظر أرسلان إلى يوسف:
_جرحك عامل إيه النهاردة حبيبي؟.
_كويس الحمدلله، فيه تحسُّن، التفت إلى بلال:
_بعد الفطار، عايز أعمل كام تمرين على رجلي وضهري.
قاطعهم دخول الخادمة باصطحاب دارين:
_مرحبًا.
رفعت ضي عيناها تقيِّمها، ثم التفتت إلى يوسف تنظر إليه بصمت.
جلست دارين:
_يبدو أنَّ الطعام جيِّد، رائحته جيِّدة.
أشارت ميرال إلى الخادمة:
_حطِّي فطار للضيفة، نهض يوسف يشير إلى بلال:
_هستنَّاك في العيادة، ثم التفت إلى دارين:
_خدي راحتك، اعتبري البيت بيتك. أومأت مبتسمة،
_الى أين ذاهب...لم يرد عليها وتحرك للخارج،نهضت ميرال خلفه:
_يوسف.
توقَّف مستديرًا لوالدته:
_البنت دي جاية ليه، ومن إمتى بتكلِّم بنات؟ وسايبها مع ضي.
_ماما أنا مجبتش حد، ومنفعش نطردها، اتعاملي معاها لحدِّ ما تمشي وخلاص.
على طاولة الطعام..
نهض أرسلان على رنين هاتفه، بينما عادت ميرال ترسم ابتسامة:
_نوَّرتينا حبيبتي.
_أشكرك.
نظرت إلى ضي:
_أعتذر عمَّا صار بالأمس، جو لم يخبرني بكِ في بداية الأمر.
طالعتها برفعة حاجبها، ولم تنطق، التفتت دارين إلى ميرال:
_لم أعلم أنها زوجته.
_إنتي تعرفي يوسف منين حبيبتي؟.
تساءلت بها غرام.
ارتشفت من مشروبها ونظراتها على ضي:
_نحن نعمل بمنزلٍ واحدٍ معًا.
تأفَّفت ضي من حديثها السام:
_أنا جوزي مستحيل يقعد مع واحدة متبرِّجة غير محترمة في بيت واحد.
ضي...اهدي.
_البنت دي تمشي من بيتي فورًا، وجودها غير مقبول بالنسبالي.
أشارت إلى ثيابها التي تتكوَّن من بنطلون يصل إلى ركبتيها، وكنزة قصيرة تصل إلى السرَّة:
_إيه الأشكال المقرفة دي؟.
تمتمت بها بغضبٍ حارق ونهضت من مكانها والغضب يشتعل في كلِّ دواخلها.
_متزعليش منها حبيبتي، هيَّ أعصابها تعبانة من يوم حادثة يوسف.
_لا تقلقي، لا أهتم بحديثها.
نهض بلال بهدوء وتحرَّك خلف أخته.
صعد سريعًا خلفها، وأمسك ذراعها:
_ضي...اتجنِّنتي إيه اللي عملتيه دا؟!.
انهارت بأحضان أخيها تبكي:
_أنا تعبانة أوي يا بلال، حاسة مش قادرة أتنفس، كان ناقصي الحرباية دي، تعبانة..
قالتها ببكاءٍ هستيري، مسَّد على ظهرها بحنانٍ أخوي:
_خلاص اهدي حبيبتي، ولا تحطِّيها في بالك.
ابتعدت عنه:
_عايزة أفضل لوحدي..قالتها وصعدت وهو يراقب صعودها، ثم تحرَّك للخارج، قابله آسر:
_بلال...تعال عايزك في موضوع.
التفت وجد دارين متَّجهة إلى جلوس والده ويوسف، تنهّّد ثم تحرَّك إلى آسر.
عند آرسلان..
قولت لي جنسيتك إيه؟.
_أنا سورية.
_سورية..بتوع التبولة.
ضحك يوسف على كلمات أرسلان، فرمقه الآخر:
_بتضحك على إيه يا دوك، التفت إليها يطالعها بتقييم:
_يوسف دكتور قلب، وإنتي نسا وتوليد
اتعرَّفتوا على بعض إزاي، أكيد قلبك ما وقفش، ولا هوَّ عايز.
_عمُّو..إيه اللي بتقوله دا؟.
_اسكت إنتَ، أنا بعاكس القمر، قولي لي يا جنَّة ونار، منين من سوريا؟
صمتت تهزُّ كتفها:
_حلب...
_أممم...حلويين برضو، ما جاوبتيش على سؤالي؟.
_لم أفهم..أنا وجو نعمل سويًّا
_جو...قولت لي، بدلَّعك يا حنيِّن.
قاطعهم وصول مالك الذي أومأ برأسه..
فنهض أرسلان وما زالت نظراته تخترقها:
_نوَّرتي مصر يا نارين، مكنش له لازمة نارين، كفاية نار واحدة.
ضحكت على مشاكسة أرسلان:
_يبدو أن عمَّك لذيذ.
_عمِّي مين..أرسلان؟
_نعم..هل يوجد عندك آخر؟.
_مش فاكر؟!
_تمزح معي؟
_لماذا أتيتي دارين، ومن أين أتيتي بعنواني؟.
_علمت أنَّك بالمشفى، جئت اطمئنُّ عليك.
_من أين أتيتي بعنواني؟.لا أحد يعلم.
ارتبكت قليلًا، قطع حديثهم وصول آسر وبلال:
_مرحبًا تالين.
_لست تالين، دارين أو نارين.
_يا ستِّي ما دقيش، كلَّها قافية..
وبعدين ليه الإسمين، إنتي شغَّالة في الإنتربول؟
رمقه يوسف بالصمت..
_نوَّرتينا دارين، لا تنزعجي من ضي
هي لم تقصد إهانتك.
_أنا لم انزعج، لأنني علمت شخصيتها.
_شخصيتها..تمتم بها بلال باستنكار، ثم استند على الطاولة، وهو ينظر إلى يوسف:
_هيَّ فهمت كلام دارين غلط، يعني بتقولها أنُّكم قاعدين في شقَّة واحدة، طبعًا دارين معرفتش تعبَّر كويس، غلطت في التعبير، بدل ما تقول مستشفى، قالت منزل.
اعتدل يوسف بجلسته:
_مش فاهم؟.
قصَّ له بلال ما حدث على طاولة الطعام.
التفت اليها:
_منزل إيه؟.
_لم أقصد هذا، انزعجت من حزنها، لم أكن أقصد.
توقَّف يوسف يشير للخادمة التي وصلت إليه سريعًا:
_خليكي مع دكتورة دارين، ثم قال:
_السواق هيكون معاكي، المكان اللي عايزة تزوريه في مصر.
_ألم تأتي معي؟.
_لا...لم أستطع، غير ذلك أنَّنا لم نخرج سويًا قبل ذلك، فهل سنخرج سويًا ببلدي وأمام زوجتي، لا أريد أن أزعجك، ولكن إذا تطوَّر الأمر، فهنا الكثير من الفنادق، أعلم أنك أتيتي بزيارة إلى مصر وليس لي، ورغم ذلك استقبلتك بمنزلي، لكن ليس على راحة زوجتي، هل فهمتي دارين؟.
نهضت من مكانها:
_أعتذر يوسف، لم أقصد إزعاج أحد، إنَّني سأرحل اليوم، لا تنزعج.
_كما تريدين.
قالها وتحرَّك متَّجهًا إلى منزل يزن.
مضى عدَّة أيام والوضع هادئ إلى حدٍّ ما، كانت تتجنَّب الجلوس معه، وهو كذلك كان يهرب حتى لا يضعف أمامها، حمد ربِّه كثيرًا أنها تهرب كما يهرب.
ذات مساء كانت جالسة بالحديقة، اقتربت منها دارين:
_هل أستطيع الجلوس؟.
أشارت إليها، بعدما وجدتها ترتدي بنطال طويل، وفوقه جاكيت ثقيل إيضًا.
_أعتذر منك، لم أرد إزعاجك، يوسف شخص عزيز.
كانت تستمع إليها بصمت، مدَّت يدها:
_هل قبلتي اعتذاري؟.
أومأت ضي دون تحيَّتها، سحبت يدها وقالت:
_أين يوسف؟.أشارت إلى كوبٍ بيدها:
_أعددت مشروبه، تعلمته منه
نظرت للكوب بيدها ثم قالت:
_مشروب إيه دا؟.
ابتسمت بخبث:
_أعتذر منك، هذا له...لو أعجبك أفعله لك.
وضعت الكوب وأخرجت هاتفها، أعتذر هذه مكالمة خاصَّة.
قالتها وانسحبت، نظرت ضي للكوب الحراري الذي أمامها، ثم مدَّت يدها
وفتحته وكادت ان تلقيه أرضًا، ولكن تراجعت ورفعته تتذوَّق بعضه لتعلم بما يحتويه.
أعجبها طعمه كثيرًا خليط من حبيبات القهوة واللبن، ارتشفت منه البعض.. تتذكَّر ميل يوسف إلى أنواع هذه القهوة.
عند دارين..
_نعم موسى أجننت؟!.
_عملتي إيه؟
_أعددتها وكنت ذاهبة إليه، ولكنَّك أوقفتني.
_بعدما يتناولها تخرجين أسمعتي؟..لا تبقين في هذا المنزل، ولكن أخبريهم الآن قبل تناوله القهوة..مفعولها لم يظهر سوى بعد عشر ساعات، وضعي الكمية المطلوبة
أغلقت الهاتف وشردت بكلماته، للحظة توقَّفت لا تريد أن تعطيها إليه، ودَّت لو أذاقتها لتلك المتخلِّفة كما ادَّعت، التفتت متجهةً إلى ضي، توقَّفت وهي تراها ترتشف من الكوب، تبسَّمت بخبث تهمس لنفسها:
_أردتك تتناوليها، ليتني زدت المفعول، إنَّني غبية حقًّا، خشيت على آلام زوجكِ، لو علمت أنك التي ستتناوليه لكنت سكبت الدواء كاملًا.
وصلت إلى ضي..
_أعجبكي؟.
_لا...شربته استخسار في الأرض.
توقَّفت تربت على كتفها بقوة:
_لمَّا جوزي يحبِّ يشرب حاجة أنا اللي هعملها ريَّحي نفسك.. اخرك تقعدي تاكلي وتقولي شكرا
قالتها وصعدت دون حديث، بينما الأخرى تراقبها تتمتم:
_كيف لي أنتظر عشر ساعات لأراكي تموتين أمام عينيَّ أيتها المتخلِّفة.
مساءً..
كان جالسًا بشرفة غرفته، ينظر بشرود، يتذكَّر أيام حياته، منذ أن أدرك مفهومها، استمع إلى طرقاتٍ خفيفة، ثم دخول والده:
_عامل إيه؟.
رفع نظره لوالده، وابتسم ساخرًا:
_حمد الله على السلامة يا باشا.
جلس بمقابلته:
_عامل إيه رد على سؤال أبوك.
انحنى بجسده ينظر لمقلة والده:
_برافو إلياس باشا، بس وانتَ فرحان بإنجازك، تأكَّد إنك بتكسرنا إحنا الاتنين، كان الأولى تقولِّي إنتَ عايز إيه، لكن دايمًا اللي حضرتك عايزه هوَّ اللي لازم يمشي.
نظر لابنه بصمت، ثم قال:
_قصدك إيه؟.
عاد بجسده ينظر للخارج:
_على قرارتك اللي بتخنقني، رغم إنك عارف مش موافق، أصرِّيت وحطِّتني تحت الأمر الواقع، لحدِّ إمتى هتعاملني على إني طفل، إمتى هاخد قرارت حياتي بنفسي، قولت لك مش عايز أكمِّل، وقولت لأبوها، لكن أنتوا مصرِّين تدفنوني بالحيا، ودا ليه.. علشان قرارك لازم هوّّ اللي يمشي.
توقَّف إلياس فجأةً واتجه إلى باب الغرفة:
_كرة هبعت أجيب المأذون، التفت إليه برأسه:
_يبقى طلَّقها يابن إلياس، ما دام مقهور أوي كدا، بس قبل ما تمضي على ورقة طلاقها للمرّّة التانية، يبقى اعرف إن ليك أب مستعد يفديك بروحه، مش علشان قراره بس اللي يمشي..توقّّف ثم استدار بكامل جسده:
_وأنا لو مكانها، والله ما أفكَّر فيك، مبحبِّش الراجل الضعيف اللي بيهرب، الراجل الصح بيواجه ويدوس على وجعه يا بن إلياس، بس الغلط مش عندك، الغلط عند أبوك اللي فكَّرك راجل.
ضحك يوسف بسخرية حتى أدمعت عيناه:
_ابنك مش راجل، نصيبك بقى يا إلياس باشا، الأول قولت عليَّ غدَّار وخاين، إزاي تغدر ببنت عمَّك، ودلوقتي بقيت مش راجل.
وصل إليه إلياس بخطوة واحدة واحتوى وجهه بين راحتيه يضغط عليه بقوة آلمت كليهما:
_متقولش على نفسك كدا يا متخلِّف، إنتَ راجل وسيد الرجالة كمان، أوعى تقلِّل من نفسك أبدًا..أبدًا سمعتني؟.
قالها إلياس وهو يسحبه لأحضانه بقوة، لينهار يوسف بين ذراع والده، يكتم دموعه:
_بابا أنا تعبان، مش عايز أقعد هنا، علشان خاطري لو ليَّا خاطر عندك مشِّيني من هنا أنا بموت هنا.
أغمض إلياس عيناه بألمٍ وهو يضمُّه بقوة كأنه سيُسحب من بين ذراعيه، ثم أبعده قليلًا:
_من إمتى وإنتَ ضعيف كدا يا يوسف، عايزك تدوس على وجعك وتعيش.
نظر إليه بتدقيق:
_لو مش عايز ضي خلاص، هتكلِّم معاها، المهمّ تبقى مرتاح
ابتعد عن والده يحاول أن يزيل ضعفه:
_أنا عايز أرجع البلد اللي كنت فيها، عرفت إنك موقّّف الباسبور ليه، عملت كدا ليه؟.
نهض إلياس ونظر إليه:
_لمَّا تخفّ يبقى نتكلِّم.
_أنا بقيت كويس.
_لمَّا تخفّ يا بن إلياس...قالها وغادر المكان.
بعد عدَّة ساعات..
دلف للداخل يبحث عنها، لم يجدها. اتَّجه ببطء نحو غرفة الملابس، كلُّ خطوة كانت تُثقلها الآلام بسبب مجهوده الزائد
فتح الباب بهدوء..وهنا تجمَّد وهو يراها..
تقف أمام المرآة، منشغلة بما تفعله، ولم تكن تراه، انزلقت عيناه عليها دون إذن، يتأمَّلها بصمتٍ ثقيل…
ترتدي منامة سوداء تنساب على جسدها بنعومةٍ خادعة، تُظهر وتُخفي، تُثير وتستفز…كأنها خُلقت خصِّيصًا لتعذِّبه.
قطع أفكاره صوتها، وهي تحدِّث نفسها:
_لا دي مكشوفة…هيفكَّر بغريه.
ابتسم رغم ألمه…ابتسامة خافتة، متعبة لكنها حقيقية.
تابعها وهي تبحث بين ملابسها، حتى توقَّفت عند بيجاما زرقاء، رفعتها أمامها برضا:
_دي أحلى رغم إني مبحبِّش البيجامات.
ثم…حدث ما لم يكن مستعدًّا له.
ببساطة، وبلا أي تردُّد نزعت تلك المنامة، لتصبح عارية
تجمَّد قلبه قبل جسده.
ثانية واحدة فقط، كانت كفيلة بأن تُشعل كلَّ شيءٍ داخله.
ابتعد فورًا، كأنَّ نارًا لامسته، أدار وجهه سريعًا، يتنفَّس بصعوبة، يحاول النجاة من نفسه، لا منها.
أغمض عينيه بقوة، لكن صورتها لم ترحل.
ظلَّت معلَّقة بالذاكرة.
عاد للخلف، ينسحب بخطواتٍ ثقيلة نحو الفراش، وجلس عليه وهو يلهث، يمرِّر يده على وجهه بعصبية، يحاول محوها من ذاكرته…ويفشل.
همس لنفسه، بصوتٍ متحشرج:
_هيَّ بتجنِّني…ولَّا أنا اللي خلاص فقدت عقلي؟
ماذا يفعل بين جنونها، واشتياقه، كلُّ شيءٍ بدأ ينكسر داخله.
خرجت وهي ترفع خصلاتها إلى أعلى في حركةٍ حاولت أن تبدو عادية، لكنها كانت تخفي ارتباكها، توقَّفت لحظة عند عتبة الغرفة، ونظرت إليه…كان جالسًا على الفراش، غارقًا في شروده، لم يشعر بوجودها.
انزلقت عيناها دون قصد إلى صدره العاري، فارتجف شيءٌ خفيّ داخلها، لكنها استدارت سريعًا، تهرب من ضعفٍ يوشك ضعفها.اتجهت إلى الأريكة، فردتها ببطء، ثم تمدَّدت فوقها، توليه ظهرها.
بعد لحظات، شعر بها..التفت نحوها، يتأمَّل انكماشها فوق الأريكة، ثم أغمض عينيه بقوة، من صورتها التي لم تغادره…كانت تحاصره، تتسلَّل إلى أنفاسه، تسيطر على عقله.
قبض يده بقوة، حتى ابيضَّت مفاصله. يحدِّث نفسه: لابد أن ترحل…لابد أن تبتعد…
كان يردِّدها كأنه يحاول إقناع نفسه بشيءٍ لا يريده.
نهض فجأة، أنفاسه متلاحقة، واتجه إلى غرفة الملابس..توقَّف عند الباب لحظة، وهو يتخيَّل طيفها أمام الخزانة…كلُّ تفصيلة فيها كانت كفيلة بأن تهدم ما تبقَّى من صموده.
تحرَّك دون وعي، فتح الخزانة ببطء، فوقع نظره على منامتها..مدَّ يده، سحبها بحذر، مرَّر أصابعه عليها، ينظر إليها ويتخيلها بها…وقلبه يصرخ بصمت.
كيف لشيءٍ يلامس جسدها…غيره؟
رفعها إلى أنفه، استنشق عبيرها بعمق، فأغمض عينيه، وكأن تلك الرائحة وحدها قادرة على تهدئة العاصفة داخله…أو ربَّما إشعالها أكثر.
بحث بعينيه بين أغراضها…لم يجد شيئًا قديماً، شيئًا يعود لهما معًا.
تسلَّل الحزن إلى قلبه دون استئذان، فأغلق الخزانة ببطء، وتراجع، يسحب كنزته بعشوائية، يحاول الهروب من المكان، أو منها، أو من نفسه.
عاد إلى الغرفة، وتوقَّف أمام الأريكة.
شعرت بوجوده، بثقل أنفاسه، بصمته أيضًا.
استدارت ببطء، نظرت إليه بعينينِ مرهقتين، تخفيان أكثر ممَّا تُظهران، وقالت بنبرةٍ باهتة، لكنها تحمل ما يكفي من التعب والوجع:
_نعم…لو عايز تضايقني، مش وقته، أنا تعبانة وعايزة أنام.
تحرَّك دون أن ينطق، كأنَّ الكلمات خانته.
تنهَّدت وهي تفرك جبينها بإرهاق، ثم رفعت عينيها تراقب جلوسه…ذلك الجمود الذي يكسوه كان يؤلمها أكثر من أي صراخ.
نهضت ببطء، وتحرَّكت نحوه.
انحنت تجذب كنزته، تحاول أن تساعده في ارتدائها، لا تعلم أتريد مساعدته فقط أم قربه وملامسته، في لحظةٍ واحدة، جذبها إليه.
شهقت، وارتجف جسدها بين ذراعيه:
_يوسف…وسَّع.
اقترب أكثر، وقال بصوتٍ منخفض لكنه مشحون بما يكفي ليزلزلها:
_ليه يا مراتي، هوَّ إنتي مش مراتي؟
تمتم بها بارتجاف قلبه، وكأنه يتذوَّق كلمة دفنها منذ زمن.
رفعت عيناها فارتبكت، وتعثَّرت الكلمات على شفتيها لتهمس بضعفٍ من هذا القرب:
_أيوة مراتك…بس..
وضع إصبعه على شفتيها، يسكتها، وعيناه تغوصان فيها بحدَّة:
_مفيهاش بس.
صرخ قلبها داخل صدرها، نبضه يتسارع بجنون من قربه، من لمسته، من تلك النظرة التي تحفظها
وفي لحظة ضعف منهما، سحبها إليه أكثر.
أغمضت عيناها تحاول أن تسيطر على تلك الرجفة، ورغم ذلك وضعت كفَّيها على صدره تتلمَّس جرحه، تكوّّرت الدموع بعينيها، وهي تتخيَّل أنها كادت أن تفقده.
كان يراقب كل حركةٍ بها، وصل لمرحلة اللاعودة، ورغم محاولتها بإبعاده عنها إلَّا أنه أرادها بشدَّة، سنة ونصف يكتوي بنيران البعد والاشتياق.
لمستها لجرحه كانت آخر ما تبقَّى من صموده، ليقرِّبها أكثر، وهي كانت أكثر المرحِّبين...دفنت رأسها بصدره، وتمنَّت أن يتوقَّف الزمن بهما هنا، هنا فقط، أغمض عيناه يستمتع بأنفاسها الناعمة على صدره.
ولكنَّه أفاق من سكرة ضعفه حين
همست، بالكاد وصل إليه:
_يوسف الكلام اللي قولته قبل كدا مش حقيقي؟ أنا متأكدة إنك بضَّايقني وبس.
رفعت رأسها تغوص في عينيه:
_بضَّايقني صح، إنتَ مستحيل تفكَّر تكسرني كدا...أنا مش قدِّ كسرك ليَّا.
عادته لأرض الواقع، وليتها لم تفعلها..
رمقها ببرودٍ مستفز:
_كلام إيه؟
تلعثمت، وصمتت لحظة، ثم أنزلت عينيها إلى الأرض، تبتلع ريقها بصعوبة:
_إنك اتجوزت…
رفعت عينيها إليه مرةً أخرى، وقد تجمَّعت الدموع فيها، تلمع بوجعٍ صادق:
_بتقول كده علشان تحرق قلبي؟
تعمَّق نظره داخل عينيها:
_ ليه مكمَّلتيش جوازك؟ مش كنتي عايزة تتجوزي…وتجيبي يوسف علشان يفكَّرك بأسوأ أيام حياتك؟
ارتخى جسدها بين ذراعيه، كأنَّ قوتها خذلتها فجأة:
_إنتَ عارف إني بحبَّك ومستحيل أعملها، أنا كنت بقول كلام وخلاص.
كرَّرها ببطء، بنبرةٍ تحمل مرارة قاتلة:
_كلام وخلاص..
ابتسم بسخرية موجوعة، وعيناه تفضحان عشقه إليها:
تعرفي الكلام والخلاص ده…موِّتني.
اهتزَّ صوته رغم محاولته التماسك، و كلماتها القديمة ما زالت تنهش داخله حتى الآن.
رفعت أناملها المرتجفة، ولمست وجهه بحذر:
_قلبي كان محروق منَّك، وكنت عايزة أحرق قلبك وبس.
ضحك بمرارة، أقرب للانكسار:
_تحرقي قلبي؟
همست باسمه، برجاءٍ مكسور:
_يوسف…
أشار إليها بالصمت، ثم قال، بصوتٍ خافت…لكنه كان كفيلًا بأن يحطِّمها:
_يوسف مات في الحادثة، إنتي قتلتيه. اللي قدَّامك ده، بقايا إنسان، مش فارق له الحياة، وبإيدك برضو.
تجمَّدت مكانها، وكأنَّ الكلمات صفعتها:
مكنتش أقصد….
أبعد ذراعيه عنها فجأة، والتفت الى السرير
ألقى بنفسه عليه، يستدير بعيدًا، هاربًا منها…
ظلَّت تنظر إليه، قلبها يرتجف بين ضلوعها.
ثم تمتمت، بصوتٍ مهزوز:
_ما رديتش على سؤالي…إنتَ فعلًا اتجوزت؟
صمت للحظة…لحظة بدت كأنها عمر.
ثم خرج صوته باردًا، قاطعًا، بلا أي شعور:
_ما يخصِّكيش…عايز أنام.
سقطت كلماته عليها كحكمٍ نهائي.
_لا يخصُّني، أنا مراتك، من حقِّي أعرف.
اعتدل يصيح فيها بغضب:
_إنتي ما لكيش حق عندي، سمعتيني.
ارتفعت أنفاسه، واشتعل صدره من قوة مشاعره واحتياجه إليها، ليصرخ بكلماتٍ مزَّقت قلبها إلى أشلاء حين قال:
_ولو سايبك معايا في الأوضة، فدا علشان أنا عايز كدا.
رفع كفِّه بعدما فقد آخر ذرَّة صمود، وحرَّكه على جسدها بجرأة:
_زي ماقولت لك أنا راجل ومحتاج لست.
انزلقت دموعها بلا توقُّف، تنظر ليده التي تستبيح جسدها:
_قصدك متعة، عايزني متعة يا يوسف.
رغم انهياره الداخلي من حالتها:
_اه.. أومال أنإ وافقت انك تبقي معايا،وانتي لجاية ورايا ليه، عايزة منِّي إيه بعد اللي قولته، حطِّتيني قدام الأمر الواقع ليه وإنتي عارفة أنا رافضك.
لمس وجنتيها وهمس بصوته الأجش:
_مش علشان تقرَّبي مني، وحشتك صح؟.
قالها وهو يمرِّر أنفه على وجهها، متغاضيًا دموعها التي أغرقت وجنتيها.
أغمضت عيناها وأنفاسه الحارَّة تضرب عنقها، سحبت نفسها من بين ذراعيه بصعوبة، وابتعدت تجرُّ أذيال خيبتها:
_رايحة فين؟.
اتجهت إلى غرفة نومهما بخطواتٍ متثاقلة، وكأنَّ كل خطوة تنتزع جزءًا من روحها..وقفت أمام المرآة طويلًا، تتأمَّل انعكاسها بعيونٍ دامعة، ثم بدأت تنتقي أجمل ما لديها، وكأنها تتهيأ لمعركةٍ لا لقاء، أضافت لمساتها بعناية، حتى بدت كأيقونة أنوثة صارخة…لكن عينيها فضحتا كلَّ شيء.
توقَّفت فجأة، تمسح دموعها بعصبية، وكأنها تغضب من ضعفها، من قلبها الذي لم يتعلَّم القسوة بعد، رفعت أحمر الشفاه القاتم، ومرَّرته بثباتٍ زائف، وكأنها تكتب نهاية مأسوية، بينما دموعها تأبى أن تتوقَّف… تدعو الله بصمت أن يرفض ما تنوي فعله، أن ينقذها من نفسها، لأنها تشعر أن روحها تُنتزع منها ببطء.
سحبت نفسًا عميقًا، أخرجته بصعوبة، ثم استدارت وغادرت متجهة
في الخارج…كان يقف في الشرفة، عاري الصدر، يواجه برودة الليل بسيجارٍ مشتعلٍ بين أنامله، وكأنه يعاند شيئًا داخله.
اقتربت خطوة تلو الأخرى، حتى توقَّفت خلفه مباشرة.
_ يوسف…
أغمض عينيه بقوة..مجرَّد سماع صوتها كان كفيلًا بأن يقيِّد كل ما حاول بنائه من صمود، حين لمست ظهره، ارتجف جسده…استدار إليها، وليتَه لم يفعل.
تجمَّد للحظة، عيناه تلتهمان تفاصيلها بذهولٍ صادم…من عينيها المرهقتين خلف الزينة، إلى شفتيها الملطَّختين بالأحمر كصرخة، إلى عنقها الذي يحمل اسمه، وصولًا إلى ذلك القميص الذي كشف أكثر ممَّا أخفى…لم تكن مجرَّد امرأة أمامه، بل كانت كلَّ ضعفه مجسَّدًا.
تسارعت أنفاسه، وارتفع صدره بعنف، بينما قلبه يطرق أضلعه، ارتجفت شفتيها، خوفًا… ممَّا قد يحدث من تلك النظرة التي تعرفها جيدًا، والتي لا تأتي إلَّا حين يفقد السيطرة.
مدَّ يده ببطء، ولمس وجنتها، فأغمضت عينيها، وفي تلك اللحظة لم يعد هناك صوتٌ للعقل.
ضجَّ القلب، وارتفع نبضه حد الاختناق، كأنَّه يصرخ بما كُتم طويلًا وبانهيارٍ صامت، سقط آخر حاجزٍ بينهما، لتتحول ليلتهم،الى مشاعر انفجرت دون ااسيطرة، فلم تكن عادية…كانت ثورة مشاعر انفلتت من عقالها، اشتعلت بلا إذن، وفضحت كلَّ ما دُفن خلف البرود والتجاهل..تقاربا كأنهما للاول مرة يتقابلان
اشتعلت الصدور بما تخفي، ثم فجأةً عاد الصمت أشدُّ قسوة.
هدأت الأنفاس، لكن القلوب ظلَّت في حالة غليان…لم يقوَ على التراجع، ولم تقوَ هي الأخرى.
مرَّت الدقائق كأنها ومضة، رغم طولها.
بعد فترة شعر بألمٍ يقبض على قلبه، شعور مرير بالضعف عن الابتعاد.. لايريد أن يبتعد
كيف انكسر هكذا، كيف خذله صموده أمامها؟
غرق بعينيها للحظةٍ أخيرة، يقسم داخله أنه يذوب فيهما، وأنه لولا ما يحمله بداخله، لكان غرق بها أكثر، بلا ندم.
لكنه انسحب فجأة، تراجع بعنف، كأنمَّا يجلد نفسه.
أنفاسه تعلو وتهبط كطبول حرب، قبضته تنغلق بقسوة، وعيناه تشتعلانِ بصراعٍ لا يُحتمل
كان يحترق من نفسه، منها، ومن كل ما حدث.
أمَّا هي فوقفت تراقبه.
تراقب تردُّده، قسوته على نفسه، ذلك الصراع الذي ينهشه، وكأنه يعاقب ذاته ألف مرَّة لأنه لم يستطع أن يبتعد.
لم تتردَّد للحظة، تنحَّى كلَّ شيء،
اعتدلت ببطء، تسحب الغطاء حول جسدها، وبداخلها تخشى تحوُّله وقسوته الذي يحاول أن يرسمها، أغمضت عينيها لحظة، تتمتم بدعاءٍ خافت، لعلَّ ما حدث يرجعه إليها دون ألمٍ لها.
_ يوسف…
همست باسمه الذي خرج منها بتردُّد، يحمل رجاءً..
أغمض عينيه هو الآخر، وكأنَّ صوتها صار عبئًا لا يحتمله…نبرتها الشجية كانت تحرق ما تبقَّى من صموده.
تردَّدت يدها قليلًا، قبل أن تمتدَّ نحوه، لا تريد أن يبتعد، ليس بعد أن شعرت به بهذا العشق وهي بين ذراعيه.
ألقت ما تبقَّى من كبريائها جانبًا، وأسندت ذقنها على كتفه، هامسةً بصوتٍ مرتجف:
_ رغم اللي قولته…بس كنت واحشني أوي.
أدارت وجهه برفق، تغرق في عينيه البنيتين، كأنها تبحث عن عشقه إليها الذي كانت تشعر به منذ قليل..
_ يوسف…أنا مش عارفة أعيش من غيرك، قلبي بيوجعني ومتأكدة إنك بتحس زيي.
للحظة…فقط لحظة، بدا وكأنه سيلين..
لكن أصابعه ارتفعت، ووضعت على شفتيها تُسكتها
تبدَّل وجهه، و عاد ذلك البرود الذي كان يرسمه خلال الأبام الماضية.
وأشار بجمود نحو الأريكة البعيدة:
_ ارجعي مكانك…مهمِّتك خلصت الليلة.
شهقة خرجت منها دون إرادة، كأنَّ سكِّينًا باردًا انغرس في صدرها. اتَّسعت عيناها بصدمةٍ موجعة، تنزف دون دم…لكنه لم ينظر.
نهض، يلتقط ملابسه ببرودٍ قاتل، وكأنَّ ما حدث لم يكن إلَّا لحظة عابرة
_ طبيعي في الوقت ده نقول كلام غصب عنِّنا…فاهمة قصدي طبعًا، أنا كنت صريح من الأول…قبل ما أقرَّب منِّك..إنتي اللي وافقتي.
كلُّ كلمة كانت تسقط عليها كحجر، تثقل صدرها أكثر، لتختنق أنفاسها.
_ آسف…مفيش حاجة في إيدي أدهالك غير كده، ومتقلقيش مش هحتاجك كتير، كام ليلة وهسافر تاني.. إنتي اللي أصرِّيتي إنك تفضلي مراتي.
ذهول…ألم…انكسار.
مشاعر متراكمة اختلطت حتى صارت كتلة واحدة تضغط على قلبها حتى كاد يتوقَّف.
وقفت مكانها، لا تقوى على الحركة، ورغم ما شعرت به إلَّا أنه زاد قسوة حين
التفت إليها، وعيناه تمرَّان على جسدها بنظرةٍ جرَّدتها من كلِّ شيء، من روحها قبل أنوثتها.
_ إنتي جميلة، وأي حد ميعرفش يقاومك الصراحة..حاولت لكن مقدرتش، حتى إنتي ما حاولتيش تمنعيني.
مرَّر أنامله على عنقها ولم يرحم حالتها:
_ضعفت منكرش، رغم حاولت، إنتي جميلة أوي يا ضي، أوي.
هنا لم يعد الألم مجرَّد شعور، بل إهانة.
صفعة لم تُسمع، لكنها دوت داخلها بعنف.
ارتعشت شفتيها، وعيناها امتلأتا بدموعٍ حارقة…لكنها هذه المرَّة لم تمسحها.
وقفت أمامه…مكسورة، نعم، صمتها وهو يحرِّك أنامله كأنه يستبيح قلبها قبل جسدها..
لم يكن ضعفًا بقدر ما كان لحظة سقوط كلِّ شيء بداخلها.
لم تعد ترى فيه ذلك الرجل الذي أحبَّته،
بل غريب، قاسٍ، ينهش ما تبقَّى منها دون رحمة.
نظرت إليه علَّها تجد نظرة اعتذار أو طلب الغفران، لكنه كان متقن لحدِّ الألم.
_ياالله…ليتك حرمتني البصر والسمع، ولا أن أرى نفسي وسقوطها أمام أحد.
لم تقوَ على الصمود أكثر من ذلك..
انفجرت دموعها دون قدرة على كبحها، تنساب بغزارة كأنها تغسل ما تبقَّى من روحها..لكنها مسحتها بعنف، بعنفٍ كاد يمزِّق جلدها، كأنها تعاقب نفسها…أو تحاول اقتلاع ذلك الضعف من جذوره.
لم تصرخ، لم تعاتبه، فقط انحنت، تلتقط ملابسها بصمتٍ قاتل، صمتٌ كان أشدُّ وقعًا عليه من أي كلمة.
ارتدتها بآلية، جسدًا بلا روح، ثم تحرَّكت نحو الحمَّام…وأغلقت الباب خلفها.
ظلَّ واقفًا مكانه، يحدِّق في الفراغ الذي تركته، وكأنها انتزعت شيئًا منه ورحلت به.
مرَّ الوقت بطيئًا، ثقيلًا، خانقًا.
كلُّ دقيقة كانت تنهشه.
رعبه عليها بدأ يكبر و يتضخَّم في صدره حتى كاد يخنقه.
اقترب من الباب مرَّة، ثم تراجع.
رفع يده، ثم أسقطها.
وهو يريد أن يحطِّمه، أن يقتحمه…أن يطمئنَّ عليها بأي شكل.
لكنه أضعف أو أجبن من فعل ذلك.
تنهَّد بعمق، حين سمع صوت الباب يُفتح.
خرجت خصلاتها مبلَّلة، وجهها شاحب، وعيناها فارغتان من أي شيء..لم تنظر إليه.
لم تتوقَّف..تجاوزته كأنَّه لا شيء.
اتَّجهت إلى الأريكة، وتمدَّدت عليها، ثم أغلقت عينيها، تهرب من العالم كلِّه.
ظلَّ يراقبها، حتى هدأت أنفاسها.
حتى سكنت حتى نامت.
تحرَّك واقترب منها ببطء، يخشى أن يوقظ ألمها مرةً أخرى.
جلس على ركبتيه أمامها، قلبه يئنُّ بصمت.
مدَّ يده، يرفع خصلاتها بحذر، بحنانٍ
لكنه تجمَّد، اتَّسعت عيناه بصدمةٍ أفقدته أنفاسه..لم يكن يتوهَّم، ولم يكن خيالًا.
مدَّ أنامله المرتجفة، يلمس جروحها ليتأكَّد.
هو من أوصلها إلى هذا.
شهق بصمت، ثم حملها فجأة..
وضعها على الفراش، يتحرَّك بجنون، يبحث عن أي شيء، أي مرهم، أي شيء يخفِّف ما سبَّبه لها..ولكن هل جروح الروح تشفى، وقعت عيناه على المهدِّئات التي تناولتها..رفع الدواء وكاد يجن ممَّا فعله بها، لم يتوقَّع منها ردَّ فعلٍ كهذا.
عاد سريعًا إليها، جلس أمامها، ويداه ترتجفان وهو يضع الدواء على جروحها، جروح لم تكن في جسدها فقط…بل فيه هو أيضًا.
انحنى، يدفن وجهه في عنقها، ويقبل ماجنته يداه بها، لقد شوهت نفسها، شوهت اسمه الذي رسمته بسعادة، الان دفنه بكل جبروت، اقتنص سعادتها التي كانت بين يده منذ قليل
كيف ينجو من عقاب قلبه الذي يدمي عليها، انفجرت دموعه:
_ أنا عملت فيكي إيه!.
همست باسمه كأنه يراود أحلامها.
رفع رأسه فورًا، يمرِّر يده على شعرها بحنانٍ مرتعش:
_ ضي…افتحي عيونك.
لكنها لم تفعل، كانت تهرب، تهرب منه ومما حدث لها
_ ضي…افتحي عيونك يا حبيبتي.
لكن لا استجابة.
فقط صمتٌ ثقيل..وأنفاس بطيئة.
تمدَّد بجوارها، وسحبها إلى حضنه، يحاول أن يعيدها للحياة بين ذراعيه.
مرَّت أصابعه على جروحها، فخرج منه أنين مكتوم:
_ آااه…
شدَّها إليه بقوة، غير عابئ لآمه، يكفي احتراق روحه، شدد وشدد، كأنها ستضيع منه إن تركها.
_ أنا عملت إيه…أنا عملت إيه…
في الصباح…
فتحت عينيها بصعوبة.
رأسها يثقلها..الألم يفتك بها.
نظرت حولها بتشوُّش، الغرفة، الفراش..
اعتدلت ببطء، وجسدها يحتجُّ على كل حركة.. تذكرت مااصابها بالأمس، انسابت دموعها، دفنت رأسها في وسادته، تضرب بكلتا يدها
_ليه بتقتلنا احنا الاتتين، ليه يايوسف، استمعت الى طرقات ثم
دخلت الخادمة بهدوء:
_ مدام ضي..الباشا عايزك تحت.
أومأت دون كلمة.
نهضت، وكأنَّها تحمل فوق كتفيها جبالًا، واتَّجهت إلى غرفة الملابس… سحبت أول ما وقعت عليه يداها، وارتدته بلا اهتمام.
هبطت الدرج ببطء…
قابلتها ميرال، وبمجرَّد أن رأت وجهها، تجمَّدت ابتسامتها:
_ مالِك يا بنتي؟
_ مفيش…شوية صداع.
نظرت لها ميرال طويلًا، ثم ربتت على ظهرها بحنان:
_ عمِّك عايزك..شوفيه عايز إيه.. وهخلِّي البنات يجهِّزوا فطار كويس… يوسف عند بلال في جلسة علاج، وزمانه راجع…مفطرش برضه.
اسمُه مرَّ كطعنة..لكنها لم تُظهر شيئًا.
تحرَّكت دون رد.
وقفت أمام الباب…
_ ادخلي.
دخلت بخطواتٍ واهنة، حتى جلست أمامه بهدوءٍ يناقض العاصفة بداخلها.
رفع نظره إليها…نظرة حادَّة، فاحصة:
_ احكيلي يا ستِّ المناضلة..عملتي كده ليه، هوَّ أنا مش حذَّرتك؟
استندت على المكتب بذراعيها، نظرت إليه وعيناها كانت تحيط بهما غمامةً سوداء، فراغ مرعب، ورغم ذلك تكلَّمت:
_عملت إيه..وحضرتك عملت أيه، وبابا عمَّلي إيه، فيه حد فيكم حس بيَّا الفترة اللي عدِّت، فيه حد فيكم حس أنا كنت عايشة إزاي، أبويا نفسه اتبرَّى منِّي، ودا ليه؟.
_أيوة ليه، مش علشان أخطائك، طلبتي تقعدي لوحدك وقعدتي رغم رفضنا ولا كأنِّك مقطوعة من شجرة، اشتغلتي مذيعة رغم رفضي، بس قولت من حقَّها، رحتي اتخطبتي لواحد وكنتي مصرَّة تتجوزيه علشان تبيِّني إنك اتخطِّيتي جوازك الأول، وفي الآخر روحتي أوهمتي الكل إنِّي طلبت منك كدا، ورحتي ضغطي عليه، رغم إنِّك عارفة ظروفه.
ناقص إيه يا بنت أخويا متعملش؟.
_إنِّي أعيش يا عمِّي، عايزة احس اني عايشة، أنا كلِّ يوم حياتي بيتسرق منها جزء، ومعرفش ليه، عملت أيه للألم دا كلُّه؟.
_ألم..قالها بسخرية ونهض من مكانه واتَّجه يجلس بمقابلتها:
_إنتي اللي واجعة نفسك، إنتي اللي حاطَّة نفسك في الوجع دا، خلاص انسي الماضي وعيشي، اعتبري نفسك اتجوزتي الشخص اللي كنتي عايزاه، كنتي هتتعاملي إزاي؟.
زاد الدوار بها، تنظر إليه بتيه وألم، ردَّت بخفوت:
_مكنتش ناوية أكمِّل الجواز متخافش، كنت بعمل كدا علشان أنتـ قم من ابنك.
_وأديكي انتقمتي وكان هيموت، كنتي هتبقي سعيدة لو مات؟.
صمتت وانزلقت دمعة تحـ رق وجنتيها:
_حضرتك عايز إيه دلوقتي؟.
_تبعدوا عن بعض، خلاص مبقاش ليكم نصيب في بعض.
أومأت له بصمت:
_حاضر..موافقة، هبعد مادام هترتاحوا.
_ضي..أنا مش عايز يوسف يأذيكي، متفكَّريش بعمل كدا علشانه، إنتي بنتي قبل ما تكوني بنت أخويا.
رفعت عيناها التي ما تت بها الحياة:
_لا يا عمُّو أنا مش بنتك، ولو على يوسف هوَّ مش بس أذاني هوَّ مو َّتني.
كان يراقب حالتها بقلبٍ يتألَّم من أجلها.
نهضت ببطء وهي تقول:
_أنا هريَّح الكل، أنا لازم أريَّح الكل.
فتحت الباب وجدته أمامها، ضعفت نظراتها وتلاشى جسدها، ورغم ذلك تشبَّثت بالباب وهمست بأنفاسها التي تهرب منها:
_خلاص حرَّرتك يا دكتور، شيلت الحبل من حول رقبتك، ودلوقتي إنتَ حر
حتى لو اتجوزت كلِّ يوم مبقاش يفرق. هنا لم تعد تستطع الحديث، ثقل كل شيءٍ بها وهوت فجأةً بجسدها يضرب الأرض في حالة ذهول كلًّا من إلياس ويوسف، الذي نظر إلى وجهها الشاحب بشفتينِ تحوَّل لونها للأزرق، ليسقط بركبتيه أمامها، يفحص جسدها بلهفة:
_إسعاف يا بابا بسرعة، ضي بتموت.
الفصل 67
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
انحنى يوسف سريعًا، وركع بجوارها، يرفع رأسها على ركبتيه، وعيناه تفيض بذعرٍ لم يستطع إخفائه.
ربت على وجنتها بخفَّة، وصوته خرج مرتجفًا:
_ضي…افتحي عيونك وبصِّيلي يا حبيبتي.
تحرَّكت أهدابها بصعوبة، رؤيتها غائمة، تتلاشى ملامحه أمامها كأنها تغرق في ضبابٍ كثيف، ومع ذلك رأت خوفه..
حاولت أن تهمس باسمه:
_يو…
لكن صوتها انقطع، وارتخى جسدها فجأةً بين ذراعيه.
تجمَّد لثانية، قبل أن يلاحظ شحوبها الحاد، وبرودة بشرتها، وآثار القيء على شفتيها.
اتَّسعت عيناه، وتحوَّلت ملامحه في لحظةٍ من عاشقٍ مذعور إلى طبيبٍ يدرك الخطر.
هتف بصوتٍ حاد:
_بابا! كلِّم الإسعاف فورًا، دي حالة تسمُّم.
وصل إلياس وهو يهاتف الطوارئ، لكن يوسف لم ينتظر.
حملها بين ذراعيه، متجاهلًا الألم العنيف الذي اجتاح ظهره، واندفع بها إلى الخارج
بأنفاسٍ متلاحقة، وخطواتٍ ثقيلة، لكنه لم يتوقَّف:
_استحملي يا ضي، سامعاني، شوية بس.
وضعها في السيارة، وانطلق بسرعة جنونية..
عيناه تتنقَّلان بين الطريق وملامحها الساكنة، رأسها كان مائل، وأنفاسها غير منتظمة، وجسدها يزداد خمولًا مع كل ثانية.
همس بصوتٍ مكسور:
_ردِّي عليَّا…حبيبتي خلاص هنوصل، استحملي شوية...قالها بذعرٍ وهو يرى ما ينزل من فمها.
_ضي...لكنها لم تجب.
ضغط على المقود بقوة، وكأنَّ الزمن يتآمر ضدَّه.
ما إن وصل إلى المستشفى، حتى ترجَّل مسرعًا، وحملها من جديد، مندفعًا إلى الداخل.
هرع المسعفون نحوه بالفراش المتحرِّك، فوضعها عليه بسرعة
وبدأ يفحصها بدقَّة:
_ضغطها واطي جدًّا، بلَّغوا السموم فورًا.
صرخ بها يوسف بعجزٍ لم يعرفه من قبل:
_لازم تنقذوها!
اندفعوا بها نحو قسم الطوارئ، وهو خلفها، تكاد ساقيه تحمله بصعوبة، وكمَّ الألم الذي أصابه من حملها، ولكنَّه لم يكترث، دلف للغرفة بدخول الطبيب الذي قام بفحصها، توقَّف يتابعه وصدره يعلو ويهبط بعنف، وكأنَّ روحه ستخرج من جسده، وصل إلياس وتوقَّف جانبه:
_مراتك مالها حبيبي، لكن عيناه كانت شاشة المونيتور، الخطَّ الأخضر يتذبذب بشكلٍ مقلق، والنبضُ يكاد يختفي.
_ الضغط واطي جدًّا...والنبض غير منتظم.
قالها بنبرةٍ حاول أن يسيطر فيها على قلقه، بينما الطبيب المسؤول اقترب يفحصها بسرعة، يسلِّط ضوء الكشَّاف على عينيها:
_ الحدقة بطيئة..والتنفُّس سطحي.
رفعت الممرِّضة صوتها:
_ يا دكتور، الأوكسچين بيقلّ!
_حطِّي ماسك أوكسجين فورًا...وركِّبي كانيولا تانية.
انحنى يوسف عليها، مرَّر يده على وجهها المرتخي:
_ ضي..سمعاني؟ خدي نفس... بصِّيلي.
رمشت بصعوبة، شفتيها تحرَّكت دون صوت.
قبض على كفِّها، فانتفض من برودته: _إيدها ساقعة جدًّا...
رفع رأسه للطبيب وقال حدَّة:
_ فيه حاجة غلط..دي مش مجرَّد إجهاد.
في نفس اللحظة، انحنت ضي فجأة، وتقيَّأت بعنف.
تحرَّك الطبيب بسرعة:
_ لفُّوها على جنب، بسرعة!
تم تثبيتها على وضعٍ جانبي، والممرِّضة تسحب شفَّاط الإفرازات بسرعة.
اقترب الطبيب، شمَّ الرائحة الخفيفة، ثم نظر ليوسف بتركيز:
_ في اشتباه تسمُّم.
_ أخدتوا عيِّنة؟
_ آه، تحليل سموم وغازات دم شغَّالين.
رفع الطبيب عينه لشاشة المونيتور، ثم للأشعَّة التي ظهرت على الجهاز.
تجمَّد لثانية…ثم قال بحدَّة:
_ لأ..كده الموضوع أكبر.
اقترب يوسف:
_ في إيه؟
أشار للصورة:
_ في تسريب هوا..احتمال ثقب في المعدة.
اتَّسعت عينا يوسف:
_ ثقب؟!
_ غالبًا مادة كاوية..وده بيهدِّد حياتها.
رفع صوته فجأة:
_حضَّروا العمليات حالًا! واطلبوا جرَّاح عام فورًا!
تدخَّل أحد الأطباء بتردُّد:
_ بس يا دكتور، لسه نوع السم مش معروف.
قاطعه بحدَّة:
_ مش مستني التحاليل وهيَّ بتنـزف من جوَّه! ده لازم تدخُّل جراحي عاجل.
في نفس اللحظة، صوت الجهاز ارتفع بإنذارٍ حادّ.
_ النبض بيقلّ جدًّا!
صرخت الممرِّضة بها:
_ارفعوا المحاليل..حضَّروا نور أدرينالين!
اندفع يوسف ناحية السرير، وقال بصوتٍ خرج مكسورًا لأول مرَّة:
_ ضي! ردِّي عليَّا..إنتي أخدتي إيه؟!
حركت شفتيها بصعوبة:
_ يو...سـ......ولم تكمل، ارتخت يدها تمامًا،و فقدت الوعي!
_ جهِّزوا أنبوبة تنفُّس حالًا!
قالها الطبيب بسرعة، بينما تمَّ إدخال أنبوبة حنجرية وتوصيلها بجهاز التنفُّس.
تراجع يوسف خطوة، بأنفاسٍ متقطِّعة، قبل أن ينفجر:
_مراتي بتموت! مش هتستنَّى تحاليل!
نظر له طبيب السموم بثبات:
_ وإحنا مش مستنيين..بس لازم نشتغل صح.
في نفس اللحظة، دخلت الممرِّضة بالأوراق:
_ يا دكتور، النتائج الأوليَّة..مادة كاوية قوية.
خطفها الطبيب، نظر فيها سريعًا، ثم قال بحسم:
_ تمام..كده واضح.
التفت فورًا:
_ على العمليات حالًا، جراحة استكشافية عاجلة!
تحرَّك الفريق كلَّه، ودفع السرير بسرعة ناحية الباب.
مرَّ يوسف بجوار والده، الذي كان واقفًا كالصنم، عيناه معلَّقتان بضي..
همس بصوتٍ مخنوق:
_ تسمُّم...
ردَّ الطبيب وهو يتحرَّك معهم:
_ للأسف..وحالة حرجة جدًّا، لازم نلحقها دلوقتي.
اختفى يوسف خلفها ودلف لداخل غرفة العمليات.
بمنزل إلياس..
دلف مالك إلى غرفة المراقبة، يبحث في الأجهزة بعد مهاتفة إلياس له، دخلت ميرال..
_مالك إيه اللي حصل، مالها ضي؟.
كان ينظر للشاشة وهو يقول:
_أُغمى عليها، ضغطها نزل متقلقيش.
اقتربت منه تنظر للشاشة:
_أُغمى عليها ياخدوها المستشفى؟!
وقعت أعين مالك على دارين وهي تتحدَّث بهاتفها بالحديقة، ثم التفاتها لضي وابتسامتها الخبيثة، قرَّب الشاشة ينظر لضي إلى أن ألقت الكوب الذي بيديها على الأرض، وحديثها لدارين ثم مغادرتها، انحنت دارين تحمل الكوب وتتحدَّث مع نفسها.
_فيه إيه يا مالك مالها دارين؟ هيَّ مشيت من إمبارح بالليل
رفع رأسه إليها:
_ممكن تسبيني أشوف شغلي، بعمل حاجات مهمَّة.
_طيب ضي كويسة؟ بتَّصل بإلياس ويوسف ما بيرُّدوش.
_معنديش أخبار والله، استنِّي شوية واتِّصلي تاني.
أومأت وخرجت ترفع هاتفها تتَّصل ببلال، بينما بالداخل قرَّب مالك الشاشة محاولًا فهم كلمات دارين من حركة شفتيها، عاد بالكاميرا لداخل المنزل يتفحَّصه، لا يوجد أثر لأي شيء سيِّء، وقفت تعدُّ قهوة بسهولة ثم خرجت، مرَّة واثنتان يقلِّب بين الصور ولكن لايوجد جديد.
نهض واتَّجه إلى الإستراحة التي كانت تمكث فيها، مع ارتفاع رنين هاتفه..
_كلُّه تمام يا مالك باشا.
خلِّيك مراقبها، عينك عليها، وقت ما تروح المطار عارف هتعمل إيه.
_تحت أمرك يا باشا.
رفع الهاتف:
_مفيش حاجة معينة، كل اللي ظهر إنَّها عملت قهوة إمبارح وقعدت شوية مع ضي، بس فيه حوار هبعته لك، شوفه، لأن حركات الوش بتقول القهوة فيها حاجة، بس وهيَّ بتعملها عادية، يعني مضفتش حاجة.
_ادخل شوف القهوة دي.
_تمام.
_عملت زي ما قولت لك، حطِّيت الجهاز زي ماقولت؟.
_كلُّه تمام وهيَّ دلوقتي في شقَّة مفروشة في مصر الجديدة والشقَّة تحت السيطرة.
_تمام..خلِّيك وراها مش عايزها تفلت من تحت إيدك، ووقت ما نوصل للحيوان تجبهم متعلَّقين مش عايز شوشرة.
_حاضر..ضي عاملة إيه؟ ميرال لاحظت وقلقانة وسألتني معرفتش أجاوب.
_لسة مفيش أخبار، لسة هنشوف نوع السم، عايزك تسحب يوسف عشر دقايق بأي طريقة.
_مش فاهم ليه؟.
_مش لازم يعرف إنَّها اتسمِّمت، التحاليل لازم تتغيرَّ.
_بس مش هيصدَّق...
_اعمل اللي بقولَّك عليه وأنا هتصرَّف، مش عايز حد يعرف حاجة، حتى بلال.
_طيب أرسلان.
_دا سيبه لي، هوَّ عارف وبيلعب من بعيد.
_تمام.
بمنزل أرسلان…
دخلت ميرال بخطواتٍ متردِّدة، عيناها تبحثانِ بقلقٍ واضح:
_بلال فين؟
رفعت غرام كتفيها بلا مبالاة:
_بلال مش هنا…بكلِّمه ومبيردِّش.
عضَّت ميرال على شفتيها، توتُّرها يزداد:
_يمكن في عملية ولَّا حاجة..شوية وهيرد…أنا بس محتاجاه ضروري.
راقبتها غرام باستغراب، بينما هزَّت ميرال رأسها كأنَّها تطرد فكرة مخيفة من عقلها، وتراجعت هامسةً لنفسها:
_أكيد مفيش حاجة، مدام غرام متعرفش يبقى مفيش حاجة.
لكن قلبها لم يصدِّق..تشعر بأنَّ هناك شيئًا وخاصَّةً عدم رد إلياس.
في المشفى…
مرَّ الوقت كأنه سكِّين بطيء يقطع أعصاب يوسف، حتى انتهى الطبيب أخيرًا بعد إنقاذ ضي.
نُقلت إلى العناية المركزة، جسدها ساكن كأنه فقد الحياة، فقط الأجهزة هي من تُعلن أنَّها ما زالت هنا…
وقف يوسف بجوارها، لم يتحرَّك، ظل يراقب كل انش بها
اقترب إلياس، يربت على كتفه:
_يوسف..واقف كدا ليه؟ ارتاح شوية… متنساش إنَّك لسه تعبان.
لم يحوِّل عينيه عنها:
_أنا كويس يا بابا.
تنهَّد إلياس وهو ينظر إلى ضي:
_حبيبي هيَّ كويسة.
لكن يوسف التفت فجأة، وعيناه تشتعلان بشيءٍ مرعب:
_كان فيه سم في جسمها.
تجمَّدت ملامح إلياس لثانية، قبل أن يتصنَّع الذهول:
_إيه اللي بتقوله دا؟ أكيد فيه غلط إرهاق ولَّا تعب عادي.
استدار يوسف بكامل جسده نحوه، كأنَّ شيئًا انفجر بداخله:
_إيه اللي حضرتك بتقوله دا يا بابا؟! حضرتك مشفتش حالتها؟!
_عادي يا ابني..المعدة بتتأثَّر، واللي مرِّت بيه مش قليل.
اشتدَّ صوته وشعر بأن أعصابه تتمزَّق:
_بابا ضي كانت مسمومة.
_يوسف اهدى..أكيد فيه غلط، مش كدا يا دكتور؟
تدخَّل الطبيب الذي وصل للتو، وأومأ بتردُّد:
_آسف يا دكتور يوسف، بس مفيش سم، ممكن يكون تشخيص غلط، والتحاليل دي تثبت كدا.
أمسك التحاليل وعيناه تتجوَّل عليها بقلبٍ كاد نبضه يتوقَّف، هنا تصلَّب جسده، واشتعلت عيناه بجنون:
_غلط! بقولَّك سم تقولِّي غلط؟! هو أنا نقَّاش!!.
كاد يندفع نحوه لولا أن بلال أمسكه بسرعة:
_يوسف..اهدى!
اندفع صوته غاضبًا، مبحوحًا:
_إيه اللي وصَّل السم لضي؟!
أشار إلياس ليوسف على كلمات بلال وقال بثباتٍ بارد:
_جاوب..علشان تعرف إنَّك متوهِّم، مين هيسمِّمها وخصوصًا إنَّها كانت نايمة، يعني لا خرجت ولا دخلت، السمِّ هيوصلَّها إزاي؟.
تجمَّد يوسف مكانه:
_متوهِّم؟!
تسلَّلت كلمات والده إلى عقله، لتفتح بابًا أسودًا داخله..
بدأ صوته الداخلي يهمس، ثم يصرخ:
_ممكن تكون حاولت..تنتحر؟!
اتَّسعت عيناه، وارتجف جسده:
_معقول؟.معقول تهون عليها نفسها بالشكل دا؟!
تدفَّقت كلماتها الأخيرة في أذنه، كطعنةٍ لا تتوقَّف.
مرَّر يده في شعره بعنف، وشعر بالاختناق.
اقترب إلياس منه مجدَّدًا، وقال بصوتٍ هادئٍ مزيف:
_يوسف مفيش سم..ارتاح، أعصابك تعبانة.
تراجع يوسف خطوة، ثم أخرى
ينظر إليهم جميعًا وكأنَّهم غرباء..
قبض على أوراق التحاليل بقوة حتى تجعَّدت بين يديه، عروقه نافرة، وأنفاسه متقطِّعة، ثم فجأةً ألقاها أرضًا.
رفع عينيه إليهم بضياع، ثم استدار بعنف، متَّجهًا إلى غرفتها، وكلُّ خلية فيه تصرخ بما أوصله عقله أنَّها حاولت الانتحـ ار..
ولكن لماذا والده يكذِّبه؛ يجب عليه التريُّث ولكنَّه عزم على مواجهة والده بتكذيب كلَّ ما يحاول تدبيره.
دلف إلى غرفة العناية كمن يُساق إلى غرفة إعدامه، نعم بعدما أوصلها لهذه المرحلة، توقَّف وشعر بأنَّ الهواء ثقيلًا، يطبق على صدره، وخطا خطوة واثنان ولكن خطواته متعثِّرة كأن الأرض ترفض أن تحمله بعد كل ما اقترفت يداه بحقِّها، توقَّف أمام فراشها، وحدَّق في وجهها الشاحب، ذلك الوجه الذي كان يضيء حياته يومًا، فإذا به الآن ساكنٌ كليلٍ بلا نجوم
مرَّر أنامله على وجهها، يتابع أنفاسها المنتظمة وهي الشيء الوحيد الذي يُبقيه واقفًا…
انحنى ببطء، مثل الذي يشعر بأنَّ انحنائه اعترافًا مهينًا بكلِّ ذنوبه، مدَّ يده المرتجفة يمرِّرها على خصلاتها، بحنانٍ مؤلم..اشتعلت داخله نيرانًا لا تُطفأ، تحرقه بسؤالٍ واحد: ماذا فعلت حتى وصل بها إلى هنا؟
_أحبَّته، وهو الذي عاندها بكلِّ قسوة، وأراد إبعادها.
_معقول فيه حبّ بيموت، معقول فيه حبيب يوصَّل حبيبه للموت؟!
ابتلع ألمه، وصوته الداخلي كان أقسى من أي حكم: "بتضحك على مين؟..إنتَ حتى ما قدرتش تبعد عنها ساعات..من إمتى كنت قاسي؟
ارتجفت أنفاسه، وأكمل بصمتٍ ينهش صدره: "أبوك عنده حق…إنتَ ما تستحقَّهاش..عمرك ما كنت تستحقَّها ارجع لظلامك، وابعد عنها، كفاية اللي عملته فيها لحدِّ دلوقتي "
أغمض عينيه بقسوة، وشعور خانق قبض على قلبه، كأنَّ أنفاسه تُسحب منه ببطء، لوهلةٍ تمنَّى لو تنتهي حياته هنا، عند قدميها، كنوعٍ من العقاب العادل.
لكن فكرة أن يفقدها، أن تُسلب منه للأبد..
فتح عينيه فجأة، مذعورًا، وكأنَّ الموت اقترب منها ..اتَّسعت عيناه، وارتعش صدره، وقلبه تحوَّل إلى شظايا حادَّة تمزِّقه من الداخل.
مدَّ يده إلى عنقها، حيث لا تزال آثار جراحها محفورة على بشرتها، وكأنها وصمة عار لن تزول..هنا تذكَّر أحداث ليلة الأمس وكأنها حيَّة أمام عينيه، لمعةُ عيناها وابتسامتها، همسها بعشقه..
دمعة ساخنة سقطت رغمًا عنه، شقَّت طريقها على وجهه بلا مقاومة، وهو يهمس بصوتٍ مكسور: "أنا ما أستحقَّكيش والله ما أستحقَّك…"
هنا تحرَّكت شفتيها وهمست باسمه.
"يوسف…"
تجمَّد مكانه، وكأنَّ الزمن توقَّف عند تلك الهمسة..حدَّق في شفتيها غير مصدِّق، كأنَّ روحه عادت إليه فجأة، ثم لمح دموعها تنساب بهدوء على وجنتيها، رغم سكونها،
كأنَّ روحها تعذِّبها حتى وهي غارقة في غيبوبتها…
اقترب منها بسرعة، بأنفاسٍ متقطِّعة، وراح يمسح دموعها بأنامله المرتجفة، يحاول محو كلَّ ما فعله بها، كلَّ ألمٍ زرعه في قلبها.
مال عليها، وقال بصوتٍ خرج مهزوزًا، محمَّلًا بكلِّ ما عجز عن قوله:
_ "ضي…أنا هنا، طمِّني قلبي وافتحي عيونك.
لكن لا يوجد رد غلبه بكاءٌ مكتوم، فوضع جبينه على يدها الباردة، وأغمض عيناه وما زالت دموعه تنساب في صمت.
بالخارج..
دار بلال حول نفسه وعقله كاد أن يتوقَّف، ماذا حدث لأخته، كيف وصلت لهذه المرحلة، استمع إلى هاتفه، فأخرجه بيدٍ مرتعشة/
_أيوة طنط ميرال.
_حبيبي إنتَ في المستشفى؟.
نظر إلى وقوف إلياس مع أحد الأطباء ورد:
_أيوة، لو عايزة عمُّو إلياس هوَّ مع الدكتور.
_طمِّني ضي عاملة إيه؟.
_الحمدلله كويسة.
_مالها حبيبي، خرجوا ومعرفش إيه اللي حصل.
مسح على وجهه وأعاد خصلاته للخلف، ردَّ بصوتٍ مختنق:
_معرفش، لسة مشفتهاش، الدكتور بيقول قرحة في المعدة، منتظر يوسف يطلع من عندها وهدخلَّها.
_لا حول ولا قوة إلَّا بالله العليّ العظيم، ربِّنا يطمِّنا عليها، يبقى طمِّني لو فيه حاجة.
_حاضر، متقوليش حاجة لماما علشان متقلقش وخصوصًا بابا مش هنا.
_متقلقش ما قولتش حاجة.
أنهى اتصاله وتحرَّك إلى داخل غرفة العناية.
بقصر الجارحي..
كانت تغفو بين أحضانه، غارقة بنومٍ عميق، استمع إلى رنين الهاتف، سحبه وردَّ بصوتٍ ناعس:
_أيوة يا ماما.
_آسفة حبيبي، لسة نايمين؟.
نظر بساعته ثم قال:
_فيه حاجة ولَّا إيه؟.
_باباك كان عايز نفطر كلِّنا مع بعض، هوَّ مسافر بعد ساعتين.
_حاضر، شوية ونازلين.
اتَّجه بنظراته إلى طفلته الغافية بين ذراعيه، رفع شعرها من فوق وجهها، لتظهر شمس حياته تسطع، انحنى وطبع قبلة على جبينها، تململت بنومها ترمش بأهدابها:
_صباح الخير حبيبي.
_صباح الحبّ يا شمسي.
صح النوم حبيبي، ياله علشان ننزل نفطر مع بابا.
اعتدلت تجمع خصلاتها ببطء، وكأنها تؤجِّل لحظة الابتعاد عنه، ثم همست بنبرةٍ دافئة:
_حاضر..إديني شوية وقت أجهز.
لكنَّها لم تكد تبتعد حتى سحبها فجأةً إلى أحضانه، كأنَّ بين ضلوعه مكانًا خُلق لها وحدها، وقال بصوتٍ منخفضٍ يحمل شوقًا لم يُطفأ بعد:
_نمتي كويس، ولَّا لسه عايزة تنامي؟ لو عايزة…نامي تاني هنا.
رفعت رأسها إليه، وعيناها تلمعان بالحب، وابتسمت بدلال:
_يعني نايمة في حضنك..ومش هشبع نوم؟
لم يمهلها فرصة لإكمال مزاحها، طبع قبلةً سريعةً على شفتيها، ثم مرَّر أصابعه بين خصلاتها بحنان:
_كنتي وحشاني أوي..شموستي.
ابتسمت بخجلٍ صادق:
_وإنتَ كمان.
أدار وجهها إليه:
_إيه رأيك آخد إجازة..ونسافر يومين؟
تسلَّل الارتباك إلى ملامحها، فسكتت لحظة، فرفع ذقنها برفق، وعيناه تبحثان عمَّا يؤلمها:
_مالك يا شمس؟
همست بخفوت:
_مش هتزعل؟
اعتدل سريعًا، ثم احتوى وجهها بكفَّيه، وغاص في عينيها:
_أنا أزعل منِّك؟ إنتي ما تعرفيش إنتي إيه في حياتي.
ارتجف قلبها بين ضلوعها، ونظرت له بعشقٍ صافٍ:
_وإنتَ والله حبيبي…مكنتش متخيلة إنِّي هحبّ حد كده بعد بابا وأخويا، أنا بحبَّك أوي يا حمزة…ومش عايزاك تزعل منِّي..لو عملت حاجة من غير قصد، قولِّي.
ابتسم، وكأنَّ كلماتها لامست شيئًا عميقًا بداخله:
_أنا معرفش عملت إيه علشان ربِّنا يرزقني بملاك بريء زيك…تعرفي أنا نفسي أروح أبوس طنط ميرال؛ علشان جابتلي أحسن بنت في الدنيا.
ضحكت بخفَّة، وهي تلوِّح بيدها تحذِّره:
_روح…بس اتأكِّد إنَّك هترجع مضروب من بابا في دماغك.
قهقه، وضحكته ملأت المكان دفئًا، ثم جذبها إليه بقوةٍ محببة، فاختبأت داخل حضنه كأنها وجدت ملاذها الأخير..أحاط جسدها بذراعيه، وهمس بالقرب من أذنها:
_ما قولتيش..عايزة إيه؟
رفعت رأسها، وعيناها تلمعان بعشقه:
_لو ينفع بعد ما تسافر، أروح أقعد أسبوع عند بابا، وحشوني أوي… وكمان عايزة أشوف يوسف وضي، علاقتهم وصلت لإيه..بسأل ماما تقول كويسين، بس صوت ضي دايمًا حزين.
مسَّد على وجهها بحنانٍ عميق، ثم مال ليخطف قبلةً طويلة:
_موافق…خلِّيكي هناك لحدِّ ما أرجع. ممكن أتأخَّر المرَّة دي.
ابتسمت بارتياح، وهمست:
_يعني مش زعلان؟
تأمَّل عينيها طويلًا…تلك البراءة التي لا تعرف الخبث، وذلك القلب الذي لم يتعلَّم القسوة بعد، وفي داخله، همس لنفسه:
_ياالله…كم هي بريئة وجميلة، كيف أتعامل معها كزوجتي، وليست طفلتي؟ رغم أنها بلغت سنَّ النساء…إلَّا أن قلبها ما زال قلب طفلة، لا يعرف من الدنيا سوى الضحك…والأحلام.
شدَّد احتضانه لها دون أن يتكلَّم، وكأنَّ صمته وحده كافٍ ليخبرها…أنها عالمه كلِّه.
رفعت أناملها الرقيقة تلامس وجهه بحذرٍ، وهمست بصوتٍ يحمل صدقًا خالصًا:
_مش هزعل لو رفضت؛ لأنَّه حقَّك، وأنا مستحيل أعمل حاجة إنتَ مش راضي عليها.
تصلَّب للحظة…وكأنَّ كلماتها أصابت شيئًا عميقًا داخله.
_كفى…طفلتي، كفى…
كيف تجتمع هذه البراءة في زمنٍ قست فيه القلوب؟ كيف لا يعرف قلبها إلَّا الصفاء، بينما العالم يمتلئ بما يلوِّثه؟
فاقت براءتها قدرته على الاحتمال، فاجتاحه شعورٌ عارم، جذبها إليه أكثر…أكثر، حتى تلاشت المسافات بينهما..احتواها وكأنَّه يخشى أن تضيع منه، وغاص في قربها، حيث يمتزج عشقه برجاءٍ خفيّ أن تبقى كما هي… نقية.
كانت تتعلَّم منه معنى الاحتواء، ويتعلَّم منها كيف يكون العشق بلا حساب…بلا خوف، قضيا وقتًا يعلم كلًّا منهما أن العشق لم يكن سوى بنبض القلوب البريئة، وقتًا كومضة بصرٍ تعانقت بها الأرواح قبل الأجساد، ليبتعد قليلًا، يشعر بأنَّ سعادته لم تكن سوى بين ذراعي تلك الصغيرة، لملمت نفسها بخجل وابتعدت قليلًا تبتعد بنظراتها عنه، كان يراقبها وقلبه يهفو إليها، كما لو كانا لم يقتربان منذ عام، ابتلع ريقه بصعوبة في محاولة السيطرة على تلك المشاعر التي لم تخمد أبدًا، فأشار إلى الحمَّام:
_قومي خدي شاور، علشان منتأخرش.
أومأت ثم اقتربت، قبَّلته على وجنتيه
وتحرَّكت سريعًا لتختفي خلف باب الحمَّام.
أمَّا هو ظلَّت ابتسامته تزيِّن وجهه.. يقسم بداخله أنه لم يذق للحياة سعادة سوى بقربها.
بعد وقت، كانت تقف أمام المرآة، تجفِّف خصلاتها، والماء يتناثر كقطرات ضوءٍ فوق كتفيها.
خرج من الحمَّام، وتوقَّف خلفها، يتأمَّل انعكاسهما معًا…كأنهما صورة واحدة لا تنفصل.
اقترب ببطء، حتى حاوط جسدها من الخلف، ودفن وجهه في عنقها الندي، يغمض عينيه وكأنه يستمدُّ منها سكينةً لا يجدها في غيرها، وهمس بصوتٍ دافئ:
_بحبِّك.
أغمضت عينيها، تتذوَّق الكلمة وكأنها أول مرَّة تُقال، ثم استدارت إليه، وعيناها تنطقان بما يعجز عنه الكلام:
_هتفضل تحبِّني كده على طول؟
ابتسم، وقبلةً سريعة خطفها منها، وهو يومئ برأسه بثقةٍ هادئة:
_إنتي متعرفيش…حبِّك يوم عن يوم بيزيد.
تعلَّقت عيناها به أكثر، وسألته ببراءةٍ صافية:
_حتى لمَّا يبقى عندنا بيبي؟
تراجع قليلًا، وجلس على المقعد، ثم جذبها برفق لتجلس أمامه، أخذ المجفِّف من يدها، وبدأ يمرِّره بين خصلاتها ببطء، وكأنه يستمتع بكلِّ تفصيلةٍ فيها، يقترب أكثر يستنشق عبير شعرها، ثم همس مبتسمًا:
_شعرك ريحته زي ريحة الأطفال.
ضحكت بخفَّة، وهي ترفع كتفيها:
_علشان بستخدم منتجات الأطفال… بتكون نقية ومفيهاش ضرر.
توقَّف لحظة، ثم رفع ذقنها بأنامله، وعيناه تغرقان في عينيها بعمقٍ مختلفٍ هذه المرة:
_لا…علشان إنتي طفلة يا روحي.
تبدَّلت ملامحها قليلًا، وظهر الضيق في صوتها:
_حمزة..ما تقولش كده بجد، أنا بزعل.
لم يتمالك نفسه، فضحك بصوتٍ عالٍ، ثم نهض فجأةً وحملها بين ذراعيه، يدور بها في الغرفة، وصوته يمتلئ بحبٍّ مشاكس:
_طفلة…طفلة…طفلة!
تعلَّقت به، تحاول التذمُّر، لكن ضحكتها خانتها، فاختلط اعتراضها بفرحٍ واضح.
أمَّا هو…فكان يضحك، لكنه يدرك جيدًا،
أنه لا يرى فيها طفولة تُنقصها…
بل نقاءً يخشى عليه من هذا العالم.
بمكتب رولا..
انتهت من بعض أعمالها، ثم نهضت من مكانها واتَّجهت تقف في الشرفة تنظر لمرور الناس بالشارع، شردت قليلًا في حياتها غير المستقرَّة، وحديث بلال أمس مع والده ويزن، والاتفاق الذي استقرَّ على عودتها اليوم، وضعت كفَّيها على أحشائها:
_خلاص حبيبي، النهاردة بابا هيعرف بوحودك، يارب بس ميحصلش حاجة ويرجع يقولِّي كمان يومين.
التفتت إلى هاتفها وقامت بالاتصال به، لحظات وأجاب:
_أيوة رولا.
_وحشتني..
مسح على وجهه وعيناه متعلِّقة بيوسف الذي يجلس يحتضن كفَّ ضي، ثم قال:
_بعدين نتكلِّم حبيبتي، الوضع مش تمام عندي.
اعتدلت وشعرت بالذعر.
_فيه إيه يابلال، إنتَ كويس؟
_أنا كويس، بس ضي في المستشفى تعبانة.
شهقت تضع كفَّها على فمها:
_من إيه؟.
نظر إلى أخته والشكُّ يتسلَّل داخله ورغم ذلك ردَّ باقتناع:
_قرحة معدة، ربِّنا يستر.
_حبيبتي ضي، إن شاء الله ربِّنا يشفيها، هخلَّص مقابلة مهمَّة بعد عشر دقايق وآجي لك، مينفعش أعتذر والراجل في الطريق.
_كمِّلي شغلك حبيبتي، بالتوفيق.
قالها وأغلق الهاتف، ثم اتجه إلى يوسف، وضع كفِّه على كتفه:
_لازم ترتاح، إنتَ لسة مخفِّتش، روح ارتاح في الأوضة التانية وأنا معاها.
_رفع رأسه لبلال وهزَّها بالرفض، رغم ألم ظهره، إلَّا أنه ظلَّ كما هو، جلس بلال بجواره وعيناه على شحوب أخته:
_ليه قولت تسمُّم يا يوسف؟ الدكتور مصرّ إنَّها قرحة.
_ممكن يا بلال، كلِّ شئ جايز.
طالعه بتدقيق ثم قال:
_إنتَ زعلت؟
كانت نظراته على ضي، فقال:
_هزعل من إيه، لا مش زعلان، أهمِّ حاجة عندي ضي تبقى كويسة.
_لمَّا إنتَ بتحبَّها كدا، ليه بتعذِّبها وتعذِّب نفسك؟
_علشان نصيبنا كدا، حبِّي لضي مش علشان مراتي، يمكن علشان من صغرنا وإحنا بنعاند بعض.
مسَّد على ظهره:
_يوسف، الوقت اللي بيعدِّي ما بيرجعش، الأيام بتعدِّي فينا، أنا مش هدخل في حياتك وأجبرك على حاجة، بس ضي بتحبَّك أوي، ومستعدة تضحِّي بنفسها علشانك، أنا مش هدخَّل بينكم، لكن علاقتكم بالتمرُّد دا بقت بتوجعكم وتأذيكم، بتخسروا وهتندموا، لا إنتَ هتقدر تشوفها مع غيرك ولا هيَّ هتخليك تفكَّر في غيرها، بلاش توجعها لو سمحت، خلِّيك ورا قلبك وما تقولش نصيبنا خلص، أنا مرِّيت بأكتر من كدا وشوف دلوقتي، أتمنَّى تصلَّح علاقتك بيها.
بمنزل آدم..
انتهت من ارتداء ثيابها، المكوَّن من بنطال أبيض، وكنزة حمراء ناعمة، وضعت قليلًا من مستحضرات التجميل، دلفت والدتها:
_حبيبتي، عملت لك ساندوتشات، كليها قبل ما تنزلي.
_اتأخَّرت يا ماما، يبقى هشتري أي حاجة.
طبعت قبلة على وجنة والدتها وحملت حقيبيتها وخرجت سريعًا، بخروج رائد يتحدَّث بهاتفه:
_خلاص تمام، هعدِّي وأطمِّن عليها.
أوقفته إيلين:
_هترجع إمتى حبيبي؟.
_الأول هعدِّي على المستشفى، بابا كلِّمني وقالِّي مرات يوسف في المستشفى، هسأل عليها، وبعد كدا هعمل كام مشوار شغل، قولي قدَّامي لخمسة، بتسألي ليه حبيبتي فيه حاجة؟
_إنتَ بتقول مرات يوسف مين، يوسف الشافعي؟.
انحنى يحمل هاتفه وهو يقول:
_وإحنا نعرف غيرها يا ماما.
قبَّلها ثم سحب أشيائه الخاصَّة، يشير إلى فرح التي توقَّفت تردُّ على هاتفها هي الأخرى..
_فروحة ياله حبيبتي.
وصلت بعد قليل إلى جامعتها، ترجَّلت من السيارة بخفَّة و استدارت نحو أخيها الذي نزل هو الآخر، فوقف أمامها يحجب عنها ضوء الشمس للحظة، كعادته..دائمًا يقف بينها وبين أي شيء قد يؤذيها، حتى وإن كان مجرَّد شعاع.
نظر إليها وقال:
_احتمال معرفش أجي لك، يبقى كلِّمي السوَّاق أو ماما…هكون برَّة القاهرة، خدي بالك من نفسك.
قبل أن ترد، جاءها صوت أصدقائها:
_هاي فرح.
التفتت بسرعة، ولوَّحت بيدها لصديقتها، ثم عادت بنظرها إليه، وأشارت نحوه بعبث:
_انزل إنتَ طويل كده ليه؟ هتفضحني!
قهقه بصوتٍ دافئ، فاقتربت منه وطَبعت قبلة سريعة على وجنته، ثم قالت بخفَّة مصطنعة:
_أنا هتصرَّف…امشي بقى علشان صحباتي واقفين، ودول هيعاكسوك زي ما بيقولوا.
مدَّ يده ومسَّد على خصلاتها بحنانٍ أخوي صادق، ثم أشار لها:
_ادخلي الأول…أطمِّن إنك دخلتي، وبعد كده همشي.
ضحكت تهزُّ رأسها، بشقاوة:
_يا بني أنا كبرت…على العموم همشي أهو.
تحرَّكت نحو صديقاتها بخطواتٍ واثقة، لكن قلبها التفت خلفها قبل عينيها، وهي تلوِّح له، أمَّا هو…فظلَّ واقفًا مكانه، يتابعها بعين مُحبَّة.
اندسَّت بين صديقاتها، ضحكاتهنَّ تعلو، لكنها لم تلتفت مرةً أخرى..
ظلَّ يراقبها إلى أن اختفت بالداخل، ثم استقلَّ سيارته وغادر الحرم الجامعي.
لكن..لم يكن هو الوحيد الذي يراقب.
في الطابق العلوي، خلف نافذة زجاجية واسعة، وقف عمران يحتسي قهوته ببطء، عيناه ثابتتان عليهما منذ بدايته، يتابع حديثهما، رأى ضحكتها، قربها منه
خفض فنجان القهوة ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة:
_وعاملة فيها الطفلة البريئة.
عند فرح:
_أنا مفطرتش، وعايزة آكل السندوتشات دي قبل ما ندخل، لسه فاضل ربع ساعة.
_أوكيه يا باشا.
قالتها إحدى صديقاتها بتهكُّم خفيف.
بعد انتهاء جزء من المحاضرة، وأخذ فترة راحة، أخرجت سندوتشاتها وبدأت تلتهمها بشهيةٍ واضحة، بينما كانت الأخرى تراقبها وتضحك:
_إيه يا بنتي! اللي يشوفك يقول إنك بقالك أسبوع ما كلتيش.
رمقتها بنظرةٍ متضايقة:
_يا بنتي إنتِ مش فاهمة…الطعم تحفة، بجدِّ بعشقه.
قالت أخرى بمشاكسة لاذعة:
_سيبيها…ربِّنا يستر وما يجيلهاش تلبُّك معوي.
رفعت حاجبها بدهشة:
_نعم ؟ ليه إن شاء الله! ده فول وطعمية مش سم!
انفجرت الفتيات ضاحكات:
_طعمية يا جاهلة…مش فلافل.
لوَّحت بيدها بلا مبالاة:
_المسميَّات مش مهمَّة، المهمّ الطعم، جرَّبي بس.
هزَّت الأخرى رأسها رافضة:
_لا يا ستي، خليهالك..المغامرة دي مش ليَّا.
في تلك اللحظة، كان هو يراقبهم بصمت من بعيد، بعد أن أنهى شرح المحاضرة.
التقطت ساندوتشًا آخر، وأغمضت عينيها وهي تتذوَّقه باستمتاعٍ واضح، تتمتم بنبرة رضا:
_والله إنتوا ما بتفهموش في الأكل.
تنحنحت صديقتها فجأة حين لمحته واقفًا أمامهم، ثم لكزتها بقوة، لكنَّها تمتمت بضيق دون أن تنتبه:
_إيه يا بنتي! هوَّ أنا ماصدَّقت آخد بريك من المحاضرة الكئيبة دي؟
ساد الصمت فجأة، كأنَّ القاعة ابتلعت أصواتها دفعةً واحدة.
تقدَّم بخطواتٍ هادئة، ثم اتَّكأ بساعديه على حافَّة المدرَّج، ونظر إليها مباشرة بنظرةٍ باردة قبل أن يقول بسخرية قاسية:
_طيب نعمل إيه عشان نروَّق مزاجك؟ نجيب لك شوية بصل؟ ولَّا نزوِّدها بطبق فول سخن وعليه عصرة ليمون؟
تجمَّدت اللقمة في فمها، واتَّسعت عيناها بصدمة، قبل أن تمتلئ بالدموع..حاولت ابتلاعها، لكن حلقها خانها، وشعرت بالاختناق.
اعتدل واقفًا، وجال ببصره في القاعة كلَّها، ثم قال بصوتٍ مسموع ونبرةٍ حادَّة:
_ اللي شايف المحاضرة تقيلة عليه، يتفضَّل يكمِّلها بره، المطعم أولى بيه.
توقَّف لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ أكثر قسوة، وكأنه يتعمَّد إذلالها:
_بس يا ريت تختاروا أماكن أنضف شوية، مش أي حد يلمّ أكله من عربية على الطريق وييجي هنا يتلذَّذ.
التفت إليها وقال:
_كنتي خلِّيه يستنضف، اللي يشوف العربية يقول يا ما هنا يا ما هناك، بس تستاهلي أخرة الناس اللي بتتسلَّى.
ارتعش جسدها، وشعرت بأن الكلمات تسقط عليها كصفعاتٍ متتالية..سقط الساندوتش من يدها على الأرض، بينما انحبست أنفاسها داخل صدرها، وكأنَّ الهواء اختفى فجأة.
تكوَّرت الدموع في عينيها، واهتزَّت شفتاها دون صوت…واقفة في مكانها، عاجزة حتى عن الدفاع عن نفسها، بينما انكشفت هشاشتها أمام الجميع في لحظةٍ قاسية لا تُحتمل.
نهضت بجسدٍ مرتجف، تكاد ساقاها لا تحملانها، وحاولت أن تبتلع ما علق بحلقها، لكن أنفاسها كانت ثقيلة، متقطِّعة، سحبت نفسًا عميقًا، خرج مشوَّهًا من بين شفتيها، قبل أن تقول بصوتٍ مهتز يخفي خلفه انكسارًا حادًّا:
_وأنا مستحيل أحضر محاضرة لحضرتك بعد كدا…
انحنت بسرعة تجمع أشياءها بيدين مرتعشتين، تريد أن تهرب من المكان لا تغادره، وتحرَّكت بخطواتٍ متعجِّلة.
جاء صوته كالسوط خلفها، حادًّا، غاضبًا، يحمل إهانة صريحة:
_استني عندك! إنتِ فاكرة نفسك إيه؟
توقَّفت خطواتها رغماً عنها.
تابع بنبرةٍ أكثر قسوة، كأنه يتعمَّد سحقها أمام الجميع:
_أنا ممكن أسقَّطك…ومش ممكن وبس، إنتِ فعلًا ساقطة.
كلماته أصابتها في مقتل.
التفتت إليه ببطء، وكأنَّ روحها تُنتزع منها انتزاعًا..عيناها كانتا ممتلئتينِ بالألم، لكن خلف ذلك الألم اشتعلت اتِّهامات صامتة، نظرات موجعة تقول ما عجز لسانها عن نطقه.
ثانية واحدة فقط ثبتت فيها عيناها بعينيه…كانت كافية لتترك أثرًا عميق
ثم استدارت فجأة، واندفعت خارج القاعة، هاربة من نظرات الجميع، من همهماتهم التي بدأت تتصاعد، ومن انكسارها الذي لم تعد قادرة على إخفائه.
ساد الاضطراب بين الطلبة، همسات متداخلة ونظرات متبادلة، بينما وقف هو مكانه يغلي غضبًا، صدره يعلو ويهبط بعنف، وكأنَّ ما حدث لم يروِ شيئًا من احتدامه.
قبض على حافَّة المدرَّج بقوة، ثم صاح بصوتٍ غاضب اهتزَّت له القاعة:
مش عايز نفس!
بمكانٍ آخر..
كانت تجلس خلف مكتبها، تركِّز بعملها، استمعت إلى حمحمات أحدهم، رفعت رأسها مبتسمة:
_أهلًا مستر نور.
استند على مكتبها بظهره:
_عاملة إيه، فيه حاجة واقفة معاكي في الشغل؟.
_أبدًا، كلُّه تمام.
سحب المقعد وجلس بالقرب منها:
_فكَّرتي في عرض الشغل، على فكرة متفكريش عرضت كدا علشان المعرفة اللي بينَّا، أنا شايف إنِّك تستاهلي.
_أيوة فكَّرت، ادِّيني شوية وقت بس.
قطع حديثهم رنين هاتفها:
_سوري، ممكن ارد على التليفون؟
أومأ برأسه:
_طبعًا..رفعت الهاتف وهي تنظر إليه:
_أيوة يا رولا.
_آسيا..ضي اتحجزت في المستشفى، وأنا رايحة لعندها، لو حبِّيتي تروحي..
_إيه! ليه مالها ضي؟!.
رفع رأسه بانتباهٍ لحديثها، وهي تستمع إلى كلمات رولا:
_معرفش والله، سألت بلال قالِّي مفيش حاجة واضحة.
_طبعًا هعدِّي عليها بعد الشغل... توقَّفت عن الحديث تنظر إلى نور وقالت:
_مينفعش دلوقتي، لسة عندي شوية شغل.
_تمام حبيبتي، أنا حبِّيت أعرَّفك، وأه محدش يعرف، هوَّ قالِّي بلاش نقلق حد.
_أوكيه متقلقيش.
أنهت المكالمة واتجهت إلى عملها مرةً أخرى، فتساءل:
_فيه حاجة ولَّا إيه؟.
هزَّت رأسها بالنفي وقالت:
_لا مفيش، ممكن أخلَّص شغلي، لازم أخرج بدري.
انحنى على المكتب ينظر إليها باستفهامٍ نطقته عيناه.
حمحمت وقالت بهدوء:
_ضي، تعبانة ونقلوها للمستشفى.
أغلق جهازها فورًا، وأشار إلى أشيائها:
_ياله علشان أوصَّلك في طريقي، يبقى خلَّصي شغل بكرة.
_لا ميرسي مستر، أنا هخلَّص وأمشي.
_أنا بقولِّك ياله، الشغل مش هيطير.
نهضت تجمع أشياءها وهي تقول:
_خلاص مفيش داعي توصَّلني، هطلب أوبر.
أشار إليها بالسير دون حديث، فتحرَّكت معه..وصلت بعد قليل إلى المشفى، ترجَّلت من السيارة تشكره:
_ميرسي مستر نور، وبعتذر لحضرتك على اللي حصل.
_خلاص ولا يهمِّك، استدارت بوصول آسر بسيارته، ألقى عليها نظرة، ثم تحرَّك دون حرف.
داخل السيارة استمع الى رنين هاتفه
_مرحبا نانا... عاملة ايه وحشاني
_وانت اكتر نور.. هتيجي امتى وحشة نانا كتير
_خلال شهر يانانا، ماما عاملة ايه
_كويس حبيبي، متتأخرش
تمام
وصل الى المشفى فترجلت اسيا، فتحت باب السيارة وترجلت منها
_آسيا..صاح بها نور بعدما نزل من سيارته:
_ممكن يبقى تطمِّنيني على ضي.
ارتبكت قليلًا، ثم قالت:
_أصل..صمت ثم أومأت واستدارت متحرِّكة للأعلى.
عند أرسلان دلف إلى أحد المباني، ومنه إلى أحد المكاتب، طرق الباب ثم دخل.
توقَّف الرجل:
_أهلًا أرسلان باشا.
_فيه جديد؟..أشار إليه بالتقدُّم:
_اتفضل حضرتك وشوف بنفسك.
جلس يستمع إلى أحد الاجهزة، ثم تراجع بجسده ورفع هاتفه:
_جاسر باشا، إزي حضرتك.
_كلُّه تمام...وصلت لحاجة؟.قالها جاسر الذي ترجَّل من سيارته وهو يتجه إلى منزله..
أجاب على الجانب الآخر أرسلان:
_عايز أعرف جبت منين المعلومة، لازم أعرف ضروري، دلوقتي يوسف اتعرَّض لحادث مدبَّر، هل دا من الشخصية الغامضة اللي حضرتك قولت عليها؟.
توقَّف جاسر أمام عز وأجابه:
_هتأكِّد وأرد عليك، عمومًا ما أظنش، لأن المعلومات اللي وصلتني إنُّه ميعرفش بيكم.
_الراجل دا جنسيته إيه، إنتَ قولت أجنبية؟.
_لا مقصدش إنُّه أجنبي، أجنبي، أنا قصدي إنُّه مش مصري.
_يعني؟. تساءل بها أرسلان.
_على ما أظن عربي، هتأكِّد وأرد عليك، دا خارج من شخص مخابراتي ومش عايز ضرر، فهمت قصدي؟.
_مخابراتي!..أغلق أرسلان وعقله كاد أن ينفجر، كيف ولم يعلم إسحاق، هل هذه مزحة..أم أنَّ إسحاق كان يعلم ولم يخبره؟!.
نهض واتجه إلى النافذة، ومشاهد كثيرة تمرُّ أمام عينيه، كوَّر قبضته وهو يربط الأحداث:
_لحدِّ إمتى بتلعب بيَّا يا إسحاق.
عند رائد بالمشفى..
دلف إلى المشفى بخطواتٍ متعجِّلة، عيناه تبحثان عن أي إشارة تقوده إلى غرفة "ضي". أوقف أحد الممرِّضين، فسأله عن وجهته، وما إن أشار له حتى اندفع دون تردُد، عيناه تتنقَّلان بين أرقام الغرف دون تركيز، وفجأة اصطدم بشيءٍ صلب أمامه.
شهقةٌ خافتة خرجت من "كارما"، التي ترنَّحت قليلًا، لتسقط الزجاجات التي كانت تحملها من بين يديها، متناثرةً على الأرض، وبعضها انسكب محتواه.
انحنى هو سريعًا، وقد بدا عليه الارتباك:
_أنا آسف..والله ما خدت بالي.
لكنها لم تكن تستمع إليه، كانت عيناها معلَّقتين بالأرض، تراقب الأدوية بقلقٍ حقيقي، ويدها ترتجف وهي تحاول جمع ما يمكن إنقاذه..تمتمت بضيقٍ مكتوم:
_أعمل إيه بأسفك دلوقتي؟
تنهَّد بضجرٍ خفيف، وقد بدأ التوتر ينعكس على نبرته:
_طيب ما قولت آسف..لازم تعملي قصة يعني؟
رفعت رأسها إليه ببطء، نظرة صادمة استقرَّت في عينيها:
_إنتَ بجد قليل الذوق.
اعتدل واقفًا، يمرِّر يده في شعره بعصبية:
_وأنا مش فاضي أجادل، شكلك بتحبِّي الدراما زيادة.
اشتعلت عيناها غضبًا، ونهضت هي الأخرى:
_لا، أنا بحبِّ الناس اللي عندها ذوق... بس واضح إنك مش منهم.
رمقها بنظرةٍ حادَّة، لكنه لم يرد هذه المرة، فقط زفر بضيق، ثم استدار وانطلق سريعًا.
أمَّا هي، فبقيت مكانها للحظات، تنظر إلى الفوضى أمامها، ثم أغمضت عينيها بإحباط:
_يارب..أتصرَّف إزاي بس دلوقتي...
تنهَّدت، وعادت تنحني تجمع الزجاجات بحذر، بينما لا يزال أثر اصطدامه وأسلوبه عالِقًا في صدرها.
بعد يومين استقرت بهما ضي بغرفة العناية، ثم خروجها لغرفة عادية، اخبر الياس الجميع بقرحة بالمعدة، وحدث نزيف داخلي بسبب الحزن والعصبية
امتلأت الغرفة بدفء المقرَّبين القلقة، جاءوا ليطمئنوا قلوبهم قبل أن يطمئنُّوا عليها..كانت "ضي" مستلقية على الفراش، ملامحها شاحبة قليلًا، لكنها تحاول التماسك، تبتسم رغم الإرهاق الذي يسكن جسدها.
جلست غرام إلى جوارها، ويدها تنساب بحنان فوق خصلاتها:
_إيه اللي حصل يا حبيبتي؟
تنهَّدت ضي بخفوت، وعيناها تتهرَّبان:
_معرفش يا ماما..نمت وصحيت على وجع شديد في بطني، وحاسة بترجيع وبعدها مش فاكرة حاجة..غبت عن الوعي.
اشتدَّت يد غرام على شعرها:
_ألف سلامة عليكي يا روح قلبي.
رفعت عيناها نحو ميرال التي كانت تقف قريبة، تراقبها بقلقٍ ظاهر:
_ليه محدش قالي؟
تنهَّدت ميرال وهي تهزُّ رأسها:
_مكنتش أعرف إنها هتتحجز…قالوا قرحة بسيطة وهترجع، والحمد لله إنهم خلُّوها تقعد شوية في المستشفى للاطمئنان بس.
قاطع حديثهم دخول رحيل برفقة إيمان:
_ألف سلامة يا حبيبتي..لسه عارفين دلوقتي، والله يزن ما قال حاجة.
أومأت إيمان مؤكِّدة:
_إحنا كمان ما عرفناش غير الصبح.
دلف يوسف إلى الغرفة، ألقى السلام سريعًا، ثم اقترب من ضي، عيناه تتحرَّكان بدقَّة على الأجهزة، يتفحَّص مؤشراتها باهتمام الطبيب..وخوف الرجل.
_الحمد لله..أحسن، كمان نصِّ ساعة الممرِّضة هتعلَّق لك محلول، وبعده هنمشي.
اقتربت ميرال خطوة، عيناها تضيقان بقلق:
_مالك يا حبيبي؟ وشَّك مخطوف كده ليه؟
رفع حاجبه ساخرًا رغم الإرهاق الواضح على ملامحه:
_إيه يا ماما مخطوف دي..هوَّ حد خطف وشِّي ومشي؟
ضحكت غرام بخفَّة محاولةً كسر التوتر:
_هيَّ قصدها وشَّك أصفر يا حبيبي… دي استعارات للألم.
زفر يوسف بنفاد صبر مصطنع:
_والنبي يا ماما استعاراتك دي خديها وذاكريها لوحدك..أنا كويس.
لكن ميرال ظلَّت تحدِّق به وكأنها تقرأ ما يخفيه:
_والله أنا مش عارفاك؟
تدخَّلت رحيل محاولةً إنهاء الحوار: _خلاص يا ميرال، ما هو كويس قدَّامك أهو.
هزَّ يوسف رأسه بخفَّة، محاولًا التهرُّب: _قولي لها يا طنط رحيل…لازم أجري زي الحصان قدَّامها علشان تصدَّق إني كويس!
رفعت ضي عيناها ليوسف تراقبه بصمت، بعينينِ تحملان الألم.
تذكَّرت حين فتحت عينيها بصعوبة، وجدته إلى جوارها..غافيًا، رأسه قريب منها، وذراعه يحيطها بحمايةٍ غريزية.
أغمضت عيناها وارتجف قلبها كلَّما تذكَّرت دفء أنفاسه، دمعة انبثقت من عيناها، بدخول إلياس وهو يوقظه، وحركته السريعة مبتعدًا عنها…ومنذ تلك اللحظة..لم تراه سوى الآن.
خرجت من شرودها على صوت غرام وهي تقترب من يوسف:
_خلِّي بالك منها يا حبيبي.
ثم مالت على ضي، تقبِّل جبينها بحنان: _هروح بقى…يوسف بيقول مينفعش زحمة في الأوضة علشان التنفُّس، وكمان …عاملة إيه دلوقتي؟
ابتسمت "ضي" ابتسامة خافتة:
_كويسة يا ماما.
غادرت غرام برفقة رحيل وإيمان، بينما بقيت ميرال..ثم اقتربت ببطء، جلست إلى جوارها، ويدها تنساب فوق شعرها بحنان:
_حاسَّة بإيه يا حبيبتي؟
نظرت إليها "ضي" ثم انزلقت عيناها دون وعي نحو يوسف الواقف يتحدَّث مع غرام.
وهمست بصوتٍ خافت…يحمل ما لم تقله:
_كويسة…
ولكنها تشبَّثت بكفِّ ميرال قبل أن تنهض، وصوتها خرج خافتًا:
_ما تمشيش..خلِّيكي، محبتش أطلب من ماما علشان متقلقش.
نظرت لها "ميرال" مطوَّلًا، ثم جلست جوارها دون تردُّد، تراقبها بعين أم
همست بهدوء:
_حاسة إن فيه حاجة بينك وبين يوسف.
تسلَّلت نظرة "ضي" نحو يوسف لكن ملامحه لم تكن هادئة كما يبدو.
ثم عادت بعينيها إلى ميرال، وصوتها خرج هذه المرة مُنهكًا:
_عايزة أنفصل عن يوسف.
سقطت الكلمات ثقيلة على قلب ميرال لكنَّها لم تتراجع.
_خلاص…مبقتش عايزة أكمِّل، ابنك أذاني وتعبني بما فيه الكفاية…وكأن وجودي وعدمه واحد عنده…إحنا اتجوزنا غصب عنه من الأوَّل.
ارتجفت أهدابها، وامتلأت عيناها بدموعٍ أبت أن تسقط:
_كفاية تنازلت عن كرامتي علشان بحبُّه، كفاية وجع لقلبي، كفاية يا طنط.
انحنت "ميرال" نحوها، تمسِّد على شعرها بحنانٍ :
_حقِّك يا حبيبتي، مقدرش أقولِّك حاجة..اللي إنتِ عايزاه، دي حياتك.
رفعت "ضي" عينيها إليها بسرعة، تخشى أن تُفهم خطأ:
_مش علشان حالة يوسف والله، أبدًا. أنا كان يكفيني حضنه وبس، لكنه استكتره عليَّا.
في تلك اللحظة دلفت الممرِّضة، وبدأت بتعليق المحلول.
_دكتور يوسف، كلُّه تمام؟.
ردَّ بهدوءٍ مهني:
_تسلم إيدك يا هنا.
اقترب يتفحَّص المحلول بعين الطبيب، لكن قلبه لم يكن حاضرًا سوى مع تلك التي تبتعد بنظراتها عنه. تراجع وجلس، محاولًا أن يبدو عاديًا.
ظلَّت "ميرال" صامتة لحظات، ثم التفتت إلى "ضي"، وكأنها قرَّرت أن تحكي شيئًا:
_هحكيلك أنا اتجوزت عمِّك إزاي… بس ما تضحكيش، تمام؟
رمقت يوسف بطرف عينها، وهو منشغل بهاتفه…أو يتظاهر بذلك.
ابتسمت على ذكرى بعيدة:
_منكرش، كنت بتمنَّى أتجوزه، وجنِّنته كمان، يوسف ما يجيش حاجة في أبوه.
رفعت ضي حاجبها باهتمام، بينما ظلَّ يوسف صامتًا…لكن أذنه كانت معهم.
_لمَّا بابا مصطفى قال هنكتب كتاب ميرال وإلياس…أنا، أسكت؟ نو… فضلت أزن عليه لحدِّ ما زهق.
ضحكت بخفَّة، ثم صمتت لحظة، وابتسامتها تحمل شقاوة الماضي:
_تعرفي كان مسمِّيني إيه؟
هزَّت ضي رأسها، تنتظر.
رفع يوسف رأسه دون وعي.
انفجرت ميرال ضاحكة:
_البايرة!
ضحكت "ضي" رغم تعبها، حتى دمعت عيناها، بينما عادت ميرال تمسِّد على شعرها بحنان.
لكن صوتها تغيَّر قليلًا:
_كان بينا ذكريات وحشة كتير، بس الحلو مسح الوحش، وده الطبيعي. رغم إني كنت بحبُّه أوي، إحنا الاتنين جنِّنا بعض.
سكتت، ثم نظرت نحو "يوسف" مباشرة:
_اللي بينكم ده، ولا حاجة جنب اللي مرِّينا بيه..إحنا اتجبرنا، إنَّما إنتوا، بتجبروا نفسكم، وبتبنوا حواجز بإيديكم.
ساد صمتٌ ثقيل.
نهض يوسف فجأة، وكأنه يهرب من شيءٍ داخله، واتجه نحو الفراش:
_خلَّصتي قصِّة الحبِّ الباير؟ وسَّعي كده أشوف المحلول خلص ولَّا لأ.
نظرت له "ميرال" بغيظٍ مصطنع:
_شوف الواد! بدل ما تقولِّي تعيشي وتفتكري!
ردَّ ببرودٍ ساخر:
_ما تعيشيش الدور يا ميرال…ما إنتِ عايشة وبتشجينا بقصصك إنتِ وإلياس.
رفعت حاجبها متحديَّة:
_هتجيبه من بعيد يا ابن إلياس؟ ما إنتَ شبه أبوك.
قطب جبينه:
_أنا مش شبه حد، قال بايرة، لا وفرحانة بنفسها!
تدخَّلت "ضي" فجأة، وصوتها خرج هادئًا…لكنَّه يحمل وجعًا خفيًّا:
_طيب ما إنتَ كنت بتقولِّي "ضلمة" ولَّا نسيت يا دكتور؟
تجمَّد "يوسف".
تابعت، وعيناها مثبَّتتان عليه:
_بس عندك حق، لحدِّ إمبارح أنا كنت ضلمة حياتك بس خلاص.
سقطت الكلمات كصفعة..ساد صمتٌ ثقيل خانق.
نظر إليها "يوسف" طويلًا، وكأنَّ شيئًا انكسر داخله، لكنَّه لم يظهره.
ثم قال بنبرةٍ حاول أن يجعلها طبيعية: _ممكن ما تتكلِّميش؟ إنتِ لسه خارجة من عملية، ومش سهلة.
انتفضت "ميرال":
_عملية! عملية إيه يا حبيبي؟
لم ينظر إليها، فقط قال بسرعة: _ماما…يلَّا انزلي تحت، بابا مستنيكي.
تردَّدت لحظة، تنظر بينهما، ثم ربتت على كتفه بهدوء:
_خلِّي بالك من مراتك.
قالتها وغادرت الغرفة ببطء.
مضي ثلاث ايام الى أن قرر يوسف خروجها من المستشفى
بعد قليل، اتَّجه إليها وهو يحمل حقيبةً صغيرة تضمُّ بعض ملابسها..
قال بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا، لكنه خرج مثقلًا:
_غيَّري علشان نمشي.
تعلَّقت عيناها بالحقيبة للحظة، ثم اعتدلت بصعوبة، جسدها ما يزال مخدَّرًا، ووجعها أعمق من أن يصفه دواء..انحنى نحوها ليساعدها، لكنَّها رفعت يدها سريعًا، كأنَّ لمسته النار.
_ما تقربش منِّي...أنا كويسة، مش محتاجة مساعدتك.
تجمَّد للحظة، وكأنَّ كلماتها صفعة نزلت على وجهه، ثم فتح الحقيبة وأخرج ملابسها بصمتٍ ثقيل.
_اطلع برَّة...ولمَّا أخلص هخرج، مش ههرب ولا حاجة.
نظر إليها مطوَّلًا، وعيناه تتوقَّفان عند ارتجافة أصابعها وشحوب وجهها.
_ضي...جسمك لسه مخدَّر، مش هتقدري.
رفعت وجهها إليه، وفي عينيها بقايا انكسار وشرارة غضب موجعة.
_ما يخصكش...قلت اطلع برَّة.
في لحظةٍ امتزج فيها الخوف بالعناد، انحنى وأوقفها رغم مقاومتها..كانت قدماها ترتجفان، لا تقويان على حملها..بيدٍ واحدة أسندها، وبالأخرى بدأ ينزع عنها ثياب المشفى، رغم محاولتها انتزاع نفسها منه بيأس.
_اهدي...هتوقعي، إنتي لسه تعبانة.
_ابعد عنِّي...ما تلمسنيش بقولَّك!
ارتجف صوته عندما شعر بدموعها المختنقة، لكنَّه لم يتوقَّف..أحاط جسدها بالكامل حتى أصبحت حبيسة ذراعيه، عاريةً من كلِّ شيء إلَّا من ألمها وكسرتها.
أغمضت عينيها بقوة، وانسابت دموعها في صمتٍ موجع.
أمَّا هو...فكانت أنفاسه مضَّطربة، وقلبه يعتصره ندمٌ يأكل روحه ببطء، لكنه أخفاه خلف ملامح جامدة..أكمل إلباسها ملابسها بيدينِ ترتجفان رغم محاولته الثبات، ثم ساعدها على الجلوس برفق.
مال بجسده نحوها، وقال بصوتٍ خرج منخفضًا:
_خدي نفس بالراحة..حاسَّة بإيه؟
أبعدت عينيها عنه، كأنه لم يعد يستحقُّ حتى نظرة، وظلَّ الصمت بينهما أوجع من أي كلام.
جلس بجوارها، وسحب نفسًا طويلًا، ثم أطلقه ببطء، كالذي يطرد نارًا تشتعل بصدره.
_زعلانة ليه؟.هوَّ أنا غصبتك على حاجة؟
التفتت إليه فجأة، وعيناها امتلأتا بوجعٍ بارد، وجمودٍ يخيف أكثر من الصراخ.
_انا حبيتك كتير اوي، حبيتك اوي، وانت أذتني اوي علشان كدا طلَّقني يا يوسف، كفاية إهانة كدا..أنا بتأسِّف لك، وبتأسِّف لنفسي، آسفة... غلطة ومش هتتكرَّر طلَّقني.
تلقَّى كلماتها كطعنةٍ استقرَّت في صدره..للحظة، شعر أن الهواء انسحب من رئتيه، وأنَّ شيئًا بداخله ينهار بصوتٍ مدوٍّ.
ظلَّ ينظر إليها، وداخله بركان من الندم والغضب والألم.
اعتدل واقفًا، وقال بنبرةٍ خرجت حادَّة بعض الشيء، لكن خلف حدَّته اختبأ رجلٌ مكسور:
_هوَّ يوسف مالوش أي رأي في حياته؟ وقت ما تحبُّوا تجوِّزوه تجوِّزوه... ووقت ما تحبُّوا يطلَّق، يطلَّق؟
ارتجفت ملامحها للحظة، شعرت بقسوة حديثه، لكنَّها لم تتراجع..بقيت تنظر إليه بعينينِ خاليتينِ من الحياة، كأنها أنهت كلَّ شيء بداخلها.
وقف ينظر إليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ أكثر خفوتًا:
_هخلِّي الممرِّضة تجبلك كرسي، علشان متتعبيش.
نهضت بجسدٍ مرهق، وتحرَّكت بخطواتٍ ضعيفة، كلُّ خطوة كانت كأنها تسير فوق جراحها..شعرت بدوار الأرض يميل بها، فاستندت إلى الجدار، وأنفاسها تتسارع.
وفجأة شهقت، حين وجدت نفسها معلَّقة في الهواء.
حملها بين ذراعيه قبل أن تسقط، كأنَّ غريزته سبقت غضبه.
فتحت فمها لتعترض، لكنَّه نظر إليها بعينينِ يملؤهما قهرٌ وندمٌ موجع:
_هتوقعي..لمَّا نروح..ابعدي زي ما إنتي عايزة.
مضى بها نحو الخارج، دموعها تنساب بصمتٍ على صدره، وندمه ينهش قلبه مع كلِّ خطوة..حملها بين ذراعيه، وخطواته ثابتة ظاهريًّا، لكن داخله كان ينهار مع كلِّ خطوة يخطوها.
كانت خفيفة…خفيفة بشكلٍ مرعب.
كأنها لم تعد تلك التي عرفها، أو كأنَّ الحياة انسحبت منها وتركَت له جسدًا فقط…وذنبًا أثقل من أن يُحتمَل.
أنفاسها الدافئة كانت تلامس عنقه، ودموعها تتسرَّب بصمتٍ إلى صدره،
كلُّ دمعة كانت كأنها تحفر قبره.
شدَّ عليها أكثر دون وعي…
ارتجف فكِّه، واشتدَّت ملامحه، يحاول أن يدفن ألمه الذي صرخ بظهره لحملها…لكنَّه لم يتوقَّف..لم يعد يهتم لشيء، ما الذي ظلَّ ليحافظ عليه.. خطا بصعوبة والألم يزداد ورغم الأم نظرة ألمها وغضبها كانت أشدَّ ألمًا عليه.
صوتها وهي تطلب الطلاق للمرَّة الثانية، هل يحرِّرها منه للأبد، ويحرِّر نفسه من عناده، ويعود يغوص بالظلام مرَّةً أخرى، كيف وهي نقطة ضيائه الوحيدة؟..
هنا..توقَّف قلبه للحظة عند هذه الفكرة، وارتبكت خطواته، وكاد أن يسقط بها، فشدَّ عليها أكثر وكأنَّه يعتذر بصمتٍ لا يُسمَع.
وضعها بهدوء، رغم أن الألم تضاعف داخل ظهره كأنَّ أحدهم يغرس سكِّينًا في فقراته مع كلِّ حركة.
في تلك اللحظة، وصل بلال، الذي ترجَّل من سيارته متجمِّدًا على مشهد حمله لها.
_يوسف! إنتَ اتجنِّنت؟! إزاي تشيلها وفقرات ضهرك مش في مكانها؟!
شدَّ يوسف على أسنانه، وعرقٌ باردٌ بدأ يغزو جبينه، لكنه قال بصوتٍ متماسك بصعوبة:
_أنا كويس...
لم ينتظر ردًّا، واتجه إلى مقعد القيادة، تحرَّك بالسيارة بينما الألم ينهش ظهره بلا رحمة، يمتدُّ تدريجيًّا إلى ساقه، كتيَّار نارٍ يسري في عروقه… ومع ذلك، ظلَّ صامتًا، رافضًا أن يُظهر ضعفه.
كانت تنظر من النافذة، كلماته ليلة أمس تصدح بأذنيها، دمعة غائرة تطبق على جفنيها، وهي تقرِّر نهائيًا الابتعاد عن ذلك الحبِّ المؤذي، التفتت إليه ببرودٍ قاتل:
_أنا هروح بيت أبويا…وأبعت البنات يلمُّوا حاجتي..
لم يلتفت، لم يعترض، فقط شدَّ على المقود حتى ابيضَّت مفاصله..
التفتت إليه فجأة:
_يوسف علشان منرجعش نندم ونوجع بعض…طلَّقني بلا رجعة.
هنا لم يعد الألم في ظهره وحده.
اشتدَّت قبضته أكثر، واهتزَّ نفسه، كأنَّ قلبه انضغط داخل صدره مع فقراته.
التفت إليها ببطء، وعيناه تحترقان:
_ضي لمَّا نروح فيه حاجة لازم تعرفيها، أنا مقدرتش أوجعك أو أهينك، ولاعمري فكَّرت أبكِّيكي في يوم من الأيام.
_مبقاش فيه حاجة تتقال يا يوسف، إنتَ صح..اتَّجهت مرَّةً أخرى بنظرها إليه:
_للأسف كلِّ ذكرياتنا مع بعض وحشة أوي، مفيش ذكرى حلوة معاك فكراها.
_مش هتمشي يا ضي ريَّحي نفسك، عارف أذيتك وضغطت عليكي، لكن عندي أسبابي، ولمَّا تعرفيها أوعدك بعدها هعمل اللي إنتي عايزاه.
للحظة شعرت بضعفها، هي لاتريد أن يقصَّ لها شيئًا.
نظرت إليه لثانية، ثم أدارت وجهها في هدوء، وأسندت رأسها على زجاج النافذة.
لم يكن ضعفًا..بل إنهاك..قرارها انتهى، ولم يعد فيه رجوع.
وصلت السيارة أمام منزل إلياس.
توقَّف فجأة، أنفاسه أصبحت أعلى، متقطِّعة، ويده ترتعش على المقود، وظهره يصرخ فيه بلا توقُّف…كلَّ ما يريده الآن هو أن يصل للفراش.
أشار إليها دون أن ينظر:
_انزلي بالراحة، علشان هتحسي إنِّك دايخة.
فتحت باب السيارة، وقالت:
_هبعت حد ياخد هدومي.
ترجَّل بصعوبة، يشعر بأنَّ جسده كلِّه أصبح ثقيلاً عليه، استدار نحوها…وقف للحظةٍ صامتًا، عينيه عليها، يريد أن يقول لها أنَّه يتألَّم …ولم يستطع.
نظرت إلى وقوفه أمامها:
_وسَّع عايزة أمشي.
انحنى يحملها رغم اعتراضها.
_نزِّلني! قولت نزِّلني!
لكنَّه لم يتحرَّك، فقط كان ينظر إليها
ثم…فجأة، وكأنَّ شيئًا اشتعل داخله، فانحنى وحملها وهو يقول بصوتٍ خرج ممزوجًا بالألم والغضب، رغم صرخة ظهره التي كادت تُسقطه في نفس اللحظة.
_أنا آسف حبيبتي، حبيبك غبي.
نطقها بصعوبة وارتعاش.
لكنَّها صاحت فيه:
_يوسف نزِّلني، مش هدخل معاك البيت.
في تلك اللحظة وصل بلال، وترجَّل من سيارته سريعًا.
_يوسف، نزِّلها يا مجنون! إنتَ بتعمل إيه؟!
أشار بلال نحو الداخل وهو يصرخ بإلياس الذي دلف للتو:
_الحق ابنك بيأذي نفسه!
ولكن تحرَّك يوسف بها…خطوة…ثم أخرى.
كلُّ خطوة كانت كأنَّها تمزِّق عموده الفقري.
الألم لم يعد احتمالًا..بل صار طوفانًا يجتاح جسده.
تعالت أنفاسه، وازداد عرقه، وارتجفت يده التي تحملها وهي…لم تتوقَّف..
كانت تضربه بصدره، تركل الهواء، تحاول الإفلات منه:
_سيبني! بقولَّك سيبني!
لكنَّه لم يسمع…
شدَّّ عليها أكثر:
_ضي اهدي هقع، بطَّلي غلبة، إنتي عارفة بحبِّك، بطَّلي بقى جسمك ضعيف حبيبتي من السمِّ مش هتقدري تمشي.
_نزِّلني يا يوسف بقولَّك ما لكش دعوة بيَّا.
لم تكترث لكلماته..
_يوسف نزِّلني مبقتش طيقاك.
خطوة أخرى وفجأةً توقَّف.
شهقة حادَّة خرجت منه، وشعر بتجمُّد جسده.
تسلَّلت من بين يده، بعد وقوفه، ظنًّا أنَّه حزن من كلماته، ولكن انقبضت يده بعنف على أسفل ظهره، وعيناه اتَّسعتا من شدَّة الألم..لم يعد قادرًا.
ابتعدت عنه فورًا، تلتقط أنفاسها، وتنظر إليه ببرودٍ قاسٍ:
_أنا همشي تطلَّق ولَّا مطلَّقش…ما يهمنيش أصلًا..
المهم إنِّي مبقتش عايزة أفضل معاك.
لم يكن يسمعها لأنَّ جسده خذله في تلك اللحظة.
سقط على ركبتيه فجأة، وكأنَّ ساقيه انهارتا تحته، قبض على أسفل ظهره بقوة، وأطلق أنينًا مكتومًا خرج رغمًا عنه..
حتى شعر بتقطُّع أنفاسه، وشحب وجهه، وعرقٌ باردٌ غطَّى ملامحه.
حاول أن ينهض…لكن قدمه اهتزَّت، ولم تحمله.
_يوسف!
صرخ بلال وهو يركض نحوه، ومعه خروج ميرال مذعورة على وقوع ابنها.
_لو بتنتحر مش هتعمل كدا يا متخلِّف!
لكن يوسف لم يرد…
رفع عينيه بصعوبة، ونطق بصوتٍ خرج مكسورًا، متقطِّعًا، مليئًا بعجزٍ لم يعرفه من قبل:
_بلال..ضهري مش..مش قادر أقف.
ضغط أكثر على ظهره، وكأنَّ الألم ينهش عظامه من الداخل.
هنا انهار بلال وصاح غاضبًا به:
_أعمل فيك إيه يا متخلِّف...أعمل فيك إيه؟
أنا مش محذَّرك وقايلَّك عندك انزلاق غضروفي حاد في الفقرات القطنية، واللي إنتَ عملته زوِّد الضغط على الغضروف بشكل كبير.
حرَّك يده على ظهر يوسف، وصرخ بأنين من جوف يوسف.
ضمَّ بلال رأسه:
_أومال لو مش دكتور وعارف إنِّ الغضروف بيضغط على العصب..
حرام عليك يا يوسف، ليه تعمل في نفسك كدا، ليه يا بني؟.
_بلال...فهِّمني إيه اللي بتقوله؟.
سحب يوسف ذراعه بقوة، رغم تفاقم الألم:
_ألم بسيط وهيروح يا بابا، مش كدا يا دكتور؟.
هزَّ رأسه ودمعة انبثقت من جفنيه:
_اتِّصل بالإسعاف يا عمُّو، ابنك لازم يعمل عملية، وياعالم يمشي تاني ولَّا لأ.
الفصل 68
لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين"
هكذا هي الحياة… لا تمضي على وتيرةٍ واحدة، ولا تمنح الحب شكلًا واحدًا. فيها من يلتقي ليُشفى، ومن يفترق ليبقى، ومن يحب ليصبر، ومن يخطئ ليتعلّم.
تمضي الحكايات دون أن تُعلن أسماءها. تتشابك الطرق كأنها تعرف بعضها، ثم تتباعد كأن اللقاء لم يكن. قريبون حدّ الارتباك، وبعيدون حدّ الصمت… ولا شيء يُقال كاملًا.
هناك قلوبٌ تُمسك ببعضها خفيةً، كأنها تخشى الضوء، وأخرى تترك أثرًا يشبه الجرح، دون أن تعترف أنها كانت سببًا فيه. شيءٌ ما يبقى معلّقًا بين ما كان يمكن أن يكون… وما لم يحدث.
أحدهم ينتظر دون أن يدري ماذا ينتظر، وآخر يهرب دون أن يعرف ممّ يهرب… وبينهما شعورٌ يتكوّن، ثم يتلاشى، ثم يعود كأنه لم يغب.
ليست كل الطرق تؤدي، ولا كل النهايات تُغلق. بعض الحكايات تُفهم متأخرة… وبعضها لا يُفهم أبدًا.
ركع بلال أمامه بسرعة، يحاول أن يسنده، لكن ما إن لمس كتفه حتى انقبض وجه يوسف بألمٍ حاد، وخرجت منه أنفاسًا متقطِّعة موجوعة، فعرف أنَّ الأمر أخطر ممَّا ظن.
_طيب..خلاص، خلاص يا يوسف، متتحرَّكش..افرد جسمك بالراحة.
كان صوته مهتزَّا رغم محاولته التماسك، بينما عيناه تتحرَّكان فوق جسده بخوفِ طبيبٍ يعرف جيدًا معنى تلك النظرات الجامدة، وذلك العرق البارد الذي غطَّى وجهه.
اقترب إلياس بخطواتٍ مضطَّربة، وعيناه معلَّقتان بابنه الملقى أمامه.
_بلال..ايه اللي حصل؟
رفع بلال رأسه إليه، وملامحه متجهِّمة على غير عادته.
_هات عربية إسعاف فورًا..مينفعش أي حركة من غير تثبيت لظهره، ممكن الأذية تزيد.
شحب وجه إلياس أكثر:
_ليه، عمل ايه؟
ابتلع بلال ريقه بصعوبة، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ لكنَّه مرعب:
_كان فيه إصابة قوية في الفقرات..وكنت شاكك انزلاق غضروفي حاد، انتظرت نعمل إشاعة أخيرة، بس جه موضوع ضي، ربِّنا يستر ميكونش فيه ضغط على الأعصاب.
سقطت الكلمات فوق قلب إلياس كالصاعقة.
حاول يوسف أن يرفع رأسه لوالده، يريد فقط أن يطمئنه أنَّه بخير، لكن الألم كان ينهش ظهره بعنف حتى أنَّه عجز عن التقاط أنفاسه بصورة طبيعية، واكتفى بأن أغمض عينيه بقوة، بينما أصابعه انغرست بالأرض من شدَّة الوجع.
اقتربت ضي بخطواتٍ مرتجفة، وجسدها كلُّه ينتفض رعبًا، كانت تظن أنَّه يبالغ فقط ليمنعها من الرحيل..لم تتخيَّل أبدًا أن يصل به الأمر لهذا الحد.
هبطت أرضًا بجواره، والدموع تتكوَّر داخل عينيها المرتعبتين:
_ليه عملت كدا؟... إنتَ كنت عارف إن ضهرك تعبان..ليه يا يوسف؟ حرام عليك...
ارتفع صدره بأنفاسٍ متلاحقة، وحاول أن يتحدَّث، أن يقول أي شيء يهدِّئها، لكن الألم سرق صوته، فاكتفى بالنظر إليها بعينينِ ممتلئتينِ بالوجع.
أمَّا ميرال...
فكانت تقف بعيدًا كأنَّ الحياة انسحبت من جسدها دفعةً واحدة.
وجهٌ شاحب؛ وعينانِ متَّسعتان بصدمةِ أم ترى ابنها يتألَّم أمامها دون أن تستطيع إنقاذه.
تردَّدت كلمات بلال داخل رأسها بشكلٍ مرعب:
"ممكن ميعرفش يمشي تاني..."
اهتزَّت شفتاها، وانسابت دموعها ببطء وهي تهمس كمن يناجي القدر:
_ليه..ليه ابني يحصل له كلِّ دا؟
في تلك اللحظة، اندفع آسر للداخل بعدما لمح ركض بلال لداخل منزل عمَّته، لكنه توقَّف وشهقة خرجت منه وهو يرى يوسف ممدَّدًا على الأرض، وضي تبكي بجواره، وبلال يمنعه من الحركة، بينما إلياس يقف ممسكًا هاتفه بيدٍ مرتعشة.
_في إيه؟!.يوسف!
اقترب بسرعة، لكن بلال أوقفه بحدَّة:
_محدش يقرَّب منه! أي حركة غلط ممكن تأذيه أكتر.
قالها بلال بغضب، وهو يساعد يوسف أن يفرد ظهره ببطء.
صمتٌ دام بالمكان..
لا يُسمع فيه سوى أنفاس يوسف المتألِّمة، وبكاء ضي المكتوم، وصوت ميرال المنهار وهي تدعو الله بخوف أمٍّ رأت ابنها يسقط أمام عينيها، ولم تملك إلَّا الدعاء ألَّا يخسر القدرة على الوقوف مجدَّدًا.
بعد ساعة..
وقف بلال أمام شاشة الأشعَّة يتابع الصور بتركيزٍ شديد، يقلِّبها واحدة تلو الأخرى.
تحرَّكت عيناه فوق الفقرات القطنية، ثم زفر ببطء وأغمض عينيه للحظة:
_الحمدلله..بعيد عن الأعصاب.
اقترب إلياس بسرعة:
_يعني إيه؟ طمِّني يا بلال.
أشار بلال إلى الأشعة:
_فيه انزلاق غضروفي بسيط مع التهابات شديدة في الفقرات القطنية بسبب الحادث..والعضلات كلَّها متشنجة من الضغط اللي حصل على ضهره.
_يعني مفيش كسر؟.
_مفيش كسر خطير، فيه شرخ بسيط وإجهاد قوي في الفقرات..لكن المشكلة إنِّ حالته كانت محتاجة ثبات تام بعد الحادث.
رفع إلياس حاجبيه بعدم فهم:
_يعني إيه؟
التفت إليه بلال بنظرةٍ متعبة:
_يعني كان المفروض ما يتحرَّكش أصلًا…وهو شال ضي واتحرَّك بيها.
مرَّر بلال يده في شعره بعصبية مكتومة:
_يوسف كان داخل على إصابة أخطر من اللي قدَّامنا دلوقتي، لو الانزلاق ضغط على الأعصاب وقت ما شالها، كان ممكن يفقد الإحساس برجليه أو يدخل في شلل مؤقَّت على الأقل.
همس إلياس بعد لحظة:
_بس هوَّ كان ماشي طبيعي…
أجابه بلال بهدوء:
_وقت الصدمة الجسم بيفرز أدرينالين يخلِّي المصاب يتحرَّك ويتحمِّل فوق قدرته، وبعدها الألم الحقيقي يبدأ يظهر..علشان كدا حالته ساءت بسرعة بعد ما وصل.
أخفض بلال رأسه للحظة، ثم أعاد النظر إلى الأشعة:
_الضغط اللي عمله على ضهره وهوَّ شايلها زوِّد الالتهاب والانزلاق…بس الحمدلله ما وصلش للأعصاب.
سألت ميرال بصوتٍ مرتجف:
_هيخف..صح؟
أومأ لها بلال:
_هيخف، بس لازم لازم يلتزم، ممنوع أي مجهود، ومحتاج علاج طبيعي بعد فترة، وأوَّل أسبوع الألم هيكون قاسي جدًّا عليه.
تنهَّد بلال بإرهاق، ثم تمتم وهو يطفئ شاشة الأشعَّة:
_عنيد..كان ممكن يضيَّع نفسه في لحظة.
الحمد لله أهمّ حاجة مفيش تدخُّل جراحي.
تردَّد إلياس بخوف، فتساءل:
_يعني رجله؟
ربت بلال على ظهره:
_العصب سليم يا عمُّو…اللي حصل كان ضغط مفاجئ على الفقرات بعد المجهود اللي عمله، والالتهاب ضرب على العصب للحظات ففقد القدرة إنُّه يحرَّك رجله من شدِّة الألم والتشنُّج.
والضغط الزيادة وقتها كان ممكن يحوِّل الإصابة لشلل فعلي لا قدَّر الله.
_الحمدلله إنَّها وقفت على كدا."
أومأ الياس بعد تنهيدة عميقة وكأنه كان محبوسًا.
بالخارج كانت تقف ساكنة تمامًا عيناها على باب الغرفة، تنظر إليه و قلبها يرتجف داخلها بعنفٍ مؤلم.
أغمضت عيناها وأنفاسها متقطِّعة، تتذكَّر صدى كلماته يلتفُّ حول روحها بلا رحمة…بحبِّك.
كم تمنَّت لو استطاعت أن تكرهه؛ لو استطاعت أن تنتزع اسمه من قلبها كما ينتزع المرء شوكةً أنهكته.
لكنَّه لم يكن مجرَّد رجل أحبَّته، كان شيئًا تسلَّل إلى أعماقها حتى صار جزءًا منها، جزءًا يؤلمها وتخشى فقدانه بنفس القدر.
أغمضت عينيها بقوة، تستعيد كلَّ ما فعله بها، كلَّ مرَّة بكت فيها بسببه، كلَّ مرَّة شعرت فيها أن قلبها يُسحق بين يديه دون أن ينتبه.
لقد كسرها..ترك داخلها ندوبًا لن تمحوها الأيام بسهولة، حتى أصبحت تخجل من ضعفها أمامه، وتغضب من قلبها لأنه ما زال يرتجف له، وما زال يخاف عليه أكثر ممَّا يخاف على نفسه.
لكن عندما رأته يسقط بتلك الطريقة، فلقد تمزَّق شيئًا بداخلها.
لم تستطع أن تمحو صورته وذلك الألم الذي ظهر على وجهه، وعجزه للحظات، وصوتهم المذعور حوله… كلُّ ذلك أعاد إليها شعورًا مرعبًا، شعور امرأة رأت الحياة تُسحب من بين يديها فجأة.
ومنذ تلك اللحظة…وهي تشعر أنَّ روحها بوجوده فقط، لا تريد شيئًا سوى أن تراه بخير.
تمنَّت لو عاد بهما الزمن دون عتاب، دون خصام، دون كلَّ هذا الخراب بينهما…حينها ستضمُّه..تضمُّه وكأنها تحاول أن تطمئن قلبها المرتعب بأنه ما زال هنا، ما زال يتنفَّس..وأنَّه لن يتركها أبدًا
خرجت من آلامها وأمنياتها مع
خروج بلال بجوار إلياس، وخلفهما الفراش المتحرِّك يشقُّ طريقه نحو إحدى غرف المشفى، ظلَّت عينها معلَّقتينِ به، تتابع كلَّ حركة تصدر عنه..تحاول أن تطمئن قلبها الذي يصرخ بين ضلوعها.
التفتت سريعًا نحو أخيها، وتساءلت بصوتٍ يختنق خلف خوفها:
_طمِّني..يوسف كويس صح؟
اقترب منها ما إن لمح شحوب وجهها وارتجاف جسدها حتى جذبها إلى صدره بحماية، يربت على ظهرها برفق، رغم القلق الذي ينهش داخله هو الآخر:
_حبيبتي اهدي…إن شاء الله خير.
انحدرت دموعها دون مقاومة، وهزَّت رأسها بعجز:
_طمِّني يا بلال..بالله عليك قول إنُّه كويس.
ابتلع غصَّته، ثم شدَّد احتضانها قليلًا:
_إن شاء الله هيبقى كويس..تعالي.
سحبها معه متَّجهًا خلف إلياس وميرال نحو الغرفة.
دلفوا جميعًا ليجدوا الممرِّضين ينقلون يوسف بحذر إلى الفراش، يتحرَّكون حوله ببطءٍ شديد، وكأنَّ أي حركة خاطئة قد تضاعف ألمه.
اقترب آسر يساعده على الاعتدال، فجأةً انقبض وجه يوسف من الوجع رغم محاولاته إخفائه.
خطت هي نحوه بخطواتٍ مرتجفة، حتى توقَّفت بجوار الفراش، وقلبها يعتصر لرؤيته بتلك الحالة.
همس آسر بتحذير:
_على مهلك.
تنفَّس يوسف بصعوبة، ثم تمتم بابتسامةٍ باهتة يحاول بها طمأنتهم:
_أنا كويس يا بني…بلال بس بيحبِّ يهوِّل.
رمقه بلال بامتعاضٍ واضح، قبل أن يقترب منه وينخفض قليلًا أمامه:
_يا بني متخلِّنيش أتعلِّم فيك، إنتَ كنت هتودِّي نفسك في داهية.
رفع يوسف حاجبه رغم الإرهاق:
_امشي من قدَّامي يا متخلِّف…واحد فاشل.
انفجر بلال ضاحكًا بصوتٍ مرتفع، ضحكة خرجت رغمًا عنه بعدما عاش دقائق من الرعب الحقيقي، بينما اقتربت ميرال من يوسف تمسِّد على خصلاته بحنان أمٍّ كاد قلبها يتوقَّف منذ قليل.
_ألف سلامة حبيبي.
رفع عينيه إليها، ولأوَّل مرَّة ظهر ضعفه الحقيقي خلف ابتسامته:
_الله يسلِّمك يا حبيبتي..أنا كويس، الواد ده اللي أهبل.
ردَّ بلال سريعًا:
_شوفوا إزاي! أومال مين اللي كان بيقول: الحقني يا بلال…مش قادر.
غمغم يوسف بإنهاك:
_اخرس يا متخلِّف..وأنا اللي غلطان إنِّي افتكرتك دكتور بتفهم.
لكزه بلال بخفَّة وهو يضحك، لكن خلف تلك الضحكات كانت عيناه تفضحان خوفًا حقيقيًّا عليه.
أمَّا إلياس…فكان يقف بصمت في زاوية الغرفة، يتابع المشهد بعينين مثقلتينِ بالرعب الذي عاشه منذ سقوط ابنه.
وهو يرى فلذة كبده قبل قليل ينهار أمامه، عاجزًا حتى عن الوقوف، ورأى الألم يمزِّق ملامحه وهو يحاول التماسك…حينها شعر وكأنَّ قلبه يُسحق ببطء داخل صدره.
قبض على يده بقوة، محاولًا إخفاء ارتجافها، لكن عينيه ظلَّتا معلَّقتين بابنه، وكأنهما تتأكَّدان كلِّ ثانية أنه ما زال أمامه…ما زال يتنفَّس.
ما أصعب شعور الأب حين يرى ابنه يتألَّم ولا يستطيع أن يحمل عنه وجعه..وما أقسى العجز حين يقف رجلٌ أفنى عمره يحمي أبنائه، ثم يكتشف أن هناك لحظات لا يملك فيها سوى الدعاء والخوف.
تغلغلت الدموع داخل عيني إلياس، حتى شعر أنَّ البقاء هنا سيكشفه.. سينهار ويظهر ضعفه الذي حاول أن يخفيه أمامهم.
استدار سريعًا وغادر الغرفة بخطواتِ متعثِّرة، يحاول أن يمحو صورة آلام ابنه حين سقط لا حول له ولا قوَّة، ورغم هروبه لكن يوسف التقط ضعفه
رأى كتفي والده المنهارين لأوَّل مرَّة، ورأى ذلك الثقل الذي انحنى فوق ظهره خلال دقائق قليلة، فشعر بألمٍ أشدَّ من ألم جسده نفسه.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّ قلبه لم يحتمل رؤية والده بتلك الحالة.
ثم توقَّفت عيناه على ضي…
كانت تقف بعيدًا، شاحبة الوجه، وكأنَّ روحها عالقة بين الخوف والغضب والخذلان.
مدَّ يده نحوها ببطء، ثم قال بصوتٍ هادئ متعب:
_ممكن تسيبوني مع مراتي شوية؟
التفتت ميرال نحو ضي، ثم عادت تنظر إلى ابنها بمكرٍ خفيف تحاول به تخفيف آلامه:
_يعني بتطرد أمَّك علشان مراتك؟
غمغم يوسف بتعب، و ابتسامة باهتة مرَّت على شفتيه:
_خلِّيها عليكي يا ميرال…ولَّا أقول إنجازاتك مع إلياس للواد بلال وآسر؟
اتَّسعت عيناها بصدمةٍ مصطنعة، ثم ضحكت رغم دموعها، وانحنت تقبِّل جبينه بحنان:
_فداك أمَّك يا حبيبي.
رفع كفَّها بين يديه وقبَّله بحبٍّ صادق: _ربِّنا يخلِّيكي ليَّا يا ستِّ الكل.
خرج الجميع بهدوء.
ساد الصمت للحظاتٍ طويلة، ثقيلة، حتى كان صوت أنفاسهما يُسمع بوضوح.
ظلَّ يراقبها وهي واقفة مكانها، كأنَّ بينهما مسافاتٍ لا تُقاس بخطوات.
ثم قال بصوتٍ خافت:
_هتفضلي واقفة عندك كتير؟
تحرَّكت نحوه ببطء، خطواتها متردِّدة، تخشى من الاقتراب رغم اشتياقها إليه، تعلم أنَّها ستنهار ضعفًا أمامه.
أشار لها بالصعود بجواره بعدما فرد ذراعيه بتعب:
_تعالي في حضني.
ما إن سمعت كلماته حتى انسابت دموعها من جديد، وهزَّت رأسها بألم:
_ليه بتعمل كدا يا يوسف، عايز توصل لإيه؟
خفض عينيه قليلًا، ثم تمتم بصوتٍ موجوع:
_تعالي يا ضي…مش هقولِّك حاجة، ولا هنتكلِّم في حاجة.
ضحكت بمرارة خرجت ممزوجة بالبكاء:
_مبقاش فيه حاجة نقولها أصلًا…أنا تعبت منَّك أوي.
انكمش قلبه مع كلماتها، لكنَّه لم يعترض.
فقط صمت للحظات، يسحب نفسًا طويلًا، يحاول جمع شتات روحه، ثم زفره ببطء:
_آسف..عارف إنِّي أذيتك، بس غصب عنِّي.
توقَّفت أنفاسه لحظة، قبل أن يكمل بصوتٍ بالكاد خرج:
_أنا عايزك تبقي سعيدة…وأنا مش هعرف أسعدك، كل اللي هعمله إنِّي هأذيكي…وبس.
ارتجفت شفتيه رغم محاولته التماسك:
_صدَّقيني..إنتِ غالية عليَّا أوي… ومستعد أضحِّي بنفسي كلَّها، المهمّ تكوني سعيدة.
خرجت منها شهقة باكية، وكأنَّ قلبها تمزَّق أخيرًا أمام ذلك الوجع المختبئ داخله.
اقتربت بسرعة حتى دفنت رأسها في صدره، تبكي بحرقة أرهقت روحها قبل عينيها.
_إنتَ واحد غبي يا يوسف…وغباءك كسرلي قلبي.
أغمض عينيه، وكأنَّ كلماتها أصابته في أعمق نقطة داخله.
رفع ذراعيه بحذر بسبب ألمه، ثم حاوط جسدها برفقٍ شديد، كأنَّه يخشى أن تنكسر بين يديه.
دفن وجهه بخصلاتها وهمس بصوتٍ مختنق:
_غبي..بس بحبَّك، صمت لحظة، ثم أردف بألمٍ صادق:
_ولا عمري فكَّرت أأذيكي.
رفعت رأسها ببطء، لتصبح عيناها مقابل عينيه مباشرة…
رأت داخلهما تعبًا، وخوفًا، وحبًّا موجوعًا حدَّ الاختناق.
همست وهي تبكي:
_بس إنتَ أذيتني…
اهتزَّت نظراته، وشعر بأنَّ كلماتها طعنة استقرَّت بقلبه.
ولأوَّل مرَّة..لم يجد أي كلمة يدافع بها عن نفسه.
اعتدلت جالسة وأزالت دموعها:
_حاسس بإيه دلوقتي؟.
نظر إليها، وجهها الشاحب وعيناها التي ذبلت..رفع كفَّيه يزيل بقايا دموعها:
_ما توجعيش قلبي يا ضي، أنا موجوع كفاية.
شهقة ببكاء رغمًا عنها:
_مش عارفة أعمل إيه، مش قادرة أسامحك، وفي نفس الوقت مش قادرة أعيش من غيرك.
أشار بعينه على ذراعه:
_نامي..إنتي تعبانة، لسة جسمك تحت تأثير السم.
قطبت جبينها متسائلة:
_سم!! إزاي، أومال الدكتور قال قرحة ليه؟!.
مرَّر أنامله على وجنتها:
_يعني إنتي مش حاولتي تقتلي نفسك علشان اللي حصل بينَّا؟.
شهقت تشير إلى نفسها:
_أنا أقتل نفسي؟! أعوذ بالله، وليه علشانك، أموت كافرة علشان أذيتني؟!
قطب حاجبيه هو الآخر:
_يعني إيه الكلام دا، إنتي ما شربتيش حاجة؟.
_لا..قالتها بتذمُّر، ثم تابعت:
_مش أنا اللي آذي نفسي علشان راجل، مش شايف حبِّ مراته.
_ضي قرَّبي عايز أقولِّك حاجة.
انحنت ظنًّا أنه سيقصُّ لها، ولكنَّه فاجأها حين احتضن ثغرها يقبِّلها بنهمٍ واشتياق، كأنَّه لم يلمسها من قبل، حاولت دفعه ولكن تذكَّرت إصابته..ترك شفتيها، ينظر لعينيها المنغلقة:
_آسف متزعليش منِّي، واسمعيني كويس..
عارف تماديت معاكي، بس تأكَّدي دا من حبِّي.
_حبَّك..تقتلني وأنا عايشة، أومال لو بتكرهني، هتعمل إيه؟.
نظر لداخل مقلتيها مباشرة:
_دعيت أكرهك، لكن حبَّك بيزيد وكأنه بيعاندني، احتضن كفَّيها وقال وهو يبتعد بالنظر من عينيها:
مش عايز أطفال، وإنتي عايزة، ودا مش هقدر عليه...مش عايز.
وضعت كفَّها على فمه قبل أن يكمل حديثه..
اسكت يا يوسف...علشان منزعلش من بعض أكتر من كده، متخلِّنيش أندم... قلبي بقى شايل منَّك فوق طاقته.
تمتمت بها ودموعها تنحدر فوق وجنتيها المرتجفتين، كأنَّ كل حرف يخرج من صدرها ممزوجًا بوجعٍ لم يندمل يومًا.
ضمَّ رأسها إلى صدره بصمت، يحاول أن يخفي ارتجافة قلبه عنها، لكن أنفاسه الخانقة فضحته، فضحته تلك الـ"آه" المحترقة التي مزَّقت روحه قبل جسده، لم يجد كلمة واحدة تستطيع تضميد ما فعله بها، فكلُّ اعتذار بدا حقيرًا أمام دموعها.
ارتجف جسدها بين ذراعيه من شدَّة البكاء، فمرَّر يده فوق ظهرها بحنانٍ مرتعش، كأنَّه يخشى أن تنكسر أكثر.
_خلاص..اهدي، متزعليش اللي إنتي عايزاه هعملهولك، أهمِّ حاجة أشوفك سعيدة.
رفعت رأسها إليه ببطء، تنظر إلى عينيه الغارقتين بالألم والحزن معًا..تعشقه حدَّ الجنون...حدَّ أنَّ روحها ما زالت تركض إليه رغم كلِّ ما فعله بها، لكن عقلها كان يصرخ بداخلها رافضًا ذلك الحب الذي سحق كرامتها تحت قسوته.
كيف لقلبٍ أن يحبَّ من أوجعه إلى هذا الحد؟
ساد بينهما صمتٌ خانق، لا يُسمع فيه سوى أنفاسٍ متقطِّعة وقلوبٍ تنزف بصمتٍ مرعب.
أومأ لها بصعوبة، وكأنَّ الكلمات تخنقه:
_قوليلي عايزة إيه يا ضي..وأنا تحت أمرك.
شهقت ببكاءٍ موجوع، ثم قالت بصوتٍ مهتزّ:
_عايزة آخد حق وجع قلبي منك يا يوسف...كلِّ لحظة عشتها وأنا بتوجع بسببك.
ازدادت دموعها انهمارًا وهي تنطق بما يرفضه قلبها قبل لسانها:
_عايزة أوجعك...أوجعك أوي...زي ما وجعتني.
ابتسم..يا الله، أي ابتسامة كانت تلك؟ ابتسامة رجلٍ ينهار بالكامل ويحاول ألَّا يُرعب المرأة التي يحبُّها بحجم خرابه، أزال دموعها وما زالت ابتسامته الحزينة على وجهه:
_وأنا فداكي..لو ده هيريَّح قلبك.
بكت بصوتٍ مرتفع، وانهالت بقبضتيها فوق صدره، تضربه وكأنَّها تنتقم من كلِّ ليلةٍ نامت فيها باكية بسببه، بينما احتواها هو أكثر، يضمُّها إليه:
_خلاص...اهدي، اعملي فيَّا اللي إنتي عايزاه...بس بطَّلي عياط، ابتلع غصَّته بصعوبة، وهمس بصوتٍ مكسور:
_ولو عايزة أطلَّقك نهائي..هعملها.
شهقت بألمٍ حاد، وكأنَّ الكلمة ذبحت قلبها حيًّا، وصرخت داخل أحضانه:
آآآه...
آه واحدة فقط..لكنها خرجت محمَّلة بوجعِ امرأةٍ تعشق حدَّ الثمالة، وتُقتل ببطء على يد الرجل نفسه.
آآآه...
لم تكن صرخة...
بل روحًا كاملة تتمزَّق داخل صدر امرأة أحبَّت حدَّ الهلاك، امرأة كلَّما حاولت النجاة من حبيبها، عادت إليه أكثر غرقًا به.
آه خرجت منها كأن قلبها يُنتزع حيًّا، كأنها تبكي عمرًا كاملًا من الخذلان والحنين والقهر، تبكي حبًّا لم تستطع قتله رغم أنه قتلها ألف مرَّة.
كانت تصرخ بين ذراعيه طلبًا للأمان... من الرجل نفسه الذي سرق الأمان من قلبها
ويا لقسوة الحب...
حين يصبح معشوقك هو وطنك الوحيد، وهو الحرب التي تهدمك في الوقت ذاته.
تشبَّثت بقميصه بقوة، تبكي بانهيار، بينما أغمض عينيه بعجزٍ قاتل، يشعر أن ذراعيه اللتين تضمَّانها الآن..هما نفسيهما من حطَّما قلبها.
هنا بدا الحبُّ بينهما وكأنه لعنة قاسية...
قلبان يتشبَّثان ببعضهما حدَّ الاختناق، لكن كلُّ اقترابٍ بينهما يفتح جرحًا جديدًا لا يتوقَّف عن النزيف.
ظلَّ يهدِّئها كطفلٍ رضيعٍ حتى هدأت وغفت بنومها بين أحضانه، أبعد وجهها عن أحضانه، يسبح بعينيه فوق وجهها المرهق، ثم قبلة حانية فوق جبينها بها ألف اعتذار.
بالخارج...قبل قليل..
اندفعت خطواته داخل أروقة المشفى كالإعصار، وجهه مشتعل بالذعر والغضب معًا، فلقد أتى من المطار على المشفى بعد علمه بما صار لابنته، دلف يبحث عن إلياس، وما إن وقع بصره عليه حتى توقَّف أمامه بعينينِ تشتعلان نارًا:
_يعني إيه بنتي تتسمِّم في بيتك في وسط الأمن دا كلُّه؟!.
نهض إلياس ببطء، والتعب بادٍ على وجهه كأنَّ سنواتٍ مرَّت فوق عمره خلال ساعاتٍ قليلة، ثم اقترب منه يحدِّق بعينيه بعمقٍ مرعب:
_يعني عايز تفهمني إنَّك متعرفش مين اللي عملها؟
عايز تقنعني إنك مش عارف حاجة؟
تهرَّبت نظرات أرسلان للحظة، لكن إلياس لم يترك له فرصة للهروب، اقترب أكثر حتى أصبحا وجهًا لوجه، ثم قال بصوتٍ خرج مخنوقًا بالغضب:
_إنتَ كنت فين بقالك أسبوع؟.وماتقولش شغل، اقترب خطوةً أخرى وغرس عينه بأعين أرسلان:
_يوسف عمل الحادثة إزاي يا أرسلان؟
صمت أرسلان ولم يرد، ولكن ملامحه كانت تنطق بما عجز لسانه، ابتسامة حزينة ظهرت على وجه إلياس ولكن بلا مرح..
_أقولَّك أنا...حد لعب في فرامل عربيته، وخلَّاها تبان حادثة عادية...زي آلاف الحوادث اللي بتحصل كلِّ يوم، محدش يشكِّ فيها.
تراجع خطوةً للخلف يضحك بمرارة موجوعة، ثم أردف:
_على اساس أبوه مش هيدوَّر على حاجة، ماهو يوسف طيب مين اللي ممكن يأذي دكتور؟
لا هوَّ ظابط...ولا ليه عداوات بالشكل ده..
أي حد هيفكَّر إنها صدفة.
ثم أشار نحوه بعنف، وصوته بدأ يهتز:
_بس تفكيرك خانك وإنتَ بتقول إلياس عمره ما هيشكّ إنها مدبَّرة.
ولو شك...هيقول أكيد حد من أعدائه.
ما هو أعداؤه كتير.
صمت لحظة، ثم انفجر بصوتٍ مرتفع موجوع:
_بس إنت الغبي يا ابن أمِّي وأبويا!
مكنتش فاهم إنِّي كنت بعدّ أنفاس ابني من يوم ما خرج من بيتي!
ارتجف فكُّ أرسلان وهو ينظر إليه، بينما أكمل إلياس بعينينِ ممتلئتينِ بالقهر:
_اللي كسرني مش اللي حصل...
اللي كسرني إنك كنت عارف وساكت.
هزَّ أرسلان رأسه بسرعة، وصوته خرج مرتبكًا:
_إلياس وحياة ربِّنا ما كنت أعرف حاجة..والله العظيم أنا زيي زيك، ما فهمتش إيه اللي حصل، ولا حتى عرفت إسحاق طلب إيه بالظبط.
تجمَّد إلياس للحظة، ثم أعاد الكلمة ببطءٍ قاتل:
إسحاق...
ضحك ضحكة قصيرة موجوعة، كأنَّ الاسم وحده يكفي لتمزيق ما تبقَّى بداخله:
_تمام..يعني كنت عارف أو شاكك، بس
كان المفروض أول ما شمِّيت خطر... تيجي تقولِّي.
_أقولَّك إيه؟
أنا عرفت إنك حاطط حماية على يوسف ومراقبه، ما شكِّتش أبدًا إن الموضوع واصل لكده.
اقترب منه إلياس أكثر، وعيناه احمرَّتا بقهر أبٍ كاد يفقد ابنه:
_آه...كنت بحميه.
بس غبائي إنِّي متخيلتش إنِّ إسحاق ممكن يورَّطه مع الناس دي..عمري ما فكَّرت إنُّه يفرَّط في روح ابني.
اختنق صوته، وخرجت دموعه رغمًا عنه، فخفض رأسه للحظة كأنَّ كرامته تؤلمه أكثر من بكائه:
_ابني كان هيموت في ثانية يا أرسلان...
ثانية واحدة بس!
ثم رفع عينيه إليه بانكسارٍ مرعب:
ولحدِّ دلوقتي متفكَّرش إنُّهم هيسيبوه..
بدليل البنت اللي دخَّلوها لحياته...
وبنتك نفسها كانت هتضيع.
لكزه بيده في صدره بعنفٍ مكتوم:
أنا زوَّرت تحليل البنت علشان الولاد ما يتهوَّروش...
ابنك وابني بقوا جوَّه دايرة خطر، وكلِّ ده علشان إسحاق يجري ورا طموحه على حساب روح ابني.
هتف أرسلان بسرعة:
_مش طموح...صدَّقني.
ولو كان قالَّك، إنتَ نفسك مكنتش هتعترض..
أنا عارف قدِّ إيه بتحبّ بلدك.
ضحك إلياس بمرارة، دموعه تنحدر رغمًا عنه:
_بلدي؟
أفديها بعمري...بروحي..بكلِّ حاجة.
ثم أشار إلى صدره بعجزٍ موجوع:
_بس مش ابني يا أرسلان...
مش ابني.
صمت للحظة، ثم قال كلماتٍ ممزَّقة من قلبه:
_ربِّنا ما يكتبها عليك...
إنَّك تبقى واقف شايف الموت بيخطف ابنك من بين إيديك، وإنتَ عاجز..
ارتجف صوته أكثر، وانكسرت آخر ذرَّة صمودٍ داخله:
ساعتها هتفهم إنِّ الراجل ممكن يستحمل الدنيا كلَّها...إلَّا وجع ابنه.. والنهاردة كان ممكن يعجز وما يقدرش يمشي تاني، مش كفاية وجع الخلفة، ابني بيضيع وأنا مش قادر أعملُّه حاجة.
ربت أرسلان على كتفه:
_إلياس..حقَّك، والله حقَّك تزعل وتتوجع، بس دي مش أول مرَّة الدنيا تضربنا.
إحنا عدِّينا أكتر من كدا، وكلِّ مرة كنَّا بنقف من تاني…ويوسف هيبقى كويس، لازم يبقى كويس.
قالها بصوتٍ يحاول أن يبدو ثابتًا، لكنَّه كان يرى الانكسار يتسرَّب من عينيه ببطء.
تراجع إلياس للخلف يهزُّ رأسه بعجز، وكأنَّ الكلمات لم تعد تصل إليه، ثم سقط بجسده فوق المقعد، بعد انهياره، انهيار
رجلٌ طالما وقف شامخًا كالجبل، تهتزُّ الدنيا من حوله ولا يهتز، لكنَّه الآن بدا كأنَّ شيئًا داخله قد تحطَّم بالكامل.
مرَّر كفِّه فوق وجهه بعنف، يحاول أن يلتقط أنفاسه المختنقة، إلَّا أنَّ صدره كان يعلو ويهبط بوجعٍ مرير، وعيناه معلَّقتان بباب غرفة ابنه.
_أنا تعبت…مبقتش قادر.
خرجت منه مهزوزة، مكسورة، لا تشبهه أبدًا.
_أوَّل مرَّة أحس إنِّي عاجز بالشكل ده… أول مرَّة أحس إني مش قادر أحمي ابني.
اختنق صوته في النهاية، بينما انحنى بجسده للأمام، يضمُّ رأسه بين كفَّيه، كرجلٍ سُحقت قوَّته دفعةً واحدة، ولم يتبقَّ منه سوى أبٍ يرتجف خوفًا على ابنه.
وصل يزن إليهما، ينظر لباب الغرفة التي بها يوسف:
_إيه اللي حصل، يوسف عامل إيه؟.
تساءل بها بوصول طارق هو الآخر، وخلفه غرام ورحيل وعيونهم بها ألف سؤال.
ولكن غرام تساءلت:
_فين ميرال، مش باينة ليه؟.
أشار إلياس إلى بعض الغرف:
_جوَّا...شوفيها يا غرام، خايف تقع من طولها.
أومأت سريعًا، ثم دلفت إليها تتبعها رحيل بخطواتٍ هادئة.
بالداخل…
كانت تجلس فوق سجَّادة الصلاة، تضمُّ مصحفها بين يديها المرتجفتين، وعيناها تتحرَّكان فوق الآيات بصعوبة بعدما حجبت الدموع رؤيتها.
بدا الحزن وكأنه ينهش روحها بصمتٍ قاسٍ، حتى أنَّ أنفاسها نفسها خرجت مثقلة بالوجع.
اقتربت غرام ببطء وجلست بجوارها، ثم انحنت تُقبِّل رأسها بحنان، وسحبت المصحف من بين يديها برفق.
رفعت ميرال عينيها إليها حتى انهارت بالكامل، انفجر بكاءها المكتوم دفعةً واحدة، وارتمت داخل أحضانها كطفلةٍ أرهقها الخوف.
_الحمدلله يا حبيبتي…الحمدلله إن ربِّنا نجَّاه، إن شاء الله هيبقى كويس، وربِّنا ما يضرُّكم فيه أبدًا.
شهقت بين بكائها، وكلماتها تخرج متقطِّعة من فرط ألمها.
_ابني يا غرام…ابني مكتوب عليه الوجع من يوم ما جه الدنيا…ليه كل شوية الحياة بتاخده منِّي بالطريقة دي؟ ليه قلبي لازم يفضل مرعوب عليه كدا؟
أغمضت عينيها تستغفر ربَّها بحرقة، وكأنها تتمسَّك بأي شيء يثبِّت قلبها المرتجف.
جلست رحيل بجوارها من الجهة الأخرى، وأمسكت يدها تضغط عليها بحنان:
_وحِّدي الله يا ميرال…والله ربِّنا الحافظ، وإن شاء الله هيقوم ويكون بخير، ربِّنا ما هيكسر قلبك عليه.
اعتدلت ميرال قليلًا، تمسح دموعها المرتجفة، ثم خرج صوتها منهكًا:
_إحساس صعب أوي…صعب إنِّك تبقي واقفة مستنية كلمة، كلمة واحدة بس ترجَّع لك روحك…وأنا كلِّ دقيقة كنت بحسِّ إنِّي بموت، ومش قادرة أعمل له حاجة.
شهقت تكمل بوجعٍ مزَّق صوتها:
_كلِّ ما أفتكر شكله وهو واقع قدَّامي، بحس قلبي بيتسحب منِّي.
مسَّدت غرام على ظهرها بحنان، وعيناها امتلأتا بالدموع رغم محاولتها التماسك:
_بلال طمِّنا الحمدلله، وقال إنَّها راحة ومتابعة بس، وإن شاء الله هيرجع طبيعي زي الأوَّل وأحسن كمان.
هزَّت رأسها بعجز، وكأنَّ قلبها يرفض الاطمئنان خوفًا من الخذلان:
_يارب يا غرام…يارب، بس الخوف وحش..الكلام بيطمِّن شوية، إنَّما قلبي لسه مش مطمِّن.
تنهَّدت رحيل، ثم اقتربت منها أكثر تربت على كتفها بحنان:
_افتكري من شهر بس كنَّا خايفين نخسره، وكنَّا بندعي يقوم على رجليه بأي شكل…الحمدلله إنَّها جت على قدِّ كدا، الحمدلله إن ربِّنا سترها.
ارتجفت شفتاها، ثم رفعت عينيها للسماء وهمست بصوتٍ مبحوح غارقٍ بالدموع:
_الحمدلله على كلِّ حال…الحمدلله إن ابني لسه معايا.
التفتت إلى غرام وقالت:
_معرفش إيه اللي حصل بين ضي ويوسف، قالت لي عايزة تطلَّق منه، شوفيها يا غرام، اعرف لي إيه اللي حصل.
_طيب اهدي، بنتي بتاعة كلام، قال تطلَّق، دي كانت هتموت لو ما اتجوزوش، بتسمعي الكلام.
هزَّت رأسها بالرفض، لأنَّها تعلم ابنها جيِّدًا:
_للأسف شكل يوسف وجعها أوي، كانت بتتكلِّم وموجوعة منه.
صمتت غرام تطالعها بتفكير على مكالمة ابنتها بالأمس، وصوتها الحزين، ظنَّت من مرضها، خرجت من شرودها:
_هتكلِّم معاها، بس أنا عارفة بنتي مستحيل تبعد عنه، ممكن يكون إيه اللي حصل يعني.
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
بمكتب بلال، طرقت الباب ودلفت إليه، رفع عيناه المرهقتين إليها، ثم نهض من مكانه، اقتربت تضمُّه... حاوط جسدها، يدفن رأسه بحجابها.
_عامل إيه، مرجعتش إمبارح ليه؟.
_آسف حبيبتي، النهاردة إن شاءلله هنبات في بيتنا الليلة.
_إن شاءلله حبيبي، خرجت من أحضانه:
_طمِّني على يوسف، كويس؟.
سحب كفَّيها وتحرَّك إلى الأريكة..
_يا حرام يوسف، تلاقي ضي هتموت عليه.
_هيَّ عنده، ومانع الزيارة، خلِّيها يمكن تخفِّف وجعه.
اعتدلت تسحب كفَّيه:
_عندي خبر حلو، ومينفعس يتقال إلَّا في بيتنا، فإنت اللي بتأخَّر.
ضحك يضمُّ وجهها بين كفَّيه:
_صدَّقيني إحنا معمول لنا عمل.
دفنت نفسها بأحضانه:
_مش مهم المهم تكون بتحبِّني، ومكتفي وبس.
أغمض عيناه يستمتع بكلماتها، ثم تساءل:
_خبر إيه يا حبيبي؟.
اعتدلت تنظر إليه بابتسامة:
_تؤ...في بيتنا، المهمِّ يوسف هيبات ولَّا إيه؟.
_لا هيروح بس على بالليل، وكدا كدا هتابعه هناك.
توقَّفت متَّجهة إلى حقيبتها ثم قالت:
_هعدِّي على يوسف أطمِّن عليه، وبعدين هعدِّي على آسيا نتغدَّى مع بعض، ونتقابل بالليل.
_تمام خدي بالك من نفسك.
قبلة سريعة على وجنتيه، ثم غادرت المكان.
مساءً…
عاد يوسف إلى منزله..
كان يتحرَّك ببطءٍ شديد، وكأنَّ جسده لم يعد يخصُّه، بينما رافقه طاقم طبي كامل أوصى به بلال بنفسه، خوفًا من أي حركة خاطئة قد تُعيده لنقطةٍ أسوأ من البداية.
لكن ما إن وقعت عينا ضي على الممرِّضة التي دخلت خلفه، حتى انعقد قلبها بضيقٍ حاد.
اقتربت من إلياس سريعًا، وقالت بصوتٍ حاولت جعله ثابتًا:
_أنا كفيلة أساعده يا عمُّو.
نظر إليها إلياس طويلًا، يرى إرهاقها الواضح وشحوب وجهها الذي لم يتعافَ بعد، ثم قال بهدوء:
_حبيبتي…إنتِ لسه تعبانة، ويوسف حالته محتاجة متابعة..
وبلال مش هيقدر يسيب شغله ويقعد طول الوقت، والممرِّضة دي خبرة كبيرة جدًّا.
هزَّت رأسها برفضٍ سريع:
_بس وجودها معاه مش مريَّحني.
تنهَّد إلياس، يحاول احتواء عنادها دون أن يجرحها:
_ضي…دي مش مسألة راحة أو عدمها، دي صحِّة يوسف.
أي حركة غلط ممكن تدمَّره.
ازدادت أنفاسها اضطِّرابًا، وقالت بعنادٍ متعب:
_طيب علِّمني أنا…وأنا أعمل كلِّ حاجة.
اقترب منها أكثر، وقال:
_اسمعيني كويس…
الممرِّضة دي مساعد أكبر أخصائي مخ وأعصاب، يعني فاهمة كلِّ تفصيلة في حالته..
يوسف فقرات ضهره لسه مش مستقرَّة بالكامل، وأقلِّ غلطة ممكن تخلِّيه ما يعرفش يقف على رجله تاني.
ارتجف قلبها بعنف عند الجملة الأخيرة، وانخفضت عيناها أرضًا.
ربتت غرام على كتفها بحنان:
_اسمعي كلام عمِّك يا حبيبتي…
بلال قال الأسبوع ده أهمِّ أسبوع في علاجه، ولو عدَّى على خير ممكن يتجنِّبوا التدخُّل الجراحي، وإنتِ عارفة العملية دي هتكون صعبة عليه قدِّ إيه.
أغمضت ضي عينيها للحظة، وكأنَّ الكلمات أثقلت روحها أكثر ممَّا تحتمل، ثم تمتمت بخفوت:
_خلاص…اللي تشوفوه اعملوه..
معنديش طاقة أجادل حد.
قالتها وانسحبت ببطء نحو الأعلى.
راقبتها ميرال حتى اختفت، ثم اقتربت من غرام هامسةً بقلق:
_إنتِ اتكلِّمتي معاها؟
جلست غرام وهي تزفر بتعب:
_ما قالتش حاجة واضحة…بس قالت إنها تعبت من بروده، وإنُّه اتجوزها غصب.
عقدت ميرال حاجبيها، وقلب الأم بداخلها يرفض التصديق:
_لا…فيه حاجة أكبر من كدا.
أنا حاسَّة إنِّ بينهم كارثة وإحنا مش فاهمينها.
وافقتها غرام بصمتٍ قلق، قبل أن تنهض قائلة:
_هروح أنا..أرسلان لسه واصل، ولو احتجتي أي حاجة كلِّميني.
_تمام يا حبيبتي.
في الأعلى…
كان بلال يقف يشرح للممرِّضة التعليمات اللازمة بدقَّة شديدة، بينما جلست ضي بالقرب منهما تستمع لكلِّ كلمة بتركيزٍ مرهق.
أمَّا إلياس، فكان يتابع بصمتٍ
بينما يوسف مستلقيًا بضيقٍ واضح، نفاذ صبره يزداد مع كلِّ كلمةٍ تُقال، يشعر أن الجميع يتعامل معه كعاجز.
ضغط على فكِّه بقوة ثم قال بحدَّة خافتة:
_لو خلَّصتوا المحاضرة دي…أنا عايز أنام.
التفت إليه بلال بهدوء:
_يوسف إحنا بس بنفهِّمها..
قاطعه سريعًا، ونبرة رجولته المجروحة خرجت أقسى ممَّا أراد:
_ومش محتاج ممرِّضة يا بابا.أنا مش طفل.
اقترب منه إلياس محاولًا تهدئته:
_حبيبي دي بس علشان...
رفع يوسف يده بإرهاق، وأوقفه:
_بابا…أنا فاهم حالتي كويس.
وهعرف أتعامل مع نفسي، الحمدلله أنا مش عاجز.
ساد الصمت للحظة…
حتى الممرِّضة نفسها بدت محرجة من انفعاله، لكنها تحدَّثت بلطفٍ مهني:
_دكتور يوسف، وجودي مش هيضايق حضرتك؛ أنا بس هتابع تدريبات الحركة علشان الضغط ما يبقاش غلط على الفقرات.
أدار وجهه بعيدًا عنها، وعيناه امتلأتا بضيقٍ خانق:
_متشكِّر جدًّا…بس أنا عارف بقول إيه.
أمَّا ضي…فكانت واقفة تراقبه بصمت، قلبها يتمزَّق بين خوفها عليه، ووجعها منه، وعجزها عن الاقتراب كما كانت تفعل دائمًا.
ولأوَّل مرة…شعرت أن المسافة بينهما أكبر من أي ألمٍ جسدي قد يمرُّ به.
رفع يوسف نظره نحو والده، وقد بدا الضيق واضحًا بعينيه، وكأنَّه ينتظر انتهاء ذلك النقاش بأي طريقة.
في المقابل، عقدت ضي ذراعيها أمام صدرها وقالت بجمودٍ متعمَّد:
_أتمنى يا عمُّو تكون اقتنعت…قلت لحضرتك مش محتاجين مساعدة.
التفت إليها يوسف تلقائيًا…
ورغم الجفاء الظاهر بينها وبينه، إلَّا أنَّ شيئًا داخله ارتخى حين لمح غيرتها الواضحة، ورفضها أن تترك امرأة أخرى تتولَّى أمره.
ابتسامة خافتة مرَّت بعينيه دون إرادة.
تنهَّد إلياس باستسلامٍ أخير، ثم اعتذر للممرِّضة وتحرَّك معها للخارج، بينما توقَّف بلال أمام يوسف يرمقه بامتعاضٍ ساخر:
_عارف إنك تستاهل اللي بيحصلَّك؟
عيِّل بارد ومستفز.
رفع يوسف حاجبه بتعب، وأشار ناحية الباب:
_خد الباب في إيدك وإنتَ طالع…مش ناقص صداع.
هزَّ بلال رأسه بيأس وغادر.
بعد دقائق…
خرجت من الداخل بعدما بدَّلت ثيابها، ترتدي منامة ناعمة بلونٍ أزرق هادئ، تصل لركبتيها، بينما انسدلت خصلاتها الفحمية حول وجهها بإهمالٍ زادها رقَّة.
كانت تحمل بين يديها ثيابه، وفي الوقت نفسه تتحدَّث عبر الهاتف مع رولا:
_مبروك…أخيرًا هتباتوا في بيتكم.
قالتها مع ابتسامةٍِ خافتة.
_الله يبارك فيكي يا روحي…المهمِّ جو عامل إيه؟
استرقَّت نظرة نحو يوسف، فوجدته منشغلًا بهاتفه، وكأنَّ وجودها لا يعنيه، فقالت بهدوء:
_كويس الحمدلله…هقفل علشان تجهزي قبل رجوع بلال.
أغلقت الهاتف، ثم اقتربت منه بخطواتٍ هادئة، ومدَّت له الثياب:
_جبتلك لبس…يلَّا علشان تغيَّر.
رفع عينيه إليها ببطء…
ظلَّ ينظر لها للحظاتٍ طويلة دون كلام، حتى شعرت بتوتُّر غريب تحت نظراته.
ثم قال بصوتٍ خافت، لكنَّه صادق حدَّ الوجع:
_لمَّا قومت من النوم وملاقيتكِش… افتكرتك رجعتي بيت باباكي.
جلست على ركبتيها أمامه، وبدأت تفكُّ أزرار قميصه وهي تتجنَّب النظر إليه:
_مينفعش أسيبك في ظروفك دي،
خفّ الأول، علشان محدش يقول أرسلان معرفش يربِّي بنته واتخلِّت عن جوزها وهوَّ مريض.
ردَّد كلماتها ببطء، وكأنَّها طعنته دون قصد:
_اتخلِّت عن جوزها…
ثم أبعد عينيه عنها، وقال بصوتٍ أثقلته المرارة:
_أنا هعرف أتصرَّف..
مش عايزك تقعدي معايا غصب عنِّك
ومش عاجز أخدم نفسي.
أمسك يدها قبل أن تكمل فتح أزراره، كانت يده دافئة رغم ضعفها:
_لمَّا أعجِّز…هطلب مساعدتك..
سيبيني، قومي شوفي عايزة تعملي إيه.
رفعت حاجبها وهي تنظر له باستفزازٍ واضح:
_وإنتَ مفكَّرني هسمع الكلام لمَّا تقول الكلمتين دول؟
ثم فجأة…سحبت القميص بعنف من فوق كتفه، فانطلقت أزراره في كلِّ اتجاه.
اتَّسعت عيناه بصدمة وهو ينظر للقميص:
_إيه اللي عملتيه ده؟!
إنتِ بتاكلي إيه؟ طيَّرتي زراير القميص!
اقتربت منه أكثر، حتى باتت عيناها أمام عينيه مباشرة، وقالت بحدَّةٍ مشوبةٍ بوجع:
_علشان منتعبش من بعض يا دكتور…
ملكش دعوة بيَّا، ومش عايزة رأيك مهما كان اللي بعمله.
نظر إليها لثوانٍ…ثم، رغم كلِّ شيء، ابتسم.
ابتسامة صغيرة متعبة، لكنها خرجت من قلبه.
رفع إصبعه وداعب طرف أنفها بحنانٍ تلقائي:
_مجنونة…بس بحبِّك.
تصلَّب شيئًا داخلها للحظة…
لكنها دفنت ارتباكها سريعًا، والتقطت الكنزة وألبستها له وهي تردُّ بسرعة وكأنَّها تهرب من تأثيره عليها:
_وأنا مبحبكش.
قالتها بغضبٍ طفولي، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا.
أمَّا هو…
فصمت، لم يرد هذه المرَّة.
يعلم أنَّها تكذب…يعلم أنَّ قلبها ما زال متعلِّقًا به حدَّ الألم، لكن سماعها تنطقها بتلك السهولة ترك شيئًا موجعًا داخله.
ظلَّ يراقبها بصمت…
يراقب حركتها، يديها المرتبكتين، محاولاتها المستمرَّة للهرب منه رغم بقائها بجانبه.
ثم شاهدها تبتعد لتجمع الثياب، فسألها بهدوء:
_هتنامي…ولَّا هتفضلي صاحية؟
أجابته دون أن تنظر إليه:
_هفضل شوية.
وظلَّت تجمع ثيابهما بصمت…
بينما عيناه لم تفارقها أبدًا، وكأنَّ خوفه الحقيقي لم يكن من ألمه، بل من اليوم الذي قد تستدير فيه فعلًا وترحل.
كيف يخبرها بحقيقة ألمه؟..
بمنزل بلال…
انتهت رولا من ترتيب آخر قطعة بثيابها داخل الخزانة، ثم وقفت تتأمَّل الغرفة حولها برضا خافت.
كلُّ شيء أصبح جاهزًا لتلك الليلة التي انتظرتها طويلًا..ليلة عودتهما الحقيقية.
تنهَّدت بهدوء، تتذكَّر كيف عادت إلى بيتها منذ ثلاث أيام فقط، بعد إصرار إلياس وطارق وبلال على إقناع والدها أثناء غياب أرسلان، لكن الفرحة لم تكتمل وقتها بسبب ما حدث مع ضي ومرضها المفاجئ.
أمَّا اليوم…
فأخيرًا أصبح لها وحدها.
وقفت أمام المرآة تتأمَّل انعكاسها للحظات، ثم رفعت أحمر الشفاه تمرِّره بعناية فوق شفتيها، بينما ارتجف قلبها بحماسٍ أنثوي ناعم.
تراجعت تفتح علبة عطورها، تختار بين روائحها المفضَّلة، حتى استقرَّت على واحدة يعرفها بلال جيِّدًا…الرائحة التي كان يقول دائمًا إنَّها تشبهها.
نثرت القليل منها حول عنقها، في اللحظة التي دوى صوت فتح الباب بالخارج.
اتَّسعت ابتسامتها تلقائيًّا، وخرجت إليه سريعًا.
دلف بلال للداخل وهو يخلع سترته بتعب يومٍ طويل، لكن خطواته تباطأت فجأة…
عيناه راحتا تتجوَّلان بين الإضاءة الخافتة، والشموع الصغيرة، والرائحة العبقة التي ملأت المكان، حتى توقَّفت أنفاسه تمامًا عندها.
كانت تقف أمامه بقميص نومٍ أبيض ناعم، مطرَّز بفراشاتٍ صغيرة من اللون نفسه، بينما ارتفعت خصلاتها للأعلى كاشفةً عن عنقها.
هبطت عيناه ببطء على تفاصيلها، وكأنه يتأمَّل لوحة أبدعها فنَّان واقع في الحب.
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، نظراته تلتهمها دون خجل، حتى توقَّف أمامها تمامًا وهمس بصوتٍ أجش:
_الحور العين دي هتنام في حضني الليلة..من غير ما نحسب الساعات.
لم تجبه…بل فاجأته حين رفعت كفَّيها حول عنقه وقبَّلته بشوقٍ جنوني، قبلةُ امرأة اشتاقت لرجلها حدَّ الوجع.
تجمَّد للحظة من جرأتها، قبل أن يستجيب لها بعشقٍ أعمق، يحتوي شفتيها بخبرة رجلٍ يحفظها عن ظهر قلب.
ابتعدت عنه بصعوبة حين خانتها أنفاسها، بينما قبض هو على خصرها بقوة، يتأمَّل احمرار وجنتيها بعينينِ مشتعلتين:
_حبيبتي…إيه الجمال ده؟
ابتسمت بخجل، وتورَّد وجهها أكثر:
_جاهز للمفاجأة؟
ضحك بخفوت وهو يقترب أكثر:
_هوَّ فيه مفاجأة أحسن من اللي أنا شايفه ده؟
سحبت يديها من حوله وأشارت لملابسه:
_خد دش وغيَّر هدومك…لمَّا أجهِّز السفرة..
إنتَ عارف بقالنا قدِّ إيه ما أكلناش لوحدنا؟
انحنى قليلًا حتى أصبح قريبًا من وجهها:
_قدِّ إيه يا روحي؟
رفعت عينيها نحوه، ثم وضعت كفَّيها على وجنتيه، وغرقت داخل نظراته التي لا تعرف سوى العشق:
_من يوم فرح شمس…فاكر اليوم ده؟
انحنى يقبِّل جانب شفتيها بحنان:
_وده يوم يتنسي؟
كفاية إنِّك كنتِ فيه.
وضعت إصبعها فوق شفتيه تمنعه من الإكمال وهمست:
_بلال…غيَّر وتعال، هستناك.
قالتها وابتعدت نحو غرفة الطعام، بينما بقي يراقبها حتى اختفت، وقلبه يزداد نبضه
بعد دقائق…
خرج يبحث عنها، فوجدها تقف أمام الطاولة تضع الأطباق الأخيرة.
كانت الشموع تنعكس فوق ملامحها بنعومة ساحرة، حتى شعر بارتجاف قلبه داخل صدره.
اقترب منها ببطء، ثم حاوطها من الخلف بذراعيه.
أغمضت عينيها، تستمتع بحرارة أنفاسه قرب أذنها، وهمست بنعومة:
_بلال…يلَّا علشان نتغدَّى.
لكنَّه أدارها إليه، يحدِّق بعينيها:
_إيه هي المفاجأة؟
صمتت للحظة…
ثم لمعت عيناها بسعادة غامرة، وسحبت كفَّيه برقَّة، قبل أن تضع بداخلهما حذاءً صغيرًا للغاية.
قطب حاجبيه بعدم فهم، ينظر للحذاء ثم لها:
_دي المفاجأة؟
جزمة عيِّل صغير؟ ودي أعمل بيها إيه…أعلَّقها في الميدالية؟
اتَّسعت عيناها بصدمة من غبائه، ثم ضربت كتفه بغيظ:
_لا علَّقها في رقبتك!
سحبها فجأة نحوه حتى اصطدمت بصدره، وقال وهو يضحك:
_بتتريقي عليَّا يا روليتا؟
طيب بذمِّتك أعمل إيه بجزمة نونو؟حد قالِّك صباعي وجعني وعايز أفصله بجزمتك؟
دفعته بغضبٍ حقيقيّ هذه المرَّة:
_إنتَ أصلًا مستفز وغبي ومش عايز تفهم!
ثم أمسكت يده بعنف، ووضعتها فوق بطنها.
ارتبكت ضحكته وهو ينظر لها، بينما خرج صوتها مرتجفًا من فرط المشاعر:
_هنا فيه ابنك يا غبي، هتبقى أب.
صمتٌ كاملٌ بالمكان سوى من أنفاس رولا.
نظر إلى يده فوق بطنها، ثم إلى وجهها، وكأن عقله توقَّف عن استيعاب أي شيء.
ثوانٍ طويلة مرَّت…
قبل أن يهمس بصوتٍ مرتعش بالكاد خرج منه:
_إيه؟
اتَّسعت عيناه فجأة، ثم نطق بذهولٍ حقيقي:
_إنتِ حامل!! طب إزاي؟
شهقت وهي تنظر إليه بصدمة، قبل أن يشتعل وجهها غضبًا في ثانية واحدة.
ابتعدت عنه بسرعة وهي ترفع ذراعيها بانفعال:
_إزاي؟! حلمت بيه يا حبيبي، فقومت من النوم لقيته جنبي!
رفع حاجبه باستفزاز :
_طيب وأنا بحلم كتير…ليه مبيتحقَّقش؟
ضربت الأرض بقدمها تصرخ به بغيظ:
_بلااااال!
انفجر ضاحكًا بصوتٍ عالٍ، ضحكة خرجت من قلبه بكلِّ السعادة التي يحملها، ثم اندفع نحوها فجأةً وحملها بين ذراعيه يدور بها في المكان:
_هيبقى عندنا رولا تانية مجنونة!
تعالت ضحكاتها وهي تضرب كتفه بخفَّة:
_بلال نزِّلني! دوخت.
أنزلها بحذرٍ هذه المرَّة، لكن ذراعيه بقيتا ملتفتين حول خصرها.
اقترب أكثر…حتى لامس جبينه جبينها، وأنفاسه اختلطت بأنفاسها، ثم همس بصوتٍ ممتلئ بعشقِ عاشق:
_مش مصدَّق،
أخيرًا هيبقى عندي ولد…إنتِ أمُّه!!.
ذابت نظراتها للحظة، قبل أن تنتفض غيرتها الطفوليَّة المعتادة:
_أومال مين هتكون أمُّه يا دكتور
إن شاء الله يعني؟!
ارتفعت ضحكاته مجدَّدًا، ثم جذبها إلى صدره بقوة وهو يهزُّ رأسه بعدم تصديق:
_بحبِّك يا مجنونة…
بس قوليلي، إمتى حصل الحمل ده؟
تجمَّدت ملامحها للحظة…
ثم جحظت عيناها وهي تدفعه بقوة:
_إنتَ قليل الأدب ومستفز!
قالتها وابتعدت، ولكنه حملها مرَّةً أخرى بسرعة وهو يضحك بجنون، بينما تشبَّثت بعنقه خوفًا من السقوط.
_والله ما تزعلي أبدًا..الزعل غلط على الوِلا!
ثم اقترب بوجهه من بطنها يهمس بمبالغةٍ طفولية:
_وأخيرًا هسلِّم على ابني.
خبطته بكتفه وهي تضحك رغم خجلها:
_بلال نزِّلني، ما تبقاش مجنون!
توقَّف لحظة ينظر إليها بمكر، ثم غمز بعينه:
_الله يرضيكي..الولا يزعل، مش لازم أطمِّن على صحِّته؟
هزَّت ساقيها في الهواء، لكنه تحرَّك بها نحو الغرفة دون أن ينزلها، بينما ضحكاتهما ملأت المكان أخيرًا بعد أيام طويلة من التعب والضغط.
اقتربت منه تضرب صدره بخفَّة:
_إنتَ مستحيل تبطَّل استفزاز!
قبَّل وجنتها سريعًا وهو يهمس قرب أذنها بحبٍّ واضح:
_ويا ريتني أبطَّل…
دا أنا لسه هجنِّنك أكتر.
ثم ضمَّها إليه بقوة، وكأنه يحتضنها هي، وطفله.
صباح اليوم التالي...
كانت تتمسَّك بكفِّه، وعيناها تلمعان بحماسٍ طفولي لم تستطع إخفائه، بينما هو يرمقها بين الحين والآخر بابتسامةٍ هادئة.
دلفا إلى منزل والدها، تركت كفَّ بلال وركضت مباشرة نحو والدها، ألقت نفسها بين ذراعيه تقبِّل وجنتيه بحب، ثم انتقلت سريعًا إلى والدتها، وبعدها إلى آسر الذي نظر إليها باستغراب.
توقَّفت أخيرًا بمنتصف الصالة، والتفتت إليهم جميعًا وعيناها تلمعانِ بفرحةٍ لم تستطع احتواءها:
_مستعدِّين للمفاجأة؟
رفع يزن حاجبه ينظر إليها بريبة:
_خير...هتوَّلعوا البيت ولَّا إيه؟
ضحكت بخفَّة، ثم قالت وهي تشير إلى نفسها بحماس:
_هتبقى جدُّو يا جدُّو.
ساد الصمت لثانية...
قطب يزن جبينه وهو ينظر إليها، ثم إلى رحيل الجالسة جواره:
_إنتي فاهمة حاجة من العيال المجانين دول؟
قهقهت رحيل وهي تضع كوب القهوة.
قطع بلال نظراتهم:
_مالك يا عمُّو، بنتك بتقولَّك هتبقى جدُّو...إيه الصدمة في كدا؟
اتَّسعت عينا يزن فجأة، ثم نظر إلى بلال بذهولٍ مصطنع:
_دا إيه ياض السرعة دي؟! دا إنتَ طلعت أسرع من الصاروخ نفسه!
ابتسم بلال بثقةٍ مستفزة، ثم غمز له قائلًا:
_إمكانياتي مش عند أي حد.
شهق آسر ضاحكًا بينما ضرب يزن كفًّا بالأخرى:
_لا والله؟! طب ما تعلِّمنا يا أخويا بدل البخل العلمي دا.
مال بلال للخلف واضعًا يده بجيب بنطاله:
_أبقى أشوفلك معاد فاضي، هحاول معاك علشان السنِّ برضو.
التقط يزن علبة المناديل وقذفها نحوه:
_خد يا روح أبوك!
انفجرت الضحكات، بينما احمرَّ وجه رولا بخجلٍ شديد، وحاولت الدفاع عنه بسرعة..
فالتفت إليها يزن قائلًا:
_كنتي بتستغفيلني يا بت وتقولي يا بابا بلال تعبان أصلًا، وحرارته كانت عالية، ونمت ومصحيتش غير الصبح...
نظر إليها يزن بصدمة مفتعلة:
_وهوَّ شغَّال الله ينور يعني؟! وإنتي يا هبلة يضحك عليكي بكلمتين!
شهقت بخجل واختبأت فورًا خلف ظهر بلال، متشبِّثة بقميصه، بينما ابتسم بلال هو باستمتاعٍ واضح، يشير باستفزاز إلى يزن:
_شوفت بتتحامى بيَّا.
اقترب يزن منهما وعيناه تتجوَّل بينهما:
_ماهو لازم يا أخويا مش صاروخ... استغلِّيت البت عشان بتحبَّك يا ندل.
رفع بلال كتفيه ببراءة مزيفة:
_يا عمُّو والله من كتر اللي حصلِّنا أنا شخصيًا مش فاهم حملت إزاي.
اتَّسعت عيناها بصدمة، ثم لكزته بقوة في ظهره:
_بتقول إيه يا متخلِّف إنتَ؟!
أشار إلى يزن بجدية زائفة:
_بفهَّم أبوكي..اللي أنا أصلًا مش فاهمه.
شهق آسر ضاحكًا بقوة، بينما جزَّ يزن على أسنانه واقترب منه مهدِّدًا:
_مش مكسوفين من نفسكم أنتوا الاتنين؟
ثم التفت إلى ابنته بإصبع مرفوع:
_دي الثقة اللي ادتهالك؟
رفع بلال حاجبيه بدهشة:
_أيه يا عمُّو فيلم صراع في الوادي دا، إحنا متجوزين على فكرة.
لكزه يزن في كتفه بعنفٍ خفيف:
_اخرس يا واد! مش عايز أسمع صوتك، ليك نفس تهزَّر؟.
اقتربت رحيل منهم محاولةً تهدئة الأجواء، وعلى شفتيها ابتسامة حنونة:
_حرام عليك يا يزن...ضيَّعت فرحتهم.
ابتسم بلال:
_مين قالَّك؟ إحنا فرحانين جدَّا...مش مهمّ الباقي.
ضيَّق يزن عينيه نحوه:
_حيوان.
وضع بلال يده على صدره متصنِّعًا الصدمة:
_ربِّنا يسامحك...أنا راجل متربِّي ومش هرد عليك.
ثم التفت سريعًا، وأمسك كفَّ رولا وسحبها خلفه:
_يلَّا بينا...دا اللي مصحياني من الفجر مخصوص عشان يبوَّظ فرحتنا.
ضحكت رولا وهي تحاول إيقافه:
_بلال استنى بس...
لوَّح يزن بيده خلفهما:
_امشوا يلا وخدها معاك يا صاروخ أفندي.
لكن رغم كلماته الساخرة، كانت الابتسامة ارتسمت على وجهه.
راقب خروجهما للحظات، ثم تنهَّد بخفوتٍ وعيناه امتلأتا بالسعادة.
طالعته رحيل بابتسامةٍ هادئة:
_طيب كان لازم تخنقهم كدا؟
جلس على مقعده مجدَّدًا، ثم أشار لها أن تكمل طعامها:
_اقعدي يا رحيل...العيال دول فلتوا على الآخر.
اتَّجهت عيناه نحو آسر الجالس بصمتٍ غريب، يحدِّق بشروده في الفراغ.
_آسر...مالك؟.
قالها بدخول آسيا تلقي تحيَّة الصباح:
_صباح الخير على الجميع.
ردَّت رحيل وأومأ لها يزن:
_صباح الخير حبيبتي...التفتت إلى آسر:
_آسر لو فاضي محتاجاك في حاجة.
نهض يزيل بقايا الطعام وهو ينظر إلى والدته:
_ماما مش هاجي النهاردة، لو احتجتي حاجة كلِّميني.
قالها وخرج، وهي خلفه.
_آسر...التفت ينظر إليها ببرود:
_عايزة إيه؟.
اقتربت منه وهي تتطلَّع إليه:
_عايز أتكلِّم معاك.
ارتدى نظَّارته، واتَّجه إلى سيارته:
_مش فاضي...
فتحت باب السيارة وجلست تنظر للأمام.
رفع حاجبه ينظر إليها:
_مش قولت لك مش فاضي،
_لازم نتكلِّم، في موضوع مهم.
ظلَّ ينظر إليها بصمتٍ للحظات ثم قام بتشغيل السيارة وغادر.
بكليِّة الإعلام..
صعدت الى القاعة وهي تتحدَّث بهاتفها:
_تمام حبيبي عندي محاضرة مهمَّة وبعد كدا هعدِّي عليك.
دلفت الى القاعة ظنًّا محاضرة أحد الأساتذة، ولكنَّها تفاجأت بوجوده بالقاعة.
توقَّفت بمنتصف القاعة لا تعلم أتعود أم تكمل طريقها لأحد المقاعد، فهي لم تحضر محاضراته منذ ذلك اليوم.
حمحم بخفَّة وهو يضع بعض الأوراق فوق المنصَّة، ثم قال بصوتٍ هادئ لكنه يحمل هيبته المعتادة:
_الكلِّ في مكانه علشان نبدأ المحاضرة.
توقَّفت متردِّدة، لمحَتها إحدى صديقاتها ولوَّحت لها سريعًا:
_فرح...تعالي، مكانك هنا.
التفتت إليها فرح، ثم تحرَّكت بخطواتٍ بطيئة متحفِّظة، بينما هو كان منشغلًا بالحديث مع أحد الطلَّاب، لم ينتبه لدخولها.
جلست بمقعدها تحاول أن تبدو طبيعية، لكن قلبها كان ينبض بعنفٍ غريب لا تفهم سببه، أخرجت قلمها وبدأت تعبث به بلا تركيز، بينما ارتفع صوته بالمحاضرة يملأ القاعة بثقته المعتادة.
أنهى حديثه مع الطالب، ثم استقام واقفًا أمام المنصَّة، وبدأ يشرح بهدوءٍ عميق، عيناه تتحرَّكان بين الوجوه بتركيز، إلى أن توقَّفتا عليها...
ثانية واحدة فقط...
لكنَّه أدرك فورًا أنها لم تكن تعلم بتغيير موعد محاضرته مع أحد الأساتذة، وإلَّا لما أتت.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه دون إرادةٍ منه، ابتسامة أربكته هو نفسه.
أمَّا هي، فتعمَّدت إشاحة وجهها عنه، وأخذت تقلِّب صفحات الدفتر وكأنَّ الأمر لا يعنيها، رغم أنها كانت تشعر بنظراته تخترق ثباتها المصطنع.
قطع شرحه فجأة...
ثم تحرَّك بين المقاعد بخطواتٍ هادئة أربكت أكثر من طالبة، حتى توقَّف أمام إحدى الطالبات وقال:
_ممكن تقولي نبذة عن اللي قولته؟
اعتدلت الطالبة بسرعة وبدأت تتحدَّث بتوتُّر، فأومأ لها بهدوء، ثم انتقل لغيرها..واحدة تلو الأخرى...
إلى أن توقَّف أخيرًا أمام مقعد فرح.
ساد الصمت لثانية...
ثم قال وهو ينظر إليها مباشرة:
_والأستاذة هتكمِّل.
كان يظنُّ أنها لم تنتبه لكلمة واحدة، ظنَّ أنَّها كانت شاردة عنه...
رفعت عينيها إليه ببطء، وفي عينيها عنادٌ طفوليّ مستفز، ثم أغلقت قلمها بهدوء واستقامت في جلستها.
وبدأت تتحدَّث...لا تتلعثم...لا تتردَّد...
أعادت بداية شرحه حرفًا حرفًا، ثم انتقلت لكلِّ نقطة ذكرها، وكأنَّ عقلها كان يسجِّل أنفاسه لا كلماته فقط.
هدأت القاعة بالكامل...
حتى هو نفسه لم يعد يسمع سوى صوتها.
كانت تتحدَّث بثقةٍ هادئة، بينما عيناها لا تهربان منه هذه المرَّة، وكأنها تتحدَّاه أن يشكَّ للحظة أنها لم تكن منتبهة.
ومع كلِّ كلمة تخرج منها، كان يشعر بشيءٍ داخله يزداد اضطرابًا.
انتهت أخيرًا...
فأغلقت دفترها بهدوء ونظرت إليه بثبات.
أمَّا هو، فظلَّ واقفًا مكانه للحظات، يحاول استيعاب تلك الفتاة التي اقتحمت تركيزه بهذه الطريقة المرعبة...
فتاة كلَّما حاول التعامل معها كطالبة عادية، اكتشف أن قلبه يرفض ذلك تمامًا.
بعد فترة خرجت من القاعة، متَّجهة للخارج مع صديقاتها:
_ليه محدش قالِّي؟.
_نسينا والله..بس ايه يا بت إيه الجمال دا، كنتي قمرين النهاردة.
_ميرسي دا أقلِّ ما عندي.
_يا ولا، ياولا...تمتمت بها صديقتها، اقترب أحد الشباب وتوقَّف أمامها:
_فرح عايز أتكلِّم معاكي.
تأفَّفت صديقتها:
_يا دي النيلة مش هنخلص بقى من البرود دا.
تحرَّكت ولم ترد عليه، فأسرع بالوقوف أمامها:
_فرح...لو سمحتي
قالها وهو يجذب كفَّيها...بخروج عمران متَّجهًا إلى سيارته، توقَّف على ذلك المشهد.
🔥🔥
بكمبوند الشافعي...
جلست غرام في الحديقة، تحاول أن تخفي حزنها، عيناها معلقتان بالفراغ، بينما دموعها تنساب بصمتٍ موجع.
خرج بلال يبحث عنها، بعدما انشغل أرسلان مع رولا بالداخل، فتوقف أمامها بقلق.
_ماما... قاعدة لوحدك ليه؟
انتفضت قليلًا، مسحت دموعها سريعًا، ثم رسمت ابتسامة باهتة لا تشبهها.
_مفيش يا حبيبي... تعالى اقعد.
جلس جوارها يتأمل وجهها طويلًا، ثم قال :
_مش المفروض نعرف عمي
ارتجف قلبها وكأن الكلمات أصابت جرحًا مفتوحًا، فخفضت بصرها وهمست:
_أكيد لازم يعرف... بس مش دلوقتي، خليها بالليل.
عقد حاجبيه، يراقب خوفها خلف هدوئها.
_فيه إيه يا ماما؟ انتي مش فرحانة علشان جايلك حفيد؟
اهتزت شفتيها، ثم انسابت دموعها رغماً عنها.
_وفيه أم في الدنيا تزعل من خبر زي ده يا بلال؟... بس قلبي وجعني على ميرال وإلياس... مهما كان، يوسف ابنهم الوحيد، وكل يوم بمصيبة شكل.
تلاشت ابتسامته فجأة، وكأن أحدهم أطفأ فرحته.
كيف لم يفكر فيهم؟
كيف نسي وجع ابن عمه الذي بمثابة اخيه وهو يطير من سعادته؟
خفض رأسه هامسًا بندم:
_أنا ماخدتش بالي... ويوسف أصلًا حالته...
ابتعدت بعينيها للبعيد
_طيب... رأيك مانقولش خالص؟
التفتت إليه فورًا، وقالت بحزم أمٍ تعرف ثقل الأسرار:
_ودي حاجة تتخبى يا ابني؟ أكيد هيفرحولكم... بس قلب الأب والأم صعب. بكرة لما تبقى أب هتفهم.
صمتت قليلًا، ثم خرج صوتها مكسورًا:
_ميرال مقطعة قلبي... ام مهما كان شايلة هم ابنها الوحيد ليل ونهار، حتى وهي بتضحك بتحاول تخبي وجعها
تنهد بلال بقهر:
_يوسف هيبقى كويس إن شاء الله... لو كنت اعرف كنا أجلنا، حاسس إن فرحتي ملهاش طعم دلوقتي.
ربتت على كتفه بحنانٍ موجوع.
_كل حاجة بتيجي بأوانها يا حبيبي... وربنا أذن بالفرحة دي. بس خلي رولا تهدى شوية، بلاش فرحتكم تبقى قدامهم زيادة. حتى لو مش هيبينوا، الوجع بيبان في العيون.
أومأ بصمت، ثم نهض متجهًا نحو منزل إلياس بخطوات ثقيلة، يشعر وكأن سعادته تحولت لعبء فوق صدره.
همس لنفسه وهو يقترب من الباب:
_إزاي أفرح وأخويا موجوع بالشكل ده...
دلف للداخل بتردد، ليجد الجميع حول طاولة الطعام.
وقعت عيناه على يوسف، الجالس بصمت بينما تضع ميرال الطعام أمامه
_صباح الخير...
خرج صوته مهتزًا، فرفع إلياس رأسه إليه بقلق.
_صباح النور يا حبيبي... مالك؟
أشارت ميرال للمقعد بابتسامة دافئة.
_تعالى افطر معانا... ضي نازلة حالًا.
جلس بلال بمواجهة يوسف، يحاول أن يبدو طبيعيًا رغم الفوضى داخله.
_عامل إيه النهاردة؟
كان يحتسي قهوته ببطء، ثم قال بهدوء متعب:
_الحمد لله... بعد الفطار عايز أتمشى شوية، لازم أتحرك.
تدخل بلال سريعًا:
_ما تستعجلش يا يوسف.
رفع يوسف عينيه نحوه، وفيهما عناد موجوع.
_بلال... شغلي وسفري وكل حاجة واقفة. مش هفضل كدا.
وفي تلك اللحظة وصلت ضي وجلست بجواره
_شغل إيه وسفر إيه يا أبو شغل؟... انت مفكر نفسك هتسافر تاني؟
التفت إليها بنظرة طويلة.
_ومين هيمنعني إن شاء الله؟
ث نظر لوالده بإصرار:
_أنا هكمل اللي سافرت عشانه، ومحدش له حق يوقفني.
رفعت ضي حاجبها بتحدٍ طفولي وهي تسحب طبق القشطة أمامها.
_أنا همنعك يا حبيبي.
ثم بدأت تأكل بهدوء متعمد.
رمقها يوسف بصدمة ممتزجة بغيظ خافت.
_انتي هتمنعيني؟
ردت دون أن تنظر له:
_افطر يا يوسف... ولما تخف نبقى نتخانق براحتنا.
ضحك بسخرية خافتة.
_لا كتر خيرك يا ستي.
في تلك اللحظة اندفعت رولا للداخل بمرح
_بلال! أنا زعلانة منك علشان قولتلك محدش يقولهم غيري!
انتفض بلال واقفًا يحاول إيقافها بعينيه، لكن رولا لم تنتبه.
اقتربت من ميرال تدللها كعادتها:
_عمتو... شوفتي غدر بيا؟
ضحكت ميرال بخفة رغم حزنها:
_غدر بيكي إزاي يا حبيبتي؟
التفتت رولا إلى بلال الذي كان يكاد يختنق من التوتر، ثم قالت بعفوية كاملة:
_مدام ماقالش... يبقى سماح يا بَبلاوي.
وأخذت نفسًا طويلا قبل أن تصرخ بسعادة طفلة:
_هيبقى عندنا بيبي!
..
صمت ثقيل... موجع.
تجمدت ابتسامة ميرال فوق شفتيها.
انخفضت عينا إلياس ببطء نحو ابنه، وكأن الكلمات اخترقت قلبه مباشرة.
زادت ابتسامة رولا دون أن تدرك ما فعلته، ثم التفتت إلى ضي بحماس:
_عقبالكم يا ضي إن شاء الله!
اختنق الهواء داخل صدر ضي، والتفتت بعينيها فورًا نحو يوسف، رأته يشيح بوجهه ببطء...
لكنها لمحَت تلك اللمعة المؤلمة التي ظهرت بعينيه قبل أن يخفيها.
أما ميرال...فابتسمت.
ابتسامة أم مكسورة تحاول أن تكون قوية، ثم قالت بصوت مرتعش:
_مبروك يا حبايبي... ربنا يتمم لكم بخير.
لكن يدها التي كانت فوق الطاولة...
كانت ترتجف بشدة.. وعيناها على ابنها
اقتربت رولا الى يوسف
_طبعا حضرة الدكتور، هيكون خال وعم الولا، فلازم... فجأة سحبت محفظته واخذت الفيزا
_هدية البيبي، ولو لقيت فيها مايستاهل، امرنا لله هنسمي الواد يوسف
تجمدت يده حول فنجان القهوة، ونظر أمامه للحظات طويلة بلا أي رد فعل، فقط شيء انكسر داخل عينيه فجأة
توقفت ضي فجأة ثم قالت
🔥🔥🔥🔥
بعد شهر
ساعدته في تبديل ملابسه
_معرفش ليه، حاسة عاجبك التلزيق دا
سحبها بقوة من خسرها
_هو فيه احسن من كدا تلزيق
رفعت حاجبها تشير ليده
_ايدك يادكتور، احنا بينا اتفاق
_أنا عيل ورجعت في كلامي
_طيب وسع ياعيل بقى قالتها ودفعته متناسية الامه، ليشهق بألمٍ واضح..
انحنت فوقه سريعًا
_يوسف مش قصدي، مرت بعيناها على جسده وارتجفت شفتيه مع تلألأ الدموع بعيناها
_خلاص اهدي أنا كويس
عانقته تبكي وهي تتمتم
_أنا اسفة مكنش قصدي
حاوط جسدها بذراعيه، وابتسم بخبث
_الله... ياريتك عملتي كدا من زمان، الواحد نسي الاحضان
اصابها الجنون من تمثيله، ماذا تفعل وهي بين ذراعيه، كيف تخرج من ذلك الحضن الخبيث الذي تلاعب بمشاعرها
صمتت للحظات، ثم اقتربت تدفن رأسها في عنقه
_وانت كمان وحشتني أوي حبيبي
سحب ذراعيه من فوق جسدها، يبعدها عن احضانه، فابتعدت سريعا تزيل دموعها
_احترم نفسك، مش عيب تبقى دكتور طويل عريض وتستغل ضعفي وتمثل علي
جز على اسنانه، من فعلتها، وتمنى ان يصفعها على وجهها تلك المتلاعبة
_اطلعي برة دلوقتي، بدل مااقوم لك
انحنت تغمز اليه بشقاوة
_طيب نفسي والله يادكتور، وريني طولك كدا، وعاقبني
قالتها وتراجعت تشير اليه
_هروح البس، اصلي مش ضمناك الصراحة، ست وراحل في اوضة لوحدهم اكيد تالتهم يعني... توقفت مستديرة اليه
_ياترى تالتهم ايه يادوك
_الشيخ الشعراوي ياختي، بيعلمهم الدين، انتي ناسية انك مراتي يابت
رفعت حاجبها بخفة على رده المرح
_مؤقتا يادوك
_دا ظرف زمان طويل النفس، شكلك ساقطة عربي، اخف بس ووعد احسن درس عربي مكون من 3 حروف
_ماتستهبلش
_الله يسامحك، بتشتميني سبعون الف من الملائكة هيلعنوكي يازوجتي الجميلة
ضربت أقدامها بالارض واتجهت لغرفة الملابس وهي تسبه
مساء وصلت شمس برفقة حمزة، ترجلت من السيارة، ونزل هو الاخر
_حبيبتي لو لسة تعبانة ممكن اخد اجازة واقعد معاكي
دفنت نفسها في احضانه تستنشق رائحته بوله
_لا هبقى كويسة دلوقتي، هطلع انا لماما، وانت خلي بالك وانت سايق واول ماتوصل كلمني
لمس وجنتيها ينظر لشحوب وجهها، ثم انحنى يطبع قبلة اعلى جبينها
_خلي بالك من نفسك
نظرت اليه بصمت وتردد معا.. رفع ذقنها يسبح بعيناها
_مالك ياشمسي
_ممكن تبوسني
ابتسم على طفلته البريئة، ثم انحنى يحتضن ثغرها بقبلة شغوفة
_ماتتلم ياحيوان، ايه وحشتك مسافة الطريق
_ابتعد عنها بصعوبة، ثم قبل جبينها، وهي اختفت باحضانه خجلا من والدها
استدار الى إلياس
_ماتغض بصرك، لازم عيونك علينا يعني
_تصدق انت صح ياحلوف
اشار الى شمس التي تبتعد بنظراتها خجلًا من والدها
_تعالي حبيبتي، وحشتيني
خطت اليه، فضمها بحنان وهو ينظر الى حمزة
_ايه واقف كدا ليه، مش وراك شغل
_خلي بالك منها
ضحك الياس، وضمها اليه يتلاعب بغيرة الاخر
_يلا على شغلك، مش جبت لي المهم، مش محتاجك
ابتسم حمزة وهو ينظر بساعته
_جاي لك بعد يومين، وورانا مباراة ياعمو
بعد عدة ساعات
تدور بغرفتها، فمنذ خروجه مع بلال لم يهاتفها، علمت انه سيزور تلك القبيحة التي تدعى دارين... التهمت نيران الغيرة قلبها، تذكرت حديث الطبيب بعدما ذهبت اليه بتحاليل يوسف،وكانت من كلماته التي ادمت قلبها
_فيه امل لكن مع حد تاني، يعني ممكن يكون عنده فرصة للانجاب، لكن لااسف مش معاكي...اشتعل صدرها،وهي تشعر بأنها تختنق، في تلك اللحظة استمعت الى طرقات على باب الغرفة، ثم دخول رولا وشمس
_قاعدة هنا ليه... ليه مانزلتيش
_ماليش نفس، ومضايقة
_وانا كمان، معرفش دي هرمونات الحمل ولا ايه
تمددت شمس على فراش اخيها
_وانا عايزة انام بس
ثار غضب ضي قائلة:
_انتو جايين تنقطوني... اطلعوا برة ياختي منك ليها، مش نقصاكم
اعتدلت شمس فوق الفراش فجأة، وعيناها تلمعان بمكرٍ طفولي رغم تعبها.
_فاكرين لما كنا بنتخنق زمان بنعمل إيه؟
شهقت رولا وكأن الفكرة أنقذتها من الاختناق، فقفزت من مكانها تصفق بحماس.
_والله برافو عليكي يا بت يا شمس!
رمقتها ضي بصدمة وغضب وهي تعقد ذراعيها:
_إنتوا مجانين؟! ناسية إنك حامل يا هبلة؟
زفرت رولا بضيق وهي تعود للجلوس فوق الفراش، ثم وضعت يدها فوق قلبها بتمثيل درامي.
_أهو شوفتوا؟ حتى الزعل ممنوع عن الحوامل... هتفجر والله.
ضحكت شمس بخفة، ثم التفتت إلى ضي بعينين متحديتين.
_هي حامل... إنما إحنا لأ يا ضي. إيه رأيك؟
ضيقت ضي عينيها تنظر لهما، تحاول التمسك بعقلها للحظات، لكنهما كانتا تنظران إليها بنفس النظرة القديمة... نظرة البنات الثلاثة حين يهربن من الوجع بالجنون.
وأخيرًا استسلمت.
_تمام... بس ماترجعوش تعيطوا، ماليش دعوة.
شهقت شمس بانتصار وهي تهبط من فوق الفراش.
_يلا شجعيني بقى، أصلّي بنام وأنا واقفة.
ثم صاحت وهي تتجه للخزانة:
_الدخلة دي عايزة بدلة رقص! كان نفسي ألبسها لاخوكي . بس خسارة فيه، والله ما أنا حارماكم من حاجة.
ضحكت شمس رغمًا عنها، بينما رولا كانت تصفق بحماس طفولي.
وبعد دقائق...
خرجت ضي من الغرفة الأخرى.
بدلة رقص حمراء التفّت حول جسدها بانسيابٍ ساحر، تكشف من أنوثتها أكثر مما تخفي، وخصلاتها السوداء تنسدل حول وجهها بعشوائية زادت حضورها اشتعالًا.
ضغطت على الأغنية الشعبية، فصدح الصوت بالمكان، وبدأت تتمايل بخفة، بخطوات ناعمة لكنها ممتلئة بالحياة، من يراها يقسم انها ليست التي كانت منذ قليل
اعتدلت شمس تضحك وهي تقترب منها، تتراقص بهدوء وتصفق على الإيقاع، بينما نهضت رولا أخيرًا وهي تحتج بصوت مرتفع بسبب الموسيقى:
_وأنا كمان ماليش دعوة! بس عايزة بدلة رقص، ماليش فيه!
انفجرت ضي ضاحكة، ثم جذبتها من يدها لتشاركهما الرقص، وارتفعت أصواتهن مع الأغنية وضحكاتهن تملأ الغرفة لأول مرة منذ أيام.
ضحكات حقيقية...
ضحكات فتيات يحاولن سرقة لحظة حياة من وسط كل هذا الوجع.
بعد دقائق...
كان بلال يساعد يوسف في الصعود إلى غرفته ببطء، توقفت خطواته فجأة عند باب الغرفة، على صوت ضحكات عالية وموسيقى شعبية تهز المكان.
رفع حاجبه بدهشة.
_البنات عندي بيعملوا إيه؟
هز بلال كتفه ضاحكًا.
_والله معرفش... رولا قالت رايحة لضي، وقالت عايزة هدية البيبي.
ضحك يوسف بخفوت رغم إرهاقه.
_مراتك دي مادية أوي... أخدت الفيزا ولسه بتقول مش عم وخال الواد.
قهقه بلال وهو يطرق الباب بخفة.
وفجأة اندفعت شمس من الداخل وهي تصرخ:
_ضي! جوزك جه!
صمتت ضحكاتهن، بينما استمرت الاغنية تدوي بالمكان:
"آه لو لعبت يا زهر... واتبدلت الأحوال..."
دفع يوسف الباب ببطء...
ثم توقف مكانه تمامًا.
عينيه اتسعتا بذهول عل ضي التي
كانت تقف بمنتصف الغرفة، تتنفس بسرعة من أثر الرقص، خصلاتها مبعثرة فوق كتفيها، وبدلة الرقص الحمراء تلتف حول جسدها بطريقة جعلت أنفاسه تختل للحظة.
تجمدت هي الأخرى فور رؤيته.
أما شمس...
فسحبت رولا، واندفعتا للخارج وسط ضحكاتهما، على نظرات يوسف، بينما بلال أغلق الباب خلفه وهو يضحك بصوت مكتوم يغمز لرولا
"اه لو لعبت يازهر"
تحركت سريعا من امامه، ولكنه ركض خلفها
_استني يابت عندك
بالداخل مازال واقفًا عند الباب، ينظر إليها وكأنه يراها لأول مرة.
تاهت عيناه بها بالكامل...
حتى الألم الذي كان ينهش ظهره اختفى للحظات.
ابتلعت ضي ريقها بتوتر، ثم عقدت ذراعيها حول نفسها وهي تتمتم بخجل حاولت إخفاءه:
_إيه... بتبص كدا ليه؟
اقترب خطوة بطيئة، وعيناه لا تفارقها.
_هو أنا ينفع أبص في حتة تانية أصلًا؟ بعد اللي شايفه دا، البتاعة دي نسيوا يحطوا فيها القماش ولا ايه
اقترب وعيناه لم تفارق عيناه
_لو قاصدة تموتيني مش هتعملي كدا، ايه لسة مااخدتيش حقك مني
ارتجف قلبها بعنف من نبرته، ورغم ذلك استدارت سريعا للداخل وهي تقول
_لا... لسة يادكتور
بعد فترة اتجهت الى مكتب الياس، حتى تقص له ماقاله لها طبيب النساء، مدت يدها لفتحه ولكنها توقفت على كلمات الياس
_مالك اخد البنت شقتك القديمة، واللي اسمه موسى دا نزل مصر
_هي متعرفش اننا عرفنا انها حاولت تسمم يوسف صح
_لا متعرفش، وكلامنا عن ضي لما شربت مكان يوسف، قرحة
نفث الياس سيجاره
_واقتنعت ماتخفش، مالك بيعرف يتصرف، خاصة لما بعت لها حرامية في الشقة، وخلاها تلجأ لنا
_صدقني كل ماافتكر ان حد من الولاد كان هيموت بسببها، ببقى نفسي اروح اموتها
_اهدى ياارسلان، مش دا اللي انا عايزه، انا عايز اسحبهم واحد واحد
تراجعت للخلف تردد كلمات الياس
_كانت عايزة تقتل يوسف، يعني لو انا ماشربتش شوية ودلقت الباقي كان يوسف ممكن يكون...
اصابها الجنون ولم تفكر كثيرا
بعد قليل
هبط يوسف بخروج ارسلان من غرفة الياس
_ضي فين ياعمو
هز كتفه بوصول غرام
_اومال ضي فين ياغرام
_هي مجتش، قالت لي هعدي على بابا قبل ماتطلع ليوسف
_تعدي علي فين
_في مكتب إلياس
صمت يستوعب حديثها ثم تسائل:
_من امتى الكلام؟!
_نص ساعة تقريبًا، نهض من مكانه وحاول الاتصال بها، ولكنها لم ترد، اتجه إلى مهاتفة إلياس
_ضي شكلها سمعت كلامنا، وهتروح للبنت
أغلق إلياس الهاتف، يزفر بغضب
_ودي مين هيسكتها
_فيه حاجة ولا إيه
_فيه إنك لازم تروح تنقذ البنت قبل ما ضي توصلها، وانت أكيد عارف رد المجنونة
_وايه اللي عرفها
اقعد ياحبيبي، احكي لك، وهي تروح تقتـ ل البنت
نهض مالك وهو يضحك
_هو مش ينفع اقدم استقالتي منكم
_لا ياحبيبي، السؤال مش كدا، تقولي مش ينفع تتبرى من العيلة دي
غادر مالك، بينما رفع الياس هاتفه
_انت فين يابنت ارسلان
_عند ابنك في المستشفى، متخافش ياعمو انا بنت اصول وحارسة المحروس ابنك
_ياكذابة أنا شايفك، ابني ايه اللي في المستشفى يابت، ماانتوا رجعتوا من الضهر، ارجعي فيه هناك كلـ ب بلدي مستنيكي
_متخافش علي بعرف أعـ ض بردو، ماهو ابويا كان شغال في المخابرات وعمي امن دولة، مفيش جوزي جوزي الطيب
_البركة فيكي ياختي، ارجعي ياضي واحنا هنتعامل معاها
_والله لأمو تها، انت ازاي هادي كدا، دي كانت هتموت ابنك
_وابني زي الفل ارجعي علشان مازعلش منك
اغلقت الهاتف، تنظر للطريق
_مش لما اخد حقي، تذكرت حديث والدها مع الياس انها كانت تريد تسمــ يم يوسف
_والله لاشربه لك ياحيوا. نة
وصلت للمكان المنشود، اقترب منها احد افراد الامن
_ضي هانم فيه حاجة
_اه.. عمو إلياس بعتني اخد البنت اللي جوا
الفصل 69
الفصل التاسع والستون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
ها هي الحياة تمضي بنا كما تشاء، تُخبّئ في طرقاتها ما لا نتوقّعه، وتمنحنا ما لا نطلبه، وتنتزع منا ما ظنناه باقياً. بين نبضات القلب وسكون الروح، تولد الحكايات... حكايات تبدأ بنظرة، تكبر بكلمة، وتزهر عشقاً يملأ الوجود دفئاً وحنيناً.
لكن العشق... ذلك الشعور الذي خُلق ليكون داءً ودواءً معًا، لا يمرّ بالقلب مرورًا عابرًا، بل يسكنه حتى يغيّر ملامح الروح. يمنحنا نورًا لم نعرفه من قبل، ثم يعرّفنا على عتمته حين يشتد التعلّق. يجعلنا نبتسم كأن الحياة خُلقت لأجل لحظة قرب، ثم يزرع في صدورنا وجعًا لا يُحتمل حين يبتعد من نحب.
وبين قربٍ يربك الروح وبُعدٍ يرهقها، نقف حائرين، نُخبئ في أعماقنا ألف حديث لا يُقال، ونكتفي بنظراتٍ تروي ما عجز عنه الكلام.
وكأن الله خلق العاشقين ليذوقوا الجنة والنار بالقلب نفسه... في الوقت نفسه.
وقف رجل الأمن أمامها بتوتُّرٍ واضح، يحاول أن يحافظ على هدوئه رغم الغضب المشتعل بعينيها.
_آسف يا فندم...معنديش أي معلومات عن اللي حضرتك بتقولي عليه.
رفعت ضي إصبعها نحوه بعصبية، وهتفت بنبرةٍ خرجت مرتجفة من شدِّة انفعالها:
_بقولَّك افتح الباب!
في تلك اللحظة وصل مالك، فأشار لرجل الأمن أن يبتعد بهدوء، ثم اقترب منها يتأمَّل وجهها المتوتِّر وأنفاسها المتلاحقة.
_فيه إيه يا ضي؟
كوَّرت قبضتها بقوة حتى ابيضَّت أصابعها..رفعت عينيها إليه، وداخلها نار لا تهدأ:
_عايزة أقابل البنت اللي جوَّه يا عمُّو مالك.
نظر إليها طويلًا، ثم أشار نحو سيارتها محاولًا تهدئتها:
_طب ما تيجي نقعد نشرب قهوة زي زمان...وتحكيلي بهدوء، إيه اللي إنتي عايزة تعرفيه منها؟
صمتت للحظات، تحاول أن تلتقط أنفاسها المختنقة، لكن كلَّما تذكَّرت ما حدث، شعرت بأنَّ الدم يغلي داخل عروقها، وكأنَّ قلبها يصرخ طالبًا الانتقام.
خرج صوتها مخنوقًا بالألم:
_لا...خلاص، مالوش لازمة، أنا عارفة إن حضرتك هترفض.
اقترب منها أكثر، وأردف بصوتٍ هادئ:
_ضي..لازم يبقى عندنا تحكُّم في انفعالاتنا، علشان منخسرش حقِّنا. طول ما الغضب متحكِّم فينا، عمرنا ما هنقدر ناخد قرار صح، أتمنَّى تكوني فاهمة قصدي.
التفتت إليه بسرعة، وعيناها امتلأتا بالقهر وهي تشير ناحية الداخل:
_دي كانت ناوية تموِّت يوسف!
ثم وضعت كفَّيها فوق صدرها وكأنَّ الألم عاد يعتصرها من جديد:
_وأنا...أنا كنت بموت يا عمُّو مالك، والكل فاكرها قرحة معدة، وهيَّ كانت بتخطَّط لكلِّ ده! عايزة أفهم...كانت عايزة تقتل يوسف ليه؟!
تنهَّد مالك ببط:
_يا ضي...ليه دي مش وقتها دلوقتي. أهمِّ حاجة إنِّنا نتصرَّف بعقل، وزي ما قلتلك، لازم تهدي..ارجعي البيت... وسيبي أبوكي وعمِّك يتصرَّفوا، علشان نعرف نجيب حقِّك وحقِّ يوسف من غير تهوُّر.
هزَّت رأسها بعناد، ودموع الغضب تلمع بعينيها:
_مش همشي من هنا...غير لمَّا أعرف حكاية البنت دي.
اشتدَّت نبرة مالك قليلًا، لكنها بقيت تحمل احتوائه المعتاد:
_ضي..أنا قلت إيه؟ فيه كبار بيتصرَّفوا، ومش كلِّ حق تنفع نجيبهه بالغضب.
ظلَّت تنظر إليه لثوانٍ طويلة، صدرها يعلو ويهبط بعنف.
ثم أخفضت عينيها أخيرًا، وسحبت نظراتها بعيدًا عنه، قبل أن تستدير ببطء وتتَّجه نحو سيارتها...
بداخل المنزل عند دارين
_متى ستصل إلى مصر؟.
استمعت إلى الطرف الآخر:
_قريبًا حبيبتي...أخبريني هل تمكَّنتي من الوصول إلى ذلك الرجل؟.
_لا...اليوم هاتفت يوسف، وطلبت منه التجوُّل قليلًا، كنت أريد أن أقول له عن زيارة أخته، ولكن لم يعطني فرصة، فقال أنَّه مريضًا ولم يخرج من المنزل.
_حقًّا...أم أنَّه يتلاعب، ألم تعلمي أنه ذئبٌ مكَّار.
_نعم...لكنَّه حقًّا لا يستطع التحرُّك، وزوجته الغبية لم تمت، علمت أن الطبيب لم يكتشف السمّ...الغبية لم ترتشف الكثير، وقامت بسكب الباقي.
_ولا يهمُّك عزيزتي، سآتي بعذرا معي، وأنتي تعلمين أنه لن يترك شيئًا دون أن يكمله، أريدك فقط الوصول لذلك الختيار، لابد أن نحصل على تلك الخريطة.
_كيف لي أن أذهب إلى منزله، ولم ألتقِ بأختِ جو
_دعيني أفكِّر ثم أخبرك...هيَّا سأغلق، موعد محاضرتي.
ألقت الهاتف، ثم أخرجت سجائرها، وجلست تضع ساقًا فوق الأخرى، وقامت بتشغيل الشاشة بعدما أوصلت به أسطوانة.
جلست تشاهد جميع من بمنزل الياس،صور التقطتها ...ذهبت ببصرها إلى علاقة ضي ويوسف.
قرَّبت الصورة تراقب نظراتهما بعناية، ثم تراجعت:
_نعم كما قال عاشقان، صبرًا أيَّتها الغبية ستندمين، لم تعلمي من هي إيڤا.
مرَّرت أناملها على صورة يوسف:
_إنَّك جذَّاب كثيرًا، ليتَ استمعت إلى عرضي، لما كنتَ فريستي المنتظرة، ولكنَّني لن أتنازل عنك.
نفثت رماد سجائرها وعيناها ما زالت تخترقه، تتذكَّر حين عرضت عليه المبيت عندها:
_جو...أريدك الليلة أن تنام معي.
توقَّفت أنفاسه للحظة، ثم التفت إليها ببطء، وعيناه اشتعلتا بنظرةٍ حادَّة أرعبتها رغم هدوء ملامحه:
_ماذا قلتِ؟
اقتربت منه بخطواتٍ ناعمة، تتلاعب بنظراتها بثقةٍ ظنَّت أنها ستربكه، ثم همست بدلال:
_ليس كما فهمت يا عزيزي جو...أنا فقط أريدك أن تسهر معي، كصديق..ألا ترى زملاءنا كيف يزرنَ بعضهن وينمن معًا؟
قبض على فكِّه بقوة، وكأنَّ كلماتها استفزَّت شيئًا عميقًا بداخله، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه مخيف من شدَّة حدَّته:
_وأنا لست هكذا ولا رجلًا بلا مبدأ حتى أتجاوز حدود الله بحجَّة المزاح أو الصداقة.
تراجعت خطوة أمام نبرته، لكنَّه أكمل وهو يشير إليها بإصبعه بصرامةٍ واضحة:
_استمعي إليَّ جيَّدًا يا دارين...أكثر ما أكرهه هو الإنسان الذي يعرف الخطأ ويحاول أن يزيِّنه وكأنه أمرٌ عادي..لا تتلاعبي معي، ولا تختبئي خلف كلمة تحضُّر أو حرية..أشار إليها بتحذير:
_ما تطلبيه اسمه زنا، سواء تقارب أم لا، فهو زنا، والإسلام لم يحرِّمه عبثًا، بل لأنَّ الله أراد لهذا القلب أن يبقى نقيًا، لا تلوِّثه العلاقات القذرة ولا الأجساد العابرة..أراد لنا حبًّا نظيفًا تحت سترٍ وميثاق، لا علاقاتٍ تبدأ بالشهوة وتنتهي بالندم.
ابتعد عنها خطوة، ثم قال بحدَّة قاطعة:
_ديننا دين طهارة وعفَّة، وليس دين شهوات عابرة..لذلك...ابتعدي عنِّي، ولا تضعي نفسك في مكانٍ يهينك قبل أن يهينني، أنتِ ومن حولك ترون الأمر حرية، أمَّا أنا فأراه انهيار قيم وأخلاق، ولا تمسُّ لي بأي صفة.. هذه حقارة وقبل ذلك فهي خيانة
صمت للحظة، ثم رمقها بنظرةٍ أخيرة باردة:
_وحاولي أن تفهمي..الرجل الحقيقي لا يفتخر بأنَّه يقترب من النساء، بل يفتخر بأنه يعرف كيف يحفظ نفسه وحدوده أمام الله..
ألم تقولي أنَّك نصرانية، ليس في دينكم ما يدلُّ على إهانة الروح..وشئ مشمئز مقرف
خرجت من شرودها وعادت بجسدها وعلى شفتيها ابتسامة:
_يبدو أنَّني وقعت بحبِّك أيَّها المسلم.
بمنزل إلياس...
كان يوسف يمارس تدريباته العلاجية بإصرارٍ مرهق، أنفاسه تتصاعد بصعوبة، والعرق يغطِّي جبينه، لكنَّه رغم الألم كان يدفع نفسه بقوة، وكأنه يحارب ضعفه بكلِّ ما تبقَّى داخله.
لقد قطع شوطًا كبيرًا...شوطًا لم يكن يظنُّ يومًا أنه قادر على تجاوزه.
أنهى تدريباته أخيرًا، ثم تحرَّك بخطواتٍ بطيئة نحو غرفته، ليقابله صوت والدته الحنون:
_عملتلك كوباية عصير...اشربها قبل ما تنام.
التفت إليها بابتسامةٍ خافتة متعبة:
_تسلم إيدك يا حبيبتي...هيَّ ضي لسه مرجعتش؟
_زمانها جاية، متخافش.
أومأ بصمت، ثم دلف إلى غرفته، وضع كوب العصير على الطاولة، وتحرَّك ينزع كنزته بتعب، قبل أن يتَّجه إلى غرفة الملابس.
فتح الخزانة يبحث عن ثيابٍ مريحة، لكن يده توقَّفت فجأة...وعيناه تعلَّقت بتلك البدلة.
بدلة الرقص.
تلك اللعينة التي سلبت عقله يوم ارتدتها.
سحبها ببطء، وابتسامة باهتة مرَّت فوق شفتيه، بينما راحت أنامله تمرُّ فوق القماش وكأنه يلمسها هي.
رفعها إلى أنفه يستنشق عبيرها، لتصفعه رائحتها بعنف...رائحة أنثاه التي ما زالت تسكنه رغم كلَّ شيء.
وأخذته ذاكرته قسرًا قبل ساعات
حين دلف خلفها وهي تحاول نزعها بتوتر، وما إن شعرت به حتى ارتجف جسدها بالكامل.
أمسك كفَّيها برفق يمنعها، فالتفتت إليه بعينينِ مرتبكتين، بينما نظراته كانت تلتهمها ببطء، نظرات تحفظها جيِّدًا...وتحفظ ضعفها أمامه أكثر.
اقترب يقول بصوتٍ أجشّ:
_وبعدين معاكي يا بنت عمِّي...عايزة توصلي لإيه؟
استدارت إليه بالكامل، تحاول التماسك رغم اضطراب أنفاسها:
_مش فاهمة قصدك يا يوسف؟.
اقترب خطوة، وعيناه تخترقانها بحدَّة موجعة:
_أنا خفِّيت يا ضي...يعني لو بتعملي كلِّ ده علشان تعبي، فأنا بقيت كويس.
تجعَّد ما بين حاجبيها بدهشة ممزوجة بالألم:
_نعم!! إيه اللي بتقوله ده؟!
إنتَ مفكَّر إني قاعدة معاك علشان تعبك؟!
تنهَّد بضيق، يختنق:
_ضي...بلاش تتعبيني أكتر من كده، قوليلي إنتي عايزة إيه؟ مش هنفضل عايشين بالشكل ده...الكلِّ فاكر إنِّنا زي أي زوجين طبيعيين.
ثم اقترب أكثر حين وجدها تهرب بعينيها منه:
_أنا مش هحققلك أحلامك يا بنت عمِّي، وكده كده هسافر زي ما قولت، وإنتي أخدتي حقِّك منِّي...اللي هو أصلًا ماليش ذنب فيه، كلُّه بسبب عمايلك.
رفعت رأسها إليه ببطء، وكأنَّ كلماته صفعتها:
_حقِّي؟!
ضحكت بمرارة موجوعة، قبل أن تقترب منه خطوة حتى اختلطت أنفاسهما:
_حقِّ إيه يا دكتور؟!
حقِّ السنة ونص اللي كنت بتسيبني فيهم كلِّ ليلة أنام ودموعي على خدِّي؟!
ولَّا حقّ كسرتي وأنا شايفة جوزي بيعاملني كأنِّي واحدة رخيصة...مش مراته اللي بتموت فيه؟!
ارتجف فكُّ يوسف بعنف، بينما أكملت هي بانهيارٍ مكبوت:
كانت تنظر إليه بعينينِ موجوعتين:
_تعرف إيه أصعب حاجة؟
إنِّي رغم كلِّ اللي عملته فيَّا..لسه قلبي بيدق لك، ولسه بخاف عليك أكتر من نفسي.
مدَّ يده إليها وارتجفت أنامله حين لامس جسدها وشعر وكأنَّ شيئًا داخله ينهار ببطء أمام وجعها..
همس باسمها بصوتٍ مختنق:
_ضي...
لكنها أغمضت عينيها بألم، ودموعها انسابت رغمًا عنها.
وضعت كفَّها فوق قلبها، وكأنَّها تحاول أن تمنع ذلك الألم من تمزيقها، ثم همست بصوتٍ مرتجف:
_حقِّ قلبي اللي كسرته...وبقى لا عارف يكرهك ولا قادر يبطَّل يحبَّك.
اقتربت أكثر...أكثر حتى باتت أنفاسها تضرب وجهه، وعيناها غارقتين بدموعٍ موجوعة:
_حقِّي لو عشت عمرك كلُّه تدفع تمنه مش هتعرف...عارف ليه؟
لأنِّي غبية...ومتخلِّفة...رغم كل اللي عملته فيَّا، مش قادرة أبعد عنَّك، كأنك محفور في دمِّي...
شهقت ببكاء، وأشارت إلى صدرها المرتجف:
_مش إنتَ دكتور قلب؟..طب داوي قلبي منك...خلِّيه يكرهك، خلِّيه يبطَّل يدق باسمك...قوله بطَّل يا غبي..بطَّل يحبَّك بالشكل ده.
انسابت دموعها بغزارة، لتراه فجأةً يسحبها بعنفٍ مشتاق، يسحقها بين ذراعيه.
دفنت وجهها بصدره، وذراعاها تحاوطان خصره وهي تبكي بصوتٍ مهزوم:
_أنا تعبت يا يوسف...تعبت أوي... اديني علاج يريَّحني.
أغمض عينيه بقهر، ولم يجد شيئًا يطفئ وجعها سوى أن يحتضن شفتيها بقبلةٍ طويلةٍ مرتجفة، قبلة حملت كلَّ اعتذاراته التي عجز عنها الكلام، وكلَّ شوقه الذي حاربه طويلًا.
ابتعد بصعوبة، وأسند جبينه فوق جبينها، بينما كفَّاه يحتضنان وجهها يمسح دموعها بحنانٍ موجوع:
_آسف...والله عمري ما فكَّرت أوجعك بالشكل ده.
ضحكت وسط بكائها، ضحكة كسيرة مزَّقتها الدموع:
_بس وجعتني...وكسرتني يا يوسف...
مش كفاية بقى؟
أنا عايزة أعيش...عايزة حبيبي اللي حبِّيته من غير خوف.
ارتبكت أنفاسه، وتراجع نصف خطوة وهو يهمس بصوتٍ خافت:
_أنا خايف عليكي...ومنِّك يا ضي.
رمقته بألمٍ حاد:
_يبقى محبتنيش..
ليه دايمًا بتاخد قراراتك لوحدك، إيه اللي مخوِّفك منِّي؟
مش يمكن كلِّ اللي في دماغك أوهام؟
أنا مستحيل أبعد عنك يا يوسف... مستحيل.
أشاح بعينيه يتنفَّس ببطء، وكلماتها تعصف برأسه، بينما خوفه ينهشه من الداخل...
كيف يخبرها الحقيقة ويكسر رجولته أمامها؟.
حاول الهروب من الحديث، فوقعت عيناه على جسدها الملفوف بتلك البدلة.
عاد يقترب منها ببطء، ومرَّر أنامله فوق عنقها المكشوف، بينما عيناه تتجوَّلان فوق تفاصيلها بغيرةٍ واضحة:
_ينفع ترقصي بالشكل ده قدَّامهم،
إزاي هان عليكي جسمك يبان كده؟
فهمت فورًا أنه يهرب..يهرب من الاعتراف الذي يخشاه، لكنها لم تعلِّق.
كلُّ ما شعرت به هو قربه...أنفاسه الساخنة التي بعثرت قلبها.
همس قرب شفتيها:
_أنا كمان مش قادر أبعد عنِّك.
هنا لم تعد تسمع شيئًا..شعرت بأنَّ نبضاتها ستقفز من صدرها...اشتاقت إليه حدَّ الوجع..حدَّ الجنون.
انحنى فجأةً يطبع قبلةً طويلة فوق عنقها، فأغمضت عينيها باستسلام، وتمنَّت لو يتوقَّف الزمن هنا...لم يبقَ ألم..
رفع رأسه ينظر لعينيها المغلقتين بعشقٍ هزم كبريائه أخيرًا، ثم جذبها إلى صدره بقوة.
ولأوَّل مرة منذ فترة تعانقه دون خوف أو نفور منه عمَّا فعله بها...
قبلة أخرى فوق جبينها وهو يهمس بحبِّه المكنون، فشدَّدت احتضانه أكثر، متناسيةً كلَّ شيء، لا تريد سوى البقاء داخل دفء أنفاسه.
ابتسم بحنان وهو يهمس:
_ضي...ساكتة ليه؟
فتحت عينيها ببطء، وقالت بصوتٍ موجوع:
_خايفة أتكلِّم فأجرحك وأجرح نفسي،
كلِّ اللي حاساه إنِّي تعبت من كل حاجة يا يوسف.
على قدِّ ما نفسي أفضل في حضنك... على قدِّ ما خايفة يكون حضنك ده كلُّه شوك.
مرَّر أنامله على ذراعها العاري، بينما عيناه تحترقان بما تكشفه تلك القطعة الصغيرة:
_بالعكس...مش هتلاقي في حضني غير الأمان.
صمت لحظة يحدِّق بها، ثم قال بهدوء:
_عايز أسألك سؤال...وتجاوبيني بصراحة.
ابتسمت رغم دموعها:
_ومن إمتى وأنا مش صريحة معاك؟
رفع ذقنها يتأمَّل عينيها بعمق:
_ليه قولتي لرولا إنك مش عايزة أطفال، وإنك عايزة تكمِّلي ماجستير ودكتوراه؟
ارتجف قلبها للحظة، ثم رفعت ذراعيها تعانقه أكثر، وهمست بهدوء رغم خوفها:
_مدام إنتَ مش عايز...خلاص، أنا كمان مبقتش عايزة.
ولا حتى بفكَّر في الموضوع، أنا عايزاك إنتَ.
حاول إخفاء تلك السعادة التي لمعت بعينيه، لكنَّها رأتها...وشعرت أنَّ قلبها يذوب أكثر لهذا الرجل الذي تعشقه بجنون.
اقتربت تطبع قبلةً خفيفةً فوق شفتيه وهمست:
_أنا بحبَّك أوي...وصدَّقني، موضوع الأطفال مبقاش فارق معايا.
أهمِّ حاجة عندي...أكون جوَّا حضنك.
ارتفع نبضه بعنف، وجذبها لصدره بقوة وكأنه يخشى أن تختفي:
_ضي...إنتي مش مجرَّد بنت عمِّي ولا مراتي..إنتي نبض قلبي.
احتوى وجهها بين كفَّيه، وعيناه ممتلئتان بندمٍ حقيقي:
_آسف على كلِّ اللي حصل...حاولت أبعد، بس مقدرتش.
نفسي أسعدك...وأحققلك كل اللي بتتمنِّيه، بس مش عارف أعمل ده إزاي.
ابتسمت وسط دموعها، ثم قبَّلته برقَّة وهي تهمس:
_إنتَ سعادتي أصلًا...حياتي وحبيبي.
ضحك بخفَّة أخيرًا وهو يضمُّها أكثر:
_نفسي أشيلك دلوقتي وألفِّ بيكي الأوضة كلَّها.
لكزته بخوفٍ مصطنع:
_عشان أموِّتك بقى؟!
أنا ما صدَّقت إنَّك بقيت أحسن شوية...كمِّل علاجك الأوَّل علشان ترجع أحسن من الأول.
ابتسم بعشق وهو يلامس أنفها بخفَّة:
_لأ...هكمِّل علاجي علشان مراتي اللي بعشقها.
لمست وجنته بحنان وهمست:
_وأنا كمان بعشقك.
أشار إلى بدلة الرقص بمكر:
_طيب...مفيش رقصة من اللي كنتي بتعمليها يا زهر؟
ضحكت بخجل وهي تدفن وجهها بصدره:
_خفِّ الأوَّل...وبعدها أبقى أعملَّك اللي إنتَ عايزه.
لكن فجأة تذكَّرت شيئًا، فابتعدت تنظر إليه بشك:
_على فكرة...إنتَ كنت بتعمل إيه عند الزفتة دارين؟!
رفع حاجبيه بدهشة:
_مين قالِّك؟!
شهقت بغيظ:
_نعم! يعني فعلًا كنت عندها ومش عايزني أعرف؟!
ومن إمتى وانتَ بتكلِّم بنات؟!
إيه القعدة مع الأجانب دي نسِّيتك دينك يا محترم؟!
اتَّسعت عيناه بصدمة:
_إيه اللي بتقوليه دا، اتجنِّنتي.
_نعم...طيب ما تفهِّمني يا محترم، إزاي واحدة متخلِّفة زي دي تكلِّمها، ولَّا إزاي سمحت لنفسك تقعد مع متبرِّجة، ولَّا كشف جسمها عجبك وحاجة جديدة عليك؟.
_ضغط على ذراعيها بقوَّة:
_من حقِّك تغيري، لكن إنِّك تتجاوزي حدودك، فدا مستحيل أقبله، ودلوقتي امشي من قدَّامي.
_طيب سيب إيدي، إنتَ بتوجعني.
قالتها بدموع...فتراجع ينظر لذراعها الذي ترك أثرًا عليه من وراء مسكته.
استدارت تواليه ظهرها، ظلَّ ينظر إليها لبرهة ثم تحرَّك للخارج، اتَّجهت إلى خزانتها وبدَّلت ثيابها مغادرةً الغرفة بأكملها، بينما خرج هو لشرفته ينفث رماد سجائره يتذكَّر حقيقة نتيجة التحاليل التي أخفاها والده، وبعد حديثه مع مالك عن دارين ووقوع مالك ببعض الكلمات، التقط منه ما جعله يشكُّ بأمرها، خرج من شروده على إغلاق باب الغرفة، علم بخروجها غاضبةً منه، ظلَّ ينتفَّس بهدوءٍ لبعض اللحظات ثم هبط خلفها، يسأل والدته عنها.
ولكنَّها غير موجودة، فذهب إلى تدريباته الريَّاضية وتركها بعض الوقت.
بينما هي ذهبت إلى دارين بعدما استمعت إلى حديث إلياس وأرسلان، ولكنَّها عادت دون أن تفعل شيئًا
🔥🔥🔥
بمنزل بلال قبل ساعات...
وصل إلى المنزل يبحث عنها بعينينِ مشتعلة بالغيرة، بعدما رأى رقصها،هتف وصوته يملأ المكان:
_إنتي فين يا زهر؟ اطلعيلي برَّة يلا!
بالداخل، أغلقت الباب سريعًا وأسندت ظهرها إليه، تضحك بقوة وهي تحاول كتم أنفاسها:
_بلال عيب بقى! أنا أصلًا ما رقصت، دي أختك اللي كانت بترقص.
اقترب من الباب يضربه بكفِّه بخفَّة:
_اطلعي يا بت...هعلَّقك! رايحة ترقصي في بيوت الناس يا محترمة؟! طيب ما جوزك أولى.
ارتفعت ضحكاتها أكثر، حتى احمرَّ وجهها:
_بس بقى...بقولَّك ما رقصتش!
دفع الباب لتبتعد سريعًا، وتقف فوق الفراش هاربةً منه، تشير له بتحذير وسط ضحكاتها:
_متبقاش مجنون...أنا حامل.
رفع حاجبه وهو يقترب بخطواتٍ بطيئة، وعيناه تلتهمان ملامحها بعشقٍ واضح:
_بقى بترقصي للغريب وجوزك موجود؟
أشارت لنفسها بصدمةٍ مصطنعة:
_يا بني أنا أصلًا معرفش أرقص!
ضحك بسخرية وهو يرفع تلك القماشة اللامعة التي اشترتها:
_آه...وأنا الأهبل اللي هصدَّقك، أومال شرياهم ليه؟
عضَّت شفتيها بخبثٍ طفولي:
_علشان لمَّا أتعلَّم.
توقَّفت خطواته، ثم ابتسم ابتسامة خطيرة جعلتها تبتلع ريقها..
_بس كدا؟ خلاص..وأنا هعلِّمك بنفسي.
ثم أضاف وهو يحرِّك كتفيه بعبث:
_مش بيقولوا هزَّة يمين وهزَّة شمال؟
ضربت كفَّيها ببعض ووقعت تضحك بقوة، تتراجع للخلف فوق السرير، بينما هو يقترب أكثر ممسكًا القماشة:
_هتلبسيها يا رولا.
شهقت وهي تشير إلى بطنها:
_يا ابني أنا حامل! كدا هسقط.
اقترب منها أكثر وهمس عند أذنها بمشاكسة:
_وأنا هشقطه.
وقعت فوق الفراش تضحك بعفوية، ضحكة جعلت قلبه يرقص بالعشق.
جلس على طرف السرير يتأمَّلها طويلًا، ثم مدَّ يده ينزع حجابها برفق، لتنساب خصلاتها حول وجهها.
انحنى عليها ببطء، يدفن وجهه بعنقها يستنشق رائحتها، ثم همس بصوتٍ ممتلئ حبًّا:
_عايزك تفضلي تضحكي كدا على طول يا روليتا...بحبِّك وبحبِّ كل حاجة فيكي.
التفَّت ذراعاها حول عنقه، ونظرت داخل عينيه بحبٍّ صادق يفيض منهما:
_وأنا كمان بحبَّك أوي يا بلال.
ثم وضعت كفَّيها فوق بطنها الصغيرة بحنان، وقالت بصوتٍ مرتجفٍ من فرط السعادة:
_أنا مبسوطة أوي علشان هيجيلنا بيبي.
رفعت عينيها إليه:
_إنتَ كمان مبسوط، صح؟
تغيَّرت نظراته للحظة، ومرَّر أنامله فوق بطنها بحنانٍ بالغ، وكأنه يلمس قطعةً من قلبه:
_طبعًا...هوَّ فيه أحلى من كدا يا روحي؟
ظلَّت تتأمَّله بصمت، ثم اعتدلت قليلًا وقالت بهدوء:
_أومال ليه حاسة إنَّك مش سعيد؟
انعقد حاجباه بدهشةٍ خفيفة:
_ليه بتقولي كدا؟!
عقدت ذراعيها وهي تضيِّق عينيها نحوه بعتاب:
_علشان طلبت نعمل حفلة بالمناسبة دي، وحضرتك رفضت.
تنهَّد ببطء، ثم اقترب يطبع قبلة طويلة بجوار شفتيها:
_حبيبتي..لمَّا تولدي نبقى نعمل أكبر حفلة في الدنيا، بس دلوقتي بلاش مجهود.
ظلَّ ينظر إليها للحظات ثم نهض قائلًا:
_هروح المستشفى كام ساعة وأرجع... تكوني ارتحتي شوية، علشان نسهر سوا.
ابتسمت له بحب وهزَّت رأسها:
_خلِّي بالك من نفسك..ومتتأخَّرش عليَّا.
اقترب منها مجدًّدًا، طبع قبلة حنونة فوق رأسها، ثم غادر الغرفة ببطء.
مضت ساعات، إلى أن أتى الليل..
كانت مستلقية فوق الفراش، تضمُّ الغطاء حول جسدها بإرهاق.
دلفت والدتها تحمل صينية الطعام، وما إن وقعت عيناها على وجه ابنتها الشاحب حتى شعرت بوخزة داخل صدرها:
_حبيبتي...عملتلك شوربة سخنة، اتعدلي كدا وكلي لقمتين، مينفعش تفضلي من غير أكل للوقت دا كلُّه.
أدارت رولا وجهها للجهة الأخرى تتمتم بصوتٍ خافت:
_مالييش نفس يا ماما...
تنهَّدت رحيل بحنان، وجلست جوارها تمسِّد على خصلاتها الطويلة برفقٍ أموميّ:
_لا يا حبيبتي، علشان البيبي..لازم تتغذِّي.
ثم عقدت حاجبيها قليلًا وهي تضيف بعتابٍ خائف:
_وبعدين مين المجنونة اللي ترقص وهيَّ في أوَّل حملها كدا؟ إنتي وقَّعتي قلبي لمَّا اتَّصلتي وقولتي إنِّك تعبتي.
ابتسمت رولا بخفَّة، ابتسامة مرهقة بالكاد ظهرت فوق شفتيها:
_حبِّينا نغيَّر مود شوية بس...والله كانت ساعة حلوة.
تأمَّلتها رحيل طويلًا، ثم أطعمتها بيديها كما لو أنها مازالت طفلتها الصغيرة، ثمَّ ناولتها كوب العصير:
_اشربي دا كمان.
ضحكت رولا بخفوت:
_حرام عليكي يا ماما...بطني خلاص مبقتش مستحملة.
ربتت رحيل فوق كتفها بحنان:
_علشان تنامي مرتاحة بس.
شربته على مهل، بينما والدتها تراقبها بصمت، ثم انحنت تطبع قبلةً طويلة فوق جبينها:
_ارتاحي يا قلبي...هشوف الشغَّالة وراجعة لك.
أومأت لها رولا بهدوء، وما إن خرجت حتى تناولت هاتفها:
_حبيبي...اتأخَّرت ليه؟
جاءها صوته مرهقًا من الطرف الآخر:
_آسف يا روليتا...قدَّامي ساعتين كمان..لو تعبانة روحي عند باباكي أو خدي ماما تنام جنبك.
أغمضت عينيها وهي تستمع لصوته:
_لا...هنام لمَّا تيجي.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال بصوتٍ منخفض مليء بالعشق:
_طيب زعلانة؟.
ابتسمت رغم الألم:
_لا حبيبي.
تنهَّد بعمق، يريد العودة إليها في تلك اللحظة قبل أي شيء، فقال:
_أوَّل ما أخلص هاجي أجري علشان آخدك في حضني وأنام.
أغلقت الهاتف ببطء، ثم ضمَّته إلى صدرها، وابتسامة صغيرة تزيِّن وجهها...
لكن فجأة شعرت بانقباضة حادَّة أسفل بطنها.
شهقت بخفوت، ووضعت كفَّها فوق موضع الألم، تحاول تجاهله.
بمكانٍ لأوَّل مرَّة نذهب إليه..
فيلا بمكانٍ راقي..دلف للداخل على وجهه ابتسامة:
_نانا نوَّرت مصر.
نهضت من مكانها تحتضن حفيدها:
_نانا أزعل من نور، إنتَ قولت آجي وأجيب عروسة..أين العروس؟.
حاوط جسدها بحنان وأجلسها مع خروج والدته:
_حمد الله على سلامتك حبيبي.
نهض يضمُّ والدته:
_الله يسلِّمك يا ماما..عاملة إيه.
_أنا كويسة...ليه ما رجعتش مع باباك؟.
_شغل يا ماما.
زوت حاجبيها بعدم رضا:
_شغل...أي شغل حبيبي اللي بقالي سنة مشفتكش؟!
_ماما، رجاءً أنا جاي مرهق من الشغل، هطلع آخد شاور، وأرتاح بعدين نتكلِّم.
_نور...قاطعتها والدتها.
_اتركيه..سارة، خلِّيه ارتاح، هوَّ زيك تمام..
نسيت ماما لمَّا نزلتي مصر وتركتينا.
كانت تتابع ابنها، استدارت وجلست أمام والدتها:
_ماما حبيبتي إحنا نسينا الموضوع دا، وقولت أنا حبِّيت مصر أكتر من اليونان، ليه زعلانة، وناسية إنِّ بابا مصري؟.
غضبت صائحة:
_لا.. ليس مصري، لا أريدك أن تذكري هذا الرجل، هل سمعتي، إذا ذكرتيه مرَّةً أخرى، سأقاطعك مثل اخوكي.
_حاضر مش هتكلِّم في الموضوع دا يا ستِّي متزعليش...وعلى فكرة أنا عرفت إنِّه نزل مصر.
توسَّعت عيناها:
_ألم تعلمي لماذا أتى إلى هنا؟!.
هزَّت كتفها وردَّت:
_لا...معرفش، حضرتك طلبتي منِّي ما أكلموش، وهوَّ كمان ما حاولش يكلِّمني.
همست لنفسها:
_يا ترى جاي مصر ليه، لسة عايز تنتقم من الماضي، رفعت رأسها الى ابنتها:
_أريدك أن تعلمي أين مكانه.
_ليه؟. أشوف وأقولِّك.
عند آسر بالمكتب..
كان جالسًا شاردًا بحديثها منذ قليل:
_ممكن أعرف مضَّايق ليه، آسر أنا مرتاحة في الشركة دي، رجاءً بلاش تضغط عليَّ.
عاد بجسده بالسيارة وهو صامتًا..
أدارت وجهه إليها:
_هتفضل زعلان كتير، إحنا داخلين على شهرين مش بنكلِّم بعض، هوَّ أنا بدخَّل في شغلك.
ارتجف قلبه للمستها لوجه..
أنا مش مرتاح لشغلك هناك.
زفرت أسيا بضيق، ثم التفتت إليه بعينين ممتلئتينِ بالاختناق، وقالت بنبرةٍ حاولت أن تبدو ثابتة رغم ارتجافها:
_آسفة يا آسر... بس مجرَّد إني جيت أتكلِّم معاك، ده مش معناه إنِّي هسمع أوامرك.
أشارت إلى نفسها بانفعال مكتوم:
دي حياتي، وشغلي أنا...ومن حقِّي أختار..سيبني أتنفَّس شوية، متخلِّينيش أوصل لمرحلة آخد قرار وأسافر لـ أنس...إنتَ بنفسك شوفت، مقدرش يستحمل أسبوع وسافر، وأنا فعلًا بقيت بختنق من طريقتك دي.
سحبت نفسًا طويلًا، تحاول تهدئة غضبها الذي يشتعل داخلها، ثم أردفت بصوتٍ منخفضٍ لكنه أكثر وجعًا:
_تعرف أنا سبت الشغل عندك ليه؟
رفعت عينيها إليه مباشرة:
_مش علشان زي ما قلت لبابا إنه مش مجالي..لا، علشان أسلوبك معايا.
ابتسمت بسخرية مؤلمة:
_أنا عمري ما اتعوِّدت حد يتحكم فيَّ بالشكل ده...حاولت أتقبَّل، حاولت أقول يمكن خوف، يمكن اهتمام...بس بقيت حاسَّة إني مخنوقة.
ساد الصمت لثوانٍ، ثقيلة، خانقة... قبل أن يقول ببرودٍ قاسٍ وهو ينظر أمامه:
_لو خلَّصتي كلامك...انزلي.
التفتت إليه بصدمة، وكأنَّ كلمته صفعتها:
_ده...ده آخر كلام عندك؟
أدار وجهه نحوها أخيرًا، وغرس عيناه داخل عينيها بنظرةٍ حادَّة أوجعتها أكثر من صوته:
_أنا مبحبش البنت اللي ماتحترمش قراراتي.
ضحكت بخفوت، ضحكة مهزوزة مليئة بالقهر، ثم هتفت:
_قراراتك؟
اقتربت منه قليلًا، وعيناها تلمعان بالدموع:
_وإنتَ تبقى إيه أصلًا علشان ألتزم بقراراتك؟
ابتلعت غصَّتها بصعوبة:
_إيه ابن خالي!..دي صلة قرابة، مش من حقَّك تتحكِّم بيَّا وتقرَّر عني أعيش إزاي.
تشنَّج فكَّه بقوة، وخرج صوته ممتلئًا بشيء أخطر من الغضب:
_إنتِ فعلًا شايفة إن كل اللي بعمله معاكي علشان ابن خالك بس يا آسيا؟!
اهتزَّ قلبها رغمًا عنها، لكنها أبعدت عينيها سريعًا، وكأنَّ النظر إليه يفضح ضعفها، ثم قالت ببرودٍ مصطنع يخفي ارتباكها:
_أومال فيه إيه غير كده يا متر؟
ظلَّ يحدِّق بها طويلًا...نظرة موجوعة، حادَّة، وكأن ألف كلمة تحترق خلف شفتيه لكنه رفض إخراجها.
ثم فجأة انحنى، فتح باب السيارة بجمود، وأشار بيده للخارج:
_انزلي.
نظرت إليه للحظات، شفتيها ترتجفان وكانت على وشك قول شيء، لكنه لم يمنحها حتى فرصة للكلام.
نزلت ببطء، وقلبها يهبط داخل صدرها.
وفي اللحظة التي أغلقت فيها الباب، انطلقت السيارة بسرعة جنونية، دون أن يلتفت خلفه.
وقفت مكانها تراقب ابتعاده، تشعر وكأنَّ شيئًا بداخلها يُنتزع بعنف.
قاومت...حاولت لكن دموعها خانتها، فانهمرت بصمتٍ موجع..
رفعت يدها تمسحها سريعًا قبل أن يراها أحد.
ثم تحرَّكت نحو الداخل بخطواتٍ بطيئة.
بمنزل طارق..
تمدَّد على العشب يتوسَّد ساقيها وهو يراقب لعب طفلهما، نادى على المربية:
_خلِّي بالك من علي يا فاطمة.
التفت الصغير اإيه:
_بابا أنا هلعب هنا..
ابتسم طارق إليه وأومأ برأسه:
_مترحش عند البيسين لتوقع.
_حاضر.
كان الآخر يقف بشرفة غرفته يراقبهم بضجر، وقعت عيناه على هند وهي تمرِّر أناملها في خصلات والده، تمنَّى لو والدته التي كانت بمكانه، جلس ورفع ساقيه فوق السور يتذكَّر آخر حديث لوالدته.
_شوفت مرات أبوك عملت إيه، بعد ما اتفقنا يرجع يعيش معانا، بنت الحواري رفضت، وخايف على السنيورة، أبوك دا ظالم.
اقترب الصغير يربت على ظهرها:
_ما تبكيش، إحنا مش عايزينه، طول عمري عايش من غير أب.
بكت بدموع التماسيح، وبثَّت سمَّها في عقل الصغير:
_علشان كدا ما ردتش أعرَّفه بيك يا حبيبي، قولت لازم تكبر علشان تاخد حق ماما منه، من وقت ما اتجوزني وكان بيعاملني زي الخدَّامة، المهم بنت الحواري اللي أكلت عقله كلِّ ليلة رقص وضحك للصبح وأنا أخدِّم عليهم، علشان كدا هربت بيك من غير ما أقولُّه، لو كان عرف كان هياخدك مني، مازن لو بابا حاول يعمل حاجة في ماما لازم تاخد حقِّي، أوعى تسمع للستِّ الشيطانة اللي تنسِّيك إن أمَّك هيَّ ربتك وتعبت عليك، كنت بسهر طول الليل علشان أخيَّط الهدوم وأبعها علشان أجب لك لبس وألعاب زي الأطفال، وهيَّ عايشة في قصر وعربية ومجوهرات، حتى ابنهم الصغير، شوفت المربية بتلبس إزاي وبتاخده تفسَّحه وهوَّ لسة مش فاهم، إنَّما إنتَ يا حبيبي اتحرمت وعيشت في حواري مع خالتك علشان أمَّك تشتغل وتصرف عليك.
_متخافيش يا ماما هاخد حقِّك وحقِّي لو حد فكَّر يقرَّب مننا.
بعدها بعدِّة أيام جلست أمامه:
_اسمعني كويس، إحنا هنروح لأبوك، لازم تتمتَّع بفلوسه، متسبهاش للحرباية مراته، وعايزاك تبقى قوي ومتخلهاش تضحك عليك زي ما ضحكت على أبوك.
احتصنت وجهه ونظرت في عينيه بقوة:
_إنتَ الوريث الوحيد لطارق الشافعي، يعني لو الواد وأمُّه مش موجودين هتكون إنتَ الكنج وتاخد كل حاجة، متقلقش حبيبي، أنا هاخد حقَّك.
خرج من شروده على ضحكات أخيه الصغير، ولعبه بالكرة بجوار المسبح... في تلك اللحظة صدحت كلمات والدته:
_إنتَ هتكون كنج طارق الشافعي، بس الواد والحرباية يختفوا هتكون إنتَ صاحب كل الفلوس دي، عربيات وقصور وفلل، شوف لمَّا تكبر هتشتري البنات بالفلوس...كلِّ يوم مع واحدة أجمل من التانية، إنتَ دلوقتي مش فاهم معنى كلامي، بكرة تكبر وتفهم كلامي، متنساش اللي قولته.
نهض من مكانه وظلَّ يتابع والده وهند بصمت، ثم هبط للأسفل، قابلته الخادمة فقال:
_اعملي لي فواكه وهاتيها عند البيسين.
أومأت له وتحرَّكت فأوقفها:
_مش بتقولي تحت أمرك يا بيه ليه زي ما بتقولي لبابا، عايز بعد كدا تعامليني زيه، أنا هكون وريثه في الامبراطورية دي.
_تحت أمرك يا بيه.
خرج وجلس أمام حمَّام السباحة وشرد بملكوته، اقترب أخيه الأصغر:
_مازن تعال العب مع علي.
_امشي يلا العب عند أبوك، مبقاش غير ابن بنت الحواري.
استمعت هند لصوت ابنها:
_مازن تعال تعال.
طارق نادي على علي، خلِّيه يبعد عن أخوه.
_ليه يا هند بالعكس سبيهم، شوفي مازن هنا من زمان لكن ما لوش علاقة تقريبًا بأخوه.
صمتت ولم تتحدَّث بحرف...بعد فترة تجوَّلت بنظراتها تبحث عن ابنها:
_علي فين مش باين؟.
اعتدل طارق وقال:
_تلاقيه بيلعب هنا ولَّا هنا.
نظر إلى ابنه الآخر وجده منشغلًا بهاتفه:
_مازن شوفت أخوك؟.
_لا..وأنا مالي وماله، لا هوَّ قدِّي ولا أمُّه أمِّي.
نهضت هند تشعر بقبضة تعتصر فؤادها:
_هروح أدوَّر عليه.
_خلِّيكي حبيبتي ما تنسيش إنِّك حامل.
دار طارق بالحديقة وفجأةً توسَّعت عيناه بما رأى، ابنه يغرق بحمَّام السباحة، ركض كالمجنون والطفل يصعد ويهبط وأوشك على الاختناق.. قفز مالك بالميَّة وهو يصرخ وهو يحمله ويخرج به من المياه:
_دكتور.
هرولت هند إليه ودموعها تصرخ فوق وجنتيها:
_علي...علي يا طارق، الواد عايش.
لم يردّ عليها ركض به إلى سيارته وهي تصرخ باسم طفلها:
_علي مات يا طارق، ابني مات.
بمنزل مالك..
توقَّفت تنتظر أطفالها أمام المنزل، دقائق وترجَّل الأطفال من السيارة، ركضت فريدة بحيوية إليها وخلفها فارس يزفر ويمطُّ شفتيه بعناد..
انحنت تقبِّل طفلتها:
_حبيبة مامي عملت إيه في المدرسة، حسِّينا بتعب ولَّا حاجة؟.
_نوووو..نووو..نوو، النهاردة كنت أشطر واحدة في الكلاس والميس خلِّت الكلّ يصفَّق لفريدة.
قبلة حنونة ممزوجة بالفخر على وجنتيها:
برافووو، يبقى كدا فريدة شطورة ومامي وبابي هيكافؤها، نظرت لطفلها الذي يعقد ذراعيه:
_مالك يا فارس؟
أشارت إليها فريدة:
_وطِّي وأنا أقولِّك..
الميس زعَّقت له علشان مكتبش الهوم ورك، وهوَّ اضَّايق واتخانق مع صحابه.
مسَّدت على خصلاتها بحنان ثم أشارت إليها بالدخول:
_طيب حبيبتي اطلعي غيَّري، واغسلي إيدك لحدِّ ما أطلع لك.
_أوكيه مام.
التفتت إلى طفلها وأشارت إليه، اقترب منها:
_أوَّلًا متسمعيش كلام فريدة، أنا مشفتش الهوم ورك، اتفاجئت بيه لمَّا الميس طلبته.
احتضنت وجهه ونظرت لداخل عيناه ثم تحدَّثت بحنان رغم غضبها منه:
_اتكلِّمنا في الموضوع دا حبيبي، قولت العب براحتك، لكن الأهم تخلَّص كلِّ واجباتك، إنما كدا مينفعش يا فارس، شوية على التاب، وشوية تنس وشوية تليفجين، يبقى كدا هتخلِّي ماما تاخد قرار مهم، إنَّها تمنع فارس من كلِّ حاجة لمَّا يخلَّص الامتحانات.
_آسف يا ماما، أوعدك مش هتكرَّر تاني، أنا مشفتوش.
_إنتَ مشفتوش علشان مش مهتم، هتلاحق على اللعب ولَّا المذاكرة.
I'm sorry mom
داعبت خصلاته ثم أشارت إليه بالدخول، مع وقوف سيارة أمام الفيلَّا، أشارت لطفلها بالدخول ثم استدارت لتلك التي دلفت.
_مرحبًا غادة.
_أهلًا يامدام نانسي..خير، إيه اللي فكَّرك فينا؟.
نظرت للمنزل ثم إليها:
_هنتكلِّم على الباب؟.
عقدت غادة ذراعيها أمام صدرها ونظرت إليها:
_أه...لأنِّك مش مرحَّب بيكي، ودا بيتي أدخَّل فيه اللي أنا عايزاه.
_بتطرديني من بيتي يا غادة؟!.
اقتربت غادة منها، حدجتها بنظراتٍ نارية:
_بصي يا بت أنا خلقي ضيَّق، قولت لك قبل كدا مش عايزة أشوف وشِّك في بيتي، خلِّي عندك كرامة وامشي.
اقتربت منها نانسي وغرست عيناها بعيني غادة:
_متخلِّنيش أحطِّك في دماغي، صدَّقيني هندِّمك إنِّك وقفتي قدَّامي.
تبسَّمت غادة بسخرية:
_حطِّي يا حلوة، ورِّيني أخرك، وشوفي هعمل فيكي إيه...اقتربت خطوة حتى أصبحت أمامها مباشرة، ورمقتها بنظرةٍ كالسهام النارية:
_أنا غادة السيوفي، روحي اسألي عن عيلة السيوفي، وإنتِ تعرفي مين هيَّ غادة، مش حتِّة واحدة شمال تحطِّ راسها براس غادة السيوفي، دا أنا لو حطِّيتك في دماغي هخلِّيكي تنسي نفسك ودلوقتي أخدتي من وقتي، ووقتي غالي، عندي ولادي وجوزي زمانه جاي، ولازم أكون في استقباله.
دنت منها تهمس إليها:
_النهاردة عيد جوازنا، فلازم أجهز له، إنتي عارفة بقى اليوم دا بنعمل فيه إيه.
تراجعت للخلف ثم طالعتها بنظراتٍ مشمئزَّة واستدارت تدلف للداخل تنادي على البوَّاب:
_عمُّو حسين، اقفل البوَّابة الإلكترونية، فيه حرامية حول البيت، وشغَّل الصاعق الكهربائي، توقَّفت واستدارت برأسها:
_علشان الحرامية مالهمش أمان، خلِّي الصاعق يتعامل مع الأشكال الزبالة دي، بلاش نوسَّخ إيدينا.
قالتها وتحرَّكت بكلِّ كبرياء..ظلَّت تنظر إليها نانسي ونيران تحرق داخلها لو خرجت لأحرقتها.
بمنزل الجارحي..
نهضت شمس بكسلٍ شديد، تشعر بأنَّ جسدها ثقيل، لاتريد شيئًا سوى النوم، ورغم نومها عيناها مرهقتان كأنَّ النوم خاصمها منذ أيام.
في تلك اللحظة دلفت دينا تحمل صينية الطعام بابتسامةٍ حانية:
_شموسة...يلَّا يا حبيبتي، عملتلك الأكل اللي بتحبِّيه، من إمبارح وإنتِ ما كلتيش لقمة.
اعتدلت ما إن اقتربت منها رائحة الطعام حتى انقبض وجه شمس فجأة، ووضعت يدها على معدتها بتألُّم:
_مش قادرة يا طنط...شيليه من قدَّامي..ريحته وحشة أوي.
قالتها بصوتٍ مرتجف، ثم انتفضت واقفة وركضت نحو المرحاض، لتسقط على ركبتيها تستفرغ بعنف، بينما أنفاسها تتقطَّع وتتأوَّه بصوتٍ مرتفع.
شهقت دينا بفزع، وأسرعت خلفها، ثم انحنت تحاوط جسدها المرتجف بكفَّيها:
_حبيبتي...اهدي...بالراحة.
لكن شمس انفجرت بالبكاء، بكاء طفلة موجوعة تبحث فقط عن حضن أمَّها:
_أنا عايزة ماما...كلِّمي ماما يا طنط.
مرَّرت يدها على شعرها بحنانٍ أمومي:
_حاضر يا بنتي...حاضر، هكلِّمها حالًا... بس اهدي، إن شاء الله خير.
غسلت لها وجهها بحنان، ثم جفَّفته برفق قبل أن تسندها حتى أوصلتها للفراش.
مدَّدتها بعناية، ثم دثَّرتها جيِّدًا وهي تبتسم رغم القلق الذي ينهشها:
_ارتاحي شوية...وأنا هكلِّم الدكتور ومامتك.
تعلَّقت شمس بكفِّها سريعًا، تهزُّ رأسها بخوف وضعف:
_لا...مش عايزة دكتور، أنا بس عايزة ماما...ومعدتي وجعاني أوي.
مالت دينا عليها، تقبِّل جبينها بحنان:
_طيب يا حبيبتي، هنعمل اللي يريَّحك، بس لازم نطمِّن عليكي..
حمزة لو شافك تعبانة كدا هيزعل منِّي جدًّا...يرضيكي؟
انسابت دموع شمس بصمت، بينما أغمضت عينيها بإرهاق، كأنَّها لم تعد تقوى حتى على الكلام.
خرجت دينا من الغرفة وقلبها يخفق بقوة غريبة...خوف ممزوج بشعورٍ دافئ لا تريد أن تصدِّقه قبل أن تتأكَّد.
اتجهت مباشرةً إلى مكتب إسحاق.
كان جالسًا خلف مكتبه منشغلًا بجهازه..رفع رأسه حين دخلت، انتفض من مكانه ما إن رأى دموعها:
_دينا..
بتعيَّطي ليه!! فيه حاجة حصلت للولاد؟!
لم تستطع الرد فورًا...فقط اندفعت نحوه ترتمي بين ذراعيه، تحاوط خصره وهي تضحك وتبكي بنفس اللحظة:
_شمس يا إسحاق...
أبعدها عنه سريعًا ينظر لوجهها بقلقٍ متوتر:
_في إيه؟! خوَّفتيني!
رفعت عينيها له، وفيهما لمعة فرح مرتجفة:
_هتبقى جد يا جدُّو...
شمس مرات حمزة شكلها حامل.
تجمَّد مكانه لثوانٍ، وكأنَّ الكلمات احتاجت وقتًا حتى تصل لقلبه، ثم اتَّسعت عيناه بذهولٍ امتزج بسعادة غامرة ظهرت بكلِّ ملامحه:
_إنتي...إنتي متأكِّدة؟
هزَّت رأسها بسرعة، مع ابتسامة مرتعشة وسط دموعها:
_مش متأكِّدة أوي، بس أنا ملاحظة عليها التغيير من فترة، والنهاردة قلبي بيقول إنَّها حامل...
قول يارب يا إسحاق...قول يارب.
تنهَّد بقوة، ثم رفع وجهه للأعلى وعيناه تلمعان بتأثُّرٍ شديد:
_يارب...يارب يا حبيبتي.
_اتِّصل بالدكتور، وأنا هكلِّم ميرال.
أوقفها قائلًا:
_استني هتكلِّمي ميرال ليه، مش لمَّا نتأكِّد.
ربتت على كتفه:
_البنت بتعيط عايزة أمَّها.
ضحك على طفولية شمس..
ثم التقط هاتفه بسرعة ويداه ترتجفان من فرط السعادة:
_هكلِّم الدكتور حالًا...لازم نتأكِّد ونطمِّن عليها.
بمنزل إلياس...
كانت ميرال تجلس بالحديقة بشرودٍ قاتل، تحدِّق أمامها دون أن ترى شيئًا، بينما تعب الأيام بعينيها. داخلها عاصفة لا تهدأ.
وصل إليها إلياس، وما إن رآها بتلك الحالة حتى انقبض قلبه:
_قاعدة لوحدك كدا ليه يا حبيبتي؟
قالها وهو يجلس أمامها.
_ميرال...
بتعيطي ليه؟
أسرعت تمسح دموعها، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا.
تنهَّد وهو يمدُّ يده يدير وجهها إليه برفق:
_بصيلي...
شايفة دا وقت تقلقيني فيه بالشكل دا؟
ارتجفت شفتيها قبل أن تهمس بصوتٍ مكسور:
_إمبارح...لمَّا شمس كانت هنا..
هنا تبدَّلت ملامحه بالكامل وارتفع نبضه بعنف خوفًا على ابنته، وظلَّ ينظر لها بترقُّبٍ منتظرًا حديثها:
_مالها شمس؟
ابتلعت غصَّتها بصعوبة، ثم قالت وهي تحاول التماسك:
_حسِّيت إنها حامل يا إلياس، كلِّ أعراضها بتقول كدا...تعبها، الترجيع، دوختها، ونومها المتواصل.
توقَّفت أنفاسها لحظة، ثم انفجرت دموعها:
_ومقدرتش أتكلِّم...مقدرتش حتى أطلب منها تعمل اختبار حمل.
أخفضت رأسها تبكي بحرقة، تابعت بصوتٍ مرتجف موجوع:
_أنا متأكِّدة إنها حامل..
قولِّي أعمل إيه يا إلياس؟
والله مش اعتراض، بس أنا أم..
ابني من ناحية...وبنتي من ناحية تانية.
شعر بوجعها يخترق قلبه، فاقترب منها سريعًا واحتوى جسدها بين ذراعيه:
_ميرال...إيه الكلام اللي بتقوليه دا؟
شمس ما لهاش ذنب في أي حاجة... زيَّها زي يوسف بالظبط.
ربت على ظهرها بحنان وهو يكمل بثبات:
_وبعدين أنا متأكِّد يوسف هيفرحلها،
إنتِ شفتي عمل إيه مع بلال..
طيب أخته اللي بيعاملها كأنَّها بنته، معقول يزعل منها!! يوسف عاقل... وحنيِّن.
ابتعدت عنه فجأة، وكأنَّ كلمة حنيِّن كسرت شيئًا بداخلها، ثم ازداد بكاءها بصورةٍ موجعة:
_حنيِّن أوي يا إلياس، أوي بس ملوش حظ.
وضعت يدها على صدرها تشعر بأنَّ قلبها يؤلمها وكاد نبضه يتوقَّف:
_يا حبيبي يا ابني..الدنيا جاية عليك بالقوي.
تغيَّرت ملامح إلياس، فاعتدل واقفًا يشير لها بتحذير ، يخفي خلفه آلامه:
_إيه كلام الجهل دا؟
الحمد لله ابننا بخير...عندك راجل يشرَّف أي حد، دكتور ناجح والكلِّ بيشهدله.
ثم اقترب منها أكثر، وقال بصوتٍ هادئ لكنَّه أكثر عمقًا:
_نعمة وجوده جنبنا بالدنيا كلَّها يا ميرال،
تعملي إيه لو ربِّنا رزقه أطفال وحرمك منُّه؟
أو لو حصله حاجة لا قدَّر الله؟
شهقت بخوفٍ حقيقي، وأسرعت تهزُّ رأسها بعنف:
_لا...لا متقولش كدا..أنا راضية، والله راضية.
المهمّ يبقى بخير وجنبي.
تنهَّد بحزن، ثم مسح دموعها بحنان:
_قومي اغسلي وشِّك، وكلِّمي بنتك اطمِّني عليها.
شمس مهما كبرت هتفضل طفلة،
وكلِّ ما تتعب هتجري على حضن أمَّها.
قبل أن ترد، قطع حديثهما رنين الهاتف.
نظرت ميرال للشاشة، وما إن رأت اسم دينا حتى ارتجف قلبها:
_دينا...معقول البنت تعبت!!
التقطت الهاتف سريعًا، وصوتها خرج مرتبكًا:
_أيوة يا دينا؟
على الجانب الآخر جاءها صوت دينا الدافئ:
_مساء الخير يا ميرال.
_مساء النور...
شمس كويسة؟!
ضحكت دينا بخفَّة وكأنها تطمئنها عمدًا:
_هيَّ كويسة...بس محتاجة مامتها شوية.
البنت بتدلَّع، لو فاضية تعالي لها.
أغمضت ميرال عينيها براحة امتزجت بقلقٍ أكبر:
_حاضر...مسافة الطريق وهكون عندكم.
أغلقت الهاتف سريعًا ثم التفتت لإلياس بلهفة:
_البنت تعبانة...لازم أروح أشوفها.
في تلك اللحظة، وصل يوسف إليهما:
_ضي لسة مرجعتش يا ماما؟
وقبل أن تجيبه، دوى صوت سيارة تدخل ساحة الكمبوند.
أشار إلياس نحو الخارج:
_أهي مراتك وصلت.
ثم التفت ليوسف قائلًا بهدوءٍ مقصود:
_خد أمَّك ووصلَّها بيت أختك.
عقد يوسف حاجبيه فورًا:
_شمس!! فيها إيه، هيَّ كانت كويسة إمبارح!
فتحت ميرال فمها لتجيبه، لكن إلياس سبقها بسرعة:
_تعبانة شوية...دينا اتَّصلت وقالت إنها تعبانة.
لم ينتظر تكملة حديث والده، فقال بعجلةٍ وقلقٍ واضح:
_حاضر...هغيَّر هدومي بسرعة..
جهِّزي نفسك يا ماما.
قالها وصعد الدرج بخطواتٍ سريعة، بينما ظلَّت ميرال تنظر لإلياس بعتاب:
_ليه كدا؟
اقترب منها قليلًا، ثم قال بصوتٍ هادئ يحمل حكمة أبٍ موجوع:
_لأن دا الصح...
لازم يكون جنب أخته في تعبها قبل فرحتها.
يسيب قلبه يطمِّن عليها الأوَّل... وبعدها يستقبل الخبر كأخوها، مش كحد موجوع من نصيبه.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة وهو يضيف:
_شفتي خاف عليها إزاي أوَّل ما سمع إنها تعبانة؟
صمتت ميرال، بينما امتلأت عيناها بالدموع من جديد..وتحرَّكت للداخل.
أمَّا إلياس...فعاد يجلس مكانه ببطء، يراقب اختفاءها للداخل، وداخله شعور ثقيل لا يفهمه.
رفع رأسه للسماء وهمس بصوتٍ خافت موجوع:
_يا ترى إيه اللي لسة جاي يا إلياس؟
بالأعلى، بغرفة يوسف...
دلفت ضي للداخل بعصبية، ألقت حقيبتها فوق الأريكة بإهمال، بينما كان يوسف يقف أمام المرآة يرتدي ساعته، التفت إليها فور شعوره بها.
_كنتي فين؟
لم تجبه، فقط اتجهت لغرفة الملابس
لحق بها، وقبض على ذراعها بقوة أوقفتها.
_بكلمك... كنتي في، قلقت عليكي
انتزعت ذراعها منه بعنف، والتفتت إليه بعينين محمرتين.
_كنت بتمشى... ومش طايقة أتكلم معاك ابعد عني دلوقتي يايوسف.
ضي لسة زعلانة
نظرت اليه بحزن، كيف تشكو له عما فعلته تلك الخبيثة، ووالده الذي قام بتزوير التحاليل، صمتت ولم ترد
استدار يلتقط مفاتيحه، لكنها أوقفته.
_إنت رايح فين؟
_مالكيش دعوة
اشتعلت عيناها، وتقدمت منه خطوة.
_لا ليا... أنا مراتك.
من شوية كنت عند الزبالة اللي حضرتك بلتني بيها... عايزة أفهم البنت دي جابِت الجرأة منين تيجي وراك لهنا؟
أغمض عينيه بضيق، ثم قال بنبرة حاول جعلها هادئة:
_ضي... أنا لازم أمشي دلوقتي، ولما أرجع هنتكلم.
_مش هتمشي غير لما تقولي رايح فين.
رفع نظره إليها أخيرًا، وقال باقتضاب:
_رايح لشمس... ارتحتي؟
تجمدت للحظة.
_شمس؟... ليه؟!
ارتدى جاكته سريعًا، وانحنى يلتقط هاتفه.
_تعبانة... كلمت ماما وقالت إنها تعبانة.
خف غضبها فورًا، وظهر القلق بعينيها.
_أنا فعلًا لاحظت امبارح إنها مش كويسة... بس افتكرت مجهدة من قلة النوم
تحرك للخارج سريعًا، فركضت خلفه.
_استنى... هاجي معاك، عايزة أطمن عليها.
رمقها بنظرة طويلة، ثم أكمل طريقه دون اعتراض.
بالاأسفل
كان يوسف يقف بجوار السيارة يبحث بعينيه عن والدته، اقترب إليه إلياس.
توقف أمامه، يطالعه بصمت طويل، ثم قال بصوت هادئ لكنه مثقل بشيء غامض:
_طول ما أنا شايف لهفتك وخوفك على أختك بالشكل ده... بكون مطمن.
علشان لو حصلي حاجة... أبقى متأكد إن فيه راجل وسند يحميها.
تشنج قلب ضي من كلماته، ورفعت ميرال رأسها إليه بسرعة، كأن الجملة طعنت شيئًا داخلها.
_ايه اللي حضرتك بتقوله دا ياعمو، ربنا يخليك لينا
اقترب يوسف من والده، وقال بثبات:
_رغم معرفش ليه بتقولي كدا، لكن تأكظ شمس بنتي قبل ما تكون أختي يا بابا... وإنت عارف علاقتي بيها عاملة إزاي.
تنهد بهدوء ثم تابع
_بس مهما كان الأخ قوي... عمره ما يعوض الأب.
مفيش ابن في الدنيا ميحتاجش ضهر أبوه... ربنا يخليك لينا.
ربت إلياس على كتفه بحنان موجوع.
_مفيش حد بيخلد يا ابني... المهم تفضلوا سند لبعض.
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة يخفي بها خوفًا لا يراه أحد.
_ويخليك لينا يا إلياس باشا... أصلنا مش متعودين عليك بالكلام ده.
قاطعهم وصول ميرال، فتحت باب السيارة الخلفي وجلست، ثم أشارت لضي بمشاكسة خافتة:
_اركبي جنب جوزك يا حبيبتي.
التفت يوسف إلى ضي، التي فهمت نظرته فعقدت ذراعيها وقالت بتذمر مفتعل:
_لا طبعًا يا ماما، إيه اركبي جنب جوزك دي؟
مش كفاية فوق وتحت... كمان العربية؟
ضحكت ميرال بخفة، رغم الثقل الجاثم فوق قلبها.
_اركبي وبطلي غلبة، يا بنت أرسلان.
بعد قليل...
وصلوا إلى قصر الجارحي.
كان الطبيب يغادر القصر، التفت يوسف لوالدته:
_هي تعبانة للدرجة دي؟
ليه محدش بلغني يا ماما؟
نزلت ميرال من السيارة:
_والله يا حبيبي ما عرفت غير لما دينا كلمتني.
صعد الجميع للأعلى
داخل غرفة شمس...
دلف يوسف خلف والدته، وجلس بجوار اخته يقبل جبينها بحنان بالغ.
_حبيبتي... مالك؟ حاسة بإيه؟
ابتسمت له بخفوت، وتوردت وجنتيها، بينما جلست ضي بالجهة الأخرى تراقبها بقلق.
_شموسة جاوبي اخوكي
أما ميرال...فتوقفت، تتطلع لابنتها بصمت.
شيء ما كان يرتجف داخلها بعنف...
شمسها الصغيرة... طفلتها المدللة، كبرت.
كبرت لدرجة أنها ستصبح أمًا.
أمًا...الكلمة وحدها جعلت قلبها يرتعش.
ارتسمت صورة شمس بعمر الخامسة داخل عقلها، ضفائرها الصغيرة، ضحكتها، ركضها خلف يوسف وهي تصرخ:
"يوسف استناني!"
ثم قفزت صورة أخرى أمام عينيها
يوسف نفسه.
ابنها...ابنها الذي يضحك للجميع بينما يحمل داخله قبرًا صامتًا.
ابنها الذي حُرم من شعور الأبوة، رغم كل اللهفة التي تسكنه إليها
ابنها الذي يخفي انكساره خلف صمته
اختنقت أنفاسها فجأة.
واحدة من روحها تُزهر حياة داخلها،
والآخر يقف محرومًا منها.
يارب...
كيف يجتمع الفرح والوجع بالقلب نفسه هكذا؟
وصلت دينا، وابتسامتها تتجلى بملامحها
اقتربت من شمس بحماس.
_قولتي لماما يا شموسة؟
أغمضت ميرال عينيها فورًا، وكأن قلبها لم يحتمل كل هذا الألم، دقات قلبها ليست تنبض ولكنها تصرخ
هل تبكي؟
أم تضحك؟
هل تحتضن ابنتها فرحًا؟
أم تحتضن ابنها خوفًا من ذلك الوجع الذي سيخفيه حين يسمع الخبر؟
فتحت عينيها ببطء...
لتجد يوسف يساعد شمس على الجلوس بحنان أبوي فطري، وكأنه خُلق ليكون أبًا...
وهنا بالتحديد...
شعرت أن قلبها انكسر.
قال يوسف بلهفة:
_مالك يا حبيبة أخوكي؟
احمرت وجنتا شمس بخجل، وخفضت عينيها للأرض.
لتقف دينا بجوارهما، وتقول بسعادة غامرة:
_مبروك يا دكتور يوسف... هتبقى Uncle.
كلمات ماهي سوى كلمات الا أنها سقطت فوق قلبه، ورغم ذلك ابتسم بحنان بينما
تجمد كل شيء داخل ميرال.
رأت ابتسامة يوسف تتسع تلقائيًا، عيناه تلمعان بفرحة حقيقية لأخته
لكنها، كأم...رأت خلف تلك اللمعة ألف وجع مخبأ.
ورغم ذلك... ابتسم.
ابتسم لأخته بكل الحب الذي يملكه، بينما قلبه ينزف بصمتٍ موجع.
_الله الله... هبقى خال.
خرجت كلماته مرحة، لكن كل حرفٍ فيها كان يصرخ بوجعٍ دفين لا يسمعه أحد.
سحب شمس إلى أحضانه بقوة، بينما عيناه خانتاه حين وقعتا على ضي، التي تجمد جسدها بالكامل.
شعرت وكأن الكلمات سكين بارد انغرس بقلبها.
منذ أيام فقط كان بلال يعلن الخبر، واليوم شمس أيضًا...
وكأن الدنيا كلها تُزهر حولها، بينما رحمها وحده يقف صامتًا، خاليًا، موجوعًا.
قبضة قاسية اعتصرت صدرها حتى كادت تختنق.
ابتلعت غصتها بصعوبة، وحاولت رسم ابتسامة مرتعشة فوق شفتيها، بينما صوتها الداخلي يهمس بانكسار:
_هو أهم من أي حاجة...
الولد لو مجاش من يوسف مش عايزاه.
تلالأت الدموع بعينيها رغمًا عنها، فرفعت رأسها سريعًا حتى لا يفضحها أحد، ثم قالت بابتسامة موجوعة بالكاد تماسكت:
_مبروك يا شموسة... عقبال لما أشيله حبيبتي.
ابتسمت شمس بحنان، غير منتبهة لذلك الخراب المختبئ داخل عينيها.
_ميرسي يا ضي.
ثم التفتت إلى يوسف، الذي مازال يحتضنها، وطبعت قبلة رقيقة على وجنته وهي تهمس بفرحة طفولية:
_هبقى أم يا يوسف.. عقبالك لما تبقى اب، هتكون احسن اب متأكدة
أغمض عينيه للحظة، وكأن الكلمة أصابت شيئًا هشًا بداخله، ثم مسد على خصلاتها بحنانٍ بالغ، وقبل رأسها قائلًا:
_هتكوني أجمل وأرق أم في الدنيا يا حبيبتي.
ثم أضاف بخفةٍ حاول أن يزرع بها البهجة:
_ويكون في علمك بقى... أنا اللي هسمي البيبي، قولي لجوزك.
ضحكت دينا بخفة، و قالت:
_جوزها لسه ميعرفش أصلًا... هو في مكان خارج التغطية.
تنهد يوسف بهدوء:
_إن شاء الله يرجع بالسلامة.
نظرت شمس الى ضي وقالت بعفوية، غير مدركة أنها ستصيب قلب ضي بهذا العنف:
_عقبالك يا ضي.
ساد الصمت لثانية.
ثانية واحدة فقط... لكنها كانت كافية ليشعر يوسف بانطفاء روحها أمامه.
صفقت ضي بكفيها بخفة مصطنعة، ورفعت كتفيها محاولة التظاهر باللامبالاة:
_هقولك زي ما قولت لرولا المجنونة... أنا مش بفكر دلوقتي يا شموسة.
ثم أكملت بسرعة، كأنها تهرب من الحديث كله:
_عايزة أقدم رسالتي، اتأخرت عليها، وكمان جالي عرض من قناة مشهورة جدًا، فرصة أي حد يتمناها بصراحة.
قاطعتها دينا بابتسامة هادئة، لكنها لم تدرك أنها كانت تزيد جرحها عمقًا:
_صدقيني يا ضي... وقت ما تبقي أم، كل الأحلام دي هتحسي إنها ما تسواش نظرة من عيون ابنك.
شعرت ضي وكأن الكلمات سقطت فوق قلبها مباشرة.
انخفضت عيناها سريعًا حتى لا يرى أحد اللمعة المحترقة داخلهما.
تدخلت ميرال ، وقد شعرت باختناق الأجواء:
_لما ربنا يريد يا دينا... خليها براحتها.
في تلك اللحظة نهض يوسف فجأة، وكأن البقاء صار يؤلمه.
_ماما... لو هتقعدي أنا همشي.
انتفضت ضي هي الاخرى، فقالت بسرعة:
_وأنا كمان.
رفعت ميرال عينيها نحو ابنها، وقلبها يتمزق لحالتهما معًا، ثم أومأت بهدوء:
_اه يا حبيبي، هستنى شوية مع أختك، خد مراتك وروح.
تحرك يوسف نحو الباب بخطوات سريعة،و لكن صوت شمس أوقفه:
_يوسف...
استدار فورًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة رغم كل شيء:
_عيونه.
ابتسمت شمس بحب:
_يبقى تعالى تاني... امبارح معرفناش نتكلم.
عاد إليها بخطوات هادئة، وانحنى يقبل جبينها بحنانٍ أخوي صادق:
_خدي بالك من نفسك... ومن البيبي.
عايزه ييجي الدنيا بصحة كويسة، علشان العب معاه... وبكرة هاجي أشوفك يا حبيبتي.
قالها وهو يربت على رأسها بحنان، ثم تحرك للخارج أخيرًا.
لكن قبل أن يغادر...
التقت عيناه بعيني ضي للحظة.
لحظة قصيرة جدًا...
لكنها كانت مليئة بكل شيء لم يستطيعا قوله.. وجع.. حرمان.. وخوف صامت من حلمها الذي لم يتحقق
راقبتهم ميرال بصمتٍ موجوع، ثم غمزت لضي بخفة حتى تلحق به، وكأنها تحاول إنقاذ ما تبقى بين قلبين ينهاران بصمت.
بعد قليل
ترجَّل من السيارة، أوقفه بلال الذي ترجَّل من سيارته في نفس الوقت:
_كنتوا فين؟
التفت إليه يوسف، وعلى شفتيه ابتسامة واسعة:
_عند شمس...
ثم أضاف بمرحٍ وهو يقترب منه:
_شكلي هخسر كلِّ اللي أملكه السنادي عليك إنتَ وشمس.
قطب بلال حاجبيه بعدم فهم:
_مش فاهم.
اتَّسعت ابتسامة يوسف أكثر، ثم ربت فوق كتفه بقوة:
_مبروك يا جحش...هتبقى خال.
لثوانٍ...تجمَّد بلال مكانه يستوعب ما قاله، ثم فجأةً صرخ بفرحة:
_البتِّ العيِّلة حامل؟!
ثم انفجر ضاحكًا بطريقة هستيرية:
_يعني عيِّلة هتشيل عيِّلة!
ضحك يوسف رغماً عنه، ثم لكزه بعنفٍ خفيف:
_ما خلاص يا بغل، إيه عيِّلة دي؟ شمس عندها تلاتة وعشرين سنة.
هزَّ بلال رأسه بعدم اقتناع وهو يتمتم بجديَّة مصطنعة:
_لا لا...وكتاب الله ظلمتوها في التسنين، دي آخرها خمستاشر، إنَّما الرقم اللي بتقولوه ده فيه نصب.
رفع يوسف حاجبه ساخرًا:
_تصدَّق..إنتَ رخم بطريقة مستفزَّة..
ثم دفعه بخفَّة:
_يلَّا غور من وشِّي.
قهقه بلال، بينما التفت يوسف بعينيه يبحث عن ضي فتساءل:
_هيَّ ضي طلعت؟
أجابه بلال:
_راحت بيت أرسلان.
شعر بقبضةٍ تعصر صدره، حين تذكَّر ملامحها أثناء عودتهما وعدم حديثها... عيناها كانت ممتلئتانِ بوجعٍ حاولت تخفيه...وطريقتها وهي تهرب منه.
قهقه فجأة يردُّ على بلال يخفي اضطرابه:
_أرسلان حاف كدا...ده كان بيلعب معاك؟.
ضحك بلال وهو يهزُّ كتفيه:
_والله يا جو كان نفسي ألعب معاه كرة شراب.
تحرَّك يوسف، لكن خطواته تباطأت بظهور أرسلان متَّجهًا إلى منزل والده.
رفع رأسه ينظر إليه، ثم نادى على بلال المتحرِّك لمنزله.
_أرسلان أهو...يلا.
قطب أرسلان حاجبيه فور سماعه:
_ده احترام ده يا بن إلياس؟
ردَّ يوسف ببرودٍ مستفز:
_والله يا عمُّو أنا محترم...بس ابنك أبوه معرفش يربِّيه.
وصل بلال ينظر لوالده
_الله! ده أرسلان صح، إنتَ جيت إمتى يا جدع؟
قهقه يوسف يغمز لأرسلان:
_شوفت، عرفت أبو مين اللي ميعرفش يربِّي؟
زفر أرسلان بضيق وهو ينظر لهما:
_تصدَّقوا؟ أنتوا الاتنين محتاجين إعادة تأهيل.
ثم لوَّح بيده بملل:
_مش فاضي للتفاهة دي، عندي حاجات أهم...قال دكاترة، والله ولا القهوجية.
لكزه بلال وتحرَّك مبتعدًا:
_أنا رايح لمراتي، أرسلان شكله اتجوز على أمِّي وأنا مش فاضي أصالحهم على بعض.
وقف يوسف يتابع ابتعاد بلال بصمت...
واختفت ضحكاته، وشيء ما بداخله انطفأ فجأة.
عادت صورة ضي أمام عينيه بكلِّ تفاصيلها...ارتجافة شفتيها...نظرتها المكسورة...والدموع التي رفضت أن تسقط أمامه.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم رفع عينيه نحو منزل أرسلان.
تراجع خطوةً للخلف.
لا يريد الضغط عليها...لا يريد أن يذهب فتبتعد أكثر.
لكن قلبه كان يرفض فكرة ابتعادها عنه بهذه الطريقة.
زفر بعنف يمرِّر يده بشعره بتوتُّر، ثم استدار وكأنه سيغادر...
لكنَّه توقَّف..
ثوانٍ مرَّت...قبل أن يعود أدراجه مرَّةً أخرى بخطواتٍ أبطأ، أثقل، وكأنَّ شيئًا داخله يُساق إليها رغمًا عنه.
بالداخل...
كانت ضي تجلس بصمتٍ قاتل...بينما قلبها ينهار دون صوت.
ألقت نفسها داخل أحضان والدتها، تبكي بانهيارٍ أفزع غرام
شهقاتها كانت تخرج متقطِّعة، مؤلمة، وكأنَّ قلبها يُنتزع من بين ضلوعها ببطء.
ضمَّتها غرام بسرعة، تمسِّد على خصلاتها بقلق:
_فيه إيه يا حبيبتي؟
ثم همست بخوف:
_ضي...اتخانقتي مع يوسف تاني؟
لم تستطع الرد..فقط جلست على الأريكة وما زالت دموعها تهبط بلا توقُّف، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنفٍ من شدِّة اختناقها.
جلست غرام جوارها سريعًا، تمسك وجهها المرتجف بين كفَّيها:
_بصيلي...فيه إيه؟
خرج صوتها مهزوزًا، بالكاد يُسمع:
_كنَّا عند شمس...شمس حامل يا ماما.
اتَّسعت ابتسامة غرام تلقائيًا، ولمعت عيناها بسعادةٍ صادقة:
_ماشاء الله...ربِّنا يكمِّلها بخير يارب...
لكن ابتسامتها اختفت حين رأت الانكسار بعيني ابنتها.
صمتت للحظة...ثم تنهَّدت بوجع، ورفعت ذقن ضي تنظر مباشرةً داخل عينيها الغارقتينِ بالدموع:
_اسمعيني كويس يا ضي...أنا مش ميرال علشان تتكسفي منِّي، أنا أمِّك ومصلحتك أهم من الدنيا كلَّها عندي.
ابتلعت ضي ريقها بصعوبة، بينما أكملت غرام بصوتٍ هادئ رغم الألم الذي ينهشها:
_إنتِ رضيتي بحالة جوزك...وقرَّرتي تكمِّلي معاه، وأنا رغم خوفي وافقت علشان شوفتك بعيد عنه عاملة إزاي، وشوفتك جنبه عاملة إزاي.
احتضنت وجهها أكثر، وعيناها تمتلئان بالعجز:
_بس لازم تفهمي...إنِّ الطريق ده مش سهل.
كلِّ يوم هتشوفي واحدة حامل، واحدة بتولد، واحدة شايلة طفلها، وإنتِ قلبك هيتقطَّع.
بدأت دموع غرام تتجمَّع وهي تهمس باختناق:
_الأمومة مش إحساس سهل يا ضي، والستِّ غير الراجل، العمر بيجري منها أسرع...وكلِّ سنة بتفرق.
انهارت ضي أكثر، تهزُّ رأسها بعنف:
_بس هموت لو بعدت عنه يا ماما... والله هموت.
أنا بحبُّه أوي...أوي لدرجة مخيفة... مش متخيِّلة نفسي مع راجل غيره، حتى لو اتوجعت، حتى لو بموت كلِّ يوم...مش قادرة أبعد.
أغمضت غرام عينيها بألم، ثم مسحت دموعها بحنانٍ أمومي موجوع:
_يبقى ما تزعليش بالشكل ده يا قلبي،
أنا مش مع قرارك، وخايفة عليكي ترجعي تندمي، بس سعادتك أهم عندي.
صمتت للحظة، ثم همست:
_ويوسف بيحبِّك...يمكن بطريقته الغلط، بس بيحبِّك، اللي عمله طول الفترة اللي فاتت ما يبقاش من واحد مش متعلِّق بمراته.
تراجعت ضي للخلف قليلًا، تنظر لوالدتها بنظراتٍ ضائعة، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
_أنا أخدت تحاليله...وروحت لدكتور مشهور أوي.
عقدت غرام حاجبيها بقلق:
_تحاليل إيه؟
تنهَّدت ضي وكأنَّ روحها تُسحب منها:
_تحاليل يوسف.
اعتدلت غرام تنظر لها بترقُّب، بينما أكملت ضي بصوتٍ يرتجف:
_تعرفي الدكتور قالِّي إيه؟
قالِّي...لو اتجوز غيرك ممكن يخلِّف، هوَّ أه قال النسبة ضعيفة أقل من عشرين في المية لكن احتمال، الفكرة نفسها موِّتتني يا ماما، أموت ولا يقرَّب من واحدة تانية، مستعدَّة أفضل كدا بس ما يتجوزش يا ماما.
تجمَّدت غرام بالكامل.
اتَّسعت عيناها بصدمة، بينما ضي انفجرت باكية بشكلٍ هستيري:
_شوفتي قهرة أكتر من كدا؟
يعني المشكلة مش منه بالكامل... يعني ممكن في يوم يلاقيني أنا السبب الحقيقي في حرمانه من طفل...
شهقت غرام بقوة:
_استنِّي...يعني إيه؟
يوسف مش عقيم؟!.
هزَّت رأسها بسرعة وسط دموعها:
_كان عنده ضعف، وكان بيتعالج من فترة طويلة وأنا معرفش.
لقيت تحاليل كتير مخبِّيها...أخدتها وروحت للدكتور..
قالِّي حالته بتتحسِّن...وآخر تحليل بيقول إنِّ فيه أمل...بس...
اختنق صوتها تمامًا:
_بس مش معايا أنا...
وضعت كفَّيها فوق وجهها تبكي بانهيار:
_تفتكري كان عارف؟
تفتكري ممكن في يوم يبصلي ويلاقيني أنا اللي حرمته من ابنه؟
ممكن يتجوز عليَّا علشان يخلِّف؟
ثم صرخت فجأة، صرخة خرجت ممزَّقة من أعماق قلبها:
_أنا كدا هموت!
والله هموت يا ماما!
أنا استحملت كتير...استحملت وجع عمري كلُّه...بس دي لأ...دي أكبر منِّي...
مش قادرة أتخيَّل واحدة تانية تدِّيله طفل وهوَّ يبصلَّها بنفس النظرة اللي كنت بحلم يشوف بيها ابن منِّي..
أنا تعبت ومبقتش قادرة أتحمَّل، بختنق، وأنا عمَّال أرسم السعادة، وأنا جوَّايا بيتحرق يا ماما، مبقاش عندي قدرة أتحمَّل دا، قالتها
وانهارت تمامًا داخل أحضان والدتها، تبكي بطريقة تقطع القلب، بينما غرام ضمَّتها بعجزٍ كامل...عاجزة حتى عن مواساتها.
بالخارج...
وصل يوسف على كلماتها الاخيرة،
كلُّ حرف خرج منها..اخترق صدره كالسكاكين.
أغمض عينيه بقوة وهو يسمع انهيارها،
تراجع خطوةً للخلف، ثم أخرى...حتى غادر.
ارتجف جسده بعنف، بينما أنفاسه أصبحت متقطِّعة بصورةٍ مخيفة.
هو نفسه لم يعد يعرف ماذا يفعل.
يعرف فقط...أنَّه يدمِّرها معه يومًا بعد يوم.
رفع كفِّه يمسح وجهه بعنف، ودموعًا ساخنة خانته رغمًا عنه.
لأوَّل مرَّة يشعر بهذا العجز...
لأوَّل مرَّة يشعر أنَّه رجل ناقص أمام المرأة التي يحبُّها أكثر من نفسه.
عند ضي...ظلَّت غرام تمسِّد على خصلاتها تفكِّر بحديث ابنتها، ثم أخرجتها من أحضانها وقالت:
_حبيبتي اسمعيني كويس، بكرة إن شاء نروح لدكتور تاني، كانت دينا قالت لي عليه من فترة لمَّا اتأخَّر حملها، هوَّ الدكتور اتوفَّى، بس بتقولِّي ابنه شاطر زيُّه.
_حضرتك قولتي لطنط دينا؟.
هزَّت رأسها بالنفي وقالت:
_لا..كنَّا في النادي وواحدة صاحبتها كانت بتحكي معاناة مرات ابنها، وهيَّ اتكلِّمت قدَّامي، هكلِّمها ونروح له، مش عايزاكي تيأسي، حتى لو قفلت نعمل حقن مجهري.
_يوسف ميعرفش إنِّي أعرف يا ماما.
مسَّدت على خصلات ابنتها بحنان:
_مش مهم يعرف، الأول نروح للدكتور دا، وإنتي كمان تكشفي، إنتي روحتي لدكتورة واحدة، يمكن فيه مشكلة معاكي مع حالة يوسف وتكون بسيطة.
_ماما يوسف لسة الأمل عنده ضعيف.
اقتربت تزيل دموعها وابتسمت:
_طول ما فيه أمل نقول يارب، المهم قولي لي..إنتي خلِّي بالك من أيام تبويضك، وخلِّينا نمشي وقلوبنا فيها أمل، الأوَّل مكناش عارفين، لكن دلوقتي فيه أمل حتى لو نفس، بس فيه أمل، امسكي فيه، وزي ما الدكتور دا قالِّك ممكن يخلِّف مع حد تاني، ممكن نشوف المشكلة فين.
قبَّلت جبين ابنتها وأزالت دموعها:
_خلِّي ثقتك بربِّنا كبيرة حبيبتي، بطَّلي عياط، وقولي يارب، هوَّ فيه إن واحدة كلِّنا نعرف إنَّها ماتت ورجعت بعد خمس سنين بعد ما فقدنا الأمل، فيه أصعب من كدا؟.
المهم ما تيأسيش حبيبة ماما، وخلِّي بالك يوسف بعد موضوع شمس وبلال ممكن يضايقك، الموضوع صعب عليه، لازم تكوني طويلة البال.
_حاضر يا ماما...ادعي لي لو سمحتي.
ضمَّتها لأحضانها وانسابت دموعها تقول باختناق:
_بدعي لك حبيبتي، وكلِّ اللي يجيبه ربِّنا كويس.
بعد قليل...
عادت ضي إلى المنزل بخطواتٍ منهكة، جسدها بالكاد يحملها.
دلفت الغرفة لتجده جالسًا بشرفة غرفتهما، الظلام يحيط به بالكامل، وسيجارة مشتعلة بين أصابعه.
توقَّفت تنظر إليه للحظات، ثم همست بصوتٍ متعب:
_قاعد كدا ليه؟
لم يرد..و لم ينظر لها.
ظلَّ جالسًا كما هو...وكأنَّ روحه ليست هنا.
اقتربت منه بقلق، وما إن رأته يرفع السيجارة إلى فمه حتى انتزعتها من بين أصابعه بعصبية:
_إنتَ اتجنِّنت..
إيه اللي بتعمله ده؟!
قبض على كفِّها بعنف، وسحبها نحوه بقوة أرعبتها.
رفع عينيه إليها...عينان حمراء بشكلٍ أخافها.
_بلاش شغل الوجوه ده معايا...
بلاش تحسِّسيني إنِّك خايفة عليَّا...
خرج صوته مخنوقًا، حادًّا، كأنه يحاول خنق نفسه قبلها:
_امشي من قدَّامي دلوقتي...عايز أبقى لوحدي.
نظرت له بذهولٍ كامل.
كيف تبدَّل بهذه السرعة؟!.
هذا الرجل نفسه كان صباحًا يحتضنها ويحلم معها.،والآن ينظر لها وكأنَّها عدوِّه.
_يوسف...إنتَ مالك؟
صرخ فجأةً بعنف هزَّها:
_اطلعي برَّة بقولِّك!
ابتسم بوجع:
_وبلاش تمثيل الحب اللي بترسميه عليَّا..خلاص خدتي حقِّك منِّي.
شحب وجهها وشعرت وكأنَّ أحدهم صفعها بقوة.
تراجعت للخلف خطوة، تنظر إليه بعدم تصديق، بينما
استدار يلتقط مفاتيحه، لكنها أوقفته.
_إنت رايح فين؟
_مالكيش دعوة
اشتعلت عيناها، وتقدمت منه خطوة.
_لا ليا... أنا مراتك.
من شوية كنت عند الزبالة اللي حضرتك بلتني بيها... عايزة أفهم البنت دي جابِت الجرأة منين تيجي وراك لهنا؟
أغمض عينيه بضيق، ثم قال بنبرة حاول جعلها هادئة:
_ضي... أنا لازم أمشي دلوقتي، ولما أرجع هنتكلم.
_مش هتمشي غير لما تقولي رايح فين.
رفع نظره إليها أخيرًا، وقال باقتضاب:
_رايح لشمس... ارتحتي؟
تجمدت للحظة.
_شمس؟... ليه؟!
ارتدى جاكته سريعًا، وانحنى يلتقط هاتفه.
_تعبانة... كلمت ماما وقالت إنها تعبانة.
خف غضبها فورًا، وظهر القلق بعينيها.
_أنا فعلًا لاحظت امبارح إنها مش كويسة... بس افتكرت مجهدة من قلة النوم
تحرك للخارج سريعًا، فركضت خلفه.
_استنى... هاجي معاك، عايزة أطمن عليها.
رمقها بنظرة طويلة، ثم أكمل طريقه دون اعتراض.
بالاأسفل
كان يوسف يقف بجوار السيارة يبحث بعينيه عن والدته، اقترب إليه إلياس.
توقف أمامه، يطالعه بصمت طويل، ثم قال بصوت هادئ لكنه مثقل بشيء غامض:
_طول ما أنا شايف لهفتك وخوفك على أختك بالشكل ده... بكون مطمن.
علشان لو حصلي حاجة... أبقى متأكد إن فيه راجل وسند يحميها.
تشنج قلب ضي من كلماته، ورفعت ميرال رأسها إليه بسرعة، كأن الجملة طعنت شيئًا داخلها.
_ايه اللي حضرتك بتقوله دا ياعمو، ربنا يخليك لينا
اقترب يوسف من والده، وقال بثبات:
_رغم معرفش ليه بتقولي كدا، لكن تأكظ شمس بنتي قبل ما تكون أختي يا بابا... وإنت عارف علاقتي بيها عاملة إزاي.
تنهد بهدوء ثم تابع
_بس مهما كان الأخ قوي... عمره ما يعوض الأب.
مفيش ابن في الدنيا ميحتاجش ضهر أبوه... ربنا يخليك لينا.
ربت إلياس على كتفه بحنان موجوع.
_مفيش حد بيخلد يا ابني... المهم تفضلوا سند لبعض.
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة يخفي بها خوفًا لا يراه أحد.
_ويخليك لينا يا إلياس باشا... أصلنا مش متعودين عليك بالكلام ده.
قاطعهم وصول ميرال، فتحت باب السيارة الخلفي وجلست، ثم أشارت لضي بمشاكسة خافتة:
_اركبي جنب جوزك يا حبيبتي.
التفت يوسف إلى ضي، التي فهمت نظرته فعقدت ذراعيها وقالت بتذمر مفتعل:
_لا طبعًا يا ماما، إيه اركبي جنب جوزك دي؟
مش كفاية فوق وتحت... كمان العربية؟
ضحكت ميرال بخفة، رغم الثقل الجاثم فوق قلبها.
_اركبي وبطلي غلبة، يا بنت أرسلان.
بعد قليل...
وصلوا إلى قصر الجارحي.
كان الطبيب يغادر القصر، التفت يوسف لوالدته:
_هي تعبانة للدرجة دي؟
ليه محدش بلغني يا ماما؟
نزلت ميرال من السيارة:
_والله يا حبيبي ما عرفت غير لما دينا كلمتني.
صعد الجميع للأعلى
داخل غرفة شمس...
دلف يوسف خلف والدته، وجلس بجوار اخته يقبل جبينها بحنان بالغ.
_حبيبتي... مالك؟ حاسة بإيه؟
ابتسمت له بخفوت، وتوردت وجنتيها، بينما جلست ضي بالجهة الأخرى تراقبها بقلق.
_شموسة جاوبي اخوكي
أما ميرال...فتوقفت، تتطلع لابنتها بصمت.
شيء ما كان يرتجف داخلها بعنف...
شمسها الصغيرة... طفلتها المدللة، كبرت.
كبرت لدرجة أنها ستصبح أمًا.
أمًا...الكلمة وحدها جعلت قلبها يرتعش.
ارتسمت صورة شمس بعمر الخامسة داخل عقلها، ضفائرها الصغيرة، ضحكتها، ركضها خلف يوسف وهي تصرخ:
"يوسف استناني!"
ثم قفزت صورة أخرى أمام عينيها
يوسف نفسه.
ابنها...ابنها الذي يضحك للجميع بينما يحمل داخله قبرًا صامتًا.
ابنها الذي حُرم من شعور الأبوة، رغم كل اللهفة التي تسكنه إليها
ابنها الذي يخفي انكساره خلف صمته
اختنقت أنفاسها فجأة.
واحدة من روحها تُزهر حياة داخلها،
والآخر يقف محرومًا منها.
يارب...
كيف يجتمع الفرح والوجع بالقلب نفسه هكذا؟
وصلت دينا، وابتسامتها تتجلى بملامحها
اقتربت من شمس بحماس.
_قولتي لماما يا شموسة؟
أغمضت ميرال عينيها فورًا، وكأن قلبها لم يحتمل كل هذا الألم، دقات قلبها ليست تنبض ولكنها تصرخ
هل تبكي؟
أم تضحك؟
هل تحتضن ابنتها فرحًا؟
أم تحتضن ابنها خوفًا من ذلك الوجع الذي سيخفيه حين يسمع الخبر؟
فتحت عينيها ببطء...
لتجد يوسف يساعد شمس على الجلوس بحنان أبوي فطري، وكأنه خُلق ليكون أبًا...
وهنا بالتحديد...
شعرت أن قلبها انكسر.
قال يوسف بلهفة:
_مالك يا حبيبة أخوكي؟
احمرت وجنتا شمس بخجل، وخفضت عينيها للأرض.
لتقف دينا بجوارهما، وتقول بسعادة غامرة:
_مبروك يا دكتور يوسف... هتبقى Uncle.
كلمات ماهي سوى كلمات الا أنها سقطت فوق قلبه، ورغم ذلك ابتسم بحنان بينما
تجمد كل شيء داخل ميرال.
رأت ابتسامة يوسف تتسع تلقائيًا، عيناه تلمعان بفرحة حقيقية لأخته
لكنها، كأم...رأت خلف تلك اللمعة ألف وجع مخبأ.
ورغم ذلك... ابتسم.
ابتسم لأخته بكل الحب الذي يملكه، بينما قلبه ينزف بصمتٍ موجع.
_الله الله... هبقى خال.
خرجت كلماته مرحة، لكن كل حرفٍ فيها كان يصرخ بوجعٍ دفين لا يسمعه أحد.
سحب شمس إلى أحضانه بقوة، بينما عيناه خانتاه حين وقعتا على ضي، التي تجمد جسدها بالكامل.
شعرت وكأن الكلمات سكين بارد انغرس بقلبها.
منذ أيام فقط كان بلال يعلن الخبر، واليوم شمس أيضًا...
وكأن الدنيا كلها تُزهر حولها، بينما رحمها وحده يقف صامتًا، خاليًا، موجوعًا.
قبضة قاسية اعتصرت صدرها حتى كادت تختنق.
ابتلعت غصتها بصعوبة، وحاولت رسم ابتسامة مرتعشة فوق شفتيها، بينما صوتها الداخلي يهمس بانكسار:
_هو أهم من أي حاجة...
الولد لو مجاش من يوسف مش عايزاه.
تلالأت الدموع بعينيها رغمًا عنها، فرفعت رأسها سريعًا حتى لا يفضحها أحد، ثم قالت بابتسامة موجوعة بالكاد تماسكت:
_مبروك يا شموسة... عقبال لما أشيله حبيبتي.
ابتسمت شمس بحنان، غير منتبهة لذلك الخراب المختبئ داخل عينيها.
_ميرسي يا ضي.
ثم التفتت إلى يوسف، الذي مازال يحتضنها، وطبعت قبلة رقيقة على وجنته وهي تهمس بفرحة طفولية:
_هبقى أم يا يوسف.. عقبالك لما تبقى اب، هتكون احسن اب متأكدة
أغمض عينيه للحظة، وكأن الكلمة أصابت شيئًا هشًا بداخله، ثم مسد على خصلاتها بحنانٍ بالغ، وقبل رأسها قائلًا:
_هتكوني أجمل وأرق أم في الدنيا يا حبيبتي.
ثم أضاف بخفةٍ حاول أن يزرع بها البهجة:
_ويكون في علمك بقى... أنا اللي هسمي البيبي، قولي لجوزك.
ضحكت دينا بخفة، و قالت:
_جوزها لسه ميعرفش أصلًا... هو في مكان خارج التغطية.
تنهد يوسف بهدوء:
_إن شاء الله يرجع بالسلامة.
نظرت شمس الى ضي وقالت بعفوية، غير مدركة أنها ستصيب قلب ضي بهذا العنف:
_عقبالك يا ضي.
ساد الصمت لثانية.
ثانية واحدة فقط... لكنها كانت كافية ليشعر يوسف بانطفاء روحها أمامه.
صفقت ضي بكفيها بخفة مصطنعة، ورفعت كتفيها محاولة التظاهر باللامبالاة:
_هقولك زي ما قولت لرولا المجنونة... أنا مش بفكر دلوقتي يا شموسة.
ثم أكملت بسرعة، كأنها تهرب من الحديث كله:
_عايزة أقدم رسالتي، اتأخرت عليها، وكمان جالي عرض من قناة مشهورة جدًا، فرصة أي حد يتمناها بصراحة.
قاطعتها دينا بابتسامة هادئة، لكنها لم تدرك أنها كانت تزيد جرحها عمقًا:
_صدقيني يا ضي... وقت ما تبقي أم، كل الأحلام دي هتحسي إنها ما تسواش نظرة من عيون ابنك.
شعرت ضي وكأن الكلمات سقطت فوق قلبها مباشرة.
انخفضت عيناها سريعًا حتى لا يرى أحد اللمعة المحترقة داخلهما.
تدخلت ميرال ، وقد شعرت باختناق الأجواء:
_لما ربنا يريد يا دينا... خليها براحتها.
في تلك اللحظة نهض يوسف فجأة، وكأن البقاء صار يؤلمه.
_ماما... لو هتقعدي أنا همشي.
انتفضت ضي هي الاخرى، فقالت بسرعة:
_وأنا كمان.
رفعت ميرال عينيها نحو ابنها، وقلبها يتمزق لحالتهما معًا، ثم أومأت بهدوء:
_اه يا حبيبي، هستنى شوية مع أختك، خد مراتك وروح.
تحرك يوسف نحو الباب بخطوات سريعة،و لكن صوت شمس أوقفه:
_يوسف...
استدار فورًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة رغم كل شيء:
_عيونه.
ابتسمت شمس بحب:
_يبقى تعالى تاني... امبارح معرفناش نتكلم.
عاد إليها بخطوات هادئة، وانحنى يقبل جبينها بحنانٍ أخوي صادق:
_خدي بالك من نفسك... ومن البيبي.
عايزه ييجي الدنيا بصحة كويسة، علشان العب معاه... وبكرة هاجي أشوفك يا حبيبتي.
قالها وهو يربت على رأسها بحنان، ثم تحرك للخارج أخيرًا.
لكن قبل أن يغادر...
التقت عيناه بعيني ضي للحظة.
لحظة قصيرة جدًا...
لكنها كانت مليئة بكل شيء لم يستطيعا قوله.. وجع.. حرمان.. وخوف صامت من حلمها الذي لم يتحقق
راقبتهم ميرال بصمتٍ موجوع، ثم غمزت لضي بخفة حتى تلحق به، وكأنها تحاول إنقاذ ما تبقى بين قلبين ينهاران بصمت.
بعد قليل
ترجَّل من السيارة، أوقفه بلال الذي ترجَّل من سيارته في نفس الوقت:
_كنتوا فين؟
التفت إليه يوسف، وعلى شفتيه ابتسامة واسعة:
_عند شمس...
ثم أضاف بمرحٍ وهو يقترب منه:
_شكلي هخسر كلِّ اللي أملكه السنادي عليك إنتَ وشمس.
قطب بلال حاجبيه بعدم فهم:
_مش فاهم.
اتَّسعت ابتسامة يوسف أكثر، ثم ربت فوق كتفه بقوة:
_مبروك يا جحش...هتبقى خال.
لثوانٍ...تجمَّد بلال مكانه يستوعب ما قاله، ثم فجأةً صرخ بفرحة:
_البتِّ العيِّلة حامل؟!
ثم انفجر ضاحكًا بطريقة هستيرية:
_يعني عيِّلة هتشيل عيِّلة!
ضحك يوسف رغماً عنه، ثم لكزه بعنفٍ خفيف:
_ما خلاص يا بغل، إيه عيِّلة دي؟ شمس عندها تلاتة وعشرين سنة.
هزَّ بلال رأسه بعدم اقتناع وهو يتمتم بجديَّة مصطنعة:
_لا لا...وكتاب الله ظلمتوها في التسنين، دي آخرها خمستاشر، إنَّما الرقم اللي بتقولوه ده فيه نصب.
رفع يوسف حاجبه ساخرًا:
_تصدَّق..إنتَ رخم بطريقة مستفزَّة..
ثم دفعه بخفَّة:
_يلَّا غور من وشِّي.
قهقه بلال، بينما التفت يوسف بعينيه يبحث عن ضي فتساءل:
_هيَّ ضي طلعت؟
أجابه بلال:
_راحت بيت أرسلان.
شعر بقبضةٍ تعصر صدره، حين تذكَّر ملامحها أثناء عودتهما وعدم حديثها... عيناها كانت ممتلئتانِ بوجعٍ حاولت تخفيه...وطريقتها وهي تهرب منه.
قهقه فجأة يردُّ على بلال يخفي اضطرابه:
_أرسلان حاف كدا...ده كان بيلعب معاك؟.
ضحك بلال وهو يهزُّ كتفيه:
_والله يا جو كان نفسي ألعب معاه كرة شراب.
تحرَّك يوسف، لكن خطواته تباطأت بظهور أرسلان متَّجهًا إلى منزل والده.
رفع رأسه ينظر إليه، ثم نادى على بلال المتحرِّك لمنزله.
_أرسلان أهو...يلا.
قطب أرسلان حاجبيه فور سماعه:
_ده احترام ده يا بن إلياس؟
ردَّ يوسف ببرودٍ مستفز:
_والله يا عمُّو أنا محترم...بس ابنك أبوه معرفش يربِّيه.
وصل بلال ينظر لوالده
_الله! ده أرسلان صح، إنتَ جيت إمتى يا جدع؟
قهقه يوسف يغمز لأرسلان:
_شوفت، عرفت أبو مين اللي ميعرفش يربِّي؟
زفر أرسلان بضيق وهو ينظر لهما:
_تصدَّقوا؟ أنتوا الاتنين محتاجين إعادة تأهيل.
ثم لوَّح بيده بملل:
_مش فاضي للتفاهة دي، عندي حاجات أهم...قال دكاترة، والله ولا القهوجية.
لكزه بلال وتحرَّك مبتعدًا:
_أنا رايح لمراتي، أرسلان شكله اتجوز على أمِّي وأنا مش فاضي أصالحهم على بعض.
وقف يوسف يتابع ابتعاد بلال بصمت...
واختفت ضحكاته، وشيء ما بداخله انطفأ فجأة.
عادت صورة ضي أمام عينيه بكلِّ تفاصيلها...ارتجافة شفتيها...نظرتها المكسورة...والدموع التي رفضت أن تسقط أمامه.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم رفع عينيه نحو منزل أرسلان.
تراجع خطوةً للخلف.
لا يريد الضغط عليها...لا يريد أن يذهب فتبتعد أكثر.
لكن قلبه كان يرفض فكرة ابتعادها عنه بهذه الطريقة.
زفر بعنف يمرِّر يده بشعره بتوتُّر، ثم استدار وكأنه سيغادر...
لكنَّه توقَّف..
ثوانٍ مرَّت...قبل أن يعود أدراجه مرَّةً أخرى بخطواتٍ أبطأ، أثقل، وكأنَّ شيئًا داخله يُساق إليها رغمًا عنه.
بالداخل...
كانت ضي تجلس بصمتٍ قاتل...بينما قلبها ينهار دون صوت.
ألقت نفسها داخل أحضان والدتها، تبكي بانهيارٍ أفزع غرام
شهقاتها كانت تخرج متقطِّعة، مؤلمة، وكأنَّ قلبها يُنتزع من بين ضلوعها ببطء.
ضمَّتها غرام بسرعة، تمسِّد على خصلاتها بقلق:
_فيه إيه يا حبيبتي؟
ثم همست بخوف:
_ضي...اتخانقتي مع يوسف تاني؟
لم تستطع الرد..فقط جلست على الأريكة وما زالت دموعها تهبط بلا توقُّف، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنفٍ من شدِّة اختناقها.
جلست غرام جوارها سريعًا، تمسك وجهها المرتجف بين كفَّيها:
_بصيلي...فيه إيه؟
خرج صوتها مهزوزًا، بالكاد يُسمع:
_كنَّا عند شمس...شمس حامل يا ماما.
اتَّسعت ابتسامة غرام تلقائيًا، ولمعت عيناها بسعادةٍ صادقة:
_ماشاء الله...ربِّنا يكمِّلها بخير يارب...
لكن ابتسامتها اختفت حين رأت الانكسار بعيني ابنتها.
صمتت للحظة...ثم تنهَّدت بوجع، ورفعت ذقن ضي تنظر مباشرةً داخل عينيها الغارقتينِ بالدموع:
_اسمعيني كويس يا ضي...أنا مش ميرال علشان تتكسفي منِّي، أنا أمِّك ومصلحتك أهم من الدنيا كلَّها عندي.
ابتلعت ضي ريقها بصعوبة، بينما أكملت غرام بصوتٍ هادئ رغم الألم الذي ينهشها:
_إنتِ رضيتي بحالة جوزك...وقرَّرتي تكمِّلي معاه، وأنا رغم خوفي وافقت علشان شوفتك بعيد عنه عاملة إزاي، وشوفتك جنبه عاملة إزاي.
احتضنت وجهها أكثر، وعيناها تمتلئان بالعجز:
_بس لازم تفهمي...إنِّ الطريق ده مش سهل.
كلِّ يوم هتشوفي واحدة حامل، واحدة بتولد، واحدة شايلة طفلها، وإنتِ قلبك هيتقطَّع.
بدأت دموع غرام تتجمَّع وهي تهمس باختناق:
_الأمومة مش إحساس سهل يا ضي، والستِّ غير الراجل، العمر بيجري منها أسرع...وكلِّ سنة بتفرق.
انهارت ضي أكثر، تهزُّ رأسها بعنف:
_بس هموت لو بعدت عنه يا ماما... والله هموت.
أنا بحبُّه أوي...أوي لدرجة مخيفة... مش متخيِّلة نفسي مع راجل غيره، حتى لو اتوجعت، حتى لو بموت كلِّ يوم...مش قادرة أبعد.
أغمضت غرام عينيها بألم، ثم مسحت دموعها بحنانٍ أمومي موجوع:
_يبقى ما تزعليش بالشكل ده يا قلبي،
أنا مش مع قرارك، وخايفة عليكي ترجعي تندمي، بس سعادتك أهم عندي.
صمتت للحظة، ثم همست:
_ويوسف بيحبِّك...يمكن بطريقته الغلط، بس بيحبِّك، اللي عمله طول الفترة اللي فاتت ما يبقاش من واحد مش متعلِّق بمراته.
تراجعت ضي للخلف قليلًا، تنظر لوالدتها بنظراتٍ ضائعة، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
_أنا أخدت تحاليله...وروحت لدكتور مشهور أوي.
عقدت غرام حاجبيها بقلق:
_تحاليل إيه؟
تنهَّدت ضي وكأنَّ روحها تُسحب منها:
_تحاليل يوسف.
اعتدلت غرام تنظر لها بترقُّب، بينما أكملت ضي بصوتٍ يرتجف:
_تعرفي الدكتور قالِّي إيه؟
قالِّي...لو اتجوز غيرك ممكن يخلِّف، هوَّ أه قال النسبة ضعيفة أقل من عشرين في المية لكن احتمال، الفكرة نفسها موِّتتني يا ماما، أموت ولا يقرَّب من واحدة تانية، مستعدَّة أفضل كدا بس ما يتجوزش يا ماما.
تجمَّدت غرام بالكامل.
اتَّسعت عيناها بصدمة، بينما ضي انفجرت باكية بشكلٍ هستيري:
_شوفتي قهرة أكتر من كدا؟
يعني المشكلة مش منه بالكامل... يعني ممكن في يوم يلاقيني أنا السبب الحقيقي في حرمانه من طفل...
شهقت غرام بقوة:
_استنِّي...يعني إيه؟
يوسف مش عقيم؟!.
هزَّت رأسها بسرعة وسط دموعها:
_كان عنده ضعف، وكان بيتعالج من فترة طويلة وأنا معرفش.
لقيت تحاليل كتير مخبِّيها...أخدتها وروحت للدكتور..
قالِّي حالته بتتحسِّن...وآخر تحليل بيقول إنِّ فيه أمل...بس...
اختنق صوتها تمامًا:
_بس مش معايا أنا...
وضعت كفَّيها فوق وجهها تبكي بانهيار:
_تفتكري كان عارف؟
تفتكري ممكن في يوم يبصلي ويلاقيني أنا اللي حرمته من ابنه؟
ممكن يتجوز عليَّا علشان يخلِّف؟
ثم صرخت فجأة، صرخة خرجت ممزَّقة من أعماق قلبها:
_أنا كدا هموت!
والله هموت يا ماما!
أنا استحملت كتير...استحملت وجع عمري كلُّه...بس دي لأ...دي أكبر منِّي...
مش قادرة أتخيَّل واحدة تانية تدِّيله طفل وهوَّ يبصلَّها بنفس النظرة اللي كنت بحلم يشوف بيها ابن منِّي..
أنا تعبت ومبقتش قادرة أتحمَّل، بختنق، وأنا عمَّال أرسم السعادة، وأنا جوَّايا بيتحرق يا ماما، مبقاش عندي قدرة أتحمَّل دا، قالتها
وانهارت تمامًا داخل أحضان والدتها، تبكي بطريقة تقطع القلب، بينما غرام ضمَّتها بعجزٍ كامل...عاجزة حتى عن مواساتها.
بالخارج...
وصل يوسف على كلماتها الاخيرة،
كلُّ حرف خرج منها..اخترق صدره كالسكاكين.
أغمض عينيه بقوة وهو يسمع انهيارها،
تراجع خطوةً للخلف، ثم أخرى...حتى غادر.
ارتجف جسده بعنف، بينما أنفاسه أصبحت متقطِّعة بصورةٍ مخيفة.
هو نفسه لم يعد يعرف ماذا يفعل.
يعرف فقط...أنَّه يدمِّرها معه يومًا بعد يوم.
رفع كفِّه يمسح وجهه بعنف، ودموعًا ساخنة خانته رغمًا عنه.
لأوَّل مرَّة يشعر بهذا العجز...
لأوَّل مرَّة يشعر أنَّه رجل ناقص أمام المرأة التي يحبُّها أكثر من نفسه.
عند ضي...ظلَّت غرام تمسِّد على خصلاتها تفكِّر بحديث ابنتها، ثم أخرجتها من أحضانها وقالت:
_حبيبتي اسمعيني كويس، بكرة إن شاء نروح لدكتور تاني، كانت دينا قالت لي عليه من فترة لمَّا اتأخَّر حملها، هوَّ الدكتور اتوفَّى، بس بتقولِّي ابنه شاطر زيُّه.
_حضرتك قولتي لطنط دينا؟.
هزَّت رأسها بالنفي وقالت:
_لا..كنَّا في النادي وواحدة صاحبتها كانت بتحكي معاناة مرات ابنها، وهيَّ اتكلِّمت قدَّامي، هكلِّمها ونروح له، مش عايزاكي تيأسي، حتى لو قفلت نعمل حقن مجهري.
_يوسف ميعرفش إنِّي أعرف يا ماما.
مسَّدت على خصلات ابنتها بحنان:
_مش مهم يعرف، الأول نروح للدكتور دا، وإنتي كمان تكشفي، إنتي روحتي لدكتورة واحدة، يمكن فيه مشكلة معاكي مع حالة يوسف وتكون بسيطة.
_ماما يوسف لسة الأمل عنده ضعيف.
اقتربت تزيل دموعها وابتسمت:
_طول ما فيه أمل نقول يارب، المهم قولي لي..إنتي خلِّي بالك من أيام تبويضك، وخلِّينا نمشي وقلوبنا فيها أمل، الأوَّل مكناش عارفين، لكن دلوقتي فيه أمل حتى لو نفس، بس فيه أمل، امسكي فيه، وزي ما الدكتور دا قالِّك ممكن يخلِّف مع حد تاني، ممكن نشوف المشكلة فين.
قبَّلت جبين ابنتها وأزالت دموعها:
_خلِّي ثقتك بربِّنا كبيرة حبيبتي، بطَّلي عياط، وقولي يارب، هوَّ فيه إن واحدة كلِّنا نعرف إنَّها ماتت ورجعت بعد خمس سنين بعد ما فقدنا الأمل، فيه أصعب من كدا؟.
المهم ما تيأسيش حبيبة ماما، وخلِّي بالك يوسف بعد موضوع شمس وبلال ممكن يضايقك، الموضوع صعب عليه، لازم تكوني طويلة البال.
_حاضر يا ماما...ادعي لي لو سمحتي.
ضمَّتها لأحضانها وانسابت دموعها تقول باختناق:
_بدعي لك حبيبتي، وكلِّ اللي يجيبه ربِّنا كويس.
بعد قليل...
عادت ضي إلى المنزل بخطواتٍ منهكة، جسدها بالكاد يحملها.
دلفت الغرفة لتجده جالسًا بشرفة غرفتهما، الظلام يحيط به بالكامل، وسيجارة مشتعلة بين أصابعه.
توقَّفت تنظر إليه للحظات، ثم همست بصوتٍ متعب:
_قاعد كدا ليه؟
لم يرد..و لم ينظر لها.
ظلَّ جالسًا كما هو...وكأنَّ روحه ليست هنا.
اقتربت منه بقلق، وما إن رأته يرفع السيجارة إلى فمه حتى انتزعتها من بين أصابعه بعصبية:
_إنتَ اتجنِّنت..
إيه اللي بتعمله ده؟!
قبض على كفِّها بعنف، وسحبها نحوه بقوة أرعبتها.
رفع عينيه إليها...عينان حمراء بشكلٍ أخافها.
_بلاش شغل الوجوه ده معايا...
بلاش تحسِّسيني إنِّك خايفة عليَّا...
خرج صوته مخنوقًا، حادًّا، كأنه يحاول خنق نفسه قبلها:
_امشي من قدَّامي دلوقتي...عايز أبقى لوحدي.
نظرت له بذهولٍ كامل.
كيف تبدَّل بهذه السرعة؟!.
هذا الرجل نفسه كان صباحًا يحتضنها ويحلم معها.،والآن ينظر لها وكأنَّها عدوِّه.
_يوسف...إنتَ مالك؟
صرخ فجأةً بعنف هزَّها:
_اطلعي برَّة بقولِّك!
ابتسم بوجع:
_وبلاش تمثيل الحب اللي بترسميه عليَّا..خلاص خدتي حقِّك منِّي.
شحب وجهها وشعرت وكأنَّ أحدهم صفعها بقوة.
تراجعت للخلف خطوة، تنظر إليه بعدم تصديق، بينما هو أشاح بوجهه سريعًا...خوفًا من انهيار ضعفه أمامها
استدارت ببطء وغادرت الشرفة والغرفة بأكملها، قررت تذهب تقضي بعض الوقت مع اخيها، وتتركه إلى أن يهدأ، كانت تعلم انه سينهار بعد عوته من عند شمس
وما إن اختفى صوت خطواتها...
انهار بالكامل.
ألقى سيجارته بعنف، وخرجت منه شهقة موجوعة حاول كتمها، لكنَّه فشل.
قلبه يتمزق من فكرة
أنَّ المرأة التي يحبُّها أكثر من الحياة...
سيكون هو السبب في تحطيم قلبها للأبد.
بعد فترة
دلفت الغرفة بخطواتٍ هادئة، فوجدته غافيًا فوق الأريكة، والظلام يبتلع المكان، ورائحة السجائر تخنق أنفاسها.
انقبض قلبها بعنف، وكأنَّ الغرفة تحمل كلَّ ما دار بينهما من قسوةٍ ووجع.
نزعت حذاءها بصمت حتى لا توقظه، ثم اتَّجهت إلى غرفة الملابس.
انتقت منامة ناعمة بلونٍ عسلي يليق ببشرتها، صفَّفت خصلاتها بعناية، وتعطَّرت بعطره المفضَّل...كلُّ هذا ودموعها تخونها، تنساب بصمت فوق وجنتيها، وكلماته لا تزال تمزِّق روحها بلا رحمة.
كيف استطاع أن يراها بتلك الصورة..
كيف يلقيها بتلك الاتهامات؟!.
نعم...أخطأت، لكنه أيضًا ذبح قلبها، وكأنَّ الحبَّ بينهما لم يكن يومًا كافيًا.
أنهت استعدادها، ثم عادت إليه ببطء.
وقفت أمام الأريكة تتأمَّل أعقاب السجائر المتكدِّسة بالمطفأة، فجمعتها بضيق وألقتها في القمامة، و
عادت بعينيها إليه...
ملامحه كانت هادئة بصورة مؤلمة، بريئة حدَّ الاستفزاز، حتى بدا كطفلٍ ضائعٍ لا رجلٍ حطَّم قلبها منذ ساعات.
ابتسمت رغم ألمها، وجلست أمامه على ركبتيها.
تسلَّلت أناملها بين خصلاته، ثم انحنت تطبع قبلةً طويلة فوق جبينه.
تسلَّلت رائحتها إلى أنفاسه، ففتح عينيه ببطء
اعتدل يمسح وجهه بإرهاق، بينما وقفت هي سريعًا تتصنَّع الجمود، تخفي ارتجافة قلبها.
ـ نايم هنا ليه، مفيش سرير يعني؟
رفع رأسه إليها، فتجمَّد للحظة.
عيناه جالتا فوقها ببطءٍ أشعل ارتباكها؛ شعرها المنسدل، عيناها الباكيتان، وذلك العطر الذي يحفظه عن ظهر قلب.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة متعبة:
ـ نعم؟
أشارت إلى الفراش وهي تتمتم بعنادٍ طفولي:
ـ يلا علشان ننام...الكنبة ضيَّقة، وممكن توقَّعني.
انفلتت منه ضحكة رغمًا عنه، هزَّ رأسه بعدم تصديق:
ـ إنتِ طبيعية؟
رفعت حاجبها بتحدٍّ:
ـ لا طبعًا...هكون طبيعية إزاي وأنا متجوزاك، عمرك شوفت دكتور مجانين حالته كويسة؟
اختفت ضحكته تدريجيًّا، ونهض يقترب منها حتى شعرت بأنفاسه تلفح وجهها:
ـ يعني أنا مجنون؟
تراجعت خطوة للخلف، لكنه استمرَّ بالتقدُّم حتى التصقت بالحائط.
ـ أومال إيه؟ ده العبيط يفهم ...إنتِ جنِّنتي العيلة كلَّها.
قبض على خصرها فجأة وجذبها إليه بعنفٍ أربك أنفاسها، فارتجف جسدها بين ذراعيه.
كانت تعلم أنَّ غضبه لم ينطفئ، وأنَّ بركانه ما زال خامدًا.
مال نحوها بعينينِ مشتعلتين:
ـ وإيه اللي مقعَّدك مع المجنون يا عاقلة؟
ابتسمت رغم رعشة شفتيها:
ـ نصيبي الأسود يا أخويا.
ضغط على خصرها بقوةٍ آلمتها، فشهقت تضرب صدره بقبضتها:
ـ اللي بين إيدك دي أنثى...متفتكرنيش مصارع!
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّها تدفعه للجنون عمدًا.
ثم هتف من بين أسنانه:
ـ إنتِ إيه اللي جابك تاني؟
اتَّسعت عيناها بصدمةٍ مصطنعة، ثم دفعت صدره بإصبعها:
ـ إنتَ بتطرد مراتك!!دي الرجولة والشهامة؟
وأنا اللي جاية متشيَّكة، وقولت نقضِّي ليلة العيد زي أي اتنين متجوزين ومتنيِّلين على عينهم!
ثم دفعته بغضبٍ طفوليّ وهي تكمل بحدَّة تخفي انكسارها:
ـ كنت زماني في أوضتي برقص وبحتفل لوحدي.
اشتعلت عيناه بجنونٍ أربكها، وفجأةً دفعها نحو الفراش فسقطت عليه تضحك بصوتٍ مرتفع..ضحكات خرجت ممزوجةً ببكاءٍ موجوع، وكأنَّ قلبها لم يعد قادرًا على التحمُّل لتنهار بصمت.
حاوطها بجسده سريعًا، يحدِّق بها بأنفاسٍ مضطَّربة، ولم يشعر بنفسه سوى وهو يزيل دموعها بخاصَّته، أغمضت عيناها مع ابتسامة، كانت تتيقَّن أنَّ ما قاله ليس سوى كلماتٍ فقط، أقسمت بداخلها أن تؤكِّد له أنه ما زال ساكن الروح والجسد حتى العظم.
رفعت ذراعيها ببطء وأحاطت عنقه، ثم همست بصوتٍ مكسور قرب شفتيه:
ـ أنا بموت كفاية بقى...هترتاح لمَّا تدفنِّي في الآخر، المرَّة اللي فاتت أنقذتني، اوعدك المرَّة دي مش هتلحق.
تجمَّد مكانه وارتجف قلبه بشدَّة، لمست وجنتيه:
_معقول مش حاسس بقلبي؟... معقول تبقى قاسي وجافي كده؟!
كلمات لم تكن عتابًا...بل كانت طعنة اخترقت كل جدار بناه حول قلبه، هدمت غضبه دفعة واحدة، وأسقطت قسوته أرضًا كأنها لم تكن.
دفن وجهه بعنقها، وأنفاسه الساخنة ارتجفت فوق بشرتها، بينما ذراعاه اشتدتا حولها بجنون... كغريق وجد نجاته أخيرًا.
كان يحتضنها بقوة رجل يخشى أن تنفلت منه روحه إن ابتعدت.
أغمض عينيه بألم، يحاول عبثًا أن يداوي جراحها... وجراحه هو أيضًا.
ماذا يفعل أمام قدر يخشاه؟
كيف يحبها بكل هذا الجنون، ثم يحرم نفسه منها خوفًا من الغد؟
أبعدها قليلًا،... ليتأكد أنها مازالت بين يديه، أمام عينيه
كانت دموعها تلمع فوق وجنتيها، تخنق أنفاسه.
همس بصوت متعب:
_ بطلي عياط...
لكن شهقاتها كانت أقوى من احتماله، أقوى من قلبه الذي يتفتت بصمت.
رفع أنامله المرتجفة يمررها فوق شفتيها، ثم اقترب يسرق قبلة موجوعة... قبلة رجل يعترف بعشقه دون أن ينطق كلمة حب واحدة.
ابتعد عنها بصعوبة، وعيناه غارقتان بها:
_مش هقولك إني بحبك... ولا هقول أي كلام من ده... بس عايزك تتأكدي إني مش ناوي أجيب أطفال.
مش عايز أعذب ولادي معايا... مهما حصل، عمري ما فكرت ولا هفكر في الموضوع ده.
علشان كده... ابعدي عني يا ضي.
روحي حققي حلمك بعيد عني... لأن الحلم ده مستحيل يتحقق معايا.
ظلّت تنظر إليه طويلًا... إلى عينيه الضائعتين، إلى صدره الذي يعلو ويهبط بعنف، إلى رجل يبدو وكأنه يحارب نفسه بكل ما يملك.
اقتربت ببطء... حتى أصبحت أنفاسها تختلط بأنفاسه، ثم رفعت كفيها تحتضن وجهه بحنان أذاب ما تبقى من مقاومته.
وهمست بعشق موجوع:
_على فكرة... هتتحاسب عليا.
لأنك متجوزني على الورق بس... وده مش جواز يا يوسف.
يرضيك يبقى جوازنا ناقص!!
ارتجف قلبه بعنف.
نظر إليها بعجز رجل انتهت كل حروبه أمام امرأة واحدة فقط.
كان يشتاقها حد الوجع... يخاف قربها، لكنه يموت كلما ابتعدت.
ثم جاءت رصاصتها الأخيرة... بصوت مرتعش أبكى قلبه:
_يوسف... وحشتني؛ وحشتني أوي.
هنا... انتهى الكلام، ولم يعد للعقل وجود، ولا للخوف مكان.
اجتاحها بين ذراعيه كعاشق وجد جنته بعد تيه طويل، يضمها إليه بكل الشوق الذي أخفاه شهورًا، وكأن قلبه أخيرًا عاد لينبض.
ذابا معًا في لحظة لم يكن بها سوى عاشقين أنهكهما الفراق، فتعانقت الأرواح قبل الأجساد، واشتعلت الغرفة بأنفاسهما المرتجفة، بينما الحب بينهما كان يصرخ بصمتٍ موجع... صمت لا يفهمه إلا قلبان خاضا الحرب وعادا لبعضهما أخيرًا.
مرت ليلتهما كحلم سماوي، كأن الزمن رقّ لهما أخيرًا وقرر أن يتوقف قليلًا.
كانت نائمة فوق صدره، وأنفاسها تداعب عنقه، بينما هو يتأملها بابتسامة رجل امتلك الدنيا كلها بين ذراعيه.
مرر أنامله بخصلاتها بحنان، وقلبه يهمس بدهشة عاشق: هو فيه ست بتحب بالشكل ده؟
انحنى وطبع قبلة على وجنتيها، يمسد على خصلاتها يهمس لنفسه قبله
_حياة يوسف إنتي حبيبتي
ابتسمت بارهاق تهمس له
_وأنا اموت بعيد عن يوسف... قالتها وذهبت بنومها
مرت الشهور...
حتى جاء اليوم الذي نزفت فيه قلوب العاشقين دون رحمة.
خرج يوسف من الحمام، قطرات الماء تنساب فوق عنقه، ليجدها تجلس أمام المرآة، ترتدي قميصها الأسود الذي زادها فتنة، تمرر الكريم فوق بشرتها بنعومة سرقت أنفاسه.
ابتسم دون وعي، واقترب منها ببطء، ثم انحنى يطبع قبلة دافئة بجوار شفتيها.
_هعدي على بلال... أشوف جاب الأشعة ولا لأ.
رفعت عينيها إليه بحبٍ أذاب روحه:
_متتأخرش.
ضحك بخفوت، وعيناه تلتهمان تفاصيلها:
_وأنا أقدر برضه؟
أنا جعان على فكرة... كلميهم يطلعوا العشا هنا.
هنتعشى مع بعض لوحدنا النهارده... احتفالًا بوداع بيت أبويا قبل ما ننقل بيتنا.
ثم اقترب أكثر، يهمس عند شفتيها بعشقٍ مشاكس:
_ البيت اللي لسه ماحاسبتكيش على حُرقة... زي حبي كدا
تورد وجهها بخجل أربكه أكثر، فسرقت قبلة سريعة من شفتيه، وهي تهمس بدلال:
_هدفع التمن... ماتخفاش.
اطلب... وأنا تحت أمرك حبيبي
_اممم... هتقدري
_جدا جدا
_تمام لما ارجع... قالها وخرج
مضت ساعاات ولم يعود، ارتدت اسدالها ونزلت للاسفل
_عمو إلياس... يوسف مرجعش، بكلمه مابيردش
_شوفته داخل المكتب مع ميرال من شوية
اومأت وتحركت، كادت تفتح الباب ولكنها توقفت على حديث ميرال
_يوسف، حبيبي اخدت تحاليلك ورحت لدكتور كويس
رفع رأسه لوالدته ينظر إليها بقهر
_ماما لو سمحتي، مش عايز اتكلم في الموضوع، لو فعلا مش عايزة تضايقيني
جلست امامه واحتوت كفيه
_اسمعني حبيبي، الدكتور قال ان عندك فرصة، بس هتكون صعبة مع ضي،
اشار بيده يوقفها عن الحديث
_ماتكمليش، انا عارف الكلام دا من زمان، ومستحيل افكر في حاجة زي كدا
طالعته بذهول:
_كنت عارف إن عندك فرصة في الإنجاب، طيب ليه ماقولتش، وعلى فكرة أنا مش قصدي اللي فهمته، أنا قصدي مادام فيه فرصة، يبقى فيه أمل
أنا مستحيل اكسر قلب بنت عمك
_ماما... الموضوع منتهي، ومش عايز اتكلم فيه تاني، وخليني مع ضي، اللي متأكد انها عارفة
صمت يدقق النظر في عين والدته
_حضرتك قولتي حاجة لضي ياماما، خيبي ظني وقولي مستحيل اكسرك قدام مراتك
نهضت بجسدٍ مرتجف، تفرك بكفيها
_يوسف... اسمعني
توقف أمامها وشعر بقبضة تعتصر صدره، وتكورت الدموع في عينيه
_كان لازم أشك، ايوة، واحدة كانت تنام وتقوم على طفل، دلوقتي بتقول أنا مش عايزة اطفال، معنديش وقت، وانا الاهبل اللي صدقت طموحها، وفي الاخر انتي اللي...
يوسف... اسمعني.
خرج صوتها مرتجفًا، ضعيفًا، لكنه كان كافيًا ليزيد العاصفة المشتعلة داخله.
استدار إليها فجأة... وعيناه محمرّتان بشكل مرعب، كأن النوم هجره منذ سنوات، يشعر بأن قلبه يُذبح أمامها الآن.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه تكاد تحرق المكان، ذكريات ايامهما الأهيرة تضرب رأسه بلا رحمة...
_لياليهما، قربها، عشقها، دموعها، خوفها عليه...
هل كان كل ذلك تمثيلًا؟
اقترب منها بخطوات بطيئة لكنها مخيفة، ثم همس بصوت خرج مكسورًا رغم قسوته:
من إمتى بتعرف...؟!
ارتعشت شفتاها، لكنها لم تستطع الرد.
فابتسم بسخرية موجوعة... تلك السخرية التي تشبه البكاء أكثر مما تشبه الضحك.
انحنى قليلًا نحوها، وعيناه تلتهمان دموعها:
_أقولك أنا!!
من يوم الحادث... صح؟
علشان كده عملت فيها المضحية، وراحت جابت المأذون وأجبرتيني على الجواز... وأنا الأهبل اللي كنت فاكر...
اختنق صوته فجأة.
كور قبضته بعنف حتى ابيضّت مفاصله، ثم ضغط عليها بأسنانه وكأنه يحاول منع نفسه من الانهيار.
لكن الوجع كان أكبر.
وااااه!.. صرخة خرجت ممزقة، موجوعة، هزّت جدران البيت كله، ثم اندفع يدور بالغرفة كالمجنون، يبعثر كل شيء أمامه، وكأن الخراب حوله أهون من الخراب داخله... وهو تذكر كلمات عشقها له
كانت بتعمل كدا شفقة، صعبت عليها
هان عليكي ابنك، مراته تشوفه ناقص، وتتنازل علشانه بدافع الحب
التفت سريعا يصرخ
_انا كنت هسافر، وكنت عايش وهتأقلم، لكن انتي السبب، كل حاجة سيئة حصلت لي كانت انتي السبب
اغمضت عيناها وارتعش جسدها حتى هوت على المقعد بعدما خانتها ساقيها، لم يرحم ضعفها
_حتة سر معرفتيش تحافظي عليه، انا بقول لمين، كنتي حافظتي علي قبل كدا علشان تحافظي على سري
ظلت تستمع اليه بقلبًا ينزف، ودموع تدحرج على وجنتيها بصمت مزق روحها
في الخارج...
كانت ضي تقف كتمثال مكسور، تستمع لكل كلمة قالها لوالدته، ودموعها تنساب بصمت قاتل، حتى شعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها.
وصل إلياس على صوت التحطيم، اتجه بسرعة نحوها:
_فيه إيه؟
رفعت إليه عينيها الغارقتين بالدموع، وهمست بشفتين ترتجفان:
_ يوسف... عرف إني عرفت بموضوعه.
انعقد حاجبا إلياس بصدمة:
_ مين قاله...؟!
قاطعه خروج يوسف.
خرج بأنفاس متقطعة، وهيئة رجل انتهى تمامًا.
توقفت عيناه على والده أولًا...
نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتُظهر كم هو مكسور من الداخل.
شعر إلياس أن قلبه يتمزق لرؤية ابنه بهذا الشكل، فابتعد خطوة للخلف... لا يريد أن ينهار أمامه، لا يريد أن يضعف أكثر.
أما يوسف...
فاتجه نحو ضي
يسير إليها ببطء مخيف، وعيناه لا تفارقانها لحظة، بينما هي تهز رأسها بالنفي، تبكي بصمت، كأنها تستجديه أن يصدقها دون كلمات.
وقف أمامها تمامًا.. قريب جدًا...
لدرجة اختلطت أنفاسهما.
ارتجف جسدها بالكامل، بينما هو يحدق بها كأنها الشيء الوحيد الذي يؤلمه... والشيء الوحيد الذي يحبه بنفس القدر.
ثم قال بصوت خافت مرعب
الفصل 70
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك "
في تلك اللحظة التي تتقاطع فيها الحقيقة مع الخديعة، وتتشابك فيها خيوط الحب بالألم، لم يعد للصمت معنى… ولم تعد الكلمات تملك القدرة على الإنقاذ.
لم يكن ما حدث مجرد انكشاف حقيقة… بل كان انكسار يقين، وسقوط عالمٍ بُني على الثقة، فإذا به ينهار في لحظة واحدة، تاركًا خلفه شظايا مشاعر لا تُحصى.
وبين نظرةٍ تحمل ألف سؤال، ودمعةٍ تعترف بما عجز عنه اللسان… تبدأ الحكاية من جديد، ولكن هذه المرة، بلا أوهام.
فهل ينجو الحب حين يُحاصر بالخذلان؟
أم أن بعض القلوب… كُتب عليها أن تحترق لتضيء الحقيقة فقط؟
🔥🔥🔥
توقَّف أمام ضي، وعيناه معلَّقتانِ بها كأنَّهما تريانها لأول مرَّة…أو كأنَّها نظرة وداع.
ثوانٍ طويلة مرَّت وهو صامت، لكن داخله كان يصرخ، وحياته كلَّها تمرُّ أمامه كفيلم ممزَّق؛ منذ عودته من السفر…حتى هذه اللحظة التي شعر فيها أنَّ شيئًا بداخله يُنتزع منه بالقوة.
اقترب خطوة، حتى اختلطت أنفاسه بأنفاسها المرتجفة، فرفعت عينيها إليه وهمست بصوتٍ مهزوز يكاد لا يُسمع:
_يو…سف…
أغمض عينيه لثانية، ثم ضحك ضحكةً باهتة موجوعة، وهزَّ رأسه ببطء:
_يوسف إيه بس…
قالها بنبرةٍ خرجت مبحوحًة مكسورة بشكلٍ أخافها.
_يوسف طلع غبي أوي…أو يمكن كان عايز يصدَّق بأي طريقة إنِّك مستعدَّة تخسري الدنيا كلَّها عشانه.
ابتلع غصَّته، وعيناه تلمعان بوجعٍ حاد:
_بس إنتي طلعتي صح…أنا اللي كنت واهم نفسي…أنا اللي غلطان.
رفعت يدها ببطء نحو كتفه، لكنَّه تراجع، كأنَّ لمستها أحرقت جلده، ثم أشار إليها بعنفٍ مكبوت:
_خلاص…كفاية، المسرحية انتهت، ومبقاش ليها لزوم.
شهقت بألم، واهتزَّ صوتها:
_يوسف…والله مش زي ما إنتَ فاهم.
ابتسم ابتسامة حزينة موجعة، وانزلقت دمعة رغمًا عنه، فمسحها سريعًا وكأنه يخجل من ضعفه أمامها:
_أيوة…أكيد.
ضحك بمرارة وهو يهزُّ رأسه:
_أنا اللي بتخيَّل…أنا اللي جنِّنت نفسي بنفسي.
ثم التفت فجأةً إلى إلياس، الذي كان يقف صامتًا يتابع انهياره بعجز، فقال بصوتٍ مختنق بالغضب والخذلان:
_شوفت ابنك غبي إزاي؟
أشار إلى صدره بعنف:
_إزاي قلبه ساقه لحدِّ كدا؟!.
تنهَّد إلياس واقترب خطوة بحذر:
_يوسف…اهدى، وخد مراتك واطلعوا اتفاهموا فوق.
ضحك ضحكةً قصيرة خالية من الحياة، ثم نظر إليه بعينينِ حمراوين:
_نتفاهم؟
هزَّ رأسه ببطء:
_نتفاهم على إيه يا باشا؟
قالها بصوتٍ خفيض:
_مبقاش فيه كلام ينفع…ولا حاجة تتصلَّح.
ثم عاد ينظر إلى ضي…نظرة قاتلة:
_عارفة أكتر حاجة وجعتني إيه؟
اقترب منها خطوة، وهمس إليها:
_إنِّي صدَّقتك…صدَّقت كلِّ كلمة، وكلِّ دمعة، وكلِّ حضن…صدَّقت إنِّك بتحبِّيني بجد.
انفجرت دموعها وهي تهزُّ رأسها بجنون:
_والله بحبَّك…والله اسمعني بس.
صرخ فجأة، لأول مرَّة يفقد السيطرة تمامًا:
_كفاية!
ارتجف جسدها بالكامل، بينما كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وكأنَّه يختنق.
أشار إليها بأصابع مرتعشة وقال بصوتٍ ممزَّق:
_حبيبك!! أنا حبيبك؟!
ضحك بوجع حتى اختنق صوته:
_دا أنا الراجل اللي كنتي عايزة تجيبي ولد على اسم غيره…علشان كلِّ ما تنادي عليه تفتكري أسوأ فترة في حياتك!
شهقت ضي وكأنَّ كلماته اخترقت قلبها.
انحنى أمامها، يحدِّق بعينيها المنهارتين،و الدموع تتجمَّع بعينيه هو الآخر رغم محاولاته اليائسة للتماسك.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وكأنَّ كلَّ كلمة سيقولها ستنتزع قطعة جديدة من روحه.
قال بصوتٍ مبحوح متقطِّع:
_حبيبك…اللي بتقولي عليه داس على قلبه بإيده، واختار يتوجع كل يوم؛ علشان إنتي تعيشي، وتحقَّقي حلم الأمومة اللي نفسك فيه.
ارتجفت شفتاها وهي تنظر إليه بصدمة وألم، بينما تراجع هو خطوة للخلف، كأنه لم يعد يحتمل قربها أكثر:
_تعرفي كان ردِّك إيه؟
رفع يده المرتعشة إلى صدره، وضغط فوق قلبه بقوة، يحاول إيقاف ذلك الوجع الذي يمزِّقه حيًّا:
_إنك تحرقي ده…تولَّعي في قلبي من غير رحمة.
تاهت عيناه فجأة، وذهب بشروده إلى تلك الليلة...
بعد مكالمته مع والدته.
بعدما أغلق الهاتف بيدٍ مرتجفة، وقاد سيارته بسرعةٍ جنونية، وصوتها يطارده بلا رحمة، يتردَّد داخل رأسه كطعنةٍ لا تتوقَّف:
_هتجوز…وأجيب ولد وأسمِّيه يوسف علشان يفكَّرني بأسوأ فترة عشتها..
الحمد لله إن ربِّنا ما أنعمش علينا بالأولاد…يمكن كان شايف إنَّك ما تستاهلش تكون أب..كلمات خلف كلمات، هنا أغمض عينيه بقوة، وانزلقت دموعه رغمًا عنه، ثم عاد من شروده البائس ينظر إليها…نظرة رجل تحطَّم بالكامل:
_إنتي عندك حق…
خرجت كلماته ضعيفة، ميِّتة، وكأنه لم يعد يملك حتى القوة لينطقها:
_يمكن فعلًا ربِّنا شاف إنِّي ما أصلحش أكون أب..علشان كده حرمني من نعمة الخلفة.
شهقت ضي وهي تهزُّ رأسها بعنف، تبكي بانهيار:
_يوسف…لا…والله ما قصدت…
لكنَّه لم يرى سواها في تلك الليلة ولم يسمع سوى كلماتها...هنا أغرقت
دموعه وجهه بالكامل، ونظر إليها بعينينِ امتلأتا بانكسارٍ موجع:
_صح…أنا ما أصلحش أكون أب.
ضحك ضحكة مهزوزة مؤلمة:
_وعلشان كده…أنا بحلِّك من ارتباطك بيَّا.
ابتلع غصَّته بصعوبة:
_كفاية تضحية لحدِّ كده.
صرخت وهي تهزُّ رأسها بجنون:
_لااا…يوسف أرجوك!
اندفعت نحوه، لكنه تراجع فورًا، وكأنَّ مجرَّد لمسها أصبح يؤلمه.
رفعت يدها إليه، تبكي بحرقة:
_أنتَ فاهم غلط…والله العظيم فاهم غلط…
رفع رأسه لوالده :
_إنتَ السبب في اللي إحنا فيه، كسرتنا إحنا الاتنين، قولت لك أنا مش عايز أتجوز، أنا مش بتاع جواز هظلمها معايا.
هزَّ كتفه للأعلى وللأسفل وهو يشير إلى ضي:
_شوف وصَّلتنا لإيه، لا أنا عارف أعيش بعيد ولا عارف أعيش قريب، كان لازم تسبيني أعيش حياتي بنفسي، مش يمكن كان بعدها اتعرَّفت على حد غيرها وعرفت أعيش بدل ما إنتَ موَّتني.
اقتربت منه كالمجنونة تصرخ:
_مفيش حد السبب في حياتنا غيرنا، إحنا الاتنين اللي وصَّلنا نفسنا لهنا.
دنت أكثر تغرس عيناها بعينيه:
_قبل ما تلوم حد لوم نفسك.
لكزته بصدره بقوة:
_كان نفسي تحسِّسني إنِّي مراتك وتشاركني كل حاجة، لكن إنتَ كل اللي عملته طلَّقتني وسبتني هتجنِّن وأنا معرفش ذنبي إيه.
نظرت إليه وصاحت بغضبٍ أكبر:
_إنتَ اللي وصَّلتنا لهنا، محدش غيرك.
نظر إليها طويلًا…نظرة أخيرة موجوعة، ثم همس بصوتٍ محطَّم:
_إنتي…
لكن الكلمة ماتت على شفتيه، حين دوى صوت إلياس بعنف لأوَّل مرَّة:
_إيَّاك!
اقترب منه بعينينِ مشتعلة:
_إياك تنطق بحاجة تندم عليها العمر كلُّه!
ساد الصمت سوى من ارتفاع أنفاس يوسف..
ثم فجأة دوى صوت ارتطام قوي من الداخل.
تجمَّد الجميع مكانهم.
اتَّسعت عينا إلياس بصدمةٍ مرعبة، وكأنَّ الدم انسحب من وجهه دفعةً واحدة، ثم همس بفزع:
_ميرال…!
في تلك اللحظة تذكَّر وجودها بالداخل.
انطلق إلياس نحو الداخل بسرعة جنونية، بينما تجمَّدت ضي مكانها، وقلب يوسف هبط فجأةً كحجرٍ ثقيل داخل صدره، وهو ه بعينينِ مذعورتينِ إلى أن وقعت عيناه عليها…
شعر أنَّ الدماء انسحبت من جسده دفعةً واحدة.
كانت ملقاة على الأرض كجسدٍ بلا روح…
وجهها شاحب بصورةٍ مرعبة، وعيناها مغمضتان، ويديها ساكنتانِ بشكلٍ أفزعه حتى الاختناق.
اتَّسعت عيناه بصدمةٍ قاتلة، وتجمَّدت أطرافه حتى فقدت القدرة على الحركة.
لا صوت…لا نفس…لا شيء.
فقط صورة أمِّه أمامه، كأنَّها جثة
صرخ إلياس باسمها بصوت:
_ميراااال!!.
اندفع نحوها بسرعة، ورفع جسدها المرتخي من فوق الأرض، يحتضنها بفزع، بينما يربت على وجهها المرتجف:
_ميرال…حبيبتي ردِّي عليَّا…ميرال افتحي عينيكي!
لكنَّها لم تتحرَّك.
ارتعب أكثر، وحملها نحو الأريكة يضعها فوقها بيدينِ مرتجفتين، ثم التفت يصرخ بجنون:
_يوسف!!
لكنه ظلَّ واقفًا مكانه…كتمثالٍ محطَّم.
عيناه معلَّقتان بوالدته، وأنفاسه متقطِّعة بشكلٍ مخيف، و صوت كلماته الأخيرة إليها كان يجلد رأسه بلا رحمة…
ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر فجأةً بالغثيان، وكأنَّ الأرض تميد به.
اقتربت ضي منه بخوف، ودموعها لا تتوقَّف، أمسكت ذراعه تهزُّه برفق وهي تبكي:
_يوسف…فوق…شوف طنط ميرال.
نظر إليها بتيهٍ مرعب…كأنَّه لا يراها..
كلُّ ما كان يراه والدته.
أمُّه التي ربما قتلها بكلماته.
ازدادت أنفاس إلياس اضطرابًا وهو يحاول إفاقتها، ثم جُنَّ جنونه حين رأى يوسف على حالته تلك، فاندفع نحوه بعنف، وقبض على قميصه يهزُّه بقوة:
_فوق يا يوسف!
دفعه بقوة ناحية الأريكة، وصوته خرج مبحوحًا من شدِّة الرعب:
_شوف أمَّك مالها!
صرخ بها إلياس بانهيارٍ وعجز:
_ولَّا أجيب لها دكتور.
ترنَّح يوسف خطوتينِ إلى الخلف، وقعت عيناه على والدته المسجَّاة أمامه…
ولأول مرَّةٍ في حياته…شعر بالعجز الحقيقي.
لا كطبيبٍ هذه المرَّة، ولا كرجلٍ اعتاد السيطرة على انهيارات الآخرين…بل كطفلٍ مذعور يرى أمَّه تسقط أمامه ولا يعرف كيف ينقذها.
اقترب منها ببطء، كأنَّ ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله، ثم جثا أمامها، ويداه ترتجفان بعنف..
همس بصوتٍ مكسور بالكاد خرج من بين شفتيه:
_ماما؟..
لكنَّها لم تجب.
ظلَّ يحدِّق بها فقط…بعينينِ فارغتين من كلِّ شيء إلَّا الرعب..نسي كل ما تعلَّمه.
نسي أنه طبيب قلب..نسي الأجهزة والأدوية والإجراءات.
في تلك اللحظة…لم يكن سوى ابنٍ خائف.
ارتجفت شفتاه فجأة، وتحوَّلت ملامحه إلى ذعر طفلٍ صغير فقد أمَّه، رفع رأسها إلى صدره وضمَّها إليه بقوة، وكأنَّه يخشى أن تُنتزع منه... وانهار صوت بكائه بصورةٍ مزَّقت القلوب،و راحت الذكريات القديمة تنهال عليه بلا رحمة…
أيام ما تركته ورحلت، هنا شعر بالبرودة تجتاح جسده، وكأنَّ كلَّ شيء عاد دفعةً واحدة.
دفن وجهه بشعرها وهو ينتحب بحرقة:
_ماما…ما تسبنيش…
شهق بقوة كأنَّ صدره يتمزَّق:
_ماما بالله عليكي ما تسبينيش…
تجمَّد إلياس وهو يراه بتلك الحالة لأول مرَّة منذ سنواتٍ طويلة..
يوسف…ابنه الصلب، الذي اعتاد كتمان ألمه حتى عن نفسه… ينهار الآن بين يديه كطفلٍ هش.
اقترب منه ببطء، ثم جلس بجواره، وربت على كتفه المرتعش، بينما تجمَّعت العبرات بعينيه هو الآخر:
_يوسف…
خرج صوته مخنوقًا بالألم:
_حبيبي…ماما كويسة، يلَّا اكشف عليها.
رفع رأسه إليه ببطء، وعيناه تائهتانِ بصورةٍ موجعة، وكأنَّه أفاق على حقيقة أنه تعرَّى بالكامل أمام والده…
كلُّ ذلك الضعف الذي دفنه لسنوات، كلُّ الخوف الذي أخفاه خلف بروده واتِّزانه…انكشف في لحظةٍ واحدة.
شعر بالاختناق.. لكن إلياس أومأ له بهدوءٍ حزين، ثم قال برفق:
_يلَّا يا حبيبي…شوف ماما مالها، ولَّا أجيب لها دكتور.
هبط بصر يوسف إلى والدته بين ذراعيه، ثم مدَّ كفِّه المرتجف يمسح على وجهها الشاحب بحنانٍ موجوع، يحاول إعادتها إليه بلمسته فقط.
رفع إلياس رأسه نحو ضي التي كانت تبكي بصمت:
_هاتي شنطة جوزك بسرعة يا ضي.
أومأت سريعًا، ثم اندفعت نحو الأعلى بخطواتٍ متعثِّرة.
أمَّا يوسف…
فكان يشعر أنَّ أنفاسه تنسحب منه تدريجيًّا، وضع والدته فوق الأريكة بحذرٍ شديد، ثم بدأ يحاول الكشف عليها.
لكن يديه كانت ترتجف بصورةٍ خرجت عن سيطرته تمامًا.
حاول تثبيت السمَّاعة الطبية، إلَّا أنَّ أصابعه لم تستجب له بسهولة، فتنفَّس بعنف، وأغمض عينيه للحظةٍ يحاول استعادة توازنه.
إلَّا أنَّ صوت بكائه القديم ما زال يدوي داخله…
"ماما ما تسبنيش…"
عاد يفتح عينيه بسرعة، ثم وضع السمَّاعة فوق صدرها، وقلبه يكاد يتوقَّف من الرعب.
ثوانٍ مرَّت عليه كأنَّها سنوات…
وكلُّ ثانيةٍ كانت تقتله ببطء.
توقَّف بعدما فقد اتِّزانه.
اتَّسعت عيناه بذهولٍ قاتل، وأخذت أنفاسه تضطرب شيئًا فشيئًا
هو طبيب قلب…قضى سنواتٍ طويلة يواجه الموت بثبات، ويُعيد النبض إلى أجسادٍ خذلتها الحياة…لكنَّه الآن، أمام والدته، بدا أعجز من طفلٍ صغير.
اقترب إلياس منه بخوفٍ متصاعد، وصاح بصوتٍ مرتجف:
_يوسف!
لكنَّه لم يتحرَّك.
ظلَّ محدِّقًا بها، ومازال عقله يعيد كلماتِه الأخيرة كطعنةٍ
ارتجفت شفتاه بعنف، ثم أفاق على صرخة إلياس الثانية:
_يوسف!!
انتفض جسده،جثا أمامها مرَّةً أخرى بينما راحت أصابعه المرتعشة تتحسَّس نبضها..
وما إن شعر باضِّطرابه…حتى شحب وجهه بالكامل.
همس بصوتٍ مخنوق:
_لا…
رفع جفنها بارتباك، ثم التفت حوله بعينينِ مذعورتين على غير عادته، وصاح لأوَّل مرَّة كابنٍ مكسور لا كطبيبٍ متَّزن:
_ جهاز الضغط بسرعة!
أخرجه إلياس ينفِّذ طلبه، بينما وقفت ضي تبكي بصمتٍ مرعب، تراقب انهياره بعجز.
وضع الجهاز أمامه، وما إن ظهرت القراءة حتى انعقدت أنفاسه.
هبوط حاد..اضطراب خطير في النبض.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم مرَّر يده المرتجفة فوق وجهه، وكأنَّه يحاول إيقاظ نفسه من كابوس.
طالعه إلياس بقلق:
_في إيه يا يوسف؟
رفع يوسف عينيه إليه ببطء… وكانت مليئة برعبٍ حقيقي:
_النبض مش منتظم.. ممكن تدخل في حالة صدمة عصبيَّة.
ثم عاد ببصره إلى ميرال، وأحسَّ بقلبه يتهشَّم داخله وهو يتذكَّر كيف سقطت كلماته عليها بلا رحمة.
ضغط على رأسه بقوَّة، وهمس بانهيار:
_أنا السبب…
اقتربت ضي من، وأمسكت ذراعه:
_يوسف أرجوك ركِّز…علشانها.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّه ينتزع نفسه بالقوة من هاوية الانهيار، ثم تحرَّك بسرعةٍ عمليَّة رغم ارتجافه..
أخرج الأوكسجين..جلس بجوار والدته، يثبِّت قناع الأوكسجين فوق وجهها بيدينِ ترتعشان بعنف، ثم أمسك كفَّها البارد بين يديه، وهمس قربها:
_ماما…سامعاني؟
ردِّي عليَّا…بالله عليكي.
لكنَّها بقيت ساكنة.
وبدأ يجهِّز المحلول، ثم ثبَّت الإبرة في يدها بحذرٍ شديد، يخشى أن يؤذيها أكثر.
كانت الدقائق تمرُّ ببطءٍ خانق.
والياس وضي يراقبونه بصمت، بينما هو غارق في معركةٍ مرعبة بين الطبيب الذي يعرف ما يحدث…والابن الذي ينهار لأنَّه السبب.
وبعد وقتٍ طويل…بدأ النبض ينتظم قليلًا.
لكنَّها لم تستفق.
ظلَّ يوسف يحدِّق بها للحظاتٍ طويلة، قبل أن يهمس بصوتٍ محطَّم:
_ليه مش بتفوقي؟.
اقترب إلياس منه بخوفٍ حقيقي:
_هتفوق…صح؟
رفع يوسف رأسه ببطء، وكانت عيناه ممتلئتينِ بعجزٍ لم يعرفه يومًا.
ثم قال بصوتٍ خافت متكسِّر:
_الجسم دخل في حالة استسلام كاملة بسبب الصدمة…
بلع غصَّته بصعوبة:
_هيَّ دلوقتي في غيبوبة إجهاد عصبي.
شهقت ضي ووضعت يدها فوق فمها، بينما شعر إلياس أن الأرض تميد أسفل قدميه.
أمَّا يوسف…
فجلس على الأرض بجوار الأريكة ببطء، كأنَّ جسده لم يعد قادرًا على حمله، ثم أمسك يد والدته بين كفَّيه، وانحنى يقبِّلها بعجزٍ موجع.
وانسابت دموعه فوق يدها دون توقُّف:
_أنا آسف يا ماما…
خرج صوته ميِّتًا، محمَّلًا بندممٍ يمزِّق القلب.
_والله ما كنت أقصد أوجعك كده…
شهق بقوة، ثم أغمض عينيه بألمٍ قاتل.
_قومي بس…وأنا مستعدّ أتحمِّل أي حاجة…إلَّا إنِّك تبعدي عنِّي.
استدار إلياس وجلس بجوارها، ثم رفع عينيه نحو يوسف وقال بصوتٍ أثقله الوجع:
_هطلَّعها الأوضة…وإنتَ كمِّل علاجها فوق، هنا مش هينفع.
قالها بملامحه الجامدة، لكن عينيه تفضحان ألمًا ينهش صدره.
انحنى يحملها بذراعين مرهقتين، حتى كادت أن تنفلت من بين يديه من شدِّة وهنه.
هبَّ يوسف مقتربًا بسرعة، لكن إلياس رمقه بنظرةٍ حادَّة أوقفته مكانه:
_إياك تقرَّب منها…سامعني؟
كلِّ اللي عليك تعالجها…ولو مش قادر حتى على دي، قولِّي أجيب لها دكتور يا دكتور.
نطقها بقسوة متعمَّدة، ثم استدار بها وصعد الدرج بخطواتٍ ثقيلة.
كان يعلم أنَّه يطعن ابنه بكلماته…لكنه أراد أن يهزُّه بعنف، أن ينتشله من ظلام أفكاره الذي يبتلعه حيًّا.
بعد خروجه اقتربت ضي من يوسف بحذر:
_يوسف…
كوَّر قبضته بعنف حتى ابيضَّت مفاصله، وضغط على جفنيه كأنه يحاول سحق أفكاره داخل رأسه.
اقتربت أكثر، وضعت كفَّيها المرتجفتين على كتفه:
_يوسف…اسمعني.
صاح بصوتٍ حادٍّ، بارد:
_ارجعي بيت أبوكي..أنا مبقتش عايزك في حياتي..وهبعت لك ورقة طلاقك،
حياتنا انتهت عند كده.
تجمَّدت لثانية…كأنَّ الكلمات صفعتها..
ثم تقدَّمت حتى وقفت أمامه مباشرة، بينما هو يهرب بعينيه منها، ينشغل بجمع أدواته الطبية داخل الحقيبة بعشوائية.
حدَّقت فيه بصدمةٍ موجوعة:
_هوَّ إنتَ إيه؟!.
إيه الجبروت ده! إنتَ بني آدم إزاي؟!
دفعته في صدره بقوة، فاهتزَّ جسده للخلف.
_قولِّي!
إزاي إنتَ بالقسوة دي كلَّها؟!
دفعة أخرى، أقوى من سابقتها، حتى تراجع خطوةً كاملة..
_مفكَّرني إيه؟!
بتذلِّني ليه؟!
ملعون أبو قلبي اللي مش شايف غيرك…ملعووون!
انفجرت دموعها وهي تصرخ، تضرب صدره بكلِّ وجعها:
_خلاص بقى!
عايز توصل لإيه؟!
إيه اللي ناقص عشان تصدَّقني؟!
دفعته مرَّة ثالثة، ثم شهقت بصوتٍ مكسور:
_القلب اللي ميعرفش يفرَّق بين التمثيل والحقيقة…أنا مش عايزاه!
هزَّت رأسها بعنف، كالمجنونة، وعيناها غارقتان بالخذلان:
_آه بمثِّل عليك…اقتنعت؟!
خلاص خلِّيك مريض بأفكارك!
وأنا هدوس عليك…وعلى قلبي الغبي اللي حبَّك!
قالتها ثم اندفعت خارج الغرفة كالإعصار.
صعدت إلى غرفتها بخطواتٍ متعثِّرة، وأغلقت الباب بعنفٍ اهتزَّت له الجدران.
وقفت في منتصف الغرفة تدور حول نفسها بضياع، أنفاسها متقطِّعة، وعيناها تجوبانِ المكان كأنَّها تراه لأوَّل مرَّة.
منذ ساعات فقط…كانت هذه الغرفة تنبض بهم، بضحكاتهم…همساتهم… نظراته التي كانت تذيب روحها.
هنا كان يقف قريبًا منها، وهنا لامست أنفاسه وجهها، وهنا..وهنا..حتى شعرت بأنَّها الملكة الوحيدة بعالم العشق.
هزَّت رأسها تسحق ما تتخيَّله قائلة:
هل كان كلُّ ذلك كذبًا؟
هل يمكن لقلبه أن يكون بهذه القسوة؟!
هل لم يشعر يومًا بارتجافتها بين ذراعيه؟!
بلهفتها عليه؟!
بعشقها خلف كلِّ نظرة؟!
توقَّفت أمام المرآة، تنظر لانعكاسها بصدمةٍ موجوعة.
قميصها الذي ارتدته لأجله ما زال أسفل إسدالها…
عطرها الذي اختارته بعناية ما زال يحيط بها…
خصلاتها التي صفَّفتها بلهفة…
كلِّ تفصيلة فيها كانت تنتظر ليلة تشبه الحلم.
فضحكت بمرارة، ودموعها تهبط بغزارة.
_يا خسارة…
ثم صرخت فجأة، صرخة خرجت ممزَّقة من أعماق قلبها:
_آآآآه!
التقطت زجاجات عطرها بعنف، وألقتها نحو المرآة.
تحطَّم الزجاج بصوتٍ مدوٍّ، وتناثرت الشظايا والعطور حولها، بينما انعكس وجهها المكسور في عشرات القطع الصغيرة…
كأنها ترى قلبها متحطِّمًا أمامها.
كيف لعاشقٍ أن يحرق محبوبته بتلك الطريقة؟!.
كيف لمن كان وطنًا لقلبها أن يتحوَّل فجأة إلى النار التي تلتهمه؟
_آه…آه…
صرخت بها بصوتٍ ممزَّق، بينما ارتجف جسدها بعنفٍ حتى فقد توازنه، وانهارت فوق الأرضية بين شظايا الزجاج والعطر المنسكب كأنَّ المكان كلِّه ينزف معها.
كانت شهقاتها تخرج مؤلمة… متقطِّعة، كأنَّ روحها تُنتزع من صدرها ببطء.
في الخارج، انتفض إلياس على صوت صراخها، ودلف إلى الغرفة مذعورًا..
تجمَّد مكانه للحظة..
ينظر للمرآة المحطَّمة، والزجاج متناثرًا حولها.
ورائحة العطر تملأ المكان بصورةٍ خانقة.
أمَّا هي…
فكانت جاثية وسط الحطام، تضمُّ نفسها بذراعيها، تبكي بانكسارٍ يهزُّ القلب.
أغمض عينيه بألم، ثم هزَّ رأسه بحزنٍ عميق، واقترب منها سريعًا.
انحنى يرفعها من فوق الأرض برفقٍ أبوي، وكأنَّها قطعة مكسورة يخشى أن تتفتَّت أكثر بين يديه.
وما إن احتواها صدره..حتى انفجرت باكية.
بكت وكأنَّ كل ما تحمَّلته منذ طلاقها خرج دفعةً واحدة.
بكت حتى اختنق نفسها، حتى تشنَّجت أصابعها بثيابه وهي تتشبَّث به كغريق.
ربت إلياس على ظهرها بحنان، وعيناه تمتلئانِ بالعجز:
_أنا آسف يا بنتي…
والله العظيم آسف…
رفعت وجهها إليه، وكان وجهها غارقًا بالدموع، شاحبًا بصورةٍ توجع الروح:
_ليه يعمل فيّا كده يا عمو…؟
ليه كل مرَّة يدبحني بإيده؟
ليه…؟
قالتها ثم شهقت بقهر، وضربت صدرها بيدٍ مرتجفة:
_هوَّ أنا ذنبي إيه غير إنِّي حبِّيته؟!
ذنب قلبي إيه عشان يتحاسب بالعذاب ده كلُّه؟!
ارتعشت شفتا إلياس، ومسَّد على خصلاتها بحنانٍ مرتجف، ثم احتضن وجهها بين كفَّيه يمسح دموعها بإبهاميه:
_بصيلي يا حبيبتي…
اسمعيني كويس.
حاول أن يبدو ثابتًا، لكن صوته خانه في النهاية..
_ارتاحي دلوقتي، وأي حاجة إنتِ عايزاها…أنا هنفذِّهالك.
ضحكت وسط بكائها..ضحكة مكسورة أبكت قلبه أكثر:
_تنفذهالي؟.
هزَّ رأسه بألم.
فاقتربت منه أكثر، وعيناها تصرخان بوجعٍ لا يُحتمل:
_هترجَّعلي قلبي اللي ابنك كسره؟..
هترجَّعلي ضي اللي مبقاش منها غير حطام؟
غير شظايا واحدة اتحرقت بحبُّه؟!
انهار صوتها أكثر، وهمست باختناق:
_أنا كنت بحبُّه أوي يا عمُّو…
أوي لدرجة إنِّي نسيت نفسي معاه… إديته روحي كلها…وهوَّ قتلني.
خرجت كلماتها متكسِّرة، ثم رفعت كفَّها فوق صدرها، تضغط بقوة على قلبها تحاول إيقاف ذلك الألم المفترس الذي ينهشها من الداخل:
_حاسَّة إنِّ قلبي بيتقطَّع، وجع يخلِّيك تتمنَّى الموت دقيقة…بس يهدى.
انهارت وشهقة حارقة من بين شفتيها، فضمَّها إلياس بقوَّة أكبر، حتى كاد يخفيها داخل صدره، وأغمض عينيه بعجز رجلٍ يرى ابنته تُسحق أمامه ولا يملك إنقاذها.
ربت على رأسها بحنانٍ مرتجف وهمس بصوتٍ مبحوح:
_حبيبتي…يا بنتي اهدي، اهدي علشان خاطري.
أنا طول عمري بعتمد على عقلك يا ضي.
سحبها بهدوء على الفراش وساعدها تتمدَّد فوقه بصعوبة، ثم التفت سريعًا نحو الخادمة التي وقفت تراقبهما بقلقٍ وذعر:
_اعملي كوباية عصير وهاتيها بسرعة لمدام ضي.
رمقت الخادمة الغرفة التي تحوَّلت إلى فوضى من شظايا الزجاج والأشياء المحطَّمة، ثم أومأت برأسها مرتبكة: _حاضر يا بيه…
لكن قبل أن تتحرَّك، انتفضت ضي من فوق الفراش فجأة، تشعر بأنَّ بقاءها داخل ذلك المكان يخنقها..
_لا…
أنا هرجع بيت أبويا…
مستحيل أقعد هنا دقيقة واحدة.
أسرع إلياس يوقفها قبل أن تتعثَّر، ممسكًا بذراعها برفق:
_حبيبتي اهدي دلوقتي..ده وقت غضب بس.
يوسف مصدوم…ولمَّا يفوق هيعرف إنُّه غلط، وهيعرف إنُّه ظلمك.
ضحكت ضحكة باكية موجوعة، ثم مسحت دموعها بعنف حتى احمرَّت عيناها، وهزَّت رأسها برفضٍ قاطع..
رفعت حجابها بأصابع مرتجفة فوق رأسها، وأخذت نفسًا متقطِّعًا قبل أن تقول بصوتٍ مكسور:
_مستحيل…
مستحيل أفضل هنا بعد اللي قاله.
ثم تحرَّكت نحو الخارج.
كانت تمشي كأنَّ روحها تُسحب منها مع كل خطوة…خطواتٍ مرتجفة، وجسدٍ يكاد يسقط من شدَّة الانهيار، وقلبٍ ينزف خذلانًا ممن أحبَّته حدَّ الفناء.
تعثَّرت أكثر من مرَّة، حتى اندفع إلياس خلفها بقلق:
_ضي! استني يا حبيبتي…استني أوصَّلك!
لكنَّها لم تلتفت إليه…
خرجت من الفيلا وقلبها يصرخ بداخلها، والهواء البارد يضرب وجهها المبلَّل بالدموع، شعرت لأوَّل مرَّة أن ذلك الرجل الذي أعطته روحها قاسي حدَّ الموت.
عبرت بوابة الفيلَّا الرئيسية بخطواتٍ مكسورة، كأنَّها تخرج تاركةً خلفها حبًّا قتلها ببطء، ورجلًا حطَّم قلبها دون رحمة، وقلبًا لم يعد يعرف كيف ينجو من كلِّ ذلك الألم.
على الجانب الآخر…
كان يوسف جالسًا بأرضية غرفة والدته، كطفلٍ ضائع لفظه العالم بأكمله.
احتضن كفَّيها الباردين بين يديه، ودفن وجهه بهما، و صرخات ضي بالخارج تمزِّق روحه قطعةً قطعة.
كان يسمع بكاءها…وكلُّ شهقة منها كانت تغرس سكِّينًا جديدة داخل صدره.
لكنَّه لم يتحرَّك.
لم يعد يملك القوة ليفعل أي شيء.
بكى…بكاءُ رجلٍ خسر كلَّ شيءٍ دفعةً واحدة، رجلٍ خسر الحب، والأمان، وملاذه الأخير بنفس الليلة.
ارتجف جسده بعنف، من صراخها وكلماتها مع والده.
هنا رفع وجهه ببطء نحو والدته المسجَّاة أمامه، يتأمَّل ملامحها الشاحبة بعينينِ غارقتينِ بالخذلان، وكأنَّه ينتظر منها أن تفتح عينيها…أن تربت على رأسه ككلِّ مرَّة…أن تقول له أنَّ الأمور ستصبح بخير.
لكن الصمت كان أقسى من أي إجابة.
ابتلع شهقة موجوعة، ثم همس بانهيارِ طفلٍ لا رجل:
_ماما..آسف.
تكسَّرت الكلمات داخل حلقه، وانحنى أكثر فوق كفَّيها يحتمي من ذلك الوجع الذي يلتهمه حيًّا.. منذ طفولته…
وهو لم يعرف معنى الطمأنينة يومًا.
الحياة كانت تقسو عليه وكأنَّها تنتقم منه لذنبِ وجوده بها.
كلَّما شعر بالأمان…سُحق قلبه بطريقةٍ أبشع.
حتى أصبح يؤمن داخله أنَّه رجلٌ محرَّم عليه الفرح…وأنَّ الدنيا كلَّما منحته شيئًا جميلًا، تعود لتأخذه منه بوحشيةٍ أكبر.
دلف إلياس إلى الغرفة بخطواتٍ بطيئة، لكنَّه توقَّف حين وقعت عيناه على يوسف.
رآه جالسًا أسفل الفراش، يحتضن يد والدته كالغريق، ودموعه تنهمر بلا توقُّف، بلا كبرياء، بلا قوة…كأنَّ كلَّ ما بداخله انهار أخيرًا.
كانت عيناه متعلِّقة بوالدته بطريقة مزَّقت قلب إلياس نفسه
نظر لكفِّه المتشبِّث بوالدته، وعيناه التي لم تتزحزح عليها..شعر بالحزن عليه، ينظر إليه متسائلًا..أين ذلك الشاب الذي كان يظنُّه دائمًا صلبًا… بدا الآن هشًّا حدَّ الانكسار.
فتح إلياس فمه وكأنَّه سيقول له شيئًا، أي شيء…لكنَّه عجز.
لأول مرَّة، لم يجد كلمات تنقذ ابنه.
تراجع للخلف بصمت، وأغلق الباب بهدوء، تاركًا يوسف غارقًا وسط انهياره، و صوت بكائه الخافت يتسلَّل من خلف الباب كأنين
مرَّر إلياس يده فوق وجهه بإرهاق، ثم تحرَّك بخطواتٍ ثقيلة خارج الفيلَّا، واتجه إلى منزل أرسلان…
وقلبه مثقل بشعورٍ مرعب، وقبل أن يتحرك
اتَّجه إلى هاتفه وصدره يعلو ويهبط بعنف من شدَّة الغضب، حتى شعر بتوقُّف نبص قلبه، ضغط على رقم بلال سريعًا:
_بلال..انزل خد أختك عندك الليلة.
اعتدل بلال بفزع:
_فيه إيه يا عمُّو!! مالها ضي؟
أغمض عينيه يحاول السيطرة على انفجاره:
_اتخانقت مع يوسف…المهمِّ خدها عندك للصبح لمَّا أتكلِّم معاه.
_حاضر.
أغلق الهاتف، فخرجت رولا من المطبخ تمسح يديها:
_بلال، رايح فين؟
أشار إليها بارتباك:
_راجع حالًا يا حبيبتي.
ثم اندفع للخارج بخطواتٍ سريعة، وقلبه يخفق بشعورٍ ثقيل لا يفهمه.
تباطأت خطواته فجأة وتجمَّد مكانه وهو يراها تسير بخطواتٍ مترنِّحة، وكأنَّ جسدها لم يعد يحملها، ذراعها تحتضن نفسها بألم، ووجهها شاحبًا بصورةٍ أخافته.
ركض إليها فورًا، حتى توقَّف أمامها: _ضي؟!.
رفعت عينيها إليه، نظرة واحدة كفيلة بأن تمزِّق قلبه.
ضياع كامل…انكسار امرأة لم يعد بداخلها شيء يحتمل.
ارتجفت شفتاها، ثم خرجت منها شهقة موجوعة، شهقة بدت وكأنَّها خرجت من قلبٍ يُذبح ببطء.
فتح ذراعيه، فانهارت داخله بلا مقاومة.
ضمَّها بقوة، ويده تربت على ظهرها المرتعش:
_اهدي…اهدي يا حبيبتي، أنا معاكي.
تعلَّقت بكفَّيه تبكي بصمت مؤلم، ثم همست بصوتٍ متقطِّع:
_أنا تعبت أوي يا بلال…والله تعبت…
شعر وكأنَّ شيئًا حادًّا انغرس بصدره.
قبل أن ينطق، ارتخى جسدها فجأة بين ذراعيه.
_ضي!
التقطها قبل أن تسقط، ثم ضمَّها إلى صدره بخوفٍ حقيقي، واندفع بها نحو منزله.
كانت رولا تقف أعلى الدرج، وما إن رأته يحمل ضي الغائبة عن الوعي حتى شهقت بفزع:
_يا نهار أبيض! مالها ضي، إيه اللي حصل؟
لكنَّه لم يجب…ملامحه وحدها كانت كافية لتخبرها أنَّها لم تكن بخير.
وضعها فوق الفراش بحذرٍ شديد،
جلس بجوارها، يربت على وجنتها بخفَّة:
_ضي…فوقي يا حبيبتي..قام بالكشف عليها ثم حاول إفاقتها.
وبعد لحظات بدأت تستعيد وعيها ببطء، كانت أنفاسها متقطِّعة وعيناها غارقتانِ بالدموع.
اتَّجه بحديثه إلى رولا دون أن يرفع عينيه عنها:
_رولا…اعمليلها عصير بسرعة.
أسرعت رولا للخارج، بينما اقترب بلال أكثر، ثم سحب أخته إلى صدره بحنانٍ بالغ، يحاول جمع شتاتها بين ذراعيه:
_إيه اللي حصل يا قلب أخوكي؟ يوسف زعَّلك؟
انهارت مرَّةً أخرى وكأنَّ اسمه ألهب جراحها.
دفنت وجهها بصدره تبكي بصمتٍ موجع، بكاءٍ مكتوم كان أقسى من الصراخ نفسه.
أغمض بلال عينيه بألم، وشعر بعجزٍ يخنقه…أخته التي طالما كانت قوية، تنهار الآن بين يديه بهذا الشكل.
ظلَّ يمسِّد على ظهرها بحنان، و يده الأخرى تمرُّ فوق خصلاتها برفق: _خلاص…خلاص اهدي حبيبتي.
دخلت رولا تحمل العصير، وعيناها مليئتانِ بالقلق.
ساعدها بلال على الارتشاف، فشربت القليل بصعوبة، ثم أعاد الكوب ووضع كفَّيه حول وجهها، يمسح دموعها بإبهامه بحنانٍ أخوي موجع:
_ممكن نبطَّل عياط شوية؟ مينفعش تنامي وإنتِ معيَّطة كده.
نظرت إليه بعينينِ متورِّمتين من البكاء، ثم وضعت رأسها على كتفه، وشهقاتها ما زالت تهزُّ جسدها، ضمَّها أكثر إليه:
_قولت إيه؟ نبطَّل عياط..عشان خاطري.
شيئًا فشيئًا…هدأت شهقاتها.
تمدَّدت فوق الفراش تحتضن الوسادة، بينما بقي بلال جالسًا بجوارها، يراقبها بصمتٍ موجوع، إلى أن غلبها النوم أخيرًا، ودموعها ما زالت عالقة فوق خدَّيها.
تنهَّد بألم، ثم جذب الغطاء يدثِّرها جيِّدًا، وأبعد خصلة شعرٍ التصقت بوجهها.
وقف ببطء واتَّجه للخارج.
كانت رولا تنتظره عند الباب، وما إن خرج حتى همست بقلق:
_إيه اللي حصل؟
مرَّر بلال يده فوق وجهه بإرهاقٍ شديد، ثم سحبها بعيدًا عن الغرفة حتى لا يوقظ ضي.
وقال بصوتٍ منخفضٍ مثقلٍ بالغضب والاختناق:
_معرفش…بس اللي أعرفه إنِّ أختي عمرها ما وصلت للحالة دي إلَّا وهيَّ مكسورة حقيقي..يا خوفي للغبي يكون طلَّقها تاني.
شهقت رولا تهزُّ رأسها بالنفي.
بينما بلال نظر ناحية الغرفة المغلقة، وعيناه تشتعلان:
_ياترى إيه اللي حصل؟...
خرج السؤال من رولا بصوتٍ مرتجف، وعيناها لا تزالان معلَّقتين بباب الغرفة..
أشار لها بلال بهدوءٍ متعب:
_خلِّي بالك منها…لمَّا أشوف إيه اللي حصل.
أومأت بصمت، تجمَّعت الدموع داخل عينيها وهي تتذكَّر هيئة ضي المنهارة بين ذراعيه منذ قليل…لم تكن مجرَّد باكية، كانت وكأنَّ روحها انسحبت منها بالكامل.
انتبه بلال لارتجاف رولا، فسحبها إليه برفق، يضمُّ رأسها إلى صدره:
_حبيبتي…إن شاء الله مفيش حاجة كبيرة.
ثم مرَّر كفِّه فوق شعرها بحنانٍ يحاول به طمأنتها رغم اضِّطرابه هو الآخر:
_إنتِ عارفة ضي..لمَّا بتزعل من يوسف بتنهار بسرعة.
رفعت وجهها إليه وعيناها ممتلئتانِ بالخوف:
_أنا خايفة يكون طلَّقها…
توقَّفت أنفاسها للحظة، ثم همست بانكسار:
_ضي متنهارش بالشكلِ ده إلَّا لو الموضوع كبير أوي.
سقطت الكلمات فوق صدر بلال كالحجارة.
ابتعد عنها قليلًا، وملامحه تنطفئ تدريجيًّا مع الفكرة التي ضربت رأسه فجأة…
يوسف عرف..
عرف الحقيقة التي أخفوها طويلًا… حقيقة معرفتهم عجزه عن الإنجاب.
زفر ببطء، لكنَّه فشل في إخراج الاختناق المحبوس داخله، ثم تمتم بصوتٍ خافتٍ يكاد لا يُسمع:
_شكله عرف…ولَّا إيه؟…
رفعت رولا عينيها إليه، بينما هو كان شاردًا..
قبض على فكِّه بقوة، ثم تحرَّك نحو الخارج
أمَّا رولا…
فوقفت مكانها للحظات، وقلبها يزداد خوفًا، قبل أن تدلف بهدوءٍ إلى داخل الغرفة.
نظرت لوجه ضي الشاحب، كانت تنام بسكونٍ مؤلم، وكأنَّ النوم لم يكن راحة…بل هروبًا من وجعٍ لم تعد قادرة على احتماله.
اقتربت رولا منها ببطء، وجلست جوارها.
تأمَّلت آثار الدموع الجافَّة فوق خدَّيها، وانتفاخ عينيها، وأنفاسها المتقطِّعة حتى وهي نائمة…
ثم همست بألم:
_يا وجع قلبك يا ضي…
مدَّت يدها تمسِّد فوق شعرها بحنان، هنا شعرت بغصَّة تخنقها…وتذكَّرت حياتها في بداية زواجها..
بقصر الجارحي…
خرج حمزة من الحمَّام يجفِّف خصلاته بالمنشفة، لكن خطواته توقَّفت حين وقعت عيناه على شمس النائمة فوق الفراش.
ظلَّ واقفًا للحظات يتأمَّلها بصمت…
كانت نائمة بهدوءٍ طفولي، تحتضن الوسادة الصغيرة، انسدلت خصلاتها حول وجهها الناعم بعشوائية جعلتها تبدو أكثر طفوليَّة.
اقترب منها ببطء، ثم جلس على طرف الفراش، وعيناه لا تفارقان ملامحها.
مدَّ يده يزيح خصلةَ شعرٍ عن وجنتها، فابتسم دون شعور…
لتعود به الذاكرة لذلك اليوم…اليوم الذي تبدَّلت فيه حياته بالكامل.
حين عاد من السفر مرهقًا، لكن التعب تلاشى فور دخوله القصر.
كان المكان هادئًا بصورةٍ غير اعتياديَّة ، عقد حاجبيه وهو يبحث بعينيه عن والديه، قبل أن تظهر شمس أمامه بابتسامتها البريئة المعتادة:
_حمد الله على السلامة يا حبيبي.
لم يمهلها ثانية واحدة…
فتح ذراعيه يسحبها إليه بقوة، يشتاقها حدَّ الاختناق.
دفن وجهه بعنقها وهمس:
_وحشتيني أوي يا شمسي.
ضحكت بخفَّة بين ذراعيه:
_وإنتَ كمان وحشتني.
رفعها عن الأرض يدور بها، بينما عيناه تلتهمان تفاصيلها بشوق:
_عاملة إيه يا روح حمزة؟
_كويسة.
أنزلها أخيرًا، ثم جال بنظراته في القصر:
_هوَّ مفيش حد ولَّا إيه؟
فركت أصابعها بتوتُّر خفيف:
_عمُّو وطنط سافروا لعمُّو فاروق وملك…وهييجوا بعد يومين، وعمران قال هيبات في شقِّته النهاردة.
قطب جبينه باستغراب:
_يبات برَّة ليه!! فيه حاجة؟
هزَّت كتفيها وهي تحاول إخفاء ارتباكها:
_يمكن اتكسف، يسيبنا لوحدنا.
ضحك بخفوت، ثم حاوط خصرها مقتربًا منها:
_طيب وأنا مالي بعمران دلوقتي؟ أنا واحد غبي صح.
خجلت تدفن رأسها بصدره..
احتوى وجهها يلتهم تفاصيلها باشتياق:
_وحشتيني أوي.
طبعت قبلة على خدَّيه، ثم
أشارت للأعلى بسرعة:
_اطلع خد شاور سريع، لحدِّ ما أجهَّز الأكل.
طبع قبلة طويلة على وجنتها قبل أن يصعد، بينما وضعت هي يدها فوق قلبها تحاول تهدئة نبضاته المتسارعة.
بعد قليل…
هبط للأسفل وهو يجفِّف شعره.
توقَّف ينظر للأطباق المصفوفة بدهشة:
_إيه ده عشا ولَّا احتفال؟!.
اقتربت منه شمس بابتسامةٍ متوتِّرة، ثم أشارت نحو علبة صغيرة مزيَّنة أمامه:
_افتح دي الأوَّل.
نظر لها باستغراب، ثم جلس يفتح العلبة ببطء…
أخرج منها حذاءً صغيرًا للغاية… وجوربًا أبيض بحجم كفِّه تقريبًا.
ظلَّ يقلِّبهما بين أصابعه بعدم فهم:
_إيه دول يا روحي!! جزمة بيبي وشرابه؟
عضَّت شمس شفتها بخجل، ثم أبعدت عينيها عنه وهي تفرك كفَّيها بتوتر.
ضيَّق عينيه أكثر…
حتى وقعت عيناه على الكلمات الصغيرة المكتوبة فوق الجورب:
"أحلى بابا."
تجمَّد جسده، ثم ارتفعت عيناه إليها ببطء، وكأنَّ عقله لم يستوعب بعد ما يحدث.
_شمس…
خرج اسمها مرتجفًا من بين شفتيه.
نهض واقترب منها خطوة، وعيناه تتسعان بصدمة ممزوجة بفرحةٍ هائلة حين اخترقت الكلمات عقله:
_إنتِ…إنتِ حامل؟!
ضغطت على أسنانها بخجلٍ شديد، ثم هزَّت رأسها ببطء.
لحظة…اثنتان…ثلاث…
تجمَّدت ملامحه للحظة…كأنَّ الزمن توقَّف حوله، وكأنَّ عقله عاجزًا عن استيعاب تلك الهبة التي وضعتها الحياة بين يديه.
نظر إلى الجورب الصغير مرَّةً أخرى، ثم إليها…إلى المرأة التي أحبَّها أكثر من نفسه، والتي اختارها الله لتكون أمَّ طفلِه.
ارتجفت شفتاه، بينما امتلأت عيناه بدموعٍ لم يحاول إخفاءها هذه المرَّة.
اقترب منها ببطء، وكأنَّ قلبه يسير قبل خطواته، ثم وضع كفِّه المرتجف فوق بطنها وهمس بصوتٍ مختنق:
_يعني فيه حتة منِّي ومنِّكِ جوَّاكي دلوقتي…؟
أغمض عينيه للحظة، وزفر أنفاسًا مرتعشة، قبل أن يضحك وسط دموعه كمن رُزق الدنيا بأكملها.
وفجأةً انفجر ضاحكًا بصوتٍ مرتفع، ضحكة خرجت من أعماق قلب رجلٍ امتلأ بالسعادة حتى الاختناق.
حملها فجأة بين ذراعيه يدور بها بجنون:
_الله! الله! هكون أب! أنا هكون أب يا شمس!
ضحكت بخوف وهي تتعلَّق بعنقه:
_حمزة نزِّلني! هتوقَّعني!
لكنَّه كان كطفلٍ حصل على الدنيا كلَّها:
_يا حاج إسحاق! هتبقى جد!
لكزته بخفَّة وسط ضحكاتها:
_باباك مش هنا يا مجنون!
أنزلها أخيرًا بحذرٍ شديد، يشعر بأنها شيئًا ثمينًا يخشى عليه من الهواء نفسه.
احتوى وجهها بين كفَّيه، وعيناه ممتلئتانِ بلمعةٍ غريبة…لمعة رجلٍ شعر أنَّ الله منحه الحياة كاملةً في امرأةٍ واحدة.
انحنى يقبِّلها قبلةً طويلة، ممتلئة بالحبِّ واللهفة والامتنان، وكأنه يحاول أن يخبرها بكلِّ ما يعجز عنه الكلام.
ابتعد عنها بعد لحظات، وظلَّ يتأمَّل وجهها بصمت…
ثم تكوَّرت الدموع بعينيه دون إرادة.
ابتسمت شمس بتأثُّر:
_حمزة…
هزَّ رأسه سريعًا وهو يضحك وسط دموعه:
_أنا بحمد ربِّنا أوي…أوي يا شمس.
ضمَّ جبينه إلى جبينها وهمس بصوتٍ مختنقٍ من فرط مشاعره:
_إنتِ أكبر نعمة ربِّنا رزقني بيها.
ثم مرَّر يده برفق فوق بطنها، وكأنَّ بداخله كنز يخشى حتى لمسه:
_ودي أجمل هدية أخدتها في عمري كلُّه.
رفع عينيه إليها مجدَّدًا، مليئتينِ بعشقٍ خالص:
_شمسي الغالية…وحياتي كلَّها…
ثم قبَّل جبينها بحبٍّ عميق وهمس: _مبروك علينا البيبي يا روح قلبي.
جلس وسحبها فوق ساقيه، ينظر للطعام:
_لا كدا لازم تاكلي الأكل دا كلُّه يا روحي.
لكزته بخفَّة:
_ليه إن شاءلله، مفكَّرني معزة!.
أطلق ضحكات مرتفعة، يضمُّها إليه:
_معزة...معزة إيه يا معزة، حتى اختيارك صغنَّن زيك.
حاوطت عنقه وتبسَّمت، ظلَّ يطعمها حتى أمسكت بطنها:
_كفاية يا حمزة بطني وجعتني.
قبَّلها قبلة سريعة فوق شفتيها، ثم حملها وصعد بها:
_لازم الرَّاحة ثم الرَّاحة ثم الرَّاحة.
تعلَّقت بعنقه تدفن رأسها بعنقه تشعر بالسعادة تغمرها، وضعها فوق الفراش كأنَّها أغلى ما يملك ولما لا وهي بالفعل كنزه الغالي.
رفع هاتفه وهو يغمز إليها:
_لازم أبارك لجدوده مش كدا ولَّا إيه؟.
تعلَّقت بذراعيه تبتسم، قام الاتصال أوَّلًا بإسحاق:
_جدُّو إسحاق، هربت يا جدُّو، متفكَّرش هتهرب كتير.
ضحك إسحاق على الجانب الآخر:
_مبروك يا متخلِّف.
_مقبولة يا إسحاق، مش مهم، دا حفيد إسحاق الجارحي، يعني الليلة القصر دا يكون باسمه.
_وماله يا حلوف، مش عايز أكتب أبوك باسمه؟.
_وأنا هعمل بيك إيه إن شاءلله؟.
ضحك إسحاق، خطفت دينا الهاتف:
_مبروك يا حبيبي، يتربَّى في عزَّك وعزِّ جدُّو.
_الله يبارك فيكي يا حبيبتي، هوَّ لازم تلزيق وخلاص لجدُّو، المهم يا ماما، هدايا ابني توصلِّي قبل الصبح، قولي لجوزك هفضحه في الجزيرة.
_حلوف مادِّي.
احتضنت شمس ذراعه تضحك برقَّة، غمز إليها بعد أن أغلق مع والده:
_استني الدور على إلياس، لازم أفلِّسه.
قهقهت تضرب كفَّيها ببعضهما..
لحظة حتى ردَّ إلياس سريعًا، خوفًا إن أصاب ابنته شيئًا:
_إيه حبيبي؟.
_مبروك يا جدُّو، أظن مش هتبقى جد ببلاش، جدُّو إلياس، كلِّ حرف بميزان عند الباشا الصغير.
جزَّ إلياس على شفتيه، كاد قلبه أن يقفز رعبًا على حفيده:
_إيه يا حلوف، بقى تخضِّني على البنت وإنتَ تافه، يا تافه.
_مش مهم، المهم هدية الباشا الصغير توصل قبل الصبح، يا إمَّا مفيش جدُّو إلياس همسحك من العيلة.
أغلق إلياس الهاتف بوجهه، نظرت ميرال إليه:
_ماله حمزة؟.ضحك يشير للهاتف:
_حيوان متِّصل وعايز هدية للبيبي.
ضحكت بصوتٍ مرتفع، حتى رمقها بغمزة:
_ما خلاص يا تيتا، الحلوف جوز بنتك بيقولِّي لو مفيش هدية هشطب جدُّو إلياس.
غفت شمس بجواره أخيرًا، بعد ليلةٍ طويلة امتلأت بضحكاتها وخجلها ودموع فرحتها، بينما ظلَّ هو مستيقظًا يتأمَّلها وكأنَّ قلبه لا يصدِّق حتى الآن أنَّ الله اختاره ليعيش كلَّ هذا.
مدَّ يده يمرِّرها فوق خصلاتها برفق، ثم انحنى يطبع قبلةً طويلة فوق جبينها وهمس:
_الحمدلله عليكِ…وعلى النعمة اللي جاية منكِ.
ظلَّ للحظات يتأمَّل ملامحها النائمة بعشق، قبل أن ينهض بهدوء حتى لا يوقظها.
بعد ساعة…
كان يقف داخل أحد محلَّات المجوهرات، وعيناه تتنقَّلان بين التصاميم بشرودِ عاشقٍ يريد أن يصنع ذكرى لا تُنسى.
ثم توقَّفت عيناه على السلسال ذاته الذي صمَّمه لشمس سابقًا… شمس صغيرة من الذهب.
ابتسم وقال:
_عايز قمر جوَّاها…
رفع الجواهرجي رأسه إليه باستفهام، بينما تابع حمزة وعيناه تلمعان بحبٍّ هائل:
_قمر صغير…متزيَّن بالألماس والياقوت.
ابتسم الرجل وهو يبدأ التنفيذ، بينما حمزة كان يتخيَّل السلسال حول عنقها…شمسه التي تحمل قمَرهما القادم.
لم يكتفِ بذلك…
اتَّجه بعدها إلى أحد المتاجر، واشترى عشرات البالونات البيضاء والذهبية، ثم عاد للقصر وقلبه يخفق بحماسِ طفلٍ ينتظر مفاجأته المفضَّلة.
أعطى تعليماته سريعًا للحرس، ثم صعد إلى جناحهما بخطواتٍ متلهِّفة.
دلف للداخل…
فوجدها قد استيقظت.
كانت تجلس أمام المرآة تجمع خصلاتها بنعاس، و ملامحها ما زالت تحمل أثر النوم.
رفعت رأسها إليه بابتسامتها الهادئة:
_كنت فين يا حبيبي؟
ابتسم دون رد…
اتَّجه إليها، وأمسك كفَّيها بحنان، ثم وضع وشاحًا خفيفًا فوق كتفيها:
_تعالي معايا.
نظرت إليه باستغراب، لكنَّه لم يمنحها فرصة للسؤال.
قادها إلى الشرفة…
وما إن فتحت عينيها جيِّدًا حتى توقَّفت أنفاسها.
سماء القصر بالكامل كانت مضيئة بالألعاب النارية…
ألوان متداخلة تزيِّن الليل بصورةٍ ساحرة، بينما ارتفعت عشرات البالونات للسماء ببطءٍ بعد إشارةٍ منه لرجال الأمن.
كلُّ هذا جعل قلبها يرتجف حقًّا، نظرت لاسمها كان مضيئًا وسط السماء.
"شمس"
حروف مضيئة وكأنَّ الليل كلِّه ينطق باسمها.
شهقت بصدمة، ثم رفعت كفَّيها فوق شفتيها غير مصدِّقة.
لمعت عيناها بدموع السعادة، واستدارت إليه بسرعة تحتضنه بقوة:
_حمزة…
ضحك بخفوت وهو يرفعها بين ذراعيه حتى أصبحت بمستوى قلبه تمامًا.
نظر إليها وكأنه امتلك العالم كلِّه، ثم قبَّلها بعشقٍ عاصف، قبلة طويلة جعلتها تفقد أنفاسها تدريجيًّا، بينما يداه تضمُّها.
ابتعد عنها أخيرًا، وأنفاسه تختلط بأنفاسها، ثم وضع جبينه فوق جبينها وهمس:
_بحبِّك أوي يا شمسي…أكتر ممَّا قلبي قادر يستوعب.
ثم أخرج العلبة الصغيرة من جيبه، وفتحها أمامها ببطء.
اتَّسعت عيناها فور رؤيتها للسلسال.
كانت الشمس الذهبية نفسها…لكن بداخلها هذه المرَّة قمر صغير يلمع بالألماس والياقوت.
ارتجفت شفتاها تأثُّرًا.
اقترب منها يلبسها السلسال، ثم مرَّر أصابعه فوق القمر الصغير وهمس بصوتٍ اختنق من فرطِ الحب:
_قمرنا…بإذن الله.
انهمرت دموعها هذه المرَّة دون مقاومة.
رفعت وجهها إليه، تنظر له وكأنها ترى أعظم رجلٍ بالحياة، ثم طبعت قبلة طويلة فوق وجنته وهمست:
_ربِّنا يديمك نعمة لقلبي يا حمزة.
ضمَّها إلى صدره بقوة، بينما الألعاب النارية ما زالت تزيِّن السماء خلفهما، وكأنَّ الكون كلِّه يحتفل بعشقهما… وبالروح الصغيرة التي بدأت تنمو بينهما.
خرج حمزة من شروده أخيرًا…
وعاد ينظر إلى شمس النائمة جواره.
ابتسم بحبٍّ عميق، ثم اقترب منها ببطء، يحتضنها من الخلف واضعًا يده فوق بطنها بحنانٍ لا يوصف.
أغمض عينيه، والسعادة تحيط بقلبه بهذا الكمال…
بعد شهر بمنزل أرسلان..
توقَّفت أمام المرآة تنهي ارتداء ملابسها، دلفت والدتها إليها:
_إنتي خارجة حبيبتي؟.
هزَّت رأسها دون حديث، ثم سحبت أحمر الشفاه وزيَّنت شفتيها، اقتربت والدتها منها:
_ناوية على إيه؟.
جمعت أشياءها في حقيبتها:
_نازلة شغلي يا ماما، كفاية كسل بقالي خمس شهور إجازات، ضيَّعت فرص كتيرة.
احتضنت وجهها تنظر إليها:
_برافو عليكي، أنا نفسي ترجعي زي زمان، مفيش حاجة توقَّعك.
ابتسامة حزينة ولمعت عيناها بالدموع:
_مبقاش فيَّا حتة سليمة يا ماما، بنت متكسَّرة، بحاول ألملم نفسي.
_ضي حبيبتي، إحنا كنَّا متوقَّعين ردِّة فعل يوسف العنيفة لو عرف، علشان كدا عمِّك مكنش عايزه يعرف.
_ماما الموضوع انتهى خلاص.
_يعني إيه حبيبتي؟.أنا سمعت عمِّك بيتكلِّم مع باباكي وبيقول مستحيل يوافق على الطلاق.
_ماما هتأخَّر على شغلي، أنا بلَّغتهم هنزل النهاردة.
توقَّفت أمامها:
_نور طبعًا هيكون موجود مش كدا؟.
_ما يهمنيش يا ماما.
_لازم يهمِّك، الموضوع مبقاش زي الأول، نبعد عن الشرِّ ونغني له يا بنتي، بلاش منه جوزك لو عرف مش هيسكت.
_ماما انا مابقتش متجوزة، ومش معنى إنُّه ما بعتش ورقة الطلاق، يبقى علاقتنا هترجع تاني، انسي أنا لازم أشفي نفسي من الحب، ما بقتش عايزة أسمع الكلمة دي تاني.
_كان ممكن أقولِّك أه، وأنا بتمنَّى، بس اللي سمعته من أبوكي زعَّلني منك يا ضي، فيه واحدة متربية تقول لابن عمَّها حتى لو بتكرهه الكلام دا، جبتي القسوة دي كلَّها منين يا بنت غرام؟.
_ماما لو سمحتي، كفاية تقطيع فيَّا، وأنا كنت أعرف منين إنُّه طلَّقني علشان كدا.
_حتى ولو يا بنت غرام، دا قبل ما يكون جوزك فهوَّ ابن عمِّك، دا أنا من يوم ما دعيت عليه بأنِّب نفسي وبتمنَّى ربِّنا يسامحني، لو سمعت حد بيدعي عليكوا ببقى عايزة أخنقه، تخيَّلي دعيت عليه قدَّام أمُّه وقلبها مكسور عليه ومقدرتش تنطق، وجيتي إنتي كمِّلتي أفعال أمِّك..
عارفة إن ردُّه عنيف، بس حطِّي نفسك مكانه، اوقفي يا بنت أرسلان مكانه وشوفي ردِّ فعلك إيه لمَّا يسمع كلامك وبعد كدا يعرف إنِّك عارفة، والله لو حلفتي على الميَّة تجمد ما هيصدَّقك.
تنفَّست باختناق تنظر لوالدتها:
_ماما...ممكن تسبيني أروح شغلي، ولَّا أخلع هدومي وأرجع أنام تاني؟.
ربتت على كتفها بحنان:
_لا حبيبتي..روحي شغلك ربِّنا يوفَّقك.
خرجت بعد دقائق، تتَّجه نحو سيارتها بخطواتٍ جامدة تخفي خلفها انهيارًا كاملًا.
ما إن تجاوزت بوَّابة المنزل حتى ارتدت نظارتها سريعًا، وكأنها تحتمي بها من العالم…ومنه هو تحديدًا..حين وجدته يدلف بسيارته داخل الكمبوند، اتَّجه بنظراته إليها..
استقلَّت سيارتها دون أن تلتفت نحوه، بينما ارتجف جسدها بعنف، واختنق حلقها بغصَّة حارقة.
وضعت يديها فوق المقود، تحاول السيطرة على ارتعاش أناملها، أدارت المحرِّك بصعوبة…
وفي اللحظة ذاتها، أوقف سيارته وترجَّل منها، لتقع عيناه على أضواء سيارتها المشتعلة..كأنَّها ستغادر المكان.
تجمَّد لثانية…
ثم اندفع بخطواتٍ نحوها، يجب الحديث معها، لكنَّها لم تمنحه حتى فرصة واحدة.
انطلقت بسيارتها خارج الكمبوند..
وقف يراقب اختفاءها، وعيناه معلَّقتان بسيارتها حتى اختفت تمامًا.
استدار مع دلوف سيارة بلال إلى الداخل، وبرفقته رولا.
ترجَّل بلال أوَّلًا، ثم التفت يساعد زوجته على النزول، قبل أن يرفع عينيه نحو يوسف.
رمقه بنظرةٍ صامتة…ثم تحرَّك بجوار زوجته دون حتى أن يمنحه كلمة واحدة.
أمَّا يوسف…فاكتفى بالصمت.
تحرَّك ببطء نحو منزل والده، ومنه صعد مباشرةً إلى غرفة والدته، يأتيها كلَّ يومٍ يطمئن عليها دون حديثٍ بينهما، يعلم أنَّها تكون مستيقظة ولكنها تهرب بتصنُّعها النوم، شهرًا كاملًا انقلبت بها حياتها وكأنَّ الحياة تعاقبه ككلِّ مرَّة.
طرق الباب بخفَّة، وما إن سُمح له بالدخول حتى دلف للداخل.
كانت رحيل تساعد ميرال على الاستلقاء، اقترب من والدته وهو ينظر إلى رحيل ملقيًا السلام.
تناول جهاز قياس الضغط، وبدأ يفحص مؤشِّراتها دون أن ينطق بكلمةٍ واحدة.
قالت ميرال بهدوءٍ متعب:
_ رحيل…سبيني مع يوسف شوية.
أومأت رحيل ثم قالت برفق:
_ هروح البيت أشوف آسر…أصله هيسافر سوهاج بالليل.
غادرت الغرفة بهدوء، لتسود لحظة صمت موجعة بين الأمِّ وابنها.
أشارت له ميرال أن يجلس.
جلس أمامها مباشرة، وعيناه متعلِّقتان بوجهها الشاحب.
فهمس متسائلًا:
_ حاسَّة بإيه دلوقتي؟
أجابت:
_كويسة الحمد لله.
استدار بكامل جسده نحوها، ثم قال بصوتٍ خافت اختلط بالندم:
_ماما…أنا عارف إنك زعلانة منِّي… وعارف إنِّي قسيت عليكي بالكلام.
أنا آسف…متزعليش منِّي.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت بصوتٍ يحمل وجع عمرٍ كامل:
_ ما قولتش حاجة غلط يا يوسف… إنتَ قولت الحقيقة كلَّها.
ثم تنهَّدت وأضافت:
_ المهم…كنت عايزة أقولَّك حاجة.
سافر تاني يا ابني…ارجع لمكان ما كنت، ومتخافش…مش هنطلب منك ترجع تاني، وانسى إنِّ ليك أم كأنَّها ماتت من وقت ماسا بتك طفل.
انتفض قلبه بعنف.
رفع رأسه إليها بسرعة:
_ ماما…ارتاحي دلوقتي، وبعدين نتكلِّم.
لكنها نظرت إليه بعينين سُحبت منهما الحياة، وقالت بصوتٍ مرتعش:
_ سافر يا يوسف…وربِّنا يوفَّقك.
وزي ما قولت لك اعتبر إن أمَّك ماتت… زي زمان.
هنا شعر وكأنَّ أحدهم غرس سكِّينًا مباشرةً في صدره.
شحب وجهه بالكامل، وارتجف جسده بعنف، حتى شعر أن قلبه توقَّف للحظة.
هبَّ من مكانه فورًا، وجلس بجوارها يسحبها إلى أحضانه بقوة، ويخشى أن تضيع منه فعلًا.
_ بعد الشرِّ عليكي…متقوليش كدا أبدًا.
انفجرت بالبكاء داخل حضنه، و قالت بصوتٍ ممزَّق:
_ حاولت أحميك…ومكنتش أعرف إني بموِّتك بإيديا.
أغمض عينيه بقوة، ثم ضمَّ وجهها وقبَّل جبينها قبلةً طويلةً مرتجفة، وانسدلت دمعةً حارَّة من عينيه فوق بشرتها.
دمعةُ رجلٍ تمنَّى لو أنها قادرة على محو كلِّ ما فعله بها.
ضمَّها لصدره أكثر، وهمس بصوتٍ مخنوق:
_ إنتِ متعرفيش إنتِ بالنسبالي إيه…
أنا آسف…عارف إنِّي وجعتك.
أوعدك مش هزعَّلك تاني…بس ارجعي لينا، البيت من غيرك ضلمة… وضحكتك هيَّ اللي كانت منوَّرة حياتنا، مفيش روح في بيتنا ودنيتنا.
ابتعد قليلًا ينظر لعينيها المبلَّلتين، وحاول استعطافها بأخته:
_ شمس حامل ومحتاجاكي جنبها… وأنا كمان محتاجك يا ماما.
ولو مش عايزاني أسافر تاني…أوعدك مش هعملها.
نظرت له وكأنَّ روحها عادت إليها قليلًا، ثم همست:
_ بجد يا يوسف؟ يعني مش زعلان من أمَّك؟ أُمال ليه أبوك بيقول إنَّك بتجهِّز ورقك وهتسافر؟.
أمسك كفَّيها سريعًا وقبَّلهما بحبٍّ موجوع:
_ لو إنتي عايزة، أنا مين أصلًا علشان أزعل منك يا ستِّ الكل؟
كلمتين قولتهم وقت غضبي..
أنا بحبِّك أوي يا ماما…ومقدرش أشوفك بتتألِّمي.
والله أموت لو حصلِّك حاجة.
شهقت تضمُّه لأحضانها:
_بعد الشرِّ عليك يا حبيبي، فداك أمَّك يا نور عيني، ابتسمت بوجعٍ ثم
ربتت على يديه بحنان أمٍّ أرهقها الخوف على ابنها، ثم مسحت دموعها وقالت:
_ يعني لو طلبت منك حاجة…هتسمع كلامي؟
ابتسم رغم وجعه، ابتسامة صغيرة مكسورة:
_ اؤمري يا ستِّ الكل.
تنهَّدت قبل أن تقول:
_ مراتك…
اختفت ابتسامته، وكأنها ضغطت على جرحٍ مفتوح.
أطرق برأسه هامسًا بألم:
_ بتوجعيني ليه يا ماما؟…
رفعت يدها تمسِّد على خصلاته بحنان:
_ يا حبيبي…إنتَ أغلى من نور عيني.
وصدَّقني، لو شاكَّة لحظة إنها مش بتحبَّك…والله ما كنت قرَّبتها منك.
البنت بتموت فيك يا عبيط.
أغمض عينيه بألمٍ مرير:
_ وأنا بعشقها…
بس ما لناش نصيب نكمِّل مع بعض.
هزَّت رأسها بحزن:
_ وهترتاح يعني لمَّا تشوفها لغيرك؟
فاكر يوم ما قولتلي إنَّك مستحيل تعيش من غيرها؟
ثم أضافت بحنان:
_ روح صالح مراتك يا يوسف.
أبوك قالِّي إنها عايزة تسافر…وطالبة ورقة طلاقها.
جايلها فرصة شغل في قناة إنجليزية.
رفعت عينيها نحوه:
_ هتضيَّعها من إيدك، البنت بتحبَّك بجنون.
تجمَّدت ملامحه بالكامل.
ردَّد خلفها بصدمة:
_ عايزة ورقة طلاقها؟
أومأت بهدوء:
_ أومال هتفضل معلَّقها؟
بقالك شهر سايبها في بيت أبوها.
ولولا بلال أخدها وسافر بيها…الله أعلم كان هيجرالها إيه..
متبقاش قاسي كدا يا ابن إلياس… أبوك بكلِّ جبروته ما عملش اللي بتعمله ده.
نهض من مكانه بهدوء رغم غضبه الموجوع.
وردَّد بصوتٍ منخفض :
_ عايزة ورقة طلاقها…
تمام..لمَّا ترجع الأستاذة.
قالها ثم تحرَّك نحو الباب، أوقفته ميرال:
_ ليه هيَّ راحت فين؟
توقَّف لثانية، وشدَّ فكِّه بقسوة:
_ معرفش.
مقابلاني متشيِّكة يا ستِّ ميرال اللي بتقولي عليها بتموت فيَّا.
ابتسمت ميرال رغمًا عنها على غيرته الواضحة، وقالت بخبثِ أم تعرف ابنها جيِّدًا:
_ وماله لمَّا تتشيَّك؟
عايزها تعمل إيه يعني، تفضل قاعدة تعيَّط على أطلالك؟
دي بتنزل شغلها يا ابنِ إلياس.. وبعدين مش إنتَ قولت لها انتهينا، خليها يمكن تنسى.
جزَّ على أسنانه بقهر، ثم اندفع خارج الغرفة بخطواتٍ غاضبة…
لكن الحقيقة الوحيدة التي كانت تلتهمه من الداخل…
أنَّه لأوَّل مرَّة يشعر بالخوف الحقيقي.
الخوف من أن يخسرها للأبد.
بعد عدَّة ساعاتٍ كان يقف بشرفة غرفته يتحدَّث مع آسر، وجد سيارتها تدلف إلى الكمبوند، ظلَّ يراقبها حتى ترجَّلت منها، تتحدَّث بسمَّاعة هاتفها وهي تبتسم.
ظلَّ يراقبها وهو يهمس لنفسه:
_ مستعجلة على ورقة طلاقك يا أستاذة ضي...فعلًا هتفضلي تبكي على أطلالي ليه، هفيدك بإيه.
نظر للَّذي بيده وابتسامة حزينة على وجهه، ثم جلس يتذكَّر حديث رولا منذ عودتهما من شرم الشيخ.
_عايزة أتكلِّم معاك.
نظر إليها ثم عاد ينظر للخارج..
سحبت مقعد وجلست بمقابلته:
_تعرف أنا بحبَّك أوي، رغم إنَّك كنت دايمًا قاسي معايا، بس كنت بحبِّ تعاملك مع شمس أوي، وحبِّيتك أوي لمَّا وقفت معايا في مشكلتي مع بلال، رغم إنَّك ضربتني بالقلم، بس عرفت وقتها من خوفك وحبَّك ليَّا، إنتَ مبتعرفش تعبَّر بالكلام، لكن جوَّاك حنان كبير.
كان يستمع إليها بصمتٍ موجع..
حمحمت وتابعت:
_إنتَ مكنتش موجود ولا شوفت اللي ضي عاشته بسبب طلاقك في الفترة دي، بس كلِّنا شوفنا هيَّ كانت عاملة إزاي، أه زي ما قولت اشتغلت وأثبتت نفسها واتخطبت، بس إنتَ مكنتش شايفها إزاي الفترة دي..
أنا بس اللي أقدر أقولَّك إنَّها كانت ميِّتة، لأنِّي جرَّبت إحساسها، أوعى تفكَّر إنَّها كانت قوية، أبدًا، دي كانت بتنهار من ذكر اسمك بس.
اقتربت تستند على الطاولة ومدَّت يدها وأدارت وجهه:
_اللي إنتَ عملته غلط ومؤلم أوي، أنا معرفش إيه اللي حصل بينكم لكن اللي أعرفه مفيش حببيب بيقدر يعيش بعيد عن حبيبه، ضي صعبانة عليَّ أوي يا يوسف، ما ضيَّعهاش علشان متندمش بعد كدا.
نهضت وظلَّت تنظر لصمته بقلبٍ يتألَّم، خطت بعض الخطوات ولكنَّها توقَّفت على كلماته....
_كنتوا فين يا رولا؟.
استدارت إليه وردَّت:
_كنَّا في شرم الشيخ، بلال حاول معاها تغيَّر جو، هيَّ تعبانة أوي يا يوسف، وكمان بتفكَّر تسافر علشان تبقى عارف، وعمُّو أرسلان بيشجَّعها جدًّا، وشايف إنَّك بتأذيها وبس، أتمنَّى تراجع نفسك.
قالتها وخرجت وتركته غارقًا بأفكاره، استمع إلى إشعارٍ ما على هاتفه، فتح الهاتف على أحد البرامج الإخبارية، ظلَّ للحظات حتى ظهرت بهيئتها التي تخطف القلب قبل العقل.
ظلَّ يراقب كلَّ إنشٍ بها، ابتسامتها التي تخفي حزنها خلفها، وشفتيها المطلية بالأحمر وكأنَّها تعلن أنَّها تحرَّرت من كلِّ ما يؤلمها.
ظلَّ يستمع إلى برنامجها؛ حتى انتهى وتُغلق الشاشة على أسماء كل المعدِّين بالبرنامج، حتى سقطت عيناه على اسم نور.
نصب عوده وخرج وهو يتمتم:
_عايزة ورقة طلاقك وماله يا أستاذة ضي.
_يوسف...تمتمت بها غرام حين دلف إلى المنزل.
_جعان يا طنط غرام، ما أكلتش من إمبارح، هاتي كلِّ الأكل اللي عندك في أوضة بنتك.
أوقفه أرسلان غاضبًا:
_إنتَ رايح فين يلا؟!
_جاي أتعشَّى عند بنت عمِّي في أوضتها فيها حاجة دي؟.
جزَّ أرسلان على أسنانه، وتوقَّف أمامه كاد أن يقبض على عنقه:
_لا مفيهاش يا حبيب عمَّك، وعايز تحلِّي كمان؟.
_لا ما ليش في الحلو، بس ممكن فنجان قهوة، أصلي بفكَّر أسهر للصبح.
_لا والله..مش محتاج مزِّيكا كمان؟!
_كفاية بنتك..!!
قالها واستدار، تحرَّك أرسلان خلفه:
_يوسف!!..توقَّفت غرام أمامه:
_أرسلان علشان خاطري.
دفعها بعيد عنه:
_انت بتستهبل ولا بتستعبط
_بغض النظر عن الكلمتين المترادفتين، شكلك ساقط نحو، مش مشكلة
بنتك جاية لأيُّويا اللي هوَّ أخوك، بتشتكيني وعايزة ورقة طلاقها، يرضيك أسلِّمها ورقة الطلاق من غير عشوة؟.
_إلهي يتعشَّى عليك فار ديله مقطوع يابنِ إلياس.
_أرسلان حرام عليك، ما تدعيش عليه.
اتَّجه ينظر إلى زوجته بذهول:
_هوَّ البغل دا كلُّه هياكله فار إنتي كمان!!.
_أيوة..اتخانقوا وانسوا تعشُّوني.
تمتم بها وصعد إلى غرفة ضي:
_الواد طالع للبتِّ في أوضتها، وإنتي واقفة تتفرَّجي.
الفصل 71
الفصل الواحد والسبعون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
أجننت؟ نعم، اعترف...
فالجنون في حضرتك ليس عيبًا، بل نعمة أختبئ فيها من صخب العالم.
جننتُ حين صرتُ أبحث عنكِ في تفاصيل لا تراها العيون؛
في ضحكة عابرة، في نسمة ليل، في ظل غيمةٍ تسافر بعيدًا.
ماذا؟ أتسألينني هل يجرؤ أحد على النظر في عينيكِ ولا يُجن؟
كلا... من ينجو من سحرها كمن نجا من الغرق في بحرٍ لا شاطئ له.
إنها عيونٌ لا تُشبه شيئًا، تحمل كل ما يُفقد المرء اتزانه...
بريقٌ يشعل القلب، وغموضٌ يربك الروح، وملامح تفضح كل الكبرياء.
فإن كان الجنون عشقًا، فأنا المجنون الأول،
وإن كان الهوى ضعفًا، فأنا أفتخر بضعفي أمامك،
لأنني ببساطة... لا أعرف نفسي إلا حين أغرق في عينيكِ.
قبل ساعتين من ذهاب يوسف الى ارسلان ...خرج يوسف من غرفته بخطواتٍ ثقيلة، يشعر بثقلٍ على صدره، لا يعلم ماذا يفعل..
جلس أعلى درجات المنزل الخارجية، منحني الظهر، ساكنًا بشكلٍ مخيف،
وعيناه معلَّقتان بمنزل عمِّه المقابل، كأنَّ روحه بأكملها هناك.
منذ شهر كامل...شهر لم يرَها فيه.
لم يسمع ضحكتها، لم يسمع حتى صوتها وهي تنادي اسمه بغضبها المعتاد.
ورغم محاولات إلياس الكثيرة لإعادتها...إلَّا أنها رفضت.
وأرسلان أيضًا أغلق الباب تمامًا في وجه أي محاولةٍ للصلح.
اليوم فقط، عرف أنها طلبت ورقة طلاقها.
هنا شعر وكأنَّ شيئًا ثقيلًا ارتطم بصدره بعنف.
تشبَّث بيده بحافَّة الدرج، حتى ابيضَّت مفاصله، بينما عقله يهمس له بقسوة:
_مش ده اللي كنت عايزه؟
ابعد بقى...وسيبها تعيش.
ما تظلمهاش معاك.
حتى لو بتموت فيك...وحتى لو راضية تكمِّل...إنتَ اللي المفروض تنهي كلِّ ده.
أغمض عينيه بقوة، لكن الذكريات هاجمته دون رحمة...وتذكَّر حديث طبيبه الآخير منذ سنة:
_قطعنا شوط حلو يا دكتور...
التحاليل اللي قدَّامي بتقول فيه تطوُّر ملحوظ.
رفع يوسف رأسه بسرعة، وكأنَّ أحدًا أعاد الروح لقلبه.
ابتسم بتوتُّر وسأل:
_يعني كده مبقاش فيه مشكلة؟
ابتسم الطبيب ابتسامة هادئة:
_إن شاء الله يا دكتور...بس للأسف مش النتيجة اللي في بالك..
أنا قلتلك...عايزين صبر.
اختفت ابتسامته تدريجيًّا:
_يعني إيه؟
تنهَّد الطبيب، ثم اعتدل في جلسته:
_لسه قدَّامنا شوية...لكن فيه أمل.
همس يوسف بصوتٍ ضعيف:
_يعني...حاليًا مفيش أمل؟
ساد الصمت للحظات...صمتٌ ثقيل جعل قلبه يرتجف قبل أن يسمع الإجابة.
نظر إليه الطبيب بأسفٍ صادق:
_إنتَ دكتور...ولازم نكون واضحين مع بعض، وأنا مش هضحك عليك..
حاليًا...مفيش أمل في الإنجاب.
هنا شعر يوسف وكأنَّ شيئًا انكسر داخله إلى الأبد.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم سأل بصوتٍ مبحوح:
_طيب...فيه دكتور في مصر قال ممكن أتوافق مع حد غير مراتي..هل الكلام ده صحيح؟
هزَّ الطبيب رأسه بالنفي مباشرة:
_على التحاليل دي، لأ.
المانع مش من المدام يا يوسف.
حاول تلطيف الأجواء بابتسامة خفيفة فقال:
_لكن لو عايز تتجوز مرَّة تانية ونجرَّب، معنديش مشكلة...فيه هنا مصريات حلوين، وكمان في الجامعة.
هزَّ رأسه سريعًا، وكأنَّ الفكرة نفسها طعنته:
_مش ده اللي أقصده...شكرًا يا دكتور.
خرج من شروده فجأة...وابتسم بحزن:
_حتى لو فيه أمل هتقدر تكون مع حد غيرها، دي بقت لعنة لقلبك، زي مايكون دخلت حياتك زي السحر لتقلبها.
زفرة مختنقة بغصَّة مؤلمة، مرَّر كفَّه فوق صدره ببطء، يشعر بأنَّ الألم يسحب روحه، لا يعلم ماذا عليه يفعل، يذهب إليها ويربت على قلبه وقلبها، أم يعاني بصمت حتى يخرجها للأبد من حياته؟.
لكن فجأة...صدح صوت ضي داخل رأسه بوضوحٍ مرعب:
"أنا مش فارق معايا أخلِّف...
أنا كلِّ اللي عايزاه إنت."
ارتجفت أنفاسه بعنف.
ضغط على عينيه بيده، لكنه فشل في منع دموعه هذه المرَّة.
تذكَّر نظراتها...تمسُّكها به رغم قسوته...
وإصرارها الغبي على حبِّه رغم كل ما فعله بها.
فهمس بصوتٍ محطَّم:
_ليه ربطونا ببعض، ليه مبقتش شايف غيرك، ليه حبِّيتيني بالشكل ده؟
رفع عينيه مجدَّدًا نحو منزلها..
وهنا فقط أدرك الحقيقة التي كان يهرب منها.
أنَّه لم يكن يبتعد عنها ليحميها.
بل كان يبتعد...لأنه خائف أن يضعف أكثر وأكثر، وخائف أن يأتي يوم تنظر له فيه بحسرة لأنَّها حُرمت من طفل بسببه.
لكن المؤلم...أنها لم تكن يومًا تريده أبًا لطفلٍ فقط.. كانت تريد طفلًا منه وحده.
نهض من مكانه يخطو دون وجهة، ليته يعلم ماذا يفعل لكي يسكن هذا الألم الذي ينزف بداخله.
وبمجرَّد أن وصل للممرّ، وصل إلياس.. توقَّف يطالعه بصمتٍ طويل، لحركاته الضائعة ونظراته الشاردة، اقترب يهمس اسمه حتى رفع عيناه إليه:
_عدِّيت على والدتك؟
أومأ يوسف دون أن ينظر إليه:
_بقت أفضل الحمدلله...أنا من رأيي تاخدها مكان تغيَّر جو، هيَّ محتاجة تخرج.
رمقه إلياس بنظرةٍ طويلة، ثم قال بنبرةٍ تحمل ما بين العتاب والاختناق:
_مالكش دعوة...إنتَ اللي محتاج تغيَّر جو، أو محتاج أغسل المخ اللي جوَّا دماغك ده.
رفع يوسف عينيه إليه أخيرًا...عيون مرهقة، مطفأة، كأنَّ النوم هجرها منذ سنوات:
_ليه يا بابا...ليه حضرتك متحامل عليَّا؟..
كنت فاكر إنك أكتر واحد هيحسِّ بيَّا... وبوجعي.
شعر إلياس بشيءٍ ينغرز بقلبه، لكنه أخفاه سريعًا وقال:
_تعال يا يوسف...عايز أتكلِّم معاك راجل لراجل.
تنهَّد يوسف بإرهاق وهو يمرِّر يده على وجهه:
_ماليش خلق والله...أنا نازل أشوف بلال وآسر، نلعب باسكت أو أي حاجة...جوَّايا طاقة سلبية هتموِّتني.
لكنَّه أمسك كتفه بقوَّة...قوَّة أب خائف أن يفقد ابنه وهو حي أمامه.
دفعه برفقٍ حازم نحو غرفة المكتب وأغلق الباب خلفهما.
_اقعد...لكنه ظل واقفا فقال الياس:
_أنا أبوك يا أخي، ومن حقِّي أتكلِّم معاك شوية.
جلس يوسف ببطء، وأسند ظهره للخلف.
غرقت الغرفة بصمتٍ للحظات، و إلياس يراقبه ملامحه الشاحبة، عينيه الغارقتينِ بالإرهاق.
أخرج سيجارة وأشعلها، ثم قال بصوتٍ خافت:
_ممكن بقى تحكيلي...زي زمان؟
وحشتني قعدتنا يا يوسف...
حاسس إنِّ بينا حيطة عالية أوي، وكلِّ يوم بتعلى أكتر.
وأنا كنت بضحك على نفسي وأقول كبر...مبقاش محتاج أبوه.
ارتجف فكُّ يوسف بعنف.
تلك الجملة وحدها هدمت آخر شيء كان يحاول التماسك به.
أخرج زفرة طويلة ساخنة، كأنها خرجت من قلبٍ محترق لا من صدر إنسان.
ارتعش قلب إلياس وهو يراه يشيخ أمامه في لحظة.
همس إلياس بألم:
_ياااه يا يوسف...
للدرجة دي بعدنا عن بعض؟!.
لمعت الدموع داخل عيني يوسف سريعًا، فرفع وجهه للأعلى وأغمض عينيه بقوَّة، يقاوم انهياره بصعوبة مذلَّة.
ابتلع غصَّته مرَّاتٍ متتالية، لكن صوته خرج مكسورًا رغمًا عنه:
_كنت محتاج القعدة دي من قبل جوازي.
من قبل ما حضرتك تجبرني على حاجة أنا مش عايزها.
أشار لنفسه بانفعال، وقال بصوتٍ مرتجفٍ مع دموعه التي انهمرت أخيرًا:
_بصِّلي يا بابا...عاجبك حالي؟
أنا لا عايش...ولا ميِّت، ولا قادر أحب... ولا قادر أكره.
تنفَّس بعنف، ثم ضحك ضحكةً مختنقة موجوعة:
_عارف أصعب حاجة إيه؟
إنِّي كل يوم بصحى من النوم حاسس إنِّي عايش ومش عايش.
ظلَّ إلياس صامتًا...صامتًا بشكلٍ مرعب.
لأوَّل مرَّة يرى ابنه بهذا القدر من الانكسار.
ليس غضبًا...ليس تمرُّدًا...بل رجلًا غارقًا حتى عنقه في الألم ويحاول النجاة وحده.
طالعه إلياس وقال:
_أنا ظلمتك يا يوسف...؟
هنا رفع يوسف عينيه إليه...
وكانت نظرته كفيلة بأن تهدم رجلًا كاملًا.
نظر إليه بوجعِ طفلٍ خذله والده للمرَّة الأولى في حياته...
هنا نهض إلياس من مكانه ببطء، قبل أن يطفئ سيجارته في المطفأة بعنفٍ خافت، ثم اتَّجه للمقعد المقابل ليوسف، وقال بصوتٍ منخفضٍ لكنه مثقل بما يكفي ليخترق القلب:
_ياااه...
ده كلُّه علشان حاولت أطَّمن عليك مع البنت اللي قلبك اختارها...وإنتَ رافض تعترف حتى لنفسك.
كنت فاكر إنَّك تقدر تهرب...لكن محدش بيهرب من قلبه يا يوسف.
وضع يوسف كفَّيه فوق وجهه يفركه بقوة، يحاول كتم غضبه حتى لا ينفجر بوجه والده.
ثم رفع عينيه إليه، وعيناه حمراوان من القهر:
_ليه حضرتك ربطت الموضوع بكده؟
إيه اللي خلَّاك تقول إن قلبي متعلَّق بحدِّ أصلًا؟
أنا مكنتش بخطَّط لجواز يا بابا...كنت عايز...
رفع إلياس يده يوقفه، وهتف بنبرةٍ أكثر حدَّة:
_ما تكمِّلش يا ابن إلياس.
أبوك مش جاهل...ولا عبيط.
أو تقدر تقول...اتلسعت بنفس النار دي قبلك، بس الفرق إنِّي كنت أعقل منك.
ابتسم يوسف بسخرية موجوعة، وأدار وجهه قليلًا:
_آه طبعًا...أنا المجنون اللي مبيفهمشِ حاجة.
انحنى إلياس بجسده نحوه فجأة، وحدَّقت عيناه بعيني ابنه بقوة:
_إنتَ مش مجنون...
إنتَ ضعيف يا ابن إلياس.
نزلت الكلمة عليه كصفعةٍ موجعة.
تابع إلياس بصوتٍ أثقل:
_للأسف...ما أخدتش من أبوك رزانته وقت المصايب.
بتسيب وجعك يسوقك...وتكسر اللي حواليك وإنتَ فاكر إنك الوحيد المتألِّم.
عاد بظهره للخلف، لكنه لم يبعد عينيه عن يوسف لحظة:
_زعلان ليه..ومبهدل البنت معاك ليه؟
علشان إيه؟
علشان حاجة...اللي حصلَّك فيها ما يجيش ربع اللي حصلِّي.
عقد يوسف حاجبيه، بينما نهض إلياس ببطء من مكانه، وكأنَّ الماضي يسحبه للخلف.
وقف للحظاتٍ صامتًا...ثم ضحك ضحكةً حزينة باهتة، لا حياة فيها:
_تعمل إيه...
وفي لحظة تكتشف إنِّ حياتك اللي عشت تبنيها تلاتين سنة...مش حياتك؟
وإنِّ البنت اللي متجوزها...بنت أكبر عدوّ في عمرك؟
التفت إليه فجأة، وعيناه امتلأتا بمرارة رجلٍ لم يشفَ بعد:
_تعمل إيه لما الراجل اللي المفروض يبقى أبو مراتك...وعمَّك، صمت ثم اقترب خطوة، وأشار بإصبعه بمرارة:
_خلِّي بالك من كلمة عمَّك دي يا يوسف،
لأنها أكتر كلمة كسرتني في حياتي.
بهتت ملامح يوسف وهو يراه لأوَّل مرَّة بهذه الهيئة...
ليس الأب القوي الصلب...بل رجلٍ يختنق من ذكرياته.
ابتلع الياس غصَّته، وصوته بدأ يهتزُّ رغم محاولته التماسك:
_الراجل ده...خطف مراتي، خطف بنته بنفسه...قالها بمرارة ودمعة فرَّت من جفنيه.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّ المشهد يُعاد أمامه حيًّا:
_واقف قدَّامها يهدِّدها يا ترفع قضية طلاق علشان تكسر أبوك، يا إمَّا يفتح بطنها، ويخرَّجك منها.
شهق يوسف بصدمة، بينما أكمل إلياس بنبرةٍ ثقيلة يكرِّر الكلمات:
_يا ترفعي قضية طلاق...يا الواد اللي في بطنك ده ينزل ميِّت.
هزَّة عنيفة أصابت إلياس وكابوس الماضي يخنقه بذبحةٍ صدرية، وهو يواصل حديثه:
_أبوها كان عايز يقتل ابني قبل ما يتولد...بس علشان ينتقم منِّي..
ساد الصمت...صمتًا ثقيلًا حدَّ الاختناق، كان ينظر لوالده وكأنَّه يراه لأوَّل مرَّة في حياته.
كل تلك القوة التي طالما خاف منها... كانت تخفي تحتها رجلًا مذبوحًا من الداخل.
اقترب إلياس منه ببطء، ثم قال بصوتٍ خافتٍ مرهق:
_ومع كلِّ ده...
عمري ما خدت وجعي حجَّة أكسر بيها أمَّك.
ولا علَّقتها على حبل أخطائي...زي ما إنتَ بتعمل دلوقتي.
ثم أشار ناحية صدر يوسف:
_الوجع مش مبرَّر يا يوسف...الوجع اختبار.
يا يخلِّيك راجل يحتوي...يا يحوِّلك لشخص أناني.
اكتسى وجه إلياس بالغضب...غضب قديم، متراكم، يشبه الرماد الذي يخفي تحته نارًا لم تنطفئ يومًا..
_اانت مشفتش حاجة، اللي قولته دا جزء
ثم قال بصوتٍ خرج مثقلًا بالنفور والألم/_تعمل إيه...لمَّا تكتشف إنِّ نفس الراجل اللي هوَّ عمَّك... طلع مهرِّب سلاح، وبيشتغل مع المافيا...
وإنتَ وقتها ظابط أمن دولة...وبنته مراتك؟
تجمَّد يوسف مكانه، بينما أكمل إلياس بعينينِ غارقتينِ بالماضي:
_تعمل إيه لمَّا يخطف أمَّك...ويحاول يعتدي عليها...
وأمَّك توافق تمشي معاه علشان تنقذني أنا ومراتي.
ارتفع صوته واختنق:
_تعمل إيه؟!
ثم انزلقت دمعة من عينه رغمًا عنه... دمعة مرَّت بطيئة على وجه رجلٍ اعتاد أن يبتلع وجعه وحده.
تنفَّس بعنف، وصدره يعلو ويهبط بقوَّة، لكنه أكمل:
_تعمل إيه لمَّا مراتك تهرب وهيَّ حامل...
وتسيبلك طفل لسه ما كمِّلش عشر سنين...
علشان عقلها صوَّرلها إنِّ اختفاءها هيخلِّيني أعيش سعيد؟
أخفض رأسه للحظة، ثم ضحك ضحكةً مكسورة أبكت قلب يوسف:
_بقيت أب وأم في نفس الوقت،
وبرجع كلِّ ليلة أبص لمكانها في السرير زي المجنون...
مستنِّي الباب يفتح وتدخل تقولِّي: "أنا رجعت."
ارتجف صوته أكثر:
_كنت بموت عليها...والناس كلَّها تقول ماتت..
وقلبي يقولِّي: لا...مستحيل تسيبني كده.
أدار وجهه بعيدًا، وكأنَّ الكلمات أصبحت سكاكين تمزِّقه:
_تعمل إيه لمَّا فجأة تضطَّر تعيش بهوية مش هوِّيتك..
وتدفن اسمك، شغلك، أحلامك، حياتك كلَّها؟... والست اللي اكتر واحدة شربتها الوجع تبقى امك
ثم التفت إليه بعينينِ حمراوين:
_لا الأب بقى الأب...ولا الأم بقت الأم
ولا الستِّ اللي كان كل حلمها تعيش وسط جوزها وابنها...
فجأة يجي خبر إنها انتحرت في النيل.
شهق ووضع يده فوق صدره وكأنه يحاول إيقاف الألم داخله.
هنا نهض يوسف سريعًا، وقد تبدَّلت ملامحه تمامًا...والصدمة سحقت غضبه، ولم يعد يرى أمامه سوى رجلٍ محطَّم .
اقترب منه بلهفة:
_بابا...خلاص، اهدى با..
لكن إلياس فجأة تعلَّق بذراع ابنه بقوة، كأنَّ يوسف أصبح آخر شيء يمنعه من السقوط.
رفع عينيه إليه...
وطالعه بنظراتٍ موجعة بشكلٍ لا يُحتمل، نظرةُ رجلٍ تعب من حمل العالم فوق كتفيه.
وقال بصوتٍ مرتجف:
_ورغم كلِّ ده...
أبوك لسه واقف.
ضغط على ذراع يوسف أكثر:
_لسه بحارب الدنيا كلَّها...علشانك إنتَ وأختك وأمَّك.
ثم سأله بمرارة:
_عمرك شفتني بكيت؟
عمرك شفتني اشتكيت؟
عمرك لقيتني رميت حملي على حد؟
صمت يوسف...وكلمات والده كانت تهدمه من الداخل.
اقترب إلياس أكثر، وأردف بنبرةٍ قاسية رغم ارتجافه:
_إنتَ بقى عملت إيه؟
دفنت راسك في الرمل...وهربت.
سيبت مراتك تضيع منك علشان وجع؟!
نظر مباشرةً داخل عينيه، نظرة اخترقت روحه:
_الراجل الحقيقي يا يوسف...مش اللي عمره ما بيتوجع.
الراجل الحقيقي هوَّ اللي بيتوجع، ويفضل واقف.
انهار يوسف بالكامل، بينما وقف إلياس أمامه يتنفَّس بصعوبة...
كأنَّ كلَّ كلمة يقولها تنتزع قطعةً من قلبه هو أيضًا.
ثم قال بصوتٍ خافتٍ متعب...لكنه خرج محمَّلًا بعمرٍ كاملٍ من الخبرة والخذلان:
_احمد ربِّنا...إنك لسه عايش مع أبوك وأمَّك.
شعر يوسف باختناقِ أنفاسه للحظة، بينما أكمل إلياس وعيناه تلمعان بوجعٍ دفين:
_لأن في ناس...بتقضي عمرها كلُّه تتمنَّى حضن واحد منهم... ومبتلاقيهوش.
ثم فجأةً لكزه بيده في صدره لكزةً موجوعة، رغم علمه أنه يذبح ابنه بها: _احمد ربِّنا إنك عايش مع أبوك وأمَّك الحقيقيين...مش مزوَّرين.
شهق يوسف بخفوت، واتَّسعت عيناه وهو يرى الدموع تلمع داخل عيني والده لأوَّل مرَّة بهذا الشكل.
لكن إلياس لم يمنحه فرصةً للكلام...
أمسك قميصه فجأة، وسحبه نحوه بقوَّة حتى أصبحا وجهًا لوجه، ثم همس بصوتٍ مرتعشٍ كأن قلبه هو الذي يتحدَّث:
_زعلان علشان ربِّنا ما رزقكش بابن؟
طب سألت نفسك مرَّة...يمكن دي رحمة ليك؟
_مفكَّرتش إن ربِّنا يمكن عوَّضك بحاجة أحسن يا غبي؟
وضع يده على صدر ابنه بقوة:
_عارف إنِّ الوجع صعب...وعارف إن نفسك تشيل ابنك، بس إنتَ مؤمن يا يوسف..
والمؤمن بيتوجع آه...بس بيرضى.
انكسرت نظرات يوسف أمام والده، اقترب إليه إلياس أكثر وسحب رأسه فجأة، يدفنه بعنقه كما كان يفعل وهو طفلٍ صغير.
ربت على رأسه ببطء، وقال بصوتٍ مختنق:
_يا أهبل...
مفيش أب في الدنيا مش نفسه ابنه يبقى أسعد منه...
ولا أم تستحمل تشوف وجع ابنها وتبقى مرتاحة.
هنا فقط انهار يوسف.
تعلَّقت يداه بوالده، وارتجف جسده بعنف وهو يحاول كتم بكائه، لكن شهقاته خرجت رغمًا عنه...شهقاتُ رجل ظلَّ قويًّا أكثر ممَّا يحتمل.
أغمض إلياس عينيه بقهر، واحتضنه بقوَّةٍ أكبر، وكأنه يحاول حماية ابنه من العالم كلِّه.
وبعد لحظات أبعده قليلًا، وراح يمسح على وجهه بحنانٍ أبوي موجع، ثم نظر مباشرةً داخل عينيه وقال:
_البنت بتموت فيك يا يوسف.
ارتعشت عينا يوسف فور سماعه اسمها دون أن ينطقه والده.
تابع إلياس بحزمٍ ممزوجٍ بالألم:
_إنتَ ما شفتش عملت إيه لمَّا طلَّقتها.
في واحدة في الدنيا تتنازل عن كرامتها بالشكلِ ده علشان راجل؟
ابتسم بحزنٍ شديد:
_ومين ضي.
هزَّ رأسه بعدم تصديق:
_إنتَ متخيِّل ضي تعمل كده علشان تنتقم منك؟
دي البنت ماتت معاك يوم الحادثة...
ومن يومها وهيَّ عايشة بنصِّ روح.
اتَّسعت عينا يوسف، وكأنَّ الكلمات طعنته مباشرةً في قلبه.
ربت إلياس على كتفه بحنا:
_روح لمراتك يا حبيبي...
ثم ابتسم ابتسامة متعبة، لكنها صادقة:
_خدها في حضنك...وارضى بنصيبك.
أخفض يوسف رأسه، بينما أكمل والده:
_ولو ربنا أراد يمنحك...هيمنحك.
ولو ما أرادش..يبقى أكيد شايلَّك حاجة أحسن.
رفع وجه ابنه بيده، وأجبره ينظر إليه: _إياك تعترض على قدر ربِّنا يا ابني...
أصل الإنسان لمَّا يحارب قدره..عمره ما هيعيش سعيد.
ثم مرَّر يده على شعره بحنان:
_السعادة مش دايمًا في اللي إحنا نفسنا فيه...
السعادة أوقات بتكون في اللي ربِّنا اختاره لينا...حتى لو إحنا مش فاهمين حكمته دلوقتي.
أنا تعبان أوي يا بابا...
خرجت منه كأنَّها اعتراف رجلٍ وصل لآخر احتماله، لا مجرَّد جملة عابرة.
جلس يوسف منكسرًا، عينيه حمراوتان، واختنق صوته بصورةٍ موجعة:
_حاسس إنِّي ضايع، ومش لاقي شط أقف عليه.
نظر إليه إلياس طويلًا...ثم اقترب ببطء، واحتوى وجه ابنه بين كفَّيه كطفلٍ صغيرٍ ثم قال بصوتٍ هادئ، لكنَّه ممتلئ بالقوة:
_مش عيب إنِّ الواحد يقع...العيب إنه يفضل واقع وما يحاولش يقوم.
تنهَّد وهو يربت على رأسه برفق:
_مين فينا م ابيجيش عليه وقت يحس إنه تايه؟ بس الشاطر اللي يعرف يعدِّي.
نظر مباشرةً داخل عينيه، نظرة أبٍ يرى انهيار ابنه أمامه:
_يوسف...إنتَ دكتور، ومش أي تخصُّص، يعني المفروض أكتر واحد يعرف إنِّ كلِّ حاجة ليها حل، وإن العقل لازم يسبق الوجع.
تراجع يوسف للخلف يهزُّ رأسه بعنف، وكأنَّ الكلمات تخنقه أكثر:
_موضوع ضي صعب...أنا مش عايز أظلمها.
اختنق صوته وهو يكمل:
مش عايز في يوم أشوف في عينيها نظرة ندم...حضرتك ما تعرفش ضي بالنسبالي إيه.
ضغط على صدره بيده يشعر بأنَّ قلبه يؤلمه:
_صعب عليَّا أكسرها...أو أوجعها.
حدجه إلياس بنظرةٍ غير راضية، وقال بحدَّةٍ موجوعة:
_وسهل اللي بتعمله فيها دلوقتي؟.
صمت يوسف، بينما أكمل إلياس بنبرةٍ أقسى:
_على كده لو هيَّ عملت فيك زي ما أمَّك عملت...كنت هتقتلها؟
ارتجف جسد يوسف، لكن إلياس لم يمنحه فرصة للهروب:
_إنتَ ليه مش عايز تفرَّق بين الحب والتضحية يا ابن إلياس؟
ساد الصمت للحظات...صمتٌ ثقيل، كأنَّ كلَّ كلمة انغرست داخل صدر يوسف.
ثم قال إلياس فجأةً بنبرةٍ حاسمة:
_خلاص...الصبح تبعتلها ورقة طلاقها، خلِّيها تشوف حياتها.
رفع يوسف رأسه له بصدمة، بينما أكمل والده بقسوةٍ متعمَّدة:
_وصدَّقني...المرَّة دي أبوك مش هيقولَّك حاجة.
اقترب منه أكثر، وغرس عينيه داخل عيني ابنه:
_هتتحمِّل تشوفها مع غيرك؟
تجمَّد يوسف بالكامل..
أمَّا إلياس فتابع بصوتٍ هادر:
_هتتحمل تسلِّم حبيبتك لراجل تاني يا غبي؟!
ارتعشت أنفاس يوسف بقوة.
_البنت بتحبَّك إنتَ...بس ما تختبرش حبَّها كتير، كلِّ واحد وله طاقة...وهيَّ طاقتها بدأت تخلص.
ابتلع غصَّته بصعوبة قبل أن يضيف:
_ده لو مخلصتش أصلًا.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّ صورة ضي اليوم ما زالت تطارده:
أوَّل مرَّة أشوف ضي النهاردة واحدة أنا معرفهاش...
رفع عينيه إليه بحزنٍ حقيقي:
_دوست عليها كتير يا ابن إلياس... دوست لحدِّ ما مبقاش عندها قدرة تسمع اسمك حتى.
ردَّ على والده بصوتٍ ضعيف، متألِّم:
_ليه يا بابا...علشان مش عايز أظلمها معايا، هيَّ دلوقتي مش حاسَّة...بس بكرة هتندم.
نفد صبر إلياس أخيرًا، فضرب كفِّه بكفِّه وهو يهتف بانفعال:
_إنتَ غبي يلا...ثم أشار ناحية الباب بعصبية:
_امشي...شوف عايز تعمل إيه، تعبتني في الجدال.
صمت يوسف للحظاتٍ طويلة، ثم رفع عينيه بتردُّد قاتل:
_طيب...لو مرضيتش ترجع؟
توقَّف للحظة، ثم همس بخوفٍ حقيقي:
تفتكر أضغط عليها؟ ولا يمكن هيَّ فاقت وشافت إنِّ ده أحسن لها.
كوَّر إلياس قبضته بقوة حتى برزت عروق يده، وكاد يصفعه، لكنه تراجع في آخر لحظة وقال بصوتٍ مرتجفٍ من الغضب:
_منتظر منها إيه...وإنتَ كلَّ شوية تحسِّسها إنها عديمة كرامة؟
اقترب خطوة، وأشار بيده نحو الطابق العلوي:
أمَّك اللي فوق دي...قالتلي لو راجل طلَّقني.
ضحك بسخرية موجوعة:
_وهربت خمس سنين وهيَّ حامل.
ثم تابع وهو ينظر له بثبات:
_ورغم كده...أخدتها في حضني.. عاقبتها بطريقتي...بس عمري ما حسِّستها إنها رخيصة عندي.
ثم تابع بصوتٍ خفيض، لكنه أشدُّ ألمًا:
_آه ضي غلطت...بس غلطت من إيه..
مش إنتَ السبب؟
اقترب منه ولكزه بصدره بقوة:
قالتلك الكلام ده ليه؟ مش لمَّا حسِّت بإحساس الغدر.
احتدَّت أنفاسه:
_هيَّ كانت تعرف منين؟ ولمَّا عرفت اتجنِّنت، ونامت تحت رجليك.
توقَّف لحظة، ثم همس بمرارة:
_وإنتَ عملت إيه؟
خفض يوسف رأسه، عاجزًا عن الرد.
_الستِّ لمَّا تفقد أمانها مع الراجل اللي بتحبُّه...تبقى جابت آخرها.. ما بتبصش عليه تاني، بترميه ومش بتبصِّ وراها.
أشار له بغضب:
_وإنتَ كلِّ مرَّة بتحسِّسها إنَّها ولا فارقة معاك...رغم إنَّك بتموت فيها.
استدار إلياس متَّجهًا للسلِّم، ثم قال دون أن ينظر إليه:
أنا مش هقولَّك تعمل إيه...إنتَ بتحبَّها حب كفاية يخلِّيك تصلَّح غلطك يا ابن إلياس.
توقَّف عند أوَّل درجة، واستدار بنصف جسده إليه:
_خدها في حضنك...وحسِّسها إنها أهمِّ حاجة في الدنيا.
ابتسم بحزنٍ خافت:
_هترمي كلِّ وجعك...وتأكَّد، كل ما تتعب معاها أكتر...كلِّ ما تحس بحلاوة الدنيا يا ابن إلياس.
ثم أضاف أخيرًا، وكأنه ينتزع الفكرة السوداء من رأسه بالقوة:
_وضي...مش عايزة غيرك.
ولو كانت خيَّرتك قبل كده...
فده علشان إنتَ مكنتش كفاية لأمانها.
صمت لحظة، ثم قال بصوتٍ خافت:
قالتلي، يمكن طفل يربطنا...يمكن أحسِّ بالأمان.
تركه بعدها وصعد لغرفته.
أمَّا يوسف...
فظلَّ واقفًا مكانه، كأنَّ الكلمات سحقت كلَّ شيء داخله.
بدأت مشاهدهم تمرُّ أمام عينيه تباعًا...ضحكتها، دموعها، رعشة صوتها وهي ترجوه...أغمض عيناه، حتى اختنق صدره بالكامل.
تحرَّك أخيرًا للخارج بسرعة، أخرج هاتفه واتَّصل بها مرَّة...واثنتين... وثلاثًا...
لكن لا رد.
أغمض عينيه بإحباط، ثم اتجه نحو منزل بلال.
توقَّف أسفل المنزل، وأجرى اتِّصالًا..
جاءه صوت بلال متعبًا:
_خير؟
رد يوسف بصوتٍ خافت، لكنه يحمل انهيارًا واضحًا:
_بلال...أنا تحت مستنيك.
تنهَّد بلال على الطرف الآخر:
_اطلع...رولا نامت وتعبانة، مينفعش أسيبها.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم خرج صوت يوسف منخفضًا:
_تمام.
أغلق الهاتف وسحب نفسًا طويلًا، وزفره ببطء شديد...
كان يعلم أن ضي غاضبة منه..لكن لأوَّل مرَّة...يشعر برعبٍ حقيقي من فكرة أنها قد لا تعود إليه أبدًا.
صعد بخطواتٍ بطيئة مثقلة، وكأنَّ كل درجة تحت قدميه تسحب ما تبقَّى من قوَّته.
وقف بلال ينتظره عند الباب، وما إن وقعت عيناه عليه حتى أدرك حجم الخراب الذي بداخله.
أشار له بالدخول بصمت، بينما اتجه هو نحو غرفته.
دلف بهدوء، فوجد رولا غافية بإرهاق.
اقترب منها، وجلس على طرف الفراش يملِّس على شعرها برفق:
_حبيبتي...يوسف برَّة، أوعي تخرجي بالهدوم دي.
فتحت عينيها بصعوبة، ثم همست بصوتٍ متعب:
_جاي فيه حاجة ولَّا إيه؟
تنهَّد بلال وهو ينظر لها:
_معرفش.
أمسكت كفِّه فجأة:
_وحياتي...ما تزعِّلوش منك يا بلال.
نظر لها باستغراب، فأكملت بندمٍ حقيقي:
_من وقت ما عرفت حالته...وأنا زعلانة من نفسي أوي إني كلِّمته بالطريقة دي.
مال يقبِّل وجنتها بحنان:
_بتوصَّيني على أخويا يا بت؟
ثم ابتسم:
_نامي بدل ما أقلب عليكي دلوقتي.
ضحكت رغم تعبها، ثم اعتدلت بصعوبة بسبب ثقل حملها:
_بص...لو جاي يتكلِّم في موضوع ضي، حاول تساعده، أختك مخَّها جزمة.
رفع حاجبه فورًا:
_أختي برضو.
ضحكت بخفوت وأومأت:
_ما تجمعش...ماهو إنتوا الرجَّالة صعبين أصلًا.
ثم تنهَّدت بحزن:
_المهم...ضي حالفة تسافر ومش هتقعد هنا.
انعقد حاجباه:
_ليه؟
عضَّت شفتها بخجل:
أصل...قولتلها إنه هيسافر.
شهق بلال بعدم تصديق:
_برافو عليكي يا رولا! ماقولتلك باباه مش هيرضى.
أشار لها بتحذير وهو يهمس بعصبية خافتة:
_لازم تنشكِّي في لسانك يعني؟
نفخت بضيقٍ طفولي:
_ماهي نرفزتني...وهوَّ استفزني ببروده.
هدأت ثم قالت:
_أنا تعبانة بسببهم...لأنِّي عشت وجع ضي أوي.
توقَّفت عيناه فوقها للحظة...
وتسلَّلت إلى رأسه صور أيامهما الأولى.
تنهَّد طويلًا، بينما همست رولا بحزن:
بلال...إنتَ كنت غيره كمان.
ابتسم بسخرية موجوعة، فأكملت:
_وشوف كنَّا عاملين إزاي.
ثم رفعت عينيها إليه بصدق:
_يوسف طيب...وصعبان عليَّا أوي.
ابتلع غصَّته بصمت:
_ومتأكِّدة إنه بيموت في ضي...بس مش هيحاول يرجَّعها علشان الموضوع اللي قولت عليه.
توقَّفت لحظة، ثم أمسكت يده بقوة:
_لازم تتصرَّف.
همست بتأثُّر:
_عرفت من ضي إنها كانت مستعدَّة تتنازل عن كلِّ حاجة علشانه.
أغمض بلال عينيه للحظة، ثم قال بهدوء:
_تمام...هتصرَّف.
ربت على يدها:
_ارتاحي إنتِ.
لكنها أوقفته قبل أن ينهض:
_اتِّصل بضي خليها تيجي.
ابتسم يهزُّ رأسه:
_نامي يا حبيبتي...قولت هتصرَّف.
دثَّرها جيِّدًا، ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب بهدوء.
وجد يوسف واقفًا في الشرفة، يستند بكفَّيه على السور الحديدي، وعيناه غارقتانِ في الظلام
اقترب منه ببطء:
واقف كده ليه؟
استدار ينظر إليه بصمت.
اقترب بلال أكثر:
_تشرب إيه؟
هزَّ رأسه دون اهتمام:
مش عايز حاجة...عايز أتكلِّم معاك شوية.
أومأ بلال:
_خلاص...هخلِّيهم يعملوا قهوة.
وبعد لحظات، توقَّفت الخادمة أمامهما.
_اعملي قهوة للدكتور...وقهوتي.
_تحت أمرك يا دكتور.
غادرت، و عاد الصمت بينهما.
صمتٌ ثقيل، متوتِّر..كأن كلَّ واحد ينتظر الآخر يبدأ الحديث.
حتى قطع يوسف السكون أخيرًا بصوتٍ منخفض:
_زعلان منِّي ليه يا بلال؟
نظر له بلال طويلًا قبل أن يرد:
_وإنتَ شايف إنك معملتش حاجة تزعَّل؟
تنهَّد يوسف بتعب:
_من إمتى حياتنا الشخصية بنربطها بعلاقتنا؟
رفع عينيه إليه:
_ياما حصل مشاكل...وعمرنا ما زعلنا من بعض.
_أومأ بلال ببطء، ثم قال بصراحة موجعة:
_المرَّة دي جيت على أختي أوي يا يوسف.
اشتدَّت ملامحه:
_دوست عليها...ووجعتها وهيَّ مالهاش ذنب في أي حاجة.
أغمض يوسف عينيه للحظة:
_إنتَ عارف سبب المشكلة؟.
_عارف.
ساد الصمت ثانية...
ثم خرج السؤال من يوسف بصعوبة، وكأنه يخشى إجابته:
_من إمتى عارف؟
طالعه بلال، وعرف من نبرة صوته أنَّ أكثر ما يقتله ليس انكشاف سرِّه...بل شعوره بأنه أصبح ضعيفًا أمام من يحبُّهم.
نهض من مكانه، واتَّجه يجلس بجواره:
_أنا أخوك قبل ما أبقى ابن عمَّك، صح ولَّا لأ؟.
ثم نظر له بثبات:
_شايف إنِّي ما استاهلش أعرف حاجة تخصَّك كده؟
صمت لحظة، ثم سأله بهدوء:
_زعلان علشان عرفت؟
ضحك يوسف بسخرية مكسورة، والتفت إليه بوجه تحوَّل إلى لوحةٍ من الألم:
_زعلان علشان اتعاملت وكأنِّي طفل.
ثم أكمل بمرارة:
للدرجة دي بقيت ضعيف!.
تنهَّد بلال:
_إنتَ اللي وصَّلتنا لكده.
مرَّر يوسف يده فوق وجهه بعنف وكأنه يحاول محو أفكاره:
_خلاص يا بلال...مش هنتكلِّم في القديم.
ثم رفع عينيه إليه بتعبٍ قاتل:
_المهم...عايز أعرف ضي عايزة إيه.
لو عايزة أطلقها...
قاطعه بلال فورًا بحزم:
_ضي بتحبَّك.
ومكنتش عايزة غيرك...بس إنتَ كسرتها.
ضحك يوسف بمرارة موجوعة:
_الكلِّ شايف إنِّي كسرتها...حتى إنتَ.
ثم أضاف بصوتٍ مختنق:
_إنتَ اللي المفروض عارف يوسف.
ردَّ بلال بهدوء عاقل:
_يوسف...مش مهم أنا عارفك إزاي.
أشار ناحية صدره:
المهمِّ هيَّ حسِّت بإيه.
همس يوسف بضعفٍ مرعب:
_طيب أنا تعبان من غيرها...وتعبان بوجودها.
رفع عينيه إليه وكأنَّها تستغيث:
_ممكن تنصحني أعمل إيه؟
شعر بلال بالحزن الحقيقي عليه...
لأوَّل مرَّة يرى يوسف بهذا الانكسار.
تنهَّد طويلًا، ثم قال بهدوء:
_روحلها يا يوسف.
نظر له مباشرة:
اتكلِّم معاها...ده لو إنتَ لسه باقي عليها.
اهتزَّت أنفاس يوسف فجأة...
ثم خرجت الكلمة منه بصوتٍ بالكاد سُمع:
_خايف.
اتَّسعت عينا بلال بدهشة:
_خايف؟!.
مسح يوسف على وجهه بغضبٍ وعجز:
_خايف منها...وعليها.
ثم رفع عينيه التي كانت مليئة برعبِ
-خايف أبصّ في عينيها...وألاقي إنها بطَّلت تحبِّني فعلًا..وخايف في يوم تندم إنَّها خسرت أمومتها.
دكتور بلال...
قاطعهم صوت الخادمة من خلف الباب، فرفع بلال رأسه بضيقٍ خفيف قبل أن ينهض معتذرًا:
_هشوف فيه إيه.
أومأ يوسف بصمت، بينما تحرَّك بلال للخارج بخطواتٍ هادئة، ليجد الخادمة تقف أمام الغرفة بتوتُّر:
_المدام رافضة تشرب اللبن يا دكتور.
تنهَّد بلال، ثم أخذ الكوب من يدها قائلاً :
_فيه كيس علاج في الصالون...هاتيه.
دلف للداخل، اقترب منها وهو يرفع حاجبه:
_رولا...مش قولنا بلاش شغل الأطفال ده؟
تمتمت بضيق وهي تتفادى النظر إليه:
_مش عايزة...أنا كنت نايمة.
جلس على طرف الفراش، ثم قرَّب الكوب منها قائلًا بنبرةٍ هادئة لكنَّها حاسمة:
_نشرب اللبن...ولَّا ناخد حقن؟
اتَّسعت عيناها ، فاعتدلت بسرعة تسحب الكوب من يده بتذمُّر طفولي، بالتزامن مع دخول الخادمة وهي تضع كيس العلاج فوق الطاولة.
ابتسم بلال بخفَّة، وبدأ يفتح الأدوية ليعطيها المسموح بوقته.
تجمَّدت ملامحه وهو يحدِّق بأحد الشرائط بين أصابعه:
_إيه اللي جاب ده؟
رفعت رولا رأسها تنظر لما بيده، ثم قالت بعدم اهتمام:
_إيه يا حبيبي؟
رفع عينيه إليها:
_ده حبوب هلوسة...جاية ليه وسط علاجك؟
ضربت جبينها بكفِّها فجأة:
_أوبس...نسيت أقولَّك، ده آسر كان محتاجه، وشكله نسيه هنا..وإحنا جايين خلِّيته يجيب العلاج، فسألته على الشريط ده...قالِّي محتاجه لحد.
نظر لها بصدمة ممتزجة بضحكٍ ساخر:
_هلوسة لحد؟ الواد ده مجنون رسمي.
أخذ الشريط من فوق الفراش، ثم أشار لها بأحد أدوية الفيتامين:
_المهم...ما تنسيش ده، عشان هطلع ليوسف عيب سايبه لوحده.
ابتسمت بخبث وهي ترتشف اللبن:
_طيب اتِّصل بآسر وخلِّيه ياخد الشريط.
ثم ضيَّقت عينيها بفضولٍ طفولي:
_هيَّ الحبوب دي بتعمل إيه أصلًا؟
انفجر ضاحكًا، ثم قرص وجنتها بخفَّة:
_لا دي بتعمل حاجات كتير...لمَّا تكبري أبقى أقولِّك.
نفخت وجنتيها بغضبٍ مصطنع وهي تضرب يده:
_والله.
ضحك أكثر على ملامحها العابسة، فاستوقفته فجأة وهي تشير للشريط بشقاوة:
_طيب ما تاخدها إنتَ...عشان أشوف هيحصل إيه.
رفع حاجبه بابتسامةٍ خبيثة، ثم التقط الشريط ولوَّح به أمامها:
_بس كده؟ من عيوني.
قالها بمزاح، قبل أن يخرج من الغرفة.
جلس بعدها مع يوسف لبعض الوقت، يتبادلون الحديث..كان يوسف شاردًا، يردُّ أحيانًا ويتنهَّد كثيرًا، بينما بلال يحاول انتشاله من دوَّامة أفكاره.
وبعد جدالٍ طويل حول الذهاب أو التأجيل، زفر بلال بضيقٍ مصطنع ونهض:
_خلاص...صدَّعتني.
اتجه للمطبخ وهو يكمل:
_هعملَّك قهوة تانية، وهتشربها من غير جدال...عشان تروح لعمَّك رايق وتعرف تتكلِّم معاه.
عاد بلال بعد دقائق ووضع الفنجان أمامه:
_اشرب القهوة، وضروري تعدِّي عليها،كلِّ ما تتأخَّر هتخسر، رفع يوسف عينيه إليه أخيرًا وقال بصوتٍ متعب:
_خلاص...هعدِّي عليها، وزي ما قولت...لازم نتكلِّم وأشوف هيَّ عايزة إيه.
ربت بلال على كتفه بهدوء:
_يوسف...خلِّي نفسك طويل معاها. هيَّ واخدة على خاطرها منك، ومهما صار بينكم...البنت لسه بتحبَّك.
ومتبوظش الدنيا بعصبيِّتك كالعادة.
نهض يوسف بعد فترة وهو يقول:
_لازم نتكلِّم.
أومأ بلال وأشار إليه:
_طيب الحقها قبل ما تنام، عندها سفر للفيوم الصبح.
أمسكه من ذراعه ينظر إليه:
_عارف لو منك، أخدها في حضني، هيَّ هترفض في الأوَّل، بس أختي بتحبَّك وهتسامح، وإنتَ يا بغل حاول تحسِّسها إنَّك هتموت من غيرها.
وصل يوسف إلى منزل أرسلان بعد دقائق، كان يتحرَّك بثقل، خطواته لم تكن طبيعية.
يشعر وكأنَّ الأرض تميل أسفل قدميه،
حرارة غريبة تسري بعروقه، وتشوُّش يضرب رؤيته على فتراتٍ متقطِّعة، بينما قلبه يخفق بعنف دون سببٍ مفهوم.
صعد الدرج مترنِّحًا قليلًا، يحاول التماسك، ثم طرق الباب ودلف للداخل دون انتظار.
رفعت غرام رأسها نحوه بصدمة: _يوسف؟!.
ابتسم ابتسامة واسعة غير متَّزنة:
_طنط غرام...أنا جعان أوي...ما كلتش من إمبارح، عايز كلِّ الأكل اللي عندك... وطلَّعيه في أوضة بنتك فوق.
قالها وتحرَّك نحو الدرج.
استوقفه أرسلان بحدَّة:
_رايح فين يلا اتجنِّنت؟
اقترب يوسف منه، وابتسم في محاولةِ الثبات منه:
_عمُّو حبيبي...جاي أتعشى مع مراتي... فيها حاجة دي؟
قالها ثم تحرَّك متجاوزًا إيَّاه.
_يوسف!
أوقفته غرام سريعًا وهي تنظر لزوجها برجاء:
_أرسلان...علشان خاطري سيبه يطلع للبنت، يمكن يتصالحوا.
أشار لها بغضب:
_إنتِ تسكتي خالص؟!
لكن يوسف قاطعهم بضيقٍ طفولي:
_إنتوا هتتخانقوا ومش هتعشوني؟
ضحكت غرام رغم توتُّرها:
_أحسن عشا يا حبيبي.
التفت إليها أرسلان بصدمة:
_إنتِ بتشجَّعيه؟!
أومأت بعينيها برجاء:
_عشان خاطري...سيبهم يتكلِّموا.
زفر بضيق ثم أشار لأعلى:
_عشر دقايق بس، ولو سمعت صوت..
بالأعلى...
فتح الباب دون استئذان، ودلف للداخل بخطواتٍ ثقيلة.
بحث عنها بعينيه، لكن الرؤية كانت تضطرب أمامه...الأشياء تتحرَّك ببطء أحيانًا، وبسرعةٍ أحيانًا أخرى.. ظن من عدم نومه الجيد
توقَّفت عيناه على ثيابها الملقاة فوق الفراش.
اقترب منها ببطء...ثم التقطها بأنامله، ورفعها لأنفه يستنشق رائحتها بوله، مع خروج ضي من الحمَّام..
كانت ترتدي البورنس الأبيض القصير، وخصلاتها المبتلَّة ملتفَّة بمنشفة صغيرة، فقامت بنزعها، بينما قطرات الماء تنساب فوق عنقها ببطء.
تجمَّدت مكانها فور رؤيته:
_يوسف!!.
استدار نحوها ببطء..وقعت عيناه على هيئتها، نظرات مشتَّتة...وكأنَّها لا تريانها وحدها، بل شيئًا آخر معها.
تحرَّكت أنفاسه بعنف وهو يتأمَّلها من رأسها حتى قدميها، وكأنَّ عقله توقَّف عند هيئتها التي خطفت أنفاسه.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم حاولت التظاهر بالقوة، وألقت المنشفة من يدها بغضبٍ متصنَّع حين وجدت نظراته إليها بتلك الطريقة:
_إنتَ إيه اللي جابك هنا؟
اقترب منها خطوة...ثم أخرى...
تأوَّه بخفوت وهو يضغط أصابعه فوق رأسه فجأة، وكأنَّ الألم يمزِّقه من الداخل.
الرؤية أمامه تشوَّشت أكثر.
صوتها بدأ يتداخل مع أصواتٍ أخرى داخل رأسه.
لكن رغم ذلك...لم يتوقَّف..
حتى وقف أمامها مباشرة.
كانت أنفاسه ساخنة ومضطَّربة، وعيناه معلَّقتان بها بطريقةٍ أربكت قلبها رغم غضبها..فجأة...سحبها إليه بعنفٍ مفاجئ.
شهقت بقوَّة حين اصطدمت بصدره:
_إنتَ اتجنِّنت؟!
دفنت أصابعها بصدره تحاول دفعه، لكنَّه شدَّها أكثر، وهمس بصوتٍ متحشرج مضطرب:
_وحشتيني...
ثم أغمض عينيه بقوة يحاول السيطرة، فتح عيناه بنظرةٍ مشوَّشة مؤلمة، كانت تهاجمه وتدفعه تبعده عنها بقوَّة، ولكن داخله قوة واحتراق، فقد سيطرته فسحبها لأحضانه يدفن وجهه بين خصلاتها المبلَّلة، يسحب أنفاسه منها وكأنه يسحب جرعته اليومية.
خرجت منه آهة موجوعة...عميقة... وكأنها خرجت من قلبٍ احترق طويلًا: _وحشتيني أوي...حبيبتي.
ارتجف جسدها بعنف من قربه، ومن نبرة صوته التي ضربت قلبها، دفعت صدره محاولةً إبعاده، لكنه كان كالجدار، لم يتحرَّك.
رفع رأسه ببطء، وعيناه شبه غائبتين، ثم مرَّر أنامله على وجنتها بحنانٍ موجع:
_هونِت عليكي تبعدي عن حضني؟
نظرت له بذهول، أنفاسها تتسارع وهي تراقب اضطراب عينيه، وطريقته غير الطبيعية.
_يو...يوسف...ابعد.
إنتَ شارب حاجة؟
قالتها وهي تدفعه بقوَّة أكبر.
تراجع خطوتين، ثم أمسك رأسه فجأةً وكأنَّ الدنيا تدور حوله.
تشوَّشت الرؤية أمامه للحظات...
رفع عينيه إليها مجدَّدًا...وابتسم.
ابتسامة مرهقة، ضائعة، لكنَّها ممتلئة بها.
دارت حوله تدفعه بغضب، ولم تراعِ حالته..وأشارت إلى الباب:
_ إنتَ بتعمل إيه هنا، يلَّا اطلع برَّة.
اقترب منها من جديد ببطء.
تراجعت هي للخلف، وعيناه تتحرَّكان فوق جسدها بطريقةٍ جعلت قلبها يرتجف رغماً عنها.. تخشى ان تضعف معه، دون ان تلقيه درسا لا ينسى
همس بصوتٍ متعب:
_وحشتيني...إيه، مش وحشتك؟
رفعت ذقنها بعناد تحاول قتل ضعفها:
_لا، مش وحشتني..
اطلع برَّة.
حاصرها بين ذراعيه وبين الجدار..
هبطت عيناه على شفتيها المرتجفتين:
_لا؟
مش وحشتك إزاي؟
رفعت عينيها إليه، و أنفاسه الساخنة تضرب عنقها بعنف، تذيب كلَّ قوتها بالتدريج.
_وتوحشني ليه إن شاء الله؟
إحنا خلاص...هنطلَّق.
تجمَّد قلبه على كلمتها، ثم انحنى حتى أصبح وجهه قريبًا جدًّا منها، وعيناه تائهتانِ داخل عينيها:
_مين قال كده؟..
اختنق صوتها، من قربه وملامسة شفتيه لوجهها، فدفعته بعنف بعدما شعرت أنَّ مقاومتها تنهار أمام تلك النظراتِ المجنونة:
_ابعد يا يوسف...متبقاش مجنون، ثم
وضعت يدها على صدره لتمنعه...
لكن فجأةً جذبها إليه بعنف، وكأنَّ شيئًا انفجر داخله، ثم التهم شفتيها بقبلةٍ فوضوية مجنونة، قبلة بلا اتِّزان...بلا سيطرة...وكأنه يحاول إثبات أنها مازالت له.
شهقت وهي تحاول دفعه، لكن أنفاسها ضاعت تمامًا معه.. في قبلته المجنونة، تقسم أنها للاول مرة تشعر بأنه يقبلها بتلك الطريقة، لكن فجأةً طرقاتٍ على الباب..
_ضي، جبتلكم العشا يا حبيبتي.
ظلَّت تبعده لتجيب والدتها ولكنه سلب تنفُّسها، دفعته بقوَّة غاضبة إلى أن ابتعد عنها بصعوبة، يتنفَّس بعنف، بينما وقفت هي تحاول التقاط أنفاسها المرتجفة، وشفتيها ترتعشان بشكلٍ فضحها.
دخلت الخادمة بعدما أمرتها غرام والسماح من ضي وهي تدفع عربة الطعام، توقَّفت غرام عند الباب قائلة:
_يوسف جبتلك العشا...يارب يعجبك.
جلس يوسف على طرف الفراش يحتضن رأسه بكفِّه، وكأنه يقاوم ألمًا يفتك بعقله.
رفع رأسه بصعوبة على كلماتها وابتسم:
_تسلم إيدك.
نظرت ضي لوالدتها، ورغم نظراتها المرتبكة، أشارت إليه بارتجاف:
_خلِّيه ينزل ياكل تحت.
_اقعدي مع جوزك واتكلِّموا، دنت غرام منها ونظرت لعينيها والعلامات التي تركها، فابتسمت بسخرية:
_دا منظر واحد جاي ياكل يا بنت أرسلان، اومال لو مش عايزة تطلقي...قالتها بتهكم،لتشعر ضي بالضيق ممه، اقتربت غرام بعدما لمحت صراع ابنتها
_ لو طلَّقك هترتاحي، أنا معاكي مهما تقرَّري، بس اقعدي معاه، وقت الوجع والغضب بنقول كلام خارج سيطرتنا، وشكله ندم، ربِّنا يهديكوا، قالتها وخرجت، وأغلقت الباب خلفها.
نظرت ضي إليه، وكلماته تصغعها، فاندفعت نحوه بغضبٍ مرتبك:
_بقولَّك إيه ما تجنِّنيش، عشا إيه إن شاء الله؟!
إنتَ اتجنِّنت؟! اطلع برَّة أوضتي بدل ما أصوَّت، لكنها شهقت فجأةً حين جذبها بقوَّة نحوه، لتسقط جالسة فوق ركبتيه.
حاولت النهوض تصرخ فيه، لكنه أحاط جسدها بذراعيه بإحكام، مانعًا هروبها.
_شوية هدوء يا مجنونة...جنِّنتي أبويا.
لكزته بعصبية وهي تهمس صارخة:
_ابعد! إنتَ شكلك مبرشم.
هزَّ رأسه وأطلق ضحكةً رجولية مرتفعة.
توسَّعت عيناها تهمس لنفسها:
_والله إنتَ ما طبيعي..
صمتت ثم قالت:
_جاي ليه يا يوسف، مش إنتَ طردتني.
لكنه لم يكن يسمعها، كان تائهًا داخل رائحتها، قربها، ملمسها..نظر لفتحة روبها.
_يوسف بلاش جنان، امشي من هنا.
لم يستمع إليها بل دفن أنفه بعنقها يتمتم بصوتٍ مختنق:
_مجنون بيكِ يا حبيبة يوسف، يوسف مجنون بضي..
_يوسف!
صرخت باسمه، لكن صوتها خانها.
وخانتها دموعها التي انسابت فوق وجنتيها رغماً عنها، تحاول التمسُّك بغضبها...بوجعها منه...بكلِّ ما فعله بها..تريد كرهه ونفوره لكن جسدها اللعين كان يضعف بين ذراعيه ككلِّ مرَّة.
وقلبها الألعن...كان يرتجف لمجرَّد أنه مازال ينطق اسمها بذلك الحبِّ المجنون.. ونظراته التي جعلتها كالطائر بلا جناحين.
نظرت لعينيه التي لم تتزحزح عنها:
_متفكرش هسامحك.
نهض من مكانه واتَّجه إلى الحمَّام، يضع رأسه تحت صنبور المياه الباردة، توقَّف أمام المرآة ينظر لهيئته، ثم تناول المنشفة يمسح وجهه ويغمض عينيه:
_فيه إيه...مالك؟! معقول علشان وحشتك، اتجنِّنت مبقتش قادر تسيطر على نفسك.
تنفس بهدوء ثم خرج...توقَّف لدى الباب ينظر إليها، كانت تقف أمام الباب تعقد ذراعيها..اقترب منها مبتسمًا فأشارت إليه بتحذير:
_بطَّل جنان ويلَّا على بيتكم، تحرَّك يشير إليها:
_تعالي نتعشى وهمشي.
زفرت بغضب، ورغم ذلك تبسَّمت.
أشار بعينيه إليها بالجلوس، وعيناه ذهبت إلى روبها.
استدارت قائلة:
_هلبس الأوَّل:
_تعالي هنا...إيه هوَّ أنا مش جوزك.
_لا مش جوزي.
رفع الغطاء عن الطعام، وأطلق صفيرًا:
_واو حماتي عاملة حمام.. خليني اكل الحمام لما تغيري علشان اخلعك براحتي
استدارت تنظر للطعام، وتوسَّعت عيناها تضغط على شفتيها بغضب.
غمز إليها، وبلحظة جذبها لتسقط فوقه مرَّةً أخرى:
_تعالي أكِّلي جوزك يا روحي.
_جوز حمام يطيَّروك يا حبيبي.
قبلةً سريعة على شفتيها يغمز إليها:
_كلِّ ما تتأخَّري هبوسك، عايز آكل الحمام دا كلُّه.
رفعت حاجبها ساخرة:
_ودا من إيه إن شاء الله، مفكَّر نفسك عريس.
دنا من شفتيها يهمس إليها:
_وأحسن عريس، تحبِّي تشوفي؟.
لكزته غاضبة ونهضت من مكانها تعقد ذراعيها:
_كل ويلَّا على بيتكم...عايزة أنام.
_ابويا طردني، ومراتي المجنونة حرقت البيت، مش قدامي غير حضن بنت عمي، وخاصة بالروب دا هيكون سهل في الخلعان
شهقت تسبه
_قليل ادب ومش متربي
أمسك الحمامة يقلِّبها بين يده:
_سبحان الله، يوضع سرُّه في أضعف خلقه
_اهي البتاعة الصغيرة دي هتخليني اعرفك قليل الادب هيعمل ايه، الياس اصلًا نسي يربيني، متربي على ايدك ياروحي، غمز اليها
_متجوز اجمل بنت هكون متربي، وكتاب الله ماينفع
أفلتت ضحكة رغمًا عنها، هذا الرجل سيصيبها بالجنون حتمًا.. جزت على اسنانها وابتعدت
_كل يارب تشرق..
مضت خمس دقائق، إلى أن دفع عربة الطعام:
_الحمد لله..كدا الواحد ينام بهدوء.
قالها وهو يفرد ظهره على الفراش.
ضربته بقدمها:
_إنتَ هتعمل إيه يا دكتور؟!.
اعتدل وقام بنزع قميصه.
_إنتَ بتخلع القميص ليه، وبعدين مش ناوي تمشي؟.
_الله مش اتعشيت وأنا لابس القميص..
فيه حباية رز وقعت عليه، ولازم يتغسل.
دفعته بغضب اتجاه الباب:
_اطلع برَّة.
_والله لو ما سكتيش لأخلــ ع هدومي كلَّها..
دا حتى حماتي مهتمية بيَّا ومعشياني حمام ورومي.
جحظت عيناها تشير إليه بتحذير:
_ما تعصبنيش، واطلع برَّة، روح بيتكم.
_ماقولت، أبويا طردني، ومراتي حر قت بيتي..انتي كمان خرسة
باقي مين عمِّي حبيبي، عنده بنت عايزة..
صمت ولم يكمل حديثه، قبل أن تلقيه بالوسادة:
_اطلع برَّة...اقترب منها يتلاشى ما تلقيه عليه:
_إنتي اللي جبتيه لنفسك.
أمسكها يسحبها إليه بقوَّة مع كلمات أرسلان بالخارج:
_إنتَ يا حيوان هتبات عندك؟.
نظر إلى ضي وغمز قائلًا:
_أه...عايز أنام في حضن مراتي، ولو مش من غير هدوم كنت أخدتها بيتي دلوقتي لأنَّك كل شوية تزعجني.
سحبته غرام:
_كدا عاجبك..يارب تكون ارتحت، أظن لو ضي مش عايزاه كانت قفلت الباب كدا.
هزَّ رأسه وتحرَّك وهو يقول:
_مين قالِّك كنت عايز الطلاق، بس عايز أعلِّمه الأدب، بس كالعادة بنتك هبلة.
بالداخل استدار يضحك عليها.
أقسمت أنه لم يكن طبيعيًّا، تعلم أنه لن يفعل ذلك..دنت منه تنظر إليه:
_إنتَ تعبان؟.
طالعها بعينينِ حمراوتين بشكلٍ أخافها، وأنفاسه تضرب صدره بعنف، بينما جسده كلَّه كان ينتفض باضطرابٍ لا يفهم سببه.
_ضي أنا بحبِّك...
هزّت رأسها بدموعٍ متحجِّرة داخل عينيها:
_أنا تعبت...تعبت من حبَّك اللي كلِّ مرَّة يوجعني أكتر.
أغمض عينيه للحظة، ثم دفن وجهه بعنقها وهمس بصوتٍ مرتجف:
_مش قادر أعيش من غيرك..بحبِّك.
ارتجف قلبها رغمًا عنها...ذلك الصوت وحده قادرًا على إسقاط كل جدرانها، لكن الذكريات كانت أقسى، كانت تشعر أنَّ روحهما تؤذي بعضهما مهما حاولا الاقتراب.
ابتعدت عنه سريعًا، وبدأت تتحدَّث عن ما قاله وما فعله.
بينما هو شعر بزيادة حرارته تسري بعروقه، بشكلٍ أعلى من الأوَّل، ضربات قلبه تتسارع بشكلٍ مرعب، ورأسه يكاد ينفجر.
تذكَّر كلمات بلال فجأة...
اتَّسعت عيناه قليلًا، وكأنَّ عقله بدأ يربط أشياءً لم ينتبه لها.
اقتربت منه ضي تتحدَّث بانفعال:
_ أنا بكلِّمك أهو...ساكت ليه؟
لكزته بصدره بخفَّة، فرفع عيناه إليها ببطء.
وقعت عيناه عليها...تجمَّد مكانه.
هيئتها أمامه، قربها، رائحتها، ارتجافة شفتيها...كلُّ شيء بدا وكأنه يشعل شيئًا مظلمًا داخله.
شعر بنفسه كذئبٍ يتربَّص بفريسته...
اقتربت أكثر حتى اختلطت أنفاسها بأنفاسه وهمست بعناد:
_ إنتَ قولت هتطلَّقني..كلِّ شوية طلاق، مفكَّرني هتحايل عليك، أنا خلاص زهقت ومبقتش عايزة أكمِّل، رغم رفض قلبها لكلماتها إلَّا أنها قالتها في محاولة على السيطرة على ضعفها.
انقبض فكِّه بعنف، دفعها بقوَّة على الفراش.
دقائق بعدما فقد السيطرة بالكامل..
اعتدل وأنفاسه بدأت تتلاشى ورؤيته تتلاشى مرَّةً أخرى.
ثم ابتعد فجأة وكأنه يهرب من نفسه قبل أن يهرب منها..يجب أن يسيطر على مايحدث له، حتى لايؤذيها، اتَّجه سريعًا نحو الحمَّام، بينما كانت تراقبه بصدمة قبل أن تضرب الأرض بقدمها بعصبية:
_عايز يجنِّني! والله ما هيسكت غير لمَّا يخلِّيني أكلِّم نفسي.
لكن كلماتها توقَّفت فجأة...
وتعالت أنفاسها وهي تتذكَّر قبلته المجنونة منذ دقائق.
تحرَّكت ببطء نحو المرآة، وقفت أمامها تحدِّق بوجهها المبعثر، بشفتيها المرتجفتين، بخصلاتها التي أفسدها بين أصابعه..وعلاماته المجنونة التي تركها.
رفعت أناملها تلمس شفتيها...ثم أغمضت عينيها كأنها تخشى أن تضيع منها ذكرى تلك القبلة.
ثوانٍ فقط...ثم فتحت عينيها بفزعٍ من نفسها.
أنا فعلًا غبية زي ما طنط ميرال قالت.
عضَّت شفتيها وهي تهمس بخجلٍ غاضب:
_بترجعي ببوسة يا هبلة؟
رغم ذلك...ابتسم قلبها رغماً عنها.
وضعت يدها فوق صدرها وكأنها تعاتبه:
_بطَّلي غباء، كفاية ترخَّصي نفسك بقى.
اتَّجهت لغرفة الملابس وقامت بنزع ثيابها بعنف ودموعها تنساب، من رائحته التي تغرق جسدها.
هوت على المقعد بعدما ارتدت ثيابها، وأحاطت وجهها بكفَّيها تتنفس بعنف، كلَّما تذكَّرت ضعفها أمام لعنته...
بالحمَّام ظلَّ أكثر من نصف ساعة تحت المياه الباردة، يضرب كفَّيه بالجدار، بعدما تيقن من لعبة بلال.
خرجت تنظر لباب الحمَّام بعد تأخُّره:
_دا بيستهبل ولَّا إيه؟!
خرج على كلماتها، يحاوط جسده بمنشفة.
شهقت تنظر إليه بغضب:
_ودا اسمه إيه؟!.
اتَّجه لهاتفه...ولم يرد عليها، وقام بمهاتفة أحد الخدم بجلب ثيابًا إليه.
وصلت تلكمه:
_إنتَ أكيد عايز تجنِّني!.
_ضي لو خايفة على نفسك ابعدي عنِّي دلوقتي، مش عايز أزعَّلك.
_لا والله...خفت أنا ولازم أبعد، اتفضل يا محترم اطلع برَّة أوضتي دلوقتي.
أشار لنفسه وقال:
_أطلع بالفوطة يعني؟.
_ميهمنيش، إن شالله تطلع من غير هدوم خالص.
_وماله..قالها ووضع يده على المنشفة لتصرخ باسمه تقترب منه كالمجنونة:
_أنا مش مسمحاك، سمعتني مش مسمحاك على اللي بتعمله فيَّا.
حاوط جسدها وضمَّها لأحضانه:
_خلاص اهدي، همشي، الهدوم تيجي وهمشي متزعليش.
رفع ذقنها ينظر لعينيها:
_كنتي وحشاني بس.
قالها قبل أن ينحني ويطبع قبلة على وجنتيها، مع طرقات الخادمة للباب.
بعد دقائق كان يقف أمام بلال، لكمة قوية على وجهه، أنا تعمل معايا كدا يامتخلف
ضحك الاخر يبتعد عنه بصوت مرتفع
_كنت بعمل تجارب، المهم ايه الاخبار
اتجه اليه، ولكن هرب من امامه
_انا عايز اعيش، ابني جاي في السكة
بقصرِ الجارحي بعد أسبوع..
كانت تتحرَّك مع مرافقة أحضرها حمزة خصِّيصا لمراعاتها، جلست بالحديقة، ثم تناولت هاتفها وهاتفت والدتها:
_عاملة إيه حبيبتي.
_أنا كويسة يا ماما، حضرتك عاملة إيه.
_حبيبتي أنا كويسة، المهم خلِّي بالك من نفسك، ويبقى تعالي حفلة عمِّك، علشان ميزعلش.
_هيَّ الحفلة دي ليه يا ماما؟.
_علشان بلال حبيبتي، معملناش حفلة لمَّا أخد الدكتوراه، وكمان افتتاح النادي الجديد.
_أيوة عرفت من حمزة إنه خلَّص نادي كبير أوي، ربِّنا يوفَّقه ويزيده يارب.
_يارب حبيبتي...حبيب تيتا عامل إيه؟.
وضعت كفَّها على بطنها وابتسمت:
_الحمدلله يا ماما، كنَّا عند الدكتور وطمِّنا عليه.
_عرفتي جنس الجنين يا شمس، إنتي في السادس دلوقتي صح؟.
ابتسمت وقالت:
_في آخر الخامس حبيبتي، لا مسألناش على جنسه...حمزة رفض.
_ربِّنا يكمِّلك على خير حبيبتي..سلِّمي لي على طنط دينا.
_حاضر حبيبتي، وسلِّمي على يوسف وضي.
_يوصل حبيبتي...قالتها وأغلقت الهاتف مع دخول إلياس:
_صباح الخير حبيبتي.
_صباح الخير يا أبو يوسف.
اقترب من الفراش وأزال الغطاء عنها:
_لمَّا بتقولي أبو يوسف بحس إنِّي ملكت الدنيا يا ميرال، الواد دا قطعة من روحي، لكنه متخلِّف.
_ابني مش متخلِّف لو سمحت.
ساعدها في الوقوف..وقام بنزع ثيابها وتبديلها بشيءٍ مناسب:
_يلَّا..كلِّنا هنفطر عندي النهاردة، يزن ورحيل جم تحت، وغرام كمان.
أمسكت ذراعيه وتساءلت بعينيها عن ضي..
ضمَّ رأسها وطبع قبلة فوقها:
_هتيجي متخافيش، سبيهم يصالحوا بعض.
_ربِّنا يهدي يوسف ويرجَّعها.
عانق ذراعها بعدما وضع حجابها، أوقفته ثم دفنت نفسها بأحضانه:
_تعبتك أوي يا إلياس.
حاوط جسدها يضمُّها إليه، ثم دفن رأسه في حجابها:
_إلياس من غيرك ولا حاجة يا ميرال.
ابتعدت قليلًا تنظر إليه:
_ربِّنا يخلِّيك لينا يا حبيبي، وإن شاء تشيل حفيدك، عندي أمل في ربِّنا كبير.
_إن شاء الله حبيبتي.
تجمَّع الجميع على طاولة الطعام، سوى من بلال ورولا..دقائق وكانت تتحرَّك بجواره ببطء، توقَّفت غرام واقتربت منهما تسحب كفَّيها بعدما أزاحت المقعد:
_عاملة إيه حبيبتي؟
_الحمدلله حبيبتي.
_كويسة يا ماما..ناقص بس تاكل العيلة.
ضحك الجميع على كلمات بلال... التفت يبحث عن ضي:
_ضي ويوسف فين؟.
وصلت ضي في تلك اللحظة تلقي تحيَّة السلام:
_أنا جيت حبيبي.
توجَّه بنظره إلى إلياس:
_يوسف فين؟.
_نزل بدري...اللي اسمها دارين دي اتَّصلت بيه.
قالها إلياس وهو يضع الطعام أمام ميرال.
بينما ضي التي شعرت بنيران تحرق قلبها منه..لم تشعر بنفسها وهي تقول بنبرةٍ غاضبة:
_ورايح لها ليه على الصبح قليلة الأدب الغير محترمة دي؟.
رفع إلياس رأسه إليها:
_يبقى اسأليه لمَّا يجي..
نهضت سريعًا تجمع أشياءها
_أنا افتكرت عندي اجتماع، مش هقدر أفطر.
توقَّفت غرام سريعًا:
_هتمشي من غير فطار؟.
قاطعها إلياس:
_مش النهاردة الجمعة، هوَّ إنتي عندك شغل بردو؟.
_ارتفع تنفُّسها، تعلم أنَّ عمَّها يتلاعب بها، استندت على طاولة الطعام أمام الجميع تنظر إليه:
_عمُّو إلياس صباح الورد على عيونك.
قالتها واعتدلت متَّجهة إلى سيارتها.
_ضي..توقَّفت تسحب أنفاسها بهدوء ثم التفتت إليه ورسمت ابتسامة:
_نعم يا عمُّو.
_هوَّ الشغل يوم الجمعة تدريب رياضي؟
أصلي شايفك يا حبيبة عمُّو رايحة الشغل بالترنج.
قالها إلياس وهو يرفع حاجبه بمكر، وعيناه تتفحصان هيئة ضي التي كادت تختنق، ردَّت ببراءة مصطنعة:
_بالظبط كده.
ضحك يزن بخفوت، لكن ميرال لكزته سريعًا أسفل الطاولة حين لمحَت نظرات أرسلان، الذي كان يراقب إلياس بصمت وعيناه معلَّقتان بضي.
أشار اليه وهمس بغيظٍ محبَّب:
_افطر يا أبو بلال...دي طليقة ابني، وحبِّيت أنكشها بس.
هنا انفجر يزن ضاحكًا، حتى مال بجسده للخلف وهو يضرب الطاولة بخفَّة:
_ليك يوم يا ظالم...شوفت يا أرسو؟
اللي قولته...اتقالَّك.
رفع أرسلان كفِّه على ذقنه، ثم نظر إلى إلياس بنظرةٍ تمتلئ بالتشفِّي المرح:
_كده تشمِّت فيَّا يا أبو طليق بنتي؟
ارتفعت ضحكات الجميع دفعةً واحدة، وتحوَّلت طاولة الطعام إلى حالةٍ دافئة مليئة بالحياة، كأنَّ البيت أخيرًا تنفَّس بعد أيام طويلة من التوتُّر.
حتى إلياس...ابتسم.
ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل ميرال تنظر له لثوانٍ بصمت، وعيناها تلمع بالسعادة.
بعد دقائق...
هدأت الضحكات تدريجيًّا، وانشغل الجميع بالفطور، بينما جلس إلياس ويزن مع أرسلان يتحدَّثون عن حفل المساء.
كان أرسلان يتكلَّم بحماس عن الترتيبات، ويزن يشاركه الحديث، أمَّا إلياس فكان صامتًا أغلب الوقت...يهزُّ رأسه أحيانًا، ويجيب بكلماتٍ قصيرة، لكن عيناه بقيتا تتبعان ميرال أينما تحرَّكت.
بمنزل آدم..
كانت تتحرَّك بخفَّة تلعب بمقابلة أخيها لعبة التنس، انتهت وخطت نحوه تضرب يده:
_مبروك يا هندسة.
داعب خصلاتها بابتسامةٍ حنون:
_إيه رأيك تيجي الحفلة بالليل، ماما قالت إنِّك رافضة.
_عندي مذاكرة كتير، الترم أوشك على الانتهاء.
تمدَّد على العشب وأشار إليها بالجلوس:
_عملتي إيه مع دكتورك الغلس؟.
_أوعى تكون قولت حاجة لماما؟.
_لا حبيبتي..اطَّمني، المهم عملتي إيه؟.
_عادي مفيش جديد، اسمه إيه الدكتور دا؟.
قاطعهم صوت إيلين:
_الفطار يا ولاد.
بمنزل طارق..
خرجت من غرفة طفلها، وجدته واقفًا أمامها ينظر إليها بصمت:
_عايز إيه يا مازن؟.
_بابا هيرجع إمتى؟
_ممكن بالليل...فيه حاجة؟.
_مالكيش دعوة، قالها وتحرَّك بعض الخطوات ثم توقَّف يستدير إليها:
_إنتي اللي قولت له ياخدني لدكتور صح.
إنتي انسانة جشعة خبيثة، أنا مش مجنون يا خبيثة، والله لأنتقم منك إنتي والراجل اللي عامل أبويا.
لم تشعر بنفسها وهي ترفع كفَّها وتصفعه على وجهه بقوة.
توسَّعت عيناه، يضع كفِّه على وجنته ينظر إليها بكرة، ورغم حزنها ممَّا فعلته إلَّا أنها أشارت إليه بغضب:
_إنتَ فعلًا مش مجنون، لكن إنتَ قليل الأدب وعايز تتربَّى، أنا كنت ساكتة على قلِّة أدبك، لكن لمَّا يجي باباك لازم أقولُّه على بلاويك ودلوقتي على أوضتك، ومفيش خروج برَّة الأوضة دي لحدِّ ما تتربَّى كويس.
نظرة كارهة بغضبٍ حارق ثم تحرَّك من أمامها دون أن ينطق.
مسحت على وجهها:
_يارب إيه الواد دا، شارب لبن كره وحقد، إزاي الواد دا كدا؟!.
حاولت ان تتنفَّس بهدوء، ولكنها فشلت فتحرَّكت إلى الحديقة.
مساءً صاخبًا بالأضواء والفخامة داخل كمبوند الشافعي...
كانت الموسيقى الهادئة تنساب بين الحضور، بينما انعكست الإضاءات الذهبية على الواجهات الزجاجية الفاخرة، ليبدو المكان وكأنه قطعة من الفخامة والروعة.
في تلك اللحظة...
دلف جاسر بمرافقة عز وياسين.
ترجَّل كلَّا منهم من سيارته بهيبةٍ اعتادها الجميع منهم، وما إن خطوا داخل الحفل حتى تبدَّلت الأجواء من حولهم، وكأنَّ اسم الألفي وحده كفيل بأن يمنح المكان ثِقله وهيبته.
التفتت الأنظار نحوهم تلقائيًا...
خطواتهم الواثقة، وحضورهم الذي يفرض نفسه دون محاولة.
اقترب أرسلان سريعًا لاستقبالهم، وعلى وجهه ابتسامة ترحيب واسعة:
_جاسر باشا...نوَّرتنا.
ثم صافح عز وياسين بحرارة وهو يتابع بفخرٍ واضح:
_نوَّرتونا وشرَّفتوا كمبوند الشافعي.
جاء صوته متزامنًا مع وصول إلياس إليهم، الذي وقف بجوار أرسلان بهدوئه المعتاد وهيبته التي لا تقلُّ عنهم شيئًا، ثم مدَّ يده إلى جاسر قائلًا:
_نوَّرتنا يا جاسر باشا.
صافحه جاسر بابتسامةٍ خفيفة تحمل الكثير من التقدير:
_أهلًا إلياس باشا.
ظلُّوا لبعض الوقت يتبادلون الحديث حول العمل والحفل وبعض المشروعات الجديدة...فاجتماع تلك الأسماء في مكانٍ واحد لم يكن أمرًا عاديًا أبدًا.
على الجانب الآخر..
وضعت كفَّها على بطن رولا:
_حبيب عمِّتو عامل إيه؟.
_طفس زي أبوه، عايزني طول الوقت آكل، لمَّا بقيت زي البالونة.
ضحكت عليها، وطافت بعينيها عليها:
_فعلا بقيتي كرنبة يا روحي.
_طيب مامتك عاملة عشا إيه في الحفلة دي؟.أنا جوعت.
ضحكت عليها بصوتٍ مرتفع، جعلت الجميع ينظر إليها، نهض بلال وتحرَّك إليهما:
_مالكم يا حلوين؟.
_مراتك هتاكلني، لسة ضاربة طبق محشي وبتقولِّي عايزة أتعشى.
أمسك كفَّ رولا، وساعدها بالنهوض:
_دا أقلِّ حاجة حبيبتي، دي بتسمِّي لسة.
شهقت ضي تنظر إلى بطنها المنتفخة:
_الله يكون في عونك يا حبيبي، دي عايزة طبَّاخ مخصوص.
_بلال سيبك منها، أنا دايخة عايزة آكل.
_كلي دراعي يا رولا، ينفع؟
لكزته تدفن وجهها بكتفه:
_ابنك اللي جعان، يرضيك تحرمه؟.
_ابني دا ابن..وضعت كفَّها على فمه:
_اسكت بقى، هتفضل ترغي وأنام جعانة.
وصل إليهما ينظر إلى رولا:
_مامتك بتسأل عليكي، جايبة لك طبق بسبوسة بالقشطة.
تركت ذراع بلال وتحرَّكت تبحث عن والدتها، توسَّعت أعين بلال:
_لا بجد كدا كتير.
ربت يوسف على كتفه وأشار بعينه بحركةٍ مزاحية:
_صعبان عليَّ، دي عايزة ونش.
نهضت ضي واقتربت منهما:
_حبيبي أي واحدة حامل بتبقى كدا، متزعلهاش، هيَّ ما بتكلش أصلًا، بتاخد الحاجة وخلاص.
التفتت إلى يوسف ترمقه بغضب:
_وإنتَ خلِّيك محضر خير، إيه اللي جابك عندنا؟.
هزَّ بلال رأسه بيأس، وغادر، بينما استدار إليها ينظر إليها باشتياق..
سحب كفَّها وتحرَّك بها ألى ساحة الرقص، مع محاولة اعتراضها:
_يوسف سيب إيدي أنا مش هرقص، الناس بتبص علينا.
_عندك ليَّا رقصة يا بنت عمِّي.
دار بعينيه بالمكان، ثم اقترب يرفع ذراعيها حول عنقه، وسحبها من خصرها يقرِّبها إليه:
_ارقصي يا أستاذة، خلِّينا نقفل الحساب اللي بينَّا.
التفتت حولها تهمس:
_الناس بتبص علينا، ابعد عنِّي.
تحرَّك مع الموسيقى يحرِّكها معه:
_لا بتتكسفي أوي، دا إحنا رقصنا تانجو وإحنا مطلَّقين، ولَّا وقتها الانتقام مكنش معرَّفك الصح من الغلط؟.
أثار جنانها، فدنت برأسها تنظر لعينيه بقوة وقالت:
_مش أحسن ما أصاحب واحدة مش بتلبس هدوم ويعمل محترم وهوَّ مقضِّيها معاها.
توقَّف عن الرقصة ينظر إليها بذهول:
_مين دا اللي تقصديه؟!.
ارتبكت للحظات من نبرنه إلَّا أنها رفعت رأسها تنظر إليه بقوة:
_تفتكر مين يا محترم؟.
_إنتي شيفاني كدا ياضي..حقيقي شايفة ابن عمِّك بلا أخلاق كدا؟!.مش هقول جوزك اللي كنتي في يوم من الأيام بتنامي في حضنه..
قطع حديثهما صوت بكاء وصراخ..
التفتت سريعًا على صرخات رولا وكأنَّ وقت ولادتها جاء.
خطا يوسف سريعًا نحو الصراخ وخلفه ضي..توقَّفت الموسيقى، مع صرخاتها ومحاولة بلال السيطرة عليها:
هموت يا بلال هموت..ضمَّها إليه:
_حبيبتي اهدي خلاص.
نظر لوالده:
_شكلها بتولد.
_خد مراتك المستشفى الناس بتتفرَّج عليك.
انحنى يحملها وساعده آسر في حملها متَّجهين إلى السيارة، ركضت رحيل وغرام وراءهم.
وهدأ المكان بعدما كان يضجُّ بالموسيقى وصرخات رولا..مع انسحاب المدعوين بعد اعتذار أرسلان.
ركض يوسف خلفهم بالسيارة ولحقته ضي.
استقلَّت السيارة بجواره:
_هوَّ دا موعد ولادتها ولَّا إيه، كانت بتقول لسة أسبوعين.
لم يرد عليها كل ماي فكِّر فيه حالة بلال الآن.
وصل بعد قليل...وجد بلال وآسر بالخارج:
_إيه فيه إيه؟.
أشار للداخل:
_الدكتورة بتكشف عليها.
_طيب مادخلتش مع مراتك ليه، إزاي تسبها لوحدها؟..ادخل علشان تطمِّن.
_مش عارف بقى.
ربت على كتفه يشير اليه:
_ياله ادخل..ياله.
قالها يوسف بثبات مع خروج رحيل وغرام:
_ولادة...هتدخل عمليات.
تحوَّلت المشفى بالكامل إلى ساحةٍ تعجُّ بعائلة الشافعي، الجميع بالخارج يتحرَّك بتوتُّر، يدعو، يترقَّب، وكلُّ دقيقة تمرُّ عليهم كأنها عامٌ كامل.
بالداخل، كان بلال يقف بجوار الطبيب، لم يترك يد زوجته للحظة واحدة، أصابعه متشبِّثة بكفِّها كأنه يمنحها من روحه القوة..كان قلبه يتمزَّق معها.
يمسح دموعها بيدٍ مرتجفة ويهمس قرب جبينها:
_أنا معاكي يا حبيبتي، خلاص قرَّبنا.
تعلَّقت أصابعها بكفِّه بقوةٍ مؤلمة، بينما أنفاسها تتقطَّع من شدِّة الألم، وهو عاجز إلَّا عن احتضان يدها والدعاء بصمت..إلى أن ذهبت بنومها بسبب تخديرها...مضت دقائق وفجأة...
شقَّ صراخ الطفل الصغير المكان.
تجمَّد بلال لثانية، وكأنَّ العالم توقَّف حوله.
ثم التفت بسرعة ناحية الصوت، واتَّسعت عيناه بذهولٍ لم يعرفه من قبل.
صرخة واحدة فقط..حوَّلته من رجلٍ خائف إلى أب.
اهتزَّت شفتاه، وامتلأت عيناه بالدموع وهو يسمع بكاء ابنه للمرَّة الأولى.
اقتربت الممرِّضة تحمل الطفل الصغير بعدما انتهت من تنظيفه ولفِّه بعناية.
مدَّت الصغير إليه بابتسامة:
_ألف مبروك يا دكتور.
تناوله بلال بحذرٍ شديد، كأنه يحمل قلبه بين ذراعيه، ثم طبع قبلةً طويلة مرتجفة على جبينه الصغير، وأغمض عينيه للحظة، يحتضن تلك الرائحة الأولى التي ستظلُّ محفورة بروحه للأبد.
ابتسم وسط دموعه وهو يهمس:
_الحمد لله...
ثم رفع نظره للطبيبة سريعًا رغم لهفته عليه:
_دكتور الأطفال يشوفه.
ابتسمت الطبيبة بتفهُّم:
_أكيد يا دكتور...متقلقش.
ظلَّ يتأمَّل ملامحه الصغيرة بانبهارٍ طفولي، يمرِّر إصبعه على كفِّه الصغير الذي التفَّ حول إصبعه تلقائيًا، فارتجف قلبه بعنف.
_يا روح أبوك إنتَ...
بعد فترة...
خرج خلف الفراش المتحرِّك الخاص برولا..
اقترب منها، وانحنى يقبِّل جبينها بحبٍّ عميق.
وفي الخارج...
خرجت الممرِّضة تحمل الطفل، اندفع الجميع بلهفة.
اقتربت رحيل أوَّلًا، وعيناها تلمعان بدموع الفرحة، فتلقَّفته بحنانٍ هائل:
_حبيبي...نوَّرت الدنيا يا قلب تيتا.
ضمَّت الصغير لصدرها بحب، ثم اقترب يزن بسرعة يحمل الطفل منها بحذر، وكأنه يخشى أن يؤذيه..
طبع قبلةً على رأسه الصغير وهو يبتسم بعينينِ دامعتين:
_أهلًا بأصغر شافعي.
_ماشاء الله، ربِّنا يبارك ويحفظك.
استدارت رحيل خلف ابنتها، فاتَّجه يزن الى جلوس أرسلان الذي توقَّف..
حمله أرسلان:
_بسم الله، ماشاءالله.
ابتسم ودمعت عيناه، ثم ناوله لإلياس
_سمِّ الله يا جدُّو، وسمِّي ابن الحلوف دا.
تلقَّاه وتمتم:
_بسم الله..قبلة فوق جبينه ثم همس:
"_اللهمَّ إنِّي أستودعك هذا القلب الصغير الذي لم يعرف من الدنيا شيئًا بعد...
فلا ترِهِ حزنًا يبكيه، ولا وجعًا يكسره، ولا طريقًا يضلُّه.
رفع نظره إلى إرسلان وقال بصوتٍ مبحوح رغم ابتسامته الخافتة:
_لا طبعًا...إنتَ جدُّه، وأولى بتسميته... ربِّنا يحفظه.
هزَّ أرسلان رأسه وعيناه معلَّقتان بالطفل الصغير:
_والله ما حد هيسميه غيرك.
ارتجف قلب يوسف بعنف...ونظر للرضيع المستلقي بين ذراعي والده، كأن العالم كلُّه انكمش داخل ذلك الكائن الصغير، اقترب بخطواتٍ بطيئة، خائفة..وعيناه تلتهمان ملامحه بولهٍ موجع:
_بابا...هاته...عايز أشيله
ركض يوسف خلفهم بالسيارة ولحقته ضي.
استقلَّت السيارة بجواره:
_هوَّ دا موعد ولادتها ولَّا إيه، كانت بتقول لسة أسبوعين.
لم يرد عليها كل ماي فكِّر فيه حالة بلال الآن.
وصل بعد قليل...وجد بلال وآسر بالخارج:
_إيه فيه إيه؟.
أشار للداخل:
_الدكتورة بتكشف عليها.
_طيب مادخلتش مع مراتك ليه، إزاي تسبها لوحدها؟..ادخل علشان تطمِّن.
_مش عارف بقى.
ربت على كتفه يشير اليه:
_ياله ادخل..ياله.
قالها يوسف بثبات مع خروج رحيل وغرام:
_ولادة...هتدخل عمليات.
تحوَّلت المشفى بالكامل إلى ساحةٍ تعجُّ بعائلة الشافعي، الجميع بالخارج يتحرَّك بتوتُّر، يدعو، يترقَّب، وكلُّ دقيقة تمرُّ عليهم كأنها عامٌ كامل.
بالداخل، كان بلال يقف بجوار الطبيب، لم يترك يد زوجته للحظة واحدة، أصابعه متشبِّثة بكفِّها كأنه يمنحها من روحه القوة..كان قلبه يتمزَّق معها.
يمسح دموعها بيدٍ مرتجفة ويهمس قرب جبينها:
_أنا معاكي يا حبيبتي، خلاص قرَّبنا.
تعلَّقت أصابعها بكفِّه بقوةٍ مؤلمة، بينما أنفاسها تتقطَّع من شدِّة الألم، وهو عاجز إلَّا عن احتضان يدها والدعاء بصمت..إلى أن ذهبت بنومها بسبب تخديرها...مضت دقائق وفجأة...
شقَّ صراخ الطفل الصغير المكان.
تجمَّد بلال لثانية، وكأنَّ العالم توقَّف حوله.
ثم التفت بسرعة ناحية الصوت، واتَّسعت عيناه بذهولٍ لم يعرفه من قبل.
صرخة واحدة فقط..حوَّلته من رجلٍ خائف إلى أب.
اهتزَّت شفتاه، وامتلأت عيناه بالدموع وهو يسمع بكاء ابنه للمرَّة الأولى.
اقتربت الممرِّضة تحمل الطفل الصغير بعدما انتهت من تنظيفه ولفِّه بعناية.
مدَّت الصغير إليه بابتسامة:
_ألف مبروك يا دكتور.
تناوله بلال بحذرٍ شديد، كأنه يحمل قلبه بين ذراعيه، ثم طبع قبلةً طويلة مرتجفة على جبينه الصغير، وأغمض عينيه للحظة، يحتضن تلك الرائحة الأولى التي ستظلُّ محفورة بروحه للأبد.
ابتسم وسط دموعه وهو يهمس:
_الحمد لله...
ثم رفع نظره للطبيبة سريعًا رغم لهفته عليه:
_دكتور الأطفال يشوفه.
ابتسمت الطبيبة بتفهُّم:
_أكيد يا دكتور...متقلقش.
ظلَّ يتأمَّل ملامحه الصغيرة بانبهارٍ طفولي، يمرِّر إصبعه على كفِّه الصغير الذي التفَّ حول إصبعه تلقائيًا، فارتجف قلبه بعنف.
_يا روح أبوك إنتَ...
بعد فترة...
خرج خلف الفراش المتحرِّك الخاص برولا..
اقترب منها، وانحنى يقبِّل جبينها بحبٍّ عميق.
وفي الخارج...
خرجت الممرِّضة تحمل الطفل، اندفع الجميع بلهفة.
اقتربت رحيل أوَّلًا، وعيناها تلمعان بدموع الفرحة، فتلقَّفته بحنانٍ هائل:
_حبيبي...نوَّرت الدنيا يا قلب تيتا.
ضمَّت الصغير لصدرها بحب، ثم اقترب يزن بسرعة يحمل الطفل منها بحذر، وكأنه يخشى أن يؤذيه..
طبع قبلةً على رأسه الصغير وهو يبتسم بعينينِ دامعتين:
_أهلًا بأصغر شافعي.
_ماشاء الله، ربِّنا يبارك ويحفظك.
استدارت رحيل خلف ابنتها، فاتَّجه يزن الى جلوس أرسلان الذي توقَّف..
حمله أرسلان:
_بسم الله، ماشاءالله.
ابتسم ودمعت عيناه، ثم ناوله لإلياس
_سمِّ الله يا جدُّو، وسمِّي ابن الحلوف دا.
تلقَّاه وتمتم:
_بسم الله..قبلة فوق جبينه ثم همس:
"_اللهمَّ إنِّي أستودعك هذا القلب الصغير الذي لم يعرف من الدنيا شيئًا بعد...
فلا ترِهِ حزنًا يبكيه، ولا وجعًا يكسره، ولا طريقًا يضلُّه.
رفع نظره إلى إرسلان وقال بصوتٍ مبحوح رغم ابتسامته الخافتة:
_لا طبعًا...إنتَ جدُّه، وأولى بتسميته... ربِّنا يحفظه.
هزَّ أرسلان رأسه وعيناه معلَّقتان بالطفل الصغير:
_والله ما حد هيسميه غيرك.
ارتجف قلب يوسف بعنف...ونظر للرضيع المستلقي بين ذراعي والده، كأن العالم كلُّه انكمش داخل ذلك الكائن الصغير، اقترب بخطواتٍ بطيئة، خائفة..وعيناه تلتهمان ملامحه بولهٍ موجع:
_بابا...هاته...عايز أشيله.
أغمضت ميرال عينيها بقهرٍ وهي ترى تلك النظرة بعينيه، نظرة رجل يحاول لمس حلمٍ حُرم منه طويلًا..بينما هوت ضي مكانها بعدما خانتها ساقاها، وكأن المشهد كلَّه يطعنها من الداخل.
ربت أرسلان على كتف إلياس وقال بصوتٍ هادئ:
_سمِّي الولد...وادِّيه لعمُّه.
اختنق حلق إلياس، وامتلأت عيناه بالدموع رغمًا عنه، ياالله...كم كان هذا المشهد قاسيًا على قلب أبٍ يرى ابنه يتشقَّق أمامه بصمت.
ابتلع ريقه بصعوبة وسأل:
_هتسموه إيه...فين بلال؟
اقترب أرسلان منه، وهمس له باسم الطفل.
وهنا...
رفع إلياس عينيه نحو يوسف.
ولأوَّل مرَّة في حياته...شعر بالعجز الكامل، عجز أبٍ يتمنَّى أن ينتزع الألم من صدر ابنه بيديه...ولا يستطيع.
ارتجفت شفتاه، ثم رفع الطفل وأذَّن بأذنه بصوتٍ متقطِّع بالتكبير، وبعدها همس باسمه ثلاث مرات، وقلبه يرتجف مع كل حرف.
ثم اتجه نحو يوسف ومدَّ الطفل له بحذر:
_هتعرف تشيله؟،
أومأ يوسف سريعًا، وما إن استقرَّ الصغير بين ذراعيه، حتى توقَّف الزمن.
شهقة مرتجفة خرجت من صدره، ضمَّه إليه بحنانٍ مرتعب، كأنَّ الطفل قطعة من روحه عادت إليه أخيرًا، راح يتأمَّل أصابعه الصغيرة، أنفه، وجهه... وكلَّما تحرَّك الطفل قليلًا، كان قلبه يرتجف أكثر.
أمَّا ضي...فكانت تراقبه بصمتٍ مكسور، تشعر أن كلَّ نظرة بعينيه تخبرها كم يتمنَّى أن يكون هذا طفله.
_سمتوه إيه يا عمُّو؟
ابتسم بلال رغم دموعه على رؤية يوسف يحمله:
_تفتكر هسمِّيه إيه يا جو؟
رفع يوسف نظره إليه، ثم عاد ينظر للطفل الذي تشبَّث بإصبعه الصغير يبكي بخفَّة.
اقتربت الممرِّضة:
_الطفل يا جماعة...
لكن يوسف ابتعد به خطوة وهو يضحك وسط دموعه:
_بس يا سيدي...إنتَ مزعج زي أمَّك وأبوك ليه؟
ضحك الجميع بخفوت، بينما كان إلياس يراقب ابنه بحسرةٍ أدمت قلبه، ودعا بداخله بحرقة:
"اللهمَّ قرَّ عينه بطفلٍ من صلبه يا الله...و لا تحرمه هذا الشعور."
ثم ابتعد عن الجمع سريعًا حتى لا يفضحه وجعه.
تحرَّكت ميرال خلفه بعدما باركت لغرام ورحيل، بينما بقي يوسف واقفًا يحمل الطفل وكأنه يخشى أن تنتهي اللحظة.
وبعد دقائق...
اقتربت الممرِّضة وأخذت الصغير من بين يديه، فتعلَّقت عيناه به بصورة موجعة؛ وظلَّ يسير خلفها دون وعي حتى دخلت غرفة الأطفال ووضعته في فراشه الصغير.
وقف خلف الزجاج يراقبه بصمت...
كأنَّ قلبه تُرك هناك، داخل ذلك السرير الصغير.
توقَّف بلال بجواره وقال بهدوء:
_أنا سمِّيته يوسف.
التفت إليه يوسف بسرعة، واتَّسعت عيناه، ثم امتلأتا بالدموع فجأة:
_ليه عملت كده؟.
لكزه بلال بخفَّة وهو يبتسم بعينينِ دامعتين:
_غبي...هقول إيه؟ بحب عمُّه الحمار... وعايزه يفضل معايا طول العمر.
هنا...تذكَّر يوسف كلمات ضي عن الاسم، فتكسَّرت ابتسامته المرتعشة، ثم جذب بلال إلى حضنه بقوة:
_مبروك يا حبيبي..ربِّنا يباركلك فيه ويحفظه.
صمت لحظة، ثم خرجت منه الجملة كطعنة:
_ويكون حظُّه أحسن منِّي...
أغمض بلال عينيه بألم، بينما أبعده يوسف برفق وقال:
_انا همشي وإنتَ روح لمراتك، وخلِّي بالك من ابنك...أوعى حد يقرَّب منه.. قالها بابتسامة.
ثم استدار سريعًا قبل أن ينهار أمامهم.
خطا عدَّة خطوات، لكن دموعه سبقته هذه المرَّة، وانسابت رغمًا عنه، كتفاه تهتزَّان بصمتٍ موجع، وكأنه يحمل فوق صدره عمرًا كاملًا من الحرمان.
ظلَّ بلال يراقبه حتى اختفى آخر الممر.
ثم اتَّجه إلى أخته، التي كانت تبكي بصمت منذ رأت يوسف يحمل الطفل..
اقترب منها وضمَّها بحنان:
_الحقي جوزك...مش وقت زعل يا حبيبتي.
انهارت بين ذراعيه تبكي بحرقة:
_قلبي وجعني عليه أوي يا بلال، رغم وجعي منه.
ربت على كتفها بحنان:
_روحي له...هوَّ محتاجك دلوقتي أكتر من أي وقت.
أومأت وهي تمسح دموعها بصعوبة، فقبَّل جبينها بحنان وقال:
_يسلملي العاقل.
ابتسمت وسط دموعها:
_مبروك يا أحسن بابا في الدنيا.
ابتسم بلال بحب:
_الله يبارك فيكي يا حبيبتي...عقبالك إنتِ ويوسف إن شاء الله، عندي أمل... ربِّنا هيعوضكم.
شهقت ضي باكية:
_يارب يا بلال...يارب.
قالتها وغادرت المشفى بسرعة، وقلبها يرتجف خوفًا عليه.
أخرجت هاتفها واتَّصلت به مرَّة واثنين، وثلاثة...
لكن لا رد..وفجأة، أُغلق الهاتف نهائيًا.
هنا شعرت أنَّ قلبها سقط منها.
الفصل 72
هناك رجالٌ لا يبكون حين تؤلمهم الحياة... بل حين تضع بين أيديهم الحلم الذي حاربوا لأجله طويلًا، ثم تهمس لهم في اللحظة نفسها أنَّه ليس لهم.
وهو... كان يقف على حافَّة ذلك الإدراك القاسي، يحدِّق في الفراغ بعينين أكلتهما الخيبة، بينما شيءٌ داخله ينهار قطعةً بعد أخرى.
وهي... لأوَّل مرَّة، تشعر أنَّ وجعه أكبر من قدرته على الاحتمال... وأنَّ عينيه اللتين أنهكهما الحرمان طويلًا، كانتا تستغيثان بصمتٍ يقتلها.
لهذا ركضت إليه بقلبٍ مرتعش، لا تحمل بيديها حلًّا لمعاناته... بل تحمل نفسها فقط. تركض نحوه كما تركض الأرواح إلى مواطنها الأخيرة، بخوف امرأةٍ تشعر أنَّ من تحبُّه يوشك أن يسقط في هوَّةٍ لن يخرجه منها أحد.
الليلة... لن يكون الانكسار عابرًا.
ولهذا جاءت إليه... لا كنجاةٍ مؤقَّتة، بل كوطنٍ يحاول احتواء ما تبقّى منه. جاءت بقلبٍ مُثقلٍ بالخوف عليه، وبحبٍّ لم يعد يعرف كيف يختبئ، كأنَّ روحها اختارت أخيرًا أن تعترف له بأنَّه أكثر رجلٍ أوجعها... وأكثر رجلٍ أحبَّته.
خرجت ضي بخطواتٍ متعثِّرة، وعيناها لا تفارقان شاشة هاتفها وهي تعيد الاتصال به للمرَّة التي لا تعلم عددها... لكن لا شيء سوى ذلك الصوت البارد يخبرها أنَّ الهاتف مغلق.
توقَّفت أمام الرصيف تلتقط أنفاسها بصعوبة، بينما ارتجفت شفتيها وهمست لنفسها بصوتٍ مختنق:
_ياترى إنتَ فين يا يوسف...ليه دايمًا تاعب قلبي كده؟
فعدم ردِّه وإغلاقه للهاتف سحب الطمأنينة من روحها بالكامل، تشعر بأن قلبها ينعصر بقسوة...وكأنَّ شيئًا سيِّئًا يحدث له الآن.
خاصَّةً بعد ما رأت بعينيها...سعادة الآخرين بمولودهم الجديد، ضحكاتهم، دموع فرحتهم، ولهفة أخيها وأبيها وهما يحملان طفله بين ذراعيهم.
كان مشهدًا كسكِّينٍ يغرس داخل قلبها..
ترى ماذا يشعر الآن؟
وهو كان يقف يبتسم للجميع بينما روحه تنزف بصمت؟
هل تألَّم لأنه يحُرم من شعور الأبوة؟
هل يبكي الآن؟
هل انهار مثلها؟
هل يشعر أنه ناقص؟
هل يلوم نفسه؟
هل يختنق كما تختنق هي الآن؟
توالت الأسئلة داخل رأسها بشكلٍ مرعب حتى شعرت أن عقلها لم يعد قادرًا على الاحتمال، وأن أفكارها تحوَّلت إلى دوَّامة تسحب أنفاسها ببطء.
وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة ضربات قلبها المرتعبة، لكن عبثًا...فقد كان قلبها يركض إليه بكلِّ ما يملك من خوفٍ ولهفة.
وهنا فقط تمنَّت لو أنَّ الله منحها جناحين...جناحين لتطير إليه، لترى بعينيها أنه بخير، لتحتضنه قبل أن يسقط، لتخبره أنَّه في نظرها لا ينقصه شيء، وأنَّه كاملًا بقلبه، بروحه، بحبِّه الذي يغمرها رغم ألمه.
أغمضت عينيها بقوَّة، وانسابت دموعها أخيرًا وهي تهمس باختناق: يارب...متوجعوش أكتر من كده.
أوقفت سيارة أجرة بسرعة، ثم صعدت إليها وما إن أغلقت الباب حتى سارعت بالاتصال بإلياس:
_أيوه يا ضي.
ابتلعت غصَّتها وقالت بلهفة حاولت عبثًا إخفاءها:
_عمُّو...يوسف رجع البيت ولَّا لسه؟
ساد الصمت لثوانٍ زادت خوفها، قبل أن يجيبها بصوتٍ متعب:
_عربيته هنا...بس هوَّ مش موجود، ممكن يكون في بيته.
أغمضت عينيها بقوة، تشعر بقلبها يهبط داخل صدرها، ثم تمتمت سريعًا:
_تمام يا عمُّو...
وقبل أن تنهي المكالمة، أوقفها صوته:
_ضي...
ارتعشت أنفاسها وهمست:
_نعم؟
تنهَّد إلياس طويلًا، وكأنَّ الكلمات تُثقل صدره، ثم قال بنبرةٍ تحمل رجاءً وألمًا معًا:
_بلاش تكلِّميه دلوقتي...واللي إنتِ عايزاه، أوعدك...هخلِّيه يعمله.
_أنا عايزة أطَّمن على جوزي يا عمُّو.
قالتها وأغلقت الهاتف، التفتت إليه ميرال:
_مالها ضي، لسه مُصرَّة على الطلاق؟
قالتها ميرال بصوتٍ مرهق.
ألقى هاتفه بإهمال على الأريكة، ثم نزع جاكيته بعصبية واضحة،يشعر بأن الحديث في هذا الموضوع يستنزف روحه.
رفع عينيه إلى ميرال التي كانت تراقبه بقلق، وقال بثبات حاول أن يُقنع به نفسه قبلها:
_ ضي عمرها ما هتطلَّق..ريَّحي بالك يا ميرال.
كل اللي بتعمله ده...وجع وكرامة مكسورة، وبتحاول ترد اعتبار قلبها بس.
نهضت ميرال بعدما شعرت بأنَّ كلماته لم تُطمئنها بل زادت خوفها، واقتربت منه بعينينِ ممتلئتينِ بالدموع:
_طيب وابنك يا إلياس؟
أنا متأكِّدة بعد النهاردة...مش هيسيبها على ذمِّته.
ترجَّته وهي تتعلَّق بذراعه بيديها، ثم قالت بصوتِ أمٍّ يرتجف خوفًا على فلذة كبدها:
_بيحبَّها أوي يا إلياس...أوي.
وبيعمل كلِّ ده علشان ما يبانش مكسور قدَّامها، بس لو طلَّقها...والله هيموت فعلًا.
ارتجف داخل إلياس وهو يسمعها، لكنَّه أخفى ذلك وربت على كفِّها بحنان:
_متقلقيش...مش هيطلَّقها.
هزَّت رأسها بعنف والدموع تهبط فوق وجنتيها:
_لا، لا يا إلياس، أنا أمُّه وحاسَّة بيه..
يوسف موجوع، والوجع لمَّا بيزيد على الراجل...بيكسره أو يخلِّيه يهدِّ كل حاجة بإيده.
تنهَّد إلياس طويلًا، ثم سحبها برفق من كفَّيها وأجلسها بجواره، وجلس بجوارها يحاول احتواء انهيارها،
فقال بهدوءٍ متعب:
_ممكن تهدي؟.إحنا ماصدَّقنا إنِّك اتحسنتي.
شرد ثم قال:
_وصدَّقيني...يوسف مش هيطلَّقها.
يوسف مستنِّيها هيَّ اللي تتمسِّك بيه... هيَّ اللي ترفض تسيبه.
ابتسم بألمٍ خافت وهو يهزُّ رأسه:
_لأنُّه صعب عليه يترجاها، حتى لو غلط في حقَّها..
ممكن يراضيها...يعتذرلها...يفضل جنبها العمر كلُّه وهو بيحاول يصالحها...
لكن إنُّه يجري وراها ويطلب منها ترجع، غصب عن كرامته..ابنك مش هيعملها، وانا اتكلمت مع ارسلان في الموضوع دا، وهو اب وغصب عنه، قالي مش هيدخل، هي لو عايزاه مش هتستنى كلام حد
طالعته بعيونا مرتجفة
_تفتكر ممكن ترفض
_معرفش، انا مستحيل اتكلم معاها، دي حياتها هي، كفاية اللي عملته فيها في الاول
هزت رأسها بذعر من فكرة طلاقهما
_كان عندي امل تدخل ياالياس
نظر إليها
_مينفعش، ولا ينفع ابنك يروح لها علشان ترجع له، هو بس يحتوي وجعها ويحسسها انها غالية، ولازم يفهمها الوضع ويسبها تختار
_تفتكر يوسف هيعمل كدا
أغمض عينيه للحظة، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ موجوع:
_ إن شاءالله ربِّنا يصلح حاله.
رغم محاولته التماسك أمامها إلَّا أنَّه شعر بألمٍ يحرق روحه اليوم، وهو يحمل طفل بلال، تمنَّى أنه يحمل حفيده الذي تمنَّاه كثيرًا، فكيف حاله هو..
سحب نفسًا وزفره بهدوء ونظر إليها.
هزَّت رأسها ودموع محبوسة بعينيها:
_ أنا موجوعة عليه يا إلياس، حاسَّة ابني ضاع.
التفت إليها، وعيناه امتلأتا بحزنِ أبٍ يرى ابنه يحترق بصمت، ثم قال بعد شرودٍ طويل:
_وأنا..مطمِّن، ارمي حمولك على ربِّنا، وتأكَّدي المرَّة دي لا هوَّ هيسبها ولا هيَّ هتبعد.. وبعدين هو مش اول واحد مايجيبش عيال، غير انه عنده امل
نظرت له ميرال بعدم فهم، فأكمل بابتسامةٍ باهتة موجوعة:
_انسي كل حاجة وثقي في ضي، لأنِّي واثق في حبَّها ليه...
يمكن أكتر حتى من حبُّه ليها.
ثم تنهَّد بعمق، وقال بصوتٍ خافتٍ يحمل يقين رجلٍ فهم العشق بعد عمر:
_ نسيتي حياتنا كانت إزاي، ورغم كدا مقدرناش نبعد عن بعض، يوسف عايز وقت وضي عايزة صبر، عارف هتتعب معاه، بس حبَّها ليه هيقوِّيها.
وضعت رأسها على صدره ولفَّت ذراعيه حول خصره:
_إنتَ مفيش حد زيك يا إلياس، كلِّ حاجة فيك مميَّزة، حبَّك، وجعك حتى قسوتك.
رفعت رأسها ونظرت لعينيه بدموعها التي انسابت على وجنتيها:
_بتمنى من ربِّنا يمدِّ في عمرنا علشان ما نتحرمش من بعض، أنا خايفة، خايفة أوي.
ضمَّها بقوة لأحضانه، وهزَّة عنيفة كادت تسحب روحه:
_ربِّنا ما يحرمني منك يا حبيبة قلبي.
أغمضت عيناها تستمع إلى دقَّات قلبه العنيفة تحت رأسها وهمست بخفوت:
_ولا منَّك يا حبيب عمري.
بالمشفى..
فتحت عيناها بإرهاقٍ شديد، همست بصوتٍ واهن:
_بلال، ابني فين؟
كان يجلس قربها، يراقب كلَّ إنشٍ فيها ولما لا وهي أغلى ما يملك، انحنى يطبع قبلةً طويلةً مرتجفة فوق جبينها، ثم همس بحنانٍ غارق بالعشق:
_برَّة يا حبيبتي، الممرِّضة هتودِّيه أوضة الأطفال، بس يوسف رافض يسيبه من إيده.
ابتسمت رغم تعبها، وارتخت ملامحها قليلًا:
_هوَّ مع يوسف يعني؟
أومأ وهو يمسِّد على شعرها بحنان :
_أيوة...ولسه ميعرفش إنِّي سمِّيت الولد على اسمه، بابا وعمُّو إلياس بس.
ابتسمت له وقالت:
_ربِّنا يرزقه يارب، هوَّ آسر فين؟.
_راح مشوار وراجع، باباكي برَّة ومامتك مع بابا وماما، أغمضت عيناها مرَّةً أخرى، ظلَّ يتأمَّلها للحظات...نعم فهي المرأة التي هزَّت عرش قلبه، واليوم منحته حياةً كاملة، لا طفلًا فقط...رفع كفَّها ثم قبَّله ونهض متَّجهًا للخارج..
توقَّف أمام الممرِّضة:
_عايز الأوضة دي تتزيِّن، ويتكتب على الباب اسم الطفل، بصِّي إنتي أكيد فاهمة هتعملي إيه.
_تحت أمرك يا دكتور...
_شكرًا...قالها واتَّجه إلى والده.
ــــــــــــــــــ
بعد فترة...
كانت تجلس فوق الفراش تحتضن صغيرها بين ذراعيها، تمرِّر أناملها فوق خصلاته الناعمة بعشقٍ لا يوصف، ثم همست بصوتٍ مرتجف من فرط السعادة:
_حلو أوي يا ماما...
ابتسمت رحيل بعينينِ دامعتين ونهضت تقترب منها، وقالت بمشاعر صادقة:
_طبعًا لازم يكون حلو...مامته قمر، وباباه قمرين.
ضحكت بخفوت، بينما رفعت طفلها لصدرها وأغمضت عينيها تستنشق رائحته الصغيرة...رائحة تشبه الجنَّة، جعلت قلبها يرتجف للمرَّة الألف منذ أن حملته بين ذراعيها:
_ياالله...ريحته تجنِّن.
انفتح الباب ودلفت غرام بابتسامتها الحنونة التي أخفت خلفها حزنها على ابنتها، اقتربت منها:
_حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
ابتسمت رولا بمحبَّة:
_الله يسلِّمك يا طنط.
انحنت غرام تحمل الطفل بحذرٍ شديد، كأنَّها تحمل قطعة من روحها، ثم تمتمت والدموع تلمع بعينيها:
_بسم الله ما شاء الله، ربِّنا يبارك فيك يا حبيبي ويحفظك، ويجعل أيامك كلَّها فرح وسعادة ورضا.
تعلَّقت عيناها بملامحه الصغيرة طويلًا، حتى ارتجفت شفتيها دون إرادة، ثم رفعت بصرها إلى رولا وهمست بحرقة أمٍّ تخفي وجعها خلف الابتسام:
_ادعي لضي يا حبيبتي...بيقولوا دعوة الستّ بعد الولادة بتكون مستجابة.
ضحكت رولا بخفَّة رغم الحزن الذي مرَّ بعينيها للحظة:
_ربِّنا يراضيها يارب...بس دي أكيد خرافات يا طنط.
هزَّت غرام رأسها بابتسامةٍ باهتة، ثم عادت تتأمَّل الطفل كأنها تحفظ ملامحه داخل قلبها:
_عارفة...بس الواحد بيتعلَّق بأي أمل.
صمتت لثوانٍ قبل أن تبتسم فجأة:
_واخد من جدُّه أرسلان.
توقَّفت رحيل تراقبه باهتمام، ثم اقتربت وهي تهزُّ رأسها :
_فعلاً...واخد منه شوية.
في تلك اللحظة دلف بلال يحمل باقة ضخمة من الزهور وعدَّة أكياسٍ بيديه، وبمجرَّد أن وقعت عيناه عليها ابتسم ابتسامة أضاءت قلبها بالكامل فقال:
_إيه ده...أحلى مامي صحيت؟
نظرت للورود ثم إليه بدهشة:
_ده علشاني؟
اقترب منها وهو يضع الورود بحنانٍ قربها:
_الورد ده للمامي الجميلة...إنما الحاجات دي بقى من خالو آسر الحلوف.
لكزته رولا بكتفه بخفَّة وضحكت:
_خالو مش حلوف، ده أحسن خال في الدنيا.
رفع حاجبه بتمثيلٍ ساخر واضعًا يده فوق قلبه:
_شوفتوا الظلم؟ وأنا اللي كنت فاكره بيكرهني.
تعالت ضحكاتهم الخافتة، لكن بلال انتبه لوالدته التي ما زالت تحدِّق بالطفل، فقال بمشاكسة وهو يقترب:
_خلاص يا غرام...هتاكلي الواد بعينيكي.
ضمَّت غرام الطفل أكثر وقبَّلت جبينه بحنانٍ مرتجف:
_ما شاء الله حبيبي...ربِّنا يبارك فيه.
تأفَّفت رولا بغيرة مصطنعة وهي تشير لطفلها:
_شايف؟ ماما وطنط غرام بيقولوا إنُّه شبه باباك.
هبَّ بلال من مكانه بسرعة وتلقَّف ابنه بين ذراعيه:
_روحي يا غرام يلَّا...أرسلان بيسأل عليكي..
عايزين تلزَّقوا الواد ليكم؟
ثم خفض رأسه ينظر لصغيره، وما زالت ابتسامته تنير وجهه بعشقٍ خالص، ثم قال:
_العسل ده شبه باباه...قال أرسلان قال! هيَّ ناقصة بوران كمان؟
انفجر الجميع ضاحكًا، لكزته غرام:
_وإنتَ شبه مين يا أخويا، ماشبه باباك.
_يادي النيلة علينا من بدري، خلاص يا غرام الواد شبه أرسلان ارتحتي، يالَّه على بيتكم.
ارتفعت ضحكاتها ثم انحنت تحمل حقيبتها:
_مراتك هترجع البيت النهاردة ولَّا هتبات؟.
_لا هتبات في المستشفى.
_ليه يا بلال؟.أنا كويسة.
طالعها بنظرةٍ حنونة:
_حبيبتي مفيش مشكلة لو قعدتي للصبح، الساعة اتناشر.
ربتت غرام على كتفه وقالت:
_طيب حبيبي، هنروح أنا وباباك.
التفتت إلى رحيل وتساءلت:
_هتقعدي يا رحيل؟.
جلست رحيل بجوار رولا تمسِّد على خصلاتها:
_هفضل شوية كمان، لحدِّ ما ترضَّع يوسف الصغيَّر، لازم ترضَّعه، ماما فريدة اتَّصلت تلات مرَّات تنبه على الموضوع دا.
_ماما أرضَّعه إزاي، لسة صغنُّون، ومفيش لبن؟!.
لمست وجه ابنتها بحنان:
_حبيبتي ما تشغليش بالك حطِّيه زي ما فهَّمتك ورضَّعيه وبس.
اقتربت غرام منها وانحنت تربت على كتفها:
_أيوة حبيبتي، لازم يرضع منِّك، سبحان الله هيلاقي رزقه.
_أهو بقى هنقول فلكلوريات يا ماما، لسة مفيش لبن هترضَّعه الهوا؟!.
_اسكت إنتَ يا دكتور الغباء، ثم التفتت اإى رولا:
_حبيبتي البيبي لمَّا بينزل بينزل معاه رزقه، وكلِّنا رضَّعنا ولادنا بعد الولادة على طول.
_محصلش، إنتي بتجمعي ليه، أنا كنت مؤدَّب وشربت ميَّة بس، شرَّبيه ميَّة يا رولا.
لكزته بحقيبتها مع ضحكات رحيل:
_لا يا بلال، مامتك بتقول الصح، أنا مكنتش أعرف كدا، وماما الله يرحمها كانت دايمًا تقولِّي رضَّعي الولاد.
_مخلاص بقى أنا بتكسف، إيه رضَّعي كلِّ شوية دي.
اتَّجه بلال إليها سريعًا يضمُّ رأسها:
_كسفتوا مراتي،، ومراتي مش لازم تتكسف أبدًا.
جزَّت غرام على شفتيها بغيظ، ثم نظرت إلى رحيل:
_الله يعينك يا رحيل على جوز المجانين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند ضيّ...وصلت إلى الكمبوند، ترجَّلت سريعًا من سيارتها، تكاد تتعثَّر من لهفتها وخوفها عليه.
وقعت عيناها على سيارته المركونة، فتوقَّفت أنفاسها للحظة...
ارتجفت أصابعها وهي تخرج هاتفها وتهاتفه للمرَّة التي لا تعلم عددها... لكن كالمعتاد، الهاتف مغلق.
أغمضت عينيها باختناق، ثم التفتت نحو أحد أفراد الأمن:
_دكتور يوسف خرج من الكمبوند؟
هزَّ رأسه سريعًا:
_لا يا مدام.
اقتربت منه أكثر:
_أومال فين؟ شوف الكاميرات.
ارتبك الرجل وقال باعتذار:
_آسف يا مدام...لازم الباشا الكبير يؤمر بكدا.
زفرت بقوة، تشعر أنَّ قلبها يُسحق داخل صدرها، ثم استدارت وتحرَّكت بخطواتٍ سريعة نحو الداخل...
دلفت إلى الفيلا، لتجد إلياس يهبط الدرج ببطء، وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقَّف:
_ضي...فيه حاجة؟
اقتربت منه بعينينِ دامعتين:
_يوسف فين يا عمُّو؟ بتِّصل بيه، تليفونه مقفول.
ظلَّ ينظر إليها للحظات، يرى ارتجاف شفتيها ولهفة قلبها المكشوفة بعينيها، ثم أشار إليها بهدوء: _تعالي...حاوط كتفها وتحرَّك بها نحو الحديقة، أجلسها بجواره..
وقال بصوتٍ هادئ يحمل ما يكفي من الحذر:
_اسمعيني كويس يا حبيبتي، دلوقتي الأفضل ما تكلِّمهوش.
نهضت وكأنَّ كلماته أحرقتها:
_وأنا بقول لحضرتك عايزة أشوف جوزي يا عمُّو!
ارتفع صوتها رغمًا عنها، وامتلأت عيناها بالدموع.
تنهَّد إلياس طويلًا، ثم رفع رأسه إليها:
_في بيتكم يا ضي.
هنا شعرت بأنَّ روحها عادت إليها... استدارت بسرعة، لكنَّه أمسك ذراعها قبل أن ترحل:
_حبيبتي...الوقت مش مناسب.
سحبت ذراعها برفق وهي تهمس بصوتٍ مرتجف:
_بعد إذنك يا عمُّو...
ثم ركضت بخطواتٍ متعثِّرة من سرعتها، وكأنَّ قلبها يسبقها إليه.
دقيقتان فقط...وكان جرس الباب يصدح داخل المنزل.
عند يوسف قبل قليل...
كان يتمدَّد فوق الأريكة منذ عودته من المشفى، بجسدٍ منهك كأنَّ الحياة مرَّت فوقه وسحقت ما تبقَّى منه.
صمتٌ ثقيل، مؤلم، لا يقطعه سوى صوت أنفاسه المتعبة.
رفع يده ببطء أمام عينيه، وظلَّ يحدِّق بها طويلًا.
يشعر وكأنَّه ما زال يحمل الرضيع بين ذراعيه.
ارتعشت أصابعه، وشعر بثقلٍ غريب داخل صدره، وقلبه يُعتصر ببطء.
أغمض عينيه للحظة، فتسلَّلت صورة الطفل إلى عقله...ملامحه الصغيرة... وإحساسه وهو يحمله لأوَّل مرَّة.. إبتسامة شقَّت ثغره للحظات،
ثم اختفت حين ظهرت أمامه نظرات ضي الحزينة.
تلك النظرة التي حاولت أن تخفي وجعها بها، لكنَّها ذبحته دون كلمة واحدة.
انزلقت دمعة وحيدة من عينه، فتح عينيه..
اعتدل جالسًا بعنف، ثم مرَّر كفَّيه فوق وجهه محاولًا استعادة تماسكه يحدِّث نفسه:
_إنتَ قولت إيه؟
لازم تحمد ربِّنا...
خرج صوته مبحوحًا، متقطِّعًا:
_أكيد فيه حكمة في كدا،
شعر باختناق يلتفُّ حول عنقه.
رفع يده يمرِّر أصابعه فوق رقبته والألم يتمدَّد داخله ببطءٍ قاتل.
أطرق رأسه وهمس بصوتٍ مرتجف:
_اللهمَّ لا اعتراض يارب...
توقَّفت أنفاسه للحظة، ثم أكمل بانكسار:
_يارب ارزقني الصبر...
واجعل قلبي ليِّن راضي بقضائك وقدرك.
اهتزَّ صوته أكثر، وارتجفت شفتاه، كلَّما تذكَّر عينيها الممتلئتينِ بالحزن، وهي تنظر إليه وهو يحمل الرضيع.
تلك النظرة وحدها كانت كفيلة بأن تهدم كلَّ جدارٍ بناه حول قلبه طوال الشهور الماضية.
انسابت دمعةً أخرى، لكنَّه هذه المرَّة لم يمسحها..تركها تسقط...لم يعد يملك طاقة المقاومة...
كان يشعر أنَّ الحزن تمدَّد داخل صدره حتى صار أثقل من أن يُحتمل.
جلس لدقائق طويلة على حاله..لا يتحرَّك، فقط يحدِّق في الفراغ بعينينِ امتلأتا بالتعب، وكأنَّ روحه أُنهكت من كثرة ما قاومت...ثم فجأةً نهض..
وكأنَّ شيئًا داخله لم يجد ملجأً أخيرًا سوى الله.
اتجه بخطواتٍ بطيئة متعبة نحو الوضوء، ثم اتَّجه إلى سجَّادة صلاته.
عند الذي لا يعجزه شيء.
عند الذي يعلم خفايا القلوب حتى تلك التي نعجز نحن عن تفسيرها.
وقف بين يدي الله منكسرًا...لا طبيبًا، لا رجلًا قويًا، لا شخصًا يحاول التماسك أمام الجميع.
فقط عبدًا مثقلَ القلب.
عبدًا أتعبه الوجع حتى لم يعد يعرف إلى أين يهرب منه.
كبَّر للصلاة، وارتجف صوته مع أوَّل آية...كأنَّ الكلمات تخرج من قلبه لا من شفتيه.
كان يقاوم دموعه عبثًا، حتى إذا سجد...
انهار.
سجد للذي لا ينام ولا يغفل، للَّذي يرى الدموع قبل أن تسقط، ويسمع ارتجاف الروح قبل الصوت.
هنا فقط..يشعر الإنسان أنَّه يستطيع أن يخرج كلَّ ما بقلبه دون خوف، دون خجل، دون شعورٍ بالهوان، هنا لا يوجد تظاهر بالقوَّة.
لا يوجد أنا بخير.
هنا فقط... يسقط كلُّ شيء، ويبقى العبد وقلبه العاري أمام ربِّه.
شهقة مكتومة خرجت منه وهو يضغط جبهته أكثر إلى الأرض، كأنه يفرغ وجعه داخل سجوده.
كان يبكي بصمتٍ موجع...ذلك البكاء الذي لا يسمعه أحد، لكنَّه يصل إلى السماء.
لأنَّ الله أحنُّ على عبده من الدنيا كلَّها.
هو وحده من يرى هذا الخراب المختبئ خلف الهدوء.
هو وحده من يعلم كم مرَّة ادَّعى فيها الصبر بينما قلبه يصرخ من الألم.
ارتجفت شفتاه وهو يهمس داخل سجوده:
_يارب...أنتَ أعلم بما في قلبي.
انكسر صوته أكثر:
_وأنتَ وحدك القادر على جبره.
أغمض عينيه بقوة، والدموع تنساب أسفل وجهه:
_وأنتَ قلت وقولك الحق:
"ادعوني أستجب لكم".
شهقة أخرى هزَّت صدره:
_فلا تردَّني ياالله..لا تردَّ عبدًا جاءك بقلبٍ أنهكه الحزن.
دموعٌ فقط تركها تخرج دون مقاومة:
_اللهمَّ إن كان في قلبي اعتراض فاغفره، وإن كان في صدري ضيق فبدِّله طمأنينة، وإن كان حرماني خيرًا لي فارزقني رضا يُنسيني مرارة الفقد.
يارب..لا تؤاخذني على دمعةٍ هربت منِّي، ولا على قلبٍ تمنَّى ما لم تكتبه له.
هوِّن عليَّ ما أثقلني، وخفِّف عنِّي هذا الوجع الذي يسكنني بصمت.
اللهمَّ إنَّك ترى ضعفي وقلَّة حيلتي، فاجبرني جبرًا يليق برحمتك...جبرًا يجعلني أحمدك وكأنَّني لم أحزن يومًا.
شهقة موجوعة كخروجِ الروح من الجسد:
_يارب...احتوي قلبها..
وعوِّضها خيرًا عن كلِّ حزنٍ سكن قلبها...
ثم سكت لثوانٍ، كأنَّ الدعاء التالي يمزِّقه قبل أن يخرجه، فقال بصوتٍ مكسور:
_وانزع حبِّي من قلبها.
خرجت الجملة كطعنة مزَّقت روحه هو قبل أي شيء آخر..لم يعد يملك طاقة المقاومة...ظلَّ ساجدًا طويلًا...
وكأنَّه أخيرًا وجد المكان الوحيد الذي يستطيع أن ينهار فيه بأمان.
انتهى يجلس مكانه..واستند على الجدار، ثم فتح الهاتف، لحظات أُعلن عن رسالة..سحبه ينظر فيه:
_فيه حجز طيران بكرة الساعة خمسة الفجر، وللأسف النهاردة مفيش، شوف ورد عليَّ.
وضع الهاتف وجلس يحتوي رأسه يفكِّر كيف سيواجهها عمَّا يفعله، ولكن لابدَّ منه..
نعم هو يعمل ذلك دون إرضاءٍ لقلبه، ولكن من أجلها سيفعل المستحيل، أغمض عيناه:
_هطلَّقها تاني، هتقدر يا يوسف؟!.
شهقة حادَّة أفلتت منه، فرفع كفَّيه يمسح وجهه بعنف، يحاول إخفاء انهياره، لكنَّه لم يستطع..تذكَّر بعد آخر مرَّة ذهب لرؤيتها.
كيف كان يهرب منها كالهارب من النار، يخشى أن تضعف إرادته أمام دمعة واحدة منها.
ليتها تعلم أنها لم تكن امرأة أحبَّها وتزوَّجها فقط، لكنها كانت حياته كلَّها.
تنفَّس بصعوبة، ثم أسند رأسه للخلف وأغمض عينيه، بينما التعب والحزن ينهشان ملامحه..يتذكَّر رقصتهما في الحفل، وكيف كان على وشك الانهيار أمامها بالكامل.
كان يريد أن يضمَّها فقط...أن يخبرها، أنه لم يعد يحتمل هذا البعد، وأنَّ كلَّ ليلة تمرُّ عليه بدونها كانت كالعقاب.. يريدها رغمًا عنها وعن أي شيء، لكنَّه لم يفعل ذلك بل
هرب، لأنَّه يخاف أن يعود إليها بكلِّ هذا الحب، ثم يعجز يومًا عن منحها ما تستحقُّه...
فتح هاتفه الذي أعلن عدَّة رسائل بعدها عن محاولاتها الاتِّصال به...نظر لاسمها للحظات ثم شعر بالقلق فرفع الهاتف ليحاكيها.
فارتفع رنين جرس المنزل..
نهض ببطء متَّجهًا نحو الباب، وما إن فتحه حتى تجمَّد مكانه.
تقف بعينيها الباكيتين...ووجهها الذي يشتاقه حدَّ الألم.
ظلَّ ينظر إليها للحظةٍ طويلة، بينما دموعها انسابت بصمتٍ موجع، ثم دفعت صدره بكلِّ ما بها من خوفٍ وغضب:
_هتفضل تموِّت فيَّا لحدِّ إمتى؟!
ارتجف قلبه بعنف.
ضربته مرَّةً أخرى بصدره وهي تبكي: _اتَّصلت بيك كام مرَّة! ما بتردِّش ليه؟!
ليه كل مرَّة تخوِّفني عليك كدا؟!
أموِّت نفسي علشان ترتاح؟!
شهقت كلماتها داخل صدره كطعنةٍ حقيقية.
جذبها إليه بعنفٍ، ضمَّها لصدره بقوَّة حتى كادت تختفي داخله، وهو يهمس قرب رأسها بذعر:
_ما تقوليش كدا...
قالها بصوتًا مرتجفًا بشكلٍ أخافها أكثر من صراخه.
أبعدها قليلًا، احتوى وجهها بين كفَّيه، وعيناه تدوران على ملامحها بلهفة: _التليفون كان فاصل شحن...إيه اللي حصل؟.
ثم مرَّر إبهامه فوق دموعها بحنان: _اهدي...وقوليلي فيه إيه..
بلال كويس، والبيبي كويس؟
لكنَّها لم تجب...
فقط ألقت نفسها داخل أحضانه مرَّةً أخرى،
تردَّد لثانية...ولكنَّه لم يقو على الصمود، لفَّ ذراعيه حولها بقوة، يضمُّها..
همس بصوتٍ منخفضٍ متعب:
_ممكن تهدي وتقوليلي مالك؟
دفنت وجهها بصدره أكثر، ثم قالت بانهيار:
_عايزة أنام في حضنك..خدني في حضنك وبس يا يوسف.
أغمض عينيه حين شعر بأنَّ كلماتها حطَّمت آخر ما تبقَّى من صموده... سحبها إلى الأريكة، واجلسها بأحضانه، ضمَّها بقوة أكبر، ودفن وجهه بحجابها يستنشق رائحتها بلهفةِ رجلٍ غريقٍ بالعشق
أمَّا هي...فأغمضت عينيها تستمع لدقَّات قلبه، وتشعر أنَّ العالم كلَّه عاد لمكانه الطبيعي بين ذراعيه.
دقيقتانِ كاملتان مرَّتا عليهما وهما هكذا...
لا صوت سوى أنفاسهما المتعبة... ودقَّات قلبيهما التي كانت أعلى من أي كلام.
ابتعدت عنه قليلًا:
_بتعمل إيه هنا، أوعى أصدَّقك وتقولِّي مستنيكي؟،
قالتها ثم نظرت حولها داخل المنزل وهمست بابتسامةٍ باكية:.
_بيتنا وحشني أوي...
توقَّفت عيناه عليها بألمٍ صامت، بينما هي تحرَّكت للداخل ببطء، تتحرَّك لعلَّها تعود لذكرياتها معه.
نزعت حجابها وحذاءها، واتَّجهت نحو المطبخ حافيةَ القدمين، توقَّفت تتأمَّله بابتسامةٍ صغيرة:
_ده أحسن من القديم..مش كدا؟
لم يجب.
فقط كان يراقبها بصمتٍ موجع...
تحرَّكت بعدها نحو غرفة المعيشة، تمرِّر عينيها عليها، والذكريات القديمة تنهش قلبها..ظلَّت للحظات، ثم جالت بعينيها في المكان، ثم صعدت للأعلى.
فتحت باب غرفتهما بهدوء...وخطت للداخل، توقَّفت...
كلُّ شيء تغيَّر..
اختفت غرفتها القديمة...اختفت ذكرياتها الجميلة مع غرفتها القديمة التي أحرقتها...
وصل يوسف ووقف خلفها بصمت.
التفتت إليه ببطء، وعيناها امتلأتا بوجعٍ لا يُحتمل:
_غبية ضيَّعت ذكرياتنا.
اقترب منها خطوة، وقال بصوتٍ مبحوح:
_ضي..
لم ترد عليه دلفت للداخل:
_تعرف الفرش ده أحسن من القديم؟
قالتها وهي تمرِّر يدها فوق الفراش ثم
رفعت رأسها إليه:
_بس ذكرياتي كلَّها مع القديم، أومأت
وأضافت بمشاكسة حاولت أن تخفي بها ارتجاف قلبها:
_المهم ده مريح أكتر...كدا مبقتش هتعرف تصحِّيني، نوم أربعة وعشرين ساعة في أربعة وعشرين ساعة.
نهضت بعدها واتَّجهت نحو غرفة الملابس، فتحت الباب بهدوء...ثم توقَّفت.
حقيبته موضوعة أمام الخزانة.
ارتجف قلبها، لكنَّها أخفت ذلك سريعًا، والتفتت إليه بابتسامة باهتة: _حلوة أوي..رغم إنِّ الحاجات دي من زمان، بس معرفش ليه ما جتش شوفتها..
الشنطة دي بتعمل إيه هنا؟.
قالتها واقتربت تجرُّها وهي تقول:
_أحسن إنُّهم مش فضُّوها، استدارت إليه:
_حاجتك مراتك المسؤولة عنها.
كان واقفًا عند الباب، صامتًا..
صامتًا بطريقةٍ أوجعتها..ولكن كلماتها هزَّت كيانه بالكامل.
التفتت إليه، تحاول أن تبدو ثابتة رغم الألم الذي ينهش صدرها:
_عارفة ذوقك كويس...علشان كدا ما ادَّخلتش أصلًا.
خرج صوته أخيرًا، منخفضًا...متعبًا: _جيتي ليه يا ضي؟
سبتي أخوكي ومراته ليه؟
ارتعشت عيناها للحظة..لكنَّها تماسكت بصعوبة:
_مش عايزني آجي؟
يعني أمشي يا يوسف؟
خطوة واحدة كان أمامها.
رفع كفَّيه يحتضنان وجهها بحنان، ونظر داخل عينيها طويلًا، يحفظ روحها من جديد..ثم همس:
_ضي، إنتي جميلة أوي..
وتستاهلي كلِّ حاجة حلوة في الدنيا.
انحنى حتى استند جبينه إلى جبينها، وأغمض عينيه يحاول أن يهرب من وجعه داخل قربها:
_تستاهلي تكوني أحسن مامي في الدنيا...
خرجت شهقة موجوعة من صدرها.
رفعت كفَّيها فوق وجهه، تتحسَّس ملامحه.. وانسابت دموعها أخيرًا:
_لو مش منك...مش عايزاه.
ارتجف قلبه بعنف.. همست بصوتٍ متكسِّر:
_أنا اكتفيت بيك يا يوسف... وماتفكَّرش إن بَعدك ممكن حدّ يسعدني.
شهقت أنفاسها وهي تقترب أكثر تنظر لعينيه وأصابعها فوق وجنتيه:
_إنتَ هتدفنِّي بالحيا...
لو عايز تموِّتني وأنا عايشة خلاص ابعد، بس تأكَّد إن ضي ليوسف وبس.
تعلَّقت أناملها بقميصه وهي تبكي: _أنا حرَّمت نفسي على أي راجل غيرك.. عايز اكتر من كدا ايه
دقيقة واحدة فقط...كانت كافية لينهار كلُّ ما بداخله.
رفعت عينيها المبلَّلتين إليه وهمست: _هتبقى مبسوط وأنا ملك لغيرك؟
هتستحمل تشوفني مع راجل تاني؟
هترتاح وأنا..لم يدعها تكمل.
انحنى إليها فجأة، يلتهم كلماتها بقبلةٍ مجنونة، موجوعة، طويلة...قبلةُ رجلٍ يحاول إسكات أكثر فكرة قتلته.
قبلة حملت شوقَ ايامًا مؤلمة...ألم فراق...خوف، ولهفة، وعشقٍ وصل حدَّ الجنون.
شهقت بين شفتيه، ثم رفعت كفَّيها تحاوط عنقه بتلقائية، تضيع داخله، في تلك اللحظة، لم يبق شيء بالعالم سوى دقَّات قلبيهما.
ابتعد عنها أخيرًا بعدما شعر باختناق أنفاسها، وظلَّ ينظر إليها بعينينِ تلمعانِ بعشقٍ مؤلم.
مرَّر أنامله على وجنتها وهمس:
_نفسي أخلِّيكي أسعد واحدة في الكون...
علشان إنتِ تستاهلي.
أغمضت عينيها ودفنت نفسها داخل صدره:
_هنا سعادتي..المكان ده وبس.
حضنك، ريحتك، صوت قلبك.
مهما تعمل وتقول، أنا مش عايزة غيرك يا يوسف.
تنفَّس بعنف وكأنَّ كلماتها نزعت روحه من مكانها.
ثم فجأة...انحنى وحملها بين ذراعيه.
شهقت وهي تتشبَّث بعنقه:
_يوسف! نزِّلني...إنتَ ضهرك تعبان.
ضمَّها أقرب إلى صدره، حتى شعرت بعنف دقَّات قلبه وعيناه تحتضن عيناها، همس بنبرةِ العاشق:
_مش فداكي ضهري بس...
فداكي يوسف كلُّه يا حبيبة يوسف.
ضحكت وسط دموعها:
_يوسف نزِّلني يا مجنون.
لكنَّه لم يستمع.. تحرَّك بها نحو الفراش ببطء...بحذرٍ شديد، وكأنَّه يحمل شيئًا هشًّا يخاف عليه من الهواء
وضعها فوق السرير برفقٍ أذاب قلبها، ثم جلس أمامها وغرس أصابعه داخل خصلاتها، ينظر إليها بضعفِ دقَّات قلبه العنيف، ثم همس بصوتٍ مبحوح:
_هتفضلي تحبِّيني كدا، مش هتندمي؟
اقترب أكثر حتى لامس جبينه جبينها: _ممكن أتحمِّل أي حاجة في الدنيا، إلَّا إنِّي أشوف نظرة ندم واحدة في عيونك.
أغمضت عينيها، وابتسامة دامعة مرَّت فوق شفتيها:
_شايف إنِّ ضي ممكن تندم إنَّها هتعيش مع حبيبها؟
للدرجة دي مصدَّق إنِّي ممكن أبطَّل أحبَّك؟
تنهَّد بوجع، ثم همس:
_ضي...أنا بحبِّك أوي.
لدرجة إني مستعد أتحمَّل أي حاجة قصاد إنِّك تكوني بخير وسعيدة
ارتجف صوته أكثر:
_ لو اتخيَّرت بين موتي وحياتك... والله ما هتردَّد.
ابتلع غصَّته بصعوبة:
_وعملتها قبل كدا.
اتَّسعت عيناها بالدموع، بينما أكمل بابتسامةٍ موجوعة:
_لمَّا طلَّقتك...إنتِ أخدتي روحي وحياتي وكلِّ حاجة حلوة جوَّايا.
أخفض عينيه عنها وكأنَّه يخجل من ضعفه:
_ورغم كدا...كنت مستعد أعيش عمري كلُّه موجوع لو هلاقيكي سعيدة.
اعتدلت واقتربت منه أكثر، ثم احتضنت وجهه بين كفَّيها وهمست باختناق:
_إنتَ تستحق الدنيا كلَّها علشانك.
احتضنها بعينينٍ صامتة؛ ولكنَّها ممتلـئة بالعشق والحنين واللهفة التي أحرقت روحيهما طوال الشهور السابقة.
دنا يحتضن شفتيها بهدوء، ورغم هدوء قبلتهما إلَّا أن دقَّات القلب كانت تصرخ.
ابتعد ينظر إليها:
_مادام جيتي لحدِّ هنا، فتأكَّدي دخلتي عرين الأسد يا حبيبة قلبي، وانسي إنِّك تخرجي منه حتى لو إنتي اعترضتي.
اقترب أكثر حتى لامست شفتاه شفتيها:
_انسي يا ضي أتنازل عنِّك بعد كدا ولو لحظة.
لفَّ ذراعه يجذبها إليه:
_شايفة الشنطة دي، فيها هدومي، بس كنت ههرب من قلبي اللي كلِّ يوم يحاربني علشان بعدك.
سحبها بقوة لأحضانه:
_آسف يا بنت عمِّي، كنت بحارب نفسي بكلِّ قوِّتي بس اكتشفت إنِّي ضعيف جدًّا، فمتحاوليش مهما يحصل بعد كدا.
تراقص قلبها بعنف من كلماته، رفعت رأسها قليلًا لتضرب ذقنه ثم ابتسمت بخبث:
_كنت اعملها كدا يا دكتور، وشوف كنت هعمل إيه.
رفع ذقنها ينظر لعينيها بشقاوة محب حدَّ الجنون:
_هتعملي إيه..قالها وهو يمرِّر إصبعه على شفتيها.
ابتسمت حين علمت بمراوغته، فاقتربت تهمس له:
_هحبَّك أكتر يا بن عمِّي.
رفرف قلبه بسعادة حتى أراد أن يسعد الجميع بشعوره الآن:
_تصدَّقي كنت غبي.
ردَّت ببساطة:
_أوي أوي.
ابتسم بخبث يغمز إليها:
_طيب أنا بدأت أذاكر، وإن شاء الله أوعدك هنجح بامتياز.
ضحكت بصوتٍ مرتفع، اخترقت ضحكاتها قلبه وزلزلت كيانه، لمس وجنتيها:
_قومي غيَّري هدومك، نصلِّي ركعتين مع بعض.
توقَّفت ضحكاتها تنظر إليه بذهول..
دنا وعيناه بعينيها:
_فرش جديد، وعروسة زي القمر.. جوزها محروم منها بقاله أكتر من شهر، فلازم نعمل ليلة دخلة.
نظرت إليه رغم توُّرد وجنتيها صامتة..
نهض وأمسك كفَّها، متَّجهًا للخزانة:
_أساعدك تغيَّري؟.
هزَّت رأسها رافضة، وأمسكت كفَّيه:
_لا، هغيَّر أنا.
_يابت أساعدك شكلك تعبانة.
تبسَّمت ودفنت رأسها بصدره:
_وحشتني مشاغبتك معايا أوي.
ضمَّها وآااااه أخرجها يضع ذقنه فوق رأسها:
_وإنتي كلِّ حاجة فيكي وحشتني، وخاصَّةً جنانك.
تذكَّرت شيئًا فابتعدت قليلًا تتظر إليه:
_البتِّ اللي اسمها شيطان دي عايزة منَّك إيه يا يوسف، وليه عمُّو إلياس مهتمّ بيها كدا؟.
_قصدك مين؟.
رفعت حاجبها:
_والله مين في شيطان غيرها، البنت دي أنا مش مرتحالها.
_ضي..إحنا بقالنا أكتر من شهر بعيد عن بعض، هنضيَّع الليلة في كلامنا على واحدة ما تستاهلش كمان.
_ريَّح قلبي طيب...البنت دي مريبة، محبتهاش.
_واحدة جاية تعمل زيارة لمصر، وأنا ماليش علاقة بيها، ولمَّا جت البيت أنا كنت رافض قعدتها؛ بس بابا قال مينفعش نطرد ضيوفنا مهما كانوا إيه.
اقتربت تنظر لعينيه:
_طب بتروح لها ليه؟.
_إمتى دا؟!.
_عمُّو قالي إنَّك رحت عندها، أنا منكرش رحت وقتها هناك، كان نفسي ألاقيك علشان أموِّتك إنتَ وهيَّ.
ضحك بصوتٍ مرتفع، يسحبها إلى أحضانه:
_حبيبتي الغيورة المجنونة، بعشق كلِّ جنانك يا روحي.
أشارت إليه بالخروج:
_طيب اطلع برَّة علشان أغيَّر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقصر الجارحي...
عاد الجميع من المشفى بعدما اطمأنُّوا أخيرًا على رولا.
كانت شمس تتحرَّك ببطء بجوار حمزة، يحيطها بذراعيه بحذرٍ شديد، لما لا وهو يشعر بأنَّها قطعة من قلبه يخشى عليها من الهواء نفسه.
انحنى قليلًا يهمس قرب أذنها بنبرةٍ قلقة:
_حبيبتي..إنتي كويسة؟
رفعت عيناها إليه بابتسامةٍ واهنة رغم الإرهاق الذي يغزو ملامحها:
_أيوة حبيبي الحمدلله، متقلقش... لسة بدري.
أجلسها بحرص وكأنَّها زجاجٍ هش، ثم التفت للخادمة بلهجةٍ آمرة:
_هاتي عصير وفواكه لشمس هانم.
أمسكت كفِّه سريعًا قبل أن تتحرَّك الخادمة، تنظر إليه برجاءٍ طفولي:
_حمزة مش قادرة...ماما أكِّلتني كتير، علشان خاطري بطني مبقاش فيها مكان.
وقبل أن يرد، خرج إسحاق من المطبخ بنفسه، يحمل كوب عصير بيده، وعلى وجهه ملامح سعادة..
اقترب منها قائلًا :
_دا عملته بنفسي لأمِّ حفيدي الجميلة.
شهقت شمس بصدمة، واتَّسعت عيناها بخجلٍ لطيف:
_يا خبر يا عمُّو...حضرتك بنفسك عملتلي عصير، كتير عليَّا والله.
أمَّا حمزة فحدَّق بوالده وكأنه يرى معجزة:
_معقول..إسحاق الجارحي وقف في المطبخ؟!.
رمقه إسحاق بنظرةٍ ساخرة وهو يجلس جوار شمس:
_مش علشانك يا متخلِّف...
ثم أشار إليها بفخرٍ أبويٍّ دافئ:
_دا لأمِّ حفيدي.
رفع حمزة حاجبه ساخرًا:
_وحفيدك دا جاي بالهليكوبتر، مين أبو البيبي يعني؟
احمرَّت وجنتا شمس بخجلٍ واضح، فازدادت ابتسامة إسحاق اتِّساعًا، ومدَّ لها الكوب بحنان:
_سيبك منه..دا حلوف.
أخذت الكوب بخجل وهي تتمتم:
_ميرسي يا عمُّو...والله أنا شبعانة جدًّا، بس علشان تعب حضرتك اللي أخجلني هشربه.
ربت إسحاق على رأسها بحنانٍ أبويٍّ صادق، وكأنَّها ابنته بالفعل:
_حبيبتي...إنتي تستاهلي كلِّ حاجة حلوة غير الحلوف ابني دا.
ضغط حمزة على فكِّه بغيرة مصطنعة، ثم قال بتذمُّر طفولي:
_طيب كويس إنَّك عارف إنِّ ابنك جميل...وبعدين مالك لازق في مراتي كدا؟ قوم شوف دينا، عايز أطلع أرتاح، ابني وحشني ولازم أطمِّن عليه.
شهقت شمس وهي تضربه بخفَّة في ذراعه، ترمقه بغضبٍ طفولي، بينما انفجر إسحاق ضاحكًا قبل أن يقف فجأة ويقول بعناد:
_طيب وحياة ابنك، ما هي مبيِّتة معاك الليلة.
ثم صاح بصوتٍ مرتفع:
_دينااا!
التفت حمزة إليه بذهولٍ حقيقي:
_متهزَّرش يا إسحاق.
وصلت دينا وهي تنظر بينهما باستغراب:
_فيه حاجة يا إسحاق؟
أشار إسحاق إلى شمس:
_خدي مرات ابنك ترتاح معاكي الليلة، أنا وحمزة ورانا مشوار مهم.
قطَّب حمزة حاجبيه بعدم فهم:
_نعم!!.مشوار إيه إن شاءالله؟
لكن إسحاق لم يمنحه فرصة للاعتراض، أمسك ذراعه يسحبه معه وهو يتحرَّك باتِّجاه الباب:
_رايحين نجيب عمَّك من المطار يا حبيب أبوك.
التفت حمزة سريعًا ناحية شمس، وعيناه لا تزالان معلَّقتين بها رغم تحرُّكه:
_شمس...ما تناميش إلَّا لمَّا أرجع.
ثم وجَّه حديثه لوالده بتذمُّر ممتزج بالضحك:
_ماشي يا إسحاق...افتكر إنَّك أخدتني من حضن مراتي وابني علشان أجيب أخوك.
زفر إسحاق بضيق مصطنع وصفعه بخفَّة خلف رأسه:
_امشي يا حيوان من غير كلام...عايزك في موضوع مهم.
راقبتهما شمس بابتسامة دافئة، فلقد شعرت أنَّ هذا البيت لم يعد مجرَّد قصرٍ ضخم، بل عائلة حقيقيَّة تحاوط قلبها بالحب.
جلست دينا بجوارها تنظر إلى بطنها التي بدأت تظهر قليلًا:
_حبيب نانا عامل في مامي إيه؟.
وضعت كفَّيها على بطنها:
_كويس يا نانا، هوَّ بيتحرَّك كتير بس.
مسَّدت على شعرها:
_طبيعي حبيبتي، خدي بالك من نفسك، الحمل مرهق، لكن وقت لمَّا تشوفيه هتنسي كلِّ عذاب الدنيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل كريم..
دلفت إلى غرفة أختها وجدتها منشغلة على جهازها، حمحمت وخطت إليها، رفعت آسيا عيناها إليها:
_محتاجة حاجة يا حبيبتي؟.
جلست بمقابلتها، وابتسامة تجلَّت بملامحها الطفولية:
_جبت هدية لآسر، عايزة آخد رأيك فيها.
أومأت لها، رغم القبضة التي اعتصرت فؤادها، ركضت سدن للخارج، بينما أغلقت آسيا جهازها واتَّجهت إلى الشرفة تنظر للنجوم التي سطعت بالسماء، وذهبت بذاكرتها إلى كلماته يوم زفاف شمس:
_عايزك تتغيَّري يا آسيا، هيفرق معايا.
_بس أنا عاجبة نفسي كدا يا آسر، بحبِّ آسيا كدا.
نظر إليها للحظات ثم قال:
_بس أنا بحبِّ آسيا القديمة، اللي قدَّامي دي مش قادر أتقبَّلها.
زمَّت شفتيها تنظر للكوب الذي بيدها:
_ما طلبتش منك تحبِّني والله يا بن خالو.
اقترب يستند على الطاولة ينظر لعينيها مباشرة:
_اسمعيني علشان مش هكرَّر كلامي تاني، وحطِّي في قلبك قبل عقلك الغبي دا، إنِّك هتتغيَّري علشاني، نظامك دا كلُّه هيتغيَّر، أنا مش موافق على تصرفاتك الغبية دي.
رفعت حاجبها تتطلَّع إليه بامتعاض متصنَّع، وداخلها هزَّة عنيفة لا تعلم سببها:
_وإنتَ مين إن شاء الله يا حبيبي علشان أنفِّذ طلباتك؟!.
ابتسامة ظهرت على وجهه، ثم اقترب منها بجسده وعيناه عانقت عيناها:
_علشان اللي قولتيها دلوقتي يا إفريقيا..
مدَّ يده وأمسك كفَّها، قولتي إيه؟.
ارتفعت دقَّات قلبها بعنف من نظراته وهمسه ناهيك عن أنفاسه التي ضربت وجنتيها، ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت سحب كفَّها:
_سيب إيدي، أنا ما قولتش حاجة.
غمز بطرف عينيه وقال:
_لا، قولتي حبيبي.
سحبت نظرها من مجرى عينيه التي أنهكت دقَّاتها:
_إنتَ دايمًا موهوم يا متر، كلِّنا بنقولها، ثم التفتت إليه:
_بطَّل أحلام وردية.
قهقه بصوتٍ مرتفع، كانت تتابعه لأوَّل مرَّة تشعر بضعفها أمام رجولته، ظلَّت تنظر إليه وتاهت بضحكته، دنا برأسه منها:
_هنتغيَّر يا أفريقتي، علشان نعلي الجواب، ونجيب أستراليا والأمريكتين.
أخيرًا أفلتت ضحكة ناعمة تهزُّ رأسها:
_وماله، مفيش أنتاركتيكا.
هنا ارتفعت ضحكاته أكثر وأكثر، ممَّا جعل البعض يتوجَّهون بالنظر إليهم، وصلت سدن إليه:
_آسر تعال نرقص.
خرجت من شرودها على صوت سدن خلفها:
_شوفي جبت إيه.
التفتت تنظر للصندوق الذي تحمله..
خطت للداخل، وجدتها تضعه فوق المكتب ثم فتحته وأخرجت منه مسبحة، ومصحف وساعة رجالي تجذب الأنظار.
_إيه رأيك يا آسيا هيعجبوه؟.
دنت منها تنظر للأشياء، ولا تعلم لماذا تخيَّلته أمامها، هزَّت رأسها لأختها: _حلوين اوي حبيبتي، هيعحبوه
_بجد؟.
رفعت عيناها لأختها تراقب فرحتها، فأومأت لها:
_بجد..إنتي جميلة وأي حاجة بتجبيها بتبقى جميلة أوي.
ركضت إليها واحتضنتها:
_أنا بحبِّك أوي يا آسيا، أوي أوي.
ضمَّتها أختها وفرَّت دمعة من عينيها:
_وأنا كمان، مستحيل حاجة تفرَّقنا مهما كانت.
ابتعدت عنها تنظر إليها بتساؤل:
_ليه حبيبتي بتقولي كدا، طبعًا مفيش حاجة هتفرَّقنا.
لمست وجه أختها وابتسمت:
_ربِّنا يسعدك يا قلبي، يالَّه بقى خدي حاجات المتر دي، وظبَّطيهم في بوكس شيك مع كارت لطيف وابعتيهم.
قبَّلت وجنة أختها وانحنت تحمل الصندوق وخرجت به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل سارة..
كانت تجلس بالحديقة ترسم لوحة تعبِّر عن جمال الليل، وصلت والدتها إليها:
_سارة، نور لسة مرجعش؟.
التفتت لوالدتها:
_لسة يا ماما، هوَّ قالِّي هيسافر لبنان وهيرجع على الخميس عنده كولكشن الصيف.
جلست وهي تنظر إلى لوحتها:
_إنتَ تعرف مين نور يحبَّها؟.
مطت شفتيها وقالت
_أه..رحت مرَّة أنا وعادل، بس خلاص افترقوا.
_هوَّ قول حاجة عن موضوع العروس؟.
ألقت ما بيدها واستدارت بكامل جسدها:
_معرفش تفاصيل، أنا كنت مسافرة، حضرت بس الحفلة، البنت كانت جميلة جدًّا، وعجبتني، بس ملحقتش أتكلِّم معاها، وفجأة عرفت تاني يوم إنِّ ليها ابن عم عمل حادث، ووقتها سافرت ولمَّا رجعت كامل كان غضبان علشان اللي حصل، سألت نور احتفظ بقراره، وحضرتك عارفة، أنا مبحبِّش أدخَّل في حياته.
شردت والدتها وقالت:
_هو مثل أبوه، فاكر إنتَ أخوك كان بيعمل إيه؟.
ضحكت ونهضت مقتربة منها:
_هيجيبوا من بعيد يا ماما، هعمل كابتشينو أعملِّك؟.
_لا..صمتت للحظات ثم نظرت إليها وهي تقوم بجمع أشيائها:
_أنا قرَّر أزور معتز، يجب علينا المواجهة.
تنهَّدت سارة واعتدلت تنظر لوالدتها:
_هشوفه في مصر ولَّا خارجها يا ماما، أتمنى ما يحصلش زي كلِّ مرَّة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صباح اليوم التالي...
فتحت عيناها بإرهاق على رنين هاتفه المتواصل، تأوَّهت بخفوت وشعرت بشيءٍ صلب، فتحت عيناها وجدت نفسها بأحضانه، ابتعدت قليلا برأسها، لتجده غارقًا في نومٍ عميق، بملامح هادئة.
سحبت الهاتف بحذر حتى لا توقظه، وحين رأت اسم المتَّصل ابتسمت بخفوت ثم ردَّت بصوتٍ ناعس:
_ألو...
خرج زفير من الطرف الآخر، تبعته همسة ميرال المرتجفة:
_أخيرًا ردِّيت يا حبيبي...إنتَ فين؟
اعتدلت عنه قليلًا وهي تنظر إليه، ثم قالت بهدوء:
_أيوة يا طنط ميرال...أنا ضي.
صمتت ميرال لثانية، ثم قالت بلهفة أمٍّ خائفة:
_إنتِ مع يوسف؟...قوليلي، هوَّ كويس، أوعى يكون تعبان..أو لسه زعلان؟
التفتت إليه مجدَّدًا، تأمَّلت وجهه المسترخي ويده القابضة على خصرها فابتسمت بحنان:
_اطَّمني...هوَّ كويس، بس لسه نايم.
تنهَّدت ميرال براحةٍ عميقة، ثم قالت بأسف:
_آسفة يا حبيبتي صحِّيتك...بس لمَّا دخلت أوضته وما لقتوش خفت.
ابتسمت ضي وهي تمرِّر أطراف أصابعها فوق حاجبه:
_ولا يهمِّك يا حبيبتي...ومتقلقيش عليه، لأنُّه مش هيرجع عندك تاني.
ساد الصمت لثوانٍ، فتسائلت ميرال:
_مش هيرجع عندي تاني؟...إنتِ عملتي فيه إيه يا بنت أرسلان؟
ضحكت ضي بصوتها الناعس، ثم اقتربت أكثر من يوسف وهمست:
_لسه معملتش...بس ناوية إن شاء الله..ثم أضافت بدلالٍ جعل ميرال تبتسم رغم دموعها:
_يلَّا بقى بتتكلِّمي كتير على الصبح... عايزة أنام في حضن ابنك شوية.. قالتها
وأغلقت الهاتف ببطء، وعيناها تلمعان بدموع فرحة، ثم همست لنفسها: _ربِّنا يهدِّي سرُّكم يارب...ويهديك يا ابن إلياس.
قاطعها صوتٌ أجش خلفها:
_ماله ابن إلياس؟.عمل في مرات إلياس إيه؟
استدارت إليه بضحكةٍ، ضحكة أعادتها فتاةً صغيرة لا تحمل هموم السنين، وقالت وهي تنظر له بحب:
_ابن إلياس تاعب أمُّه...زي أبوه بالظبط.
اقترب إلياس منها دون كلمة، حاوط خصرها بذراعيه وجذبها إليه، ثم مال هامسًا قرب شفتيها:
_وأبوه برضو لسه تاعبك؟
رفعت وجهها إليه، وفي عينيها عمرًا كاملًا من الحب والعِشرة، ثم رفعت نفسها لمستواه وطبعت قبلة على وجنته.
تجمَّد مكانه ينظر إليها بذهولٍ، لتضحك بخفَّة من ملامحه.
غمغم وهو يضع كفِّه على جبينها:
_لا...لا مش سخنة؟...إيه اللي حصلِّك يا حبيبتي؟
اقتربت منه أكثر، وأسندت رأسها على صدره هامسةً بصوتٍ دافئ:
_ما تيجي تاخدني في حضنك شوية...
اتَّسعت عيناه أكثر، ثم لان وجهه بالكامل، وكأنَّ قلبه ذاب بين ضلوعه، فضمَّها إليه ببطء...
_مالك النهاردة ياميرو؟
رفعت نفسها قليلًا نحوه، ثم مالت تطبع قبلةً أخرى بجوار شفتيه، قبلة صغيرة...لكنَّها جعلته يحدِّق بها:
_اللهمَّ اجعله خير...
ضحكت بخفَّة، ثم لكزته بكتفها وهي تتمتم:
_هوَّ أنا للدرجة دي بعيدة عنك؟
ابتسم رغمًا عنه، ثم جذب طبق الطعام يضعه أمامها :
_لا يا حبيبتي...إنتي مش بعيدة، أنا اللي نسيت إنِّي متجوِّز أصلًا.
قهقهت بصوتٍ مرتفع، حتى لمعت عيناها بطبقةٍ شفَّافة من الدموع، كان يتأمَّلها بصمت...وكأنَّ ضحكتها وحدها قادرة تعيد الحياة لقلبٍ شاخ من الوجع..رقص قلبه لذلك..
رفعت عيناها إليه وقالت وسط ابتسامتها:
_أصلي كنت بتَّصل بابنك...قلقت عليه، مرجعش من إمبارح.
تناول لقمة ينتظر باقي حديثها، بينما أكملت وهي تكتم ضحكتها:
_تخيَّل بقى...مين اللي رد عليَّا؟
رفع حاجبه باستفهام، فمالت نحوه هامسةً بمشاكسة:
_مرات ابنك المجنونة.
اختنق الطعام بحلقه، فسعل بعنف وهو يلتفت إليها بعينينِ متَّسعتين، بينما انفجرت هي ضاحكة على منظره.
_بتقولِّي كفاية كلام على الصبح... عايزة أنام في حضن ابنك.
شهقت ضحكتها مجدَّدًا وهي تضيف:
_والله وقفلت السكة في وشِّي كمان!
ابتلع طعامه أخيرًا، ثم هزَّ رأسه بيأسٍ مصطنع:
_يعني ضي هيَّ اللي عاملة فيكي كدا؟...وأنا اللي فكَّرت إنِّي وحشتك.
ضحكت بصوتٍ مرتفع، ثم دفنت وجهها بذراعه بخجلٍ أنثوي ناعم:
_بس بقى...إحنا لسه صغيرين على الكلام دا.
ابتعد بجسده قليلًا ينظر إليها بصدمة ساخرة:
_بحسد ابنك الحلوف على بتاعة الأحضان.
تعالت ضحكاتهما معًا، ضحكات صافية نادرة ملأت أرجاء البيت بعد شهورٍ طويلة من الحزن...قاطعهم دخول أرسلان.
وقف يرمقهم بدهشة، ثم قال وهو يبتسم:
_خير يارب...من زمان مسمعتش الضحك في البيت الكئيب دا.
طالعه ثم قال ساخرًا:
_كلُّه من بتاعة الأحضان.
قطَّب أرسلان حاجبيه بعدم فهم، ونظر نحو ميرال:
_مين دي؟ مش كبرنا على الأحضان دي يا أمِّ يوسف؟!.
هنا انفجرت ميرال ضاحكة من جديد، بينما أشار إليها إلياس بغيظٍ مفتعل:
ثم التفت لأخيه متذمِّرًا:
_لا يا أخويا، وياريت...دي بنت أبوها اللي معرفش يربِّيها أصلًا.
رفع أرسلان حاجبه بفضول:
_ليه، هيَّ فين ضي دلوقتي؟
لم تستطع ميرال التماسك أكثر، فضحكت حتى احمرَّ وجهها، بينما رمقها إلياس بنظرةٍ محذِّرة قبل أن يقول وهو يهزُّ رأسه باستسلام:
_الحمد لله مقولتش حاجة...طليقة ابني نايمة في حضنه دلوقتي.
بنات آخر زمن ما لقتش أب يربِّيها.
اقترب أرسلان منه ببطء، ثم انحنى يستند بكفَّيه على الطاولة، وعيناه تلمعان بخبثٍ واضح قبل أن يقول:
_ علشان تحمد ربِّنا إنِّ ابنك المتخلِّف لقي واحدة هبلة زي البنت اللي أبوها ما ربهاش، ثم نظر إلى ميرال:
_البركة فيكي إنتي كمان، حد قالِّك تجيبي واد حلو متخلِّف يخلِّي الهبلة تحبُّه.
ساد المكان البهجة والسعادة، جلس أرسلان بمقابلته:
_ماما فريدة جت وراحت لبلال.
رفع فنجان قهوته يرتشف بعضها فقال:
_كلَّمتها أوَّل ما صحيت وكانت زعلانة علشان ما اتصلناش إمبارح، هوَّ بلال رجع ولَّا لسة؟.
_راح لهم آسر وغرام، ورحيل وماما في البيت عندهم.
أومأ قائلًا:
_تمام...التفت إلى ميرال:
_خلَّصي فطارك واجهزي علشان أوصَّلك لشمس.
_نهضت تمسح فمها، وقالت:
_خلَّصت...اتَّجهت بنظرها إلى أرسلان:
_هشوف شمس.
ــــــــــــــــــــــ
بمنزل معتز..
خرج من مرحاضه على رنين الهاتف، رفع الهاتف:
_أيوة.
_ البنت ولدت يا باشا.
_تمام...اعمل اللي قولت لك عليه.
_تحت أمرك يا باشا.
جلس يسحب سجائره ينفث رمادها حتى اختفى خلفها:
_باقي تكَّة يا ولاد الشافعي، وكلِّ واحد ياخد حقُّه.
دقائق واستمع إلى رنين هاتفه مرَّةً أخرى:
_معتز باشا، أستاذة سارة اتَّصلت بالشركة وطلبت عنوان حضرتك.
_قولت لها إيه؟.
_زي ما حضرتك أمرت، منعرفش.
_خلاص، جهِّز العربية وهنروح للمحامي.
_تحت أمرك يا باشا.
بمنزل طارق...
دلف طارق إلى غرفة ابنه بهدوء، فوجد مازن جالسًا على فراشه، عينيه معلَّقتين بشاشة جهازه.
وقف عند الباب للحظاتٍ يراقبه، ثم قال:
_مازن...هنأجِّل معاد الدكتور النهاردة، بنت عمَّك ولدت ولازم نروح نباركلها.
ثم اقترب أكثر مضيفًا:
_إيه رأيك تيجي معانا؟
لم يرفع مازن عينيه فأردف بصوتٍ بارد:
_مش رايح لحد...اعمل اللي إنتَ عايزه.
انعقد حاجبا طارق، وتحرَّك نحوه بخطواتٍ أبطأ، وفي داخله غضبًا يتصاعد:
_ممكن أفهم إنتَ قافل على نفسك ليه؟
ولا تدريباتك، ولا نزولك، إنتَ مالك بقى؟
فجأة...ألقى مازن الجهاز بعيدًا بعنف، ونهض واقفًا أمامه وعيناه تشتعلان بالقهر:
_علشان مش عايز أقعد مع الستِّ اللي برَّة دي..
رجَّعني عند ماما...إنتَ واحد ظالم!
وفي ثانية واحدة..دوى صوت الصفعة بالغرفة.
تجمَّد مازن مكانه من الصدمة قبل الألم، انقضَّ طارق عليه يمسك ذراعيه بعنفٍ جعله يتأوَّه.
اقترب بوجهه منه حتى أصبحت أنفاسه تضرب وجهه المرتعش، وهمس بصوتٍ منخفض...مرعب:
_اسمع يلا..متتغرِّش إنِّ أبوك شخص محترم كدا، لو عرفت ماضي أبوك هتتأكِّد
إنُّه ممكن يدفنك مكانك...وميرفلوش جفن.
ارتجف جسد مازن، بينما تابع طارق وعيناه تقدحان شرًّا:
_الستِّ اللي برَّة دي...هتبقى أمَّك من النهاردة.
وإيَّاك أسمعك تتكلِّم عنها بالطريقة دي تاني.
ازدادت قبضته على ذراعيه حتى تألَّم الطفل بوضوح، لكن طارق لم يهتم، بل مال أكثر يهمس بفحيحٍ مخيف:
_أنا دلَّعتك كتير...فوق ما تستحق كمان.
ومتفكَّرش إن عمايلك مستخبية عنِّي.
رفع عينيه يشير نحو إحدى زوايا الغرفة، فالتفت مازن بعينينِ دامعتينِ ليرى الكاميرا المعلَّقة بالسقف.
فقال طارق ببطءٍ متعمَّد:
_شايف دي؟
البيت كلُّه فيه كاميرات.
يعني نفسك اللي بتتنفِّسه بيوصلني.
شحب وجه الطفل، بينما أكمل طارق بقسوةٍ أشد:
_وأنا لسه ما حاسبتكش على اللي عملته في أخوك.
آه...مش إنتَ اللي وقَّعته.
بس شوفته وهوَّ بيقع...وسبته ومشيت زي الحيوان.
اتَّسعت عينا مازن بصدمة وارتباك، وكأنَّ الكلمات تخنقه، لكن طارق لم يمنحه فرصة للدفاع عن نفسه.
أشار نحو الخزانة بحدَّة:
_قوم غيَّر هدومك.
هنروح لبنت عمَّك، وهتدخل معايا هناك ولد محترم يليق باسم أبوه.
ثم نظر إليه باحتقارٍ باردٍ وأضاف:
_واحمد ربِّنا إنَّك لاقي ستِّ محترمة مستحملاك وبتعاملك كويس بعد قرفك دا كلُّه.
أخرج هاتفه ينظر إلى الساعة، قبل أن يقول بنبرةٍ أنهت الحديث تمامًا:
_قدَّامك عشر دقايق...وتكون تحت.
تركه ودلف للخارج، بينما ظلَّ مازن واقفًا مكانه...
أنفاسه متقطِّعة، وجسده يرتجف، وكفَّ يده الصغيرة ترتفع ببطء نحو خدِّه الملتهب.
أمَّا عيناه فامتلأتا بذلك الانكسار الصامت الذي لا يخرج صوتًا...لكنَّه يقتل شيئًا داخله.
بمنزل يوسف...
بعدما أنهت ضي مكالمتها مع ميرال، التفتت ببطء نحو يوسف النائم، وكأنَّ قلبها يُسحب إليه دون إرادة منها.
تسلَّلت إلى أحضانه مرَّةً أخرى، تدفن نفسها بين ذراعيه، تغمض عينيها وهي تسحب رائحته إلى أعماق روحها...تلك الرائحة التي أصبحت وطنها الوحيد.
رفرفت ذكريات ليلة الأمس داخلها كفراشاتٍ مضيئة، فأغرقت قلبها بسعادةٍ دافئة جعلتها تتمنَّى لو يتوقَّف الزمن عند تلك اللحظات للأبد.
رفعت رأسها قليلًا تنظر إلى ملامحه...
ذلك الوجه الذي عشقته حدَّ الألم، حدَّ الجنون، حدَّ أنَّها لم تعد تعرف كيف كانت تعيش قبل أن يصبح هو حياتها كلَّها.
مرَّرت أناملها برقَّة فوق وجنته، ثم أغمضت عينيها بطمأنينة، وما هي إلَّا لحظات حتى غفت سريعًا...
وكأنَّ أحضانه قلاعًا آمنة، لا يصل إليها خوفٌ ولا وجع.
بعد فترة...
تململ يوسف بنومه، فتح عينيه ببطء بعدما داعبت خصلاتها وجهه.. ورائحتها التي يميِّزها دون نساء العالمين.
هنا أدرك أنَّها نائمة بين ذراعيه،
ارتجف قلبه فرحًا بطريقةٍ موجعة.
تذكَّر كلماتها ليلة أمس، وكيف جعلته لأوَّل مرَّة يريد أن يحارب نفسه..من أجلها هي فقط.
اقترب منها أكثر، ودفن وجهه بعنقها يستنشقها بوله، يترك قبلاتٍ دافئة خفيفة جعلتها تفتح عينيها ببطء.
رفع أنامله يزيح خصلاتها عن وجهها، ثم همس بصوتٍ مبحوح مليء بالعشق:
_صباح الورد يا حياتي.
ابتسمت له تلك الابتسامة التي تذيب قلبه، وأجابته بصوتٍ ناعم:
_صباح الحب..حبيبي.
دنا يطبع قبلةً طويلةً على شفتيها، ثم ابتعد يسند جبينه على جبينها وهمس:
_أحسن صباح..إنِّي أفتح عيوني وألاقيكي في حضني.
أغمضت عينيها بسعادة، ثم دفنت نفسها أكثر بين ذراعيه:
_مش قلتلك...سعادتي هنا.
ملَّس على خصلاتها بحنانٍ غارق بها:
_وأنا سعادتي..تكوني قريبة منِّي.
تعانقت العيون طويلًا...
نظرات مشبعة بالعشق، والاشتياق، والخوف من الفقد.
حتى أصبحت أنفاسهما متلاحقة، وكأنَّ الغرفة كلَّها تحوَّلت إلى نبضاتِ حبٍّ تضجُّ بهما وحدهما.
ضمَّها إليه أكثر، يغرقها بجنَّةِ عشقه التي لا تشبه شيئًا غير قربهما، مرَّت الدقائق عليهما كنسيمٍ دافئ، خفيف، عابر من شدَّة جمال ما عاشاه معًا.
وبعد وقتٍ ليس بقليل..
دفنت وجهها بصدره خجلًا، تهرب من نظراته التي تحفظها جيِّدًا..تلك النظرات التي تجعلها تذوب بين يديه دون مقاومة.
أمَّا هو...فأغمض عينيه بقوَّة، يحاول أن يهدِّئ جنونه بها.
لا يعلم كيف استطاعت أن تحوِّله من رجلٍ هادئ...إلى عاشقٍ يضعف أمام دمعةٍ منها.
شعر بها تنسحب من بين ذراعيه، ففتح عينيه فورًا يتمتم باعتراض طفلٍ تعلَّق بلعبته الوحيدة:
_رايحة فين؟
ابتسمت وهي ترتِّب خصلاتها المبعثرة:
_هاخد شاور..زمانهم رجعوا من المستشفى..
يلَّا قوم اجهز علشان نروح لهم.
لكنَّه جذبها إليه مجدَّدًا بسرعة، حتى سقطت فوق صدره، وهمس بصوتٍ متعب:
_لا..خلِّيكي للِّيل، مش قادر دلوقتي.
تبدَّلت ملامحها، ورفعت وجهه بين كفَّيها بخوفٍ:
_مالك حبيبي، إنت َتعبان؟
نظر داخل عينيها المرتجفتين عليه، وقال بصوتٍ صادقٍ أوجعها:
_أوي...تعبان أوي.
وضعت يدها على جبينه تتحسَّس حرارته بقلق:
_حاسس بإيه؟ مفيش حرارة...
فجأة التفَّ بذراعيه حولها.
أطلق ضحكةً رجوليَّة خافتة وهو يدفن وجهه بعنقها:
_لا..بس خلِّيكي شوية.
قطَّبت حاجبيها، ثم همست بقلق أكبر:
_يوسف...ضهرك وجعك صح؟
علشان شلتني إمبارح وإنتَ مخبِّي ومش عايز تقول؟
رفع رأسه إليها ببطء، ونبرة صوتها الخائف لمست مكانًا هشًّا داخله:
_ليه بتقولي كدا؟
اغرورقت عيناها بالدموع فورًا:
_يبقى صح...قولتلك متشلنيش.
وضع إصبعه على شفتيها يمنعها من الكلام، ثم قال بصوتٍ دافئ هزَّ قلبها:
_ششش..بتقولي إيه؟
لو طايل أحطِّك جوَّا قلبي وأقفل عليكي...هعملها.
اتَّسعت ابتسامتها وسط دموعها، وهمست بسعادةِ طفلة:
_بجد؟
مرَّر أنامله على وجهها ببطء حتى وصل إلى شفتيها، ثم قال وهو يتأمَّلها:
_ضي...إنتي نور قلبي.
انسابت دموعها رغماً عنها، وهمست بألمٍ عاد يخنقها:
_طيب ليه عملت فينا كدا؟
ليه وجعتني وكسرتني؟
أغمض عينيه للحظة، و السؤال يمزِّق روحه، ثم قال بصوتٍ مختنق:
_علشان بحبِّك...وبموت فيكي.
شهقت باكية:
_في حد بيحبِّ حد...ويوافق يسيبه لغيره؟
مسح دموعها بحنانٍ موجوع، ثم ابتسم ابتسامة حزينة أرهقتها:
_لو هتبقي سعيدة... آه.
المهم تكوني سعيدة.
لكمته بصدره بضعف وهي تبكي أكثر:
_إنتَ غبي يا يوسف..غبي.
متعرفش إنِّي من غيرك بموت؟
ارتجفت عيناه، بينما رفع يده يمسِّد خصلاتها بحنانِ عاشق ومتألِّم في آنٍ واحد:
_غبي...ومتخلِّف كمان.
بس متزعليش منِّي يا حياتي...يارب ماكونش أناني وظلمتك.
شهقت بخفوت، ورفعت عيناها المغرقتين بالدموع إليه، ثم همست بصوتٍ مرتجف:
_اظلمني، أنا راضية..
مالكش دعوة بأي حاجة...المهم ما توجعش قلبي وقلبك، أنا مبقتش قادرة على الوجع...والله تعبت.
ارتعش قلبه لكلماتها، وكأنَّها نزعت روحه بين ضلوعها دون رحمة.
شدَّها إليه بقوة، يضمُّ رأسها لصدره، ودفن وجهه بين خصلاتها يستنشقها بأنفاسٍ متعبة موجوعة:
_مبقاش فيه مفر يا ضي، حتى لو إنتِ اللي عايزة تبعدي.
رفع وجهها إليه، و عيناه كانتا غارقتين بها حدَّ الضياع.
تأمَّل ملامحها بعشقٍ مؤلم، ثم قال بصوتٍ أجش خرج من أعماق قلبه:
_إنتِ دخلتي سجني بإيدك...وانسي إنِّك تخرجي منه.
أنا خلاص بقيت مدمنك..أنفاسي، ضعفي، جنوني كلُّه بقى مربوط بيكي.
حتى لو حاولتي تهربي منِّي...هرجَّعك لحضني غصب عنك و عن الدنيا كلَّها.
انسابت دموعها بصمت، فمال عليها يمسحها بشفتيه، وكأنَّه يتألَّم لكلِّ دمعة تسقط منها.
ثم همس قرب شفتيها بنبرةٍ مرتعشة عاشقة:
_أنا بخاف عليكي قدِّ ما بخاف منك...
لأنِّك الحاجة الوحيدة اللي لو ضاعت مني...هضيع بعدها للأبد..
"بحبِّك يا وهج روحي وحياتي"
لحظة تنظر ألى عينيه التي تعشقها، ثم دنت وهمست مثله:
"وأنا بعشقك يا سلطان قلبي، حياتي وروحي وكلِّ ما أملك.
_ضي قومي روحي الحمَّام، أحسن لك.
ضحكت تدفن نفسها بصدره...ابتسم على سعادتها يدعو الله في سريرته:
" يارب السعادة لقلبها، يارب امنحها السعادة دايمًا"
بعد أسبوع...
تحوَّل كمبوند الشافعي إلى قطعة من البهجة، وكأنَّ السعادة أخيرًا قرَّرت أن تطرق أبوابه.
زُيِّن بالأضواء الذهبية بالممرَّات والحدائق، والزينة الملوَّنة وأصوات ضحكات الأطفال وغنائهم تملأ المكان بحياةٍ مختلفة...حياة تشبه الأعياد.
لم يكن هناك منزل محدَّد للاحتفال...
فالكمبوند بأكمله كان يحتفل بذلك الصغير الذي جاء للدنيا فأنارها ببكائه.
كلُّ بيت ٍوضع الزينة على بابه، وكلُّ قلبٍ كان سعيدًا وكأنَّ الطفل ابنه هو.
بمنزل بلال...
كانت الحركة لا تتوقَّف، الخادمات يتنقلنَّ بين المطبخ والحديقة، وروائح الطعام المصري تملأ الأجواء..صواني الفتَّة، اللحوم، الحلويات، وأكياس السبوع المزيَّنة بشرائط زرقاء وذهبية مصطفَّة بعناية على الطاولات.
وقفت ميرال بالمطبخ بكامل هيبتها، تتابع كلَّ شيء ،رغم الابتسامة التي لم تفارق وجهها منذ الصباح:
_مش عايزة أي نقص في الحفلة...
الكلِّ لازم يكون سعيد.
هدايا الأطفال تتحطّ لوحدها، والحاجات اللي الباشا جابها تطلع كلَّها، فاهمة؟
أومأت رئيسة الخدم سريعًا:
_حاضر يا هانم.
خرجت ميرال إلى الحديقة الواسعة، تتأمَّل الأضواء المعلَّقة حول النافورة الكبيرة، ثم أشارت للرجل الذي يثبِّت لافتة مضيئة باسم الطفل:
_حطَّها في نصِّ المكان لو سمحت... أيوة كدا.
عايزة الاسم ينوَّر من الجانبين.
_تحت أمرك يا هانم.
دلفت رحيل وهي تحمل أكياسًا مليئة بألعاب الأطفال والهدايا الصغيرة:
_ميرال...شوفي العدد ده كويس ولَّا أجيب كمان؟
ماما فريدة بتقولِّي حطِّي زيادة، الأطفال بيحبُّوا الهدايا.
ضحكت ميرال ، ثم أشارت للداخل:
_شوفي سيدة، لسه موصياها على حاجات جوَّا...
ودول من إلياس، لو عايزة تديلها دول كمان يبقى كويس..الخير ملوش عدد.
ابتسمت رحيل بحب:
_خلاص يا حبيبتي، هودِّيهم حالًا.
ثم التفتت حولها تبحث بعينيها:
_هوَّ إلياس وأرسلان لسه مرجعوش؟
نظرت ميرال إلى ساعة يدها بقلق:
_معرفش...
قالوا هيوزَّعوا هدايا على العمَّال والموظفين في الشركات بمناسبة يوسف الصغير، ولسه مرجعوش.
ثم هتفت وهي تتحرَّك:
_هشوف يوسف يتِّصل ببلال كدا.
وتركتها وتحرَّكت نحو غرفة الصغير، وما إن فتحت الباب حتى تباطأت خطواتها.
كانت الغرفة مزيَّنة بالونات زرقاء وبيضاء، إضاءة هادئة، واسمه معلَّق أعلى الفراش بحروفٍ مضيئة.
نظرت للداخل، ضي تجلس بجوار الصغير، تحمله بعشق، بينما يوسف يجلس بالجهة الأخرى، يراقبه بصمتٍ غارقٍ في هذا الجزء الصغير.
حرَّك يده بحذر فوق أصابعه الصغيرة، وعيناه ممتلئتانِ بذلك الضعف.
توقَّفت ميرال تراقبهم بصمت...
وشعرت بغصَّة بقلبها، ثم رفعت عيناها للسماء تهمس من أعماقها:
"يارب...لا تحرمهم أبدًا من الفرحة دي."
فجأة...بكى الصغير بصوته الضعيف، فانحنت ضي تحمله سريعًا، تضمُّه لصدرها.
ابتسم يوسف وهو يقترب:
_أهو...صحِّيتيه.
مش قولتلك بلاش رغي جنبه؟
رمقته بضي بعينين متَّسعتين:
_أنا؟!
ضحك بخفوت:
_أمال مين اللي صدَّعني من الصبح؟
"عايزة أجيب للواد بدلة...وعايزة بطانية...وعايزة..."
دخلت ميرال عليهم وهي تهزُّ رأسها بيأسٍ مصطنع:
_يوسف...قوم شوف بلال رجع ولَّا لسه، وسيب الواد مع المجنونة مراتك دي.
رفع رأسه باستغراب:
_همَّا راحوا فين؟
ربتت على كتفه بحنان:
_عمَّك أرسلان جايب عجول بيوزَّع لحومها على الغلابة، وبلال بيدبح للطفل...
إنتَ ناسي إنِّ النهاردة السبوع؟
عقد حاجبيه سريعًا:
_لازم يدبح يعني؟
ابتسمت ميرال بحنان:
_مش لازم يا حبيبي...دي سنَّة.
الولد له شاتين للمقتدر...وربِّنا يبارك فيه ويحفظه.
خفض رأسه يتمتم بخشوع:
_اللهمَّ آمين...
تمام، هشوفه.
ثم التفت نحو ضي التي كانت تداعب الصغير وتغني له بصوتٍ خافت، فتوقَّفت عيناه عليها للحظاتٍ طويلة، كأنه يرى الدنيا كلَّها مجتمعة بين يديها.
ربتت ميرال على كتفه:
_يلَّا يا حبيبي.
اقترب يوسف من ضي:
_هشوف بلال...عايزة حاجة؟
رفعت عينيها إليه بسرعة:
_متتأخَّرش...
عارفة مدام تخرج من البوابة، مبتدخلش غير على نصِّ الليل.
ضحك بخفَّة وقرص وجنتها بحب:
_حاضر يا ستِّ الكل.
ثم طبع قبلة صغيرة فوق رأس الطفل، وغادر الغرفة...
بينما بقيت ضي تضمُّه إلى صدرها،
_ضي حطِّي الواد في سريره، واطلعي لرولا ومامتك ، شوفيهم ليكونوا محتاجين حاجة.
بالأعلى...
كانت تقف أمام المرآة تُنهي زينتها بعناية، نظرت لفستانها الأخضر الذي زادها جمالًا ونعومة..رغم شحوبها قليلًا من الولادة.
دلفت ضي إلى الغرفة، و اتَّسعت ابتسامتها تنظر إليها:
_إيه الجمال ده يا مامي رولا...والله القمر نفسه يغير منكِ.
ضحكت رولا بخجل، ثم وضعت يدها فوق بطنها تنتحب بمشاكسة:
_أعمل في دي إيه يا ضي..شكلي وحش أوي.
زمَّت ضي شفتيها، وهزَّت رأسها بتصنُّعٍ بالغ:
_يا حرام..تصدَّقي؟ عندك حق فعلًا.
شهقت رولا وهي تضرب ذراعها..
_يا حبيبتي...إنتِ لسه والدة من كام يوم، طبيعي جسمك يكون تعبان. شوية شوية وهترجعي أحلى من الأوَّل كمان، أهمِّ حاجة تاكلي كويس وتشربي سوايل كتير علشان البيبي.
نظرت لها رولا بابتسامة ممتنَّة:
_بجد يا ضي؟
مرَّرت ضي أناملها على وجنتها بحنانٍ دافئ..بجد يا قلبي.
ثم ابتسمت بخفَّة تخفي خلفها غصَّة صغيرة:
_كنت بقرأ عن الحاجات دي...المهم يلَّا، طنط ميرال هتولَّع تحت، الناس كلَّها وصلت.
تأمَّلت فستانها الأخضر المزيَّن برباطٍ أحمر، واتَّسعت عيناها بإعجاب:
_إيه القمر ده! والله زي الأميرات.
اقتربت رولا منها وطَبعت قبلة على خدِّها:
_عقبالك يارب...يرزقك بطفل يفرَّح قلبك.
ارتجفت ابتسامة ضي للحظة، لكنها رفعت عينيها للسماء وهمست برجاءٍ صادق:
_يارب...يرزقني أنا ويوسف.
_إن شاء الله يا حبيبتي.
في تلك اللحظة اندفعت آسيا وسدن إلى الداخل بحماس:
أم كلالة ولدت! يلَّا نروح لها!
صفَّقت ضي فجأة، وأخذت تدور حول رولا وهي تغني بصوتٍ طفولي جعل الجميع ينفجر ضحكًا:
_أمِّ كلالة ولدت يالَّا نروح لها...ناخد لوز وبندق ونروح نبارك لها...
ماما جابت له عسلية...كالابالا عيونه عسلية...خدوده وردية...
أمُّه فرحانة...أم كلالا ولدت...يالَّا نروح لها...
كالابالا ده أمل العيلة...وكلِّ العيلة بتستناه من خالو!
تعالت الضحكات داخل الغرفة حتى امتلأت دفئًا وحياة، فقاطعها طرقات خفيفة على الباب..ثم دخول بلال.
انسحبت الفتيات للخارج، لكن توقَّفت ضي أمامه بمكر، تمدُّ يدها له:
_فين هدية عمِّة البيبي؟ لا وعايزة هديتين...هدية لعمِّة ابنك، وهدية لعمُّو اللي الواد متسمِّي على اسمه!
رفع بلال حاجبه:
_إيه ده، همَّ قلبوا الآية ولَّا إيه؟
غمزت له وهي تتراجع للخلف:
أنا اللي هشيل الواد...وكلِّ الهدايا هتبقى بتاعتي، يا إمَّا تلمِّ نفسك وتجيب هدايانا.
في لحظة جذبها من ذراعها حتى اصطدمت بصدره بقوة، فانفجرت ضحكًا.
لحظة واحدة يا بت...لو لقيتك هنا، هعلَّقك على باب الكمبوند.
شهقت ضي بضحك وهي تفلت منه:
_حذَّرتك إنتَ حر.
أغلق الباب خلفه، ثم التفت ببطء نحو رولا..سكنت عيناه عليها كأنَّ العالم كلَّه اختفى فجأة.
اقترب منها بخطواتٍ هادئة، مليئة بعشقٍ لم يتغيَّر رغم كلِّ ما مرّا به، ثم همس بصوتٍ خافت خرج من قلبه مباشرة:
_أجمل مامي في الدنيا.
ارتجف قلبها من طريقته، ومن نظراته التي تجعلها الملكة الوحيدة على الأرض.
أخرج من جيبه سلسلة رقيقة، تتوسَّطها قطعة صغيرة منقوش عليها اسمها.
اتَّسعت عيناها بسعادةٍ طفولية:
_حلوة أوي يا بلال...
ابتسم وهو يعلِّقها حول عنقها بحذر، ثم طبع قبلةً طويلة أعلى جبينها:
_هدية يوسف لمامي.
رفعت رأسها تنظر له بدهشة:
_طيب...ما كتبتش اسمه ليه؟
مرَّر أنامله على وجنتها بحنان:
_لأن مفيش اسم يتكتب على قلبك غير اسمي.
اختنقت أنفاسها من وقع كلماته، فجذبها إليه ببطء، يضمُّها لصدره بحنانٍ شديد.
دفنت وجهها بعنقه، وأغمضت عينيها بسعادةٍ كاملة...
أبعدها ينظر إليها:
_عايز أقولِّك حاجة.
انتظرت حديثه، فاتَّجه إلى حقيبة صغيرة ووضعها بين يدها:
_كارما بعتت دي ليوسف، رجاءً اقبليها البنت يتيمة يا رولا، وانسي أي حاجة.
أمسك كفَّها ووضعه على صدره:
_إنتي هنا وجوَّا روحي، ومفيش ست تهزِّني غيرك.
نظرت للحقيبة ثم إليه، وأومأت قائلة:
_اتِّصل بيها خلِّيها تيجي تحتفل معانا، أنا خلاص مش زعلانة منها.
ضمَّها وطبع قبلة مطوَّلة على رأسها:
_ربِّنا يباركلك في يوسف يا أمِّ يوسف.
حاوطت جسده وهمست إليه:
_ويباركلي فيك يا حبيبي.
بعد فترة..
جلست فريدة على الأرض واضعةً الطفل الصغير داخل الغربال المزخرف، تشير إلى رولا بحماس :
_عدِّي سبع مرَّات حبيبتي.
شهقت رولا وانحنت تضمُّ طفلها بخوف:
_ لا يا تيتا...أنا خايفة أقع فوقيه!
ضحكت فريدة وهي تهزُّ رأسها:
_ ماتخافيش يا بنتي.
في الجهة الأخرى، كان آسر يستند على كتف يوسف يتابعان المشهد بعينينِ متَّسعتين وكأنهما يشاهدان طقوسًا من عصر الفراعنة، ثم همس آسر بصدمةٍ مصطنعة:
_ جوو...همَّ بيعملوا إيه؟
ردَّ يوسف بملل وهو يعقد ذراعيه: خزعبلات.
شهق آسر واضعًا يده على صدره:
_يا للهول...
غمز إليه بمكر وهو ينظر إلى بلال:
_الواد هيعيش مُخزعبل.
قطَّب يوسف جبينه:
_ يعني إيه البتاعة اللي قولتها دي يا لا؟
رفع آسر حاجبه بثقة مستفزَّة:
_دي من مفردات الكلمة اللي إنتَ قولتها...إنتَ ساقط شعر.
أومأ يوسف ساخرًا:
_ أيوه صح...أنا ساقط شعر وإنتَ ناجح في الجغرافيا.
طالعهم بلال متسائلًا:
_همَّ بيعملوا إيه؟!.
_ما قولنا هيخزبعوا الولا.
اقترب منهم سريعًا، بينما كانت رولا تستعدُّ لطقوس السبوع، وهناك امرأة تمسك الـ"هون" وتبدأ بالدقِّ عليه وسط الزغاريد:
يلَّا يا رولا...
ثم انحنت فريدة نحو الطفل وهزَّت الغربال برفق:
_اسمع كلام أمَّك...ومتسمعش كلام أبوك..قالتها بضحك وهي تنظر إلى بلال..
تعالت الضحكات، لكن فجأة دوى صوته القوي:
_باااااس...إيه الخزعبلات دي؟!
نظرت فريدة إليه:
_ما تتفرَّجش يا بن أرسلان على الخزعبلات.
_تيتا...أشارت إليه بالتوقُّف:
_يوسف...خد أبو يوسف واطلعوا برَّة.
توسَّعت عيناه:
_بتطرديني من سبوع ابني؟!.
_اطلع عند أبوك يا واد، قاعد مع الستَّات ليه.
نظرت للأطفال التي تحمل الشموع:
_ياله يا حلوين غنُّوا.
يارب..ياربِّنا يكبر ويبقى قدِّنا.
سحبه يوسف للخارج:
_يا بني متخافش، تيتا مستحيل تعمل حاجة تضرُّه.
بعد عدَّة أيام..
كانت تجلس بأحضانه على سطح اليخت تنظر لجمال الطبيعة، وتلتقط بعض الصور:
_حلو أوي البحر الأحمر، الميَّة حلوة وصافية.
صمتت تنظر إليه:
_ماتجي نغطس يا يوسف، من زمان أوي، عايزة أصوَّر قاع البحر، من أيام الجامعة ما نزلتش البحر من جوَّا.
_بلاش حبيبتي، في إجازة تانية، لازم نرجع الشاليه، عندنا سفر بكرة.
اعتدلت تجلس أمامه:
_أنا فكَّرت في موضوع السفر دا، إيه رأيك تسافر إنتَ الأسبوعين دول، وأنا أ فضل هنا؟.
_لا...هتيجي معايا، مينفعش أكون في مكان وإنتي في مكان.
رفع ذقنها ونظر إليها:
_بعد كدا المكان اللي أروحه هتكوني معايا فيه حتى لو يوم واحد.
تنهَّدت تهزُّ رأسها بصمت، ضمَّ رأسها وقال:
_عايزة تغطسي؟.
أومأت سريعًا بسعادة.
نهض وأمسك كفَّها:
_تؤمري حبيبي...يالَّه اجهزي، هتلاقي في اليخت بدل غطس.
صفَّقت بيدها كالأطفال، ثم تعلَّقت بعنقه تقبِّله:
_خمس دقايق بس.
ارتدت بدلة غطس، وخرجت وجدته يقف فوق اليخت:
_أنا جاهزة...التفت إليها مبتسمًا:
_تمام يالَّه، مش عايزين نطوِّل.
_المهم نصوَّر علشان خاطري.
دنا منها ورفع جهاز تنفُّسها حتى ظهر وجهها:
_طيب عايز رشوة الأوَّل.
ضربت قدمها بأرض اليخت:
_يوسف بس بقى، الدنيا هتليِّل وعايزة صور كتير لو سمحت.
_اتحايلي كمان.
أشارت للباسها:
_ماهو مش عارفة، شوف عاملة زي السمكة.
ضحك عليها واتجه إلى بدلته وأشار إلى البحر:
_أوعي تبعدي عنِّي تمام؟.
_تمام حبيبي.
مرّت دقائق ، وكان الظلام في قاع البحر يهبط فوق المكان، دار بعينيه في كلِّ اتجاه، وقلبه يخفق بعنفٍ يكاد يمزّق صدره..كان يراقبها طوال الوقت، لم يشيح نظره عنها لحظة، لكن لحظة واحدة كانت كافية..انشغل بالكاميرا.
ثوانٍ قليلة فقط ليضبط زاوية الرؤية، ليحفظ مشهدًا ظنَّه آمنًا..وحين رفع رأسه..لم تكن موجودة..
تجمَّد الدم في عروقه، أدار جسده ببطء أوَّلاً، ثم بعجلةٍ مضطَّربة..لم يرَ سوى زرقةٍ داكنة تميل إلى السواد، وصخورٍ صامتة، وفقاعاتٍ تتلاشى في العتمة.
«ضي»
تمتم باسمها داخل خوذته، يعلم أنَّها لن تسمعه.
تحرَّك يبحث بعينينِ متوتِّرتين، يزداد اضطرابه مع كلِّ ثانية تمرُّ بلا أثر..كان البحر من حوله هادئًا على نحوٍ مخيف، كأنما يخفي سرَّه ببرودٍ قاسٍ.
حاول أن يقنع نفسه أنَّها لم تبتعد، أنَّها تختبئ خلف صخرةٍ قريبة، أو تنشغل بتأمُّل شيءٍ ما، لكنها ليست متهوِّرة... ليست إلى هذا الحد.
ازداد خفقان قلبه، وصار النفس داخل الأسطوانة أثقل، كأنَّ الأكسجين نفسه يتآمر عليه..راح يدور أسرع، يمدُّ ضوءه في كلِّ زاوية، يتتبَّع أي حركة، أي ظل، أي خيال قد يكون لها.
لحظات فقط...كيف يمكن للحظاتٍ عابرة أن تبتلع إنسانًا كاملًا؟
شعور بارد تسلَّل إلى أطرافه، ليس من ماء البحر، بل من خوفٍ بدأ يتشكَّل ببطءٍ مرعب:
ماذا لو لم تكن قريبة؟
ماذا لو حدث لها شيء...وهو كان منشغلًا بصورة؟