تحميل رواية شظايا قلوب محترقة وكانها لي الحياة الجزء الثاني بقلم سيلا وليد pdf
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ شظايا قلوب محترقة وكانها لي الحياة الجزء الثاني بقلم سيلا وليد.
الفصل 73
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
وما الحبُّ إلا طاعةٌ تتخفّى في هيئة التمرّد، وتجاوزٌ لا يعتذر عن جنونه، مهما حاولوا حصره في تعريفٍ أو معنى.
هو ذلك الإحساس الذي لا يُشرح بقدر ما يُعاش، ولا يُقاس باتساع الكلام، بل بارتجاف القلب حين يمرّ اسمه في الذاكرة.
أحببتكِ بطريقةٍ جعلتني أبحث عنكِ في تفاصيل يومي، وكأنني أخبئكِ داخلي لا لأمتلككِ، بل لأطمئن أنكِ بخير حتى حين يغيب العالم عني.
أغارُ عليكِ منّي ومن عيني ومن ظلّي، ومن كل لحظةٍ قد تمرّ بكِ دون أن أمرّ فيها. ولو وضعتكِ في حدقة عيني إلى الأبد، ما اكتفيت...
أحببتُكَ ببساطةٍ جعلتني أغفر كثيرًا، وبقربٍ خفّف من قسوة العالم، وكأن القلوب حين تصفو تُعيد ترتيب الحياة على نحوٍ أكثر هدوءًا وصدقًا.
فهناك أشخاص لا يكفيهم قلبٌ واحد، بل يحتاجهم الإنسان عمرًا ممتدًا، لا ينقصه إلا حضورهم.
تحرَّك يبحث بعينينِ متوتِّرتين، يزداد اضطرابه مع كلِّ ثانية تمرُّ بلا أثر لها..كان البحر من حوله هادئًا على مخيف
حاول أن يقنع نفسه أنَّها لم تبتعد، أنَّها تختبئ خلف صخرةٍ قريبة، أو تنشغل بتأمُّل شيءٍ ما، لكنها ليست متهوِّرة... ليست إلى هذا الحد.
ازداد خفقان قلبه، وصار النفس داخل الأسطوانة أثقل، راح يدور أسرع، يمدُّ ضوءه في كلِّ زاوية، يتتبَّع أي حركة، أي ظل، أي خيال قد يكون لها.
لحظات فقط...كيف يمكن للحظاتٍ عابرة أن تبتلع إنسانًا كاملًا؟
شعور بارد تسلَّل إلى أطرافه، ليس من ماء البحر، بل من خوفٍ بدأ يتشكَّل ببطءٍ مرعب:
ماذا لو لم تكن قريبة؟
ماذا لو حدث لها شيء...وهو كان منشغلًا بصورة؟
عدَّة أسئلة كادت أن ترهق روحه، سبح
يبحث عنها بجنونٍ بين زرقة البحر اللامتناهية، عيناه تتحرَّكانِ بلهفة، وأنفاسه تتسارع حتى ظنَّ أن صوت نبضات قلبه سيشقُّ أذنيه من شدَّة الخوف...
كلُّ ثانية تمرُّ كانت كفيلة بقتله ألف مرَّة، وكلُّ فكرة سوداء مرَّت بعقله كانت تنتزع روحه ببطء.
لم يشعر بدموعه التي انسابت داخل الماء، ولا بذلك الاختناق الذي يطبق على صدره وهو يتخيَّل أنه فقدها... أنها اختفت للأبد.
وفجأة...لمح خيالًا أسود يتحرَّك بعيدًا.
تجمَّدت أنفاسه، واتَّجه نحوه بحذرٍ مرتبك، حتى اتَّسعت عيناه بصدمة وهو يراها هناك...
تقف بهدوءٍ طفولي، تجمع بين كفَّيها قواقع صغيرة وأسماكًا ملوَّنة، وكأنها لا تعلم أن قلبه كان يحتضر بحثًا عنها.
اقترب منها بصمتٍ مرعب، عيناه تلتهمان تفاصيلها المرتجفة خوفًا عليها، التفتت إليه بابتسامةٍ مشرقة، رفعت كفَّها بحماسٍ طفولي:
_بص يا يوسف...شوف لقيت إيه!
لم تنتبه لدموعه التي اختلطت بمياه البحر، ولا لذلك الرعب الساكن بعينيه وهو يحدِّق بها كأنه يتأكَّد أنَّها حقيقيَّة...أنَّها ما زالت أمامه ولم يخطفها البحر منه.
ظلَّ للحظاتٍ عاجزًا عن الكلام، فقط ينظر إليها بأنفاسٍ مضطربة، ثم أشار لها بكفٍّ مرتعشٍ أن يصعدا للأعلى فورًا.
عبست بخفَّة، حاولت التذمُّر والاعتراض، أرادت البقاء قليلًا، لكنَّه رفض رفضًا قاطعًا، بطريقةٍ أخافتها قبل أن تفهمها.
وبعد دقائق...
ساعدها بالصعود إلى متن اليخت، وكفِّه لا يفارقها لحظة، كأنَّ تركها ثانية واحدة يعني ضياعها منه مجدَّدًا.
دلفت إلى الداخل تنزع بدلة الغوص بصعوبة وهي تضحك بخفَّة:
_حرام عليك يا يوسف...مكمِّلناش حتى ساعة.
دخل خلفها سريعًا بعدما نزع بدلته، تحرَّك نحوها بصمتٍ مخيف، ساعدها في نزع البدلة بعصبية مرتجفة، ثم ألقاها بعيدًا وكأنَّ البحر كلَّه أصبح عدوًّا له.
وقف أمامها مباشرة...صامتًا.
صامتًا بطريقةٍ أرعبتها أكثر من أي صراخ.
رفعت عينيها إليه بابتسامةٍ صغيرة:
_رغم إنِّي زعلت علشان طلَّعتنا بسرعة...بس انبسطت أوي.
لم يرد.
فقط ظلَّ ينظر إليها بعينينِ ممتلئتينِ بالرعب والدموع، كأنَّه ما زال يراها تغرق أمامه.
قطبت جبينها بقلق، واقتربت منه خطوة:
_مالك يا يوسف، واقف كدا ليه؟ روح غيَّر هدومك...كلَّها مبلولة.
ظلَّ على صمته..
_فيه حاجة..حصل معاك حاجة؟
خرج صوتها مرتجفًا وهي تراه بتلك الحالة، عيناه المليئتان بالرعب، وأنفاسه الثقيلة، وجسده الذي ما زال ينتفض وكأنه خرج لتوِّه من كابوسٍ مرعب.
تجمَّعت الدموع بعينيه أكثر كلَّما تذكَّر لحظة اختفائها...
لحظة بحثه المجنون عنها، وعجزه عن الوصول إليها، والثواني التي أقنعه فيها خوفه أنَّها ضاعت منه للأبد.
ارتجف قلبها من هيئته، اقتربت بسرعة تحتضن وجهه بين كفَّيها:
_حبيبي...ايه اللي حصل؟
أغمض عينيه للحظة وهو يضع كفَّيه فوق يديها، وكأنه يستمدُّ من لمستها طمأنينة فقدها منذ دقائق، ثم خرج صوته متحشرجًا موجوعًا:
_قوليلي أعمل فيكي إيه؟...إنتي موِّتيني.
انسابت دمعة حارقة على وجنته وهو يكمل بانفعالٍ اختلط بالخوف:
_مش قولتلك ما تتحرَّكيش من جنبي؟!
دا بحر يا هانم...بحر، مش جنينة أطفال.
إنتي عارفة الدقايق دي حسِّيت فيها بإيه؟!
شهقت بخفوت فور رؤيتها لدموعه، وكأنَّ قلبها انقبض بعنف.
دفنت نفسها داخل أحضانه فورًا، تضمُّ خصره بقوة:
_آسفة...والله مكنش قصدي أقلقك.
شوفت السمك ومشيت وراه من غير ما أحس.
ابتعد عنها فجأة، يحاول الهروب من ذلك الشعور الذي سحقه منذ قليل، مرَّر كفِّه المرتجف على وجهه بعنف وهو يشيح بعينيه بعيدًا عنها.
اقتربت منه بخطواتٍ حذرة، لكنَّه رفع كفِّه بإشارة أوقفتها مكانها:
_مش عايز أسمع حاجة.
قالها بصوتٍ خافت...لكنَّه كان ممتلئًا بالقهر والخوف أكثر من الصراخ نفسه.
استدار سريعًا نحو الحمَّام، ينزع ثيابه بعصبية، وجسده ما زال يرتجف تحت تأثير الرعب الذي عاشه.
دلفت خلفه بخطواتٍ متردِّدة، ثم احتضنته من الخلف برقَّة، وألصقت خدَّها بظهره:
_صدَّقني...والله ما كان قصدي.
أغمض عينيه بقوَّة فور سماعه نبرتها المرتعشة، شعر بضعفه ينهار أمام حزنها...
ورغم ذلك لم يستدر إليها، لأنَّه لو فعل سيضمُّها بعنفٍ ويعترف أنه كان على وشك الانهيار من خوفه عليها.
طبعت قبلةً صغيرةً على ظهره العاري، ثم همست بصوتٍ مختنقٍ بالبكاء:
_آسفة إني خوَّفتك...والله ما كان قصدي.
بس المنظر تحت...نسَّاني كلِّ حاجة.
قالتها واستدارت لتخرج، ظنًّا منها أنه ما زال غاضبًا...
لكن قبل أن تخطو خطوةً واحدة، استدار إليها فجأة، جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره المبتلّ، وخرج صوته خشنًا باردًا أخافها:
_رايحة فين؟
رفعت عينيها إليه بارتباك، ليكمل وهو ينظر لها بنظرةٍ مشتعلة بالخوف الذي يحاول إخفائه:
_جسمي كلُّه ميَّة بحر...ساعديني.
ظلَّت تحدِّق بعينيه طويلًا...
تلك العينان اللتان تحاولان الهروب منها حتى لا ترى حجم الرعب الذي سكنهما بسببها.
دخل أسفل المياه، بينما بقيت مكانها للحظات، تنظر إليه وقلبها يعتصر ألمًا عليه.
رفع رأسه إليها أخيرًا، وقال بجمودٍ يخفي خلفه احتياجه لها:
_لو مش هتساعديني...اطلعي برَّة.
ارتجفت شفتاها، ثم اقتربت منه ببطء...
و تحاول أن تطمئن قلبه قبل أن تلمس جسده:
_آسفة..لو أعرف دا هيزعَّلك أوي مكنتش نزلت ولا طلبت منك.
فجأةً جذبها إلى صدره بعنفٍ أربكها، ضمَّها كالغريق الذي وجد نجاته أخيرًا، حتى شعرت بارتجاف جسده كلِّه.
دفن وجهه بعنقها، وقال بصوتٍ مرتجف، وأنفاسٍ خرجت متكسِّرة موجوعة:
_متعمليش فيَّا كدا تاني...
اتَّسعت عيناها بدهشة، لتشعر بعدها بدموعه الساخنة فوق بشرتها، وهمس بنبرةٍ مرتعشة يكمل بانكسارِ رجلٍ خائف فقد روحه للحظات:
_وجعتيني، قلبي وقف وأنا بدوَّر عليكي.
تمسَّحت بصدره المبتلّ كطفلةٍ مذنبة، وانسابت دموعها فوق جلده وهي تهمس بصوتٍ مبحوحٍ متكسِّر:
_سلامة قلبك...آسفة...بجد آسفة.
تنهَّد بأنفاسٍ مرتجفة، ثم أبعدها قليلًا عنه،
وراح يحتضن وجهها، يمرِّر أنامله المرتعشة، كأنَّ روحه تتحسَّسها لتتأكَّد أنَّها حقيقية...أنها لم تختفِ منه، ولم يخطفها البحر.
كان ينظر إليها بعينينِ موجوعتينِ بشكلٍ أخاف قلبها...
عينانٍ عاشتا الرعب كاملًا في دقائق قليلة.
شعرت بما داخله دون أن يتكلَّم، فاقتربت أكثر حتى اختلطت أنفاسهما، والمياه تتقاطر فوق جسديهما بهدوء، رفعت ذراعيها حول عنقه، ثم قبَّلته برقَّةٍ عاشقة تحاول أن تربت على قلب رجلٍ احترق خوفًا عليها.
وما إن لامست شفتيها شفتيه...
حتى أغمض عينيه باستسلامٍ كامل، لتنهار حصونه دفعةً واحدة.
كيف لرجلٍ أحبَّ بهذا الجنون أن يبقى قويًّا أمام المرأة التي تسكن نبضه؟
وهي...أضعف أسلحته، وأعظم نقاط ضعفه، وطمأنينته الوحيدة في هذا العالم.
هنا لا وجود لكبرياء، ولا غرور، ولا محاولة للتماسك...
هنا قلبٌ كاد يتوقَّف رعبًا، ثم عاد للحياة بين ذراعي من يعشقها.
شدَّها إليه أكثر، حتى شعرت بنبضاته العنيفة تضرب صدره، وكأنَّ قلبه يعاتبها لأنه كاد يفقدها.
همس بين قبلاته المتعبة، بصوتٍ خرج محمَّلًا بكلِّ خوفه وعشقه:
_أوعي تعملي فيَّا كدا تاني...
أوعي تبعدي عنِّي بالشكل دا، أنا بموت فيكي...فاهمة يعني إيه بموت؟
ارتجفت بين ذراعيه، ورفعت عينيها الغارقتينِ بالدموع نحوه، لتجده ينظر إليها وكأنَّها دنياه كلَّها، وكأنَّ فقدانها يعني نهايته هو...لما لا وهي الحياة له بأكملها.
ما أجمل شعور الاحتواء...
حين تضمُّك يدٌ ائتمنتها على روحك دون خوف، وتشعر أن العالم كلَّه قد يؤذيك إلَّا هذا القلب.
ازدادت حرارة أنفاسهما، وضاعت المسافات أكثر، وبدأت السيطرة تتلاشى أمام ذلك العشق العنيف الذي جمعهما.
أغلق المياه أخيرًا، ثم حملها بين ذراعيه دون أن يرفع عينيه عنها، واتجه بها إلى الخارج، بينما هي متشبِّثة بعنقه تخشى أن تبتعد عنه ولو خطوة.
كان يسير بها وكأنَّه يحمل قلبه بين يديه...
أقسم أن يحاسبها بطريقته الخاصَّة...ليعلِّمها كيف لعاشقٍ أن ينجو بعدما سُلبت روحه للحظات؟
وكيف له أن يغفر لمن جعل قلبه يذوق رعب الفقد...ثم عاد ليعشقها أكثر؟
بمنزل بلال..
كانت الغرفة تغرق بسكونٍ دافئ، لا يقطعه سوى أنفاس صغيرهما المنتظمة، بعدما أنهك الجميع ببكائه المتواصل لساعات، حتى كاد قلب بلال يتوقَّف عجزًا وخوفًا عليه..ولم يهدأ الصغير إلَّا بعدما اتَّصل بلال بوالدته، فجاءت وحمَّمته بهدوء حتى استسلم أخيرًا للنوم بين ذراعيها.
وأخبرت رولا ببعض النصائح لنومه.
نظر لزوجته التي كانت تغفو بجوار طفلها بإرهاقٍ واضح..
خطا لداخل الغرفة بخطواتٍ حذرة، وعيناه تعلَّقتا بذلك الكائن الصغير الراقد بسلام..فتبدَّلت ملامحه القلقة لابتسامةٍ هادئة، ممتلئة بدهشة. فما زال لا يصدِّق أنَّ هذا الملاك أصبح ابنه.
اقترب ببطء، ثم انحنى أمام فراشه، يستند على ركبتيه..
مدَّ أنامله يتحسَّس خصلات شعره الناعمة بحذرٍ شديد، يخشى أن يوقظه أو يؤذيه دون قصد..ثم انحنى أكثر، وطبع قبلةً طويلة حانية فوق جبينه الصغير، أغمض عينيه يسحب رائحته..
رفع رأسه ينظر إليه مطوَّلًا، وهمس بصوتٍ بالكاد سُمع:
_ربِّنا يحفظك يا حبيبي.
ثم التفت نحو زوجته، يتأمَّل ملامحها الشاحبة من التعب، عيناه امتلأتا بعجزٍ موجع..فهي منذ الولادة لم تعرف الراحة، تسهر لأجله، تبكي لبكائه، وتنهض فزعًا مع كل نفسٍ يخرج منه.
تنهَّد بخفوت، ثم خرج من الغرفة بهدوءٍ شديد، تاركًا صغيره ووالدته يغرقان أخيرًا في نومٍ هادئ.
نزل للأسفل بعدما أخبره رجل الأمن بوصول المربيَّات اللاتي طلبهن.
_المكتب يا دكتور، بعت كام مربيَّة لو حضرتك حابب تقابلهم.
أومأ له بلال بإرهاق:
_دخَّلهم بسرعة يا محمد، عندي شغل متراكم.
_تحت أمرك يا دكتور.
دلف إلى مكتبه، وجلس خلف مكتبه يمرِّر كفِّه فوق وجهه المرهق، يزفر ببطء..فمنذ أن جاء ابنه إلى الدنيا، لم يعد يعرف للنوم طريقًا، وكأنَّ قلبه أصبح معلَّقًا بذلك الكائن الصغير الذي يخاف عليه من نسمة هواء.
دخلت أوَّل مربية، وبعد دقائق قليلة اعتذر منها..ثم الثانية..ولم يشعر بالراحة أيضًا.
حتى دلفت شابة صغيرة، بالكاد تجاوزت العشرين.
رفع بلال الأوراق بين يديه، ثم عقد حاجبيه بدهشة:
_اتنين وعشرين سنة!.وهتعرفي تهتمِّي بطفل رضيع؟
رفعت عينيها بثبات رغم توتُّرها الواضح:
_أيوة يا فندم..أنا بشتغل بقالي سنتين، ولسَّه مخلَّصة كلية، وعندي خبرة كويسة..وحضرتك هتلاقي أماكن شغلي كلَّها في الـCV.
ظلَّ يتأمَّلها لثوانٍ، ثم سأل:
_وسبتي الشغل ليه؟
ابتلعت ريقها تجيب بسرعة:
_ما سبتوش يا فندم.. أوَّل بيت كان وقت امتحاناتي ومقدرتش أوفَّق، والتاني سافروا برَّة مصر..أمَّا البيت التالت، صاحبة المنزل رفضت سنِّي، كانت عايزة حد أكبر.
ساد الصمت للحظات، بينما كان بلال يدقِّق النظر بها، يحاول أن يقرأ ملامحها جيِّدًا..فهو لم يعد يأتمن أحدًا، خاصَّةً بعد تحذير إلياس له بمعرفة كلِّ شيء.
ثم قال أخيرًا:
_اسمك هناء..صح؟
_أيوة يا فندم.
أومأ برأسه بهدوء:
_تمام يا هناء..هجرَّبك كام يوم، ولو ارتاحتلك المدام وعجبني شغلك، هتكمِّلي معانا.
اتَّسعت عيناها بفرحةٍ واضحة:
_شكرًا يا فندم..إن شاء الله أكون قدِّ الثقة.
أكمل بجديَّة:
_وخلِّي بالك..ابني أهمِّ حاجة عندي، وهتباتي معاه، مفيش حاجة اسمها ينفع ومينفعش.
أومأت فورًا:
_عارفة يا فندم.
التقط هاتفه واتَّصل بالخادمة التي وصلت إليه فورًا:
_خدي الأستاذة هناء وطلَّعيها أوضتها..لحدِّ ما المدام تصحى وتتكلِّم معاها.
_تحت أمرك يا دكتور.
خرجت هناء خلف الخادمة، بينما عاد بلال يسند رأسه للخلف ويغمض عينيه بإرهاق..
لكنَّه رغم التعب..ابتسم دون وعي.
لأوَّل مرَّة يشعر أنَّ البيت لم يعد ناقصًا..
فقد أصبح هناك قلبًا صغيرًا ينبض بداخله حياةً كاملة.
بمنزل كريم..
كانت تجلس أمام المسبح، تحدِّق بشرود في تموُّجات المياه بلا هدف.
اقتربت إيمان منها، تحمل مشروبها، وضعته على الطاولة، ثم استدارت تراقب ملامح ابنتها التي تغيَّرت كثيرًا في الفترة الأخيرة، لم تعد تلك الفتاة المشاغبة التي تملأ البيت ضحكًا وحياة.
جلست بجوارها وهمست بحنان:
_قاعدة لوحدك كدا ليه يا آسيا؟
انتبهت آسيا أخيرًا، رفعت عينيها إليها، ثم رسمت ابتسامة باهتة بالكاد ظهرت على شفتيها:
_هعمل إيه يعني يا ماما...
ضيَّقت إيمان عينيها تدقِّق النظر بها:
_مالك يا حبيبتي؟ بقالك فترة ساكتة... مش دي آسيا اللي أعرفها.
استدارت إليها بكامل جسدها، تحاول التظاهر بالقوة:
_مفيش...يمكن الشغل، ويمكن علشان رولا انشغلت بالبيبي، إحنا كنَّا دايمًا سوا.
ربتت إيمان على يدها بحنان:
_طيب ما سدن موجودة، اخرجو غيَّروا جو شوية.
تنهَّدت آسيا وهي تعيد بصرها للمسبح:
_سدن بقت طول الوقت مع آسر... وبعدين هيَّ أصلًا مبتحبِّش الخروج.
صمتت إيمان للحظة، ثم مسَّدت على شعرها:
_أنا مبسوطة أوي إنُّكم رجعتوا زي زمان، البيت رجع فيه روح من تاني.
ارتجفت عينا آسيا بالدموع فجأة، ثم
التفتت إليها وهمست بصوتٍ مختنق:
_عارفة إنِّي تعبتك أوي، سامحيني يا ماما.
لم تحتمل إيمان رؤية انكسار ابنتها، جذبتها فورًا إلى صدرها تضمُّها بقوة، وكأنها تخشى أن تضيع منها مرَّةً أخرى..وانسابت دمعة حارَّة على وجنتها وهي تهمس قرب أذنها:
_متعرفيش كنت بعيش إزاي...مكنتش بنام، وكلِّ ليلة أفضل أدعي ربِّنا يرجَّعكم للطريق الصح...وكل شوية ألوم نفسي وأقول أكيد قصَّرت في حقكم.
ابتعدت آسيا قليلًا، تمسح دموعها بسرعة:
_لا يا حبيبتي...إنتِ مقصرتيش أبدًا.
يمكن فعلًا المجتمع بيفرق، زمان كنت رافضة العيشة هنا، حاسَّة إنِّي غريبة، لكن دلوقتي...
ابتسمت وسط دموعها:
_حاسَّة إن البلد دي بقت حياتي كلَّها.
احتوت إيمان وجهها بين كفَّيها، تتأمَّل ملامحها بحبٍّ وحنين:
_الكلام دا فرَّح قلبي يا آسيا...ونفسي أشوفك زي زمان، البنت الشقية اللي كانت مجنَّنة البيت كلُّه.
لمعت عينا آسيا أكثر، وخرج صوتها ضعيفًا كطفلةٍ صغيرة:
_كبرت خلاص يا ماما...
هزَّت إيمان رأسها سريعًا، ثم سحبتها لأحضانها مرَّةً أخرى، تضمُّها بقوة وتمسِّد على شعرها بحنان أمٍّ تخاف على صغيرتها:
_مهما كبرتي...هتفضلي بنتي الصغيرة، وهفضل أخاف عليكي كأنك لسه أوَّل مرَّة أشيلك فيها بين إيديا.
أغمضت آسيا عينيها داخل أحضان والدتها، وكأنَّ قلبها وجد أخيرًا المكان الوحيد الآمن بعد تعبٍ طويل.
_المهم ما ترجعيش لطريق الحرية السايبة اللي كنتي بتنادي بيها.
ابعدتها عنها تتعمَّق بالنظر إليها:
_آسيا أنتوا كنتو أصدقاء بس، مش كدا حبيبتي؟.
أزالت دموعها وابتعدت عنها:
_لو قصدك على جاك يا ماما، فمتخليش دماغك تاخدك لطريق تاني.
أدارت وجه ابنتها تنظر لعينيها:
_غصب عنِّي حبيبتي، أنا أم، والفترة دي
كنت...رفعت آسيا كفَّ والدتها تمسِّد عليه:
_اطَّمني يا ماما، أنا عارفة الحدود كويس، يمكن مكنتش مهتمية بالحلال والحرام، علشان كدا كنت مصرَّة إن عادي البنت تقعد مع الولد، لكن بعد ما جيت هنا عرفت كلِّ حاجة.
احتضنت وجه ابنتها وطبعت قبلة فوق جبينها، ثم نظرت لعينيها:
_نفسي ترجعي زي زمان، وتراعي دينك يا بنتي، مينفعش نصلِّي ونمشي بشعرنا وهدوم ضيَّقة وقصيرة.
سحبت نفسًا وزفرته:
_شايفة سدن بتتغيَّر بسرعة، مش ناقص لها غير الحجاب، وحاسَّة قريب جدًّا إنَّها هترجع لحجابها، بتمنَّى إنتي كمان تتحجبي.
_لو سمحتي يا ماما اتكلِّمنا في الموضوع دا، وقت ما أحس إنِّي مقتنعة بيه مش هنتظرك.
_آسيا حبيبتي، فيه حاجات مينفعش نصبر عليها دا فرض.
زفرت آسيا باختناق:
_ماما هرجع وأقولِّك هاتي ما يثبت في آية بكدا.
_إيه اللي بتقوليه دا يا بنتي، على العموم في آية بتقول:
"﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾
قطع الحديث صوت الخادمة من بعيد:
_الأستاذ آسر جه يا دكتورة...ومعاه الباشمهندس.
ابتعدت إيمان ببطء، تمسح دموعها سريعًا قبل أن يراها أحد، ثم التفتت للخادمة:
_روحي اعمليلهم قهوة...وأنا جاية.
غادرت الخادمة، بينما اعتدلت إيمان تنظر لابنتها بحنان:
_نكمِّل كلامنا بعدين، قالتها ونهضت متسائلة:
_مش هتخرجي تسلِّمي على خالك وابنه؟
هزَّت آسيا رأسها بخفَّة وهي تحاول استعادة هدوءها:
_لأ...هقعد شوية، افتكرت شغل كنت ناسياه.
ابتسمت إيمان بحنان، وانحنت تقرص وجنتها بخفَّة كما كانت تفعل وهي صغيرة، ثم نهضت وغادرت، بينما بقيت آسيا مكانها...
بعد دقائق معدودة...
شعرت بوجوده خلفها..فمنذ أن أعلن حبِّه إليها وبدأت تشعر بكلِّ خطواته، وكأنَّ قلبها يحفظ اقترابه قبل أن تسمعه أذناها.
توتَّرت أنفاسها دون إرادة، بينما اقترب بخطواتٍ هادئة حتى توقَّف جوارها، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ يحمل ضيقًا مكتومًا:
_عايز أتكلِّم معاكي.
قبضت على طرف ثوبها بقوة، تحاول الثبات:
_مش فاضية.
تحرَّك حتى جلس بمقابلتها مباشرة، يحاصرها بعينيه قبل جسده، ثم سألها بنبرةٍ أثقل:
_ممكن أفهم..بتهربي منِّي ليه؟
ارتجف قلبها بعنف.
سؤال واحد فقط...وكان كفيلًا بفضح كلِّ شيء.
لقد اشتاقت إليه حدَّ الوجع...
منذ أسبوع كامل، منذ سبوع يوسف الصغير، وهي تتعمَّد الاختفاء من كل تجمُّع عائلي فقط حتى لا تراه...لأنَّ رؤيته وحدها كانت تضعفها بطريقةٍ تخيفها.
انحنى قليلًا للأمام، مستندًا بكفَّيه فوق الطاولة، ثم نطق اسمها بصوته الرجولي الأجش:
_آسيا...
رفعت رأسها إليه أخيرًا.
وللحظة...تاه العالم كلَّه.
عيناه كانتا ممتلئتينِ بأسئلة كثيرة، عتاب، شوق، وغضب مكتوم، وهي..
تعلَّقت عيناها بعينيه دون مقاومة، وشعرت بضعفٍ مخيف يجتاحها...كيف يضعفها بتلك الطريقة، لحظة واحدة فقط...
كادت فيها أن تنهض، أن ترتمي داخل أحضانه، أن تخبره كم اشتاقت إليه وكم أتعبها البعد عنه.
لكن صوت سدن قطع كلَّ أمنياتها:
_إيه ده!.قاعدين هنا ليه؟ بابا جه... وعمُّو طارق كمان، وعلي العفريت برة مقلِّب الدنيا.
لم يلتفت إليها حتى، بقيت عيناه معلَّقتين بآسيا، يراقب ارتجافة جسدها الواضحة، ثم قال بهدوءٍ يحمل أمرًا:
_سدن...سبينا شوية، عايز آسيا في موضوع مهم.
كأنَّ كلماته أفزعتها..
هبَّت واقفة بسرعة، تبحث عن أي مهرب:
_أنا...عندي شغل على اللاب و..
لكنَّها توقَّفت فجأة حين وقف أمامها مباشرة، يحجب عنها طريق الهروب، وعيناه تشتعلانِ غضبًا مكبوتًا:
_قولت عايز أتكلِّم معاكي.
ثم اقترب أكثر، وصوته انخفض بطريقةٍ جعلت قلبها يرتجف:
_وأعرف حكاية شغلك مع نور اللي كلِّ شوية بتستخبِّي وراه.
أنهى جملته وهو يطبق على ذراعها بقوة لم تؤلمها بقدر ما هزَّتها من الداخل...
قبضة تحمل غضبه، واشتياقه، وخوفه من ابتعادها.
ثم استدار برأسه نحو سدن دون أن يتركها:
_سدن...سبينا شوية مع أختك.
نظرت سدن بينهما بقلقٍ خفيف، تشعر بالتوتُّر المشحون الذي يحيط بهما، ثم قالت بهدوء:
_تمام...أعملُّكم قهوة؟
أجابها دون أن يرفع عينيه عن آسيا:
_يا ريت..
غادرت سدن ببطء...
ليعمَّ الصمت بينهما من جديد..رفع ذقنها ينظر لعينيها:
_ممكن أعرف مالك؟
هزَّة عنيفة كادت أن توقف قلبها من ملامسته،حتى تراجعت تجلس على الطاولة حين شعرت بضعف ساقيها،
سحب المقعد وجلس بجوارها:
_سامعك...رفعت عيناها إليه وحاولت أن تستمدَّ قوتها من تمرُّدها:
_مش فاهمة سامعني في إيه، وبعدين بتكلِّمني بالطريقة دي ليه، زي ما يكون ولي أمري.
رغم أنَّ كلماتها طعنته بشدَّة ولكنه لم يهتم.
سحب ذراعها بقوة حتى اصطدمت بكتفه، وارتفعت أنفاسها:
_أنا مش عيِّل معاكي، لمَّا أتكلِّم تكلِّميني بأسلوب محترم، أنا جاي أتكلِّم معاكي علشان أحط حد لعلاقتنا، لازم أعرف هنبقى إزاي، مش علشان تكلِّميني بالطريقة دي.
سحبت كفَّها بغضب، وثار جنونها من طريقته، ثم نهضت تدفع المقعد:
_علاقة إيه يا أبو علاقة، إنتَ صدَّقت نفسك، بتكلِّمني ولا كأنِّنا مقطَّعين بعض رسايل غرامية.
نصب عوده وتوقَّف أمامها ينظر أليها بصمتٍ للحظات أربكتها ثم نطق:
_دا آخر كلام؟.
دفعته غاضبة، لا تعلم هل غاضبة من قلبها الذي بدأ ينبض إليه بعنف، رغم معرفتها بحبِّ أختها له، أم غاضبة من ردِّه البارد القاسي كما خيِّل لها، كلَّ ما تشعر به غضبًا ونيران تحرق قلبها:
_مفيش حاجة نتكلِّم فيها، بعد إذنك يا متر.
بمنزل آدم..
كانت منشغلة بعملها، تدندن وهي تدوِّن بعض الملاحظات، دلفت إليها إيلين تبتسم على ابنتها:
_إحنا مش بقينا بريفكت عربي بس، لا كمان بنغنِّي شعبي.
رفعت رأسها لوالدتها:
_النغم يا مامي حماس..بتحسِّي بالحياة، غير الأغاني الهادية الرومانس.
جلست تنظر إلى ابنتها:
_بتعملي إيه؟.
_I am doing scientific research
أممم..عن إيه؟.
قالتها وهي ترفع الورق:
Political systems" النظم السياسيَّة"
_حلو أوي...ودي بتدريسها ليه، فهِّمي مامي أهميِّتها لكلية الإعلام.
اعتدلت بوجها تنظر لوالدتها قائلة:
_بتتكلِّم عن الأنظمة السياسيَّة وطبيعة الحكم وتأثير السياسة على المجتمع والإعلام، مثل:
الديمقراطية والديكتاتورية.
السلطات الثلاث (التشريعية - التنفيذية - القضائية)
الأحزاب السياسية والانتخابات.
علاقة الإعلام بالسياسة.
حريِّة التعبير والرأي العام.
تأثير وسائل الإعلام على القرارات السياسية.
الدعاية السياسية والحروب الإعلامية.
الأنظمة السياسية في الدول المختلفة.
حاجات كتيرة أوي يا مامي، رغم دكتورها سيادة الصقيع المتعجرف.
ضحكت إيلين بصوتٍ مرتفع، سحبت رأسها لصدرها تضمُّها وما زالت ابتسامتها تنير وجهها:
_إيه اللقب دا، وماله سيادة الصقيع، مضايق فروحة ليه؟.
ابتعدت عن أحضان والدتها:
_عادي، دكتور مغرور شوية سيبك منه.
قطبت إيلين حاحبيها:
_يعني إيه، بضايق في المحاضرة يعني؟.
نقرت بقلمها على المكتب وشردت قليلًا وهي تقول:
_أنا أصلًا بطَّلت أحضره له محاضرات.
_يعني إيه يا فرح...ينفع ما نحضرش محاضراتنا؟.
جمعت خصلاتها، لكي تلهي والدتها وقالت:
_عادي يا مامي، حضرتك معلِّماني اللي ما أرتحلوش أتجنِّبه، والدكتور دا واخد مقلب في نفسه.
رفعت ذقن ابنتها تنظر في عينيها:
_اسمه إيه الدكتور دا يا فروحة؟.
_ليه يا ماما، أنا عايزة أعتمد على نفسي، رجاءً مش عايزة تدخُّل.
_حبيبتي مش هدخَّل، بس عايزة أعرف اسمه بس.
_عمران الجارحي.
قطبت جبينها متسائلة:
_عمران الجارحي...
الاسم مش غريب...
فتحت فاهها بذهول:
_ليكون ابن إسحاق الجارحي؟.
أومأت فرح برأسها:
_أيوة اسمه حاجة زي كدا.
تراجعت إيلين بجسدها تراقب ملامح ابنتها وقالت:
_احكي لي بقى كلِّ حاجة، أصل اللي أعرفه عن إسحاق إنُّه جادِّي.
بقصر الجارحي...وخاصة بغرفة الرياضة كان يتحدَّث بسمَّاعة هاتفه وهو يمارس تمارينه الرياضية:
_ألف مبروك يا سيدي بالرفاء والبنين..
أجابه على الطرف الآخر:
_عقبالك يا عمورة، مش ناوي؟.
للحظة مرَّ طيفها أمامه، هزَّ رأسه بذهول يهمس لنفسه:
_إيه اللي بيحصل دا؟!.
أفاق على صوت صديقه:
_هتيجي مش كدا؟.
_إن شاءلله.
قالها قبل أن يغلق الهاتف.
بمنزل إلياس..
كان يتحدَّث مع مالك بخصوص سفره هو وغادة، للاطمئنان على ابنته:
_هتقعدوا كتير، ولَّا مجرَّد فحص وترجع؟.
_غادة عايزة تقعد كام يوم مع إسلام أخوها، بتقول وحشها، هسيبها هناك وأرجع.
_ليه ناوية تطوِّل ولَّا إيه؟.
_عايزة تقعد الإجازة كلَّها، وبصراحة عايزها تغيَّر جو، الفترة اللي فاتت كان شدِّ عصب عليها.
_إن شاءلله خير، لو عايز إنتَ كمان تفضل خلِّيك معاها.
_لا..مينفعش أسيب ماما لوحدها، غادة هتكون مع أخوها، بس ماما لوحدها.
_ربِّنا يباركلك فيها..
_آمين..قاطعهم دخول أرسلان ملقيًا السلام:
_عاملين إيه.
_كويسين الحمدلله..
تمتم بها مالك وتوقَّف وهو يقول:
_عايزين حاجة قبل السفر؟.
_لا..توصلوا بالسلامة، يبقى طمِّني على فريدة.
_إن شاءلله.
جلس أرسلان بعد خروجه، بجسدٍ منهك، وملامح مذرية، صمت للحظات وإلياس يتابع صمته:
_مالك فيه إيه؟.
سحب نفسًا وطرده:
_فيه موضوع مهم، عرفته من فترة، وجه الوقت اللي تعرفه.
سحب إلياس سجائره، يومئ برأسه:
_خير..قول سامعك.
_مش خير أبدًا.
هنا رفع الياس رأسه يدقِّق النظر بملامحه، للحظة شعر بنغزة، لأوَّل مرَّة يراه بتلك الحالة، ظنَّ أنَّه يمزح كعادته، ولكن ملامحه لا تبشِّر بالخير:
_خير يا أرسلان..قلقتني، الولاد مش كويسين، إنتَ كلِّمت ضي، فيه إيه، يوسف زعَّلها تاني؟.
مسح على وجهه، وزفرة حارقة أخرجها كادت أن تحرق روحه، توقَّف إلياس، وأصبح نبض قلبه كالمضخَّة، وكل ما فكَّر فيه أنَّ شيئًا أصاب ابنه..جلس بمقابلته:
_يوسف حصل له حاجة؟.
_الولاد بخير يا إلياس، الموضوع بعيد عن الولاد.
تنهَّد براحة وعاد بجسده للخلف، يحدجه بنظرةٍ غاضبة:
_ما دام الموضوع بعيد عن الولاد، فكلُّه يهون، مش مهم أي حاجة تانية.
ابتعد أرسلان بنظره عنه وتمتم:
_للأسف يا إلياس، فيه حاجات بعد ما ماتت رجعت تحيا تاني، بألم أصعب من الأوَّل.
قطب إلياس جبينه، وطالعه بجهل:
_إنتَ جاي تختبرني بألغازك.
_إلياس اللي هقوله مفيش حد ممكن يصدَّقه، والنار هتولَّع في قلوبنا من تاني.
هنا ثار غضب إلياس ينهره بنبرةٍ صارخة:
_إنتَ هتقول، ولَّا تقوم تمشي، الموضوع مش متحمِّل ألغاز، يعني هيكون أصعب من اللي شوفناه، قالها ورفع كوب المياه، يرتشف بعضه، بعدما شعر بالاختناق.
_راجح.
سقط الكوب من يد إلياس، واتجه بنظره سريعًا إلى أرسلان:
_راجح مين؟!.
_راجح الشافعي.
ارتفعت دقَّاته بعنف، هنا تيقَّن أنَّ هناك ما لم يتحمَّله قلبه، حتى شعر بارتجاف جسده، فتساءل بتقطُّع:
_ماله راجح؟.
_طلع متجوِّز واحدة يونانية.
أومأ له ليكمل حديثه:
_وله بنت وولد من الستِّ دي.
هنا لم يقوَ إلياس على الصمود، ليهوى بجسده فوق المقعد، وغصَّة كادت تخنقه:
_بنت وولد!!..رفع رأسه إليه:
_إيه الجنان اللي بتقوله دا؟!.
للأسف يا إلياس دا مش جنان، دي حقيقة.
تاه إلياس يهزُّ رأسه بعنف:
_لا..مستحيل، يعني إيه بنت وولد بعد السنين دي كلَّها، صمت فجأة ورفع رأسه إليه:
_إنتَ عرفت منين الكلام، ومن إمتى عرفت، وليه خبِّيت عليَّ...إنتَ عارف إنتَ بتقول ايه؟!.
_عرفت من فترة، بعد حادثة يوسف.
رجفة قوية أصابت إلياس، حين ظنَّ أنَّهما خلف حادث ابنه:
_إنتَ تقصد إيه؟.
_ما أقصدش حاجة، موضوع معتز اللي كان بيراقب رولا وآسر.
أومأ إلياس إليه، فتابع قائلًا:
_جاسر الألفي، بحث وراه، وعرف من جهات مختصَّة إنُّه على علاقة براجح.
ضرب الياس على المكتب:
_إنتَ هتنقطَّني، ما تقول على طول.
_معتز له كذا جنسية، والمعلومات بتأكِّد إنُّه ابن لست كانت مرات راجح.
أمسك إلياس رأسه، يفرك وجهه بعنف، علَّه يقدر أن يفهم شيئًا ممَّا يصير:
_مش فاهم، أنا عقلي وقف، إيه اللي بتقوله دا، ودا عايز إيه من رولا وآسر، وليه جاي بعد السنين دي كلَّها؟.
_استنى فيه الأهم من دا كلُّه.
رفع رأسه ينظر إليه:
_لمَّا جاسر، إداني طرف الخيط، سافرت اليونان، وبمساعدة أشخاص ثقة عرفت إنِّ أبو معتز دا هوَّ اللي كان بيساعد رؤى.
صدمة، ذهول، توسَّعت عيناه ينظر اإيه:
_يعني مختار العوضي دا هوَّ أبو معتز؟!.
_لا...مالوش علاقة، مختار كان أبوه شريك لراجح، بس أبو معتز كان يعرفه، طبعًا مكنش يعرف حاجة، إيه اللي حصل بين الاتنين معرفش، الاتنين ماتوا، ومفيش حد يعرف إيه اللي حصل، وليه معتز عايز ينتقم من يزن.
أومأ إلياس يتمتم:
_رؤى...أكيد هيَّ اللي ورا فكرة الانتقام من يزن، علشان كانت مفكَّرة إنُّه هوَّ اللي دخَّلها السجن.
_بس رؤى متأكِّدة إنَّك ورا دا كلُّه.
تذكَّر حديثها معه في آخر زيارة:
_عايز كشف كامل لكلِّ الأمن والخدم وعلاقاتهم، إحنا وقتها عملنا كشف، والكلِّ طلع نضيف، ما دام معتز دا رجع يفتح القديم، أكيد له خيط هنا.
_أنا شغَّال على الموضوع من غير ما تقول، بس دلوقتي هنعمل إيه؟.
_إنتَ وصلت للبنت والولد؟.
هزَّ رأسه وقال:
_البنت والولد مش متسجِّلين باسم راجح، وكمان أمُّهم نصرانية، ومش في مصر.
_أرسلان هتهزَّر، إنتَ مكنتش مخابراتي، عايز خلال أسبوع كلِّ حاجة.
_إلياس، أنا قولت لك بقالي فترة عارف وببحث في الموضوع، يعني لو عرفت حاجة مكنتش هنتظر.
اقترب يجزُّ على شفتيه:
_شوف إسحاق، لأن الموضوع دا ما يخرجش من تحت إيده، وأكيد هوَّ على علم بحاجة زي كدا.
_سألته قالِّي معرفش.
طاح بما فوق المكتب:
_آاااه...الراجل دا مش سايبنا هوَّ عايش وكمان وهوَّ ميِّت، أعمل إيه.
بقصر الجارحي..
دلف إلى غرفة والدته بعدما سمحت له بالدخول، فوجدها تجلس بشرود، تنظر في اللاشيء.
_حضرتك طلبتيني يا ماما؟
رفعت عيناها إليه، حاولت أن تبتسم:
_تعال يا حمزة...
اقترب وجلس أمامها مباشرة، يراقبها في صمت:
_مراتك لسه قدَّامها شهر على الولادة...مش كدا؟
أومأ بهدوء:
_أيوة.
تنهَّدت طويلًا، ثم قالت بعدما تردَّدت وكأنها تخشى اعتراضه:
_طيب...إيه رأيك تسافر لعمَّك، وتولد هناك؟
انعقد حاجباه بدهشة:
_هناك فين؟!.
_أمريكا...عند عمَّك.
صمت لثوانٍ، يحاول فهم سبب طلبها المفاجئ، ثم قال بهدوءٍ حذر:
_ليه يا ماما؟ وبعدين...مامتها أكيد هترفض.
التفتت إليه سريعًا، وكأنَّ خوفها انكشف دون قصد:
_حمزة...ممكن تسمع كلامي من غير نقاش؟ أنا بكلِّمك علشان تقنع باباك بكلامي، ولو على ميرال أنا أقدر أقنعها.
ظلَّ ينظر إليها طويلًا، ثم مال بجسده للأمام يسألها بصوتٍ أخفض:
_من حقِّي أفهم...دا خوف ولَّا أمن؟.
ارتبكت ملامحها، وهربت بعينيها بعيدًا عنه:
_معرفش، بس قلبي مش مطَّمن.
زيادة الحراسة حوالين البيت، وسفر باباك الكتير، والأمن اللي بقى بكلِّ مكان...كل دا مخوِّفني.
أنا طول عمري بخاف بالإحساس يا حمزة...والإحساس المرَّة دي راعبني.
شعر بانقباض قلبه لرؤية والدته بتلك الحالة، فاقترب منها أكثر، وأحاط كتفيها بذراعه، يسند رأسها إلى صدره:
_بصِّيلي يا حبيبتي...
رفعت عينيها إليه بقلقِ أم أنهكها الخوف.
ابتسم بهدوء، رغم القلق الذي تسلَّل إلى داخله هو الآخر، ثم قال بنبرةٍ ثابتة تحمل قوَّة رجلٍ اعتاد المواجهة:
_إنتِ متخيِّلة إنِّي لو معرفتش أحمي مراتي وابني في بلدي...هعرف أحميهم برَّة؟
صمت لحظة، ثم أكمل وهو يربت على كتفها بحنان:
_اطمِّني...محدش يقدر يقرَّبلهم.
بابا أكيد عامل حسابه لكلِّ حاجة، وإنتِ بنفسك قولتي الأمن متضاعف حوالينا.
ابتسم بخفَّة يحاول انتشالها من خوفها:
_وبعدين...دي بنت إلياس الشافعي، الراجل اللي شركات الأمن بتاعته مأمِّنة نصِّ البلد، لمَّا بنته تدخل مستشفى الدنيا كلَّها بتقف على رجل.
تنهَّد، ثم أكمل بنبرةٍ امتزج بها الفخر بالحب:
_وجوزها طيران حربي...
توقَّفت عيناه للحظة، قبل أن يقول بصوتٍ أخفض وأكثر عمقًا:
_أمَّا بابا...فالكلام عنه قليل أصلًا.
شدَّد من احتضانها، وكأنَّه يحاول أن يزرع الطمأنينة داخل قلبها بالقوَّة:
_أنا وعدتك محدش هيقدر يلمس شعرة منهم.
ممكن ما تخافيش...لأن خوفك بيوجعني أكتر، ومش عايز شمس تحسِّ بأي شيء، شمس بريئة ولو شعرت بحاجة ممكن لا قدَّر الله يحصلَّها حاجة.
اهتزَّ قلبها لكلماته، فرفعت يدها تلمس وجهه بحنانِ أم مرتعبة:
_ربِّنا يحفظكم يا حبيبي يارب.
قبَّل أعلى رأسها ثم اتَّجه للخارج، يتخبَّط بسيره رغم محاولته الثبات أمام والدته، فلقد حذَّره والده منذ فترة من بعض الأمور التي يجب الحذر منها.
بالأعلى بغرفتهما...
كانت تجلس فوق الفراش، تمدُّ ساقيها بتعبٍ خفيف، بينما تستقرُّ كفَّاها فوق بطنها المنتفخة، تملِّس عليها بحنان.
ابتسمت بعينينِ لامعتين وهمست لطفلتها:
_بابي مصمِّم إنِّك هتكوني بنت...وأنا كمان نفسي تكوني بنت أوي، كان نفسي يبقى عندي أخت.
اهتزَّ صوتها قليلًا بذكرياتها مع أخوها، وانسابت دمعة فوق وجنتها، فأكملت:
_رغم إنِّ يوسف عمره ما خلَّاني أحسِّ إنِّي محتاجة حد...كان أخويا وصاحبي وأبويا كمان، شالني فوق قلبه طول عمره..بس برضه كان نفسي يبقى عندي أخت أحكيلها كلِّ حاجة.
تنهَّدت، ثم مرَّرت أناملها فوق بطنها بحبٍّ أذاب ملامحها:
_لمَّا تيجي يا حبيبتي، هحكيلِك عنِّنا كتير...عن جناننا وضحكنا وخناقنا، هورِّيكي صورنا وكلِّ الذكريات اللي عشناها سوا...ونفسي ربِّنا يرزق خالك ببنت هوَّ كمان، أصلي متأكِّدة إنه هيكون أب يجنِّن.
اختنق صوتها أكثر، وانهمرت دموعها بصمت:
_إحنا الاتنين اتعذِّبنا أوي يا قلب ماما...أوي، بس كنَّا بنهوِّن الدنيا على بعض، عشان كدا...متأكِّدة إنِّك هتحبِّي خالك جدًّا، وهوَّ هيحبِّك أكتر من نفسه.
أراحت رأسها فوق الوسادة، شاردة بعينيها، ثم ابتسمت فجأة وهي تتذكَّر:
_يا ترى يومك هيكون زي سبوع يوسف الصغير..اليوم دا كان جميل أوي...البيت كلُّه كان بيضحك، وكأن الفرح أخيرًا عرف طريقه لقلوبنا.
قاطع حديثها صوت الباب يُفتح بهدوء، ثم دخل حمزة بابتسامته التي تُطفئ تعب الدنيا كلَّها لديها.
اقترب منها وهو يقول بمشاكسة دافئة:
_شوفي مين جه...بابي جه.
ضحكت وسط دموعها، وحاولت الاعتدال، لكنَّه سبقها سريعًا، جلس بجوارها وسحبها لأحضانه بحنانٍ غامر، وكأنَّ خوفه عليها يسكن بين ضلوعه طوال الوقت.
دفنت وجهها بعنقه وهمست بصوتٍ متحشرج:
_كنت بحكي لبنتنا عنِّي وعن يوسف.
أغمض عينيه لحظة، ثم مرَّر كفِّه فوق خصلاتها بحنان:
_طيب...ومش المفروض شمسي تحكي لبنتها عن باباها، ولَّا أنا ما ليش حكاية عندكم؟
ابتعدت قليلًا تنظر إليه...ذلك الرجل الذي كلَّما رأته، شعرت أنَّ الله عوَّض قلبها عن عمرٍ كامل من الألم.
ابتسمت وسط دموعها:
_إنتَ حكايتي الحلوة يا حمزة... الحاجة الوحيدة اللي كلِّ ما أحاول أوصفها، ألاقي الكلام قليل عليها... أحسن راجل شافته عينيَّ.
ارتجف قلبه من كلماتها، فرفع كفَّها يقبِّله ببطءٍ وعشق:
_وإنتِ بنتي قبل ما تكوني مراتي... قطعة من روحي، ونور أيَّامي..شمسي اللي من غيرها الدنيا تضلِّم.
لمعت عيناها فجأةً بالخوف، وتكسَّر صوتها وهي تهمس:
_أنا خايفة أوي يا حمزة...
تبدَّلت ملامحه فورًا، احتوى وجهها بين كفَّيه بسرعة:
_من إيه يا روح حمزة؟
ارتعشت شفتيها، ثم قالت بصعوبة:
_من الولادة..خايفة أموت وأسيب بنتي.
توقَّف قلبه لثانية...
شهقة حادَّة خرجت من صدره، كأنها انتزعت الهواء من رئتيه، واتَّسعت عيناه بصدمةٍ مرعبة، حتى بدا وكأنَّ الفكرة وحدها قادرة على قتله.
هزَّ رأسه بعنفٍ رافضًا، ثم جذبها إليه فجأة، يحتضن وجهها ويقبِّل شفتيها بقوةٍ مرتجفة، قبلة خائفة...يائسة... وكأنَّه يهرب بها من تلك الفكرة اللعينة قبل أن تلمسها السماء.
ابتعد بالكاد، وأنفاسه تحترق فوق وجهها، ثم أسند جبينه لجبينها وهمس بصوتٍ مكسور:
_مستحيل..أوعي تقولي كدا تاني، فاهمة؟
أنا مقدرش أعيش من غيرك...والله ما أقدر.
إنتِ النفس اللي بتنفِّسه يا شمس... ولو جرالك حاجة، أنا هروح وراكِ.
عند دارين...
كانت تجلس بحديقة الفندق، ، تعصف الفوضى بداخلها كإعصارٍ لا يهدأ.
أبعدت نظَّارتها الشمسية ببطء، ومرَّرت أصابعها فوق جبينها المتعب، ثم همست بضيقٍ حاد وهي تتحدَّث بالهاتف:
_متى سأرحل من هذه البلاد؟ صرت هنا منذ خمسة أشهر، حتى دخول ذلك المنزل لم أستطع تنفيذه.
جاءها صوت جون عبر الهاتف يحمل تحذيرًا واضحًا:
_ستفعلين يا دارين...سفرك الآن سيجعلهم يشكُّون، خصوصًا إلياس.
أطلقت زفرة حانقة، وهي تضرب الطاولة بأطراف أصابعها:
_ومتى سيعود يوسف إلى أمريكا؟
موسى أخبرني أنَّ رئيسه تواصل معه... يبدو أنَّهم يريدونه ليستكمل عمله هناك.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تبتسم ابتسامة باردة وقالت:
_أقسم أنَّني لن أبقى هنا دقيقة بعد سفره.
ضحك جون بخفوت:
_يبدو أنَّكِ عشقتيه فعلًا...مثلما قال موشيه.
تبدَّلت ملامحها فورًا، وانطفأ شيء بعينيها، ثم قالت بنبرة ممتلئة بالكبرياء المجروح:
_عشقه لا يعنيني...ما يعنيني هو رفضه.
ذلك الأحمق ظنَّ أنه يستطيع تحطيم غروري والرحيل ببساطة.
وأنا..لا أترك من يهين كرامتي دون أن يدفع الثمن.
صمت جون قليلًا قبل أن يقول:
_وصلتنا معلومة...لا أعلم إن كانت ستفيدك أم لا.
اعتدلت سريعًا وقالت:
_تحدَّث.
_يوسف كان يتردَّد على دكتور ماركون.
عقدت حاجبيها بعدم فهم:
_وماذا يعني ذلك؟
ماركون طبيب ذكورة..أليس كذلك؟
ساد الصمت للحظات..
ثم همست ببطء:
_نعم...
شردت عيناها، بدأت قطع كثيرة تتجمَّع داخل عقلها دفعةً واحدة...
عاد صوت جون يخترق أفكارها:
_التحريَّات أكَّدت أنه يعاني من مشكلة في الإنجاب...ويبدو أنَّه كان يتابع حالته منذ فترة.
اتَّسعت عيناها بصدمةٍ حقيقية، وكأنَّها لم تتوقَّع الأمر رغم كلِّ شيء.
_مستحيل...
ثم همست لنفسها، وابتسامة غريبة ترتسم فوق شفتيها:
_إذًا...لهذا السبب.
مرَّ أمامها شريطًا سريعًا من المواقف، كأنَّها أخيرًا فهمت ما كان خفيًّا عنها طوال الوقت.
رفع جون صوته يسألها:
_دارين؟
أغمضت عينيها، ثم قالت بنبرةٍ ممتلئة بالنشوة:
_هذا يعني...أنَّ بينه وبين زوجته مشكلة حقيقية.
ويعني أيضًا...أنَّني سأنتصر يا جون.
_لا تقلقي...لكن كوني حذرة.
ضحكت بخفَّة، ضحكة باردة:
_اليوم فقط...منحتني خبرًا يستحقُّ الاحتفال.
ثم وقفت من مكانها ببطء، تتأمَّل أضواء الفندق حولها، وكأنَّها ترى خطَّتها تتشكَّل أمامها:
_سأغلق الآن...أريد أن أفكِّر جيِّدًا،
إلى اللقاء.
أغلقت الهاتف، وما زالت تلك الابتسامة الواسعة تزيِّن وجهها.
همست بسعادة مفرطة:
_لم يُنجب...
لكن فجأة...توقَّفت.
تبدَّلت نظرتها، وتحوَّلت من الفرح إلى شيء أكثر خطورة...شيء يشبه التحدِّي.
رفعت رأسها للسماء، ثم قالت بصوتٍ خافت يحمل وعيدًا واضحًا:
_الآن فقط...حان وقت لقاءنا يا عزيزي.
اشتعلت عيناها بحديثه المؤلم لكبريائها أكثر من قلبها:
_كيف لي أن أنسى أوَّل رجل رفضني؟
تحرَّكت ببطء بين الممرَّات، وكأنَّها تخطو نحو حرب تعرف جيِّدًا كيف تبدأها.
الآن سنلعب قليلًا يا جو...
ثم ابتسمت ابتسامة مخيفة وهمست:
_وأقسم..لن أتركك حتى أحصل على ما أريد.
بشرم الشيخ، وعلى متن اليخت تحديدًا، كانت تجلس بين ذراعيه، يروي لها تفاصيل عمله بالخارج.
صوته الهادئ يمتزج بصوت الأمواج، وعيناه تلمعان كلما تحدَّث عن شيء حلم به طويلًا.
كانت تستمع إليه بحماسٍ حقيقي، كأنَّها تكتشفه من جديد.
اعتدلت قليلًا داخل أحضانه، تنظر إليه بعينينِ ممتلئتين بالفضول والحب:
_دا اللي كنت بتفكَّر فيه من زمان؟
هزَّ كتفيه ببساطة، لكن خلف بساطته كان هناك عمرًا كاملًا من التعب:
_كان مجرَّد أمنية...مش شرط كل أمنية تتحقَّق.
ضيَّقت عينيها وهي تراقبه جيدًا، ثم همست بنبرةٍ أصابت قلبه مباشرة:
_ولَّا كانت حجَّة علشان تهرب؟
صمت لحظة...لحظة صغيرة لكنها كانت كافية لتفضحه أمامها.
مدَّ يده يداعب خصلاتها بحنان، وكأنه يحاول الهروب من السؤال بلمسة:
_بلاش نقلًِب في الماضي...خلٍّينا في النهاردة.
لكنها لم ترد الهروب هذه المرة.
ظلت تنظر إليه طويلًا، ثم قالت بصوتٍ هادئ يحمل وجع سنوات:
_يوسف...نفسي تتكلِّم معايا في كل حاجة..بلاش تعيش لوحدك جوًَا نفسك، عايزة أعرفك بجد...كل حاجة جواك.
التفت إليها باستغراب:
_ليه بتقولي كدا؟ أنا مش مخبِّي عنك حاجة.
هزَّت رأسها ببطء، وكأنها لا تصدِّق كلماته أبدًا:
_لأ...من زمان أوي وأنا حاسَّة إنك غامض، حتى وإنتَ بتضحك وتهزَّر مع بلال...كان في دايمًا حاجة مستخبية جوَّاك، حاجة مبتظهرش.
تنهَّد بصمت، وأبعد عينيه عنها نحو البحر..
لكنها لم تسمح له بالهروب.
رفعت كفَّيها وأدارت وجهه إليها برفق، تجبره أن ينظر لعينيها:
_ماما كانت بتقول إنَّك شبه باباك... قليل الكلام..بس أنا عمري ما اقتنعت، كنت دايمًا بشوف وجع مستخبِّي ورا عينيك...أو خوف...معرفش.
حاول الابتسام، ابتسامة يستخدمها كستار، ثم قرص وجنتها بخفَّة:
_فاشلة يا روحي في قراءة العيون... مفيش حاجة، أنا بس مبحبِّش الكلام الكتير.
ضيَّقت عينيها بشك، ثم قالت وهي ترفع حاجبها:
_كدَّاب يا يوسف...أنا قريت مذكَّراتك كلَّها.
تجمَّدت ملامحه للحظة.
لحظة واحدة فقط...لكنها مرَّت عليها كأنَّها دهر.
رأت فيها ذكريات كثيرة تعبر بعينيه، ذكريات حاول دفنها طويلًا.
فقال بصوتٍ خفيض:
_مذكَّرات إيه؟
شعرت أنَّه تضايق، فاقتربت أكثر، حتى اختلطت أنفاسهما:
_الغرور قتلني...وكنت عايزة أعرف ماضي حبيبي، مين اللي قدرت تخطف قلبه قبلي...علشان أروح أطلَّع قلبها بإيدي وأولَّع فيه.
ضحك بسخرية خافتة رغم اختناق قلبه:
_هعمل نفسي مصدَّقك يا بنت عمِّي... بس إيه أسلوب المخابرات دا؟ واضح إنِّ أرسلان مأثَّر عليكي.
لم تضحك هذه المرَّة.
لمست وجهه بحنانٍ موجوع، وهمست:
_إنتَ زعلت علشان شوفت حاجة من حقِّي أعرفها؟
ثم تابعت بصوتٍ متقطِّع:
_لمَّا سمعت كلامك مع بابا...اتجنِّنت أكتر كنت خايفة إنك تكون متجوِّزني غصب...وإن عمِّي فرضني عليك. .
اختنق صوتها، ونزلت دموعها أخيرًا:
_روحت أدوَّر على أي حاجة تدينك... أي حاجة تخلِّيني أكرهك، أو أفهم ليه بتكسرني بالشكل دا...ٍ
قاطعها فجأة، وقال بصوتٍ موجوع أكثر منها:
_وطلَّعتيني خاين...مش كدا؟
شهقت باكية، ورفعت قبضتيها تضرب صدره ضربات ضعيفة مرتعشة:
_أعمل إيه؟! وإنتَ واجع قلبي بالشكل دا...إنتَ دبحتني يا يوسف، من غير حتى ما تتكلِّم.
في لحظةٍ واحدة، سقطت كل الحواجز
اجتذبها بقوّة إلى صدره، حتى كادت أن تسمع ارتجاف قلبه قبل صوته، وأسند جبينه فوق رأسها مغمض العينين بألمٍ موجع:
_مكنش قصدي... والله ما كان قصدي. كنت فاكر إنِّي لما أبعدك عن وجعي هتكوني أسعد... بس أنا كنت بموت كل يوم زيك بالظبط.
ارتعشت أنفاسها، ثم شدّت ذراعيها حوله أكثر، ودفنت وجهها بصدره تهمس قرب قلبه بصوتٍ مختنق:
_هفضل أقولك غبي يا ابن عمِّي... لأن سعادتي عمرها ما كانت مع غيرك.
تنهد بوجعٍ، وضمّها إليه أكثر، حتى شعرت أنّه يحاول أن يعوضها عن كل ليلةٍ بكت فيها بدونه.
مرّت لحظات صامتة... لا يُسمع فيها سوى، دقات قلبيهما التي عادت تنبض معا
ابتعد قليلًا ينظر إلى عينيها المبللتين، إلى ملامحها التي يشتاقها حدّ الألم، حتى وهي بأحضانه ثم تمتم بخفة يحاول الهروب من شدّة مشاعره:
_طيب... إيه الجو برد مش ناوية نرجع القرية؟
هزّت رأسها بدلالٍ وهي تلتصق به أكثر: _تؤ... هنا أحسن. هلاقي أحسن من حضنك فين؟
ضحك رغم غصته، ومرر يده بين خصلاتها بحنان:
_يا بت بطلي شغل المسح ده.
ارتفعت ضحكتها ... تلك الضحكة التي كانت دائها قادرة ظلمة داخله، فتوقف يتأملها طويلا، كأنه
يراها لأول مرة، وكأن الحياة كلها اختصرت في هذه الابتسامة الصغيرة.
ثم قال فجأة بصوت هادئ لكنه ممتلئ باليقين:
إيه رأيك.... لما نسافر نشوف موضوع أطفال الأنابيب، نجرب انا بعد كدا مش هيأس
تجمدت ضحكتها، واتسعت عيناها بصدمة ممزوجة برجاء خافت، وبدأت الدموع تتجمع داخلهما
دون إرادة
بجد يا يوسف ...؟
رفع وجهها بين كفيه بحنان بالغ، وكأنها أغلى ما يملك، ثم طبع قبلة طويلة فوق شفتيها وهمس:
بجد يا حياة يوسف... المهم أشوف ضحكتك اللي بتنور حياتي، ولو آخر حاجة أعملها في الدنيا ... هعملها علشانك.
اختنق صدرها بمشاعر عجز قلبها عن احتمالها، فنهضت سريعا وهي تمد يدها إليه حتى لا يرى
ارتعاش دموعها:
إنت بقيت رغاي أوي... يلا عايزة أنام.
ابتسم وهو يراقب دموعها اللامعة، تلك التي لم يعرف أهي دموع فرحة ... أم دموع امرأة أحبت
رجلا حتى صار وطنها الوحيد.
أمسك يدها، وشيك أصابعه بأصابعها بحنان، ثم سارا معا للعودة
بعد شهرين...
كانت رولا تجلس على الأريكة تضم طفلها الصغير إلى صدرها، تداعب وجنتيه بحنان يضحك
لها ببراءة
رفعت عينيها نحو ضي التي كانت منشغلة بعملها:
...ضي
رفعت الأخرى رأسها :
فيه إيه ؟
تنهدت رولا وهي تضم طفلها :
في أخبار عن شمس؟
هزت في رأسها بالنفي:
معرفش... بتصل بيوسف و مبيردش.
بدأ القلق ينهش قلبها:
اتصلي يبلال كدا... ياريتني رحت معاهم، معرفش إيه اللي خلاني أسمع كلام يوسف.
تناولت هاتفها سريعا، واتصلت ببلال مرة .... واثنتين... وثلاثا، لكن الهاتف كان مغلقا.
عقدت حاجبيها باستغراب
غريبة... تليفون بلال مقفول ليه ؟
رفعت في هاتفها هي الأخرى واتصلت بأخيها، لكن الرد ذاته تكرر: "الهاتف مغلق "
زفرت بضيق:
خلاص هكلم عمو الياس... أصل حتى بابا مش بيرد هو كمان بس اكلمه اقوله ايه... اووف فتحت رولا فاهها للحديث ولكنها توقفت حين سمعت صوت إشعار رسالة على هاتف رولا. خفضت رولا نظرها للهاتف بلا اهتمام في البداية ... لكنها ما إن قرأت الكلمات حتى شعرت وكأن
الأرض انسحبت من تحت قدميها.
"جوزك بيخونك مع طليقته ... ولو مش مصدقة شوفي دي " وبأسفل الرسالة ....
صورة.
صورة لبلال .... وكارما بين ذراعيه قريبة منه بصورة لا تحتمل أي تفسير بريء، كأنهما عاشقان التقيا بعد شوق طويل.
تجمدت أنفاسها.
وشحب وجهها دفعة واحدة، حتى بدا وكأن الدم السحب من عروقها بالكامل.
ارتعشت يدها بقوة، وكادت أن يسقط الهاتف منها.
في اللحظة نفسها، انفجر طفلها بالبكاء. كأنه شعر بانهيارها الصامت.
أسرعت في تحمل الصغير بين ذراعيها وهي تهدهده بحنان:
حبيب عمتو... بتعيط ليه بس قلبي إنت.
ثم نظرت إليه مبتسمة تحاول إضحاكه الواد ده شبه يوسف أوي على فكرة ... شوفتي العسل ؟ لكن رولا لم تكن تسمع .
كانت غارقة داخل عالم أسود.... عالم اختلطت فيه الصدمة بالخيانة بالخوف، حتى شعرت أن
قلبها يسحق ببطء داخل صدرها .. تهمس بشفتين مرتجفتين
بلال ؟
انسابت دموعها رغما عنها، بصمت موجع، بينما راحت الصورة تحترق داخل رأسها مرة بعد أخرى.
انتبهت لحديث في
رولا .... كنتي بتتحومي على جوزي يا بت ولا إيه؟
انتفضت رولا على صوتها، ومسحت دموعها سريعا قبل أن تراها، ثم استدارت إليها تحاول بكل قوتها السيطرة على ارتجافة قلبها.
وقعت عيناها على طفلها بين ذراعي ضي... كان يضحك ببراءة
اختنق صدرها أكثر ثم قالت بصوت بالكاد خرج ثابتا
ضي... في مشوار مهم افتكرته، ممكن تخلي بالك من يوسف لما أرجع ؟
ضمت في الطفل بسعادة:
روحي يا حبيب عمتو.... أكيد. واتأخري براحتك، ولو جاع هأكله فرخة بريشها.
خرجت ضحكة من رولا كانت باهتة .... مؤلمة أكثر من البكاء نفسه.
ثم تحركت سريعا نحو الداخل، قبل أن تفضحها دموعها أكثر....
وصلت بعد دقائق شعرت بأنها اعوام الى شقته التي بمقابلة شقة كارما، وقفت للحظات تسحب
انفاضا بهدوء، وقلبها ينتفض بعنف استمعت الى موسيقى رومانسية، كأنه موعد غرامي اخرجت المفتاح بانامل مرتعشة، تشعر وأن قلبها سيتوقف فتحت الباب بهدوء مرعب
داقت للداخل، خطوة ثم أخرى، لتتوقف فجأة تشعر بأن الدماء تهرب من جسدها
الفصل 74
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
كلُّ قلبٍ يحمل حكايته الخاصة، وكلُّ نظرةٍ تخفي وراءها شيئًا أعظم من الكلمات.
روحين يعيشان ذلك النوع من العشق الذي يجعل العالم يبدو أخفّ، وكأنّ وجود أحدهما بجانب الآخر يكفي ليُصلح كلّ شيء. نظراتهما وحدها كانت تحمل من الحنان ما تعجز عنه الكلمات، وكأنّ قلبيهما تعاهدا سرًّا ألّا يفترقا أبدًا.
وفي حكايةٍ أخرى، كانت المشاعر أكثر اشتعالًا وحياة. ضحكات لا تنتهي، واشتياقٌ يظهر في أبسط التفاصيل. كان الحبّ بينهما واضحًا حدّ أنّه يُرى في العيون قبل الكلمات.
لكنّ القدر لم يكن رحيمًا مع الجميع…
ففي مكانٍ آخر، وُلد الحبّ فعلًا، صادقًا وواضحًا، قبل أن يأتي حدثٌ واحد يقلب الموازين كلّها. وكأنّ المسافة بدأت تكبر رغم قربهما.
وهناك، كانت شرارةٌ صغيرة تبدأ بالتكوّن ببطء؛ توترٌ غريب، تحدياتٌ مستمرة، ونظراتٌ تحمل شيئًا لا يفهمانه بعد. شيءٌ يشبه بداية حبٍّ يحاول الاختباء خلف العناد.
أمّا الحكاية الأكثر وجعًا، فكانت صامتة إلى حدٍّ مؤلم. مشاعر مخبأة، اعترافات لا تُقال، وقلوبٌ تخشى أن تؤذي غيرها إن تحدّثت.
وصلت رولا إلى شقَّة بلال، وتوقَّفت أمام الباب لثوانٍ بدت لها كالعمر كلِّه. سحبت نفسًا مرتجفًا، تحاول عبثًا تهدئة ذلك الخوف الذي ينهش صدرها دون سببٍ واضح..كان الباب مواربًا، فانعقد حاجباها باستغراب.
مدَّت يدها المرتعشة ودفعته ببطء.
خطوة...ثم أخرى، خطت و دقَّات قلبها تتسارع حتى شعرت بتوقُّفها
فجأة...تجمَّدت في مكانها واتَّسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وانحبس الهواء في رئتيها وهي تحدِّق
بكارما الملقاة على الأرض وسط بركةٍ من الدماء.
وبجوارها آسر، غارقًا في غيبوبة أشبه بالموت، وسلاحه ملقى بالقرب من يده.
شهقت شهقة حادَّة، وارتفعت كفَّاها إلى فمها تلقائيًا..ارتجف جسدها بعنف وتراجع عقلها عن العمل تمامًا، وكأنَّ الزمن توقَّف عند تلك اللحظة، لم تعد تسمع شيئًا...لا ترى سوى الدماء التي تزحف على الأرض، ولا تشعر إلَّا بالرعب الذي يلتهم روحها.
مرَّت ثوانٍ طويلة قبل أن تستعيد القدرة على الحركة.
خطت نحوهم بقدمينِ مرتجفتين، وركبتاها تكادان تخونانها.
ثم هوت بجوار شقيقها:
_ آسر...آسر!
رفعت رأسه بين ذراعيها وانهارت دموعها بغزارة:
_ آسر فوق...بالله عليك فوق!
ضربت وجنته بخفَّة وهي تنتحب:
_ آسر...رد عليَّا!
تأوَّه بصوتٍ خافت، ثم تحرَّكت أهدابه ببطء.
رمش عدَّة مرَّات محاولًا استيعاب ما يراه.
كانت صورة أخته أمامه مشوَّشة، بعيدة، وكأنه يحلم..همس بصوتٍ مبحوح:
_ رولا..
لكنها لم تنتظر..نهضت مذعورة واتَّجهت نحو كارما.
جثت بجوارها بسرعة، ووضعت أصابعها المرتعشة على عنقها ثوانٍ.. بدت كأنها سنوات، ثم شهقت باكية حين شعرت بنبضٍ ضعيف:
_ عايشة...لسه عايشة!
انهمرت دموعها أكثر وهي تهزُّها برفق:
_ كارما...افتحي عيونك.
رفعت رأسها نحو آسر تصرخ وسط بكاءها:
_ إيه اللي حصل، وجيت هنا إزاي؟!
كان آسر قد بدأ يستعيد وعيه تدريجيًا.
طافت عيناه بالمكان بذهول، ثم وقعتا على الدماء وعلى كارما...ثم على السلاح الملقى بجواره.
وفجأةً انتفض واقفًا وكأنَّ صاعقة ضربته.
تراجع خطوة للخلف وعيناه متَّسعتان برعب:
_لا...نظر إلى يديه، ثم إلى السلاح، ثم إلى كارما:
_ لا...لا...مستحيل!
جاءه صوت رولا المذعور:
_ آسر! الحقها...لسه عايشة!
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء:
_دكتور بلال إنتَ هنا، كارما عندك؟.
قالتها كندا ثم دلفت إلى الداخل وهي تبحث بعينيها عن ابنة عمِّها:
_ دكتور بلال.
لكن الكلمات ماتت على شفتيها وتوقَّفت فجأة، وشحب وجهها.حينوق نظراتها على الدماء... وكارما...وآسر.
سمعت رولا تصرخ بانهيار:
_ الحقها يا آسر!
تراجعت كندا خطوة وهي تهزُّ رأسها بعدم تصديق.
ثم خرج صوتها ممزَّقًا:
_كا. رما، ثم فجأة ركضت نحو كارما وهي تصرخ بجنون:
_ كارماااا!
ارتمت بجوارها ورفعت رأسها بين ذراعيها:
_ لا...لا...افتحي عيونك!
ثم رفعت رأسها نحو آسر ورولا، وعيناها تمتلئان بالاتِّهام والرعب:
_ إنتوا اللي عملتوا فيها كده؟!
تراجع آسر خطوة أخرى، عاجزًا عن الكلام.
وهو ينظر إلى كارما التي شحب وجهها وكأنَّها فارقت الحياة.
لكن صراخ كندا كان قد وصل إلى خارج الشقة.
وفي أقلِّ من دقيقة، بدأ الجيران يتجمَّعون أمام الباب..همسات مذعورة، وصيحات مرتفعة:
_في جريمة! حد اتقتل!.. اتِّصلوا بالإسعاف!
أخرج آسر هاتفه بأصابع مرتعشة وكاد يسقط منه أكثر من مرَّة قبل أن ينجح في طلب الإسعاف.
وبعد لحظات، كانت سيارات الإسعاف والشرطة في طريقها إلى المكان.
أمَّا داخل الشقَّة...
فلم يكن يُسمع سوى شهقات رولا المنهارة، وصراخ كندا وهي تحتضن كارما، ونظرات آسر الضائعة بين الدماء والسلاح، وكأنَّ عقله يحاول عبثًا تذكُّر اللحظة التي حوَّلت حياته إلى كابوس لن يفيق منه أبدًا.
بالمشفى...
كانت شمس تتمدَّد بصعوبة فوق سرير الكشف، بينما وقف حمزة إلى جوارها ممسكًا بكفِّها، يحاول أن يخفي قلقه خلف ابتسامة مطمئنة.
منذ يوم كامل لم تشعر بحركة طفلها كما اعتادت.
في البداية أقنعت نفسها أنَّ كل شيء على ما يرام، لكن الخوف تسلَّل إلى قلبها شيئًا فشيئًا، حتى تحدَّثت مع والدتها التي أجبرتها على الذهاب للطبيبة.
جلست الطبيبة أمام جهاز السونار، تمرِّر الجهاز بالسائل فوق بطنها، ساد الصمت.
وعينا الطبيبة معلَّقتين بالشاشة، تتحرَّكان بين الأرقام والقياسات.
أمَّا شمس فكانت تراقب ملامحها بترقُّب، تبحث عن أي إشارة تطمئنها.
وبعد دقائق طويلة رسمت الطبيبة ابتسامة صغيرة وقالت:
_ إن شاء الله هنولد النهاردة يا مدام شمس.
ارتجف جسد شمس:
_ هولد دلوقتي؟!
انحنى حمزة وهو يربت على كفِّها بحنان:
_ إن شاء الله يا حبيبتي...خير بإذن الله.
قالها وعيناه لم تغادرا ملامح وجه الطبيبة الغير راضية التي حاولت إخفائها بابتسامة.
ساعد زوجته على النهوض بعدما رفض مساعدة الممرِّضة في الاقتراب منها، ثم أحاط خصرها بحذر:
_ يلَّا يا حبيبتي.
وقبل أن يخرج، قال للطبيبة:
_ خليهم يدخَّلوها أوضة ترتاح فيها لحدِّ ما تجهزوا...أومأت الطبيبة برأسها:
_ حاضر.
ثم التفتت إلى الممرِّضة:
_ وصَّلي مدام شمس للأوضة وخلِّيكي معاها.
تحرَّك مع شمس و الممرِّضة، غاب لدقائق معدودة ثم عاد إلى الطبيبة..
وقف أمام مكتبها مباشرة:
_عايز أفهم...إيه اللي عند مراتي؟
رفعت الطبيبة عينيها إليه:
_ تقصد إيه؟
_ المفروض دا أوَّل أسبوع في التاسع، وفجأة ولادة النهاردة؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم تنهَّدت الطبيبة وأغلقت الملف أمامها:
_ بصراحة يا أستاذ حمزة...فيه مشكلة عند الجنين.
شحب وجهه:
_مشكلة إيه؟...تمتم بها بتقطُّع، فأومأت له:
_ السائل الأمنيوسي حواليه قليل جدًّا...أقل من الطبيعي بكتير.
ازدادت ضربات قلبه:
_ يعني إيه؟
_ يعني الطفل بقى في خطر لو استنينا أكتر، كمان حركته قلِّت، ودا غالبًا السبب اللي خلَّا مدام شمس تحس إنُّه مش بيتحرَّك.
ابتلع ريقه بصعوبة:
_ طيب...هتولد طبيعي؟
هزَّت الطبيبة رأسها بالنفي:
_ مستحيل.
ظهر القلق بعينيه:
_ ليه؟..
ردَّت بعملية:
_ لأن الجنين وضعه عرضي...نايم بالعرض داخل الرحم، مش نازل بالرأس.
ثم أضافت بجديَّة أكبر:
_ والأسوأ إن نبضاته بدأت تنخفض عن المعدل اللي يطمنَّا.
شعر وكأنَّ روحه تنسحب منه فتساءل بقلقٍ أكبر:
_ يعني إيه الكلام ده؟
_ يعني لازم ندخل عمليات في أسرع وقت، قيصرية عاجلة.
هبَّ واقفًا فجأة:
_يعني ممكن نفقد البيبي؟
نظرت إليه الطبيبة وحاولت طمأنته:
_ إن شاء الله نلحقه..إحنا اكتشفنا المشكلة في الوقت المناسب، لكن التأخير مش في صالحه.
ارتجف قلبه برعب وقال بنبرةٍ متقطِّعة:
_وشمس، دا هيأثَّر عليها؟.
_لا...إن شاء الله العملية تكون سهلة ومفيهاش مشكلة على الاتنين.
بعد فترة، خرج متَّجهًا إلى غرفة زوجته، وبعد أن اطمأنَّ عليها لثوانٍ معدودة، ابتعد قليلًا وأخرج هاتفه.
هاتف والدته أوَّلًا وأخبرها بما حدث، محاولًا أن يبدو هادئًا رغم الارتجاف الذي ينهش صوته.
ثم اتَّصل برئيسه في العمل وأخبره أنه لن يستطيع الحضور.
لم يكن قادرًا على التفكير في شيء سوى شمس.
عاد وجلس على المقعد المقابل لغرفتها.
تشابكت أصابعه بقوة حتى ابيضَّت مفاصله، بينما كانت عيناه معلَّقتين ببابها المغلق.
حاول السيطرة على ارتعاش جسده، لكنَّه فشل.
لأوَّل مرَّة يشعر بكلِّ هذا الألم...وكل هذا العجز.
_شمس...
نطق اسمها بصوتٍ خافت، وكأنَّ حروفه تحمل الحياة لقلبه المنهك... لما لا وهي شمس روحه ودفئها، فهي لم تكن زوجته فقط، ولم تكن مجرَّد امرأة أحبَّها..
بل كانت المعنى الأجمل الذي منحه الله إيَّاه بعد سنواتٍ طويلة من الوحدة.
كانت السكينة التي تهدأ عندها روحه كلَّما أثقلتها الحياة.
وكانت النور الذي أضاء زوايا قلبه دون أن تشعر، قطعة من روحه، بل روحه كلَّها.
طفلته المدلَّلة التي أحبَّها بعاطفة لم يعرف لها اسمًا.
فلم يكن حبُّ رجلٍ لزوجته فقط.
بل حبُّ قلبٍ وجد نصفه الآخر أخيرًا.
حبًّا جعل ابتسامتها قادرة على إصلاح يومه بأكمله، ودمعتها قادرة على هدمه بالكامل.
أغمض عينيه للحظة، فتدفَّقت الذكريات أمامه، ضحكتها حين تناديه..
خوفها الطفولي عندما تتعلَّق بذراعه.
طريقتها في الحديث معه وكأنه ملاذها الوحيد في هذا العالم.
وكم كان يعشق ذلك...يعشق احتياجها إليه.
ويعشق شعوره بأنًّها أمانه وأمانها.
ارتجف قلبه بعنف، فاليوم...كانت تتألَّم..
وهو يقف عاجزًا.
لأوَّل مرَّة لا يستطيع أن يمدَّ يده لينتزع عنها الوجع.
ولا أن يضمُّها إلى صدره ويخبرها أنَّ كل شيء سيكون بخير.
ولو استطاع لأخذ عنها الألم كلِّه.
ولو استطاع لدخل مكانها وتحمَّل عنها كل لحظة خوف.
ولو استطاع لمنحها من عمره أعوامًا فوق أعوامها.
فما قيمة عمرٍ تعيشه روحه إن غابت هي عنه؟
رفع رأسه نحو الباب المغلق، وعيناه تلمعان بالدموع.
شعر لأوَّل مرَّة أن قلبه موجود خلف ذلك الباب معها.
وأن ما يجلس هنا ليس سوى جسد ينتظر عودته.
أغمض عينيه للحظة، فخانته دمعة ساخنة وانزلقت على خدِّه.
رفع كفِّه سريعًا يمسحها.
لا...لن يفكِّر إلَّا بشيء واحد..
ستخرج بخير..ستخرج وتنظر إليه بعينيها البريئة، وسيحمل طفلهما بين ذراعيه ويخبره كم أرهقه قبل أن يأتي إلى الدنيا.
تنهَّد بعمق وأخرج هاتفه.
توقَّف عند اسم إلياس..ثم عند اسم ميرال، أراد أن يخبرهما..
لكن ماذا سيقول؟
وكيف سيمنعهما من القلق؟
ظلَّ الهاتف بين يديه للحظاتٍ طويلة قبل أن يعيده إلى جيبه بصمت.
قبل يوما من الحادثة وولادة شمس
بمنزل إلياس...
كانت ميرال تجلس في الحديقة منذ أكثر من ساعة.
كلَّ بضعة دقائق تنظر إلى ساعة يدها ثمَّ إلى هاتفها.
شيء ما داخلها لم يكن مطمئنًّا.
وفجأةً توقَّفت سيارة أمام المنزل.
رفعت رأسها سريعًا..
وما إن وقع بصرها على السيارة حتى نهضت بلهفة.
وصل يوسف بعد شهرين كاملين من الغياب، توقَّف السائق أمام المنزل.
التفت يوسف إلى زوجته مبتسمًا:
ـ هشوف ماما وبابا الأوَّل...وبعدين باباكي ومامتك، وبعد كدا نروح بيتنا.
فتحت ضي الباب بسرعة:
ـ تمام...بس هنعدِّي على بلال، يوسف الصغير وحشني أوي.
ابتسم وهو يحتضن كفَّها:
ـ حاضر.
وما إن ترجَّل حتى أسرعت ميرال نحوه.
كانت السعادة تملأ عينيها كطفلةٍ رأت ابنها بعد غيابٍ طويل:
ـ حبيبي...وحشتني أوي.
احتضنها بقوة، ثم انحنى يقبِّل كفَّيها:
ـ وإنتي أكتر يا حبيبتي.
أمسكت وجهه بين يديها.
راحت تتأمَّله تتأكَّد أنه أمامها فعلًا:
ـ إنتَ كويس؟
وقبل أن يجيب، تدخَّلت ضي ضاحكة:
ـ يعني هيكون إزاي يا طنط وهوَّ معايا؟ أكيد هيكون كويس.
ضحكت ميرال رغمًا عنها، ثم فتحت ذراعيها لها:
ـ تعالي يا بت في حضني...طول عمرك غلباوية.
ارتمت ضي بين ذراعيها:
ـ وحشتيني والله يا حبيبتي.
ـ وإنتي كمان.
ثم سألتها بحنانٍ أمومي صادق:
ـ عاملة إيه، الرحلة كانت حلوة؟
التصقت ضي بذراع يوسف وقالت بدلال:
ـ أكيد طبعًا..يعني كنت مع جوزي حبيبي، هينقصني إيه تاني؟
ضحكت ميرال:
ـ لا والله...ومن إمتى وإنتي بتحبِّي السفر يا بنت أرسلان؟
ضحكت ضي هي الأخرى:
ـ فكَّرتيني ببابا...هروح أشوفه، هتيجي يا يوسف؟
أجابتها ميرال بهدوء:
ـ باباكي ومامتك مش هنا..عند جدِّك فاروق وعمِّتك ملك، هيرجعوا بكرة
تغيَّرت ملامح ضي:
ـ ليه!!.جدُّو كويس، وعمِّتو؟
ـ أه يا حبيبتي...متقلقيش، راح يطمِّن عليهم بس.
قاطعهم يوسف وهو ينظر حوله:
ـ وبابا؟
ـ جوَّا في المكتب، مع جوز عمِّتك وفي واحد كمان.
ـ مين؟
ـ معرفش...اسمه مألوف بس مش فاكرة.
هزَّ رأسه مبتسمًا:
ـ خلاص، خلِّيه يخلَّص شغله. أنا هروح أشوف بلال وخالو.
ربتت ميرال على ظهره بحنان:
ـ روح يا حبيبي...وأنا هخليهم يجَّهزوا الغدا..تاكلوا وترتاحوا من السفر.
راقبته وهو يبتعد..
وظلَّت الابتسامة على شفتيها.
لكن ذلك القلق الغامض داخل قلبها لم يختفِ.
بل ازداد دون أن تعرف السبب.
بمنزل بلال...
كانت ضحكات يوسف الصغير تملأ المكان دفئًا وحياة.
جلس بلال على الأريكة يحمل طفله بين ذراعيه، يرفعه عاليًا ثم يعيده إلى صدره، فتتعالى ضحكات الصغير أكثر.
وكأنَّ الدنيا كلَّها اختُصرت في تلك الضحكات.
خرجت رولا من المطبخ تحمل زجاجة الحليب.
لكنَّها توقَّفت مكانها، تأمَّلته بصمت.
وتأمَّلت ذلك الحب الذي يفيض من عينيه نحو طفله، كان يذوب عشقًا في طفله.
قبَّل وجنته الصغيرة، ثم أنفه..
ثم كفِّه الصغير، كأنه لا يكتفي منه أبدًا:
ـ يا ناس على اللي سرق قلب بابي ده...
ضحك الطفل بصوتٍ عالٍ، فابتسم بلال ابتسامة واسعة أضاءت وجهه بالكامل.
شعرت رولا بحرارة الدموع تملأ عينيها، كم تحبُّ هذا المشهد...
كم تحبُّ رؤية الرجل الذي اختاره قلبها أبًا لطفلها.
اقتربت منه بهدوء.
رفع رأسه نحوها، فابتسمت وهي تمدُّ له الزجاجة:
ـ شكله قرَّر يضحك ويلعب وينسى إنه جعان.
نظر بلال إلى طفله ثم إليها..
وقال بصوتٍ مفعم بالحب:
ـ أعمل إيه، ده كلِّ يوم بيخلِّيني أحبُّه أكتر من اللي قبله.
ارتجف قلبها.
ما أبسط الكلمات...وما أعمق أثرها.
جلست بجواره تستند إلى كتفه..
بينما كان طفلهما مستلقيًا بين ذراعيه.
وفي تلك اللحظة تحديدًا...
لم يكن أحدًا منهما يعلم أنَّ ساعات قليلة فقط تفصلهم عن خبرٍ سيقلب فرحتهم وقلقهم معًا إلى عاصفة من المشاعر.
لفَّ ذراعيه حول جسدها الذي ضعف..والأخرى كان يطعم طفله الحليب:
_حبيبتي هتفضلي كدا، كلِّ ما أجيب مربيَّة مش تعجبك.
نظرت إليه من فوق كتفه:
_مش عايزة..أنا كويسة.
_رولا، مش شايفة نفسك؟.
اعتدلت مبتعدة عن أحضانه:
_يا سيدي أنا مبسوطة كدا، ولَّا عايز واحدة زي البنت العيِّلة تتلزَّق فيك وكلِّ شوية تقول، دكتور بلال المفروض نعمل كذا وكذا، أنا آخد أوامر من حتِّة بت عيِّلة.
ارتفعت ضحكاته يضمُّها لصدره بقوة:
_أفهم من كدا إنِّك بتغيري عليَّا؟.
لكمته بقوة وابتعدت عنه، ترفع سبَّباتها بتحذير:
_غيرة إيه يا أبو غيرة، إنتَ بس اللي مالكش أمان، خلصت من زفتة كارما تطلعلي اللي أخرها تجعير، قال هناء، دي يسمُّوها عناء، شقاء.
ارتفعت ضحكاته الرجولية يسحبها بقوة تحت ذراعيه، ثم طبع قبلة مطوَّلة فوق رأسها:
_حبيبتي الغيرانة.
_إيه مش من حقِّي ولَّا إيه، ولَّا إنتَ ما تستهالش؟.
_أممم...خلِّي بالك غلطِّي من شوية وإنتي بتقولي ما ليش أمان.
ابتعدت قليلًا وتنهَّدت قائلة:
إنتَ عارف بضايقك، ما قصدش، بس مضحكش عليك موضوع كارما لسة مأثَّر فيَّا يا بلال.
فتح فاهه للحديث، وضعت كفَّها على فمه، ونظرت لعينيه القريبة:
_مش معنى كدا بشك في حبَّك، لكن مش قادرة أنسى، بحاول أنسى إنَّك كنت على علاقة بحد غيري.
هزَّ رأسه رافضاً حديثها:
_مفيش حاجة من دي، انسي يا رولا علشان نعرف نعيش، وثقي في جوزك حبيبك، لازم مربيَّة تساعدك في تربية يوسف.
رفع ذقنها وتاه في عينيها:
_حبيبتي تلات شهور كفاية أوي، نسياني خالص.
نظرت إليه بصمت للحظات، ثم قالت:
_عارفة مقصَّرة معاك، هحاول يا بلال، بس مربية ما تقلِّش عن أربعين سنة.
قالتها بتحذير، انحنى يطبع قبلة بجوار شفتيها وهمس ببحَّته الرجولية:
_وحشتيني أوي أوي.
نظرت لطفلها الذي غفا، ثم إليه:
_وإنتَ كمان حبيبي، نيِّم يوسف في سريره، هاخد شاور بسرعة، وحشني حضنك أوي.
لمعت عيناه بالسعادة، ضمَّها لأحضانه بقوة كادت تذيب ضلوعها:
_أخيرًا رضيتي عنِّي.
رفعت ذراعيها تحاوط عنقه، ابتسم ثم ابتعد قليلًا ينظر لشفتيها التي يعتبرها مذاق الحياة الحلوة، احتضن ثغرها يقبِّلها باشتياقٍ عنيف، تاهت في قبلته حتى شعرت باختناقها فدفعته بعيدًا.
ابتعد أخيرًا بأنفاسٍ سريعة، يضع جبينه فوق جبهتها:
_آسف محستش بنفسي..وحشتيني أوي.
رفعت كفَّيها تلمس وجنتيه، أمسك كفَّها وقبَّله ينظر لعينيها:
_قومي خدي شاور، هنيِّم يوسف، وغيَّري الهدوم دي كلَّها ريحتها لبن يا حبيبتي.
شعرت بالحزن فنظرت للأسفل، رفع ذقنها ينظر لعينيها:
_ما تزعليش منِّي يا رولا، إنتي بقيتي مهملة في نفسك، عارف إنِّك منشغلة بيوسف، علشان كدا عايز مربيَّة معاكي، مش هنفضل على الحال دا كتير.
_زهقت منِّي يا بلال؟.
احتضن وجهها بين كفَّيه، وعيناه تجولان فوق ملامحها وكأنَّه يحفظها من جديد، ثم قال بصوتٍ غارق بالحب:
_إنتِ شايفة بعد الحبِّ ده كلُّه أزهق منك يا أمِّ يوسف؟
ارتجف قلبها بعنف، وشعرت بحرارة كلماته تتسلَّل إلى أعماقها..اقتربت منه ببطء، وأسندت رأسها فوق صدره، مغمضةً عينيها، تستمع إلى دقَّات قلبه التي تشعر بأنَّها ملاذها الآمن.
همست بصوتٍ خافت:
_آسفة...عارفة إنِّي تعبتك معايا كتير، بكرة إن شاء الله هقابل المربيَّات وأشوف المناسبة...وأوعدك مش هقصَّر تاني.
تنهَّد وهو يضمُّها أكثر، ثم مرَّر أصابعه بين خصلاتها بحنانٍ بالغ:
_حبيبتي...أنا مش زعلان منك علشاني، أنا خايف عليكي..سهرك كلِّ ليلة مع يوسف وتفكيرك الزايد هيتعبك، إنتِ بقيتي تنسي نفسك علشان الكتكوت ده.
ابتسمت رغم الدموع التي لمعت بعينيها، وقبل أن ترد، قطع اللحظة رنين جرس الباب.
اعتدلت من بين ذراعيه وهي تقول باستغراب:
_معقول تكون ماما جت؟!.
نهض وهو يلقي نظرة أخيرة على طفلهما النائم، ثم قال:
_دخَّلي يوسف جوه، وأنا هشوف مين. وخدي شاور دافي كمان علشان تعرفي تنامي شوية...وإيَّاكي أدخل ألاقيكي نايمة جنبه كالعادة.
ضحكت بخفَّة، تلك الضحكة التي يعشقها، ثم حملت طفلها وتحرَّكت للداخل.
أمَّا هو فاتَّجه نحو الباب، وما إن فتحه حتى توقَّفت أنفاسه للحظة، وارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة:
_رجعتوا إمتى؟
لم تنتظر ضي ثانية واحدة، بل اندفعت نحوه وارتمت بين ذراعيه بقوة:
_وحشتني أوي يا بلال.
أغلق ذراعيه حولها بحنان الأخ الذي طال شوقه، وطبع قبلة فوق رأسها:
_وإنتِ كمان يا قلب أخوكي... وحشتيني أكتر.
رفع عينيه نحو يوسف الذي كان يقف خلفها، فابتسم ابتسامة صادقة خرجت من قلبه:
_وحشتني يا جو...البيت من غيرك عامل فراغ والله.
اقترب يوسف وعانقه بحرارة:
_وإنتَ كمان يا صاحبي..عامل إيه؟
ابتعد عنه قليلًا وهو يضيف بلهفة:
_وحبيب عمُّو عامل إيه؟
فتح الباب وأشار لهم بالدخول:
_لسه نايم من شوية..ادعوا بس يكمِّل نوم، الواد ده مطلَّع عين أمُّه.
ضحك يوسف وهو يدخل:
_ليه، عامل فيكم إيه؟
هزَّ بلال رأسه باستسلام، وابتسامته لم تغادر وجهه:
_عامل نفسه مدير البيت..محدش بينام غير على مزاجه.
تحرَّكت ضي بسرعة نحو الداخل وهي تقول بشوق:
_أنا هروح أشوفه، وحشني أوي..رولا صاحية؟
_في الحمَّام يا حبيبتي..بس ادخلي بهدوء، ولو صحي واتعلَّق بيكي متجيش تشتكي، وخلِّي بالك لو شلتيه خلاص مش هيرضى ينزل.
ابتسمت ضي وتحرَّكت سريعًا، فقد اشتاقت للصغير كما لو كان ابنها.
جلس يوسف بجوار بلال، ثم قال وهو ينظر حوله:
_ليه عامل فيكم كدا وفين النانا بتاعته؟
زفر بلال بعمق، ومسح على وجهه بإرهاقٍ واضح:
_مش موجودة...ورولا رافضة أي مربيَّة.
ثم أضاف بابتسامة متعبَة:
_كلِّ واحدة تيجي، تلاقي فيها ألف عيب، مرَّة تقول دي عصبية، ومرَّة تقول دي مبتضحكش، وهتخلِّي الواد معقَّد ومرَّة تقول شكلها مش مطمِّن، لحدِّ ما بنت صغيرة في الجامعة جت، وشوف المصايب بتاعة رولا، لا دي عايزة اللي يربِّيها، لا دي بتراقبك، دي جاية علشانك، وكلام بقى ما تشبعش من هبله.
ارتفعت ضحكات يوسف، حتى لاحت عليه ذكرى زهرة:
_فكَّرتني بالبنت الغلبانة، اللي ضي جبتها من شعرها.
_أه صح...أهي قالت كدا، دي زي زهرة، وجاية علشان تستلقط راجل غني، فكَّرتني صح هيَّ البنت زهرة فين أراضيها دلوقتي؟.
_معرفش، آخر مرَّة لمَّا كلِّموني في المستشفى ورحت أنا وبابا، منكرش البنت حالتها صعبت عليَّا، بابا اتولَّى أمرها، كان قال حوَّلها لجامعة قريبة من عمامها، وعلى ما أظن اتجوِّزت، مش فاكر.
اومأ بلال متنهدًا:
_الغلط للأسف عندنا يا يوسف.
عاد يوسف برأسه على المقعد وراحت ذاكرته بأحداث ليلته مع زوجته، وكلام الخادمة عمَّا صدر من زهرة.
لكزه بلال بكتفه:
_إيه رحت فين؟.
اتَّجه برأسه إليه:
_ساعات بنغلط بحسن نيَّة وبنضرِّ غيرنا، زي ما قولت من شوية، الغلط عندنا، ورولا عندها حق، هيَّ استوعبت اللي ممكن يحصل بعد كدا، خلِّيها هيَّ اللي تقابل وتتفق مع النانا، إنتَ هترتاح أكتر.
_بس طلباتها صعبة أوي يا يوسف، أنا فكَّرت أتكلِّم مع عمِّو يزن، بتقولِّي عايزة واحدة فوق الأربعين، طيب دي هتقدر تسهر مع الولد؟.
_معلش..هيَّ خايفة على ابنها، ولسه مامي سنة أولى..وزي ما قولت لك كدا إنتَ هترتاح، أقلّ مشكلة هتقول إنتَ وإنتَ، وبنت خالي وعارفها سمَّاوية ودمَّها حامي، احنا مصدقنا موضوع كارما انتهى
انكسرت ملامح بلال قليلًا:
_عارف..وعشان كده ساكت، بس والله يا يوسف أنا خايف عليها، بتسهر الليالي كلَّها معاه، ولو نام خمس دقايق تفضل تبصّ عليه وتتأكِّد إنه بيتنفَّس كويس، ولو نامت ثواني غصب عنها تقوم زي المجنونة تقول هيعيَّط لو نمت.
نظر إليه يوسف بتفهُّم وربت على كتفه:
_دي أم ولأوَّل مرَّة، طبيعي تكون كدا... ومتزعلش من غيرتها عليك، دي هبلة معرفش بتحبَّك على إيه، جتك نيلة إنتَ وهيَّ.
لكزه بلال وهو يضحك:
_إنتَ تطول واحد زيي.
_أنا أطول منك يا متخلِّف، ورغم كدا متجوز أختك.
قهقه بصوتٍ مرتفع:
_والله زمان يا جو..أغمض عيناه ورد:
_جو هلكان وعايز ينام، وأختك ليلتها طويلة ومش هتخرج من هنا.
_طيب ما تسبها تبات هنا الليلة وروح بيتكم.
اعتدل ينظر إليه:
_نعم يا أخويا، بقولَّك إيه قوم ناديها، بدل مراتك المجنونة تشعللها بيوسف، وأضيع بينكم.
قاطعهم خروج ضي وهي تحمل الطفل:
_والله يا عمِّتو أنا صحيت من غير ما تصحِّيني، شمِّيت ريحتك كنتي وحشاني.
ضرب بلال على جبينه بخفَّة يسبُّها:
_كنت عارف إنِّك هتصحيه.
نهض يوسف يلتقطه من بين ذراعيها:
_حبيب عمُّو...ضمَّه يقبِّله على جبينه، بينما ضي تمرِّر أناملها على وجنتيه:
_ناعم أوي يا يوسف.
نهض بلال من مكانه:
_بقولُّكم إيه..ماتباتوا معانا الليلة، والله ما هناخده منكم، خلِّيه معاكم طول الليل.
جلس يوسف وهو ما زال يحمله وعيناه تتجوَّل فوق ملامحه، رفع الصغير كفِّه الناعم فوق وجنته، فقبَّله مبتسمًا حتى لمعت عيناه بالدموع وهو يرد على بلال:
_ماشي، لو عايز ترتاح إنتَ ورولا، وإحنا هنقعد بيه.
رفع عيناه لضي:
_إيه رأيك حبيبتي؟.
جلست بجواره، وهي تمسك كفَّ الصغير:
_لو مش تعبانة من السفر موافقة طبعًا..
بس هاته وقوم اخلع الجاكيت علشان ترتاح، ثم اتَّجهت بنظرها لأخيها:
_حبيبي روح ارتاح مع مراتك شوية ويوسف معانا متخافش عليه.
ابتسم بلال وهو يرفع عينيه نحو الطابق العلوي حيث توجد زوجته.
ابتسامة رجلٍ امتلأ قلبه حبًّا وامتنانًا.
أشار إلى علبة الحليب وأغراض الطفل وقال:
_لو جاع حطِّي دي في ميَّة سخنة بس ورضَّعيه.
غمز له يوسف الآخر ضاحكًا:
_والله رولا هبلة...تجيب ناني ليه وإنتَ أستاذ في الموضوع.
لكمه بلال في ذراعه بقوة وهو يتمتم:
_اتلم..بدل ما أشغَّلك إنتَ ناني عندنا.
انفجر ضاحكا، قطع ضحكاتهما رنين هاتف يوسف.
رفع الهاتف و ارتسمت ابتسامة دافئة على وجهه:
_أيوة يا حبيبتي.
جاءه صوت والدته من الطرف الآخر:
_الغدا جاهز، وباباك خلَّص شغله... إنتَ فين؟
_عند بلال، حاضر يا ماما جايين حالًا.
ما إن أغلق الهاتف حتى لكزته ضي وهي تشير إلى يوسف الصغير النائم بين ذراعيها:
_مش قولت هنبات هنا؟
نهض يوسف من مكانه ناظرًا إلى ساعته:
_الساعة لسه تسعة، وبعدين أنا ما شوفتش بابا..نتغدَّى معاهم ونرجع تاني، مش قصدي هنقعد من دلوقتي.
ثم التفت إلى بلال قائلًا بمشاكسة:
_وهنرجع كمان عدِّ الجمايل..من دلوقتي بقولَّك.
ضحك بلال وهزَّ رأسه:
_هنعد يا أخويا..المهم ما تتأخروش.
_ما تيجي تتغدَّى معانا، هات رولا ويوسف.
تنهَّد بلال وهو يميل برأسه للخلف:
_لا..أنا عايز أنام شوية، ورولا أصلًا مش هتوافق.
أومأ يوسف متفهِّمًا، ثم أخذ يوسف الصغير من ضي وقبَّل وجنته الممتلئة قبل أن يعيده إلى بلال وتحرَّك مغادرًا مع زوجته.
بعد قليل...
اجتمعت العائلة حول مائدة الطعام التي امتلأت بالأحاديث والضحكات بعد غياب يوسف وضي.
قطع إلياس قطعة من اللحم ووضعها في طبقه ثم قال وهو يرمق ابنه:
_خلَّصت يا يوسف ولَّا لسه في مركز أبحاثك؟
رفع يوسف رأسه عن طبقه وأجاب:
_لسه يا بابا..فيه كام بحث ودراسة محتاجين مجهود كبير..أنا أصلًا رجعت علشان ولادة شمس.
توقَّفت يداه لحظة ثم أكمل بابتسامة:
_كلِّمتني من يومين وقالت إنَّها حاسَّة إن معادها قرَّب، وما حبيتش أسيبها لوحدها.
توقَّفت أنامل إلياس فوق الشوكة والسكين، ثم رفع عينيه نحو ابنه ببطء وكأنه لم يصدِّق ما سمعه:
_وقَّفت مشروع أبحاثك...علشان تحضر ولادة أختك؟!.
عقد يوسف حاجبيه باستغراب من ردِّة فعله:
_أيوة يعني..فيها إيه؟
ثم تابع بهدوءٍ صادق:
_حضرتك ناسي إنِّي قبل كدا ضحِّيت علشانها؟ قبل فرحها بأيام كان عندي شغل مهم جدًّا، والحادث وقتها لخبط كلِّ حاجة..بس ما اهتمِّتش.
تنهَّد وهو يبتسم بحنان:
_المهم عندي إنَّها تكون بخير وسعيدة.
ثبَّت إلياس نظره على ابنه طويلًا.
كان يعرف مدى أهمية تلك الأبحاث بالنسبة له.
يعرف أنَّ مستقبله في نتيجة عمله في تلك الفترة
ومع ذلك..ترك كلَّ شيء وعاد.
ليس من أجل نفسه، ولا من أجل عمله..
بل من أجل أخته.
ابتلع إلياس غصَّة حارَّة تشكَّلت في حلقه وهو يسأله بصوتٍ أكثر خفوتًا:
_ولو كنت في أهمِّ مرحلة من المشروع؟
ابتسم يوسف دون تردُّد:
_حتى لو كنت على بعد خطوة واحدة من النجاح...كنت هرجع برضه.
اتَّسعت عينا ضي قليلًا وهي تنظر إلى زوجها:
_فعلًا يا عمُّو، رغم مشاغله قالِّي لازم أرجع علشان شمس،أانا فيه أيَّام مكنتش بشوفه فيها غير وهوَّ نايم.
طالعه إلياس للحظات:
_عارف حبَّك لأختك، بس مكنتش أتوقع انك هتنزل على الولادة اللي لسة ما اتحددتش.
مسَّدت ميرال على ظهره بحنان:
_ليه مستغرب يا إلياس، ابني طول عمره حنين على أخته..أومأ بسعادة قائلًا:
_شمس مش مجرَّد أخت يا بابا.
رفع عينيه نحو والده وأكمل:
_دي نصِّ عمري..وقطعة منِّي..أنا ممكن أستغنى عن أي حاجة إلا إنِّي أكون جنبها وقت ما تحتاجني.
ساد الصمت بين الجميع، صمت امتزج بالفخر والتأثُّر.
أمَّا إلياس فظلَّ ينظر إلى ابنه طويلًا، وكأنَّ قلبه يخبره للمرَّة الألف أنه لم يخطئ يومًا حين راهن على طيبته ونبله مع اخته
فمدَّ يده وربت على كتفه بقوة قائلًا بصوت اختلط فيه الفخر بالمحبَّة:
_ربِّنا يديم المحبَّة اللي بينكم يا بني.
ابتسم يوسف وهو ينظر إلى مقعد شمس الفارغ بجواره.
ثم تمتم بحبٍّ صادق:
_آمين يارب...ويقوِّمها بالسلامة، علشان أكون خالو رسمي بقى.
شعرت ميرال بغصَّة منعت تنفسها، فهمست قائلة:
_عقبال لمَّا أشيل ابنك يا حبيبي.
قالتها ودموعها لمعت بعينيها.
قبضة قوية اعتصرت فؤاده فطالعها وهو يهزُّ رأسه:
_حتى لو ربِّنا ما أردش يا ماما، ولاد أخواتي ولادي، أنا خلاص رضيت بنصيبي.
اتَّجه بنظره إلى ضي التي كانت تتابعه بألم تنطقه عيناها:
_المهم نكون راضيين، لمَّا بقعد مع نفسي وأفكَّر باللي حصل، بحس إنِّي صغير أوي، إزاي عملت كدا؟!.
_كلُّه نصيب يا حبيبي، وكن على يقين ربِّنا عنده العوض.
_ونعم بالله يا بابا.
حاول إلياس تغيير الحديث فتساءل:
_لسة قدَّامك كتير في مركز الأبحاث، ما قولتليش إزاي قبلوا إنَّك ترجع بعد ستِّ شهور؟.
_لسة شوية، بس خلاص هانت، مدِّة الغياب اللي حصلت بعد الحادث متحسبتش عليَّا...اللجنة وافقت أرجع أكمِّل باقي فترة البحث.
صمت قليلًا قبل أن يضيف:
_لسه قدَّامي حوالي سنة ونص.
أومأ إلياس وقال:
_مش أي مركز في العالم يعمل كدا.
ابتسم يوسف:
_الموضوع أكبر من مجرَّد مركز يا بابا..
إحنا شغَّالين على قاعدة بيانات ضخمة لمرضى الاعتلال العضلي القلبي الوراثي من أكتر من عشرين دولة..كلِّ حالة جديدة بتضيف معلومة ممكن تنقذ عائلات كاملة قبل ما المرض يظهر أصلًا.
ظلَّ الجميع صامتًا يستمع إليه، فتابع بعينين امتلأتا بالشغف:
_إحنا مش بنعالج مريض دخل المستشفى وخلاص...إحنا بنحاول نعرف مين ممكن يمرض بعد عشر سنين قبل ما قلبه يبدأ ينهار... كان باقي خطوة وانهي لكن الحمدلله على كل حال
_اايه اللي حصل حبيبي
تنهَّد ثم أكمل:
_الحادث ضيَّع منِّي شهور...لكنهم رفضوا استبعادي من المشروع.
_ليه؟ تسائل بها الياس
ابتسم يوسف:
_لأن النتائج اللي اشتغلت عليها قبل الحادث كانت من أهمِّ النتائج اللي اتقدِّمت للفريق..ويمكن حضرتك عارف كنت اتعيِّنت مسؤول على فريقي، لكن الإجازة والحادث أثَّروا بشكل، بس مش المضر.
_ربِّنا يوفَّقك يا حبيبي.
هكذا نطقتها ميرال..
انحنت ضي تهمس إليه:
_على فكرة أنا غيرانة ولازم تراضيني.
أنا أقدر برضو، تحت أمر أميرة قلبي.
تمتم بها يوسف وهو ينظر إليها بعينينِ تفيض منهما العشق، فابتسمت ضي ابتسامة عاشقة، ثم أسندت ذقنها فوق كتفه بدلال:
_أممم...
غمز لها بخفَّة وهمس:
_بابا وماما موجودين يا روحي..عيب كده.
اعتدلت فجأة، ثم قالت بصوتٍ مرتفع :
_هوَّ أنا مش مراتك، ولَّا شاقطني؟
توقَّف يوسف عن المضغ للحظة، واتَّسعت عيناه بذهول من جرأتها المعتادة، بينما انفجر الضحك في عيني ميرال.
أمَّا إلياس فرفع رأسه عن طبقه ببطء وقال:
_مالك يا بنت أرسلان، صوتك عالي ليه؟
التفتت إليه وقالت ببراءة مصطنعة:
_مفيش يا عمُّو...بقولُّه اللحمة طعمها حلو.
زمَّ إلياس شفتيه ساخرًا، ثم أشار بشوكته إليها:
_ويا ترى الأبيض ولَّا الأحمر؟
رمشت بحيرة، غير مستوعبة ما يقصده، بينما كتم يوسف ضحكته بصعوبة حتى اهتزَّ كتفاه.
استدارت إليه فورًا:
_هوَّ باباك يقصد إيه؟
أسرع يملأ طبقها يشير إليها:
_بقولِّك كلي يا ضي..اللحمة مفيدة.
وضعت المنديل على الطاولة وقالت:
_بس ما بتتهضمش بسهولة يا عمُّو... حاول ما تكتَّرش منها، خصوصًا في سنَّك ده.
شهقت ميرال وضربت ذراعها بخفَّة:
_تعرفي تاكلي وإنتِ ساكتة، ماله سنُّه يا أختي؟ أحسن من اللي قاعد جنبك.
طالعها يوسف:
_ الله! وأنا مالي..بتحشريني بينكم ليه؟
مدَّ إلياس يده فجذب كفَّ ميرال وقبَّل ظهره بحب، ثم قال وهو ينظر إليها بعشق لم تخفت ناره رغم السنوات:
_حبيبة قلبي يا ميرو.
احمرَّ وجه ميرال ورغم ذلك طالعته بعشق، شهقت ضي واضعةً يدها فوق صدرها..
ثم التفتت إلى يوسف صارخة:
_شوفت يا حبيبي؟! ياللي مكسوف من باباك ومامتك! وقال إيه عيب بابا وماما قاعدين! أبوك ناقص يشيلها ويقولِّنا بعد إذنكم.
انفجرت ميرال ضاحكة، ثم أخفت وجهها في كتف زوجها خجلًا، بينما ارتفعت ضحكة يوسف.
أمَّا إلياس فحدج ضي بنظرة ساخرة وقال:
_وأنا أقول بعد إذنكم ليه يا طليقة ابني؟ هو إنتِ في مقام أستأذن منك أصلًا؟
اختفت ابتسامتها بغيظ، ثم نهضت من مكانها
_طب والله ما أنا واكلة! إنتَ بتغظني صح؟!
وأشارت إليه بإصبعها:
_إيه طليقة ابنك دي؟!
رفع إلياس حاجبًا واحدًا وهو يمضغ طعامه بهدوءٍ مستفز:
مش كنتِ عايزة تطلَّقي يا بت؟
اتَّسعت عيناها أكثر، والتفتت إلى يوسف تستنجد به، لكنَّه كان يضحك حتى كاد يختنق.
فصاحت فيه:
_وإنتَ بتضحك؟! بدل ما تدافع عنِّي!
_الله مش كنتِ عاملة ثورة، التفت إلى يوسف:
_لو مكانك أطلَّقها.
التقطت حقيبتها بعصبيَّة مصطنعة، ثم هتفت:
_يوسف، أبوك رايق النهاردة ومش عايز يسيبني في حالي، وأنا تعبانة وعايزة أنام..هروح عند بلال لحدِّ ما تخلَّصوا تريقة
ثم أشارت إلى إلياس بتحذيرٍ طفولي:
_ولمَّا أفوق هنتحاسب يا عمُّو.
ضحك إلياس وقال دون أن يرفع عينيه عن طبقه:
_ابوك يابيئة
_والله بحفظ كلماتك لابنك
قالتها وتحركت بعض الخطوات،الى ان نطق الياس
_خدي بالك لا يطردك بلال، أصلك لا تطاقي
تعالت ضحكاتهما، فضربت الأرض بقدمها في غيظٍ جعلها أشبه بطفلة مدلَّلة، قبل أن تخرج من الغرفة وهي تتمتم بكلماتٍ غاضبة، ظلَّ يوسف يتابعها بعينينِ مليئتينِ بالحب والافتتان، حتى في غضبها تخطفه فحبَّها استوطن وتشعَّب في القلب.
بمنزل معتز..
كان جالسًا على مقعده الجلدي، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، والموسيقى الاجنبية الهادئة تنساب بالمكان، يدور بكأسه بين أصابعه وابتسامة باهتة تستقرُّ على شفتيه.
قطع سكونه طرقٌ خافت على الباب:
_معتز بيه...فيه واحدة برَّة عايزة تقابل حضرتك.
رفع عينيه نحو الخادمة بفتور:
_مين؟
اقتربت منه ووضعت بطاقة تعريف أمامه:
_اسمها هنا.
التقط البطاقة، وما إن وقعت عيناه على الاسم حتى تجمَّدت ابتسامته لثوانٍ فقط، قبل أن يرتسم على فمه انحناء ساخر:
_دخَّليها.
غادرت الخادمة، وبعد دقائق دوى صوت كعبها فوق الأرضية الرخامية.
أخرج سيجاره وأشعله بهدوءٍ متعمَّد، نافثًا الدخان ببطء وهو يراقبها من طرف عينيه.
توقَّفت عند الباب.
أشار بيده دون أن ينظر إليها مباشرة:
_ادخلي يا أستاذة سارة...متخافيش، مش هاكلك.
نظرت إليه صامتة للحظات ثم قالت بجمود:
_دي مقابلة مش أكتر يا معتز.
نهض من مكانه واتَّجه نحو النافذة.
ظلَّ صامتًا لبرهة من الوقت، ثم قال دون أن يلتفت:
_قولي جاية ليه؟
استدار بنصف جسده:
_إيه اللي فكَّرك بيَّا فجأة؟
صمتت..فضحك بسخرية مريرة:
_بقالك سنين هنا..أوعي تقولي إنك لسه عارفة النهاردة إنِّي موجود.
ابتلعت غصَّتها، ثم اقتربت منه خطوة تلو الأخرى حتى وقفت خلفه مباشرة:
_من يوم ما عرفت إن ليَّا أخ كبير... كنت مستنية تيجي.
أغمضت عينيها للحظة:
_كنت مستنية تاخدني في حضنك و تعوَّضني عن مهند.
ارتجف شيء داخله رغمًا عنه..
_استنيتك كتير يا معتز...بس إنتَ مكنتش بتيجي.
استدار فجأة..وفي لحظة تحوَّلت ملامحه إلى كتلة من الغضب:
_جيت!.صاح بها.
_جيت ومامتك طردتني!
قالها أنفاسٍ متسارعة:
_كلِّ مرَّة أحاول أقرَّب منك..كانت تقفل الباب في وشِّي.
ضرب بيده فوق الطاولة بقوة:
_كلِّ مرَّة أحاول أبقى أخ…كانت تفكَّرني إنِّي مش اخوكي، أومال لو كنت ابن المجرم.
نزلت دموعها رغمًا عنها:
_ليه يا معتز؟
هزَّ رأسه ضاحكًا بمرارة:
_ليه؟
ردَّت عليه بصوتٍ مرتفع:
_مش علشان اللي بتعمله؟
وكأنَّ كلماتها سكبت الزيت فوق النار.
تراجع خطوة وهو يصرخ:
_بعمل إيه؟!
أشار إلى نفسه بعنف:
_مش علشان تعيشوا؟
_مش علشان أرجَّع حقِّنا اللي الكلب أبوكي سرقه؟
اقترب منها وعيناه تشتعلان:
_جايَّة ليه؟
_مش أنا اللي قولتيلي قبل كده إنِّ ما لكيش إخوات غير مهند؟
انحنى أمامها حتى شعرت بحرارة أنفاسه:
_وأنا أصلًا مش معترف بيكم.
ثم خرجت الكلمات من بين أسنانه كالرصاص:
_عارفة ليه؟
_لأن أبوكي كان مجرم.. صمت لحظة، وتابع بقهر:
_ومغتصب..وحقير..وربِّنا ينتقم منه.
اهتزَّ جسدها بالكامل..
نظرت إليه بصدمة وألم..
ثم قالت بصوتٍ مختنق:
_وإنتَ إيه، مبقتش زيه؟.
رفع عينيه إليها..غرست عيناها بعينيه:
_إنتَ ما فرقتش عنه حاجة..مجرم ومغتصب.
ساد الصمت ثانية، ثانية واحدة فقط.
قبل أن تهوي يده على وجهها بقوَّة.
ارتطم رأسها جانبًا من شدِّة الصفعة.
أمسك فكَّها بعنف حتى تأوَّهت..
ثم همس بصوتٍ مرعب:
_إياكي..ضغط أكثر.
_إياكي تنطقي اسمي جنب اسمه.
كانت الدموع تنهمر من عينيها.
أمَّا هو فكانت عيناه مليئتينِ بجنونٍ حقيقي..
_فاكرة إنِّي مش عارف إنك اللي بلَّغتي عنِّي في أثينا؟..
عارف كلِّ خطوة بتعمليها يا بنتِ المجرم.
دفعها بقوة، فسقطت أرضًا وهي تتأوَّه.
انحنى فوقها..
وأشار إليها بإصبع مرتجف من شدِّة الغضب:
_متفكَّريش إنِّي هسيبكوا..
أخلص بس من الحيوانات اللي اسمهم إخواتك..ابتسم ابتسامة مخيفة..
_وساعتها...هتدِّفنوا كلُّكم.
مسحت دموعها بعنف.
ورغم الألم، وقفت من جديد.
رفعت رأسها في مواجهته:
_إلى الجحيم إنتَ وكلِّ اللي شبهك.
تصلَّبت ملامحه.
أمَّا هي فتابعت بشجاعة لم تكن تعرف من أين جاءت:
_أنا جيت علشان ماما كانت نفسها تشوفك..
إنما إنتَ؟
هزَّت رأسها باشمئزاز:
_آخر شخص ممكن أفكَّر فيه.
إنسان قذر، وحيوان..
واللي بتعيِّب عليها...
أشارت إليه:
_نفس عيِّنتك بالظبط.
في لحظة فقد السيطرة تمامًا.
قبض على خصلات شعرها بعنف.
صرخت متألِّمة..فسحبها حتى الباب، ثم دفعها إلى الخارج.
ارتطم جسدها بالأرض، وقف فوقها كإعصارٍ هائج:
_اطلعي برَّة!..وإياكي تقرَّبي منِّي تاني!
وقولي لمامتك...
ارتجف صوته رغمًا عنه:
_لو حاولت تقف في طريقي...
هموِّتك..مش هيَّ خايفة عليكي هموِّتك يا بنت المجرم...قالها وأغلق الباب بعنف اهتزَّ له المكان، ثم استند بظهره إليه.
أنفاسه تعلو وتهبط بعنف.
رفع يده المرتجفة إلى وجهه..
ثم فجأة..انكسرت قسوته للحظة، وانهمرت دمعة ساخنة رغماً عنه.. أطبق عينيه بقوة..
كأنه يحاول خنق ذلك الألم القديم الذي يرفض الموت.
في الخارج كان يسمع بكاءها.
بكاء أخته..كلمة لم يسمح لنفسه يومًا بالاعتراف بها.
قبض على صدره بقوَّة..
وكأنَّ قلبه يعاقبه على كلِّ كلمة قالها.
لكن كبريائه كان أكبر من أن يفتح الباب...
وأقسى من أن يركض خلفها...
فبقي واقفًا في مكانه، يستمع إلى صوت بكائها يبتعد شيئًا فشيئًا، بينما داخله يصرخ بألم لم يسمعه أحد.
بمنزل يزن...
كان الجميع ملتفًّا حول مائدة الطعام، تتعالى الأحاديث والضحكات بين أفراد العائلة، في جوٍّ دافئ يملؤه الألفة والمحبَّة.
إيمان تتحدَّث مع رحيل، وكريم يمازح سدن، بينما كانت آسيا تجلس بصمت على غير عادتها، تعبث بطعامها دون شهية، وكأنَّ عقلها بعيد عن المكان كلِّه.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يقطعه يزن وهو يلتفت إلى ابنه:
_آسر..عندك شغل برَّة القاهرة الأسبوع ده؟
رفع آسر رأسه عن طبقه، لكن عينيه خانتاه للحظة واتَّجهتا نحو آسيا.
كانت ما تزال تحدِّق في الطعام أمامها.
أجاب بهدوء:
_عندي قضية مهمَّة بكرة..وبعدها هسافر قنا، فيه قضية هناك وهقعد كام يوم.
شهقت رحيل بخفوت:
_ليه قنا يا حبيبي؟ بعيدة أوي.
ابتسم يزن وهو يربت على يدها:
_ومالها قنا يا رحيل، المهم يلاقي نجاحه في أي مكان.
اعتدلت سدن بحماس:
_بعد إذنك يا بابا...أنا عايزة أروح مع آسر.
ثم التفتت نحو آسر بابتسامةٍ واسعة:
_أكيد هتحتاجني هناك، صح؟
ظلَّ ينظر إليها للحظة دون رد.
فقالت رحيل ضاحكة:
_وماله يا حبيبتي، خدها يا آسر..وخد آسيا كمان، ما دام مفيش جامعة ولا حاجة.
ارتجف قلب آسيا فور سماع اسمها بالقرب منه.
نهضت سريعًا قبل أن تتلاقى عيناها مع آسر:
_آسفة يا طنط...عندي شغل.
ثم أضافت محاولةً التهرُّب:
_وبعدين أنا أصلًا مبحبِّش خنقة المتر.
قالتها وغادرت المائدة بسرعة.
تابعها يزن بعينيه حتى اختفت، ثم التفت إلى آسر متسائلًا:
_إنتَ مزعَّل بنت عمِّتك ليه يا آسر؟
تنهَّد آسر وهو ينظر إلى إيمان:
_والله يا عمِّتو أنا تقريبًا مبتكلمش معاها أصلًا.
ابتسمت إيمان بحنان:
_عارفة يا حبيبي...شكل عندها مشكلة في الشغل بس.
لكن سدن هزَّت رأسها فجأة:
_أنا عارفة مالها.
التفتت إليها جميع الأنظار.
أمَّا آسر فشعر بانقباضٍ مجهول يعتصر صدره.
_مالها؟
تردَّدت سدن للحظة:
_نور...
رفع آسر رأسه إليها سريعًا، وكادت عيناه تخرج عن محجريها.
فأكملت مرتبكة:
_يعني..هو...
قاطعها آسر بحدَّة أخافت الجميع:
_عمل إيه الزفت ده؟
ارتبكت أكثر:
_لا..معملش حاجة.
_أومال؟
تدخَّل كريم هذه المرَّة:
_قولي يا سدن، ماله نور؟
ابتلعت ريقها ثم قالت دفعةً واحدة:
_عايز يتجوِّز آسيا.
سقطت الكلمات كالرصاص، ثوانٍ مرَّت...
لكنَّها بدت لآسر كأنها عمرٌ كامل.
شعر وكأنَّ شيئًا ثقيلًا هبط فوق صدره دفعةً واحدة.
قبضة قاسية اعتصرت قلبه حتى كاد يتألَّم جسديًا...
ضحكت سدن قائلة:
_أنا سمعته بيقولَّها منتظر ردِّك بفارغ الصبر، وهيَّ قالت له اديني يومين.
هنا شحب وجهه..وتاهت عيناه في الفراغ.
كانت رحيل تراقبه بصمت.
ورأت في عينيه العشق، رغم محاولاته إخفائه...تذكَّرت بداية قصَّتها مع زوجها..
ذلك الرجل الذي وقع في الحب..وخسر معركته أمام قلبه..فهل ابنه سيحظى مثل والده؟.
حمحمت وهي تحاول كسر ذلك الصمت الثقيل:
_أنا بصراحة مش مقتنعة.
التفتت الأنظار إليها.
_واحد كان خاطب بنت من العيلة من كام شهر...فجأة بقى عايز يتجوز آسيا؟ الموضوع مش مريح.
نهض آسر فجأة.
ألقى المحرمة فوق الطاولة بعصبية مكتومة...ثم قال بسخريةٍ جارحة:
_بس واضح إنِّ الموضوع جاي على هوى الأستاذة.
رفع عينيه نحو الباب حيث خرجت آسيا قبل قليل:
_خلِّيها براحتها.
قالها واستدار مغادرًا المكان..
تحرَّك للخارج و الغضب يشتعل داخله كحريقٍ لا يجد ما يطفئه.
فتح باب سيارته بعنف، لكنَّه تجمَّد مكانه..
حين وجدها تقف غير بعيدة عنه.. تتحدَّث
بهاتفها، وصوت ضحكاتها يصل إليه.
ضحكات مشرقة..وكأنَّه لا يحدث شيئًا حولها.
أمَّا هو..فكان يشعر أنَّ شيئًا بداخله ينهار.
ضاقت عيناه..وتسلَّل اسمٌ واحد إلى رأسه...أكيد هو..
من غيره سيجعلها تضحك هكذا؟
تحرَّك نحوها بخطواتٍ سريعة..
متوتِّرة، غاضبة، مجنونة.
رفعت رأسها فور رؤيته.
واختفت ابتسامتها، أغلقت الهاتف تلقائيًا.
توقَّف أمامها مباشرة..ينظر إليها.
ينظر فقط..كأنه يبحث في وجهها
عن كذبةٍ واحدة تطمئنه.
لكنها كانت تنظر إليه بحيرةٍ صادقة.
فقال بصوتٍ خرج أكثر ألمًا ممَّا يخرج غضبًا:
_قفلتي ليه؟.
عقدت حاجبيها بعدم فهم:
_إيه؟
ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي مرح:
_مش تكمِّلي حديث الغرام؟
تسارعت أنفاسها...واتَّسعت عيناها بصدمة:
_إنتَ بتقول إيه؟!.
اقترب خطوة...فتراجعت هي لا إراديًا.
لكن عينيه ظلَّتا معلَّقتين بها..عينا رجلٍ يختنق...رجلٍ أدرك متأخِّرًا جدًّا أنه أحب:
_أنا أغبى واحد في الدنيا.
همسها وكأنه يعترف لنفسه أكثر ممَّا يحدِّثها.
ثم ابتسم ابتسامة موجوعة.
ابتسامة رجلٍ خسر شيئًا لم يمتلكه أصلًا:
_وبعتذر لحضرتك يا أستاذة.
ارتعش قلبها دون أن تفهم.
أمَّا هو فأكمل بصوتٍ مبحوح:
_بس متنسيش تدعيني على الفرح.
شعرت وكأنَّ الكلمات صفعتها.
تجمَّدت مكانها...تريد أن تسأله...
أن توقفه..أن تفهم، لكن الكلمات اختنقت داخلها...استدار آسر وغادر.
بينما هي ظلَّت واقفة مكانها...تراقب ابتعاده..
وعيناها ممتلئتانِ بالذهول.
وقلبها..لأوَّل مرَّة يشعر بالخوف، رغم أنها كانت تعانده، ولكنَّه ارتجف من مجرَّد فكرة البعد.
بمنزل بلال..
وخاصَّةً بغرفة الطفل.
كانت تجلس بجوار ضي:
_أنا غيَّرت له، وهوَّ رضع دلوقتي، لو عيَّط يبقى عايز يتشال وتمشي بيه.
لمست ضي وجنته ولمعت عيناها بالسعادة:
_متقلقيش عليه.
ربتت رولا على كتفها رغم تردُّدها وقلقها أن تتركه معها، ولكن تصميم بلال أن يتركه اليوم معهما.
نهضت بعدما قبَّلت طفلها:
_ياله تصبحوا على خير...قالتها وخرجت خارج الغرفة، كان يجلس مع بلال، يبدو أنهما يتحدَّثان في شيءٍ ما:
_يوسف مع ضي، هدخل أنام شوية، لأنِّي متأكِّدة ضي مش هتتحمِّله.
اقترب منها بلال يسحب كفَّها:
_تصبح على خير يا جو، خلِّي بالك من الواد يالا.
ضحك ضحكة قصيرة وهو يرى بلال يختفي خلف الباب، ثم استدار نحو الشرفة.
رفع عينيه إلى السماء، يتأمَّل القمر الذي يختبئ خلف الغيوم تارةً ويظهر تارةً أخرى..ظلَّ واقفًا لدقائق طويلة، صامتًا، وكأنَّ روحه تسبح بعيدًا مع ذلك الضوء الهادئ.
شعر بذراعينِ تلتفَّان حول خصره من الخلف:
_واقف لوحدك ليه، وكمان سرحان مع القمر؟
التفت إليها، ابتسم ابتسامة دافئة، ومدَّ يده يلامس وجنتها برفق:
_هسرح مع القمر ليه...وأنا معايا قمري كلُّه هنا؟
ابتسمت بخجل، ثم أمسكت كفَّه وقبَّلته قبلة صغيرة:
_المهم أكون قادرة أنوَّر حياتك يا يوسف...مش عايزة أكون قمر، عايزة أكون راحتك وسعادتك وبس.
ارتخت ملامحه أكثر، وشدَّها إلى صدره حتى استقرَّت بين ذراعيه.
طبع قبلة طويلة فوق رأسها وهمس:
_إنتِ مش بس سعادتي...إنتِ الحياة كلَّها، اليوم اللي دخلتي فيه حياتي هوَّ أوَّل يوم حسِّيت فيه بالحياة علشان كدا بقولِّك حياتي.
أغمضت عينيها وهي تستمع إلى دقَّات قلبه، لكن قاطعها صوت الصغير وثرثرة طفولية خرجت من الغرفة.
ضحكت وهي ترفع رأسها:
_تعال بقى..أصل الواد ده خلاص، بموت فيه.
سحبت يده ودلفت به إلى الداخل.
وجد الصغير مستلقيًا فوق الفراش، يلوِّح بساقيه الصغيرتين في الهواء، ممسكًا بلعبةٍ تضيء بألوانٍ مختلفة وتصدر أصواتًا مضحكة.
انحنى يوسف وحمله بين ذراعيه، ارتفعت ضحكات الصغير، ومدَّ كفَّيه الصغيرتين ليحيط وجهه بهما.
تجمَّد يوسف للحظة وهو يتأمَّله.
تلك العينان..تلك الملامح..ابتسم دون أن يشعر:
_شبه باباكي أوي.
وقفت بجواره ولمست أصابع الصغير:
_هوَّ فعلًا شبه بابا.
ظلَّ يوسف يتأمَّل الطفل وكأنه يراه للمرَّة الأولى، ثم رفع عينيه إليها:
_بس عنده عيونك...ودي أحلى حاجة فيه.
احمرَّ وجهها بينما ابتسم هو بحب.
ثم نظر حوله مستغربًا:
_ليه جايباه هنا، مش المفروض ينام في سريره؟
رفعت كتفيها بمشاكسة:
_أنا اللي طلبت...عايزة ننام كلِّنا مع بعض الليلة.
شعر بدفءٍ غريب يغمر صدره، ليست مجرَّد ليلة عادية..تمنَّى أن تكون دائمة، كل يوم تجعله يتمنَّى أن يحقِّق لها السعادة.
وضعت الطفل فوق الفراش وانحنت تخرج له بيجامته:
_وجبتلك دي كمان...علشان تعرف تنام.
مرَّر يوسف أصابعه بين خصلات شعرها بحنان:
_مش هنام دلوقتي، هقعد أشتغل شوية.
رفعت رأسها إليه بنظرةٍ معاتبة، ثم قالت بصوتٍ هادئ:
_أنا أصلًا مجبتش اللاب.
رفع حاجبه بدهشة:
_ضي..اقتربت منه أكثر، وأمسكت طرف قميصه:
_عارفة إنِّ شغلك مهم...بس علشان خاطري، ارتاح الليلة..سيب الشغل كلُّه برَّا، وخليك معايا كام ساعة بس.
انتقلت نظراتها إلى الطفل الذي كان يضحك وحده فوق السرير:
_وعلى العموم...الواد ده هينسِّيك الوقت أصلًا.
ابتسم رغمًا عنه...اقتربت منه أكثر، وبدأت تفكُّ أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر.
تأمَّلها بحبٍّ عميق، ذلك الحب الذي تضاعف بعدما كاد يفقدها يومًا.
همست وهي ترفع عينيها إليه:
_أنا بستأذن ليه أصلًا؟
ضحك بخفوت، ثم أمسك يدها، وجذبها إليه حتى اصطدمت بصدره.
أحاط وجهها بكفَّيه، وكأنَّها أثمن ما يملك:
_عشان إنتِ لسه متعرفيش إن كلِّ حاجة ليَّا...بقت ملكك من زمان.
ارتجف قلبها لكلماته، بينما مال هو يقبِّل جبينها بحب.
صباح اليوم التالي..
استيقظا على بكاء الصغير، اعتدل يوسف أوَّلًا، ينظر إليه باستغراب كأنه نسي أنَّه كان ينام معهما..
انحنى يحمله:
_إيه..إيه، إنتَ لحقت تنام يلا، صاحي ليه دلوقتي؟.
بكى الطفل وهو ينظر إليه..ظلَّ يوسف يطالعه بجهل لا يعلم ماذا عليه أن يفعل.
لحظات واستمع إلى طرقاتٍ على الباب:
_ادخل يا بلال...
_صباح الخير، سمعت صوته، هاته بقى علشان رولا تغيَّرله.
اتَّجه بنظره إلى ضي الغافية:
_أنتوا منمتوش صح؟.
تثاءب يوسف وهو ينظر بساعته:
_ما لحقناش ساعتين بس، المهم هرجع على البيت، لمَّا ضي تصحى قولَّها.
مساء اليوم التالي...
في منزل إلياس، كانت الأجواء العائلية تملأ المكان دفئًا.
جلس الجميع في الحديقة الواسعة، تتعالى الضحكات بين الحين والآخر، وأحاديث متفرِّقة تدور بين أفراد العائلة.
وسط تلك الأجواء المريحة...ارتفع رنين هاتف إلياس..نظر إلى الشاشة، ليجد اسم حمزة.
قطَّب حاجبيه قليلًا، ثم أجاب:
_أيوة يا حمزة.
_عمُّو إلياس...شمس هتولد النهاردة...وهيَّ عايزة مامتها.
هبَّ واقفًا، اختفت الابتسامة عن وجهه بالكامل.
ابتعد عدَّة خطوات عن الجميع، وارتفعت دقَّاته:
_شمس كويسة يا حمزة؟
ساد الصمت لثانية..ثانية كانت كفيلة بأن تعصر قلب الأب، ثم أجابه حمزة:
_إن شاء الله كويسة.
لكن نبرة صوته لم تكن مطمئنة.
بل كانت محمَّلة بالخوف..خوف حاول إخفائه وفشل.
شعر إلياس بانقباضٍ حاد داخل صدره.
فقال بسرعة:
_إحنا جايين حالًا..أغلق الهاتف..
استدار نحو الجميع.
وكان يكفي أن يروا وجهه حتى تتلاشى الضحكات دفعةً واحدة.
نهضت ميرال بفزع:
_في إيه يا إلياس؟
نظر إليها للحظات قبل أن يقول:
_شمس في المستشفى...
شحب وجه ميرال:
_هيَّ كويسة؟...أومأ وتحرَّك للداخل.
بعد فترة...
كانت العائلة بأكملها متجمِّعة داخل المستشفى.
كلَّ دقيقة تمرُّ كانت تزيد توتُّر الجميع وخاصَّةً بعد حديث الطبيبة.
بينما وقف إلياس أمام غرفة العمليات مباشرة...عيناه مثبَّتتان على الباب.
لا يرى شيئًا سواه.
ولا يسمع شيئًا سوى صدى اسم ابنته داخل رأسه...شمس..طفلته الصغيرة.
التي كان يحملها على كتفيه يومًا.
كيف أصبحت الآن خلف ذلك الباب؟
كيف أصبحت بين الحياة والموت في لحظة واحدة؟
شعر بغصَّة حادَّة تخنقه، لكنَّه أجبر نفسه على التماسك، من أجل زوجته التي انهارت ولم تهدأ سوى بالمهدِّئات.
أمَّا يوسف...
فكان في عالمٍ آخر تمامًا.
جلس على المقعد ورأسه بين كفَّيه.
وجهه شاحب بصورة أخافت الجميع.
لم يكن يتحدَّث..لم يكن يسمع.
كل ما يراه أمامه هو وجه شمس.
ضحكتها...عيناها.
صوتها وهي تطلب منه أن يبقى بجوارها.
كان قلبه يرتجف بعنف داخل صدره،
خوفًا لم يعرفه من قبل.
حتى يوم تعرَّض هو للخطر، لم يشعر بهذا القدر من الرعب..لكنَّها شمسه، بنته الصغيرة..صراع عنيف بين الخوف والأمان، يريد أن يدخل خلف هذا الباب ويطمئن قلبه على ابنته.
اقترب بلال منه ووضع يده على كتفه:
_إن شاء الله هتبقى كويسة.
رفع يوسف رأسه إليه..
وعيناه كانتا ممتلئتينِ برعبٍ حقيقي:
_أنا خايف عليها أوي يا بلال، شوفتها قالتلي إيه؟.
قالها بصوتٍ مبحوح كأنَّه يخرج بصعوبة:
_عمري ما خوفت كده.
شعر بلال بانقباض قلبه..
لأنَّ يوسف لم يكن من الرجال الذين يعترفون بالخوف بسهولة أبدًا...
_يوسف بلاش قلق لو سمحت، أنا بحاول أصبَّر نفسي.
عند حمزة..
حين أُغلقت أبواب غرفة العمليات خلف شمس، شعر حمزة وكأنَّ الباب لم يُغلق عليها وحدها..بل أُغلق على قلبه معها.
كانت آخر صورة رآها لها وهي مستلقية فوق السرير المتحرِّك، شاحبة الوجه، تحاول أن تبدو قوية من أجله.
لكن دموعها التي لمعت بعينيها فضحت خوفها:
_ متسبنيش...
همست بها قبل أن تُسحب للداخل.
فانحنى سريعًا يقبِّل جبينها:
_ والله هتخرجيلي بالسلامة...إنتِ والبيبي كمان.
ارتجفت شفتاها وهي تبتسم بصعوبة.
ثم اختفت..وأُغلق الباب.
في البداية كان يحاول التماسك.
أخبر نفسه أنها عمليَّة قيصرية فقط.
عملية تُجرى كل يوم.
لكن شيئًا ما في حديث الطبيبة...
وفي نظراتها..وفي طول الوقت الذي استغرقته العملية...كان ينهش أعصابه ببطء، مرَّت نصف ساعة..ثم ساعة.
ثم ساعة وعشر دقائق..وباب العمليات ما زال مغلقًا..بدأ القلق يتحوَّل إلى رعب.
وقف فجأةً أمام الباب...ينظر إليه.
كأنه ينتظر أن يخرج منه أحد ويخبره بأي شيء..أي شيء فقط..حتى لو كان خبرًا سيِّئًا...ذلك الصمت كان يقتله أكثر.
داخل غرفة العمليات...
ارتفع صوت الطبيبة:
_ النبض بينزل!
تحرَّك الجميع بسرعة.
كانت شمس شبه غائبة تحت تأثير التخدير، لكن جسدها بدأ يفقد لونه تدريجيًا...راقبت الطبيبة الشاشة أمامها..
ثم قالت بحزم:
_ لازم نطلَّع البيبي حالًا.
حاولت إخراجه.
لكن الوضعية العرضية جعلت الأمر أكثر صعوبة...مرَّّت الدقائق ثقيلة.
وكلَّ ثانية كانت تعني خطرًا أكبر.
_ بسرعة!
_ حاضر دكتورة.
وأخيرًا...خرج الطفل..لكن لم يبكِ.
ساد صمتٌ مرعب داخل الغرفة.
صمت جعل الجميع ينظرون إلى بعضهم.
حتى الطبيبة تجمَّدت للحظة:
_ مالوش صوت ليه؟!
خطفه طبيب الأطفال بسرعة.
بدأت محاولات تنشيطه.
ثانية...اثنتان...ثلاث...أربع...ولا شيء.
بدأ التوتُّر يزداد.
_ يلَّا يا بطل...يلَّا، ثم فجأة...
انطلق صوت بكائه...صوت صغير...
لكنَّه كان كافيًا ليعيد الحياة إلى الغرفة.
تنفَّس الجميع براحة.
إلَّا أنَّ تلك الراحة لم تعش طويلًا:
_ دكتورة...النزيف شديد.
التفتت الطبيبة فورًا.
شحب وجه الممرِّضة:
_ كميِّة الدم كبيرة.
اقتربت الطبيبة بسرعة..
ثم قالت بصوتٍ خافت لكنَّه حازم:
_ زوِّدوا الأدوية...مرَّت دقائق.
والدم ما زال ينزف...
_الضغط بينزل..النبض سريع..
جهِّزوا الدم فورًا.
تحوَّلت الغرفة إلى خليَّة نحل.
أجهزة تصدر أصواتًا متواصلة..
أطباء يتحرَّكون بسرعة.
وأعين تراقب كل رقمٍ يظهر على الشاشة.
بينما كانت شمس ترقد بلا حراك.
هادئة أكثر ممَّا ينبغي.
حتى إن الطبيبة نظرت إليها للحظة وشعرت بانقباضٍ في صدرها:
_مدام شمس.
.
في الخارج...مرَّت ساعة ونصف.
ثم اقتربت الساعتان..لم يعد حمزة يجلس.
كان يدور حول نفسه كالمجنون.
كلما فُتح باب في الممر انتفض.
كلَّما مرَّت ممرِّضة ركض إليها:
_ أخبارها إيه؟
_ لسه يا فندم.
"لسه".
تلك الكلمة أصبحت عذابه...نهض يوسف وتوقَّف أمام الغرفة:
_أنا عايز أدخل العمليات، ليه الوقت دا كلُّه؟.
أختي جوا حصلَّها إيه؟.
أمسكه بلال وحاول السيطرة عليه:
_يوسف...اهدى، الكلِّ على أعصابه.
طالعه بغضبٍ أكثر:
_ساعتين يا بلال، بتولد في ساعتين، أكيد فيه حاجة حصلت جوَّا.
أبعده عن الجميع:
_يا بني..إنتَ هتقلق الكلِّ كدا، إحنا بنحاول نتماسك، أبوك واقف بالعافية.
قاطعهم وصول أرسلان وغرام، اللذان أتيا من المطار:
_إيه الأخبار؟..قالها وهو يراقب جلوس إلياس.
_لسه مفيش أخبار.
هكذا تمتم إسحاق.
وفجأةً خرجت ممرِّضة تركض..
تبعها عامل يحمل أكياس دم.
تجمَّد حمزة.
شعر ببرودة تسري في أطرافه:
_ الدم ده لمين؟!
لم تجبه.
أكملت طريقها نحو غرفة العمليات.
نظر إلى الأكياس الحمراء..توقَّف قلبه للحظة..ثم ركض خلفها.
لكن أحد الممرِّضين منعه:
_ممنوع يا فندم.
_ مراتي جوَّه!
_ لو سمحت ارجع مكانك.
رفع يديه إلى رأسه...وكأنَّ العالم بدأ يضيق حوله...لأوَّل مرَّة منذ سنوات...
بكى..بكى بصمت.
جلس فوق أحد المقاعد وأخفى وجهه بين كفَّيه.
كانت صورة شمس لا تفارق عقله.
ضحكتها...عنادها...صوتها.
كيف كانت تضع يده فوق بطنها ليشعر بحركة الطفل.
كيف كانت تتحدَّث معه كلَّ ليلة عن أحلامها له.
ماذا لو..أغلق عينيه بعنف.
لم يستطع حتى إكمال الفكرة.
وبعد أكثر من ساعتين...
اتَّجه يوسف سريعًا إليه، وسحبه بقوة:
_ادخل شوف مراتك، ليه ما دخلتش معاها؟.
هزَّ كتفه وقال بتقطُّع:
_رفضوا.
أشار يوسف إلى باب غرفة العمليات:
_ادخل شوف مراتك، يا أمَّا هدخل أنا.
قالها وهو يشير للممرِّضة: دخَّليه بقولِّك.
هبلَّغ الدكتورة الأوَّل.
تنفَّس إلياس بهدوء بعد خروج الممرِّضة تحمل الطفل:
_مبروك ولد.
سحب أقدامه بصعوبة مقتربًا من إسحاق الذي تناول حفيده وعيناه على الممرِّضة:
_شمس عاملة إيه؟.
_الدكتور معاها.
التفت إلى بلال ويوسف:
_شوفوا أختكم، مش قادر أتحرَّك.
أومأ يوسف واتَّجه إلى غرفة أخته، بينما ساعده بلال في الجلوس:
_عمُّو حاول تتنفَّس بهدوء، شمس كويسة إن شاء الله.
بعد فترة هرب بها الدم فُتح باب العمليات أخيرًا.
خرجت الطبيبة..
لكن ملامحها كانت مرهقة بصورةٍ أخافته أكثر.
توقَّف الياس يسند نفسه بصعوبة:
_ شمس؟!
لم تردّ فورًا.
وكانت تلك الثانية كافية لتسحق روحه.
شعر أنَّ قدميه لم تعد تحملانه..
حتى نطقت أخيرًا:
_ الحمد لله...
خرجت الكلمة..
فانهار الحائط الذي كان يقاوم به.
_ الأم بخير...والطفل بخير.
لم يسمع ما بعدها، اختنق بالبكاء فجأة.
بكاء عنيف.
بكاء رجلٍ عاش ساعتينِ كاملتين وهو ينتظر أن يخبره أحد إن كانت ابنته ستبقى كما هي...
أم ستنتهي خلف ذلك الباب المغلق.. حمد ربَّه بنوم ميرال بذلك المهدِّئ
أمَّا الطبيبة فأكملت بهدوء:
_ كانت من أصعب العمليات اللي عدِّت عليَّا الفترة الأخيرة...لكن ربِّنا لطف بيها.
ورفع رأسه نحو السماء، والدموع تملأ عينيه..
يهمس بصوتٍ مرتجف:
- الحمد لله...
بمنزل بلال..
كان الصغير يبكي بحرقة، وكأنَّه لم يبك من قبل.
حملته وظلَّت تتحرَّك به، في محاولاتٍ عديدة الاتِّصال برولا، ولكن لا رد..
اتَّجهت إلى أخيها وحاولت الاتصال به، ولكن الهاتف ما زال مغلقًا، شعرت بأنَّ هناك أمرٌ سيئ:
_يا ترى إيه اللي حصل؟.
جلست وحاولت أن تلهي الطفل بعدما فقدت صبرها، نظرت إلى رقم زوجها وقامت بمحاولةٍ أخيرة:
_يوسف...قالتها بصراخٍ وبكاء غير مسيطرة:
_ينفع كدا، أنا مت رعب، أومال لو مش قايلة لك طمِّني.
_ضي... الوضع هنا سيء، أنا قولت أرد علشان تطمِّني.
ارتجف قلبها من الخوف:
_إيه اللي حصل؟.
_شمس تعبت ونزفت في العملية، ولسة ما فقتش لحدِّ دلوقتي، أنا مش قادر أقف على رجلي من الرعب عليها.
_طيب أنا جاية حالًا.
_تمام.
تذكَّرت يوسف الصغير، وعدم وجود رولا:
_معقول رولا تكون راحت المستشفى، ومش رضيت تاخدني؟.
نظرت للصغير، وتحرَّكت إلى غرفته:
_تعال حبيبي أغيَّر لك، وننزل والله لأحاسب مامتك.
بعد قليل كانت تدلف إلى المشفى وهي تحمل الصغير...توقَّفت غرام سريعًا بعدما وجدتها تقترب منهما وهي تحمل حفيدها:
_حبيبتي حمد الله على السلامة..
ضمَّتها والدتها:
_الله يسلِّمك يا ماما...تلقَّت غرام حفيدها الذي بكى مرَّةً أخرى:
_مالك يا حبيبي...بتعيَّط ليه؟.
نظرت إلى ابنتها التي تركتها واتَّجهت تبحث عن زوجها، وجدته يقف بالداخل بغرفة شمس ومعه حمزة وميرال.
اقتربت تهمس اسمه...استدار إليها ثم تحرَّك..
خطت إليه سريعًا، كانت تعلم حالته ستكون سيئة خوفًا على أخته، ضمَّته وقالت:
_إنتَ كويس؟.
حاوط جسدها يهزُّ رأسه:
_الحمد لله، نظرت لسكون شمس ثم اقتربت منها:
_حبيبتي ألف سلامة...قالتها وانحنت تقبِّل جبينها، ثم نظرت إلى حمزة:
_حمد الله على سلامتها، ومبروك البيبي.
أومأ دون حديث، كان يحتضن كفَّ زوجته كأنَّها ستتركه.
ربتت على كتف ميرال التي تجلس بجوار ابنتها تمسِّد على شعرها بحنان:
_إن شاءلله هتفوق يا طنط، حمد الله على سلامتها.
_إن شاء الله حبيبتي.
رفعت عيناها إلى يوسف:
_كلِّ حاجة تمام، أكيد مش مخبِّي حاجة عليَّا؟.
_ماما هخبِّي عليكي إيه بس، إنتي سمعتي كلام الدكتورة، وقت وتفوق إن شاء الله.
بالخارج ارتفع بكاء الصغير وهو بيد غرام.
استمع بلال إلى صوت طفله، فخرج سريعًا..
وجد الصغير يبكي بين يدي والدته، أخذته رحيل في محاولةٍ لتهدئته ولكنَّه لم يهدأ.
اقترب منهما:
_فين رولا، ليه بيعيَّط كدا؟.
نظر الصغير لأبيه وازداد بكائه، فحمله يهدِّئه:
_اهدى حبيبي...اااااش، خلاص.
_فين رولا يا ماما؟.
_معرفش، أختك اللي جابته.
_ضي!..ليه أومال رولا فين؟!.
قالها بخروج ضي بجوار يوسف من الغرفة.
اتَّجه إليها متسائلًا:
_ضي، فين رولا؟.
هزَّت كتفها بجهل وقالت:
_معرفش...قالت لي من ساعتين هروح مشوار على السريع وخلِّي معاكي يوسف، اتَّصلت بيها ما بتردش، فكَّرتها جت هنا.
طالعها مستغربًا:
_راحت فين دي؟!.
أخرج هاتفه ولكن وجد شحنه فارغًا، أشار إلى يوسف:
_كلِّمها شوفها فين.
عند إلياس ويزن وأرسلان..
_الحمدلله يا إلياس، الدكتورة طمِّنتنا.
تمتم قائلًا:
_الحمد لله، كويس إنَّك جيت..
روح إنتَ ويزن، بلاش كلِّنا نبقى هنا، والمكان هناك فاضي.
_نطمِّن الأوَّل على شمس.
قالها يزن، هزَّ إلياس رأسه بالرفض:
_مينفعش يا يزن، هيَّ بقت كويسة، الكمبوند مفهوش حد، قالها بمغزى وهو ينظر إلى أرسلان.
توقَّف أرسلان وقال:
_تمام...هشوف إسحاق ونمشي.
بعد فترة كان يجلس بغرفة ابنته ينظر إلى شحوب وجهها، كأنَّها ذهبت للموت وعادت.
رفع كفَّها وقبَّله:
_حبيبة بابا كدا تخضِّيني عليكي، ياله افتحي عيونك.
نظر إلى ميرال التي تنحني تحتضن ابنتها، ثم ربت على كتفها:
_ميرال وحِّدي الله، البنت كويسة، الحمدلله عدِّت على خير.
_مش هطمِّن غير لمَّا تفتح عيونها.
فجأةً ارتفع رنين هاتفه:
_أيوة يا أرسلان؟.
_مصيبة يا إلياس.
انقبض قلبه، ابتعد قليلًا، رغم ثقل جسده من الألم:
_إيه اللي حصل؟.
_كارما، مضروبة بالنار في شقَّة بلال في وجود رولا وآسر، متَّهمين بقتلها.
هنا شعر إلياس بدوران الأرض به، حتى كاد أن يُغشى عليه:
_أنا جاي...قالها واقترب من ميرال:
_ميرال عندي مشوار مهم، لمَّا شمس تفوق بوسيهالي.
رفعت عيناها إليه:
_معقول هتسيب البنت وتمشي في ظروفها؟!.
انحنى يقبِّل جبين ابنته:
_غصب عنِّي حبيبتي، يوسف معاكي مش هيسيبك.
قالها وتحرَّك للخارج سريعًا، ثم رفع هاتفه:
_مالك..تكون في قسم الشرطة( )
خلال عشر دقايق، وكلِّم المحامي.
_إيه اللي حصل؟.
_لمَّا تيجي هتعرف...
عند إسحاق بالخارج:
_شوفت مامتك فين؟.
أشار إلى غرفة الأطفال وقال:
_بتشوف الولد...اقترب منه إسحاق:
_هتسميه إيه يا حبيبي؟.
مسح على وجهه يكاد يسحب أنفاسه بصعوبة:
_معرفش يا بابا، مفكَّرتش في اسمه، لمَّا مامته تقوم بالسلامة.
ربت على كتفه بهدوء:
_إن شاء الله هتقوم بالسلامة، الدكتورة طمِّنتنا..ادخل شوف ابنك، اطمِّن عليه.
اتَّجه بنظراته إلى خروج إلياس من المشفى وهو يتحدَّث بهاتفه:
_فيه إيه، إلياس مشي ليه قبل ما بنته تفوق؟.
_معرفش...أكيد حصل حاجة، اتِّصل بيه وشوف إيه اللي حصل.
رفع إسحاق هاتفه واتَّصل بأحدهم:
_إيه اللي حصل في حي الشافعي؟.
أجاب الآخر ببعض الكلمات، ليهبَّ من مكانه فزعًا:
_إزاي دا حصل، والبنت ماتت؟!.
الفصل 75
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
عاد الزمن يدور دورته من جديد، وكأن الساحة التي هدأت يومًا تستعد لاستقبال عاصفة أخرى.
هناك من ظن أن المجد انتهى، وأن الأسماء التي كانت تتصدر الحكايات أصبحت مجرد ذكرى، لكن بعض النجوم لا تأفل، وبعض الملوك لا يتنازلون عن عروشهم مهما طال الغياب.
وفي زاوية أخرى من الحكاية، كانت القلوب تكتب حكاياتها الخاصة؛ قلبان يعيشان نعيم الحب وكأن العالم خُلق لأجلهما وحدهما، وقلب يواصل خوض معركته، متمسكًا بما يحب رغم أن الرياح لا تجري كما يشتهي، وآخر يحدق في معجزة صغيرة جاءت إلى الحياة لتغير ملامح حياته إلى الأبد.
أما البعض، فكانت المسافات والحواجز أقوى من رغباتهم، يقفون على طرفي الحلم دون أن يستطيعوا العبور. وبين كل ذلك، بدأت قلوب أخرى تخفق بإيقاع جديد، إيقاعٍ خافت في البداية، لكنه يحمل وعدًا بقصة لم تُكتب فصولها بعد.
فهل تكون العودة بداية انتصار جديد... أم أن الأيام تخفي خلف أبوابها ما سيبدّل موازين الجميع
وصل إلياس إلى قسم الشرطة برفقة يزن وأرسلان.
ما إن توقَّفت السيارات حتى ترجَّلوا جميعًا على عجل.
اندفع يزن إلى الداخل بخطواتٍ متعثِّرة، وقلبه يخبط داخل صدره بعنف حتى كاد يسمعه، فمنذ اتِّصال آسر به وهو يشعر وكأنه انتُزع من واقعه وأُلقي في عالمٍ آخر لا يفهم منه شيئًا.
كلمات ابنه ما زالت تتردَّد داخل رأسه بلا توقُّف:
"إحنا متَّهمين بالقتل."
جملة واحدة كانت كفيلة بأن تسحب الأرض من تحت قدميه.
في الخلف، كان إلياس يسير بجوار أرسلان بوجهٍ متجهِّم وعينين مضطربتين:
- إيه اللي حصل بالظبط، وإزاي رولا وآسر كانوا مع بعض هناك؟
زفر أرسلان بقوة وهو يهزُّ رأسه:
_ معرفش..كل اللي عرفته إن آسر اتَّصل بيزن وقال إنهم متَّهمين بقتل كارما..كارما اللي بلال كان متجوزها.
توقَّف إلياس فجأة في منتصف الممر، وكأنَّ الكلمات صفعته:
_ إيه؟!
التفت إليه أرسلان:
_ اللي سمعته.
اتَّسعت عينا إلياس بذهول:
_ وفين الكلام ده؟
_ في شقَّة بلال القديمة.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم بدأ إلياس يربط الأحداث ببعضها وعقله يرفض استيعابها:
_بس..الشقَّة دي مش آسر أخدها بعد بلال؟
أومأ أرسلان:
_ أيوه.
_ وآسر أصلًا مبيروحهاش! لسه من يومين بيكلِّمني وبيقول عايز يغيَّر ديكورها، لأنها قريبة من مكتبه عن بتاعة العاصمة، يبقى إيه اللي حصل؟!
_طيب إيه اللي حصل بالظبط يا إلياس؟!
لم يجد الآخر إجابة.
فاكتفى بالإشارة نحو الداخل:
_ هنفهم كلِّ حاجة جوه.
بداخل مكتب الضابط...
كان المشهد كافيًا ليعصر القلب.
جلست رولا على المقعد وهي ترتجف بالكامل، أصابعها متشبِّثة بذراع أخيها بقوة وكأنها تخشى أن تُسحب منه في أي لحظة.
وجهها شاحب بصورة مخيفة، وعيناها متورِّمتان من كثرة البكاء.
كانت تبكي بانهيارٍ كامل، لا ترى أمامها سوى صورة طفلها.
طفلها الذي تركته بين ذراعي ضي، ولم تتخيَّل أنَّها قد تنتهي هنا.
ضمَّها آسر إلى صدره بقوة، يحيط كتفيها بذراعه يحاول تهدئتها:
_ رولا..اهدي يا حبيبتي، اهدي.
لكنها انفجرت في نوبة بكاءٍ أعنف:
_ إحنا هنتسجن يا آسر..هنتسجن!
شهقة مؤلمة خرجت منها وهي تهزُّ رأسها بعنف:
_ ابني..ابني زمانه بيعيَّط دلوقتي..أكيد بيدوَّر عليَّا.
انكسر صوتها تمامًا:
_ عايزة أروح لابني..والنبي يا آسر عايزة أروح لابني.
شعر آسر وكأنَّ قلبه يتمزَّق..لأوَّل مرَّة يشعر بالعجز ولا يعلم ماذا عليه أن يفعل.
كان ينظر الى هشاشتها بقلبٍ يصرخ، تجلس الآن كطفلة ضائعة ترتجف من الخوف.
ضمَّ رأسها إلى صدره وربت على شعرها بحنان:
- بصيلي.
رفعت عينيها الغارقتين بالدموع إليه..
فابتلع ألمه وقال بثباتٍ يحاول التمسُّك به رغم الرعب الذي ينهشه من الداخل:
_لا..مش هتتسجني، قولي لي إنتِ إيه اللي جابك الشقَّة؟.
روت له ماصار معها، كان يستمع إليها باهتمام، فقال بخبرته القانونية:
_الرسالة دي مسحتيها ولَّا لسة موجودة؟.
موجودة على التليفون، بس الظابط قفله وأخده.
مسح دموعها بإبهامه:
_طيب حبيبتي، بطَّلي عياط، أنا كلَّمت بابا وهوَّ جاي، وهتروحي معاه، متخافيش طول ما أنا عايش محدش هيقدر يلمسك بسوء.
ارتجفت شفتاها وهي تنظر إليه.
أمَّا هو فكان يخفي خوفه خلف ذلك الثبات.
لأنَّه في الحقيقة..لم يكن يفهم ما يحدث.
لم يكن يعرف كيف وصلت كارما داخل تلك الشقَّة..
ولا لماذا وُجد هو ورولا هناك..
ولا كيف تحوَّلت دقائق قليلة إلى كابوس يهدِّد بتدمير حياتهم جميعًا.
حاول أن يستعيد ما حدث، لكن رأسه كان أشبه بصفحة ممزَّقة لا تحمل سوى أجزاء مبعثرة من الذكريات.
آخر ما يتذكَّره أنه كان يتحدَّث مع مهندس الديكور، يناقشه في بعض التعديلات التي يرغب بإجرائها داخل الشقَّة..ثم انقطع كلَّ شيء.
فرك جبينه بألم، وكأنَّ الضغط على رأسه قد يعيد إليه ما ضاع، لكن دون جدوى.
توقَّف مع دخول والده:
_آسر...
هبَّ من مكانه فورًا، وكأنَّ صوت والده كان طوق النجاة الوحيد وسط ذلك الضياع.
ركضت رولا نحوه، ارتمت بين ذراعيه وهي تنتحب بعنف:
_بابا..الحقني..هيسجنونا!
اهتزَّ قلب يزن بعنف وهو يضمُّها إلى صدره.
ابنته ترتجف بين ذراعيه كطفلةٍ ضائعة.
مرَّر يده على رأسها بحنان وهو يحاول تهدئتها رغم الفزع الذي ينهش صدره:
_اهدي يا حبيبتي..مفيش سجن ولا حاجة..أنا هنا.
رفع رأسه ونظر بين ولديه، عيناه تمتلئان بالعجز والألم..لم يكن يرى متَّهمين أمامه..بل كان يرى أبنائه، فلذات كبده.
يراهما منهارين أمامه وهو عاجز عن انتزاع الخوف من قلبيهما.
ابتلع غصَّته وسأل بصوتٍ مبحوح:
_إيه اللي حصل يا بابا؟
تساءل بها بوصول إلياس وأرسلان.
رفع آسر رأسه نحوهما، بينما ازداد بكاء رولا:
_أنا عايزة أروح يا بابا..عايزة أروح لابني..ابني بيعيَّط.
شهقت بين كلماتها وهي تمسح دموعها بيدٍ مرتجفة:
_أنا عايزة ابني...
شعر يزن وكأنَّ قلبه يُعصر بين ضلوعه.
احتضن وجهها بين كفَّيه وقبَّل رأسها:
_هتروحي يا حبيبتي..والله هتروحي.
ثم أجلسها إلى جواره والتفت إليها مجدَّدًا:
_احكيلي..كنتوا هناك ليه؟
رفعت عينيها الحمراوين نحو أرسلان للحظة..نظرة طويلة، مرتجفة، مليئة بالخوف والصدمة.
ثم هبطت عيناها إلى الأرض، اختنقت الكلمات داخل حلقها.
ولم يخرج منها سوى البكاء، بكاء موجوع...كأنَّ روحها هي التي تبكي لا عيناها.
اقترب إلياس من آسر وقد بدت الصدمة واضحة على وجهه:
_إيه اللي حصل يا آسر، وإزاي أصلًا تبقى متَّهم في قضية زي دي؟
أغمض آسر عينيه لثوانٍ يحاول ترتيب أفكاره المبعثرة، ثم قال بصوتٍ متعب:
_أنا كنت مسافر قنا...والمهندس كلِّمني علشان يروح الشقَّة ويشوف التعديلات اللي اتفقنا عليها.
بلَّل شفتيه الجافَّتين وأكمل:
_وصلت هناك...وبعدها مش فاكر حاجة.
نظر إلى الجميع بحيرة حقيقية:
_والله العظيم مش فاكر.
قبض على شعره بعنف:
_حاسس إنِّ جزء كامل من اليوم اتمسح من دماغي.
ارتفع صوته للمرَّة الأولى وقد بدأ الذعر يتسلَّل إليه:
_صحيت على صراخ رولا، وكارما غرقانة في دمَّها وسلاحي جنبي ... والناس بتقول أنا ورولا متَّهمين في جريمة قتل.
ساد الصمت..صمتٌ ثقيل خانق.
لم يُسمع خلاله سوى شهقات رولا المتقطِّعة.
بينما وقف يزن ينظر إلى أبنائه وقلبه يتمزَّق.
ابنه الذي يبدو ضائعًا لا يفهم كيف وصل إلى هنا..وابنته التي انهارت بالبكاء
انحنى إلياس على ركبتيه أمام آسر، مثبتًا عينيه في عينيه مباشرة:
_اسمه إيه المهندس ده، وعرفته إزاي، وكان عارف إنَّك مسافر؟
أجاب آسر بإرهاق:
_السكرتيرة هيَّ اللي رشَّحته، طلبت منها مهندس ديكور وهيَّ اللي دوَّرت وجابتلي رقمه.
اعتدل إلياس قليلًا، بينما تدخَّل أرسلان فورًا:
_اسمه إيه المهندس ده، ومكتبه فين؟
_العنوان ورقم تليفونه عندي.
_رحتله قبل كده؟
_أكيد يا عمُّو، ومش أوَّل مرة نتقابل.
ساد الصمت لثوانٍ.
رفع أرسلان رأسه نحو إلياس الذي كان غارقًا في التفكير، ثم قال:
_كلِّم مالك، خلِّيه يشوف كاميرات العمارة كلَّها، أكيد النيابة شمَّعت الشقَّة دلوقتي، بس يشوف أي كاميرات خارجية أو محلَّات قريبة، يمكن نلاقي حد دخل أو خرج.
أومأ إلياس برأسه قبل أن يلتفت إلى آسر:
_آخر حاجة فاكرها؟
مرَّر آسر يده فوق وجهه:
_كنت بتكلِّم مع المهندس..وبعدها مش فاكر أي حاجة.
_يعني إيه مش فاكر؟
سأله أرسلان بحدَّة.
_يعني حرفيًا مش فاكر..كأنِّي اتفصلت عن الدنيا، فوقت على صوت رولا وهيَّ بتناديني.
التفتت الأنظار جميعها نحو رولا.
تساءل إلياس بهدوء:
_ورولا راحت هناك ليه أصلًا؟
خفضت رأسها أكثر، لكن آسر أجاب بدلًا منها:
_لأن حد بعتلها رسالة من رقم مجهول.
قطب إلياس حاجبيه:
_رسالة إيه؟
ابتلع آسر ريقه وقال:
_صورة لبلال مع كارما..وكلام يوحي إنِّ بينهم علاقة.
شهق يزن، بينما اشتعل وجه أرسلان غضبًا.
التفت نحو رولا قائلًا:
_ولمَّا توصلك رسالة زي دي تجري لوحدك؟!
ارتجفت شفتاها...ولم تقوَ على الحديث.
صاح ارسلان غاضبًا:
_دايمًا تهوُّر، دايمًا أخطاء وبنسامح، نفسي تفكَّر مرَّة واحدة.
دنا منها وانحنى يرمقها بنيرانٍ من عينيه:
_رايحة تثبتي إنِّ جوزك بيخونك، طب الذكية مفكَّرتش إنِّ بنت عمُّه كانت بتولد وهوَّ معانا، ولَّا عشقيته كانت وحشاه.
_أرسلان...
قالها إلياس بتحذير.
_إنتَ مش سامع البلاوي، رايحة لوحدها لشقَّة مقفولة عشان رسالة من رقم مجهول!..عايز أعرف عقلها فين.
انهمرت دموع رولا أكثر:
_أنا غلطت...
زفر أرسلان بقوَّة وأدار وجهه بعيدًا:
_شوف إزاي هطلَّعها من التهمة وهتبرَّر وجودها هناك إزاي، وخاصَّةً الشقَّة دلوقتي لآسر.
_بس رولا يا عمُّو وصلت بعد ضرب كارما.
رفع إلياس رأسه:
_إنتَ عرفت إزاي وكنت غايب عن الوعي؟.
_لأن رولا هيَّ اللي فوَّقتني..أنا كنت فاقد الوعي فعلًا لمَّا وصلت.
ساد الصمت..ثم أردف:
_دخلت لقتني واقع على الأرض، ولقت كارما مضروبة بالنار، حاولت تفوَّقني الأوَّل، وبعدها حاولت تنقذ كارما.
عقد أرسلان حاجبيه.
_وفيه حد يثبت الكلام ده؟
أومأ آسر:
_بنت عمِّ كارما.
نظر إليه الجميع باهتمام..
فأكمل:
_هيَّ اللي دخلت بعد رولا، وشافتها وهيَّ بتحاول توقف النزيف وتطلب الإسعاف.
تنفَّس إلياس ببطء:
_وده مش دليل.
قالها ثم نظر إلى رولا.
جلس أرسلان أخيرًا على المقعد وهو يفرك وجهه بعصبية:
_نشوف الكاميرا، بس ده ما يحلِّش المشكلة الأساسية.
نظر إليه يزن:
_أي مشكلة؟
أشار نحو آسر:
_إن صاحب الشقَّة هوَّ آسر.
ثم تابع بصوتٍ ثقيل:
_والجيران شافوا آسر ورولا جوه الشقَّة.
صمت الجميع:
_وكارما مضروبة بالرصاص.
ازداد شحوب الوجوه..
وأكمل:
_وآسر مش فاكر حاجة من وقت ما كان مع المهندس لحدِّ ما فوِّقته رولا.
أغلق آسر عينيه بإرهاق.
فقال إلياس بعد لحظات من التفكير:
_يبقى دلوقتي أهمِّ حاجتين... المهندس اللي كان آخر واحد مع آسر، وصاحب الرسالة اللي بعت رولا هناك.
رفع أرسلان رأسه وأومأ ببطء:
_بالضبط.
ثم نظر إلى آسر نظرة جادَّة:
_لأنِّ اللي حصل ده مش صدفة.
_تقصد إيه؟
سأله يزن.
فأجاب أرسلان:
_واحد بعت رولا للشقَّة في نفس الوقت اللي آسر كان فيه فاقد الوعي، وفي نفس المكان اللي حصلت فيه الجريمة.
ثم تابع :
_وده معناه إنِّ فيه حد رتَّب كلِّ دا، علشان بلال ورولا يُّتَهموا بالجريمة.
قاطعهم دخول العسكري:
_وكيل النيابة عايز المتَّهمين.
هبَّ يزن من مكانه:
_متَّهمين إيه، ولادي مش متَّهمين!.
_يزن اهدى، أشار إلى آسر:
_خد أختك وروح لوكيل النيابة، وإحنا هنتصرَّف.
دقائق مرَّت على الجميع بطيئة كأنَّها أعوام، حتى وصل راكان إلى المكتب الذي ينتظرون فيه.
دلف إلى الداخل بهيبته المعتادة ونظرته المريبة التي تبثُّ الصمت في المكان، فهبَّ الجميع واقفين احترامًا له..ألقى التحيَّة ثم اتَّجه نحوهم.
تقدَّم إليه إلياس وصافحه قائلًا:
_آسف يا راكان باشا، تعبتك وجبتك على ملا وشَّك.
هزَّ راكان رأسه بهدوء:
_ولا يهمَّك يا إلياس، المهم أعرف في إيه، بصراحة مفهمتش حاجة من التليفون.
بدأ إلياس يقصُّ عليه ما حدث منذ البداية، بينما استمع راكان باهتمام شديد دون أن يقاطعه، حتى انتهى.
عقد حاجبيه وقال:
_طيب..ومدام رولا راحت هناك في الوقت ده ليه؟
وقبل أن يجيب أحد، نطق أرسلان بحدَّة:
_علشان الأستاذة غبية.
استدار إليه يزن فورًا، وقد اشتعلت عيناه غضبًا:
_ومين اللي وصَّلها لكده يا أرسلان، مش ابنك؟
رفع أرسلان حاجبه ساخرًا:
_ابني! إنتَ مصدَّق اللي بتقوله ده؟
صاح يزن بفظاظة:
_أيوة، ابنك اللي خلَّاها متثقش فيه.
ضحك أرسلان ضحكة قصيرة خالية من المرح ثم قال:
_والله..حتى غباءها هتشيله لابني يا يزن؟
ثم اعتدل في جلسته وأكمل بنبرة قاسية أصابت الجميع بالصمت:
_تعرف مين اللي وصَّل بنتك لكده؟ إنتَ، من وهيَّ صغيرة كانت تغلط، وإنتَ عمرك ما حاسبتها..كلِّ مرَّة كنت تبرَّر لها.
اشتدَّت ملامح يزن، لكن أرسلان لم يتوقَّف:
_أوَّل مرة كانت هضيَّع نفسها، والمرَّة التانية ضيَّعت أخوها..والنهاردة بص إحنا وصلنا لإيه.
ثم نظر إليه مباشرة وقال ببرودٍ قاتل:
_افرح بإنجازاتك يا باشا.
انعقد فكُّ يزن بقوة، وارتجفت يداه من شدِّة الغضب:
_أرسلان محدش طلب مساعدتك.
وقف بينهما صائحًا:
_اتجنِّنتوا، طيب اعملوا للراجل الغريب حساب!.
تراجع يزن يمسح على وجهه بغضب، وارتفعت أنفاسه..
ربت إلياس على كتفه:
_اهدى، العصبية مش هتعمل حاجة، ثم التفت إلى أرسلان:
_وإنتَ كمان، الوضع مش متحمِّل.
جلس أمام راكان:
_آسف، الكل على أعصابه.
_متفهِّم الوضع، بس لازم الباشمهندس يسيطر على نفسه شوية، خلِّينا نفكَّر بهدوء.
رمقه إلياس:
_هيهدى، لازم غصب عنه يهدى.
توقَّف راكان أمام يزن:
_بعد الكلام دا، أكيد الحادثة مدبَّرة، علشان التوريط، وعلى ما أظن إنَّك المقصود يادباشمهندس، ماهو لو آسر، مكنوش اتَّصلوا ببنتك، ولو بنتك مكنوش ورَّطوا ابنك.
وفيه حاجة كمان لفتت نظري، الشقَّة اللي وقعت فيها الجريمة، بما إن مفيش حد عارف إنَّها بقت لابنك يبقى التوريط للعيلة.
سحب راكان المقعد وجلس بمقابلته:
_يزن حاول تتذكَّر، ليك عدواة مع حد؟.
كان يحتضن رأسه بين كفَّيه، وكأنَّه لم يكن موجودًا، وحديث راكان والماضي كلُّه أمام عينيه.
_باشمهندس.
رفع رأسه يطالعه وتمتم بخفوت:
_ما ليش عدوات مع حد، التفت إلى إلياس الشارد:
_معتقدش إن آسر له عدواة مع حد.
_طيب مش ممكن إحد الموكِّلين اللي ضدِّ قضاياه اللي بيترافع فيهم؟.
تساءل بها إلياس.
_معرفش..قالها صارخًا، بعدما فقد السيطرة.
ردَّ راكان وقال:
_لا..الموضوع مش مرتبط بآسر.
قاطعهم صوت العسكري:
_المتَّهمين خرجو يا باشا من عند عثمان باشا.
نهض راكان من مكانه وأشار إليهم:
_هشوف القضية ماشية لفين، وان شاء الله خير
توقف ارسلان وهو يحاول ربط الاحداث الاخيرة
_فيه حاجة اتأكد منها الأول ياراكان، لو كدا يبقى الموضوع مش عداوة مع غريب
_ارسلان.... صاح بها الياس الذي رمقه بنظرة ذات مغذى ثم توقف قائلًا
_المهم دلوقتي ياراكان شوف وكيل النيابة اللي ماسك القضية، مش عايز اسر يبات في الحجز، انا دلوقتي بطالبك كأب مش عايز الواد يبات مع المجر. مين
هز رأسه بأسف لالياس
_للاسف ماليش في المواضيع دي ياالياس، وانت عارف
استند على مكتبه وقال برجاء خاص
_هتعمل كدا بدافع الأبوة ياراكان، انا متأكد انك مصدق انه مظلوم
_مش مهم أنا، المهم القانون، الموضوع مترتب بذكاء للاسف
اعتدل الياس
_المجر. م دايمًا بيوقع بغلط تافه، وإن شاء الله خلال الاربع ايام دول براءئته هتظهر
_بتمنى ياالياس، دلوقتي الامل الاكبر في البنت
هز إلياس رأسه برفض
_ممكن مانطلعش منها بحاجة، زي ماقولت اللي رتب ذكي، يعني ممكن البنت مشفتش حاجة، زي مااسر مش فاكر حاجة
بالمشفى...
_يعني إيه قالت هروح مشوار؟!
صاح بها بلال بصوتٍ حاد مرتجف.
اقتربت منه والدته وربتت على ذراعه بحنان:
_حبيبي اهدى..يمكن راحت تشتري حاجة.
رفع عينيه إليها، ثم أشار إلى ساعة يده بعصبية واضحة:
_ماما..الساعة اتناشر بالليل! حضرتك مستوعبة أنا بقول إيه؟
تدخَّلت رحيل محاولةً تهدئته:
_بلال، ممكن تهدى؟ يمكن تليفونها فصل، أو الشبكة وحشة.
لكن كلماتها لم تصل إليه.
في تلك اللحظة ارتفع بكاء يوسف بقوة، فالتقطته والدته سريعًا، بينما مرَّر بلال يده في شعره بعجزٍ يكاد يفتك به:
_أنا لازم أرجع..ممكن ترجع ومتلاقيش ضي هناك، وتقلق على يوسف.
ربتت والدته على كتفه:
_طيب يا حبيبي..روح إنتَ، وأوَّل ما توصل طمِّنا.
أوقفته ضي قبل أن يتحرَّك، وقالت بهدوء رغم القلق الذي ينهشها:
_ممكن لمَّا ترجع متتخانقش معاها... أكيد رولا مستحيل تسيب يوسف إلَّا لأمر ضروري.
نظر إليها للحظة، ثم ضمَّ طفله إلى صدره بقوة:
_أنا مش زعلان منها يا ضي..أنا قلقان عليها.
ارتجف صوتها وهي تبتسم محاولةً طمأنته:
_إن شاء الله خير يا حبيبي.
نطقتها غرام هي الأخرى، لكن قلبها لم يكن مطمئنًا.
بينما كانت رحيل تحاول الاتصال برولا للمرَّة التي لا تحصى..
وفي كلِّ مرَّة..كان الصمت وحده يجيب.
غادر بلال أخيرًا وهو يحمل الصغير بين ذراعيه، بينما ظلَّت العيون تتابعه حتى اختفى..ساد الصمت للحظات، صمتٌ ثقيل..كأنَّه ينذر بشيء لا يريد أحد الاعتراف به.
جلست غرام مكانها وداخلها شعور مؤلم يتسلَّل ببطء إلى صدرها، شعور غامض لا تعرف له اسمًا، لكنَّه يضغط على قلبها بقوة.
جلست ضي بجوارها، ثم همست بصوتٍ خافت:
_ماما..أنا قلقت.
رفعت غرام بصرها نحو رحيل.
التي ما تزال تحدِّق في شاشة هاتفها بوجهٍ شاحب، وكأنَّها تنتظر أن يضيء باسم ابنتها في أي لحظة.
ابتلعت غرام قلقها وقالت لضي سريعًا:
_متقوليش كده قدَّام طنط رحيل... كفاية اللي هيَّ فيه، بلاش نزوِّد قلقها.
ثم أضافت محاولةً إقناع نفسها قبل ابنتها:
_يمكن شوية وترجع.
صمتت قليلًا، ثم التفتت إليها:
_إنتِ مروحتيش مع أخوكي ليه؟ ممكن تكون لسه مرجعتش، وهوَّ هناك لوحده.
نهضت ضي من مكانها وهي تنظر نحو غرفة شمس:
_هشوف يوسف الأول..ولو لقيت الوضع كده هروح، المشكلة إنِّ شمس لسه مفقتش، وكمان بابا مش موجود.
فجأةً تذكَّرت غرام أرسلان..
التقطت هاتفها سريعًا واتصلت به.
جاءها صوته بعد عدَّة رنَّات:
_أيوة يا غرام.
_أرسلان...إنتَ في البيت؟
ساد صمت قصير قبل أن يجيب:
_لا...أنا في مشوار مهم، لو مفيش حاجة ضروري نتكلِّم بعدين.
تجمَّدت للحظة من نبرة صوته..كانت نبرة جافة...متوترة...ومختلفة.
_أه..رولا خرجت من فترة طويلة ولسه مرجعتش.
لم يرد فورًا، ثم قال بصوتٍ بدا أكثر حدَّة:
_تمام..هشوف هيَّ فين.
_طيب متنساش...بلال هيتجنِّن عليها.
_قولت خلاص يا غرام...لازم أقفل.
قالها وأغلق الخط.
أنزلت الهاتف ببطء وهي تحدِّق في الشاشة السوداء.
شعرت أنَّ قلبها انقبض دون سبب واضح.
شيء ما حدث..كانت متأكِّدة من ذلك.
لكزتها ضي برفق بعدما لاحظت شرودها:
_ماما..فيه إيه؟
رفعت غرام عينيها إليها، وبداخلها خوف لم تستطع تفسيره:
_معرفش...
همست بها وهي تنظر إلى الهاتف بين يديها:
_بس أبوكي...أكيد فيه حاجة حصلت معاه..ثم تماسكت سريعًا وأضافت:
_قومي روحي لأخوكي، ولمَّا رولا ترجع طمِّنيني فورًا.
أومأت ضي برأسها:
_تمام...هشوف يوسف.
داخل الغرفة بدأ وعيها يعود إليها ببطء، تتحرَّك بين الألم والضباب الذي يلفُّ رأسها.
انتفض حمزة من مقعده فور أن لمح ارتجاف جفنيها، واقترب منها بسرعة وكأنَّ روحه كانت معلَّقة بتلك اللحظة.
انحنى يمسِّد على خصلاتها المرتَّبة وهمس بصوتٍ اختلط فيه الراحة بالخوف:
_شمس...حبيبتي...افتحي عيونك.
رفرفت أهدابها مرَّاتٍ عدَّة قبل أن تفتح عينيها بصعوبة، ما إن وقع بصرها عليه حتى همست اسمه بصوتٍ واهن:
_حمزة...
أغمض عينيه للحظة وكأنَّ تلك الكلمة أعادته للحياة، ثم طبع قبلةً طويلة فوق رأسها.
اقترب يوسف سريعًا وهو يبتسم:
_شموسة..حبيبة أخوها.
حاولت النظر إليه، لكن التعب كان أثقل من قدرتها على التركيز.
اقتربت ميرال واحتضنت كفَّ ابنتها بين يديها، تقبِّله بحنانِ أمٍّ كادت تفقد قلبها قبل ساعات:
_حبيبتي...إنتي كويسة، حاسة بإيه؟
تحرَّكت شفتاها بصعوبة:
_ابني...
توقَّفت تلتقط أنفاسها قبل أن تكمل بضعفٍ مؤلم:
_عايزة أشوف ابني...
مرَّرت ميرال أصابعها بين خصلاتها بحنان/
_شوية وهيجيبوه يا قلب ماما... المهم قوليلي حاسة بإيه؟
أغمضت شمس عينيها من شدَّة الألم وهمست:
_كويسة...
ثم ضغطت على بطنها باكية:
_بس بطني بتوجعني يا ماما...
ابتسمت ميرال رغم ألمها عليها:
_حبيبتي ده طبيعي..لسه والدة.
لكن دموع شمس انسابت رغماً عنها:
_بس بيوجع أوي...
نهض حمزة سريعًا، وكأنَّ صبره انتهى:
_أنا هجيب الدكتورة...لازم تعمل أي حاجة وتوقف الوجع ده.
أوقفته ميرال بهدوء:
_اصبر يا حبيبي...الألم طبيعي وهيهدى شوية بشوية...
توقَّف ينظر إليها، أومأت ميرال:
_علشان قيصرية، ساعتين تلاتة وتكون طبيعي.
_كتير أوي ياطنط، هتفضل تتوجع كدا.
_حبيبي مش ولادة، ثم نظرت إلى ابنتها:
_وشموسة هتتحمِّل علشان المامي لازم تكون صبورة.
عاد يجلس بجوار زوجته، أمسك يدها بين كفَّيه، ثم رفعها إلى شفتيه وقبَّلها برفق:
_أحسن مامي في الدنيا، تطلَّعت إليه مبتسمة:
_جبت إيه يا حمزة، ولد ولَّا بنت؟.
_ولد..همس بها حمزة، أغمضت عيناها
_الحمد لله، كلِّ اللي يجيبه ربِّنا كويس.
ابتسم إليها وقال:
_حمد لله على سلامتك يا روح قلبي...
أغمضت عينيها وهي تشدُّ على يده، كأنَّها تستمدُّ منه القوة لتتحمَّل.
في تلك اللحظة دوى طرقٌ خفيف على الباب، ثم دخلت ضي.
توقَّفت عند الباب لحظة وهي ترى شمس مستيقظة، فارتسمت ابتسامة على وجهها:
_شموسة...حمد لله على سلامتك يا حبيبتي.
اكتفت شمس بابتسامةٍ صغيرة بصعوبة.
اقتربت ضي من يوسف وهمست:
_يوسف...
التفت إليها، فشدَّته بعيدًا عن السرير قليلًا:
_أنا هرجع البيت.
قطَّب حاجبيه:
_دلوقتي؟
أومأت برأسها:
_بلال مشي ومحدش عارف حاجة عن رولا...وأنا قلبي مش مطمِّن.
زفر باختناق ثم أومأ:
_هوصلك.
_لا...هرجع بعربيتي.
تنهَّدت وهي تمسح دموعًا تجمَّعت بعينيها:
_كلِّمت بابا ومفيش أي خبر...ومش عارفة ليه حاسة إنِّ فيه حاجة غلط.
شرد يوسف للحظات ثم تمتم:
_يعني عمُّو ميعرفش هيَّ فين..ولا بابا كمان؟
هزَّت رأسها بالنفي.
قبض على فكِّه بقوة:
_إزاي رولا تختفي كده؟
_المهم لازم أمشي...الحمد لله إن شمس بقت كويسة.
_استني ثانية...عاد يوسف نحو والدته:
_ماما...بابا فين؟
رفعت ميرال رأسها عن ابنتها.
ابتسمت بحنان، ثم انحنت وقبَّلت جبين شمس:
_بابا قال أوَّل ما تفتح عينيها أبوسها مكانه.
ارتعشت شفتاها وهي تتأمَّل ابنتها، ثم نظرت إلى حمزة:
_خلِّيك جنبها...وأنا هروح أشوف الممرِّضة تجيب البيبي.
وقفت وسحبت يوسف معها إلى الخارج، و تبعتهما ضي.
توقَّفت ميرال أمام ابنها:
_بابا خرج من شوية...
ثم أضافت بقلقٍ واضح:
_ومعرفش ليه حاسة إن فيه حاجة حصلت..أبوك ميخرجش إلَّا إذا الموضوع كبير.
تنهَّدت ضي وعيناها تمتلئان بالدموع:
_يارب الموضوع ميكونش متعلِّق برولا...
التفتت إليها ميرال بسرعة:
_مالها رولا؟
تبادل يوسف وضي نظرة سريعة..
ثم قال محاولًا إنهاء الحديث:
_مفيش يا ماما...رولا راحت مشوار ولسه مرجعتش بس..
ضيَّقت ميرال عينيها:
_بس؟
أشاح يوسف بنظره:
_وإحنا قلقانين عليها.
وقعت عيني ميرال على رحيل التي كانت تقف بجوار غرام بصمتٍ مخيف، شاحبة الوجه، تضمُّ ذراعيها إلى صدرها وكأنَّها تحاول منع قلبها من الانهيار.
اقتربت ميرال منهما ببطء، بينما تحرَّك يوسف مع ضي نحو الخارج.
ربتت على ذراع ابنها قبل أن يغادر:
_شوف أبوك...وشوف عمَّك مالك كمان.
أومأ يوسف وهو يحاول إخفاء القلق الذي بدأ يلتهمه:
_حاضر...هوصَّل ضي وأرجع فورًا.
غادرا المشفى سريعًا...
بعد فترة خرج راكان من مكتب وكيل النيابة..
هبَّ يزن مقتربًا منه:
_إيه يا راكان؟.دلف إلى المكتب وجلس:
_بالنسبة لرولا هتطلع، علشان الكاميرات جبتها بعد ما دخلت، بس مش دلوقتي، لسة الإجراءت.
_طيب وآسر؟.
تساءل بها إلياس.
عاد راكان بجسده:
_لسة..الموضوع مش سهل ولا بسيط
ولسة عند رأيي دا انتقام شخصي، ممكن يكون عداوة شغل مع آسر، بس بالأكتر مع يزن.
توقَّف أرسلان وهو يحاول ربط الأحداث الأخيرة:
_فيه حاجة أتأكِّد منها الأوَّل يا راكان، لو كدا يبقى الموضوع مش عداوة مع غريب.
_أرسلان...صاح بها إلياس الذي رمقه بنظرةٍ ذات مغذى ثم توقَّف قائلًا:
_المهم دلوقتي ياراكان شوف وكيل النيابة اللي ماسك القضية، مش عايز آسر يبات في الحجز، أنا دلوقتي بطالبك كأب مش عايز الواد يبات مع المجر. مين.
هزَّ رأسه بأسف لإلياس:
_للأسف ما ليش في المواضيع دي يا إلياس، وإنتَ عارف.
استند على مكتبه وقال برجاءٍ خاص:
_هتعمل كدا بدافع الأبوة يا راكان، أنا متأكِّد إنَّك مصدَّق إنُّه مظلوم.
_مش مهم أنا، المهم القانون، الموضوع مترتِّب بذكاء للأسف.
اعتدل إلياس:
_المجر. م دايمًا بيوقع بغلط تافه، وإن شاء الله خلال الأربع أيام دول براءئته هتظهر.
_بتمنَّى يا إلياس، دلوقتي الأمل الأكبر في البنت.
هزَّ إلياس رأسه برفض:
_ممكن مانطلعش منها بحاجة، زي ما قولت اللي رتَّب ذكي، يعني ممكن البنت مشفتش حاجة، زي ما آسر مش فاكر حاجة.
نهض أرسلان وكأنه تذكَّر شيئًا بالغ الأهمية:
_إلياس..افتكرت حاجة مهمَّة!
استدار إليه الجميع، فتابع أرسلان وهو يخرج هاتفه بتوتر:
_فيه كاميرا ذكية في الشقَّة..أنا اللي ركبَّتها بنفسي وقت ما بلال كان قاعد هناك، يمكن تكون سجِّلت أي حاجة.
طالعه راكان باهتمام، ورفع هاتفه فورًا:
_قولًُهم يا أرسلان محدش يلمس أي حاجة..هكلِّم الظابط دلوقتي، وكلِّ الإجراءات لازم تبقى قانونية.
ثم التفت إلى إلياس بنظرةٍ جادَّة:
_المهندس ده أكبر خيط عندنا دلوقتي..والبنت اللي اتضربت، لو فاقت ممكن تدِّينا معلومة تقلب القضية كلَّها.
صمت لحظة قبل أن يكمل بنبرةٍ حازمة:
_إلياس، خلِّي كل حاجة تمشي بالقانون..أنا كلَّمت وكيل النيابة بنفسي، وكلَّمت محامي من المكتب عندي يتابع القضية متقلقش..راجل ثقة.
ثم أضاف:
_وهكلِّم جاسر الألفي يشوف لنا ظابط كفؤ يمسك القضية من أوِّلها لآخرها.
تنهَّد إلياس بامتنان:
_شكرًا يا راكان..تعبناك معانا.
اقترب راكان وربت على كتفه:
_ولا شكر ولا حاجة لكن أوعى تتهوَّر، اللي عمل كده أكيد كان عارف عواقب اللي بيعمله، بس أنا حاسس إن فيه حاجة غلط في الصورة كلَّها. هتابع القضية بنفسي..متقلقش.
ودَّعهم وغادر.
نظر يزن إلى إلياس وقد بدا الإرهاق على ملامحه:
_يعني رولا هتبات هنا..وآسر كمان؟
اقترب أرسلان منه وربت على كتفه محاولًا تهدئته:
_متقلقش، هتصرَّف..زي ما راكان قال، موضوع رولا سهل يتوضَّح، وآسر هكلِّم ناس تساعدنا لو احتجنا.
هزَّ إلياس رأسه معترضًا:
_لا يا أرسلان..راكان مارفضش يساعد. هوَّ بس مضطَّر يقول كده قدَّامنا..لكن أنا واثق إنه مش هيسيب آسر يتحبس..يمكن يقعَّدوه في مكتب الظابط لحدِّ ما الأمور تتِّضح.
وقبل أن يرد ارتفع رنين الهاتف..
نظر إلى الشاشة بسرعة ثم أجاب إلياس بسرعة فقابله صوت يوسف:
_بابا...حضرتك فين؟
ابتعد إلياس عن الجميع وخرج إلى الممر:
_أنا في القسم يا يوسف...قولِّي، أختك عاملة إيه؟
جاءه صوت يوسف:
_الحمد لله...فاقت.
أغمض إلياس عينيه للحظة، ثم قال:
_الحمد لله...
استمع الى حديث يوسف:
_المهم..حضرتك عرفت إن رولا لسه مرجعتش لحدِّ دلوقتي؟
صمتٌ قصير قبل أن يجيب إلياس بصوتٍ خافت:
_يوسف...رولا وآسر موجودين في قسم الشرطة.
ضغط يوسف على الفرامل بعنف حتى كادت السيارة تنحرف، وتجمَّد الدم في عروقه:
_إيه؟!
ابتلع ريقه بصعوبة:
_ليه؟..
أغمض إلياس عينيه للحظة قبل أن ينطق :
_متَّهمين في قضية قتل كارما...وكلِّنا هنا.
شهقة مؤلمة لتتسارع أنفاسه بصورة مرعبة.
_قتل؟!..
خرجت الكلمة من شفتيه كهمسٍ مميت:
_رولا وآسر...قتل؟!
لم يستوعب عقله ما سمعه.
جاءه صوت إلياس حادًّا:
_اسمعني كويس يا يوسف، متسيبش أختك لوحدها..مش عايز تهوُّر ولا رد فعل قبل ما نفهم اللي حصل.
أغلق يوسف عينيه بقوة محاولًا استجماع نفسه.
_بلال فين؟
_في بيته..لسه موصَّل ضي عنده دلوقتي، ارتجف قلب يوسف بعنف، وتابع:
_ دا بلال هيتجنِّن عليها يا بابا.
كيف سيخبرونه أنَّ زوجته متَّهمة في جريمة قتل؟
وكيف ستكون حالته عندما يعرف أن القتيلة هي كارما؟
مرَّر يده المرتجفة فوق وجهه ثم قال بصوتٍ مبحوح:
_أنا جاي حالًا.
_يوسف...استنى، هتيجي إزاي وتسيب أختك لوحدها؟
جاءه صوت يوسف حاسمًا رغم الإرهاق الذي ينهش جسده:
_جوزها معاها يا بابا...لازم أشوف آسر دلوقتي، شمس بقت كويسة والحمد لله.
تنهَّد إلياس بعمق، لكنه لم يجد ما يقوله.
أغلق الهاتف ببطء، وظلَّ للحظات جامدًا خلف المقود..عيناه مثبَّتتان في الفراغ، وأنفاسه متقطِّعة.
بعد وقتٍ قصير...
وصل إلى قسم الشرطة..ترجَّل من سيارته مسرعًا، ودلف إلى الداخل بخطواتٍ متلاحقة وقلبه يخفق بعنف.
بعينين مضطربتين أخذ يبحث بين الوجوه، حتى وقع بصره على يزن الجالس مع أحد الرجال الذي بدا من هيئته أنه المحامي.
تحرَّك مباشرة نحو والده:
_بابا...
استدار إليه إلياس فورًا، وما إن رآه حتى عقد حاجبيه بضيق:
_مش قولتلك خلِّيك مع أختك؟
_آسر ورولا فين؟
مسح إلياس على وجهه بإرهاق شديد، والغضب والعجز يأكلانه من الداخل:
_جوَّا..مع الظابط.
ثم أشار بيده نحو الخارج:
_ارجع عند أمَّك وأختك.
هزَّ يوسف رأسه رافضًا:
_عمُّو إسحاق هناك...وشمس بقت أحسن، شوية وهروح لها.
ظل َّإلياس ينظر إليه لثوانٍ، ثم انحنى يلتقط هاتفه من فوق الطاولة:
_خلاص..خلِّيك هنا، وأنا هروح لهم.
تحرَّك عدَّة خطوات، لكنَّه توقَّف فجأة واستدار إليه:
_قولت لبلال؟
هزَّ يوسف رأسه بالنفي:
_هقولُّه إيه؟ مقدرتش.
أومأ الياس وقال:
_تمام...أنا هكلِّمه.
اقترب إلياس منه وقال بجدية:
_حاول تسيطر عليه..مش عايزين أي غلطة دلوقتي عشان نعرف نتصرَّف.
أومأ يوسف بصمت، ثم ابتعد وهو يرفع هاتفه:
_أرسلان..وصلت لإيه؟
جاءه صوت أرسلان من الطرف الآخر متوتِّرًا:
_مالك والظابط بيتعاملوا مع الموضوع...والكاميرا شغَّالة الحمد لله.
_والكاميرا جابت إيه؟
تنهَّد أرسلان ببطء:
_رولا وصلت الشقَّة بعد ما كارما اتضربت.
أغمض إلياس عينيه وهو يهمس:
_الحمد لله...
لكن أرسلان أكمل بصوتٍ أكثر قتامة:
_للأسف..آسر دخل الشقَّة مع المهندس، وبعدها بدقايق الكهربا قطعت.
تجمَّد إلياس في مكانه:
_قطعت قدِّ إيه؟
_حوالي نصِّ ساعة.
صمت إلياس بأنفاسٍ مرتفعة..
ثم قال بصوتٍ مختنق:
_أوف...
مرَّر يده فوق وجهه بعنف:
_أرسلان، لازم تعرف مين اللي عمل كدا، سامعني.
_بحاول، شغَّال أنا ومالك وفريق الأمن، معرفش إزاي الكهربا قطعت في الوقت دا.
_إنتَ عارف دا معناه إيه؟
_عارف..دول حافظين كلِّ حاجة في العمارة، على العموم لسه في كاميرات العمارة يا إلياس..إن شاء الله هنلاقي حاجة.
_أرسلان..مش عايز كلمة واحدة تطلع عن ابن راجح.
ردَّ أرسلان متفاجئًا:
_ليه؟
ضغط إلياس على الهاتف بقوة:
_لازم أقابله الأوَّل.
ارتسمت نظرة قاسية في عينيه:
_عايز أعرف رجع ليه بعد السنين دي كلَّها..وعايز إيه بالظبط..
وبدعي ربِّنا ميكنش هوَّ اللي ورا دا، مش عايز اسم العيلة يوقع أكتر من كدا، مستقبل الولاد يا أرسلان.
_تمام يا إلياس.
وتابع بعدها بهدوء:
_كلِّم بلال بقاله فترة بيتِّصل بيَّا وبمالك، أكيد عايز يسأل عن رولا...وأنا هروح أزوِّد الحراسة على كارما، كلِّمت الدكتور، هيَّ خرجت من العملية بس بيقول نزفت كتير، لسة قدَّامنا تمانية وأربعين ساعة.
_طيب خلاص..أنا هتصرَّف مع بلال.
قالها وأغلق الخط.
في منزل بلال...
كان الهاتف بين يديه يحاول الاتصال بمالك ولكن لا يوجد رد، أعاد المحاولة:
_مشغول.
ضغط على أسنانه بقوة وألقى الهاتف فوق الأريكة بعصبية:
_هوَّ إيه اللي كلُّه مشغول؟!
ضرب كفِّه بالحائط المجاور:
_أعمل إيه دلوقتي؟!
راح يدور في المكان كوحشٍ حبيس:
_أنزل أدوَّر عليها فين؟!
نهضت ضي من جوار الطفل النائم، وقد غلب القلق ملامحها:
_بلال..اهدى.
أشارت إلى يوسف الصغير الذي نام أخيرًا بعد ساعاتٍ من البكاء:
_مصدَّقنا إنُّه نام.
لكن بلال لم يكن يسمع..كان عقله منشغلاةًا باختفاء زوجته.
أمسك شعره بكلتا يديه حتى كاد يقتلعه.
_هتجنِّن...
خرجت الكلمة ممزَّقة من صدره:
_مراتي معرفش عنها حاجة..والساعة داخلة على اتنين بالليل!
وفجأة..انهار وهوى جالسًا على الأرض..
واختنق صوته بالبكاء:
_أعمل إيه وأروح فين، يا ترى إنتِ فين يا رولا؟
أخفض رأسه بين كفَّيه:
_إيه اللي حصل لك..
ليه تليفونك مقفول؟.
ارتجف كتفاه بعنف وهو يحاول كتم ألمه.
وفجأةً نهض بعنف وسحب هاتفه:
_لازم أكلِّم بابا وعمُّو..لازم يردُّوا عليَّ.
لكن قبل أن يضغط الرقم، أضاءت الشاشة باسم إلياس.
تسمَّرت عيناه عليها، وأجابه فورًا:
_عمُّو...
ثم ابتلع ريقه بصعوبة.
استمع إلى صوت إلياس هادئًا على غير عادته.
هادئًا أكثر ممَّا ينبغي:
_بلال..إنتَ فين؟
انقبض قلبه فورًا:
_خير يا عمُّو؟
خرج صوته مرتجفًا:
_رولا كويسة؟
تردَّد إلياس لثانية..ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية ليشعر بلال أنَّ كارثة ما وقعت.
_كويسة يا حبيبي...
ثم أكمل:
_هيَّ مع آسر في قسم الشرطة.
تجمَّد الدم في عروق بلال:
_قسم الشرطة؟!
نهض واقفًا بفزع:
_ليه؟!
_متقلقش..حصلت مشكلة بسيطة مع آسر، وتليفونها فصل شحن.
تمتم بذهول:
_آسر ؟!.. إيه اللي حصل؟
أغلق إلياس عينيه بألم:
_لمَّا تيجي هتعرف..ثم أنهى المكالمة.
ظلَّ بلال واقفًا في مكانه لعدَّة ثوانٍ.
كأنه فقد القدرة على الفهم أو الحركة.
أو حتى التنفُّس..اقتربت ضي منه بقلق:
_بلال؟
رفع رأسه إليها ببطء.
ينظر إليها بوجهه شاحبًا بصورة أخافتها:
_آسر ورولا...
توقَّف صوته..ثم أكمل بصعوبة:
_في قسم الشرطة.
اتَّسعت عينا ضي بصدمة:
_إيه!! ليه؟
لكن بلال لم يجبها..أو لم يكن يملك إجابة..
انحنى يلتقط مفاتيحه..ثم اندفع نحو الباب..لا يرى شيئًا أمامه..لا يسمع شيئًا.
فقط سؤال واحد ينهش قلبه بلا رحمة:
ماذا حدث لرولا؟
ولماذا هي واسر بقسم الشرطة؟!
بقسم الشرطة..
طرق الباب ودلف، رفعت عيناها الحزينة للَّذي دخل، شهقت ببكاء ونهضت سريعًا:
_يو...سف
اقترب منها وهو يومئ برأسه للضابط:
_شكرًا لحضرتك...تحرَّك الضابط بعدما أومأ له، بينما تعلَّقت بذراعه تبكي.
حاوط أكتافها وتحرَّك إلى المقعد، أجلسها وجلس أمامها:
_بطَّلي عياط، وقولي لي إيه اللي حصل، أنا سايبك مع ضي، ليه خرجتي؟.
_فين بلال؟..
_لسة معرفش، أكيد بابا قالُّه وزمانه جاي.
بمنزل معتز
وقف أمام النافذة الزجاجية العريضة، ينظر للخارج بعينين تحملان ظلامًا أشد من الليل نفسه. كان أحد رجاله يقف خلفه يبلغه بما حدث، ظل هو صامتًا، يرفع كأسه إلى شفتيه ويرتشف منه بهدوء مريب.
أنهى الرجل حديثه، فأشار له معتز بيده أن ينصرف.
ما إن أُغلق الباب حتى استدار ببطء نحو مكتبه، ضغط زرًا صغيرًا فارتفع صوت التسجيل الذي كان ينتظره.
ضحك ضحكة طويلة باردة ارتجفت لها جدران الغرفة.
_ طخ... والله أخير يا ولاد الشافعي.
هز رأسه باستمتاع وكأنه مشروبه يتذوق به انتصارًا انتظره طويلًا.
- ولسه... دي أول قرصة ودن بس.
تحرك بخطوات واثقة نحو باب مخفي داخل مكتبه، فتحه ودلف إلى غرفة صغيرة لا يعلم بوجودها أحد.
أغلق الباب خلفه.. كانت الجدران مغطاة بالصور...صور للعائلة بأكملها.
إلياس.. يزن.. أرسلان... أسر.
بلال.. يوسف..رولا.. ضي
توقفت خطواته أمام صورة رولا
حدق بها طويلًا.. طويلًا جدًا.
كأن العالم كله اختفى ولم يبقَ سوى ذلك الوجه.
ارتفعت أنامله ببطء تلامس الصورة، ثم انسابت فوق ملامحها برفق مريض.
ابتسم وقال
_حلوة...همسها وكأنه يحدث نفسه.
_ حلوة كتير.... اقترب أكثر.
_ كتير أوي... وبحبك اوي اوي
تبدلت ملامحه للحظة، واختلط الإعجاب بالحقد داخل عينيه.
_ مكنتش ناوي أوصّل الأمور لكده.
تنهد ببطء.
_كنت عايز أبوكي بس...
قبض على حافة الإطار بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
_ بس أخوكي الغبي خلاني أغير الخطة.
أغمض عينيه للحظة، فعادت إليه ذكرى تلك الليلة... ليلة أقسم فيها أن ينتقم.
ليلة تحولت فيها الرغبة إلى هوس.
والانتظار إلى جنون.
فتح عينيه من جديد وحدق بالصورة.
_ وانتي...صمت قليلًا.
_ انتي اللي وصلتيني لكده.. لو فضلتي تشتغلي معايا، مكنش دا حصل، مكنتش عايز غير اشوفك واشم ريحتك، اللي لسة لحد دلوقتي مفيش ست قدرت تنسيني ريحتك
ظل يمرر يده على الصورة
_كنت واخدك طعم لابوكي، بس هزيتي معتز، اللي مفيش واحدة ست عملت فيه اللي عملته حتة عيلة، بس ملحوقة، هنتقابل... واللي معملتوش زمان هعمله، بس المرة دي وانتي صاحية وبتبادليني نفس الشعور
ذهبت ذاكرته لليلة التي حاول فيها اغتصـ ابها
قبل زواجها من بلال... وخاصة الليلة التي تعرضت فيها للأغتصاب
جلست رولا فوق المقعد تنتظر.
كانت تنظر إلى ساعة يدها، بدأ
القلق يتسلل إلى قلبها شيئًا فشيئًا.
التفتت إلى الرجل الجالس على المكتب امامها
_ هو المحامي اللي خالتو رؤى قالت عليه هيرجع إمتى؟
بادلها الرجل نظرة سريعة قبل أن يجيب بثبات مصطنع:
_ زمانه جاي... متقلقيش.
ثم أشار إلى الكوب أمامها.
_ اشربي العصير، شكلك مرهقة.. متقلقيش
أومأت برأسها بشرود.
رفعت الكوب إلى شفتيها وارتشفت منه قليلًا وهي تنظر إلى اللافتة المعلقة على المكتب:
"أبو المكارم للمحاماة والاستشارات القانونية"
اسم مزيف... ومكتب مزيف.
وكل شيء حولها كان كذبة كبيرة لم تدركها بعد.
في غرفة المراقبة...
كان معتز يتابعها من خلال الشاشة.
عيناه لم تفارقا وجهها لحظة واحدة.
راقب كل حركة.. كل نظرة.
كل نفس.. كأنها فريسته التي طال انتظار وقوعها في الشرك... مرت دقائق قليلة...
ثم بدأت الصورة تهتز أمام رولا.
رمشت عدة مرات... وضعت يدها على رأسها.
_ إيه ده...؟
همست بها بصوت متعب.
شعرت بثقل غريب يجتاح أطرافها.
ازدادت أنفاسها اضطرابًا.
حاولت الوقوف.. لكن قدميها لم تستجيبا.
تعلقت أنظار الرجال بها بصمت.
بينما كان معتز يبتسم خلف الشاشة.
ابتسامة مرعبة.
ابتسامة شخص يرى خطته تنجح حرفًا بحرف.
ارتجفت أصابع رولا.. انفلت الكوب من يدها.
وسقط أرضًا متناثرًا إلى عشرات القطع.
وفي اللحظة التالية...
تراخى جسدها بالكامل.. وسقطت فاقدة الوعي... أما معتز...فلم يتحرك.
ظل واقفًا أمام الشاشة يحدق بها في صمت.
ثم همس بصوتٍ منخفض مرعب:
_وأخيرًا يا رولا... وصلنا لأول الطريق.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة وهو يضيف:
_أشوفك بقى يا يزن... هتعمل إيه لما يوصلك فيديو ظريف، وبنتك في حضني.
_علشان تعرف تفكر قبل ماتقرب مننا تاني، كان المفروض انتقم منك من يوم مادمرت حياتي انت ومراتك وابوك الكـ لب، بس احسن... هنتقم واخد بنتك الحلوة، وابنك ياحرام هيتعد. م
انفجر ضاحكًا ضحكةً أجفلت من حوله، ثم رفع كأسه يرتشف منه قبل أن يلقيه بإهمال على الأرض، فتناثر الزجاج تحت قدميه.
أشار إلى الرجل الواقف أمامه قائلاً بلهجة آمرة:
_فين عقد الجواز العرفي
_على المكتب ياباشا
_اشار اليه وقال
_مش عايز مخلوق هنا... والبنت اللي في الأوضة التانية ادّيها أي فلوس وخلاص، مبقتش تهمني.
_تحت أمرك يا باشا.
انصرف الرجل على الفور، بينما اتجه معتز إلى الخارج.
كانت رولا ممددة على الأريكة، غارقة في غيبوبة لا تعلم عنها شيئًا. وقف أمامها لحظات يتأملها، ثم تقدم أحد الرجال ليحملها.
لكن دوّى صوت معتز في المكان كطلقةٍ نارية:
_برا... إياك تلمسها!
تجمد الرجل في مكانه، ثم تراجع بخوف.
انحنى معتز وحملها بنفسه، متجهًا بها إلى إحدى الغرف الداخلية. وضعها فوق الفراش بحذرٍ غريب لا يشبه القسوة التي تسكنه، ثم جلس إلى جوارها.
أزاح حجابها ببطء، وانسابت عيناه فوق ملامحها، مرت أنامله بين خصلات شعرها.
_حلوة أوي...
خرجت الكلمات منه أشبه باعترافٍ مريض.
_من أول يوم شوفتك عند رؤى وأنا مش قادر أخرجك من دماغي... كنتِ الحاجة الوحيدة اللي مقدرتش أوصلها، وكل ما كنتِ تبعدي كنتِ بتزيدي جوايا أكتر..
مال برأسه إلى الخلف، وعيناه تشتعلان بجنونٍ مخيف.
_بس خلاص... انتهى كل ده. أخيرًا بقيتي هنا... بين إيديا... ثم اقترب يدفن وجهه بعنقها، يستنشق رائحتها بوله، ثم بدأ يستبيح كل مايقابله، بمتعة الى أن طرق الباب بقوة.. نهض يصرخ بالطارق
_في ايه ياحيو ان
_البنت انتحرت ياباشا، ولقيتها ضاربة الراجل بالسكين، وواخدة تليفونه ومتصلة بالشرطة
_وانت كنت فين ياحيوان، هي ماتت
_لسة عايشة، بس احنا لازم نمشي ياباشا
قبل الشرطة ماتيجي
سحب ملابسه سريعًا، وخلال دقائق كان قد غادر البناية بعدما محا كل أثرٍ قد يربطه بما حدث. ترك رولا خلفه وقد بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا.
توقف للحظات أمام المبنى، عيناه تشتعلان غضبًا. كان يريد تحطيم كل ما تقع عليه يداه. لقد اقترب كثيرًا من تحقيق انتقامه، وكاد أن ينال ما خطط له منذ سنوات، لكنه خسر في اللحظة الأخيرة.
فتح باب سيارته وجلس خلف المقود، ثم قال ببرود:
_مش هنمشي إلا لما الشرطة تيجي.
مرت دقائق قليلة، حتى لمح سيارة بلال تتوقف أمام البناية. ترجل منها الأخير مسرعًا وركض إلى الداخل.
أشار معتز إلى الرجل الجالس بجواره وسأله:
_مين ده؟
_ابن عمها يا باشا... شكل البنت فاقت واتصلت بيه.
ظل يراقب المشهد بصمت، قبل أن يخرجه من شروده رنين هاتفه...
أجاب فورًا:
_أيوة.
جاءه صوت رجله من الطرف الآخر:
_رجالة الشافعي كلهم في قسم الشرطة، ووكيل النيابة هيكمل التحقيقات بكرة.
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه وهو يسأل:
_طيب... والبنت؟ ماتت ولا لسه؟
_خرجت من العمليات، بس حالتها مش مستقرة.
اختفت الابتسامة، وقال بلهجة حادة:
_تتصرف وتقتلها... مش لازم تعيش.
تردد الرجل للحظة قبل أن يجيبه:
_بس المستشفى بقت مليانة عساكر.
نفث معتز دخان سيجاره ببطء،
_البنت لو فاقت هتقول علينا، لازم تموت
_تحت امرك.. واحجز لي تذكرة على اول طيارة لأثينا مش ضامن الظروف
جلس وهو ينظر الى صورة كارما
_غبية، زي ماقال طليقك، اخدتي ايه غير انك بوظتي خطتي ودفعتي حياتك، بس مش مشكلة برضو طلعت بمكسب، وبدل ماكانت فضيحة ليزن وابنه، جريمة قتل
عاد إلى ذهنه كلمات كارما وهي تهدده:
"هروح أقول لإلياس باشا... وساعتها ابقى شوف هتعمل إيه."
ضحك بسخرية وهو يتمتم:
_روحي... وأنا هقتل بنت عمك، ومش بس كده... هولع فيكي حية. إنتِ شكلك غبية ومش فاهمة مع مين بتتكلمي.
ارتجف جسدها بقوة حتى شعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها. استدارت إليه وعيناها تمتلئان بالبغض والخوف.
_أنا مستحيل اعمل اللي بتطلبه
تقدم خطوة حتى أصبح واقفًا أمامها بطوله وهيبته المخيفة، ثم قال:
_هتعملي ومش بس كدا هتجيبي رولا كمان
صمت لحظة قبل أن يكمل بابتسامة مقيتة:
_لازم تفضحي المتر، وأكيد هتعرفي، وساعتها مش بس هبعد عنك... ده أنا كمان هديكي فلوس كتير، فلوس عمرك ما حلمتي بيها.
انحنى مقتربًا من أذنها وهمس:
_ومبروك عليكي الدكتور... لأن بعد اللي هعمله فيها، عمره ما هيبص لها تاني.
شهقت بصدمة، وتراجعت خطوة للخلف.
_إنت مين؟ وليه عايز تعمل فيهم كدا؟
اعتدل في وقفته وقال بحدة:
_مش شغلك. اعملي اللي بقولك عليه وبس.
هزت رأسها بقوة، والدموع تلمع بعينيها.
_مستحيل... أموت ولا أعمل اللي بتقوله.
تحولت ملامحه إلى القسوة، ثم قال ببرود مخيف:
_خلاص... إنتِ اللي حكمتي على نفسك.
رفع يده مشيرًا إلى أحد رجاله، تجمد الدم في عروقها وهي تدرك أن الكابوس الحقيقي قد بدأ للتو.
_احبسوها، لما المتر يجي.. وهتعمل برضو، ولو مش عملت اقتلوهم هما الاتنين مع صورة حلوة، خيانة طليقة الدكتور مع اخو مراته
دفعت الرجل بعيدا وحاولت الصراخ الا أنه
كمم فاهها، وهمس لها
_كدا كدا المتر هيموت بيكي من غيرم هيموت، فاسمعي الكلام انتي اولى، ثم وضع محرم بمنوم على انفها لتسقط بين ذراعيه، ثم قام بالاتصال على مهندس الديكور
_تتصرف وتجيب المتر خلال ساعة بأي حجة
_تمام
اغلق الهاتف، وبدأ يتجول بشقة كارما
_شوف اي كاميرات، واحذف كل حاجة من وقت مادخلنا
اتجه الى كندا المنكمشة، ثم انحنى يتلاعب بخصلاتها، انتفض جسدها تبكي بنحيب
_خايفة
اومأت له، ثم قالت
لو سمحت ابعد عننا، احنا مالناش دعوة بحاجة، واصلا بلال طلقها من زمان
أوماً معتز بسخرية وهو يرمقها بنظرة ازدراء:
شكلك فاهمة عن بنت عمك كويس.
أومات كندا بسرعة، والدموع تلمع بعينيها:
هي طيبة... ابعد عندا لو سمحت.
ارتفعت ضحكته الساخرة، بينما أشاح بوجهه عنها وكأن كلماتها لا تعني له شيئا.
مرت ساعتين بدت كأنها أعوام، حتى بدأت كارما تستعيد وعيها ببطء. رفرفت بأهدابها عدة
مرات، قبل أن تدرك أنها مقيدة الحركة.
رفعت رأسها بصعوبة، تتلفت حولها بفزع.
كان معتز يقف أمام النافذة، يراقب الخارج في صمت، ثم استدار فجأة وأشار إلى أحد رجاله.
انت عارف هتعمل إيه.
ثم التفت إلى كارما وقال ببرود
وإنت هتعملي اللي بقولك عليه.
رفع رأسه نحو الرجل وأرسل له نظرة ذات مغزى، جعلت الدم يتجمد في عروق الفتاتين.
هزت کارما رأسها بعنف وهي تصرخ
!لا... لا
في لحظة خاطفة، رفع الرجل سلاحه ووضعه بجوار رأس كندا.
شهقت الأخيرة، وانفجرت بالبكاء.
اقترب معتز أكثر وقال بصوت مخيف
هتروحي له... ولا ولا أموتها قدا. قدام عينك ؟
تسارعت انفاس كارما، ونظرت إلى كندا التي كانت ترتجف رعبا.
اعملي اللي يقولك عليه يلا.
مضت كارما عينيها لثوان، ثم فتحتها نتها وقد انكسرت مقاومتها خوفا . فا على ابنة عمها ... فكها
أي غلط هموتها
الرجل، امسكها من ذراعيها بعنف يضغط عليه
رايحة فين كده؟
خطت نحو الباب بخطوات متعثرة، لكنه أوقفها فجأة.
التفتت إليه بصمت.
ابتسم ابتسامة باردة وهو يتأمل هيئتها:
رفعت رأسها بعناد رغم خوفها:
مش هتروحي بالشكل ده.. البسي حاجة مغرية علشان تعرفي تتصرف صرفي معاه
مش هروح غير كده.
ظل يحدق بها للحظات، ثم لوح بيده بلا مبالاة:
ماشي... مش مهم.
اقترب منها حتى شعرت بأنفاسه الخانقة، ثم قال:
بس افتكرى... أي حركة غلط، وأنت عارفة الثمن.
ابتلعت ريقها بصعوبة وأومات.
بعد دقائق....
وصلت إلى باب الشقة المقابلة.
كانت يداها ترتجفان بعنف وهي تطرق الباب.
فتح المهندس الباب بعد لحظات، اشار اليها بالدخول، نظرت الاسر الذي : يرتشف شيئا ما وينظر
بالشاشة وهو يقول
الاشكال دي حلوة يا باشهمندس، رفع رأسه، وما إن وقعت عيناه عليها حتى عقد حاجبيه
بدهشة.
کارما ؟ عايزة حاجة ؟
رفعت نظرها إليه.
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، ووجهها شاحبا بصورة أثارت قلقه... فتوقف، شعر بالدوران
فتمسك بالمقعد، تراجعت
خلفها، ومن بعيد، كانت ترى ظل الرجل المختبئ يراقبها، والسلاح لا يزال موجها نحوها.
ارتجفت شفتاها... عادت برأسها على صوت اسر
مدام كارما... في ايه؟
فرکت كفيها المرتجفتين ببعضهما، وانسايت دموعها دون إرادة.
تقدم أسر خطوة نحوها وقد بدأ القلق يتحول إلى خوف حقيقي.. رغم ما يشعر به
بتعيطي ليه ؟ حصل إيه ؟
انكسرت نظراتها، ثم رفعت رأسها إليه
أسر... لازم تمشي من هنا فورا.
اتسعت عيناه بدهشة.
ليه ؟
صرخت وهي تبكي
هيقتلوك
في تلك اللحظة .. انطقات الأنوار فجأة.
وغرق المكان في ظلام دامس.
وساد صمت ثقيل لثوان بدت وكأنها دهر كامل .....
أفاق من شروده، وتراجع بجسده على المقعد ينظر إلى صورة كارما
بالمشفى
وصل الياس منذ قليل، دلف إلى غرفة ابنته، توقف الجميع واقتربوا منه
رولا يا الياس مرجعتش وبتصل بیزن ما بيردش
هكذا قالتها رحيل بصوتا مختنق
رولا كويسة هي مع يزن ما تقلقيش صديقتها عملت حادثة، وراحت تزورها
قالها وهو يقترب من ابنته
تمتم الجميع
الحمد لله الحمد لله كنا هنموت من القلق
وصل الى ابنته التي يحاوط جسدها حمزة وميرال في محاولة لتحركها، سحب حمزة بعيدا
بمشاكسة
انت ايه لازقة، وسع كدا...
مبروك يا احسن مامي في الدنيا
قالها وهو يسحبها يضمها بين ذراعيه، الفت بجسدها الذي تشعر بثقله على والدها
بابا حبيبي
حاوطها وحاول ان يحركها، ولكنها كانت تتأوه بألم
حبيبتي، باله، خطوة كمان
ماهي كانت بتمشي معايا، بس معرفش حضرتك لازم تطفي النور
امشى يلا من هنا، قال كانت بتمشى
الياس
تمتم بها اسحاق الذي توقف لدى الباب
اشار الياس الى حمزة
خد بالك منها
ضحکت میرال تلکزه
خد بالك منها، المهم لازم يعمل حاجة وخلاص يثبت فيها وجوده.. قالها حمزة بتقليد
ما تسكت، ولا يحلف عليك وياخدها معاه
مين دار ولا يقدر طيب خليه يقرب
توقف الياس عند الباب
طيب وحياة ابوك اللي واقف دا
اوقفه حمزة وهو يسحب شمس الأحضانه
ابوكي احسن اب في الدنيا ياشموس
ضحك الجميع عليه
خرج إلياس، وجد اسحاق يقف مع أحد الرجال
اتصرف عايز كل حاجة عنه
اقترب الياس منه وحدجه بنظرة صامتة فقال اسحاق
أنا مكنتش اعرف صدقني لسة عارف من ثلاث سنين بس
ثلات ستین یا اسحاق
محبتش افتح جروح اتفقلت من سنين، وخاصة البنت كاتبة اسم امها في جواز السفر
اوقفه الياس متسائلا
بنت.... هي بنت ولا ولا ولد، والسن قد ايه وايه اللي يخليكم تقولوا ولاد راجح
معنديش تفاصيل كاملة، بس طلبت لك كل حاجة
اقترب الياس يغرس عيناه بأعين اسحاق
مين اللي حاول يقتل كارما ويلبسها لابن يزن
بقسم الشرطة
جلست بمقابلة يوسف تقص له ماصار معها ببكاء
کور قبضته، يجز على اسنانه
يا شيخة اقولك ايه بس واحدة متهورة غبية
يوسف... غصب على
دار حول نفسه بالغرفة يمسح على شعره بعنف
لغصب عنك، عقلك فين نفسي اعرف انتي عايزة توصلي لايه اه قولي عايزة توصلي لايه
يوسف كفاية لو سمحت، اتصل ببلال
ضرب كفوفه ببعضهما
بلال ... بتقولي اتصل بيه
انحنى ينظر اليها
اقوله ايه يا استاذة تعالى شوف مراتك كانت رايحة تثبت خيانتك، فاتهمت بقضية قتل الله
ياخدك ياشيخة
وصل بلال امام القسم، ترجل من سيارته سريعا وهو يتحدث بهاتفه
عمو بيقولك مع بابا في المستشفى ازاي وهو قالي مع اسر في قسم الشرطة
توقفت غرام تستمع اليه باهتمام
يعني ايه
اقفلي يا ماما، لما اعرف انا الاول هقولك
وصل الى الداخل يسأل العسكري
لو سمحت، عايز اسأل عن شخص
اسأل هناك، هو اللي عارف كل اللي دخل من ساعات
تحرك سريعا إلى أن وصل لأحد الرجال
يسأل عن واحد اسمه اسر الشافعي، حصل معاه مشكلة
نظر للورقة أمامه
نفسي اعرف انتوا مش بتناموا اه اسر الشافعي هو اخته في مكتب حضرة الظابط جايين في
جريمة قتل
الفصل 76
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
ليس كل ما ينهزم في الإنسان يُرى، فثمة معارك تُخاض في الداخل بصمتٍ كامل، لا يسمع ضجيجها أحد. وهناك لحظات يقف فيها المرء أمام ما يؤلمه عاجزًا؛ لا يملك تغييرًا ولا انتقامًا ولا حتى تفسيرًا لما حدث. يكتفي بأن يحمل ثقله في قلبه ويمضي.
وأشد ما يرهق الروح أن تدرك الحقيقة متأخرًا؛ حين يصبح إدراكها بلا جدوى، ويغدو إصلاح ما انكسر أبعد من كل محاولة. عندها لا يكون الوجع في الخسارة وحدها، بل في الشعور بأن اليد التي امتدت يومًا للنجاة عادت فارغة، وأن الأمن الذي ظننته مأوى كان أول ما تهاوى عند العاصفة.
بعض الآلام لا تترك ندبةً ظاهرة، لكنها تغيّر هيئة القلب إلى الأبد، وتعلّم صاحبها أن الصمود أحيانًا ليس انتصارًا، بل مجرد قدرةٍ شاقة على الاستمرار.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اولا قبل القراءة، انا احتمال كبير اوقف الرواية الايام الجاية، عندي ظروف وتعبانة نفسيا، حقيقي كتبت الفصل تحت ضغط ومعرفش هيعجبكم ولا لا
غير طبعا الحماس صفر منكم
فرجاء شوية تقدير، مش طالبة غير انكم تدوسوا على النجمة، واتمنى ترشحوا الرواية في جروبات الفيس لانها تستاهل
رواية مرهقة وتقيلة جدا، واللي يقرأ بتمعن هيفهم المغذى من الرواية
للاسف الرواية لسة فيها احداث هتخلص امتى معرفش، لكن داخلين على قصة البطل الرابع، وكدا باقي قصة البطل الخامس... دعواتكم تخلص على خير
وتشجوني ارجع اكتب زي الاول
لاني في مرحلة فتوور فظيع وعدم شغف
نبدأ بسم الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقَّف بلال عند كلمات الرجل، وكأنَّ الزمن تجمَّد حوله:
مين اللي متَّهم بقضية قتل؟
وقبل أن يتلقَّى الإجابة، لمح يزن يقترب منه بسرعة:
_بلال!..إنتَ هنا من زمان؟
التفت إليه بلال بعينينِ تائهتين، تدوران في المكان بجنون:
_رولا فين يا عمُّو؟
قبض يزن على ذراعه وسحبه بعيدًا عن الرجل:
اسمعني كويس قبل ما تدخل لها..لو جاي تقطَّم فيها، يبقى ترجع عند أبوك أحسن.
رمقه بلال بعدم استيعاب:
_أقطَّم فيها!..ليه بتقول كده، هيَّ فين؟
صمت يزن للحظات، ثم نظر إليه طويلًا:
_ بابا...ليه عمل إيه، هوَّ إيه اللي بيحصل بالظبط؟
ضاقت عينا يزن بشك:
_إنتَ متعرفش اللي حصل؟
أعرف إيه، مش آسر خبط حد بالعربية ورولا راحت له؟
زفر يزن بقوة، ومسح وجهه بكفٍّ مرتجفة قبل أن يقول:
_اسمعني كويس...
وبدأ يقصُّ عليه ما حدث..
كلمة تلوَ الأخرى كانت تهوي فوق رأس بلال كالصواعق.
شعر بأنَّ الأرض تنسحب من تحت قدميه، وأنَّ أنفاسه أصبحت أثقل من أن يحملها صدره.
حتى همس أخيرًا بصوتٍ مختنق:
_رسالة!..رولا راحت هناك بسبب رسالة؟!.
رفع يزن حاجبه بمرارة:
_كنت مستنِّي إيه؟ ما هو إنتَ اللي وصَّلت الشك ده لجوَّاها.
اتَّسعت عينا بلال، وكأنَّ خنجرًا انغرس في صدره:
أنا!..ابتلع ريقه بصعوبة:
_أنا اللي وصَّلتها لكدا!!
ارتجف صوته أكثر.
صاح يزن:
_أيوة..ومش هعمل حساب للقرابة، إنتَ اللي وصَّلت ولادي لكدا.
سقطت كلماته ميتة بينهما.
ثم رفع رأسه فجأة وعيناه امتلأتا بالدموع:
_ولادك!!.
زمجر يزن بغضب:
_الستِّ لمَّا تتهم جوزها بالخيانة يبقى مش شايفة أمانها معاه.
_أمانها، وتشك!!.طب ليه، عملت إيه لدا كلُّه؟.م احضرتك عارف كلِّ حاجة، وخلاص الموضوع انتهى.
ابتلع ريقه وابتعد يهزُّ رأسه:
_طب لو هيَّ شاطرة كده وعرفت إنِّي بخونها...أو حتى شكِّت...للدرجة دي هروح أخونها في الوقت اللي بنت عمِّي فيه بين الحياة والموت؟
للدرجة دي بقيت رخيص في عينها؟
لم يجد يزن ما يقوله.
لأوَّل مرة يرى ذلك الانكسار في عيني بلال..لم يكن غضبًا..كان وجعًا خالصًا.
وجعُ رجلٍ أدرك متأخِّرًا أن المرأة التي يحبُّها كانت تحترق بالشك وعدم الأمان.
تحرَّك بلال بعدها بخطواتٍ ثقيلة، كأنَّ سنوات مرَّت فوق كتفيه في دقائق.
تتزاحم في رأسه عشرات الصور...
ضحكتها..دموعها التي تكسر قسوته.
نظراتها وكأنَّه عالمها كلَّه..شعر بغصَّة تكاد تخنقه..ورغم شعوره بالغضب منها إلَّا أن قلبه كان يدمى داخله وهو يتساءل:
_ماذا لو كانت تبكي الآن؟
ماذا لو كانت خائفة؟
ماذا لو ظنَّت للحظة أنه تخلَّى عنها؟
توقَّف أمام باب المكتب الذي توجد بداخله، ليجده مغلقًا وعسكريًا يقف أمامه:
_على فين؟
رفع بلال عينيه إليه..
كان يبدو كرجلٍ ضائع فقد طريقه.
خرج صوته مبحوحًا، بالكاد يُسمع:
_مراتي...
ثم أشار إلى الباب خلفه:
_مراتي جوَّا...عايز أطَّمن عليها بس.
قال العسكري بجمود:
_استنى هنا لحدِّ ما اللي جوَّا يطلع.
نظر بلال إلى الباب.
فقط باب واحد يفصله عنها...
لكنه شعر وكأنَّ بينه وبينها عمرًا كاملًا.
أسند رأسه للحائط خلفه، بينما صدره يحترق بالعجز..لأوَّل مرَّة في حياته...
لا يريد أن يشرح..حتى أنَّه لا يريد أن يدافع عن نفسه..كلُّ ما كان يريده هو أن يراها...
وأن يسمع صوتها يخبره أنها بخير.
لحظات قليلة، وخرج يوسف من الداخل..توقَّف أمام بلال، تبادلا نظرة صامتة، لكن خلف ذلك الصمت كانت أرواح كاملة تصرخ، لم ينطق أيٌّ منهما بحرف، وكأنَّ الكلمات أصبحت عاجزة عن حمل ما يشعران به.
تحرَّك بلال نحو الغرفة، يجرُّ قدميه جرَّاً، ورغم أن المسافة قصيرة إليها ولكنه يشعر بأنَّها امتدَّت أمتارًا من الخوف والوجع، دفع الباب بهدوء وأغلقه خلفه، فتوقَّفت أنفاسه للحظة.
كانت تجلس على المقعد، منكمشة على نفسها، تحتضن رأسها بين يديها، و تنساب دموعها بصمتٍ موجع، صمتٌ أشدُّ قسوة من أي صراخ.
ظلَّ واقفًا مكانه للحظات، عاجزًا عن الحركة..لم يكن يرى أمامه رولا حبيبته، بل كان يرى قلبه كلَّه ينهار أمام عينيه، رؤيتها بهذا الشكل كانت كفيلة بأن تهدم كلَّ ما يريد به عتابها، تسلَّلت رائحته إلى رئتيها..
رفعت رأسها ببطءٍ قاتل، بطءٍ مزَّق ما تبقَّى من صبره، فقد تسرَّب حضوره إلى قلبها قبل أن يصل إلى عينيها..وما إن التقت نظراتهما حتى انهار كلُّ شيء..
لم تعد قادرة على التماسك.
ارتفع نشيجها فجأة، وانتفض جسدها بالبكاء، كأنَّها كانت تنتظر تلك اللحظة فقط لتسقط.
أمَّا هو، فشعر أن كلَّ خطوة يخطوها نحوها تستنزف عمرًا كاملًا من روحه.
اقترب...ثم اقترب أكثر..حتى جلس بجوارها..هادئًا من الخارج، لكن في داخله كان بركانًا يلتهم نفسه..لم يسألها شيئًا.
لم يطلب تفسيرًا..فقط فتح ذراعيه وسحبها إلى صدره بقوَّة رجلٍ وجد روحه بعد أن كاد يفقدها.
وفور أن استقرَّت بين ذراعيه، انفجر بكاؤها أكثر.
دفنت وجهها في صدره وكأنها تهرب من العالم كلِّه إليه، وكأنها تبحث بين ضلوعه عن الأمان الذي سُرق منها.
أغمض عينيه وهو يضمُّها بقوة، حتى كاد يخفيها داخله:
_اهدي..خلاص..أنا هنا.
لكن صوته المرتجف خانه.
فهو نفسه لم يكن بخير...وهي لم تتوقَّف.
بل ازداد بكاءها حتى شعرت روحه أنها تتمزَّق مع كلِّ شهقة تخرج منها.
أبعدها قليلًا، واحتوى وجهها المرتعش بين كفَّيه، يمسح دموعها التي لم تتوقَّف.
كانت عيناها حمراوين، ممتلئتينِ بالخوف والوجع والانكسار.
فهمس وهو يكاد يختنق:
_حبيبتي...اهدي...قوليلي إيه اللي حصل...أنا جنبك ومش هسيبك.
هزَّت رأسها بعجز، وكأنَّ الكلمات أصبحت أثقل من أن تُقال.
ثم خرج اسمه من بين شهقاتها المكسورة:
_بلا...ل...
مرَّة...واثنتين...وثلاثًا...
كأنها لا تملك من الدنيا كلَّها سوى اسمه.
عندها انكسر آخر خيط من تماسكه.
مال نحوها وطبع قبلة مرتجفة على جبينها، ثم أخرى على عينيها الغارقتين بالدموع.
لم يكن يحاول إسكات بكاءها بقدر ما كان يحاول طمأنة قلبه هو...أن هذه التي بين ذراعيه ما زالت بين ذراعيه..
لكن الألم كان أكبر من الكلمات..
وأكبر من كلِّ محاولات التهدئة.
وحين استسلم أخيرًا، احتضنها بقوة وألصق رأسها بصدره، يمرِّر يده على ظهرها بحنانٍ موجوع.
وفي تلك اللحظة فقط...
شعر بسخونة دمعة تنفلت من عينه.
دمعة لم يحاول إخفاءها.
لأنه لأوَّل مرَّة منذ زمنٍ طويل، لم يكن يبكي ضعفًا...
بل خوفًا من فكرة أنه كان على وشك أن يفقدها.
ظلَّ يربت عليها بصمت، ويقبِّل رأسها بين الحين والآخر، حتى خفَّت شهقاتها تدريجيًا، وبدأ جسدها المنهك يستسلم للنوم..وغفت أخيرًا بين ذراعيه.
أمَّا هو...فبقي يحاوطها بحنانه، يضمُّها إليه وكأنه يحرس أنفاسها.
وعيناه معلَّقتانِ بوجهها الشاحب.
يراقبها في صمتٍ موجع، يدعو الله في سرِّه ألَّا يرى ذلك الانكسار في عينيها مرَّةً أخرى ما دام حيًّا.
_رولا...
لم تجبه.
خفض بلال عينيه إليها، فوجد أنفاسها قد انتظمت أخيرًا، وملامحها المرهقة استسلمت للنوم بين ذراعيه..أغمض عينيه للحظة، وكأنَّ قلبه يلتقط أوَّل أنفاسه منذ ساعات.
شدَّد ذراعيه حولها بحذر، يخشى أن يبتعد عنها ولو قليلًا فتفزع من جديد.
ظلَّ على حاله لا يتحرَّك، يراقب وجهها الشاحب، ثم أخرج هاتفه بهدوء واتَّصل بيوسف.
في الخارج...
كان يوسف يجلس إلى جوار يزن، يقصُّ ما توصَّلوا إليه في التحقيقات.
رفع يوسف رأسه فجأة وقال بقلق:
_يعني رولا هتمشي؟
أومأ يزن برأسه مجيبًا بصوتٍ مرهق:
_للصبح بس...وكيل النيابة لسه هيكمِّل التحقيق معاها، وكمان لازم نستنى كارما تفوق.
مرَّر يوسف يده على وجهه بقوة، يحاول إزاحة كابوسًا جاثمًا فوق صدره:
_ليه يا خالو، إيه اللي يخلِّيها تعمل كده بعد كل اللي حصل؟
تنهَّد يزن بوجع وهو يحدِّق في الفراغ:
_معذورة يا ابني...أيِّ حد مكانها كان هيعمل كده.
انتفض يوسف واقفًا فجأة:
_لا...مش أي حد!
التفتت إليه الأنظار.
وأشار بيده بعصبية:
_أي حد مجنون ومش بيفكَّر! دي لو فكَّرت بعقل طفل صغير كانت هتعرف إن فيه حاجة غلط...كانت هتشك!
أغمض يزن عينيه بقوة.
كان بالكاد متماسكًا..ابنه متَّهم...وابنته منهارة...وأخرى بين الحياة والموت...
وكل ما حوله ينهار.
فتح عينيه ببطء وقال بصوتٍ مخنوق:
_يوسف..أنا فيَّا اللي مكفيني، متجيش عليَّا إنتَ كمان.
تجمَّد يوسف مكانه للحظة، ثم جلس بجواره سريعًا:
_حقَّك عليَّا...والله ما قصدي.
ابتلع غصَّة حارقة وأكمل:
_بس دماغي هتنفجر...مين ممكن يعمل كده في آسر..هوَّ عمل إيه لكلِّ ده؟!
وقبل أن يجيبه أحد...
انفتح باب القسم بعنف.
دخل أرسلان يتقدَّمه مالك.
دفع المقعد بقدمه حتى أصدر صريرًا حادًّا، ثم جلس فوقه والغضب يتطاير من عينيه.
التفت إليه يوسف:
_في جديد يا عمُّو؟
هزَّ أرسلان رأسه بالنفي، ثم قال بوجه متجهِّم:
_الجديد إنِّ رولا ظهرت بعد اللي حصل لكارما بدقايق...وده كفاية يخلِّي المصيبة تكبر فوق دماغ آسر.
صمتٌ ثقيل كالرصاص.
ثم قال أرسلان وهو ينظر إلى يزن مباشرة:
_لازم تعرف ابنك كان شغَّال على إيه... القضايا اللي ماسكها...الناس اللي كان بيواجهها...كان بيتهدِّد ولَّا لأ.
رفع يزن رأسه ببطء، نظر إليه طويلًا..
ثم نهض واقفًا:
_أرسلان..قوم امشي.
ساد الذهول بين الموجودين
لكن أرسلان لم يتحرَّك...فكان قد فقد آخر ذرّة هدوء داخله.
_مش وقت زعل ولا كرامة يا ابن راجح!
ارتفع صوته كالرعد:
_فوق يا يزن!
دفعه قليلًا وهو يكمل:
_المصيبة أكبر منِّنا كلِّنا! مستقبل ابنك بيتدمَّر قدَّام عينينا! ده لو ما كانش وقع أصلًا!
اشتعلت عينا يزن بالغضب.
لكن أرسلان لم يمنحه فرصة للكلام.
أشار بإصبعه نحوه بعنف:
_حتى لو طلع بريء، الشوشرة دي كلَّها هتفضل لازقة فيه!
ثم اقترب أكثر وقال بصوتٍ أكثر قسوة:
_ولو إنتَ زعلان ومحروق بالشكلِ ده... روح اسأل بنتك.
اتَّسعت عينا يزن.
وأكمل أرسلان بمرارة قاتلة:
_اسألها ليه هربت من الحراسة.
ليه خرجت لوحدها.
لمَّا هيَّ ذكية أوي كده، مفكَّرتش إن فيه حد عايز يوقَّع الدنيا بينها وبين جوزها!
انفجرت الكلمات كصفعة في وجه الجميع.
وقف يزن يحدِّق فيه...
وعيناه تمتلئان بنيران لو خرجت في تلك اللحظة لأحرقت كلُّ شيء حوله.
_أرسلان...
خرج الاسم من فم يزن كزئيرٍ غاضب.
اندفع نحوه ودفعه بعنف حتى تراجع خطوة للخلف، ثم أشار إلى الباب وعيناه تشتعلان:
_اطلع برَّة..مش عايز أشوفك قدَّامي.
ساد الصمت للحظة بينهما، لكن أرسلان لم يتحرَّك.. وقف في مواجهته مباشرة، رافعًا رأسه بعناد لا يقلُّ عن عناده..ثم سحبه من جاكتيه:
_ومين قال إنِّي قاعد هنا علشانك أصلًا؟
أشار بيده إلى الباب المغلق على رولا وبلال:
_أنا هنا علشان العيلة اللي كلِّ ما نحاول نلمِّ اسمها من الأرض تتبهدل تاني.
التفت حوله بغضبٍ مكتوم:
_بص حواليك يا باشمهندس...بص كويس.
ثم اقترب خطوة:
_مستقبل ولادنا كلُّهم في خطر.
اشتدَّت ملامح يزن بينما أكمل أرسلان بصوتٍ أكثر حدَّة:
_ابنك من كام شهر كان ماسك قضية لمجرم كبير، راجل عنده جيش محامين ومكاتب تقدر تقلب الدنيا..
أشار إليه بإصبعه:
_وراح لابنك...وابنك زيك بالظبط، دماغ ناشفة ومبيخافش من حد.
ثم أطلق ضحكة ساخرة بلا مرح:
_ولولا إنِّي وقفت في وشُّه وقتها، كان زمانه متورَّط في مصيبة أكبر من دي.
_عمُّو...مش وقته الكلام ده.
قالها يوسف محاولًا تهدئة الأجواء.
لكن أرسلان التفت إليه بعينينِ مشتعلة:
_اخرس إنتَ.
ثم عاد ينظر إلى يزن:
_مليون مرَّة قولنا ممنوع حد يخرج من غير حراسة...مليون مرَّة..
بس مين بيسمع؟
اقترب أكثر:
_إشمعنى ولادك همَّا اللي رافضين؟
ليه دايمًا شايفين إنِّ الكلام ده عليهم همَّا بس؟
وأشار إلى يوسف:
_ده دكتور كبير، ومع ذلك معاه حراسة.
عمري ما سمعته بيقول لأ.
إنما آسر باشا؟
كبر علينا كلِّنا..
محدش له دعوة بيا!
ثم مال على أذن يزن وهمس بصوتٍ جعل الدم يتجمَّد في العروق:
_المصيبة إنِّ المقصود مش إنتَ لوحدك...
اللي بيعمل كده بدأ بولادك لأنُّهم نقطة ضعف العيلة كلَّها.
فهمت دلوقتي يا باشمهندس؟
ظل يزن يحدِّق فيه للحظاتٍ طويلة.
هدوء مخيف سبق العاصفة..
ثم قال ببطء:
_ومش يمكن يكون ابنك هوَّ السبب؟
تجمَّد أرسلان..
فأكمل يزن ببرود أشدُّ قسوة من الصراخ:
_مش يمكن طليق البنت اللي ابنك عمل نفسه شهم معاها؟
مش يمكن تكون بلاوي ابنك هيَّ اللي جابتنا لهنا؟
اقترب منه وهو يتابع:
_فكَّر يا باشا...
ليه البنت دي بالذات اللي حاولوا يقتلوها
ليه الشقَّة دي؟
ليه بنتي؟
مش فكَّرت مرَّة إن السبب ممكن يكون ابنك
اتَّسعت عينا أرسلان بصدمة حقيقية.
وكأنَّها فكرة لم تخطر بباله...تراجع خطوة دون أن يشعر.. يفكِّر...يربط الأحداث..ويبحث عن ثغرة.
لكن يزن لمح ذلك التردُّد.
فابتسم بسخرية مريرة..
ثم جلس مكانه قائلًا:
_قول لعمَّك شكرًا على خدماته يا يوسف.
رفع عينيه إليه:
_محدش وصَّلنا للمستنقع ده غير تهوُّر ابنه.
اشتعل وجه أرسلان.. واقترب منه مرَّةً أخرى:
_والله ابني مضحكش عليك ولفِّ ودار..
إنتَ كنت عارف كلِّ حاجة من الأول.
ثم هزَّ رأسه بمرارة:
_بس ماشي...أنا الغلطان.
أنا آسف يا حضرة المهندس.
_عمُّو، كفاية...
قالها يوسف بيأس:
_ده مش وقت إنِّ كل واحد يمسك في التاني.
مسح أرسلان وجهه بعنف.
وكأنَّه يحاول السيطرة على غضبه.
بينما تدخَّل مالك أخيرًا:
_أرسلان...اهدى.
ثم نظر إلى يزن:
_وإنتَ كمان يا يزن.
الوضع أكبر من أي خلاف بينكم.
أنا اتكلِّمت معاك كتير في موضوع الحراسة...كتير.
وإنتَ كنت مصمِّم إن مفيش خطر على الولاد.
رفع يزن رأسه إليه.
كان التعب ظاهرًا في عينيه أكثر من الغضب:
_وخلاص يا مالك...اللي حصل حصل.
لو ده مكتوب هيحصل مهما عملنا.
تنهَّد بوجع:
_أنا مش ناقص لوم من حد.
وقبل أن يرد أحد...
ارتفع رنين هاتف أرسلان.
ابتعد عدَّة خطوات وأجاب سريعًا:
_أيوة يا إسحاق.
جاءه الصوت من الطرف الآخر:
_المهندس اختفى يا أرسلان، بس هبعتلك كشف كامل بكلِّ الناس اللي اتعامل معاهم الفترة الأخيرة.
_ابعت كل حاجة..كلِّ حاجة.
وعايز ملف كامل عنه من يوم ما اتولد.
_تمام...بس بصراحة مش شايفه هوَّ المدبِّر، الراجل شخصيِّته هادية وبسيطة.
_سيب الاستنتاجات دلوقتي.
عايز أعرف أسامة فين..
طليق البنت اللي كان متجوِّزها بلال.
_في السجن.
_تمام..
عايز كشف بكلِّ اللي زاره.
كلِّ مكالمة...كلِّ زيارة..كلِّ نفس دخله وخرج منه..مش عايز ثغرة واحدة.
صمت قليلًا يمسح على وجهه..
ثم أضاف أرسلان بصوتٍ خرج منه الخوف لأوَّل مرة:
_آسر لازم يطلع من أوِّل جلسة يا إسحاق..
لازم.
_أرسلان دي قضية قتل..مش سهلة.
أهمِّ حاجة دلوقتي البنت تفوق..
هيَّ الشاهد الوحيد تقريبًا.
أغمض أرسلان عينيه للحظة.
ثم سأل بصوتٍ منخفض:
_لسه مفيش تحسُّن؟
_أنا جاي من عندها حالًا.
والدكاترة...مش متفائلين.
أغلق الخط وبقي أرسلان واقفًا مكانه..
شاحبَ الوجه.. يفكر ماذا يفعل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد عدَّة ساعاتٍ من التحقيقات، خرجت رولا من القسم بخطواتٍ متعثِّرة، وكأنها لا تشعر بالأرض تحت قدميها..كان وجهها شاحبًا وعيناها زائغتين، تحملان صدمةً أكبر من أن تستوعبها.
فتح بلال باب السيارة وساعدها على الصعود برفق، ثم التفَّ إليها وجلس أمامها، للحظات ظلَّت صامتة تحدِّق في الفراغ.
مدَّ يديه يحتضن وجهها المرتجف بين راحتيه وهمس بحنانٍ موجوع:
_رولا...بصِّيلي يا حبيبتي.
ارتفعت عيناها إليه أخيرًا، وما إن التقتا بعينيه حتى انهارت، انهمرت دموعها بغزارة، وخرج صوتها متقطِّعًا بين شهقاتها المؤلمة:
_كارما ماتت..صح؟ أنا شوفتها يا بلال..شوفتها غرقانة في دمَّها... ماتت..كارما ماتت.
اهتزَّ قلبه لكلماتها، فمسح دموعها بإبهامه وهو يحاول أن يبدو ثابتًا رغم الألم الذي يعصف به:
_لا يا رولا..اسمعيني كويس، كارما عايشة، كلِّمت بابا وقالِّي إنها عايشة.
هزَّت رأسها بعنف ترفض ما يقوله وقالت بخفوت:
_أنا شوفتها...شوفتها بعيني..كانت ميِّتة..كانت ميِّتة يا بلال.
ثم أجهشت بالبكاء، تردِّد الكلمات نفسها كمن يعيش الكابوس مرَّةً بعد أخرى.
لم يجد ما يقوله، جذبها إليه وضمَّ رأسها إلى صدره بقوة، يربت على ظهرها محاولًا احتواء انهيارها:
_خلاص..خلاص حبيبتي..أنا معاكي... اهدي.
لكن شهقاتها كانت تزداد، وجسدها كلُّه يرتجف بين ذراعيه.
في تلك اللحظة، وصلت ضي وآسيا إلى القسم بعدما علمتا بما حدث، ما إن وقعت عيناهما على سيارة بلال حتى أسرعت ضي نحوها بلهفةٍ وقلق:
_رولا!
لكن قبل أن تصل، أمسك يوسف بذراعها برفق.
استدارت إليه بعينينِ دامعتين:
_سيبني يا يوسف..عايزة أشوفها.
نظرت نحو السيارة ثم أكملت بصوتٍ مرتعش:
_بابا كلَّمني وقال إن رولا أُغمى عليها في التحقيقات..أكيد تعبانة.
تنهَّد يوسف وهو يرمق السيارة بنظرةٍ طويلة، ثم أعاد نظره إليها:
_وعشان كده بالذات سيبيها دلوقتي.
_بس...
قاطعها وهو يفتح باب سيَّارته:
_تعالي حبيبتي، هنسبقهم على البيت..ثم استدار إلى آسيا:
_اركبي عربيتك، والحقينا.
ثم أشار إلى أفراد الحراسة الواقفين بالقرب منهم:
_خلِّيكم ورا عربية بلال.
أومأ الرجال بطاعة.
أمَّا ضي، فظلَّت تنظر إلى السيارة التي تجلس فيها رولا للحظات، وقلبها يعتصره الخوف عليها، قبل أن تستسلم لكلمات يوسف وتصعد معه.. بينما توقَّفت آسيا تنظر إلى قسم الشرطة، ثم اقتربت من يوسف:
_روحوا إنتوا، أنا هطلع لخالو...عايزة أطَّمن على آسر.
قالتها آسيا بصوتٍ متعب، وعيناها لا تزالان معلَّقتين بباب القسم.
أومأ يوسف بتفهُّم، ثم قال بجديَّة:
_خلِّي معاكي حارس، إحنا مش ضامنين الظروف.
هزَّت رأسها موافقة:
_حاضر.
استدارت وصعدت الدرجات بخطواتٍ سريعة، و قلبها يسبقها إليه.
في الطابق العلوي؛ كان آسر يجلس داخل مكتب الضابط برفقة يزن وأحد المحامين الذين أوفدهم راكان من مكتبه.
كان الإرهاق بادياً على وجهه، وعيناه حمراوتينِ من السهر والصدمة.
أغلق المحامي الملف الذي بين يديه مع كلمات آسر:
_لازم نعمل تحليل دم في أسرع وقت، قبل ما يعدِّي أربع وعشرين ساعة.
رفع المحامي رأسه إليه:
_تمام...بس ليه التحليل؟
مرَّر كفَّه على وجهه بإرهاق، ثم أسند رأسه إلى المقعد محاولًا استعادة ما حدث، لكن كلما اقترب من الذكرى، وجدها تتلاشى.
صورٌ مشوَّشة..أصوات متداخلة...
قال بصوتٍ مختنق:
_حاسس إنِّ المهندس حطلي حاجة... كلِّ ما أحاول أفتكر اللي حصل، بحس إن الأصوات بعيدة...وصوت كارما بس اللي في وداني..كانت بتقول حاجة، بس مش فاكر إيه.
ربت يزن على كتفه بحنانٍ ممزوج بالعجز:
_اهدى يا حبيبي..المحامي هيعمل كلِّ اللازم، وإحنا مش هنسيب حقَّك.
قبض آسر على خصلات شعره بعنف، وقد بدأ الذعر يتسلَّل إلى صوته:
_هتجنِّن يا بابا...مش فاهم إيه اللي حصل، آخر حاجة فاكرها إني كنت بتكلِّم مع المهندس..وشربنا قهوة سوا، بعد كده سواد..مفيش حاجة.
قطع رنين هاتف يزن الحديث.
أخرج هاتفه، وما إن رأى الاسم حتى تبدَّلت ملامحه:
_أرسلان.
أجاب سريعًا، ثم أغلق الهاتف بعد ثوانٍ.
التفت إلى آسر وقال:
_لازم أمشي دلوقتي، أرسلان عنده معلومة مهمَّة عن المهندس، بس مصرّ إني أروح له بنفسي في مكتبه.
رفع آسر نظره إليه:
_يعني عمُّو أرسلان مش عايز يبان في الصورة؟
زفر يزن ببطء:
_بالظبط...وده قالقني أكتر، مش عارف هوَّ بيخطَّط لإيه.
اقترب منه، وانحنى:
_اسمعني كويس...هتفضل هنا في مكتب حضرة الظابط، ومهما حصل متوافقش تنزل الحجز، راكان البنداري موصِّي عليك، وعمَّك إلياس كلِّم لواء هنا بنفسه، بس إحنا لسه منعرفش اللي ورَّطك مخطَّط لإيه.
ثم أردف بنبرةٍ خافتة:
_خد بالك من نفسك.
أمسك آسر بذراع والده قبل أن يبتعد، وسأله بصوتٍ مرتجف:
_ماما عاملة إيه؟
تجمَّد يزن للحظة، وشعر بغصَّةٍ حادَّة تخنقه، لكنَّه أخفى ألمه واحتضن ابنه بقوة:
_متفكَّرش غير في نفسك دلوقتي... ماما هتبقى كويسة.
خرج المحامي أوَّلًا، وتبعه يزن.
وفي الممر، توقَّفت خطواته عندما لمح آسيا تقف بقلقٍ واضح:
_آسيا! جيتي هنا إزاي؟
أشارت إلى الأسفل دون أن ترفع عينيها عنه:
_جيت مع ضي...هيَّ تحت مع يوسف.
ثم رفعت عينيها الممتلئتينِ بالخوف:
_آسر عامل إيه؟
أشار إلى الباب المغلق:
_جوه..هوَّ كويس يا حبيبتي.
تقدَّمت نحوه بخطواتٍ مرتجفة:
_ماما قلقانة أوي...وطنط رحيل منهارة، ممكن أشوفه ولَّا ممنوع؟
نظر يزن إلى العسكري الواقف أمام الباب:
_دي أخته، جاية تطمِّن عليه، خلِّيها تدخل.
وقف العسكري في مكانه وقال بجدية:
_كلِّم حضرة الظابط يا فندم، معنديش أوامر غير على حضرتك والمحامي.
اقترب المحامي خطوة، وقال بنبرةٍ حاسمة:
_بيقولَّك أخته..خمس دقايق بس.
نظر العسكري إلى آسيا، فرأى الدموع المحتبسة في عينيها، ثم أعاد نظره إلى يزن.
تنهَّد أخيرًا:
_تمام...بس محدش هيدخل بعد كده، ومفيش كلام كتير.
تنفَّست آسيا الصعداء، بينما ربت يزن على كتفها برفق:
_ادخلي.
وقبل أن تفتح الباب، اقترب يزن من العسكري، ووضع بعض النقود في يده دون أن يلفت الانتباه.
ثم قال بصوتٍ منخفض يحمل خوف أبٍ عاجز:
_خلِّي بالك منه...وممنوع أي أكل أو شرب يدخلُّه.
أومأ العسكري بصمت.
أمَّا يزن، فظلَّ واقفًا للحظات ينظر إلى الباب المغلق، وكأنَّ قلبه بقيَ في الداخل مع ابنه، قبل أن يستدير ويرحل مثقلًا بالخوف والألم على ابنه.
بالداخل..كان آسر يجلس على الأريكة ورأسه مستند إلى الخلف، وعيناه مغمضتانِ بإرهاقٍ شديد، وصورٌ متقطِّعة تهاجم عقله كأحلامٍ مشوَّشة؛ صوتٌ بعيد، فنجان قهوة، صرخة مكتومة، ووجه كارما الغارق في الدماء.
ضغط على رأسه بكفَّيه بعنف، وكأنه يحاول انتزاع المشاهد من أعماقه.
في تلك اللحظة، فُتح الباب بهدوء.
رفع رأسه تلقائيًا، والتفت نحو الداخل.
تجمَّدت عيناه عندما رآها.
كانت آسيا تقف عند الباب، تحدِّق فيه بعينينِ غارقتينِ بالخوف والانكسار.
قطب جبينه بدهشة وهمس بصوتٍ خافت:
_آسيا؟
ما إن سمعت صوته حتى انهارت دموعها التي كانت تحبسها منذ ساعات.
منذ علمت بما حدث، وقلبها ينهار بصمت..كانت تتمنى لو امتلكت جناحينِ لتصل إليه أسرع، لتراه بعينيها وتطمئنَّ أنه بخير.
لم تفهم كيف وصل بها الحب إلى هذا الحد، وكيف صار خوفها عليه أقوى من قدرتها على الاحتمال.
نهض آسر سريعًا من مكانه.
ولأوَّل مرَّة، سقطت الأقنعة بينهما.
لم يعد هناك برودٌ مصطنع، ولا كلماتٍ ساخرة تخفي ما يشعران به.
خفضت آسيا بصرها إلى الأرض، تحاول بكلِّ ما تملك ألَّا تلقي بنفسها بين ذراعيه.
لكنها فشلت.
رفع آسر ذقنها برفق، وأجبرها على النظر إلى عينيه:
_ششش...بطَّلي عياط، وقوليلي جيتي هنا إزاي؟
رفعت عينيها إليه، وما إن رأت القلق الصادق في ملامحه حتى أنهارت مقاومتها وارتمت بين ذراعيه باكيةً بشهقاتٍ مرتفعة.
أغمض عينيه بقوة.
نسي كلَّ شيء...القضية...الخوف... الاتِّهامات.
لم يعد يسمع سوى صوت بكائها بين ذراعيه.
هل تبكي خوفًا عليه؟
هل وصل بها الأمر إلى هذا الحد؟
مرَّر يده على شعرها وهمس مرتبكًا:
_آسيا..اهدي.
لكنَّها لم تستطع.
تشبَّثت به أكثر، تستنشق رائحته وكأنها تحاول أن تطمئن قلبها بأنه ما زال بخير.
أمَّا هو، فقاوم رغبته في احتضانها للحظات، قبل أن تستسلم دقَّات قلبه.
أحاط خصرها بذراعيه، وضَمَّها إليه بحنانٍ مرتجف.
وكأنه لا يصدِّق أنَّ متمردته العنيدة تقف الآن بين ذراعيه بهذا الاحتياج.
مرَّت دقائق صامتة، لكنها كانت كافية لتقول كل ما عجزت الكلمات عن قوله.
حتى همس قرب أذنها بنبرةٍ خفيفة، حاول بها كسر ثقل اللحظة:
_ياريتني اتسجنت من زمان.
ابتعدت عنه فورًا، تنظر إليه بفزع:
_بعد الشرِّ عليك! إنتَ كويس؟
ابتسم وهو يمسح دموعها بإبهامه:
_دلوقتي؟ كويس أوي...أوي يا بنت عمِّتي الغلباوية.
ابتسمت رغم دموعها، وابتعدت خطوة صغيرة:
_مع إنِّي مش فاهمة كلامك، بس مش مهم يا متر..مقبول منك أي حاجة.
ابتسم لها بحنانٍ موجع، ثم أمسك كفَّيها وجلس على الأريكة، وأجلسها بجواره:
_تعالي بقى، احكيلي...جيتي إزاي وإنتي متعرفيش حاجة هنا؟
لكنها لم تُجب...كانت تنظر إليه فقط.
تتأمَّل ملامحه وكأنها تراه بعد غياب سنوات، لا بعد ساعات.
شعر بنظراتها، فالتفت إليها.
التقت عيناهما..وفي تلك اللحظة، دار بينهما حديثٌ طويل لم تنطقه الشفاه.
حديثٌ فهمته القلوب قبل العقول.
همس آسر بصوتٍ خافت كاد يذيب ما تبقَّى من صمودها:
_وحشتيني.
ارتجفت شفتاها، وانفلتت دمعة جديدة من عينيها.
احتوى وجهها بين كفَّيه وسألها برفق:
_ممكن أعرف بتعيَّطي ليه؟
خرج صوتها مكسورًا:
_خايفة...خايفة يسجنوك، مين اللي عمل فيك كده يا آسر، وليه يورَّطك إنتَ؟
تأمَّل عينيها طويلًا، ثم سألها وكأنه يحتاج سماعها منها:
_خايفة عليَّا؟
لم تُجب.
اقتربت منه أكثر، ودفنت رأسها في صدره:
_هموت من الخوف عليك..من ساعة ما عرفت وأنا هتجنِّن عشان أطَّمن عليك.
تنهَّد آسر بعمق، ثم أبعدها قليلًا لينظر إلى عينيها:
_يا حبيبتي...مينفعش كده، مفيش بينا رابط رسمي، وأنا دلوقتي متَّهم ومش ضامن نفسي.
لكمته بخفَّة في كتفه، ومسحت دموعها بعناد:
_إيه الكلام المتخلِّف ده؟! بطَّمن عليك عشان إنتَ ابن خالي، مفهوم؟
رفع حاجبه بمكرٍ خافت:
_آه يا شيخة، طب احلفي بكتاب الله عشان أصدَّق.
ضحكت رغمًا عنها، ضحكة ناعمة مرتعشة، لكنها كانت كافية لتضيء قلبه للحظة.
ظل يتأمَّلها بحنانٍ عميق.
ثم عادت ملامح القلق إلى وجهها:
_عايزين يئذوك ليه يا آسر؟
تنهَّد، وأسند رأسه إلى ظهر الأريكة:
_هعرف يا حبيبة آسر...ولمَّا أعرف، هبقى أشكره.
نظرت إليه بحدَّة:
_آسر، بتكلِّم بجد.
ابتسم ابتسامة باهتة، ثم قال بصوتٍ مثقل بالحيرة:
_والله ما عارف يا آسيا...مش عارف مين اللي بيعمل كده، ولا ليه.
تردَّدت لثوانٍ قبل أن تسأله السؤال الذي يخيفها:
_طيب..إيه دخل كارما؟
اعتدل في جلسته، واختفت ابتسامته تمامًا:
_معرفش.
صمت لحظة، ثم أكمل بصدقٍ موجع:
_أنا عمري ما اتكلِّمت مع كارما أصلًا.
اسمعيني كويس، أنا مشفتش كارما، بس في نفس الوقت بتخيَّل إنَّها كانت واقفة قدَّامي وبتتكلِّم معايا، مش عارف ولا متأكِّد.
_يعني إيه؟!.
تنهَّد يمسح على وجهه:
_متاخديش في بالك..المهم ماما عاملة إيه طمِّنيني عليها.
عند رولا، كانت رولا ما تزال بين ذراعي بلال، تبكي بصمتٍ موجع، احتضنها أكثر علَّه يخفِّف عنها ما تشعر به.
لكن صورة كارما الغارقة في دمائها كانت قد استقرَّت داخل روحها.
وصل بعد قليل إلى الكمبوند كان الجميع بانتظارهما، سوى ميرال التي ذهبت مع ابنتها.
ترجَّل بلال من السيارة مع ركض رحيل التي تورَّمت عيناها من كثرة بكائها:
_حبيبتي عاملة إليه.
ماما..نطقتها ثم هوت بين ذراعيها، هرول بلال إليها، وحملها من بين ذراع رحيل التي صرخت باسمها.
وصلت غرام إليهم، مع وصول سيارة يوسف.
بقصر الجارحي..
ساعدها حمزة في التمدُّد بهدوء، ثم طبع قبلةً مطوَّلة على جبينها:
_حمد الله على سلامتك حبيبتي، حاسَّة بإيه؟.
_كويسة، الحمدلله، عايزة ابني، ما قولتش سميته إيه؟.
جلس على طرف الفراش واحتوى كفَّيها بين راحتيه:
_ما سمتوش، مامته هيَّ اللي هتسمِّيه، قولي بقى يا مامي يا جميلة ناوية تسمِّي ابننا إيه؟.
ابتسمت بحنان رغم تعبها:
_حبيبي اللي إنتَ عايزه، مفكَّرتش، بس أنا كنت حابة أسمِّي يوسف على اسم يوسف، بس بلال سبقني، فكلِّ الأسماء بالنسبالي واحد.
دلف اسحاق وهو يحمل حفيده:
_شوفوا أنا جبت لكم مين.
نهض حمزة يتلقَّى طفله من بين ذراع والده، بينما اقترب إسحاق من شمس، وانحنى يطبع قبلة فوق رأسها:
_حمد الله على سلامتك يا أمِّ حفيدي الحلوة.
_الله يسلِّمك يا عمُّو.
أخرج علبةً مخمليةً سوداء، فتحها ببطء ليظهر بداخلها عقدٌ ألماسيٌّ فخم من إحدى أشهر دور المجوهرات العالمية. انسابت حبات الألماس النقيّ في تصميمٍ راقٍ يلتفُّ حول العنق كخيطٍ من الضوء، تتوسَّطه قطعةٌ كمثرية الشكل أكبر حجمًا، تتدلَّى برقيٍّ ساحر،اقترب منها بابتسامةٍ يغمرها الفخر، وأغلق العقد حول عنقها برفقٍ قائلًا:
_هدية حفيدي الأوَّل.
رفعت أناملها تتحسَّس الألماس برهبةٍ ممزوجةٍ بالسعادة، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ دافئة:
_حلو أوي يا عمُّو، شكرًا لحضرتك.
ظلَّ يتأمَّلها للحظات، وقد زادها بريق العقد جمالًا، ثمَّ حوَّل أنظاره إلى حفيده وسأل بحماسٍ لا يخلو من الحنان:
_هتسمُّوه إيه؟.
رفعت عيناها إليه وقالت:
_سمِّيه إنتَ يا عمُّو، ماهو حفيدك برضو.
لمعت عيناه بالسعادة، فاتَّجه إلى حمزة الذي أومأ مبتسمًا:
_بس إيَّاك تسمِّيه إسحاق، عايز ابني فرفوش.
لكزه بخفَّة:
_إنتَ تطول يكون كاريزما زي أبوك يلا.
_كاريزما إيه يا إسحاق، هننصب على بعض، مين بس اللي ضحك عليك، دينا، فيه حد بيصدَّق دينا، دي عايزة كشف نظر.
_بقى كدا يا حمزة، بقى ماما كدا... قالتها دينا وهي تدخل بجوار ميرال تحمل طعامًا لشمس.
_أنا بسكِّت إسحاق بس يا ماما، إنتي ستِّ الكل وحبيبتي.
حمل إسحاق الطفل مرَّةً أخرى ونظر إليه:
_ايه رأيكم في تميم، نسمِّيه تميم.
نظر حمزة إلى شمس:
_إيه رأيك حبيبتي، حلو تميم؟.
_أوي.
حمله وأذن في اذنه، مع تكرار اسمه
بعد قليل، خلت الغرفة من الجميع، ولم يبقَ فيها سوى ميرال وشمس.
اقتربت ميرال من ابنتها، وجلست إلى جوارها، تمرِّر أناملها برفق بين خصلات شعرها:
_ شموس...إنتِ كبرتي دلوقتي، وفيه موضوع كنت مخبياه عنك يا حبيبتي، بس جه الوقت إنِّك تعرفيه.
نظرت إليها شمس بقلق، وقالت:
_ خير يا ماما؟
تردَّدت ميرال للحظات، وكأنَّ الكلمات تثقل لسانها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_ يوسف أخوكي...
انتفض جسد شمس، واتَّسعت عيناها خوفًا:
_ ماله!! حصل له حاجة؟
ربتت ميرال على شعرها بحنان، محاولةً تهدئتها:
_ لا يا حبيبتي هوَّ بخير..بس يوسف عنده مشكلة في الإنجاب.
شهقت شمس، ورفعت كفَّيها إلى فمها غير مصدِّقة، بينما انسابت دموعها بصمت:
_ يعني..مش هيخلِّف؟
تنهَّدت ميرال بحزن، ثم قالت:
_ ادعيله يا حبيبتي، عايزاكي تدعيله في كلِّ وقت..والأهم، محدش يعرف بالكلام ده، حتى جوزك.
أومأت شمس وهي تمسح دموعها:
_ يا حبيبي..كل ده شايله لوحده، يعني كان طلَّق ضي علشان كده؟
هزَّت ميرال رأسها بالإيجاب:
_ أيوه...بس ضي لمَّا عرفت، أصرِّت ترجع له، هوَّ مكنش راضي يرجَّعها، ومكنش يعرف أصلًا إنَّها عرفت الحقيقة.
ابتسمت شمس وسط دموعها:
_ والله ضي طلعت أصيلة أوي يا ماما.
تنهَّدت ميرال، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة:
_ ربِّنا يسعدهم يا حبيبتي..يوسف بيحبَّها أوي، وضحَّى عشان ميحرمهاش من إحساس الأمومة... وهيَّ من حقَّها تعمل أي حاجة بعد الطلاق، كانت موجوعة ومتخيِّلة إنه مبعدهاش غير لأنُّه مبقاش بيحبَّها.
صمتت قليلًا، ثم أضافت:
_ أخوكي زي أبوكي...بيشيل وجعه جوَّاه ومبيحكيش.
رفعت عينيها إلى شمس قائلةً بجديَّة:
_ المهم، عايزاكي تاخدي بالك من النقطة دي كويس..يوسف كلِّمني، وهوَّ جاي يطمِّن عليكي وياخدني...فاهمة قصدي؟
أومأت شمس سريعًا:
_ خلاص يا ماما، متقلقيش.
ابتسمت ميرال، ثم طبعت قبلة حانية على جبين ابنتها:
_ ربِّنا يخلِّيكوا سند لبعض حبيبتي.
مساءً، بمنزل بلال..
بعدما ساعدها على الاستحمام، وجفَّف خصلاتها بعناية، دسَّها أسفل الغطاء..انكمشت رولا داخل أحضانه، تحتضن كفَّيه تتشبَّث به خوفًا..
همست بصوتٍ مرتجف:
_ما تسبنيش..خلِّيك معايا، أنا عارفة إنك زعلان منِّي، صح؟
مرَّر كفِّه بين خصلاتها بحنان، رغم الغضب المختلط بالخوف الذي يعتصره:
_ حبيبتي، مش زعلان منك..يلَّا نامي... انسي أي حاجة، وافتكري بس إنِّك في حضني.
لفَّت ذراعيها حوله بقوة، فتمدَّد بجوارها، وسحبها إلى صدره، و أنامله تتحرَّك برفق داخل شعرها.
طرقات خفيفة على الباب، أعقبها دخول رحيل وهي تحمل صينية الطعام.
أشار إليها بلال أن تنتظر، ثم أبعد رولا عنه بحذر، ووضع رأسها برفق فوق الوسادة..وطبع قبلة فوق رأسها، ثم اعتدل:
_ نامت يا طنط..إدِّتها مهدِّئ، والنوم أحسن لها دلوقتي.
نظرت رحيل إلى الطعام بحيرة:
_ طب ما كانت تاكل الأوَّل.
أخذ منها الصينية ووضعها على الطاولة الجانبية:
_ لا...مش كانت هتعرف تاكل، أنا هنزل المستشفى ساعة بالكتير، فيه دكتور نفسي هكلِّمه ييجي يطَّمن عليها، وكمان هشوف كارما فاقت ولَّا لسه، وهأكِّد على الأمن إن محدش يدخل لها غير الدكاترة والممرِّضين الموثوق فيهم.
أمسكت رحيل بذراعه، وطالعته بعينينِ أثقلهما الخوف:
_ آسر هيطلع، صح يا بلال؟ طمِّن قلبي...وقولِّي إنِّ ابني هيخرج من القضية.
ربت على كفِّها بحنان:
_ إن شاء الله..يارب كارما تفوق، المحامي بيقول إنَّها شاهد مهم.
هزَّت رأسها بقلق:
_ ومين قال إنَّها هتشهد مع آسر؟
تنهَّد بلال قائلًا:
_لو شافت الحقيقة، هتقولها، أنا متأكِّد إنَّها مش هتخبِّي.
_ طب ما دام متأكِّد كده، روح وفوَّقها...خلِّيها تطلَّعه من الحبس.
ضمَّ رأسها إليه، وطبع قبلة فوق جبينها:
_ إن شاء الله، ادعيله بس..والأهم، ما تبعديش عينك عن رولا، المهدِّئ مفعوله هيستمر شوية، وأنا هرجع قبل ما تصحى..ويوسف مع ماما.
_ متتأخرش.
اتَّجه نحو الباب، والتفت إليها مبتسمًا ابتسامة باهتة:
_ إن شاء الله.
بالمستشفى...
دلف يوسف إلى غرفة العناية المركَّزة، وتوقَّف أمام الممرضة:
_ المريضة أخبارها إيه؟
ارتبكت قليلًا، وعدَّلت القناع فوق وجهها:
_ لسه زي ما هيَّ يا دكتور، العلامات الحيوية مستقرَّة من الصبح.
أومأ برأسه، واتَّجه نحو الفراش. انتقلت عيناه بين شاشة المراقبة وملفَّها الطبِّي، توقَّفت عيناه عليها، بعدما لمح
انخفاض لضغط الدم تدريجيًّا.. والنبض يتباطأ بصورة مقلقة.
اقترب أكثر، ووضع أصابعه على عنقها يتحسَّس النبض بنفسه..
عقد حاجبيه:
_ لا..فيه حاجة غلط.
رفع بصره نحو الممرضة، فوجدها تتراجع للخلف بتوتُّر.
وقبل أن ينطق، دوى صوت الإنذار الحاد داخل الغرفة.
ضغط زر الاستدعاء الطارئ فورًا.
دخلت ممرِّضة أخرى مسرعة:
_ فيه إيه يا دكتور؟
ثبَّت يوسف عينيه على الشاشة:
_ ضغطها نزل بسرعة، والنبض غير منتظم..جهِّزي جهاز الإنعاش حالًا.
هرولت الممرِّضة إلى الخارج، بينما أخذ يوسف يراقب تخطيط القلب.
بدأت الموجات تتعرَّج بعشوائية..
همس بقلق:
_ كده مش طبيعي.
وصل فريق العناية خلال ثواني:
_ الضغط كام؟
أجابت إحدى الممرِّضات:
_ سبعين على أربعين.
_ هاتوا أمبول أتروبين، وافتحوا المحلول.
وضع السماعة فوق صدرها، ثم رفع رأسه بسرعة...النبض ضعيف جدًّا.
فجأة، ارتفع صوت الجهاز بإيقاعٍ متواصل، وتحوَّل التخطيط إلى اضطراب حاد.
تجمَّدت الممرضة في مكانها:
_ دكتور...
أشار يوسف بحزم:
_ جهاز الصدمات..بسرعة!
دفع أحد الأطباء الجهاز نحوه، بينما استعدَّ يوسف للتعامل مع الحالة.
في الأسفل، ترجَّل بلال من سيَّارته وهو يتحدَّث عبر الهاتف:
_ أنا طالع أشوف كارما يا بابا..وأشوف دكتور نفسي لرولا.
جاءه صوت والده:
_ يوسف هناك.
أغلق باب السيارة وتحرَّك نحو المدخل:
_ عارف يوسف هناك، بس آسر قالِّي حاجة، ومش قادر أبطَّل أفكَّر فيها. لازم كارما تفوق..هيَّ الدليل الوحيد.
_ إن شاء الله، بس متتأخَّرش..ابنك مش ساكت لا مع المربيَّة ولا مع أمَّك، وضي لسه مرجعتش من الشغل.
زفر بلال باختناق:
_خلِّي ماما تودِّيه لرولا.
_ إنتَ مجنون!! هتودِّي طفل في الحالة اللي هيَّ فيها دي؟
مرَّر يده فوق وجهه بإرهاق:
_ بالعكس...يوسف الوحيد اللي هيقدر يخرَّجها من اللي هيَّ فيه..وأنا مش هتأخَّر.
تنهَّد والده بقلق:
_ بلال، ما تتهوَّرش، ومتمشيش ورا كلام آسر..هوَّ نفسه مش متأكِّد.
صمت بلال للحظات، وعيناه معلَّقتان بمدخل المستشفى:
_ هنعرف يا بابا، ادعي بس كارما تفوق... براءة آسر عندها.
ردَّ والده بصوتٍ خافت:
_ متكنش متأكِّد أوي..مش بعيد تكون هيَّ اللي بعتت لرولا أصلًا.
أغمض بلال عينيه للحظة، ثم قال بجمود:
_ سلام يا بابا...نتكلِّم لمَّا أرجع.
وصل بلال مع حركة الأطباء السريعة إلى غرفة كارما، فيما وقف أفراد الأمن أمام الباب يمنعون اقتراب أي شخص.
اقترب من مالك، الذي كان يقف خلف النافذة الزجاجية الفاصلة، وعيناه معلَّقتان بها في خوفٍ لا يهدأ:
_فيه إيه يا عمُّو؟
التفت إليه مالك، وقد بدت ملامح القلق واضحة على وجهه:
_وصلت على الحركة، بس يوسف جوَّا..وده مطمِّني شوية.
أومأ برأسه سريعًا، ثم اندفع إلى الداخل مع فتح الباب فكانت الغرفة تعجُّ بالأطباء والممرِّضين، بينما وقف يوسف إلى جوار الفراش، يراقب شاشة جهاز المراقبة الطبيَّة بعينينِ متحفزتين..بعد محاولته الفاشلة..
لمح يوسف شيئًا غريبًا، قطَّب حاجبيه وهو يحدِّق في أنبوب المحلول المتَّصل بوريدها.
كان السائل داخل الخط الوريدي معكَّرًا بلونٍ مختلف عن المعتاد.
رفع رأسه فجأة نحو الممرِّضة المناوبة:
_مين غيَّر المحلول ده؟
ارتبكت الممرضة، وتراجعت خطوة للخلف:
_أنا..أنا لقيته كده.
اقترب يوسف بسرعة، يفحص منفذ الحقن الجانبي، ليتوقَّف للحظة وقد اشتدَّت نظراته..كان غطاء المنفذ مثقوبًا حديثًا.
انتزع المحلول فورًا وأغلق الخط الوريدي:
_افصلوا المحلول حالًا!
نظر إلى طبيب الطوارئ بحدَّة:
_دي مش مضاعفات طبيعية..حد حقنها بحاجة.
صرخ بالممرِّضات:
_هاتوا عيِّنة من المحلول، وعينِّة دم فورًا! محدش يخرج من الأوضة!
تراجعت الممرِّضة خطوة أخرى، وارتجف جسدها:
_والله يا دكتور معرفش، مخرجتش غير لمَّا الدكتور طلبني.
التفت نحو الأمن الواقفين عند الباب:
_اقفلوا الدور كلُّه..ومحدش يسيب المستشفى.
في تلك اللحظة، عاد الجهاز يلتقط نبضًا ضعيفًا.
تنفَّس الجميع الصعداء، لكن يوسف لم يرفع عينيه عن شاشة المراقبة.
أعاد فحص حدقتيها، ثم قال بصوتٍ حاسم:
_النبض رجع..بس لو اتأخَّرنا دقيقة واحدة كنا خسرناها.
رفع نظره نحو الممرِّضة التي شحب وجهها تمامًا:
_هاتوا كاميرات الممر دلوقتي، حد حاول يقتلها..
رمق بلال المتوقِّف بصمت الممرِّضة، ثم رفع عيناه الى يوسف:
_إيه اللي حصل؟.
_هنعرف من التحليل، قالها يوسف وخرج.
بمنزل سارة..
كانت تقف أمام حمَّام السباحة تنظر إليه بشرود، قطع شرودها رنين هاتفها:
_أيوة.
_جبت لك كلِّ الأخبار يا أستاذة.
_يارب تكون أخبار حلوة يا علي.
_لا..متخافيش، كلِّمت ظابط رتبة، وجاب لي كلِّ حاجة، بس خلِّي بالك، أنا قولت له من طرف رئيس التحرير للقناة اللي حضرتك شغَّالة فيها.
_مش مهم، قولِّي إيه الأخبار.
_بصِّي يا ستِّي، دول عيلة كبيرة أوي، وليهم اسم في الدولة، وعرفت شوية كلام معرفش هينفعك ولَّا لأ.
جلست تستمع إليه بانتباه:
_قول كلِّ حاجة وأنا هعرف إيه اللي ينفعني وإيه لأ.
_أكبر واحد فيهم اسمه إلياس جمال الشافعي، ودا صاحب شركة إلياس للأمن العام، والتاني اسمه أرسلان جمال ودا له نادي رياضي متفرِّع في مناطق كتيرة، وشركة استيراد وتصدير..
قاطعته متسائلة:
_متأكِّد جمال الشافعي مش راجح؟.
_لا...ما أنا مكمِّلتش لحضرتك، فيه بقى لراجح الشافعي، ودا عرفت عنه إنُّه اتعد. م لأنُّه تبع جماعة إرهابية..
أطبقت على جفنيها، وشعرت بنيران تحرق صدرها:
_الكبير اسمه يزن راجح الشافعي، وواحد اسمه طارق، ودا عليه علامات استفهام كبيرة، وفيه بنت متجوِّزة ابن عمُّهم الكبير اسمها ميرال الشافعي، ودي كانت صحفية كبيرة، وبعدين اختفت فجأة وقالوا عملت حادثة وفقدت الذاكرة.
ظلَّ يقصُّ لها وهي تستمع إليه باهتمام، إلى أن أنهى حديثه:
_طيب ابعت لي عنوان يزن راجح.
_كلُّهم مع بعض في كمبوند آل الشافعي.
_ابعته.
توقفت تنظر للعنوان
_مش دا عنوان البنت اللي كان خاطبها نور
فتشت في هاتفها عن اسم ضي
رددت الاسم، لتشهق بعينًا متسعة
_معقول، نور كان خاطب بنت عمه ومنعرفش..
حاولت تذكر احدا قابلته يوم الخطوبة، ولكن خانتها الذاكرة
وصلت والدتها وهي تتحدَّث بهاتفها، ولكنها لم تشعر بها، جلست تنتظرها إلى أن انتهت، ظلت تراقب وقوفها، الى أن نادتها
_سارة... التفتت لوالدتها ورسمت ابتسامة:
_لسة صاحية يا ماما؟.
_اقعدي سارة، أريد الحديث معك.
جلست بمقابلتها تنظر إليها بقلق:
_أنا أزور معتز بكرة، إنتَ قولت أروح.
_معتز خارج مصر، سألت ورحت له قالولي برَّة مصر، هيجي بعد شهر.
_إنتَ اكذب على ماما سارة، خايفة من زيارة ماما لمعتز.
نهضت وجلست بجوارها:
_صدَّقيني حبيبتي، وكمان أبو عادل يرجع من السفر.
ـــــــــــــــــــــ
مساءً...بمنزل يوسف
دلف إلى منزله، كان السكون يخيّم على المكان. خطا يبحث عنها بعينيه، حتى قابلته الخادمة.
ـ حمد الله على السلامة يا دكتور.
أومأ لها، تناولت حقيبته، وعيناه تجولان في أرجاء المنزل.
ـ المدام فين؟
أشارت إلى الأعلى قائلة:
ـ طلعت فوق من شوية.
توقف لحظة قبل أن يسأل:
ـ هي اتعشت؟!
هزّت رأسها نفيًا.
ـ قالت هتستنى حضرتك.
ارتخت ملامحه قليلًا.
ـ تمام، جهزي الأكل وطلّعيه فوق.
ـ تحت أمرك يا دكتور.
صعد الدرج بخطوات مثقلة، يمسح وجهه بكفّه يشعر بالأرهاق. دلف إلى غرفته، فوجدها جالسة في الشرفة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتستند بذقنها عليهما، تحدّق في الظلام.
اقترب منها بعدما ألقى مفاتيحه جانبًا. ما إن شعرت بوجوده حتى رفعت رأسها إليه، فجلس بجوارها وسحبها إلى أحضانه.
لفّت ذراعيها حوله، تستنشق رائحته
_وحشتني أوي
ـ وانت كمان حبيبتي، قاعدة كده ليه؟..
رفعت وجهها إليه بعتاب طفولي:
ـطب اتأخرت ليه؟ مش قولت هترجع بدري؟
أبعدها قليلًا، وأحاط وجهها بكفيه، يتأمل عينيها الحزينتين
ـ آسف يا حبيبتي... الدنيا اتلخبطت في المستشفى، ومكنش ينفع أمشي غير لما أطمن على كل حاجة
أومأت بصمت، لكن حزنها كان أوضح من أي كلمات.
داعب وجنتها بإبهامه.
ـ مالك؟ عيونك حزينة ليه؟
تنهدت وهي تخفض بصرها.
ـ صعبانة عليا رولا أوي... من وقت ما رجعت وهي بتعيط، مقدرتش أقعد هناك.
ضمّها إلى صدره، وعانق أصابعها بين يديه.
ـ الموضوع مش سهل... دي شافت جريمة قتل بعينيها. ورولا أصلًا قلبها رهيف، دي بتخاف من الحقنة، تخيلي بقى تشوف حد بيموت قدامها.
ابتعدت قليلًا تنظر إليه.
ـ معرفش ليه عملت كده يا يوسف... أنا كنت معاها، لو قالتلي، عمري ما كنت هسيبها لوحدها.
أومأ، ثم نهض ينزع جاكيت بدلته.
ـ شديت معاها بسبب كده. متهورة وغبية... كانت ممكن تودي نفسها في داهية.
استدار نحوها، ونبرته ازدادت حدة.
ـ لو راحت وقت اللي كارما اتضربت فيه، كان زمانها محبوسة زي أسر.
اقتربت منه تساعده في فك أزرار قميصه.
ـ فيه أخبار عن كارما؟
مرر يده على وجهه بإرهاق.
ـ النهارده حد حاول يقتلها تاني... واضح إن في حد عايز يورّط أسر. مادام وصلوا إنهم يحاولوا يخلصوا عليها مرة تانية، يبقى الموضوع أكبر مما متخيلين.
شهقت ضي، واضعة كفيها على فمها.
ـ وعاملة إيه دلوقتي؟
ـ الحمد لله، لحقناها.
زفر بإنهاك، وأسند رأسه لرأسها للحظة.
ـ أنا هلكان من التعب... بقالي يومين منمتش. يوم في المستشفى مع شمس، ويوم مع رولا وأسر، والنهارده ختمتها هناك. حتى العملية أجلتها، مقدرتش أدخل أوضة العمليات بالحالة دي.
مدت يدها على وجهه، وارتفع بصرها إليه بحنان.
ـ اتعشى ونام... ووعد، مش هزعجك.
ضم رأسها إلى صدره، وطبع قبلة فوق شعرها.
ـ عاقلة طول عمرك يا روحي... بس كملي الجملة، عايزة إيه؟
ابتسمت بخجل، ولكمته بخفة في صدره.
ـ قفشتني يعني؟
رفع حاجبه مبتسمًا رغم إرهاقه.
ـ قولي يا ضي.
ترددت، وهربت بعينيها بعيدًا عنه.
ـ خايفة أتكلم وتفهمني غلط.
تنهد بصمت، واتجه نحو الحمام دون أن يجيب.
تبعته بخطوات مترددة، وتوقفت عند الباب تراقبه.
ـ ما هو إنت السبب... بقيت أخاف أتناقش معاك.
دلف إلى كابينة الاستحمام، ولا يزال صامتًا.
ضربت الأرض بقدمها بغيظ.
ـ شوف، أنا بقول إيه وإنت عملت إيه!
رمقها بنظرة طويلة، صامتة، قبل أن يفتح الماء.
اقتربت أكثر، وقد بدأ الضيق يظهر في عينيها.
ـ طب ما تردش... وأنا كمان مش هقول، مادام مش مهتم.
انقطعت كلماتها فجأة، واتسعت عيناها بصدمة خافتة حين امتدت يده فجأة، وجذبها إليه.
تعثرت بين ذراعيه، لتنهمر قطرات الماء فوقهما معًا.
ثبت نظراته عليها، وقد اختلط الإرهاق بالشوق في عينيه.
ـ أنا ساكت عشان لو اتكلمت، هقولك قد إيه تعبان... وقد إيه محتاجك جنبي.
تلينت ملامحها فورًا، ورفعت يدها تلامس وجنته المرهقة.
ـ وأنا هنا... ومش هروح في حتة.
أغمض عينيه لثوانٍ، مستندًا بجبهته إلى جبهتها، المياه تنهمر فوقهما، وكأن قربها وحده قادر على انتشاله من كل ما مرّ به.
مضت عدَّة أيام إلى أن انتهت أربعة أيَّام وبدأ التحقيق مرَّةً أخرى.
جلس آسر بثقة أمام وكيل النيابة للمرَّة الأخيرة، بدا أكثر هدوءًا من جلسات التحقيق السابقة، لانه بعدما فكر كثيرا في محاولة أن يصل لدليل برائته،ورغم ذلك الإرهاق كان محفورًا بوضوح على ملامحه.
أغلق وكيل النيابة الملف، ثم رفع عينيه إليه:
_ آسر يزن الشافعي، بعد ورود تقارير الطب الشرعي النهائية، عندي شوية أسئلة أخيرة.
أومأ آسر بصمت.
_ تقرير المعمل الكيماوي أثبت وجود مادة مهدِّئة عالية التأثير في دمَّك، بنسبة كافية لفقدان الوعي وتعطيل القدرة على الإدراك والحركة الإرادية وقت وقوع الحادث.
ظلَّ آسر صامتًا، بينما أكمل وكيل النيابة:
_ تقرير الطب الشرعي حدَّد توقيت إطلاق النار بين الساعة الحادية عشرة والحادية عشرة والنصف مساءً، وهو نفس التوقيت اللي أثبت تقرير السموم إنَّك كنت فيه تحت تأثير المادَّة المخدِّرة.
تنفَّس آسر ببطء، وعيناه معلَّقتان بوجه وكيل النيابة..لأنه يعلم أنَّ هذا سيكون دليل برائته..تابع وكيل النيابة:
_ وبعد فحص آثار البارود أثبت عدم وجود أي بقايا لإطلاق النار على إيديك أو ملابسك، رغم إن السلاح المستخدم مرخَّص باسمك.
قبض آسر على كفَّيه بقوَّة وأردف:
_ الأدلِّة الفنيَّة أثبتت استحالة تنفيذي للجريمة في التوقيت المحدَّد.
قاطعه وكيل النيابة:
_ لكن ده لا ينفي إنِّ السلاح المستخدم سلاحك، وإنَّك كنت موجود في مسرح الجريمة.
_عارف حضرتك، بس فيه بنت.
_ المجني عليها ما زالت في غيبوبة، وبالتالي مفيش أقوال منها لحدِّ دلوقتي.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يتابع وكيل النيابة:
_ وبناءً على ما انتهت إليه تقارير الطب الشرعي والمعمل الكيماوي، وعدم كفاية الأدلَّة على ارتكابك الواقعة، تقرَّر إخلاء سبيلك ما لم تكن مطلوبًا على ذمَّة قضايا أخرى.
تنفَّس آسر الصعداء،
فقال وكيل النيابة:
_ هتخرج، لكن التحقيقات مستمرَّة للوصول لمرتكب الواقعة الحقيقي.
_حضرتك متنساش إنِّي محامي وعارف..
أنا عايز أوصل له أكتر منكم.
نظر إليه وكيل النيابة مليًا، ثم قال بنبرةٍ حازمة:
_ يبقى خلِّيك متاح للتحقيقات، ومتخدش حقَّك بإيدك يا آسر بيه.
أومأ آسر بصمت، قبل أن يلتفت نحو الباب.
وقبل خروجه، استوقفه وكيل النيابة:
_ في حاجة أخيرة.
التفت إليه آسر..
_ لو المجني عليها فاقت، أقوالها ممكن تغيَّر مسار القضية بالكامل.
ثبَّت آسر عينيه عليه، وقال بثقة امتزجت بالألم:
_ متأكِّد من كدا وأنا مستني اليوم ده أكتر من أي حد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل إلياس..
طرقت على الباب ثم دلفت
_ايه ياجدو، مش جوعت
اشار إليها بالدخول، خطت اليه، نهض من مكانه واحتوى كفيها متجهًا الى الأريكة الجلدية
_أخيرًا فضيتي لجوزك ياهانم
تبسمت وعيناها تلتهم ملامحه
_وانت مفكر فيه حاجة تشغلني عنك برضو، محبتش اسيب شمس غير لما تتحرك كويس، رغم اهتمام دينا بيها، بس مهما كان، اهتمام الأم غير ياالياس
_ربنا يخليكي ليهم ياميرا
_ياااه ياإلياس، لسة فاكر، ميرا
رفع كفيها ولثمه
_وأحسن اميرة مش ميرا بس
ضحكت بخجل تدفن رأسها بصدره
_هموت ولا إيه يابن السيوفي، بخاف من الحنية السهلة دي
رفع ذقنها يتطلع لملامحها بشغف
_عاملة اكل ايه النهاردة
قطبت حاجبيه تنظر إليه بذهول
_وحياة ربنا انت مش طبيعي النهاردة، مالك فيه ايه
ضحك وعاد بجسده للخلف
_عايز افصل عن المشاكل لو ليوم ياميرال
_لسة موضوع اسر ياالياس، مش قولت هيطلع بسهولة
_هيطلع النهاردة إن شاء الله، الواد ذكي وخرج بكام حاجة هيساعده يخرج، بس طبعا مش براءة نهائية
_خلاص.. مادام هيطلع، حاول تفصل عن دا كله، وارسلان مش سهل، متأكدة هيعرف يتصرف، وتعالى نطلع عمرة رمضان
ربت على كفيها
_مش دلوقتي حبيبتي، فيه كام حاجة اخلصهم ويبقى نسافر
_ارسلان موجود ياالياس، متخافش هيعرف يتصرف، انت مش شايف نفسك
_متأكد من ارسلان، ولولا ارسلان مكنش اسر عرف يطلع النهاردة، بس برضو هو عنده مشاغله، كفاية عليه مش كل حاجة ارميها عليه
_طيب يزن وطارق، هتفضل لحد امتى باعدهم عن مشاكل العيلة
_يزن مش بعيد ياميرال، بس مش كل حاجة ينفع ندخله فيها، انما طارق مينفعش، وانت عارفة ليه
تنهدت بثقل وشردت بعيونا حزينة، ادار وجهها
_عايز اكل جمبري ياام يوسف، من زمان مااكلتوش
شهقت تضرب على صدرها
_يالهوي
توسعت عيناه من حركتها، وفتح فمه للحديث ولكن قاطعه طرق على الباب ثم دخول ارسلان
رفع الياس عيناه اليه، ثم اتجه الى ميرال
_جهزي السفرة، لما اشوف ارسلان
نهضت مقتربة منه
_فيه حاجة ولا إيه مش عوايدك
جلس وهو يقول
_ارهاق ياميرال، بقالي كام يوم منمتش
_طيب هجهز الغدا، تتغدى معانا، عاملة سي فود هيعجبك
التفت الى الياس
_مش كبرت ياباشا على السي فود
اشار الياس اليها بالخروج
_مش لاقية غير ارسلان وتعزميه
خرحت وهي تضحك، صمت دام لثوان الى أن تحدث ارسلان
_إلياس تفتكر مين عايز يوقَّع يزن؟.
_مالك شغَّال بالتيم كامل، وعايزك تحرَّك الناس اللي تبعنا، لازم أعرف كل حاجة عن ابن راجح دا.
_مش متتظر تقولِّي، واتكلِّمت مع السفير في أثينا.
_معلش يا أرسلان، لازم تسافر تاني، وتاخد معاك مالك، مالك هيفيدك، متنساش إنُّه كان ظابط وله طرقه.
_حاضر، خلِّيه بعد سبوع شمس، لسة مشفتش حفيدي يا أخي.
ابتسم إلياس..
_حلو أوي، شبه حمزة...دار بينهما حوار لبعض الوقت الى أن توقَّف أرسلان وهو يضحك:
_اهم حاجة ابن شموسة شبه حمزة علشان تحبُّه..قالها واستدار للمغادرة، أوقفه إلياس:
_ما تزعلش من يزن، هوَّ معذور.
_عارف..أنا كمان زوَّدتها، هعدِّي على شمس وبعد كدا هشوف الأمن عمل إيه.
_تمام.
دقائق معدودة الى أن ارتفع رنين الهاتف:
_إلياس باشا، فيه واحدة اسمها سارة أندرياس.
_مين دي؟.
_معرفش يا باشا عايزة تقابل الباشمهندس يزن وهوَّ مش موجود.
صمت إلياس لدقائق، ثم قال:
_ابعتها عندي، ولمَّا يزن يجي عرَّفه إنِّي عايزه.
_تحت أمرك يا باشا.
دقائق إلى أن توقَّفت سارة أمامه تتطلَّع إليه باهتمام:
_بس إنتَ مش يزن راجح.
نهض إلياس بطوله المهيب، وشخصيَّته القوية يتعمَّق بالنظر إليها:
_يعني جاية تقابلي واحد متعرفيش شكله؟.
_عايزة أقابل يزن.
قطب إلياس حاجبيه:
_نعم..إنتي مين وعايزة إيه من يزن؟.
طالعته لبرهة، تنظر للشيب برأسه:
لحظات وإلياس يتابعها بصمت، حتى ارتفع ضجيج قلبها بعنف مع اقتراب إلياس منها، فتراجعت تلقائيًّ للخلف بخوف.
_إنتي مين؟.متخلنيش أفقد اعصابي
_إيه يعني هتموِّتني مثلًا، عادي، ما هو إنتَ ابن راجح هتطلع إيه يعني شيخ، قا تل زيُّه.
اشتعلت عيني إلياس بالغضب:
_إنتي تعرفي راجح منين؟.
صمتت تنظر للأرض، ثم قالت:
_مش هتكلِّم لمَّا أعرف إنتَ مين.
_أنا إلياس، ابن عم يزن، ارتحتي كدا.
رفعت رأسها إليه تنظر لعينيه:
_معقول..إنتَ إلياس!!.تذكرت صورته، فتأكدت منه
_اللهمَّ طوِّلك يا روح، قاطعهم دخول يوسف ملقيًا السلام:
_بابا...التفتت سارة إليه تدقِّق النظر فيه، طالعته بتدقيق فهو يشبه إلياس كثيرًا.
أشار إلياس إليه بالدخول، رغم غضبه من دخوله بتلك الطريقة.
_خالو يزن رجع هوَّ وآسر.
_تمام...روح اطمِّن على ابن خالك، وقول لخالك يجي لي ضروري.
أومأ يوسف وعيناه على سارة التي تنظر إليه...
التفت إليها إلياس:
_يزن جاي، اقعدي استنيه لمَّا يجي.
خطت بعض الخطوات:
_أنا هروح لعنده.
_استني..صاح بها غاضبًا، ونهض من فوق مقعده واقترب منها:
_مش هتخرجي من هنا إلَّا لمَّا تقولي إنتي مين.
ارتجفت شفتيها ورغم خوفها من نظرات إلياس إلَّا أنها قالت:
_اسمي سارة.
_عارف...غيره، عايزة إيه؟.
ابتلعت ريقها وقالت:
يمكن متقابلناش في خطوبة ضي ونور، بس..
ضيق عيناه
_نور مين... انتي مين بالظبط
_سارة راجح الشافعي.
تجمَّد إلياس بوقوفه للحظات، حتى شعر بشلل كامل بخلايا جسده:
_إنتي..إنتي بنت راجح؟!.
أومأت بهدوء رغم ضجيجها، فارتفع صوته حتى انتفض جسدها من الخوف:
_كذابة، راجح عنده ولد مش بنت.
_لا...لو قصدك مهند فهوَّ مات من عشر سنين في حادث هو ومراته، وأنا أخته التوأم.. ولما انت عارف ان راجح له اولاد مسألتش ليه
لحظات مميتة حتى فقد إلياس توازنه، وكلماتها تصفعه بقوة؛ تراجع بثقل جسده، يسحب خطواته بصعوبة إلى أن هوى بجسده فوق المقعد..وكل ما يفكِّر به ماذا سيكون رد ميرال حين تعلم.
مرَّت دقائق والغرفة يعمُّها الصمت.
حاول الثبات، وعادت شخصيته، وقام بالحوار معها لفترة، ظلَّت تقصُّ له بعض الأمور، وهو يستمع بصمت..
_الأوَّل مكنتش حابة أعرفكم، بس لمَّا سألت وعرفت إنُّكم غير راجح، قولت لازم نتقابل.
أفلت إلياس ضحكة بدون معنى:
_قولتي تقابلينا، ويا ترى الأستاذة عايزة مننا إيه؟.
نظرت إليه بغضب:
_عايزة أتعرَّف على ولاد راجح اللي ظلمنا بسببهم.
قهقه إلياس وعاد بجسده للخلف وعيناه تخترقها:
_لا يا شيخة، والله هتخلِّيني أعيَّط متأثِّر أنا.
_لو سمحت، أنا مجتش غير لمَّا بحثت عنكم، بلاش أسلوب التهكُّم دا.
_وبعدين سمعت عنك كل خير
أومأ لها باستخفاف..ثم انحنى يتعمق بعيناها
_انما انتي مصرية، ولا يونانية، وازاي مش مسلمة لو بنت راجح
طالعته بصمت لدقائق
_لما تقولي الأول، ليه سرقتوا راجح انت واخوك ويزن، رغم انه قالكم علينا
توسعت أعين إلياس
_انتي بتقولي ايه
_ايه.. مابلاش شكل الشخصية المريبة اللي قدام الناس، مش انتوا اتفقتوا على قتـ ل راجح علشان تاخد فلوسه
ارتفعت ضحكات إلياس بهستريا، الى أن دمعت عيناه... كانت تنظر اليه بغضب
_معرفش بتضحك على إيه، بس اللي متعرفوش ماما اشتغلت خدامة علشان تصرف علينا، وحضراتكم سرقتوا حقنا، مش انت مسلم وتعرف الحقوق
_اششش... اخرصي، لو سمعت صوتك هعلقك في النجفة، استني اخوكي
صمت وعاد يضحك
_اخوكي... تعالى يايزون تعالى، المفاجأت بتهل علينا
بمنزل يزن
كان الجميع بإنتظار آسر، بعد اتصال مالك بخروجه، انتظره بلال امام القسم حتى انتهت التحقيقات، وصل بعد قليل، ترجل من سيارته، بخروج يزن
_بابا..نطقها بصوتٍ مختنق.
ضمَّه يزن بحنانٍ أبوي:
_حمد الله على سلامتك حبيبي.
نظر لوالدته التي تورَّمت عيناها من البكاء، اقترب يزيل دموعها:
_حبيبتي بطَّلي عياط، أنا كويس.
ضمَّته تبكي بشهقاتٍ مرتفعة.
حمحم كريم مقتربًا منه:
_رحيل سبيه دلوقتي، أكيد تعبان وعايز يرتاح.
ضمَّت وجهه تلتهمه بعينيها الباكية:
_إنتَ كويس حبيبي؟.
أومأ وقبَّل كفَّيها الذي ضمَّته به:
_كويس حبيبتي..
عايز أنام بس.
سحبه يزن:
_خلاص يا رحيل سبيه دلوقتي.
صعد بعض درجات السلَّم، ولكنه توقَّف على صياح سدن باسمه، التفت إليها..
ركضت إليه وهي تبكي، ولم تشعر إلَّا وهي تلقي نفسها بأحضانه أمام الجميع.
ابتعد محمحمًا:
_عاملة إيه؟.
طالعته باشتياق:
_كويسة، إنتَ كويس؟.
رفع عيناه إلى آسيا التي توقَّفت لدى باب المنزل الرئيسي وقال:
_كويس أوي..أمسكته سدن من كفِّه وتحرَّكت معه:
_طيب تعال غيَّر وارتاح، أنا اتعلِّمت شوية أكل..طنط رحيل قالت إنَّك بتحبُّهم.
كان ينظر لآسيا التي توقَّفت بصمت ثم قال:
_إزيك يا آسيا؟.
_الحمدلله..وقعت عيناها على يد أختها المتشبِّثة بذراعه، وعيناها التي لمعت بالسعادة، ثم نظرت إليه:
_حمد الله على سلامتك يابنِ خالي..
بعد إذنكم عندي شغل..قالتها وتحرَّكت سريعًا، تشعر بانقباض أنفاسها، وكأنَّ الجدران تجثو فوق صدرها..
قابلها يوسف وضي:
_آسيا...توقَّفت تزيح دموعها ورسمت ابتسامة:
_رايحة الشغل فيه حاجة؟.
بعد فترة قليلة بمنزل إلياس
استمعا إلى طرقاتٍ فوق الباب:
_ادخل...تمتم بها إلياس بصوتٍ مرتفع.
دلف يزن وقال بضجرٍ•:
_مالك زن...زن..لازم أشوف راكان وصل لإيه..إيه اللي مينفعش يتأجِّل.. ارسلان كلمني وقال لازم اروح له
بتر كلماته فجأة، وتجمَّدت عيناه على تلك الجالسة أمامه.
فتبدَّلت ملامحه كليًّا:
_آسف...أهلًا..صمت محاولًا تذكرها
_مش انتي.. مدام سارة.
أومأت له سارة بابتسامة هادئة، و عيناها كانتا تلتهمان ملامحه بذهولٍ مكتوم...
ياالله..نفس العينين، نفس الوقفة.
شعرت بقلبها يرتجف بعنف، فهمست:
_إزيك يا باشمهندس؟
_الحمدلله.
جاء ردَّه مقتضبًا، وهو ينظر بينهما بعدم فهم، ليشير إليه إلياس بيده:
_اقعد يا يزن...عايز أتكلِّم معاك في موضوع إنَّما إيه، لا تقول قضية آسر، ولا رولا... دي حاجة عجب العجاب
_أنا معرفش حضرتك بتستهزأ ليه
قطب يزن جبينه، وجلس ببطء، بينما عقله بدأ يدور بأسوأ الاحتمالات.
وجود سارة هنا لا يبشِّر بالخير أبدًا...
هل جاءت تأخذ ضي؟
هل أرسل اليه إلياس حتى يقنع يوسف بتطليق ضي؟.
سبَّ نفسه داخليًا:
_اتجنِّنت؟! إيه اللي بتفكَّر فيه ده؟
_يزن!
رفع عينيه نحو إلياس، أشار بعينيه نحو سارة:
_إنتَ تعرف أستاذة سارة؟
أومأ يزن:
_أيوة...
ثم استدار إليها متابعًا بنبرةٍ رسمية:
_اتقابلنا في خطوبة ضي ونور...بس.
صمت فجأة على وقوف إلياس ينهض من مكانه ببطء.
راقبه يزن باستغراب، اقترب إلياس حتى توقَّف خلف مقعده مباشرة، ثم انحنى قليلًا، واضعًا يديه على طرفي المقعد، ثم همس بالقرب من أذنه بنبرةٍ غامضة:
_أعصابك حديد؟.
رمقه يزن باستخفاف:
_مالك، الستِّ قاعدة، إنتَ سخن؟
زفر إلياس بقوة، ثم اعتدل واقفًا، واضعًا يديه بجيب بنطاله، قبل أن يهزَّ رأسه ببطء..
أمَّا سارة...
فكانت تنظر إلى يزن بعينينِ امتلأتا بالدموع دون إرادة، تشعر أنَّ قلبها ينتفض داخل صدرها كلَّما تحرَّك أو تحدَّث يزن.. لا تعلم أنه ليس كما قال راجح، رغم استهزاء إلياس بها، ولكن داخلها يقسم أنهما غير ذلك، نظرت ليزن بتعمق
رغم أن بعض ملامح راجح تسكن وجهه، إلَّا أنَّه ذكَّرها بأخيها.
ابتلع إلياس غصَّته أخيرًا، ثم قال وهو يثبِّت عينيه على يزن مباشرة:
_أقدِّم لك...الأستاذة سارة الشافعي.
رفع يزن حاجبه ساخرًا، محاولًا إخفاء انزعاجه:
_أهلًا وسهلًا، بس معرفش ليه الشو ده؟..ادخل في الموضوع على طول.. ابني لسة خارج
ساد صمتٌ للحظات، ثم نظر إلياس إلى سارة:
_دا يزن، وفيه طارق وميرال، بس عارفة لو قولتي حاجة لميرال، لحد ماالباشمهندس يطمنا طبعًا، فالأحسن ميرال متعرفش حاجة دلوقتي.
نهض يزن وداخله يرتجف، وخاصَّةً عند ذكر إلياس بأسماء أخوته:
_هوَّ فيه إيه بالظبط؟.
التفت إليه إلياس، ثم نطق ببطء:
_سارة..راجح الشافعي يا يزون..
ادعي لأبوك، ربِّنا يكتَّر من ذريِّته يا حبيبي.
صدمة..ذهول وهو يطالعها بصمت:
_ايه التهريج والهبل دا، بقولك دي ام نور اللي كان خاطب ضي
_إنتَ بتقول إيه؟!.تمتم بها يزن بغضب ثم
نظر إليها بصمت للحظات فقال:
_إيه الجنان دا، راجح مالوش ولاد، إنتي أكيد مجنونة!.
_مش مجنونة، ولو عايز تتأكِّد براحتك.
اعمل تحليل
ربت إلياس بقوة على كتف يزن
_اقعد يالي سارق فلوس راجح، وخليت امهم تشتغل خدامة وتصرف على ولادها
هب يزن من مكانه
_انت عبيط يابني، راجح مين اللي سر قت فلوسه، الست دي كدابة، ازاي اصلا راجح
دا دفناه، ايه طلع من القبر
دفعه إلياس بقوة على المقعد
_اقعد يلا، علشان تعرف تصلب نفسك
استاذة ام نور مسيحية، لازم نستعد المرة الجاية هيكون يهودية
نهضت سارة تطلع اليهم بغضب
_أنا غلطانة اصلًا اني جيت لكم، صور مزيفة على السوشيال، نفسي الناس تعرف حقيقتكم
جلس إلياس على المقعد أخيرا
_اتفضلي استاذة دقلديانوس، افضحينا، منتظرين
رمقته غاضبة وتحركت للخارج بخطوات سريعة بدخول ميرال، حتى اصطدمت بها
توقف للحظة ثم قالت سريعًا
_سوري... قالتها وغادرت سريعًا
راقبت ميرال تحركها، تنظر لتنورتها القصيرة، وشعرها الأصفر، لم تلمح عيناها بسبب سرعتها، ثم دلفت للداخل
🔥🔥🔥
بعد شهر..
كانت تجلس أمام فراش كارما:
_أنا جاية أشكرك، لولا شهادتك مكنش آسر طلع براءة.
همست كارما بتعب:
_مقولتش غير اللي حصل.
انحنت رولا تنظر بعينيها:
_إنتي متأكِّدة ما شفتيش الناس اللي ضربتك دي؟.
_لا...زي ما قولت، شوفت ناس داخلين عند الأستاذ آسر، وصوت عالي..دخلت أشوف إيه، سمعتهم إنُّهم عايزين يورَّطوه وإنتي معاه، لمَّا حاولت أنقذه ضربوني.
قاطعهم رنين هاتف رولا:
_أيوة.
_أستاذة رولا، معتز باشا عايز يقابل حضرتك، أمشِّيه ولَّا..قاطعتها سريعًا:
_لا..أنا جاية.
نظرت إلى كارما وقالت:
_لازم أمشي، والممرِّضة معاكي، دي موثوقة، وكمان الأمن محاوط المستشفى متقلقيش.
قالتها وخرجت، أوقفتها كارما:
_ممكن أطلب منك طلب؟.
استدارت رولا إليها..
_عايزة إلياس باشا.
عمُّو إلياس!.قالتها باستغراب، فتراجعت إليها:
_إنتي مش مخبيَّة حاجة عليَّا صح؟.
هزَّت رأسها بالنفي وقالت:
_عايزاه يدوَّر على بنت عمِّي.
_خلاص هقول لعمُّو مالك متقلقيش.
_لا...عايزة إلياس باشا، لأنُّه هيهتم أكتر.
_وإنتِ كمان بتختاري، عمُّو إلياس مش فاضي، وبعدين ما بيروحش لحد، هكلِّم عمُّو مالك يتصرَّف.
قالتها وخرجت دون كلمة أخرى.
وصلت بعد قليل، توقَّفت للحظات تسحب نفسًا، ثم زفرته تضع كفَّيها على صدرها:
_اهدي متخافيش، لازم الكلب دا يتحاسب وتعرفي وراه إيه..
خطت بخطوات جعلتها واثقة إلى حدٍّ ما، وجدته جالسًا:
_أهلًا معتز باشا.
_أهلًا يا باشمهندسة، عاملة إيه؟.
جلست وعلى وجهها ابتسامة:
_كويسة الحمدلله، اتفضل...قالتها وهي تنظر إليه:
_تشرب إيه؟.
نظر لارتعاش يدها:
_إنتي تعبانة؟.
أخفت كفَّيها وحاولت التصنُّع بلا مبالاة:
_أعصابي بقالها فترة مش أحسن حاجة.
حدجها لفترة ثم قال:
_ألف سلامة، ممكن أسأل ليه، ولَّا هتقولي قليل الذوق وبدخل في حياتك الخاصَّة.
توقَّفت واقتربت من المقعد الذي يقابله:
_لا أبدًا، طبعًا حضرتك سمعت عن القضية اللي كانت شغَّالة من فترة، من وقتها أنا وبلال حياتنا مش مستقرَّة.
_أممم...أحسن برضو.
أومأت مبتسمة، قاطعهم دخول السكرتيرة:
_باشمهندسة عندك ميتينج بعد ساعة، أخبَّر يزن باشا؟.
أومأت لها وقالت:
_أه...وعرَّفي المهندسين الباقيين.
_تحت أمرك يا باشهندسة.
كان يدقِّق النظر بهيأتها، التفتت إليه فجأة فابتعد ببصره عنها، وضعت ساقًا فوق الأخرى ونظرت إليه:
_حضرتك متجوِّز؟.
ظلَّ ينظر إليها للحظات، ثم قال:
_لا...
رفعت فنجان كوبها تدوِّره بين كفَّيها:
_ليه؟.رغم إنَّك شخص كويس.
أمال إليها يغرس عيناه ببنيِّتها:
_لسة ما لقتش صاحبة النصيب.
هبَّت من مكانها مبتعدة:
_معقولة! حضرتك مش صغير يعني.
_خمسة وأربعين سنة، يعني أكبر منك بسبعتاشر سنة بس.
_حلو السنِّ دا، سنِّ الرجولة.
قهقه بصوتٍ مرتفع:
_الكل بيقول كدا..صمت وعيناه تلتهم تفاصيلها:
_وبالنسبة لطليقك...مش هوَّ طليقك برضو؟..
سنُّه وحش ولَّا إيه؟.
_بلال...
جزَّ على أسنانه:
_أيوة بلال...أعرف كان بينكم قصِّة حب.
_أه طبعًا، أنا حب حياته.
انحنى على المكتب ينظر لعينيها:
_وإنتي؟..أغمضت عيناها تحاول أن تسيطر على نفسها:
_وهوَّ حب حياتي، ما أظنِّش هلاقي اللي يعجبني بعده.
بالأسفل..
وصل بلال أسفل البناية وهو يتحدَّث بهاتفه:
_يوسف..معلش هتعبك معايا، يبقى خد يوسف من عند ماما، هنبات برَّة الليلة.
_برَّة فين يعني يا بلال؟.
_يا أخي إنتَ مالك خلِّيك في نفسك ومراتك.
أغلق يوسف الهاتف يستدير للَّتي تضع ذقنها على كتفه:
_بيقولَّك إيه؟.
_بيقول خلِّي يوسف معاكم، هوَّ عند مامته..هنزل أجيبه.
أمسكت ذراعه:
_يعني مش هنخرج، طيب سيبه لمَّا نرجع يا يوسف.
بمكتب أرسلان:
_أرسلان باشا فيه حاجة مهمَّة.
_قول يا بني.
_الشخص اللي قولت نراقبه موجود عند مدام رولا بقاله أكتر من نصِّ ساعة.
أغمض أرسلان عيناه، وسحب نفسًا طويلًا قائلًا:
_طلَّع لها البنت بأي طريقة، وخلِّيك مصحصح.
_تحت أمرك يا باشا.
ألقى الهاتف بغضبٍ يمسح وجهه:
_رولا...رولا...رولاااااااااا
صرخ بها وهو يدفع كل ما فوق مكتبه.
بمنزل يزن..
كان جالسًا ينظر للنجوم وعلى وجهه ابتسامة مشرقة، يتذكَّر مقابلتها له،
مع اقتراب سدن تحمل قهوته:
_عملت لك قهوة.
نظر إلى القهوة ثم إليها:
_تسلم إيدك.
جلست بجواره تراقب كلَّ إنشٍ به:
_وحشني الشغل معاك أوي يا آسر.
رفع عينه إليها:
_هنرجع يا سدن، بس أرتاح وأشوف مين اللي عمل كدا.
أمسكت كفَّيه تستطعفه:
_آسر...لو سمحت بلاش تدوَّر ورا الناس دي، أنا خايفة عليك.
أبعد يده عن كفَّيها ونظر إليها:
_إيه اللي بتقوليه دا يا سدن؟!.
استمع إلى رنين هاتفه:
_عملت إيه؟.
_آسر...جبت لك معلومة بس وحياة أبوك ما تقول لعمَّك إلياس.
_قول يا بني، مش عايز رغي.
_الباشمهندس، عمَّك أرسلان وصلُّه، وحجزه في مزرعة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي.
_ابعت العنوان بسرعة.
_آسر، والله لو عمَّك عرف ليد بحني.
_ابعت العنوان.
نهض من مكانه، فهبَّت تقف أمامه.. نزلت دموعها تهزُّ رأسها:
_أنا سمعته قالُّه إيه، مش هتروح للناس دي.
_سدن متبقيش مجنونة، لازم أعرف مين اللي كان عايز ينتقم مني.
هزَّت رأسها وقالت:
_مش هسيبك تضيَّع نفسك.
صاح بها غاضبًا بعدما فقد سيطرته:
_سدن...اتجنِّنتي وسَّعي كدا!.
_مش هتمشي يا آسر، أنا خايفة عليك، مش هسيبك تضيَّع نفسك.
_اتجنِّنتي وإنتي مالك أصلًا.
قالها وتحرَّك بعض الخطوات مع كلماتها التي بصقتها:
_علشان بحبَّك.
تجمَّد بوقوفه بوصول يزن وآسيا على وقع كلماتها المدوية.
الفصل 77
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
بعض الأسرار لا تُقال لأنها ممنوعة... بل لأنها قادرة على تحطيم كل شيء.
ثلاثةُ قلوبٍ وقفت على حافةِ مصيرٍ واحد، تتوارى خلف أقنعةٍ من الصمت، وتقتات على ما لا يُقال. كان في الأفق وعدٌ مؤجَّل، وفي العيون ارتباكٌ يشبه حكايةً لم تُكتب نهايتها بعد، كأنّ القدر قد كتب السطور الأولى ثم ترك النهاية معلّقةً بين الظلال. وبين خطًى ظُنّت عابرة، ومساراتٍ لم تُختر بإرادة أصحابها، دارت الأرواح في فلكٍ واحد، يقرّبها ببطءٍ من مصيرٍ بدا وكأنه كُتب قبل أن تبدأ الحكاية.
لكن الحب حين يُدفن لا يموت... بل يتحوّل إلى شيءٍ أكثر خطورة.
وما بين الرغبة والواجب، وبين ما كُتب وما كان يُراد له أن يُكتب، بدأت الخيوط تتشابك ببطء، وتضيق المسافات بين الحقيقة وما يُراد إخفاؤه، على نحوٍ لا يوحي إلا بشيءٍ واحد:
أن بعض الأسرار لا تموت حين تُخفى... بل تبدأ.
تجمَّد آسر في مكانه فور أن خرجت الكلمات من بين شفتيها، استدار إليها ببطءٍ شديد، وعيناه متَّسعتان بذهول لا يصدِّق ما سمعه.
اقتربت منه سدن بخطواتٍ مرتجفة، بينما كانت عيناها تلمعان بدموع حبٍ أخفته طويلًا حتى أثقل قلبها.
همست بصوتٍ مكسور:
_أنا بحبَّك.
هزَّ رأسه نافيًا، كأنَّه يرفض الكلمات نفسها، لا معناها فقط:
_إيه اللي بتقوليه ده يا سدن؟ إنتِ زي أختي.
ارتجفت شفتاها، وهزَّت رأسها بعنف، ثم تقدَّمت خطوة أخرى حتى أصبحت أمامه مباشرة، لا يفصل بينهما سوى أنفاسهما:
_بس أنا مش أختك...ولو إنتَ مش واخد بالك من حبِّي، تبقى أعمى يا ابن خالي.
أغمض آسر عينيه لثوان، وكأنَّ اعترافها سقط فوق صدره كحجرٍ ثقيل.
ثم قال بحدَّة حاول أن يخفي بها ارتباكه:
_اسكتي يا سدن...مش عايز أسمع كلام في الموضوع ده.
انكسرت ملامحها، وانسابت دموعها رغم محاولاتها اليائسة للتماسك.
رفعت عينيها إليه، تحملان ألف سؤال وألف خيبة:
_يعني إيه؟
لكنَّه لم يجد إجابة.
في تلك اللحظة، اقترب يزن منهما على كلمات ابنه، بينما وقفت آسيا على بُعد خطوات، عاجزة عن الحركة..
كانت تشعر وكأنَّ قلبها انشطر إلى نصفين؛ نصفٌ يصرخ بحبِّه، ونصفٌ آخر يتألَّم لأجل شقيقتها التي تنهار أمام عينيها.
توقَّف يزن بجوار سدن، ونظر إليهما باستغراب:
_فيه إيه يا خالو، صوتكم عالي ليه؟
ارتبكت سدن، ومسحت دموعها سريعًا بكفٍّ مرتجفة، محاولةً جمع شتات نفسها قبل أن يفضحها انكسارها.
أجابت بصوتٍ بالكاد خرج:
_مفيش...كنت بكلِّمه عشان ياخد باله من نفسه، ويا ريت يبطَّل تهوُّر.
أنهت كلماتها بصعوبة، ثم ابتعدت قبل أن تخونها دموعها أكثر.
وصلت إلى حيث تقف آسيا.
توقَّفت أمامها لثوانٍ..
تلاقت أعين الأختين، ولم تحتج أي منهما للكلام.
رأت آسيا في عينيها قلبًا ينزف، ورأت سدن في عيني أختها وجعًا لا يقلُّ عنها.
وفي اللحظة التي سقطت فيها دموع سدن بغزارة، شعرت آسيا أنَّ دموعها هي الأخرى تحرق عينيها، لكنَّها تماسكت.
أمَّا سدن، فلم تستطع.
استدارت وركضت، هاربةً من نظرات الجميع، ومن خيبتها، ومن قلبها الذي اختار الشخص الخطأ.
ظلَّ آسر واقفًا مكانه، يحدِّق في الفراغ الذي خلَّفته خلفها، وكأنَّ رحيلها انتزع شيئًا من روحه..شحب وجهه، وثقُلت أنفاسه، حتى أنَّه لم يلحظ وقوف آسيا على بُعد خطوات، تراقبه بقلبٍ يرتجف.
أخفضت عينيها سريعًا، لم تكن تملك الشجاعة الكافية لمواجهة ذلك الوجع المرسوم في ملامحه..تراجعت بهدوء، وانسحبت كما دخلت، تحمل داخلها ألف انكسار.
اقترب يزن من ابنه، يتأمَّله بقلق:
ـ مالك ومال بنت عمِّتك، إيه الطريقة اللي بتكلِّمها بيها دي؟
أطلق آسر زفرة مثقلة بالاختناق، ثم التفت إلى والده بعينينِ متعبتين:
ـ بابا، لو سمحت...لازم أمشي دلوقتي.
اعترض يزن طريقه، وقال بهدوء:
ـ سمعت سدن وهي بتقول إنَّها بتحبَّك، البنت كويسة يا ابني...ليه ما تديش نفسك فرصة معاها؟
مرَّر آسر يده فوق وجهه بإرهاق، وكأنَّ الكلمات صارت أثقل من أن تُقال:
ـ بعدين يا بابا...مش دلوقتي.
قالها وتحرَّك سريعًا دون أن يلتفت خلفه.
وصل إلى سيارته، وأخرج هاتفه على عجل، بحث عن اسم آسيا وضغط زرَّ الاتصال.
في الجهة الأخرى، ارتفع رنين هاتفها بين يديها، حدَّقت في الشاشة للحظات، رأت اسمه يلمع أمامها، لكن أصابعها ارتجفت، ولم تستطع الرد.
أغلقت الهاتف، ودلفت إلى منزلها بخطواتٍ بطيئة مثقلة، واتَّجهت مباشرةً إلى غرفة شقيقتها.
فتحت الباب بهدوء، فتوقَّفت مكانها.
كانت سدن تجلس فوق فراشها، تضمُّ ركبتيها إلى صدرها، تنساب دموعها بصمتٍ موجع.
وقفت آسيا تراقبها، وقلبها يصرخ داخل صدرها.
كيف تُواسي أختها من وجعٍ سببه الرجل الذي يسكن قلبها هي؟
ابتلعت غصَّتها، واقتربت منها ببطء، ثم جلست بجوارها، ورفعت يدها تمسِّد على خصلاتها بحنانٍ مرتعش، وانحنت تقبِّل رأسها:
ـ حبيبتي...ممكن تبطَّلي عياط شوية ونتكلِّم؟
رفعت سدن وجهها المبلَّل بالدموع، ونظرت إلى أختها بعينينِ منكسرَتين:
ـ أنا غلطت، صح؟ كده عيب، ماما قالتلي إنِّ عيب البنت تعترف للولد بحبَّها.
ارتجف قلب آسيا، وسألتها بصوتٍ خافت:
ـ إنتِ قولتي لماما إنك...يعني بتحبِّيه؟
أومأت سدن برأسها، وابتسمت ابتسامة صغيرة مكسورة:
ـ أيوة..وعجبها آسر بس قالت مااستعجلش ولازم اقولك الأول
شعرت آسيا وكأنَّ الكلمات انغرست في قلبها كالسكاكين.
وضعت كفَّيها حول وجه شقيقتها:
ـ حبيبتي...سيبك من آسر، هوَّ مش هينفعك.
هزَّت سدن رأسها بعنادٍ طفولي ممزوجٍ بالألم، ثم انفجرت باكية:
ـ بحبُّه يا آسيا...بحبُّه أوي، ومش هقدر أنساه.
قالتها وألقت بنفسها بين ذراعي أختها.
احتضنتها آسيا بقوة، وضمَّتها إلى صدرها، بينما انهمرت دموعها بصمت..
بكت على قلب شقيقتها الذي انكسر للمرَّة الأولى.
وبكت أكثر على قلبها هي...ذلك القلب الذي أحبَّ الرجل نفسه، لكنَّه لم يعد يملك حقَّ البوح.
كيف تخبر أختها أنَّ الوجع الذي تعيشه الآن، تعيشه معها؟
وكيف تنافس أختها على رجلٍ تحبُّه، وهي التي اعتادت أن تكون ملاذها من كلِّ ألم؟
لأوَّل مرَّة شعرت آسيا أن الحبَّ قد يتحوَّل إلى ذنب..
ولأول مرَّة أدركت أن أقسى أنواع الألم، ألَّا تخسر من تحب فحسب، بل أن تُجبَر على مواساة من يحبُّ الشخص ذاته.
وأنَّ أصعب أنواع الفقد، ليس أن يرحل من نحب، بل أن نتخلَّى عنه بأيدينا، ونبتسم، وندفن وجعنا في أعماقنا، فقط لأن سعادة من نحبُّهم أهم من أحلامنا.
فبعض التضحيات لا تُعلن، وبعض القلوب تنكسر بصمت حتى لا تُسمع شروخها.
عند آسر..
تحرَّك بسيارته وغادر الكمبوند؛ وهو يتحدَّث بهاتفه مع أحد الرجال الموكَّلين بالبحث عن المهندس:
_أنا رايح على العنوان اللي بعته، بس أتأكد الدنيا تمام ولَّا لأ.
بمنزل إلياس..
كان يقف أمام النافذة، يطالع الظلام الممتد خارجها بعينينِ متعبتين، يتحدَّث بالهاتف:
ـ أيوة...وبعدين؟
جاءه صوت مالك متردِّدًا:
ـ مفيش...كل اللي قالته طلع صح.
أغمض إلياس عينيه لثوانٍ، وزفر ببطء كأنَّه يحاول ابتلاع قلقه:
ـ طيب يا مالك، جهِّز نفسك...هنروح نزور الستِّ دي.
ساد صمتٌ قصير، قبل أن يتحدَّث مالك مجدَّدًا بنبرةٍ أكثر حذرًا:
ـ فيه خبر وصلني إن آسر بيدوَّر على المهندس.
تشنج فكُّ إلياس، ومرَّر كفِّه على وجهه بإرهاق:
ـ كنت عارف إنه مش هييأس.
استقام في وقفته، وقال بصوتٍ صارم:
ـ اسمعني كويس...سلِّم المهندس لجاسر الألفي، مش عايز حد من الولاد يتهور معاه.
حمحم مالك بتردُّد:
ـ يوسف وبلال بيدوَّروا عليه همَّا كمان.
أغمض إلياس عينيه للحظة، ثم قال بثقة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًّا:
ـ عارف...ومتقلقش، أنا بمشِّيهم زي ما أنا عايز..المهم، قبل ما آسر يوصل للمهندس ويضيَّع نفسه...أعرف أسيطر على يوسف وبلال، بس آسر لا، علشان كدا سلِّمه لجاسر الألفي.
صمت لثوانٍ، ثم أردف بصوتٍ خافت:
ـ خايف يموت في إيدينا..
أنهى المكالمة ببطء، وذهب ينظر بعينينِ شاردتينِ في الفراغ..
يهمس لنفسه:
ـ يا ترى يا بنت راجح...إيه اللي مخبياه وراكِ؟
تنهَّد بعمق، ثم ضغط على اسم يزن واتصل به.
ما إن أجابه حتى قال:
ـ جهِّز نفسك...ورانا مشوار بعد ساعة.
جاءه صوت يزن ساخرًا، يخفي خلف سخريته غضبًا قديمًا:
ـ وده على أساس إنِّي صبي عندك يا إلياس، مش هعرف رايحين فين؟
زفر إلياس بضيق، لكنَّه تمالك أعصابه:
ـ يزن، أكيد مش هخطفك يعني. هنروح لسارة دي ونشوف حكايتها إيه. أظن إدِّينا الموضوع وقت كفاية.
ضحك يزن بمرارة:
ـ بقولَّك إيه...أنا لا يهمِّني سارة ولا غيرها، وبقولها لك للمرَّة الألف، إنتوا على بعضكم متهمونيش..أنا مكنتش عايز العيلة دي من الأساس...وإنتَ السبب.
أغمض إلياس عينيه بقوة، وكأنَّ كلمات يزن أصابت جرحًا قديمًا:
ـ يزن...مش وقت الكلام ده.
قالها بصوتٍ هادئ، لكنه كان مثقلًا بالتعب:
ـ أنا ادِّيتك وقت كفاية تفكَّر..لازم نزور الستِّ دي ونعرف جاية ليه بعد السنين دي كلَّها.
توقَّف لحظة، ثم أضاف بجدية:
ـ وفكَّر في قضية ابنك...يمكن تكون هيَّ اللي ورا اللي بيحصل، إنتَ مسمعتش كلامها؟
ساد الصمت للحظات، قبل أن يأتيه صوت يزن مستسلمًا:
ـ تمام يا إلياس...لمَّا أشوف آخرتها معاك إيه.
بمكتب رولا..
بعد فترة من الحديث:
ـ تمام يا باشمهندسة، يبقى نتقابل في الاجتماع.
اكتفت رولا بإيماءة خافتة دون أن تنطق بحرف، فودَّعها وغادر المكتب.
ما إن أُغلق الباب خلفه حتى هوت على مقعدها بإرهاق، تسحب أنفاسها بصعوبة وتخرجها ببطء، شعرت وكأنَّ الهواء انسحب من الغرفة.
جلست تضمُّ رأسها بين كفَّيها، تحاول السيطرة على ارتعاشة جسدها،
عند بلال..
صعد بلال أولى درجات السلَّم، لكنه توقَّف على رنين هاتفه:
ـ أيوة يا يوسف.
على الجانب الآخر جاءه رد يوسف:
ـ بلال...عايزين نسهر النهاردة، اتِّصل بآسر، نتجمَّع كلِّنا عند بابا، بقالنا كتير أوي متجمَّعناش.
تنهَّد بلال وهو يواصل صعوده ببطء:
ـ معرفش يا يوسف، أنا بس...
توقَّفت الكلمات على شفتيه حين لمح سيارة معتز الدمنهوري تخرج من چراج الشركة.
انعقد حاجباه وهو يتابع السيارة بعينيه حتى اختفت.
ـ خلاص يا يوسف، هشوف وأرد عليك.
ساد صمتٌ قصير، قبل أن يتحدَّث يوسف بصوتٍ خافت:
ـ بلال...إنتَ لسه زعلان من رولا؟.تنهد بلال، ثم قال على عجل:
ـ يوسف، لازم أقفل دلوقتي.
أنهى المكالمة وصعد بخطواتٍ سريعة.
دلف إلى الداخل، فوجد السكرتيرة تحمل فنجان قهوة وتتَّجه نحو مكتب رولا.
أوقفها بإشارة من يده:
ـ الباشمهندسة جوه؟
أومأت برأسها:
ـ أيوة يا دكتور.
تردَّد قليلًا قبل أن يسأل:
ـ هوَّ معتز الدمنهوري كان بيعمل إيه هنا؟
أجابت ببساطة:
ـ كان فيه اجتماع من يومين ومجاش، فجه يعتذر.
هزَّ رأسه في صمت، وداخله يحترق،
اتَّجه نحو المكتب ودفع الباب بهدوء.
وجدها جالسة خلف مكتبها، تضمُّ رأسها بين كفَّيها..
رفعت رأسها فور شعورها بوجوده.
تجمَّدت ملامحها لثانية قبل أن تخفي ارتباكها.
نظر إلى ساعة يده وقال بنبرةٍ هادئة، لكنَّها تحمل عتابًا واضحًا:
ـ اتأخرتِ ليه؟ الساعة بقت تمانية.. قالها وهو يرمق السكرتيرة، لايريد الجدال امامها
وقعت عيناه على فنجان القهوة الذي وضعته السكرتيرة أمامها:
ـ وكمان طالبة قهوة؟
نهضت بسرعة، تجمع أغراضها بعصبية واضحة:
ـ لا خلاص...كنت بس مصدَّعة.
خرجت السكرتيرة وأغلقت الباب خلفها.
تقدَّم بلال ببطء حتى وقف أمامها مباشرة.
كانت تتجنَّب النظر إليه، تعبث بأشيائها بلا هدف.
تأمَّل وجهها الشاحب، وعينيها المرهقتين.
ورغم ذلك قال:
_إيه اللي نزِّلك الشغل دلوقتي، مش قولنا لمَّا نعرف مين اللي عمل كدا.
رفعت رأسها أخيرًا، وارتدت نظَّارتها الشمسية في محاولةٍ يائسة لإخفاء ألمها:
_بلال اتكلِّمنا في الموضوع دا، أنا مستحيل أوقَّف شغل، وياله زمان يوسف تعب النانا.
مدَّ يده بهدوء، وسحب النظَّارة من على وجهها:
_في حد بيلبس النظَّارة بالليل؟.
التقت عيناه بعينيها مباشرة.
عيناها كانتا حمراوتين، ممتلئتينِ بدموعٍ حاربت كثيرًا حتى لا تسقط.
انعقد قلبه وهو يهمس:
ـ مش عايزة تقوليلي حاجة؟
هزَّت رأسها بالنفي سريعًا، وكأنَّها تخشى أن ينهار كل ما تحاول التماسك به.
حملت حقيبتها واتَّجهت نحو الباب بخطواتٍ متعجِّلة.
مرَّت بجواره دون أن تنظر إليه.
أمَّا هو، فظلَّ واقفًا مكانه للحظات، يتابع خروجها بصمت، وقلبه يزداد قلقًا كلَّما تذكَّر خروج معتز من المبنى.
عند يوسف...
دلف إلى المنزل فاستقبله سكونٌ دافئ.
خطا إلى الداخل على مهل، يظن أنَّهما غارقانِ في النوم، لكنه توقَّف مكانه حين رآها.
كانت تتمدَّد فوق الأريكة، تضمُّ الصغير فوق صدرها بحنانٍ فطري، تمرِّر أناملها بين خصلاته الناعمة وتهمس له بأغنية طفولية بالكاد تُسمع.
كان الصغير غافيًا بطمأنينة كاملة.
تسمَّرت قدميه..
مشهد بسيط...لكنه هزَّ شيئًا عميقًا بداخله.
ارتجف قلبه وهو يراها تحتضنه بذلك الدفء الذي لطالما تخيَّل أن يراه يومًا مع طفله...طفله هو.
لكن بعض الأمنيات لا يمنحها الله لنا وقتما نشاء.
انسابت عيناه فوق ملامحها الهادئة، ثم توقَّفتا عند منامتها السوداء الشفافة التي كشفت أنوثتها دون قصد، وخصلاتها المبعثرة التي غطَّت نصف وجهها، استقرَّت نظراته على قبضة الصغير المتشبِّثة بمقدِّمة منامتها.
شعر بشيء يعتصر صدره..
غيرة؟
حزن؟
أم حسرةِ رجلٍ حُرم من حلم الأبوَّة حتى بات يغار من طفلٍ لا يملك سوى قلبٍ بريء؟
اقترب سريعًا..شعرت بخطواته، فرفعت عينيها إليه بابتسامة دافئة:
ـ حمد الله على السلامة يا حبيبي... محسِّتش بيك.
أجابها بصوتٍ خشن لم ينجح في إخفاء اضطرابه:
ـ وإنتِ هتحسِّي بيَّا إزاي...وإنتِ واخدة الواد ده كلُّه في حضنك؟
انحنى وحمل الصغير بين ذراعيه، ثم أردف بجمودٍ مصطنع:
ـ ودِّيه لأبوه وأمُّه...كفاية عليه كده.
اعتدلت تنظر إليه بذهول:
ـ إيه اللي بتقوله ده يا يوسف؟
لكنَّه لم يجب.
تحرَّك بالصغير...ليفتح الصغير عيناه مبتسمًا..
ومدَّ كفِّه الصغير نحو وجهه، يربت على ذقنه ببراءة، ثم مرَّر أصابعه الممتلئة فوق وجنته.
توقَّف يوسف...يحدِّق به وكأنه يرى معجزة صغيرة بين يديه.
كيف لطفلٍ لا يعرف الكلام أن يرمِّم كلَّ هذا الخراب؟
كيف لضحكةٍ بريئة أن تداوي أرواحًا أنهكها الفقد؟
جلس على الأريكة وهو يحمله، يتأمَّل أصابعه الصغيرة التي تشبه أغصانًا غضَّة، يلامسها بحذر يخشى أن يؤذيها.
كانت أنفاسه الدافئة تداعب وجهه، وعيناه الواسعتان تتعلَّقان به بفضولٍ طفوليٍّ نقي، خالٍ من الأحكام والخذلان..لا يعرف هذا الطفل شيئً
ضحك الصغير حين داعب يوسف وجنتيه، فانطلقت منه ضحكةً صغيرة تشبه الموسيقى.
ضحكة واحدة فقط...كانت كفيلة بأن تضيء شيئًا انطفأ بداخله منذ زمن.
ظلَّت ضي تراقبهما بصمت.
تأمَّلت ملامحه التي أشرقت والطريقة التي احتضن بها الطفل، وخز الألم قلبها بقسوة.
كم تمنَّت أن يكون هذا الطفل ابنهما.
كم تمنَّت أن ترى ملامحه في صغيرٍ يحمل اسمه، ويشبه ضحكته، ويناديها يومًا "ماما".
شقَّت دمعة وحيدة طريقها إلى وجنتها.
انسحبت بهدوء، قبل أن يفضحها قلبها.
لكن...
كيف للحبيب ألَّا يشعر بانكسار حبيبه؟
رفع يوسف رأسه، فلم يجدها.
التفت حوله، فوقع بصره على ظلِّها الواقف بالشرفة.
وضع الصغير برفقٍ في فراشه الصغير الذي أعدَّته ضي بعناية، ثم اتَّجه نحوها.
توقَّف عند باب الشرفة.
كانت تقف وظهرها إليه، تحدِّق في ظلام الليل، تمسح دموعها سريعًا.
شعر بثقلٍ هائلٍ يهبط فوق صدره.
فوجعها...كان يشبه وجعه تمامًا.
تراجع خطوةً إلى الخلف..
هرب.
هرب لأنَّه لا يملك كلماتٍ تواسيها، ولا معجزة تمنحها ما تتمنَّاه.
اتَّجه إلى غرفته، لكنَّه توقَّف على صوت صغيرٍ انبعث من خلفه:
ـ بب...بب...
استدار.
كان الصغير يلوِّح بكفَّيه الصغيرتين، يضحك له ببراءة، وكأنَّه يناديه.
ابتسم يوسف رغمًا عنه.
ابتسامة موجوعة...تشبه دمعة تأخَّرت كثيرًا.
ظلَّ واقفًا للحظاتٍ يحدِّق فيه.. واحلامًا
عند بلال
وصل بلال الكمبوند، فأوقف السيارة وترجَّلت رولا ببطء، بينما استدار هو متَّجهًا نحو منزل والده.
التفتت إليه باستغراب وسألته:
_إنتَ رايح فين؟
أجابها دون أن ينظر إليها:
_هشوف ماما...بابا لسه مرجعش، على ما أرجع، عدِّي هاتي يوسف من عند ضي.
أومأت برأسها قائلةً بهدوء:
_تمام.
راقبته للحظات وهو يبتعد، ثم أخذت نفسًا عميقًا وتحرَّكت نحو منزل يوسف.
في الطابق العلوي بمنزل يوسف، استدارت ضي على صوت بكاء الصغير. بحثت بعينيها عن يوسف، علمت أنَّه صعد إلى غرفته.
حملت الطفل بين ذراعيها، وفي اللحظة نفسها دوى جرس الباب.
أسرعت الخادمة لتفتحه، لتدلف رولا بخطواتٍ مرهقة، تحمل على ملامحها الألم.
ما إن وقعت عينا الصغير عليها حتى أطلق همهمة فرحة، رافعًا ذراعيه الصغيرتينِ نحوها.
ابتسمت رغم الألم الذي يسكنها، وضمَّت طفلها إلى صدرها، تغمر رأسه بالقبلات:
_مساء الخير يا حبيب مامي.
جلست بجوار ضي، التي رمقتها بنظرةٍ عاتبة ممزوجة بالقلق:
_إيه اللي أخَّرك كده؟ مش قولتي هتروحي تشوفي كارما وترجعي على طول، الواد مسكتش مع ماما ولا النانا؟
خفضت رولا عينيها وهي تشدُّ طفلها إلى حضنها أكثر:
_عدِّيت على المكتب.
زفرت ضي بضيق وقالت:
_مكتب إيه دلوقتي يا رولا؟ إحنا ما صدَّقنا الأمور هديت شوية.
ارتجفت شفتا رولا، ولم تستطع أن تمنع الدموع من التسلُّل إلى عينيها:
_بلال مش عايز يسامحني يا ضي...
اقتربت ضي منها فورًا، وجلست بجوارها، تحيط كتفيها بذراعها:
_رولا...أنا وقفت معاكي، وغلَّطت أخويا، أنا عارفة إن غيرة الست نار... بس إنتِ لغيتي عقلك خالص.
توقَّفت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ أكثر هدوءًا:
_طب لو حطِّينا أسوأ الاحتمالات...لو كان فيه حد مستنِّيكي فعلًا، وكان قصده يئذيكي، كنتِ هتعملي إيه؟
انهمرت دموع رولا، وتذكَّرت انهيارها ولولا وقوف بلال ووالدها معها في تلك المرحلة لكانت انتحر. ت ممَّا شعرت به..نظرت لضي:
_أنا تعبانة أوي يا ضي...تعبانة وبحاول أبيِّن إنِّي كويسة.
احتضنتها ضي بقوة، وربتت على ظهرها بحنان:
_اهدي يا حبيبتي...إن شاء الله كلِّ ده هيعدِّي، وبلال مهما زعل، بيحبِّك، سيبيه يهدا شوية وهيرجع.
ابتسمت ضي في محاولة انتشالها من حزنها، ورفعت ذقنها بمشاكسة:
_وبعدين، الجمال ده كلُّه وأخويا الأهبل يعرف يبعد عنه؟
خرجت ضحكة باهتة من بين دموعها:
_والله أنا اللي هبلة...
وقبل أن تكمل، قطع صوت يوسف حديثهما وهو يهبط الدرج:
_عاملة إيه يا رولا؟
مسحت دموعها سريعًا ونهضت وهي تحمل طفلها:
_كويسة.
استوقفتها ضي:
_رايحة فين؟ استني اتغدي معانا، ويوسف هيتِّصل ببلال.
هزَّت رأسها برفضٍ خفيف، ثم التفتت إلى يوسف:
_إنتَ هتسافر تاني؟
أومأ وهو يجلس:
_آه.
قطّب حاجبيه باستغراب:
_.ليه؟
_سمعت بابا بيقول إنُّكم مسافرين، فسألت بس.. وعرفت ضي كمان هتسافر معاك
أومأ لها بابتسامةٍ مقتضبة، فغادرت وهي تضمُّ طفلها إلى صدرها،
تابعتها ضي بعينيها حتى اختفت، ثم التفتت إلى يوسف:
_أخلِّيهم يجهِّزوا الغدا؟
أشار إليها أن تقترب:
_تعالي اقعدي جنبي الأوَّل.
جلست إلى جواره، تنظر إليه بابتسامة، فمدَّ يده يداعب وجنتها بحنان.
تأمَّلت ملامحه للحظات، قبل أن يقول بصوتٍ هادئ:
_أنا قرَّرت نعمل حقن مجهري.
اتَّسعت عيناها بذهول، وكأنَّها لم تستوعب ما سمعت:
_بجد؟! قول والله!
ابتسم وهو يومئ برأسه:
_والله.
شهقت بسعادة، وألقت نفسها بين ذراعيه بقوَّة:
_إنتَ أحسن راجل في الدنيا.
ابتعدت قليلًا، تنظر إلى عينيه الهادئتين، كانت الفرحة تفيض من ملامحها:
_أنا بحبَّك أوي يا يوسف.
احتوى وجهها بين كفَّيه، ثم طبع قبلة حانية فوق جبينها:
_أهمِّ حاجة عندي إنِّك تكوني سعيدة.
أغمضت عينيها، وأسندت رأسها إلى صدره، تستمع إلى دقَّات قلبه التي كانت دائمًا ملاذها الآمن.
همست بصوتٍ امتزج بالامتنان والحب:
_أنا سعيدة طول ما أنا في حضنك...يا حبيبي..
عند إلياس...
دلف هو ويزن إلى منزل سارة بعدما سمحت لهما الخادمة بالدخول. تحرَّكت عيناه ببطء تتفحَّصان المكان؛ أثاث أنيق، لوحات باهظة، وتفاصيل تنتمي بوضوح إلى حياةٍ مرفَّهة.
توقَّفت نظراته عند صورة كبيرة معلَّقة على الحائط لسارة تقف بجوار رجلٍ تبدو عليه ملامح الثراء والنفوذ.
اقترب منها في صمت، يتأمَّل ملامحها المبتسمة في الصورة، بينما تعالت في أرجاء المنزل طرقاتِ حذائها الهادئة.
التفت إليها فور ظهورها.
توقَّفت عند مدخل الصالة، وبادلت نظراته بنظراتٍ متحفِّظة:
_أهلًا...نوَّرتوا.
استدار إليها كاملًا، يرمقها بهدوءٍ غريب، ورغم ملامحه الجامدة، كانت عيناه تتفحَّصان كلِّ تفصيلةٍ بها؛ كأنَّها لوحةٌ قديمة يحفظها رسَّام عن ظهر قلب.
اقتربت منه بخطواتٍ حذرة، وعيناها تنتقَّلان بينه وبين يزن:
_خير؟
أجابها إلياس بصوتٍ هادئ:
_عايز أتكلِّم معاكي شوية..محبتش أبعتلك، فقولت أجيلك لحدِّ هنا.
التفتت إلى يزن الذي كان يجلس بأريحية مستفزَّة، يعقد ساقًا فوق الأخرى ويشعل سيجارته ببطء.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بحدَّة:
_وإنتَ كمان جاي وعايز تتكلِّم؟
أطلق يزن ضحكة ساخرة، ثم نفث دخان سيجارته قائلًا:
_إنتِ وعيلتك ما تهمونيش في حاجة، بس شكلك واحدة كذَّابة...أو نصَّابة، وفي الحالتين، نصَّابة غبية.
اشتعل الغضب في عينيها، فتقدَّمت نحوه خطوة:
_اخرس! هنصب عليك في إيه؟
رفعت ذقنها بتحدٍّ وأردفت:
_ولمَّا أنا نصَّابة، وافقتوا ليه على جواز بنتكم لابننا؟
ضرب يزن ذراع المقعد بكفِّه ساخرًا:
_يبقى إحنا اللي أغبيا، علشان معرفناش أشكالك من الأوَّل.
ارتفع صوتها وهي تشير إلى الباب:
_اطلعوا برَّه بيتي، فعلًا ولاد راجح.
هبَّ يزن واقفًا، واشتعلت عيناه غضبًا:
_نسأل عليكي إزاي وإحنا منعرفش إنِّ المرحوم كان بيمشي يجري ورا الستَّات!
ضحكت بمرارة، وعيناها تمتلئان بالغضب والوجع:
_يا سلام! ولَّا سألتوا علشان تاخدوا حقِّنا؟ ولَّا علشان تقتلونا زي ما قتلتوا أبوكم؟
ساد الصمت للحظة.
تصلَّبت ملامح يزن، واقترب منها بخطوةٍ خطيرة:
_كويس إنك عارفة إنِّنا قتلناه... وممكن نقتلك إنتِ كمان دلوقتي.
التفت إليه إلياس بعينينِ حادَّتين:
_يزن...اسكت.
قالها بنبرةٍ حاسمة، ثم عاد بنظره إلى سارة، وصوته أكثر هدوءًا:
_مدام سارة، لو ناويين نعمل مشاكل، ما كناش جينا لحدِّ هنا.
توقَّف لحظة يتأمَّل ارتجافة يديها رغم محاولتها إخفاءها:
_إحنا جايين نفهم، لو إنتِ فعلًا بنت راجح، ليه استنيتي كلِّ السنين دي..وليه دلوقتي قرَّرتي تظهري؟
نظرت إليه مباشرة، وفي عينيها عتاب عمرٍ كامل:
_وليه إنتوا ما سألتوش علينا؟
وقبل أن يجيب، قطع التوتُّر صوت ضعيف آتٍ من آخر الممر:
_سارة...فيه ضيوف؟
التفتت سارة سريعًا:
_إيه اللي نزِّلك يا ماما؟ كنتِ ارتاحي.
تقدَّمت امرأة خمسينية بخطواتٍ بطيئة، ترتسم على وجهها ملامح إرهاق السنين.
توقَّفت أمامهما، تنظر إليهما بفضولٍ ممزوجٍ بالحذر:
_مرحبًا.
أومأ إليها إلياس باحترام:
_أهلًا بحضرتك.
بينما وقف يزن في مكانه، يرمقها بنظراتٍ متفحِّصة.
جلست السيدة على المقعد، لكن عينيها لم تفارقا وجهيهما.
تنحنحت سارة وقالت بتردُّد:
_ماما...ده إلياس، وده يزن.
أومأت برأسها في صمت.
ابتلعت سارة ريقها، ثم أضافت بصوتٍ خافت:
_يزن...يزن راجح الشافعي.
تغيَّر لون وجه صوفيا في لحظة.
واتَّسعت عيناها بذعر، ونهضت من مكانها بعنف حتى كادت تتعثَّر.
تراجعت خطوة للخلف، ثم تشبَّثت بذراع ابنتها بقوَّة:
_ماذا تريدون؟!
ارتجف صوتها وهي تنظر إليهما بخوفٍ حقيقي، خوف قديم استيقظ فجأة بعد سنواتٍ من الدفن:
_سارة، اتِّصلي بالشرطة الآن!
تجمَّد يزن في مكانه، بينما انعقد حاجبا إلياس في دهشة.
لم تكن نظراتها نظراتُ امرأة خائفة من غرباء...
بل نظراتُ شخصٍ رأى شبحًا عاد لينتقم.
_استني يا ماما...لمَّا نشوف البهوات عايزين إيه.
جلس إلياس بهدوء، وأشار إليها قائلًا:
_ممكن تقعدي، إحنا مش جايين نؤذي حد..أنا بس عايز أفهم إزاي راجح اتجوِّز وخلف.
تقدَّمت صوفيا خطوة، تضمُّ ذراعيها إلى صدرها كأنها تحتمي بنفسها:
_من يكون هذا سارة؟.
أجابت سارة بصوتٍ خافت، وهي تنظر إلى والدتها:
_ده إلياس..اللي المفروض يبقى ابن عمِّي يا ماما.
تأمَّلته صوفيا طويلًا، وعيناها تضيقان بالشكِّ والخوف:
_أنا لا أعلم شيئًا..وسارة لا تعلم شيئًا.
جلست سارة إلى جوار والدتها، وربتت على يدها المرتجفة:
_اهدي يا ماما...عادل جاي في الطريق، الأمن بلَّغوه.
حكَّ يزن ذقنه وهو يطالعها بسخرية، بينما قال إلياس بنبرةٍ هادئة:
_أنا جيت أسمع وبس.
ثم نظر إلى سارة وسأل:
_مامتك هتحكي...ولَّا هتحكي إنتِ؟
عقدت صوفيا حاجبيها وقالت بارتباك:
_«عمَّ تتحدَّثون، وماذا تقصدون؟»
ظلَّ إلياس يتابعها بعينينِ ثابتتين، قبل أن يقول:
_حضرتك ليه محسِّساني إنِّنا جايين نؤذيكم؟
قاطعهم يزن بحدَّة:
_الأستاذة قالت إنِّنا سرقناكم وقتلناكم كمان! سرقة إيه اللي بتقولوا عليها؟
رفعت سارة رأسها، وقالت بصوتٍ اختلط فيه القهر بالغضب:
_حقِّنا يا باشمهندس.
سخر يزن:
_حقِّ إيه، هتستعبطي؟
التفت إليه إلياس بعصبية مكتومة:
_يزن...
ثم أعاد نظره إلى سارة:
_سامعك...اتكلِّمي.
نظرت سارة إلى والدتها، فهزَّت صوفيا رأسها بالرفض، لكن سارة أغمضت عينيها للحظة، وكأنَّها تستجمع شجاعة خمسةٌ وثلاثون عامًا من الصمت.
ثم بدأت تحكي:
_من خمسة وأربعين سنة..كان فيه راجل طيِّب، عنده مقهى صغير على البحر، كلِّ رزقه وحياته كانوا مراته وابنه الصغير اللي ما كمِّلش عشر سنين.
ارتجف صوتها وهي تكمل:
كان كلِّ حلمه يعيش في ستر، ويشوف ابنه بيكبر قدَّامه.
انهمرت دموع صوفيا بصمت، بينما تابعت سارة:
في ليلة..دخل المقهى راجل غريب، قعد زي أي زبون عادي، لكن أمِّي ما كانتش تعرف إنِّ الشيطان دخل بيتهم بنفسه.
ابتلعت غصَّتها وأكملت:
_فضل يطلب حاجات كتير...مش عشان محتاجها، لكن عشان يشوفها أكتر.
وبعدها بأسبوع رجع، وبعده أسبوع كمان..لحدِّ ما بقى صاحب الراجل الطيب، صدَّقه وفتح له قلبه وبيته، وهوَّ كان فاتح عينه على مراته.
أخفضت رأسها، ثم رفعت عينيها إلى إلياس:
_لعب بعقله..ورسم له أحلام كبيرة. أقنعه يهدم المقهى اللي ورثه عن أبوه، ويستلف فلوس ويبني مشروع أكبر.
خلَّاه يمضي على شيكات، ويغرَّق نفسه في الديون..وفجأة اختفى.
اشتدَّت شهقات صوفيا، فأمسكت سارة يدها بقوَّة:
الديون تراكمت..والراجل دا باع بيته وكلِّ حاجة يملكها، بس ما قدرش يسدِّد.
الدَّيَّانة وقفوا له، والشيكات اترفعت عليه..ودخل السجن.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تنطق سارة بصوتٍ مكسور:
وهنا..ظهر الشيطان من تاني.
تجمَّد إلياس في مكانه، بينما شحب وجه يزن.
راح له السجن..وساومه.
رفعت سارة عينيها المبلَّلتين بالدموع إلى إلياس مباشرة:
قال له هخرَّجك من السجن..بس تطلَّق مراتك.
ارتفع بكاء صوفيا، وكأنَّ الجرح انفتح من جديد بعد كل تلك السنوات.
_ رفض..واختار السجن.
تنفَّست سارة بصعوبة، ثم همست:
لكن الشيطان ما اكتفاش.
توقَّفت لحظة، ومسحت دموعها المرتجفة:
هدَّده بقتل ابنه..قال له لو ما طلَّقتهاش، ابنك هيموت.
ارتعش صوتها عند كلماتها الأخيرة، وكأنها تعيش المأساة من جديد:
ـ كان بين نارين..نار زوجته، ونار ابنه.
توقَّفت لثوانٍ، تحاول التقاط أنفاسها، ثم همست بانكسارٍ موجع:
ـ وفي النهاية..اختار يضحِّي بمراته علشان ينقذ ابنه.
أطرقت رأسها، وسقطت دمعة حارَّة على كفَّيها المرتجفتين:
ـ وطلَّقها...
أطلق يزن ضحكة ساخرة، وكأنَّ ما سمعه لم يكن سوى حكاية تُروى قبل النوم.
ـ طبيعي..ده راجح جيمس نارُو.
رفعت سارة عينيها إليه بغضبٍ مشتعل، لكنَّه أكمل بلا مبالاة:
ـ مش متفاجئ، طول عمره راجح ماكانش إنسان عادي.
تدخَّل إلياس، وقد عقد حاجبيه في حيرة:
ـ بس والدتك قبطية..إزاي اتجوزت راجح؟
قهقه يزن بمرارة، وهزَّ رأسه ساخرًا:
ـ ما تلاقيه غيَّر ديانته، عادي راجح.
رفعت سارة رأسها ببطء، وقالت بصوتٍ متهدِّج:
ـ بعد ما طلَّقها..قتله
شهقت صوفيا، بينما أكملت سارة بصعوبة:
ـ وماما بقت أرملة...وبعدها هدَّدها بابنها لأنَّها رفضت.
هنا ارتجفت شفتي صوفيا ، وانهمرت دموعها دون توقُّف.
ـ كان إنسانًا بشعًا.
ظلَّ إلياس يراقب انهيارها بصمت، بينما انفجرت بالبكاء:
ـ أردت قتله لعدَّة مرَّات..
ضمَّت ذراعيها حول نفسها، وكأنها تحاول حماية جسدها من ذكرياتٍ تنهش روحها:
ـ لقد دمَّرني أنا وعزيزي، أقسمت بالمسيح أنِّي سأقتله، لكنَّه ذهب... وبعدها علمت أنَّه مات.
قطَّب إلياس جبينه، وسأل بهدوء حذر:
ـ طيب...إزاي الكنيسة وافقت على جواز مسلم من مسيحية؟
مسحت صوفيا دموعها بيدٍ مرتجفة، وقالت بصوتٍ خافت:
ـ بعد ما خطف مايكل..اضطررت لموافقة زواج مدني.
تبادل يزن وإلياس نظرة سريعة، قبل أن يسأل يزن:
ـ وابنك فين دلوقتي؟
ساد الصمت.
ظلَّت تحدِّق في الأرض، عاجزة عن الإجابة.
لكن سارة رفعت رأسها وقالت بحزم:
ـ عايز ينتقم منكم.
انتفضت صوفيا، ونظرت إليها بذعر:
ـ سارة...اصمتي.
لكن سارة أكملت، وكأنَّها قرَّرت أخيرًا أن تزيح هذا الحمل عن صدرها:
ـ مايكل عرف إنُّكم قتلتو راجح، وإن يزن أخد فلوسه..
اقترب يزن خطوة، وقد اتَّسعت عيناه بصدمة:
ـ إنتِ بتقولي إيه؟
تدخَّلت صوفيا بسرعة:
ـ سارة لا تعلم شيئًا..
_لا..لقد أوقعه راجح في بعض الأعمال وهو صغير السن، وبعدما استغلَّه وسرق حياته، قاله أنَّكم أخذتم كلَّ شيء.
_هوَّ راجح اتجوز والدتك إمتى؟.
نظرت لوالدتها وقالت:
_أنا عندي أربعين سنة.
لكن الأخيرة لم تتراجع:
ـ مايكل موجود هنا..في مصر.
تجمَّدت ملامح يزن، بينما اشتدَّ انتباه إلياس.
ـ وعايز ينتقم منكم.
هزَّت صوفيا رأسها بعنف:
ـ اسكتي!
إلَّا أنَّ سارة اندفعت بالكلمات وكأنَّها تخشى التراجع:
ـ راجح كان له بنت في السجن، مايكل وصل لها بعد ما عرف بموته، وهيَّ قالت له إنُّكم قتلتوه، وإنِّ يزن أخد فلوسه.
همس يزن بذهول:
ـ تقصدي مين؟
أجابه إلياس فورًا:
ـ رؤى.
أومأت سارة برأسها.
ـ أيوه..كان بيتواصل معاها فترة، وبعدها اختفت.
زفر يزن بقوَّة، واقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطواتٍ قليلة:
ـ لأنَّها اتعدمت.
نظر إليها بثبات، وعيناه تشتعلان غضبًا ممزوجًا بالألم:
ـ وإحنا ما قتلناش حد، ولا أخدنا جنيه واحد من راجح.
توقَّف لحظة، ثم أكمل بصوتٍ حاد:
ـ عارفة ليه؟
ابتلعت سارة ريقها بصعوبة.
ـ لأنُّه كان إرهابي..تابع لجماعات إرهابية، واتعدم بحكم قانوني.
أشار يزن إلى إلياس ثم قال بجديَّة:
ـ وإحنا كنَّا ضحاياه زيُّكم بالضبط.
ساد الصمت.
صمتٌ ثقيل، محمَّل بالخوف والصدمة والذكريات.
قطع يزن الصمت، وعيناه مثبَّتتان على صوفيا:
ـ مايكل عايش فين؟
التفت إليه إلياس سريعًا، مترقِّبًا الإجابة.
رفعت صوفيا عينيها ببطء، وبدا الارتباك واضحًا في ملامحها..
ثم هزَّت رأسها بيأس، وهمست:
ـ لا أعلم.
خرج إلياس من المنزل بخطواتٍ بطيئة، توقَّف أمام سيارته، وأسند كفِّه إلى السقف للحظة؛ وكأنَّه يحاول ترتيب ذلك الكم الهائل من الأفكار التي تعصف برأسه.
قال دون أن يرفع عينيه:
_أرسلان هيروح لراكان..روح شوف موضوع المهندس ده هينتهي على إيه، قبل ما ابنك يورَّط نفسه في حاجة مش هيعرف يخرج منها.
أومأ يزن برأسه، ثم قال:
_أرسلان كلِّمني فعلًا...إنتَ استفدت حاجة من مقابلة الستِّ دي؟
رفع إلياس عينيه إليه، نظرة طويلة صامتة، مثقلة بما لم يقله..قبل أن يجيب، سبقه يزن بغضبٍ مكبوت:
_راجح ده لو عايش..كنت قتلته بإيدي..والله كنت موِّته بدل المرَّة مليون مرَّة.
التفت إليه إلياس ببطء، وقال بنبرةٍ هادئة على نحوٍ مستفز:
_تموِّته مليون مرَّة..وإزاي، هوَّ اللي بيموت بيرجع تاني علشان تموِّته كل مرَّة؟
زفر يزن بقوة، ولوَّح بيده في الهواء بضيق:
_أنا ماشي يا إلياس..مش ناقص استخفاف دم.
راقبه إلياس بصمت وهو يبتعد، حتى اختفى تمامًا عن ناظريه، أخرج هاتفه وضغط على اسم أرسلان.
جاءه صوت أرسلان على الجهة الأخرى:
_أيوة يا إلياس.
_وصلت لراكان ولَّا لسه؟
_لسه، يادوب داخل البيت..هطلع أغيَّر هدومي وأروح له، فيه حاجة؟
انعقد حاجبا إلياس، وعادت إليه خيوط فكرة كانت تؤرقه منذ خروجه من منزل سارة:
_فاكر الراجل اللي جاسر قال معاه كذا جنسية؟.
اجاب أرسلان:
_تقصد معتز الدمنهوري؟
اشتدَّت ملامح إلياس وهو يحدِّق في الفراغ أمامه:
_أيوة..ركِّز معايا كويس، إنتَ قولت قبل كده إنِّ الراجل ده عنده جواز سفر باسم مايكل.
_صحيح..وكمان بجنسية فرنسية.
للحظة، خفق قلب إلياس بعنف، وكأنَّ قطعة جديدة استقرَّت أخيرًا في مكانها الصحيح من تلك الأحجية المعقَّدة.
فقال بحزم:
_أوِّل ما تخلص من عند راكان، خدلي ميعاد مع إسحاق..ضروري.
_إسحاق!!.دلوقتي صعب يا إلياس. حفلة حفيده بكرة وكلِّ البيت مقلوب بسببها.
سكت إلياس، وتسلَّلت إلى ذهنه صورة شمس وطفلها..تذكَّر كيف تأجَّلت الحفلة شهرًا كاملًا بعد ما مرَّت به العائلة، وكيف انتظر الجميع حتى تستعيد شمس عافيَّتها ويعود الاستقرار إلى البيت.
أغمض عينيه للحظة، ثم قال:
_خلاص..بعد الحفلة على طول.
_تمام.
أغلق الخط دون كلمة أخرى.
ظلَّ واقفًا مكانه للحظات، يحدِّق في المنزل خلفه...وحديث سارة ما زال يصدح باذنه
شدَّ على الهاتف بين أصابعه، ثم استدار أخيرًا واستقلَّ سيارته.
انطلقت السيارة بهدوء، بينما تحرَّكت سيارات الحراسة خلفه.
بمكتب راكان..
جلس جاسر بمقابلته، يقصُّ عليه بحماس تفاصيل رحلته الصيفية القادمة بين الغابات.
ـ يعني هتسافر جولة كاملة؟
أومأ جاسر وهو يرتشف من مشروبه:
ـ أيوة...الولاد مصمِّمين، وأنا بصراحة محتاج أغيَّر جو.
ابتسم راكان:
ـ حلو...لو كنت فاضي كنت سافرت معاكم، سفيان وكيان هناك بقالهم أسبوع.
ـ أيوة، كلِّمني سفيان..بس قال إنُّه راجع آخر الأسبوع علشان ولادة كيان.
اتَّسعت ابتسامة راكان:
ـ أيوة...ابن أختك كان عايزها تولد في روسيا، هدَّدته لو منزلش مصر هطلَّقهم بنفسي.
ضحك جاسر ساخرًا:
ـ على أساس إن سفيان خاف.
ـ يا سيدي...بنحاول.
-المهم تعال بجد نعمل جولة، وسيب الشغل شوية.
ارتشف من فنجانه:
_والله نفسي، بس المكتب معاه قضية لابن يزن الشافعي، ومش عايز تقصير.
_يزن الشافعي دا اللي من عيلة إلياس الشافعي ولَّا تشابه؟.
_هوَّ...تذكَّر جاسر قضيته فأومأ قائلًا:
_أيوة أنا كمان متابع القضية.
طالعه راكان:
_تفتكر القضية دي تخص يزن وابنه، ولَّا ممكن شغل إلياس القديم؟.
هزَّ جاسر رأسه بالنفي وقال باعتراض:
_مش إلياس، لو إلياس كان حد من ولاده، زي حادثة ابنه اللي من فترة، رغم إنُّهم قالوا حادث طبيعي، بس متأكِّد لعبوا في القضية.
ابتسم راكان بتهكُّم:
_ توقَّع من أرسلان أي حاجة، دا راجل سم.
وافقه جاسر الرأي:
_معاك، ياخد منك اللي عايزه، وإنتَ متعرفش تاخد منه حرف.
حكَّ راكان ذقنه:
_طيب تفتكر وصل لحاجة في قضية آسر دا ولَّا فعلًا القضية معقَّدة زي ما المحامي بيقول؟.
تبدَّلت ملامح جاسر فجأة وقال:
ـ بس فيه موضوع مهم يا راكان..عيلة الشافعي ما قالتش عليه.
رفع راكان رأسه نحوه:
ـ تقصد إيه؟
انحنى جاسر للأمام مستندًا إلى المكتب:
ـ اتِّصل بأرسلان الشافعي واسأله ليه مخبِّي ابن راجح الخفي.
تجمَّدت ملامح راكان لثوانٍ:
ـ ابن راجح مين، قصدك يزن؟
هزَّ جاسر رأسه بضيق:
ـ إيه يا سيادة المستشار، هوَّ ده خفي برضه؟
قطب راكان جبينه:
ـ راجح عمُّهم..الإرهابي؟!
ـ أيوة.
ساد الصمت للحظات، بينما بدأت الخيوط تتشابك داخل رأسه:
ـ طارق؟.
تمتم بها ببطء وكأنَّه يحدِّث نفسه:
ـ الواد ده..اتغيَّر فجأة، ولَّا كان بيرسم علينا كلِّنا؟
ابتعد جاسر نحو النافذة:
ـ هوَّ إنتَ عندك حفلة ولَّا حاجة؟
نهض راكان من مكانه وقد نفد صبره:
ـ لأ..بتسأل ليه؟
ـ علشان أسئلتك غبية.
رمقه راكان بغيظ:
ـ لا والله، أنا الغبي ولَّا أفكارك المتخلِّفة؟ ممكن تسكت..حتى بعد ما كبرت لسه ما بستفيدش منك بحاجة.
رفع جاسر حاجبًا واحدًا وتمتم ببرود:
ـ وإنتَ برضه بعد العمر ده كلُّه، ولسه الغرور ماليك يا ابن البنداري، نافخ ريشك على الفاضي، وصدَّقت مراتك لمَّا قالت عليك طاووس مغرور..لسة بقولَّك أرسلان بيوصلَّك اللي هوَّ عايزه بس.
جزَّ راكان على أسنانه، وفتح فمه ليرد، لكن الباب انفتح فجأة.
دلف أرسلان ه يزن.
التفت جاسر إليهما فورًا:
ـ أرسلان باشا..نوَّرت والله، كنَّا لسه بنجيب في سيرتك.
صافحهما، ثم جلس الجميع.
قال يزن:
ـ خير يا سيادة العقيد؟
ابتسم جاسر ابتسامة غامضة:
ـ كنت بقول لسيادة المستشار على ثغرة صغيرة...يمكن تفيدكم.
ضيَّق أرسلان عينيه:
ـ ثغرة! تقصد قضية آسر؟
أومأ جاسر.
بينما ظلَّ راكان يراقب أرسلان بصمت، ثم قال فجأة:
ـ هوَّ إنتَ ليك ابن عم غير يزن وطارق؟.
وقبل أن يتحدَّث أرسلان، قاطعه يزن وهو يهزُّ رأسه بعبث:
ـ لا...قصدك بنت عم.
في اللحظة نفسها التفت أرسلان إليه بعنف.
كانت نظرة واحدة كفيلة بإسكات يزن، لكن يزن اكتفى بابتسامة مستفزَّة.
أمَّا راكان، فانحنى للأمام ببطء، وغرس عينيه في وجه أرسلان.
لاحظ التوتُّر الذي مرَّ كوميض خاطف في ملامحه، ورأى كيف تشنَّج فكَّه للحظة قبل أن يستعيد هدوئه المعتاد.
_ابن ولَّا بنت، مش يمكن هيَّ أو هوَّ السبب.
تصلَّب يزن في مقعده رغم محاولته التظاهر باللامبالاة..يتذكَّر حديث سارة عن مايكل.
أمَّا أرسلان...ارتفعت عيناه ببطء نحو راكان.
نظرة جامدة...قاسية...وخطيرة.
ثم قال بصوتٍ خافت حاد:
ـ أظن الاجابة مش عندي، التفت إلى جاسر وأكمل حديثه:
_مش الشرطة والمحامي والنيابة المسؤولين.
_أرسلان.
تمتم بها راكان ووضع بعض الصور والأوراق:
_سؤال واحد علشان كل الأوراق تبقى في إيدينا، إنتَ ليك ابن عم غير اللي نعرفهم؟.
_ما قولت لحضرتك يا باشا، السؤال دا إجابته عند جاسر باشا، قالها وهو يرمق جاسر وتابع حديثه:
_مش كان من الأولى نتأكِّد من الأخبار.
_متخافش...راكان هيعرف يوصل للمعلومات، قولُّه على المضمون علشان توصلوا للمتَّهم ودا الأهم.
بمنزل بلال..
خرج من الحمَّام يجفِّف شعره بالمنشفة، فوجدها تبدِّل ملابس الصغير، اتَّجه إلى الخزانة يخرج قميصًا وهو يقول دون أن ينظر إليها:
ـ يوسف وضي هيجوا يسهروا معانا، وكلِّمت آسر كمان..كانوا عايزين يتجمَّعوا في بيت عمُّو إلياس، بس طنط ميرال عند شمس.
لم تجبه.
أنهت إلباس طفلها بصمت، ثم وضعته على الفراش برفق...توقَّف أمام المرآة يصفِّف شعره وكأنها غير موجودة.
اقتربت منه ببطء، حتى وقفت خلفه مباشرة:
ـ بلال...
ـ نعم؟
قالها دون أن يلتفت.
اشتعل الغضب داخلها، فأمسكت ذراعه وأجبرته على مواجهتها:
ـ دي مبقتش عيشة! ممكن أفهم هتفضل مخاصمني لحدِّ إمتى؟ عرفت إنِّي غلطت واعتذرت، والموضوع انتهى!
استدار إليها فجأة، وانقبض فكَّه بقوة:
ـ انتهى؟
ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي مرح.
ـ الموضوع اللي انتهى ده يا مدام أخوكي لسه متَّهم فيه...الموضوع اللي انتهى ده كسرني من جوَّايا..
جزَّ على أسنانه وضغط على ذراعها:
_مهما أعمل، ومهما أحبِّك، هفضل في نظرك الخاين...رغم إنِّي عمري ما خنتك.
اهتزَّ صدرها من وقع كلماته، لكن عنادها كان أقوى من انكسارها.
نزعت ذراعها من قبضته بعنف وصاحت:
ـ وأنا هفضل شايفة الراجل اللي داس على قلب مراته علشان واحدة تانية.
ساد الصمت...صمتٌ مخيف.
كأنَّ الكلمات أصابته في صدره مباشرة.
تجمَّد مكانه للحظات، وعيناه معلَّقتان بها وكأنه لم يتوقَّع أن يسمع منها ذلك أبدًا.
ثم قال بصوتٍ منخفض موجع:
ـ وإذا كنتِ شايفاني كده...إيه اللي مخلِّيكي مكمِّلة معايا؟
ارتجفت شفتاها وضربت صدره بكفَّيها وهي تصرخ:
ـ لأنِّي غبية..غبية وبحبَّك، سامع؟! لكن مش هقبل تفضل تعاقبني كل يوم بالشكل ده! مش هقبل أفضل أترجَّاك تبصلي أو تكلِّمني!
ازدادت دموعها وهي تدفعه مرَّةً أخرى:
ـ لو هتفضل تعاملني كأنِّي عدوَّة ليك، يبقى أروح بيت أبويا أكرملي!
لم يتحرَّك..ظل يحدِّق فيها وكأنَّ كل كلمة تخرج منها تمزِّقه.
ثم أمسك كفَّيها فجأة قبل أن تضربه مرَّةً أخرى، شهقت وهي تحاول سحب يديها:
ـ سيبني!
لكن أصابعه اشتدَّت حول كفَّيها:
ـ زعلانة من إيه، رغم اللي حصل ولسة دماغك زي ما هيَّ، تقدري تقولي لي رحتي المكتب ليه، كنتي بتقابلي مين هناك، معتز مش كدا؟.
انتفض جسدها كلِّه..واتَّسعت عيناها بصدمة.
أمَّا هو فاقترب خطوة، وعيناه تمتلئان بوجعٍ وغضبٍ ورجولةٍ مجروحة:
ـ ردِّي عليَّا.
حاولت الإفلات لكنَّه جذبها إليه أكثر:
ـ حذَّرتك منه كام مرَّة؟
ـ بلال...
ـ كام مرَّة؟!
ارتفع صوته حتى ارتجف قلبها.
ـ قلتلك الراجل ده مش مرتاحله، قلتلك ابعدي عنه...ورغم كده دوستي على كلامي وروحتي تقابليه.
ـ كنت...
ـ كنتِ إيه؟!
ضرب بيده على الخزانة خلفها فانتفضت.
ـ عايزة تثبتي إنِّ كلامي ملوش أي قيمة عندك؟
انهمرت دموعها أخيرًا:
ـ لا...والله لا.
ابتسم بمرارة موجعة:
ـ بس ده اللي حصل، ضغط أكثر يهدر بعنف:
_ مش هسيبك لمَّا تقولي لي ليه رحتي تقابلي الراجل دا..قاطعهم رنين جرس الباب..ابتعدت عنه سريعًا تحاول أن تلملم شتات نفسها، فركت ذراعيها وترقرقت الدموع بعينيها.
ارتفعت أنفاسه، يدور بالغرفة، يمسح على وجهه بعنف..خرجت رولا سريعًا بعدما وجدت حالته، توقَّفت على صوت يوسف مع الخادمة:
_الدكتور صاحي ولَّا نايم؟.
أشارت للداخل:
_هبلَّغه يا دكتور...سحب كفَّ ضي وتحرَّك للداخل وهي تتحدَّث بهاتفها:
_خلاص يا منى ابعتي التصميمات وهشوفهم.
خرجت رولا راسمةً ابتسامة:
_كنتوا بتقولوا أسهر معاكم أهو إنتوا اللي هتسهروا.
جلس وهو يحاوط جسد ضي:
_بلال فين؟.
أشارت للداخل، وتحرَّكت من أمامهم:
_ماما باعتة حلويات هدوِّقالكم.
راقبها يوسف ثم لكز ضي المنشغلة بهاتفها:
_قومي شوفي مالها دي، صوتها مش مظبوط.
رفعت رأسها إليه:
_تمام...عقَّل بلال لسة واخد على خاطره منها.
أومأ لها...نهضت ودلفت خلفها.
بالمشفى عند كارما، أنهت الممرِّضة عملها..
_هوَّ أنا هطلع إمتى؟.
ابتسمت الممرِّضة وردَّت بعملية:
_نطمِّن عليكي، ممكن يوم أو اتنين، إنتي طالعة من حادث كبير.
_عايزة تليفون لو سمحتي.
أخرجت هاتفها وناولته لها، لحظات قليلة وأجاب على الهاتف:
_أيوة يا هشام أنا كارما.
_عايزة إيه مش قولت تنسي اسمي ورقمي، انسي إنِّ ليكي ابن عم.
_هشام لو سمحت، عايزة أطَّمن على كندا، كندا عندك؟.
_معرفش حد بالاسم دا، قالها وأغلق الهاتف.
_ألو..ألو..لكنَّها لم تسمع سوى صوت صفير الإغلاق.
_يا ترى إنتي فين يا كندا؟.
_يا مدام..لو خلَّصتي التليفون ممكن أخده.
_آسفة...قالتها ورفعته إليها.
بأحد الشقق البعيدة عن العمران
كانت تغفو تحتضن نفسها كالجنين، تنساب دموعها بصمت.
دلف أحد الرجال يحمل بعض الطعام:
_قومي يا بت، الأكل.
اعتدلت سريعًا:
_لو سمحت عايزة أمشي من هنا، والله ما هقول حاجة، ههرب بعيد لو سمحت، أنا ما ليش دعوة.
لكنَّه لم يرد عليها خرج وأغلق الباب خلفه، أسرعت تطرق على الباب وتبكي:
_طلَّعوني من هنا.
أمسك الرجل هاتفه وقام بالاتصال:
_معتز باشا، البنت ما أكلتش وكدا هتموت.
أجابه على الطرف الآخر:
_البنت دي تحافظ عليها زي روحك، علشان أقدر أتحكِّم في البتِّ التانية.
_تمام يا باشا.
نظر معتز للرجل الذي يقف أمامه:
_عملت آيه مع الممرِّضة؟.
_للأسف يا باشا، الممرِّضة كانت شغَّالة تمريض عسكري، وحضرتك فاهم.
حكَّ ذقنه بتفكير وتذكَّر الفتاة التي أرسلها معتز لكارما بعدما أفاقت من غيبوبتها التي استمرَّت شهرًا؛ ورسالة تهديد اذا تحدَّثت فأنَّه سيقوم بقتل كندا.
رفع نظره للرجل وقال:
_عرفت الكلام اللي قالته لوكيل النيابة؟.
_قالت سمعت أنين آسر ولمَّا راحت تشوف في إيه محِّستش بحاجة وأغمى عليها بس كان آسر مغمى عليه.
أومأ معتز يهزُّ رأسه ويجزُّ على فكَّيه بغضب:
_برَّأته الحيوانة.
_أيوة يا باشا..بس معترفتش علينا.
نفث رماد سيجارته وشرد وهو يقول:
_علشان مهدِّدينها، البتِّ دي شرسة.
بمنزل بلال..
ارتفعت ضحكات الاثنين، وضعت طفلها بفراشه، وخرجت على أصوات ضحكاتهما، بحثت عن ضي، وجدتها تقف تتحدَّث بهاتفها ويبدو الغضب على ملامحها، توقَّفت تستنتج ضحكاتهما، وصلت ضي إليها:
_رولا أنا ماشية، فيه مشكلة في الشغل، نكمِّل كلامنا بالليل.
امسكتها من ذراعها:
_إيه هتسبيني وتمشي، مش قولتي هتفضلي معايا، هتسبيني لأخوكي.
ابتعدت ترمقها بذهول:
_إنتي عبيطة يا بت، بقولِّك فيه مشكلة في الشغل، وبعدين إيه أسيبك لأخويا دي، دا خايفة عليه منك...وسَّعي كدا لازم أمشي.
تشبَّثت بذراعها:
_هاجي معاكي، همَّا أصلًا مقضينها ضحك، وبيتريقوا عليكي.
ضيَّقت عيناها تطالعها باستفهام:
_مين اللي بيتريق؟.
أشارت رولا بعينيها تجاهم:
_سمعت يوسف بيشتكي منك، وبلال بيقولُّه متعبرهاش.
_يوسف بيشتكي منِّي أنا، والتاني بيقولُّه متعبرهاش!.
هزَّت رولا رأسها ببراءة وتابعت حديثها:
_بيقول بتخنقيه مش بيعرف يخرج زي الأوَّل.
رفعت حاجبها قائلة:
_والله...بخنــ قه!!.
أومأت لها وهي تبتعد بنظرها..
سحبت حقيبتها ودلفت إليهما:
_دا إيه الضحك العسل دا، طب وطُّوا صوتكم خايفة عليكم تتحسدوا.
التفت إليها يوسف، نظرت لعينيه التي تلمع من ضحكاته، بينما ربَّعت رولا ذراعيها فوق صدرها ومطَّت شفتيها واستندت على الجدار منتظرة هجومها عليهما، لحظة..اثنان...ثلاثة إلى أن شهقت معتدلة من فعلتها وهي تعانقه تطبع قبلة على شفتيه:
ابتعد يوسف ينظر إليها بذهول من فعلتها أمام اخيها
تعلقت بذراعه واستدارت تغمز لرولا
_أصل رولا بتقولي اثبتي انك بتحبي يوسف
_انت هتستهبلي ياختي، علشان تثبتي تبوسيه قدامنا
قالها بلال وهو يرمقها بغضب
_وانت لازم تبص علينا
نظر بلال الى رولا
_غمضي عيناكي في بيتك علشان الاستاذة تثبت انها بتحب الاهبل جوزها
لم ترد عليه وعانقت ذراع يوسف
_حبيبي هنزل نصِّ ساعة ورشة التصميم وراجعة.
قطَّب جبينه:
_دلوقتي يا ضي؟!.
نظرت بساعتها وردَّت:
_لسة الساعة مجتش عشرة يا يوسف، مش هتأخَّر...قاطعهم دخول آسر ملقيًا السلام.
أمسكها من كفِّها:
_خلاص هاجي معاكي...استدار إلى بلال:
_هنزل معاها لو رجعنا بدري هعدِّي عليك.
أومأ بلال دون حديث.
هوى اسر على المقعد يشير الى رولا
جلست بجوارها سحبها لأحضانه
_عاملة ايه النهاردة، لسة بتروحي للدكتور النفسي
_للا ياحبيبي، بقيت كويسة الحمدلله
هخليهم يجهزوا السفرة هتتغدى معانا
اومأ لها... نهضت متجهة للمطبخ، بينما اقترب منه بلال
_كنت فين
_بعد ماعرفت مكان المهندس ابوك نقل مكانه
_اممم.. طيب ماتيجي نرسم خطة ونشوف هنعمل ايه
_تسفر ابوك الاول، طول ماهو حاطط دماغه مش هنعرف نوصل لحاجة
_ودا اسفره فين، انت عبيط
بعد فترة خرج آسر من منزل بلال متَّهجًا إلى منزله، أوقفه أرسلان:
_آسر...
استدار إليه، ثم اقترب منه:
_نعم يا عمُّو.
_إنتَ مش عايز تعقل يا بني.
تنهَّد بضيق وقال:
_القضية دي بتاعتي يا عمُّو، ولازم أنا اللي أثبت براءتي بنفسي، مش محتاج مساعدتك يا عمُّو مدام حضرتك مش عايز تساعدني.
مطَّ أرسلان شفتيه واقترب يربت على كتفه:
_اسمعني يا بن يزن، أنا عايز أتعامل معاك كراجل، مش عايز تهوُّرك يا بني، طول عمرك عاقل محتاج عقل آسر الأيَّام دي، علشان نعرف مين بيلعب بينا كلِّنا.
_عمُّو...أشار أليه بالصمت:
_آسر اسمعني حبيبي، إنتَ فاكر الراجل اللي حاول يغتصب أختك؟.
_أيوة يا عمُّو..فاكر، وفاكر كمان إن حضرتك هدِّدتني لو حاولت آخد حق أختي هتنكر وهضيع مستقبلي.. وهفضح أختي بعد ما اتجوزت.
اقترب منه خطوة أخرى وقال:
_وفاكر كمان إنَّك وعدتني إن هتجيب حق رولا، بس فين الحق دا، بح.
دنا خطوةً أخرى ونظر لداخل عيني أرسلان:
_أنا بعد القضية دي تأكَّدت إن صاحب الحق هوَّ اللي بيجري عليه..
لو ضي مكنتش انتظرت الوقت دا كلُّه يا عمُّو.
زفرة حارَّة أخرجها أرسلان، ثم نظر إليه:
_أنا بفرق بينكم يا آسر، شايف إنتَ وأختك مش تهمُّوني زي أولادي.
_اثبت لي دا يا عمُّو، ماهو مش كلام، أختي تعرَّضت للاغتصاب من أكتر من سنتين، وحضرتك عارف مين اللي عمل كدا، بس مفيش أي حاجة.
بس دي لو ضي أو شمس مكنتش صبرت للوقت دا كلُّه.
زمَّ أرسلان شفتيه يهزُّ رأسه بامتعاض:
_طيب يا آسر، عمَّك بيفرَّق بينكو، قالها أرسلان وانسحب دون إضافة شيء آخر، بينما ظلَّ آسر يراقب تحرُّكه بحزن، يعلم أنَّه أخطأ ولكنَّه لم يعد يعلم ماذا يفعل، بسبب ضغط أرسلان عليه.
بمنزل إلياس..
دلفت ميرال تبحث عنه:
_بتعمل إيه يا جدُّو؟.
اعتدل ينظر إليها:
_رجعتي إمتى؟.
_لسة حالًا..هوَّ يوسف مجاش هنا الليلة؟.
_لا...عند بلال، كلِّمني من شوية.
_بلال...ليه فيه حاجة ولَّا إيه؟.
_لا..قالي سهران هناك، المهم شمس عاملة إيه؟.
_كويسة الحمدلله، وابنها حلو أوي يا إلياس، سألت عليك، قولت لها إنَّك هتيجي الحفلة بكرة.
_أكيد حبيبتي...كويس إنِّك جيتي، انا هوصل ماما ساعة كدا وأرجع.
_ماما فريدة..
_ليه..هيَّ كويسة؟.
نهض وهو يجمع أشيائه:
_لا..بس اتَّصلت الصبح ومفضتش، وبكرة هنشغل بالحفل، كلِّمت أرسلان نعدِّي عليها علشان متزعلش.
_خلاص هاجي معاك.
التفت إليها:
_إنتي لسة جاية من برَّة، ارتاحي وروحي لها مرَّة تانية.
طالعته باستغراب:
_إنتَ مش عايزني آجي معاك؟!.
تراجع يحاوطها من أكتافها:
_تفتكري أنا كدا، أنا خايف عليكي، مش عايزك تتعبي، ولو عايزة تيجي براحتك.
ظلَّت تنظر إليه، ثم هزَّت رأسها بالنفي:
_لا..خلاص، روح إنتَ، أنا هعدِّي على يزن، من زمان ماقعدناش مع بعض.
قبَّل جبينها ثم ربت على كتفها:
_سلِّميلي عليه.
_أسلِّم لك عليه، هوَّ مش كان معاك؟؟.
_ميرال...أنا ماشي، هلاقيها منك ولَّا من أخوكي.
بعد فترة كان يجلس بجوار أرسلان بالسيارة:
_آسر زعلان، بيقولِّي بتفرَّق بينَّا.
نظر إلياس للخارج ولم يعقِّب.
_إلياس بكلِّمك.
التفت إليه ينظر بتدقيق ثم قال:
_إنتَ ليه ما قولتليش على حادثة رولا يا أرسلان؟.
توقَّف أرسلان بالسيارة واستدار إليه:
_ومن إمتى وإنتَ بتشك بقدرات أرسلان يا إلياس، أنا متأكد إنَّك عرفت إنِّي بسأل عن معتز علشان حاجة.
أومأ إلياس بتهكُّم ثم عاد ينظر للخارج:
_آسر عنده حق متلموش، ومتنساش إنُّه شاب، والشباب دمُّه حامي.
_طيب يا إلياس، سيطر عليه، علشان ميهدِّش اللي بنعمله.
_قصدك اللي بتعمله يا أرسلان.
زفرة حارقة أخرجها أرسلان غاضبًا:
_إلياس مش وقت جدال، المهم لازم نثبت براءته، يارب المهندس دا ينطق.
_اسمعني يا أرسلان وركِّز، فاكر لمَّا قولت معتز دا له كذا جنسية ومنهم جنسية باسم مايكل؟.
_أيوة..ليه؟،
شرد إلياس بكلمات سارة وصوفيا، استدار إلى أرسلان:
_الراجل دا عايز أنفاسه.
_لو قصدك على موضوع رولا، أنا مش ساكت بحاول أوقَّعه في جريمة أكبر من كدا وبعيد عن فضح البنت، مش عايز اسم البنت يدخل أي قضية، وبعدين الموضوع انتهى وهيَّ اتجوِّزت وخلِّفت، لو عرفنا وقتها كان الموضوع اختلف.
_إنتَ لمَّا سافرت إيران، جبت إيه عن مرات راجح؟.
_كل اللي قولته، يعني الست مكذبتش، إحنا بس كنَّا بندوَّر على اسم راجح اللي هيَّ شطبته علشان خايفة نوصلهم.
_أوووف..كان ناقصني صوفيا وعيالها
تمتم بها إلياس.
طالعه أرسلان بتساؤل:
_إنتَ شاكك يكونوا ورا اللي حصل لآسر؟.
_لا...مش شاكك، أنا متأكِّد بعد كلام الستِّ دي.
_معقول يكون معتز دا هوَّ مايكل، طيب ليه يعمل في رولا وآسر كدا؟!.
_دا اللي عايزين نعرفه، آسر ممكن انتقام، إنَّما رولا لأ، وعايز أعرف الراجل دا يعرف إيه يخلِّيه ينتقم من ولاد يزن أوي، فيه حاجات ناقصة.
هزَّ أرسلان رأسه:
_دا لو معتز مايكل.
_ابعت لي صورة له، وأنا هتصرَّف، المهم دلوقتي عايزين نقرَّب من سارة دي، لازم تكون تحت عينينا، مش عايز أصحى على كارثة.
_من قبل ما تطلب، دلوقتي فيه ناس وراها.
_تمام...يلَّا سوق وفكَّر هنقول لأمَّك إزاي، لازم تعرف مننا قبل ما تتصدم في خبر.
_تمام...بس مظنش إنَّها هتهتم.
أجابه إلياس:
_هتهتم علشان ميرال، المشكلة في ميرال مش في ماما.
_أمممم...أهي دي نسيتها، الله يكون في عونها ميرال لمَّا تعرف.
بعد قليل..
_ماما...ولو سمحتي وحضرتك
فيه إيه يا بن جمال، مش عوايدك؟.
_سيبك منه ياستِّ الكل، وقولي لي عاملة أكل إيه لسيادة اللوا؟،
اتَّجهت بأنظارها إلى أرسلان:
_وإنتَ كمان من إمتى بتاكل عندي،
مخبيين إيه يا ولاد جمال؟.
جلس أرسلان وهو يسحب ثمرة فاكهة من أمامها:
_عايزين نجوز إلياس، وإنتِ تدوري له على عروسة.
ضربت على صدرها بعفوية:
_عايز تتجوز على مراتك يا بن مصطفى، بعد العمر دا كلُّه، والبنت حبيبتي حاسة إنَّك بتخو. نها؟.
مسح على وجهه وشعر بالاختناق، ينظر إلى أرسلان الذي ضحك غامزًا:
_ما ترد يا بن مصطفى، من دقيقة كانت بتقول يا ولاد جمال، شوفت خلِّيتها تقلب إزاي.
رمقتهم بتهكُّم:
_الناس بتكبر وتعقل، وإنتوا بقيتوا أجداد وبتتجنِّنوا.
رفع أرسلان حاجبه بتذمر:
_طيب هوَّ اللي اتجنِّن، بتجمعيني معاه ليه، أنا لسة عاقل ومخنتـ.. ش مراتي إنما هوَّ عينه زايغة، وتيجي تكلِّميه مغرور بيبقى زي الطاووس.
_ماهو لو معملش كدا ميبقاش ابن السيوفي.
_خلَّصت مسريحتك يا تافه..قالها والتفت إلى فريدة:
_وإنتِ يا مدام فريدة، أنا غلطان وبحاول أخفف عليكي الصدمة، قاطعه أرسلان:
_ماما..ضرِّتك بتسلم عليكي، وعندها بنت زي القمر شبه إلياس.
قطبت جبينها غير مستوعبة حديثهما:
_إنتَ بتقول إيه؟!.
نهض وهو يلتهم التفاح:
_طلع عندك ضرَّة وعندها توأم زغرطي يا فريدة.
_ضرَّة!.التفتت إلى إلياس علَّها تستوعب ما نطقه أرسلان، وجدت الجمود على وجهه، انتفض قلبها تهزُّ رأسها تتمتم بلسانٍ ثقيل:
_مصطفى متجوز عليَّ!.
ضحك أرسلان بصوتٍ مرتفع حتى أدمعت عيناه، لكزته غاضبة:
_بتضحك على إيه، التفتت تنظر إلى إلياس بغضب:
_أنتوا بتتسلوا بيَّا؟.
سحب أرسلان كفَّها يقبِّله ولكنها سحبته سريعًا وتحدَّثت بنبرةٍ غاضبة:
_وسَّع كدا، أنتوا مخبيِّن عليَّ إيه؟.
_ماما.
التفتت إليه سريعًا:
_وإنتَ يا كبير دخلتك دي مش تدخل عقلي.
_هوَّ حضرتك مديانا فرصة نتكلم، هوَّ مصطفى فيه نفس علشان يتجوز، إيه يا فريدة عقلك فين؟.
_تقصد إيه يلا؟.
ضحك أرسلان وهو يلتهم التفاح:
_رد يلا، ولَّا أرد أنا؟.
بصي يا فريدة، راجح المتجوز.
_راجح مين؟.
_طليقك.
هبَّت واقفة وأشارت بيدها بتهديد:
_اسمعوني أنتوا الاتنين...وقف إلياس أمامها:
_ماما..راجح طلع متجوز واحدة يونانية وعنده بنت، أنا بقولِّك علشان تهيأي ميرال.
_راجح..
هوَّ كان متجوز على رانيا؟!.
توقَّف إلياس بمقابلتها:
_ماما اقعدي واسمعيني كويس، علشان نعرف هنواجه الموضوع دا إزاي، من غير ما اسمنا يكون متصدَّر وسائل الإعلام.
بمنزل كريم..
توقَّفت بالمطبخ تعد لأختها مشروبها المفضَّل، دلفت إليها إيمان:
_بتعملي إيه يا آسيا؟.
_مفيش يا ماما بعمل لسدن الكابتشينو بتاعها.
التفتت إيمان تبحث عن الخادمة:
_مطلبتيش من البنات يعملوها ليه؟.
احضرت ماكينة التقليب وقالت دون أن تنظر لوالدتها:
_مش مهم، أنا فاضية، وهيَّ كمان بتحبُّه من إيدي.
اقتربت منها وتوقَّفت خلفها:
_آسيا عايزة أسألك عن حاجة.
نظرت لوالدتها تنتظر حديثها.
_أختك بتقول إنَّها بتحب آسر، إنتِ تعرفي الموضوع دا؟.
ارتجفت يدها وسقط الكوب من يدها، انحنت سريعًا تلملم الزجاج المتناثر..
أوقفتها إيمان وهي تنادي على الخادمة، ثم سحبت كفَّ ابنتها وتحرَّكت بها للخارج وهي تقول:
_اعملو كابتشينو للبنات.
_تحت أمرك يا دكتورة.
تحرَّكت إيمان بها للخارج، حتى وصلت إلى حمَّام السباحة، توقَّفت أمامها تنظر إليها بتدقيق:
_فيه أي مشاعر لأسر؟.
_إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟
ارتبكت آسيا، وأبعدت عينيها عن والدتها، وكأنها تخشى أن ترى حقيقة مشاعرها.
_لا طبعًا...مش هلاقي غير آسر وأحبه.
اقتربت إيمان منها خطوة، تحدِّق في عينيها طويلًا:
_متأكدة؟
قبضة مؤلمة اعتصرت قلب آسيا، حتى شعرت أن أنفاسها تتقطَّع، لكنَّها رغم ذلك رسمت ابتسامة ساخرة فوق وجعها:
_اطمني يا ماما...مش آسر اللي يشاركني حياتي، ولو على الكلام اللي حضرتك قريتيه، فده كان مجرَّد تمثيل، كنت ناوية أتلاعب بمشاعره عشان كان الوحيد اللي يقدر يساعدني أسافر.
اتَّسعت عينا إيمان بصدمة لم تستطع إخفاءها:
_معقول!!.معقول تلعبي بمشاعر بني آدم عشان مصلحتك، أنا إزاي ما خدتش بالي من اللي جوَّاكي، إزاي اتغيرتي بالشكل ده يا آسيا؟
استدارت آسيا موليةً إياها ظهرها:
_اتغيَّرت إزاي، حضرتك نسيتي لمَّا حجرتوا على حياتنا؟ لمَّا جبتونا هنا من غير ما تسألونا؟ لمَّا قلتوا إن خالو تعبان وعايز يشوفنا، وأنتم من البداية مرتبين نسيب حياتنا كلَّها ونستقر في بلد مختلفة تمامًا على اللي كنَّا عايشينه.
في لحظة فقدت فيها إيمان صبرها، أمسكتها من ذراعيها وهزَّتها بعنف:
_طيب قوليلي يا ست المسلمة الراقية، صاحبة التقدم والتكنولوجيا... حلال تروحي تعيشي مع شاب غريب عنك..حلال تسيبي أهلك وبلدك عشان واحد..دينك بيقولِّك البسي الضيِّق والقصير، شايفة الحرية إن البنت تضيَّع نفسها؟
انتزعت آسيا ذراعيها منها بعنف:
_ومفيش حاجة في الدين بتقول للبنت تدفن نفسها وتختفي! أنتم اللي بتحرِّموا كل حاجة على مزاجكم!
أغمضت إيمان عينيها لحظة، كأنَّ كلمات ابنتها كانت صفعة جديدة... حاولت الهدوء وقالت:
عايزة أعرف إمتى بقى الستر تقييد، والعفَّة تخلُّف، والحجاب عبء..يا بنتي
إحنا عمرنا ما قلنا إن جمال البنت عيب، بالعكس...ربِّنا خلقها جميلة، لكن الجوهرة الغالية هيَّ اللي بتتصان، مش اللي تتساب لكل عين تتفرَّج عليها.
الحجاب عمره ما كان دفن للجمال يا بنتي، الحجاب احترام للجمال..ربنا لمَّا أمر بيه ما كانش عايز يحرم المرأة من شيء، كان بيحفظها من إنها تبقى سلعة يقيِّمها الناس بشكلها وبس.
المرأة قيمتها أكبر من ملامحها وشعرها وجسمها...قيمتها في عقلها وأخلاقها ودينها.
أنا مش خايفة عليكي لأنك لبستي أو قلعتي، أنا خايفة عليكي من يوم ما بقيتي شايفة أوامر ربِّنا قيود، وشايفة اللي يحافظ عليكي متخلِّف، واللي يدفعك للطريق الغلط متحضِّر ومتحرِّر.
صدَّقيني يا آسيا...الدنيا كلَّها ممكن تقنعك إن التبرُّج حرية، لكن الراحة الحقيقية عمرها ما كانت في مخالفة ربِّنا.
_مش مقتنعة يا ماما.
_والله يا آسيا...بعد كل اللي علمتهولك، واللي قولته لسه مصرّّة؟
زفرت آسيا بضيق:
_حضرتك عايزة إيه دلوقتي؟
نظرت اليها بتمعن:
_عايزة أتأكِّد من مشاعرك لابن خالك.
أفلتت آسيا ضحكة ساخرة موجوعة:
_ابن خالي؟!!.بجد بتسألي السؤال ده؟
ثم أضافت بقسوة متعمَّدة:
_ده لو آخر راجل في الدنيا...مستحيل أفكَّر فيه، وأنا ما قرَّبتش منه غير عشان هدفي وبس.
تراجعت إيمان خطوة للخلف، وكأنَّ الكلمات أصابتها في صدرها.
تذكَّرت حديث رحيل قبل أيام:
_إيه رأيك في آسر وآسيا يا إيمان؟ حاسَّة إن فيه حاجة بينهم.
يومها ابتسمت بثقة وأجابت:
_يا ريت...بس آسيا عمرها ما فكَّرت في آسر بالطريقة دي.
خرجت من شرودها على صوت آسيا وهي تقول ببرود:
_عندك سدن...حلوة وعلى قدُّه.
ثم أشارت بيدها في ضيق:
_لو سمحتي...ابعدي عني.
استدارت وغادرت المكان دون أن تلتفت خلفها.
لم تكن تعلم أن هناك قلبًا آخر كان يُذبح في تلك اللحظة.
حيث كان يقف آسر عند مدخل الممر، جامدًا كالصخر...وصلته كل كلمة...كل حرف...كل سخرية.
كل إهانة لحبٍّ أخفاه سنوات داخل صدره.
هل هذه هي آسيا التي أحبَّها؟
الفتاة التي كان يراها مختلفة عن الجميع؟
التي حفظ تفاصيلها، وانتظر نظرة رضا منها سنواتٍ طويلة؟
هل كان مجرَّد وسيلة؟
مجرَّد جسر تعبر فوقه نحو أحلامها؟
انقبض صدره بعنف حتى كاد يختنق.
ولأوَّل مرَّة في حياته شعر أن القلب يمكن أن يتمزَّق فعلًا..لا ينكسر...بل يتمزَّق.
وقف للحظات...أو ربما لدقائق.
لا يسمع شيئًا سوى صوت كلماتها وهي تتردَّد داخل رأسه كطعنة لا تتوقَّف..وهو الذي كان آتيًا حتى يخبرها أنه سيتقدَّم لخطبتها، ولكنها قتلته بل دفنته حيًّا.
استدار ببطء ورحل.
أمَّا إيمان...فجلست وحدها أمام المياه.
تحدِّق في انعكاسها الشاحب..
لا تعرف أيهما يؤلم أكثر...
باليوم التالي..
كانت تقف أمام المرآة تنهي زينتها، خرج من الحمَّام، توقَّف ينظر لجمالها الطاغي على قلبه، اقترب ببطء وعيناه تتجوَّل على ملامحها بعشق.
التفتت اليه مبتسمة وهي ترتدي مجوهراتها:
_يوسف متنساش هدية تميم، مش عايزين يقولوا خالو بخل على الواد.
لم يرد عليها، بل اقترب حتى حاوط جسدها من الخلف يضع ذقنه فوق كتفها ينظر لانعكاس صورتهما في المرآة:
_ايه الجمال دا.
لمعت عيناها بالسعادة وغرور الأنثى داخلها تنظر لنفسها:
_عارفة نفسي حلوة، أدارها إليه، ثم رفع أنامله يمرِّرها على شفتيها المطلية باللون الأحمر:
_طيب لمَّا إنتي متأكدة من جمالك ياروحي، لازمته إيه دا؟.
توسَّعت عيناها غير مستوعبة كلماته:
_عايزني أخرج من غير روج يا يوسف؟!.
انحنى مقتربًا من شفتيها:
_مش إنتِ جميلة ومش محتاجة أي إضافة، ليه الروج؟.
_أيوة..بس مفيش ست بتخرج من غير روج..و..صمتت حين احتضن شفتيها، لحظات وابتعد عنها:
_مش عايزك تخرجي كدا، أنا مش بمنعك يا ضي من حاجة ضرورية، لكن إنتِ مش محتاجة إنِّك تتصنَّعي بالجمال، زي ما قولتي إنتِ جميلة مش محتاجة، وحتى لو مش جميلة المفروض دا يكون لجوزك مش للأعين كلَّها.
_طيب مامتك بتحط روج يا يوسف.
_مامتي مش مراتي، عندها جوزها، وبعدين ماما م ابتحطش إلَّا إذا كان فيه حفلة في بيتها، وأنتوا اللي بتكونوا موجودين.
احتضن وجهها بين كفَّيه ينظر لعينيها:
_حبيبتي، أنا شايفك في كل أحوالك أجمل ست في الكون، لو إنتِ بتحطي أي مكياج علشان غيري يشوفك جميلة، مش هقولِّك حاجة، علشان وقتها مهما أقول مش هتحسي بوجع قلبي، وأنا شايف مراتي العيون هتاكلها.
صمتت تنظر إليه فقط، تقابلت العيون في حديثٍ طويلٍ عن الأمان والحب فقط.
لم تفعل شيئًا سوى أنَّها لفَّت ذراعيه حول خصره ودفنت رأسها بصدره:
_أنا كل اللي يهمِّني إنتَ وبس، وأنا مش بعمل كدا علشان ألفت انتباه حد غيرك وبس.
ضمَّها إليه أكثر، وأغمض عينيه مستمتعًا بدقَّات قلبها المتسارعة بين ذراعيه:
_وأنا عايز جمال مراتي ليَّا لوحدي... مش عايز حد يشاركني النظر ليكي.
ابتعد عنها قليلًا، واتجه إلى أحد الأدراج، ثم أخرج علبة مجوهرات فاخرة مزخرفة بعناية.
عاد إليها وفتحها أمامها.
اتَّسعت عيناها بدهشة وهي ترى عقدًا ألماسيًا رقيقًا، تتوسَّطه ألماسة صغيرة نُقش بداخلها بخطٍّ دقيق:
"حياة يوسف"
رفعت بصرها إليه وقد اغرورقت عيناها بالدموع.
_دي زي اللي جايبه لشمس...جايبلي واحدة أنا كمان؟
ابتسم بحنان، ثم طبع قبلة على وجنتها:
مبروك عليكي يا حياة يوسف.
لم تتمالك نفسها، فألقت بنفسها بين ذراعيه تعانقه بقوة:
_أنا بحبَّك أوي يا يوسف.
ضحك بصوتٍ مرتفع وهو يضمُّها إليه:
_يالا بينا نحب في بعض ونكنسل الحفلة كلها.
لكزته بخفَّة وهي تضحك، ثم دفنت وجهها بصدره:
يوسف.
ضمَّها وهو يضحك..
بعد قليل...
وصل الجميع إلى قصر الجارحي الذي تألَّق بالأضواء والورود البيضاء والزرقاء احتفالًا بالمولود الجديد.
ترجَّلت السيارات تباعًا.
دخل إلياس وهو يعانق ذراع ميرال بفخر، وخلفهما أرسلان وزوجته، ثم يزن وزوجته.
أمَّا يوسف فتوقَّف ينتظر وصول بلال.
توقَّفت السيارة فترجَّل بلال حاملًا طفله بين ذراعيه.
ثم استدار نحوها، وفتح الباب بنفسه.
مدَّ يده إليها يساعدها على النزول.
ابتسمت وهي تنظر إليه بمكر:
_كلُّه علشان لقطة العيلة قدام الكاميرات...مش كده يا ابن أرسلان؟
التفت إليها مبتسمًا بمشاكسة:
_كده يا روليتا...ارتجف قلبها فمنذ فترة لم يضحك لها ولم يناديها بتلك النبرة.
فجأة غرست أظافرها في كفِّه:
_عامل حساب للكاميرا وأنا فين؟.
حافظ على ابتسامته أمام المصوِّرين، ثم لفَّ ذراعه حول خصرها:
_امشي يا روحي...الناس كلَّها بتبص علينا.
توقفت فجأة وهي ترفع طرف فستانها الطويل الذي أعاق خطواتها.
انحنى بلال قليلًا رغم حمله للطفل.
_استني... ماتتحركيش.
عدل طرف الفستان بعناية حتى لا تتعثر.
كده تمام... يلا.
تأملته للحظة بصمت.. رغم كل شيء...
كان ينتبه لأصغر تفاصيلها.
وصل إلى يوسف الذي كان يقف بجوار زوجته.
أشار يوسف إلى الحشود داخل القصر.
_هو عمو أسحاق عازم مصر كلها ولا إيه؟
ضحك بلال وهو يهز رأسه.
_فرحان أكتر من حمزة نفسه.
بداخل القصر...
تعالت الموسيقى الهادئة، وامتلأ المكان بالضحكات والأحاديث.
وقف أسحاق في منتصف القاعة يحمل حفيده بين ذراعيه، وكأنه يحمل الدنيا كلها.
نظر إلى الصغير طويلًا، ثم قال بصوت اختلطت فيه السعادة بالفخر:
_أهلًا بيك يا بطل العيلة ... نورت الدنيا كلها.
تعالت التصفيقات والابتسامات.
بينما اقترب إلياس وربت على كتف حمزة.
مبروك يا أبو تميم الصغير.
ضحك حمزة وهو ينظر إلى طفله.
ربنا يبارك فيه ويحفظه يارب ياعمو
_اللهم آمين يارب العالمين
طالعه ارسلان وقال
_ النهارده احتفال بنعمة جديدة من نعم ربنا عليك ياحبيبي ربنا يديم الضحكة دي في بيتك ويبارك في ابنك
سادت الصمت للحظات
وتعالت الدعوات من كل جانب:
"اللهم أنبته نباتًا حسنًا، واجعله من الصالحين."
"ربنا يحفظه ويجعله قرة عين لوالديه"
قالها أحد الشيوخ الذي احضره اسحاق
بعد فترة باحد جوانب القصر
توقفت رولا تشاهد احتفال الصغير، وقع بصرها عليه يقف بجوار يوسف وحمزة بهدوء على غير عادته، هدوء موجع، شعرت بوقوف ضي بجوارها، التفتت إليها
_ايه اللي حصل يارولا
لم ترد عليها ظلت نظراتها عليه
لكزتها ضي بخفة
_رولا بكلمك
استدارت إليها بكامل جسدها
_أنا تعبانة وعايزة امشي، يبقى قولي لاخوكي
امسكتها ضي من ذراعها
_متكبريش الموضوع، مهما اللي حصل بينكم لازم تكوني هادية، صدقيني انا معرفش هو مااتكلمش، حتى يوسف سألت يوسف مقاليش، معنى كدا، لحظة غضب وكلنا بنغلط
_ضي... صدقيني أنا تعبانة وعايزة اروح، وكدا كدا السبوع خلص
توقفت ضي أمامها تمنعها من الحركة
_مينفعش... جوزك لسة مابركش لبنت عمه، ولازم تكوني معاه، مش حلوة تسبيه، غير الكلام هيكتر، واحنا يادوب فوقنا من اللي حصل
ربتت ضي على كتفها تهز رأسها
_لو سمحتي يارولا بلاش تكبري الموضوع.. عارفة انك مضغوطة وتعبانة، لكن انتي مش لوحدك
انسابت دمعة من عيناها تهز رأسها
مسحت ضي دموعها وتبسمت
_يسلملي العاقل، ممكن تضحكي بقى، وتقولي البت كارما عاملة ايه، عارفة انك بتحبيها
ضحكت تدفن رأسها في كتف ضي
مصمصمت ضي شفتيها بحركة شعبية وضربت كفيها ببعضهما
_ياخبتك يابنت يزن، على اخر الزمن تدعي لضرتك تعيش، طب وكتاب الله لو مكانك كنت مو. تها واهو قضاء وقدر
رفعت رأسها تنظر إليها بذهول
_قادرة وتعمليها يابنت ارسلان
_طب احترميني كأني عمك يابنت يزن، مش هقول حماكي
التفتت الفتيات اليه سريعا، اشارت ضي عليها
_سمعت ياارسلان، طليقة ابنك بتتكلم عنك ازاي، وانا اقولها عيب دا مهما كان ابو جوزك، ودي ولا هنا
لكزتها رولا بغضب مصطنع
_اه.. ياديل الكلب
وصل اليهم بلال ويوسف
_فيه ايه
التفتت ضي الى بلال
_فيه انك متجوز واحدة لسانها طويل، وبتغلط في الراجل الكُبرة دا
_اهييه، متقوليش
جزت على اسنانها
_دا بدل ماتجبها من شعرها وتقولها عيب
حاوط خصرها، ونظر اليها
_انتي غلطت فيه...
اهييه.. انت لسة بتسأل يابن ارسلان
تمتم بها ارسلان بطريقة مضحكة
بعد أسبوع
_دارين... لقد اتفقت مع طبيا داخل المعمل، لكنه اخذ الكثير من المال
_لا يهم موشيه، تأكد هذا سوف يكون أكبر ضربة لهما
نهضت وحاوطت مقعده
_الاهم عزيزي هل مع الطبيب عما يفعله
_لا تقلقي... سيفعل كل مااردته،
_موشيه هل انت متأكد أن العملية ستنجح
_ستنجح، اعلم أن عملية نقل الأجنة ستنجح وخاصة بعد العلاج الذي استمر عليه يوسف، ولكن لازم الدقة بكل شيئًا
تراجعت مبتسمة
_أوعدك ان تحقق مانريده، سأكون لك دائما
افلت ضحك وهو يجذبها إليه
_بطفل يوسف
هزت رأسها ضاحكة، قاطعهما دخول قائدهم
_لقد تم سفرك مرة اخرى الى مصر نارين
_متى... الم تقل ننتظر حتى لا ندخل الشكوك
_والان عليكي السفر، جاءنا خبر انك ستنجحين هذه المرة
_لا اريد السفر الان، هل نستطيع التأجيل فترة، فسوف اخضع لعملية نسائية
_هل انت مريضة
_لا.. ولكن هناك بعض الفحوصات
باليوم التالي
كانت تتشبث بكفه تستمع الى تعليمات الطبيب عن عملية الحقن المجهري، هزت رأسها تستمع الى كل حرفًا بتمعن مع ابتسامة... انهى الطبيب حديثه
_الان ستصل الممرضة حتى تهيأك وتعطيكي بعض العقاقير
_هي الحقنة التفجيرية دي بتوجع
ابتسم اليها الطبيب ثم تحرك للخارج
اتجه يوسف إليها، توقفت واقتربت منه
_يوسف... سمعت الدكتور بيقول ايه
_حبيبتي استرخي، واهدي تمام
اومأت مبتسمة
بالقاهرة وخاصةً بشقِّة كارما:
كانت تتمدَّد على الأريكة أمام التلفاز، استمعت الى رنين المنزل، خرجت الخادمة:
_نعم.
_مدام كارما موجودة؟.
_أيوة...نقولَّها مين؟.
_قولي لها معتز.
بمكتب إلياس..
_مراقب بيت كارما يا أرسلان؟.
_أيوة متخافش، كل حاجة تحت السيطرة، حتى الشغَّالة من التيم، هتعرف تتعامل.
_كويس أوي.
_ليه ما رحتش تزورها يا إلياس، إنتَ سمعت إنَّها كانت عايزاك؟.
_ويعني بنت يزن قالت حاجة، لولا كنَّا مراقبين الأوضة مكناش عرفنا.
_تفتكر هنوصل لحاجة؟،
_هنوصل وقريب كمان وهيتحاسب.
بمنزل يزن..
توقَّف أمام المرآة يغلق أزرار قميصه، ثم رفع عطره ونثره بكثرة، ارتفع رنين هاتفه باسمها للمرَّة الثالثة ولكنه لم يهتم، لحظات ووصلت رسالة:
_آسر...هستناك في الكافيه، فيه موضوع مهم لازم نتكلِّم فيه.
وضع الهاتف ثم أكمل ما يفعله، لحظات وهبط للأسفل، وصل إلى طاولة الطعام ملقيًا تحيَّة المساء..
رفع يزن نظره إليه:
_عندك حفلة ولّّا إيه؟.
_لأ..ليه؟.
ابتسمت رحيل وهي تنظر إلى ابنها:
_لا بس أوَّل مرة أشوفك متشيك وكأنك عريس.
قاطعته رحيل قائلة:
_ابني طول عمره شيك...تحدَّث آسر:
_لا يا ماما..أنا فعلًا عريس.
هنا توقَّف يزن ينظر لابنه بجهل حديثه:
_تقصد إيه يا آسر؟.
_مش حضرتك أقنعتني بسدن وقولت أدي نفسي فرصة، وأنا فكَّرت وموافق، وهروح لجوز عمِّتو وأطلبها، وبعد القضية نعمل خطوبة.
هبَّت رحيل صارخة:
_مستحيل..إنتَ اتجنِّنت.
التفت إليها يزن يرمقها بغضب:
_ليه يا مدام، شايفة البنت ما تستهلش؟.
لم ترد على يزن كانت تنظر لابنها الذي يهرب بنظراته منها:
_آسر..بصلي، اللي بتقوله دا مستحيل، سمعتني.
_لا ما سمعتش يا ماما، دي حياتي وأنا حر فيها...بعد إذنكم.
قالها وغادر، ركضت خلفه رحيل:
_متعملش كدا يا آسر...ولكن أوقفها يزن يسحبها بعنف:
_إنتي اتجنِّنتي، سيبي الواد يبني حياته ويختار شريكة حياته بنفسه.
_يزن متخلهوش يعمل كدا، هيندم.
_مالكيش دعوة، سمعتيني.
_يعني إيه، حتى لو قولت لك أنا مش موافقة.
_رحيل رأيك مش مهم...قالها ثم تحرَّك للخارج.
أنهت زينتها وابتسامة رائعة زيَّنت وجهها، ثم انحنت تحمل حقيبتها وهبطت للأسفل.
وصلت تبحث عن والدتها:
_ماما.
لكنها بترت حديثها حين وجدته متوقِّف أمامهم والسعادة على وجوههم:
_مساء الخير.
_مساء النور حبيبتي، تعالي عندي ليكي خبر حلو.
نظرت لذلك الذي يتطلَّع إليها بصمت:
_خبر حلو..ما أظنش فيه أخبار حلوة بتيجي من المتر.
_أنا ماشي يا عمِّتو، بعدين هعدِّي وأشوف العروسة هتجيب الشبكة إمتى.
الفصل 78
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
لم تكن جميع النهايات تُكتب كما خُطِّط لها، ولم يكن الحبُّ دائمًا كافيًا لينتصر.
في مكانٍ ما، انطفأ حلمٌ انتُظر طويلًا، وترك خلفه قلوبًا تتشبث ببقايا الأمل. وفي مكانٍ آخر، كان العشق حاضرًا، لكنّه يتوارى خلف معارك صغيرة لا تنتهي، كأنّ القدر يختبر صبر المحبين.
وأما أولئك الذين أحبوا حتى صار العشق لغتهم الوحيدة، فكانوا يسيرون مطمئنين بين الأيام، غير مدركين أن خبرًا واحدًا قد يكون كفيلًا بأن يغيّر معنى الغد كله.
وفي الزاوية الأكثر ظلمة من الحكاية، كان قرارٌ واحد كفيلًا بأن يقلب كل شيء رأسًا على عقب... قرارٌ لا تحركه الكراهية، بل وجعٌ لم يجد طريقًا للشفاء.
فحين تتصارع الأحلام المكسورة، والوعود المؤجلة، والقلوب التي أحبت أكثر مما ينبغي... يصبح السؤال الوحيد:
فهل يكون هذا الفصل بدايةً للنهايات، أم نهايةً للبدايات؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمشفى عند يوسف..
دلف يوسف إلى الغرفة وهو يحتضن كفَّيها بين يديه، توقَّفت ضي أمام السرير الذي ستُجرى عليه عملية إرجاع الأجنَّة، ثم رفعت عينيها إليه، كان يحاول أن يبدو ثابتًا من أجلها، بينما قلبه يرتجف من الداخل.
همست بصوتٍ متهدِّج:
_ عايزة أكلِّم ماما يا يوسف...قبل ما الدكتور ييجي.
رفع ذقنها برفق، يتأمَّل عينيها الممتلئتين بالدموع التي تحاول عبثًا إخفاءها:
_ضي...قولي يا رب.
أغمضت عينيها للحظة وأسندت رأسها إلى صدره:
_ عايزة أقول لماما تدعي لنا.
أخرج هاتفه بصمت، ومدَّه إليها.
رفعت الهاتف بأصابع مرتجفة، وما هي إلَّا لحظات حتى جاءها صوت غرام:
_ أيوة يا حبيبي...طمنِّي.
انكسرت نبرتها فور سماع صوت والدتها:
_ ماما...
انتفض قلب غرام:
_ ضي! مالك يا حبيبتي، إيه اللي حصل؟
ابتلعت غصَّتها وهمست:
_ ادعي لنا يا ماما...ادعي لنا كتير، جوَّايا إحساس مش حلو...بس بحاول أبعده علشان ما أضعفش قدَّام يوسف.
أغمضت غرام عينيها، تكتم دموعها هي الأخرى:
_ يا حبيبتي...قولي يا رب، واللي ربِّنا كاتبه هيكون خير، حتى لو إحنا مش فاهمينه دلوقتي، امسحي دموعك وادخلي بقلب مطمئن...ربِّنا عمره ما بيخذل حد لجأ له.
ارتجفت شفتا ضي:
_ يا رب...
بعد قليل...
استلقت على السرير الطبِّي، ويداها متشابكتان فوق بطنها، كأنها تحاول احتضان حلمٍ لم يولد بعد.
كانت الغرفة هادئة بصورةٍ مؤلمة، بالنسبة لقلبها الضعيف.
سنوات من الانتظار والخوف والدعاء مرَّت أمام عينيها تنتظر أن الله سيربت على قلبها.
جلس يوسف إلى جوارها ممسكًا بيدها.
كم تمنَّى لو استطاع أن يحمل عنها خوفها...أو أن يعدها بأن كل شيء سيكون بخير.
لكنَّه لم يكن يملك سوى الدعاء.
اقترب الطبيب بابتسامة هادئة:
_ جاهزة؟
أومأت برأسها، بينما انسابت دمعة ساخنة على خدِّها..أزالها يوسف وهو يضغط على كفَّيها بابتسامة.
التفت الطبيب إلى الشاشة أمامه، ثم أشار إلى الأخصائية التي تحمل أنبوبًا صغيرًا للغاية.
أنبوبٌ بسيط في نظر الجميع...
لكنَّه بالنسبة لهما كان يحمل عمرًا كاملًا من الأمنيات.
قال الطبيب بهدوء:
_ هذا هو الجنين.
تعلَّقت عيناها بالشاشة.
حاولت أن ترى شيئًا...أي شيء.
أرادت فقط أن تصدِّق أنَّ حلمها بات أقرب من أي وقت مضى.
بدأ الطبيب بإدخال القسطرة الدقيقة بحذر.
ارتفعت أنفاسها..أغمضت عينيها بقوَّة.
بينما كان يوسف يراقب كل حركة وكأنَّ قلبه معلَّق بطرف تلك القسطرة.
مرَّت ثوانٍ بدت لهما دهرًا كاملًا..
ثم ابتسم الطبيب أخيرًا وقال:
_ تم الأمر.
فتحت عينيها بسرعة ونظرت إلى يوسف:
_ هوَّ بيقول إيه؟
كانت ملامحها كملامح طفلة تخشى أن يضيع منها حلمها في اللحظة الأخيرة..
ابتسم رغم ارتجافة قلبه:
_ خلَّص...خلاص.
اتَّسعت عيناها:
_ خلاص؟
ابتسم الطبيب وهو ينظر إليها:
_ نعم...الجنين في الرحم الآن.
تجمَّدت للحظة..
وكأنَّ عقلها احتاج وقتًا ليستوعب الكلمات.
ثم تحرَّكت يدها ببطء نحو بطنها.
وضعتها فوقها بحنانٍ غريزي...
وكأنَّها تحاول حماية ذلك الأمل الصغير من العالم كلِّه..
وانهمرت دموعها بصمت.
مال يوسف نحوها وقبَّل جبينها، فهمست وهي تبكي:
_ بقى جوَّايا حتة منك يا يوسف...
انقبض قلبه بقوَّة..
ضغط على يدها وأشاح وجهه للحظة حتى لا ترى الدموع التي لمعت في عينيه..
وردَّد في سرِّه:
"يا رب...لا تحرمني من دمعتها دي وهيَّ فرحانة...ولا تحرمها من الحضن اللي مستنياه من سنين."
ساعدها على الاعتدال، واتَّجهت مع الممرِّضة لتبديل ثيابها.
خطت بضع خطوات، ثم توقَّفت فجأة.
أغمضت عينيها..وضمت كفَّيها إلى صدرها..
وبشفتينِ مرتجفتين، خرج منها الدعاء الذي اختصر كل ما في قلبها:
_ يا رب...
سكتت لحظة، ثم انحدرت دمعة على وجنتها.
_يا رب...لا ترد قلبي خائبًا.
عند دارين..
ظلَّت تجول الغرفة ذهابًا وإيابًا، ويدها على الهاتف، للمرَّة التي لا تعلم عددها، أخيرًا جاءها الرد:
_ألووو.
_أين أنتَ...ألم يكن موعد العملية الآن؟.
نظر الطبيب بساعته:
_لا أعلم كيف غفوت، انتظري سأهاتف المشفى بالحال.
صرخت به:
_الآن...قبل أن يتدخَّل طبيبًا آخر، الآن أيُّها الغبي.
لحظات أخرى وأجابها الطبيب:
_أعتذر نارين، لقد تمَّت العملية.
أغلقت الهاتف وألقته بقوَّة تدور وتصرخ كالمجنونة:
_اللعنة عليك أيُّها الغبي.
هوت على المقعد، وأنفاسها بالارتفاع، تتجوَّل بعينيها بالغرفة بجنون؛ هنا رسمت أحلامًا عديدة مع هذه العملية التي أقسمت أنَّها ستبني بها حياة
ولكن كيف حدث هذا، كيف لطبيب هكذا أن يخطئ هذا الخطأ...ظلَّت بمكانها لبعض الوقت، ثم نهضت تحمل حقيبتها وتحرَّكت للخارج بخطواتٍ واسعة.
وصلت بعد قليل إلى مكتب موسى، دفعت الباب بقوَّة، رفع عيناه إليها:
_نارين، ماذا بك؟.
وصلت إليه تدفع من أمامه كل ما فوق مكتبه وبقوَّة صارخة:
_طبيبك الغبي، لقد أفشل مخطَّطنا..
هذا غبي وفاشل.
قطَّب جبينه متسائلًا:
_ماذا تقصدين؟.
توقَّفت وأنفاسها تكاد تخنقها:
_الغبي نائم في موعد العملية، وهناك طبيب آخر من قام بإجرائها.
_كيف حدث هذا؟.
مسحت على وجهها بقسوة:
_لا أعلم...أكاد أُجن ممَّا حدث، كيف بعد ما فعلته؟.
بمكتب إلياس..
كان جالسًا على مكتبه ينظر بساعته مع ارتباك وخوف، رفع الهاتف سريعًا مع أوَّل رنينه:
_أيوة يا إسحاق.
_كلُّه تمام متقلقش، العملية تمِّت الحمدلله.
تنهيدة قوية، كأن أوكسجين تنفُّسه لم يكن يصل لرئتيه ثم تمتم:
_الحمدلله...صمت ثم قال:
_شكرًا يا إسحاق.
ردَّ على الطرف الآخر:
_بتشكرني على إيه، ربِّنا يطمنك عليهم يا رب.
قاطعهم دخول أرسلان، أغلق إلياس وانتظر حديثه:
_طلع معتز هوَّ اللي ورا دا كلُّه.
ضغط إلياس بقوة على شفتيه:
_كنت شاكك، عمل حاجة للبنت؟.
فتح أرسلان هاتفه ليستمع الى حوار معتز مع كارما:
_اسمعيني يا بت، كلمة واحدة بنت عمِّك الجميلة هتكون التمن، ودا فيديو يقولِّك إنِّي مبلعبش.
نظرت كارما للفيديو الذي فتحه، يوجد به كندا تغفو على فراش تحاوط نفسها بيدها وتبكي، شهقت تهمس اسمها:
_كندا...قالتها ببكاء وهي تضع كفَّها على جرحها ثم رفعت عيناها تنظر إليه بشراسة:
_عايز إيه يا حيوان؟.
_رولا...عايزك تجيبي رولا، ولو لعبتي بديلك هموِّتها وأموِّتك.
_حقير، زبالة.
قهقه بصوتٍ مرتفع، شعرت بالاشمئزاز، اقترب منها وحاوط جسدها ينظر لعينيها بغضبٍ جحيمي:
_لو مش محتاجك كنت دفنتك مكانك، مش ناسي اللي عملتيه وقولتيه..
بس مش مشكلة، هاخد اللي عايزه.
أغلق أرسلان الهاتف ونظر لإلياس الذي تسائل:
_إنتَ عرفت إزاي إنُّه هوَّ اللي حاول يغتصب رولا ومن إمتى؟.
_مش من بعيد...من وقت ما بدأت أراقبه.
اعتدل أرسلان في جلسته، وأسند ساعديه فوق ركبتيه، بينما كانت عيناه مثبتتين أمامه يتذكر :
_بعد تحرياتي وإصراره يشتغل معاهم، رجعت لصور الراجل اللي الكاميرات لقطته يوم الحادثة، كان ضهره ظاهر بس، مفيش ملامح واضحة..استعنت بخبير، وقعدنا شهور نحاول نطلَّع أي تفصيلة ممكن تفيد.. وقتها قال إن الوصف اللي قدر يوصلُّه متطابق مع معتز بنسبة تسعين في الميَّة...وطبعًا تسعين في المية ما تعملش قضية.
زفر بضيق وأكمل:
_خصوصًا إن الراجل اللي ظهر في الكاميرا اختفى بعدها كأنُّه فص ملح وداب...وكل الخيوط اتقطعت.
ظلَّ إلياس يستمع بصمت، حتى تابع أرسلان:
_لحدِّ قضية آسر.
طالعه إلياس باهتمام.
_الكاميرا جابت نفس الشخص...بس المرّّة دي بوشُّه، النضَّارة والكاب كانوا مخفيين نصِّ ملامحه، لكن الخبير أكَّد إن نسبة التطابق وصلت لخمسة وتسعين في الميَّة.
صمت لحظة، ثم أردف ببطء:
_وبعدها ظهرت سارة...وكلامها عن أخوها من الأم، وتحرياتي في اليونان، والصور اللي وصلتني هناك...كلِّ حاجة كانت بتأكِّد إنِّ معتز هوَّ نفس الشخص.
أطرق إلياس برأسه مفكِّرًا، بينما أكمل أرسلان:
_والحركة اللي عملتها إنتَ..فدي كانت الضربة الأهم.
ارتفعت زاوية فم إلياس بابتسامة خافتة:
_رفضك تزور كارما خلَّاه يطَّمن.. وكمان زيارة رولا، كان لازم يرجع يضغط على البت، بما إنَّها وحيدة وملهاش سند، لأنُّه ذكي بيحسب لكلِّ خطوة..وبعد معرفتي إنُّه شغَّال شمال في كل حاجة، وحريص جدًّا، بدليل محدش عارف يمسك عليه حاجة، الواجهة الكل شايفه رجل أعمال بيستثمر، غير إنُّ جنَّد ناس تقيلة في البلد.
تراجع أرسلان للنافذة وتابع حديثه:
_مكنش ينفع توقَّعه إلَّا عن سبق وإصرار، وكلُّه متلبِّس، إنَّما ترمي تهم بشخصية زي دي تقيلة مكنش ينفع، واللي خلَّاني أشك أكتر، اختفاء البنت الصغيرة مع جواب مكتوب بحرفية، مش عيِّلة لسة في ثانوي،
فكَّرت ما دام أخد البنت يبقى هيرجع يهدِّد كارما تاني، ساعتها جنِّدت ممرِّضة من التيم...صوت وصورة وتحرُّكات، دلائل واضحة ما تسيبش مجال للشك.
هزَّ رأسه ساخرًا:
_وطلع معاه جنسيات أكتر من عدد الأسماء اللي استخدمها...وآخرهم الجنسية المصرية.
حكَّ إلياس ذقنه ببطء، وعيناه تلمعان بإعجابٍ واضح:
_أعترف إنَّها عجبتني يا بوص.
ثم مال للأمام وأكمل بنبرةٍ أكثر جديَّة:
_بس لسه ناقص خطوة...والخطوة دي أخطر واحدة، لازم يتمسك متلبِّس.
ضاقت عينا أرسلان:
_رولا...مش كده؟
هزَّ إلياس رأسه مؤكِّدًا:
_بالظبط، بس دي مخاطرة كبيرة..لو غلطنا فيها مرَّة واحدة هيفلت من بين إيدينا.
ساد الصمت لثوانٍ.
_بفكَّر يا إلياس...لكن الأهم دلوقتي البنت اللي محتجزها، لازم ننقذها الأوَّل.
تبدَّلت ملامح إلياس فورًا، وحلَّ مكان الهدوء غضبٌ مكتوم:
_الواد ده مريض...وأنا مش مرتاح. ممكن يئذيها في أي لحظة، لازم نخرَّجها من عنده قبل أي حاجة.
تنهَّد أرسلان وقال:
_أوراق سفر كارما كلَّها جاهزة...إيه رأيك؟
_تسافر، أوَّل ما تقوم على رجلها خلِّيها تسافر بعيد..طول ماهيَّ موجودة رولا هتغلط.
أومأ أرسلان، ثم قال:
_طيب وبنت عمَّها؟
تصلَّبت ملامح إلياس فجأة:
_عايزك توصل لابن عمَّها ده...وتعلِّمه الأدب.
رفع أرسلان حاجبه:
_للدرجة دي مضايقك؟.
_أوي..لأنُّه مش راجل، دا رامي لحمه الحيوان، من وقت قضية بلال والبنت، عرفت إنُّه أشباه رجال، عايز أكتر من إنُّه يشهد ضدَّها.
تنهَّد أرسلان وقال بهدوء:
_هوَّ معذور برضه يا إلياس..أسامة طرده، فضحه، رماه في الشارع بالقضايا...وبعدها معتز خطف ابنه، الراجل اتكسر.
أطرق إلياس برأسه لحظة، وكأنَّه يمنح الكلمات حقَّها، ثم رفع عينيه وقال بصوتٍ أجش:
_ممكن يكون اتكسر...لكن لو كان وقف من الأوَّل قدَّام طليقها، ولو وقف قصادهم وعرَّفهم إنُّه راجل..مكنش معتز اتجرَّأ يعمل فيها اللي عمله.
بقصر الجارحي..
وضعت طفلها بهدوء بمهده، توقَّفت دينا تتابعه بعينيها، تتحدَّث مع المربيَّة في الأساسيات الضرورية، والتحذيرات التي تخصُّ الطفل:
_تميم باشا...دا أغلى حاجة في العيلة، أي غلط مش مسموح، أنا مش بقولِّك كدا علشان أهدِّدك، مش عايزة غضب إسحاق باشا عليكي.
وصلت إليهم شمس:
_تميم دلوقتي نام، بيصحى كلِّ فترة.
أوقفتها دينا وهي تنظر للمربية:
_تقعدي مع شمس هانم وكلامها يتنفِّذ أوامر..
بعد قليل بغرفة شمس..
كان يقف في الشرفة يتحدَّث عبر الهاتف مع أحد أصدقائه، وعيناه بين الحين والآخر تتَّجهان نحو باب الغرفة:
_خلاص...هشوف الموضوع وأرد عليك.
أنهى المكالمة، واتَّجه ينظر للنجوم بدخول شمس إلى الغرفة بإرهاق واضح، بدت شاحبة قليلًا بعد يومٍ طويل، لكنها ظلَّت جميلة بعينيه كما كانت دائمًا.
سحبت قميصًا ناعمًا بلون كريمي من الخزانة ووضعته فوق الفراش، ثم اتَّجهت إلى الحمَّام.
بعد دقائق، دخل حمزة الغرفة، وقعت عيناه على القميص الموضوع فوق الفراش، فابتسم تلقائيًا..مدَّ يده يرفعه، وكأنَّ قطعة القماش تحتوي على جمالها.
خرجت شمس من الحمَّام وهي تجفِّف خصلات شعرها بالمنشفة، فتوقَّفت عندما سمعت صوته:
_شموسة...
التفتت إليه، فبقي ينظر إليها للحظاتٍ طويلة وكأنَّه يراها لأوَّل مرَّة.
اقترب منها ببطء وقال بابتسامةٍ دافئة:
_هوَّ فيه حد يفضل حلو كده حتى وهوَّ تعبان؟
احمرَّ وجهها بخجل وهتفت:
_رجعت إمتى؟
_من ساعتين.
ثم أكمل وهو يقترب أكثر:
_سألت ماما عنك، قالتلي إنِّك مع تميم شوية، فقلت أستنَّى...أصل وقت شمسي في الجدول أهمِّ من أي حاجة تانية.
ضحكت وهي تضرب كتفه بخفَّة:
_بطَّل كلام.
أمسك يدها قبل أن تبتعد، وجذبها إليه بحنان.
اختفت ابتسامته تدريجيًا وهو يتأمَّل ملامحها:
_عاملة إيه دلوقتي، بقيتي أحسن؟
رفعت عينيها إليه، وفي نظرتها امتنان لا تخطئه العين:
_الحمد لله...لازم أبقى كويسة وإنتَ جنبي، عمرك ما قصَّرت معايا يا حمزة.
مرَّر يده على وجنتها برفق وكأنَّها أغلى ما يملك..بتعاملني كأنِّي ملكة.
_إنتٍ ملكة أصلًا يا شمس، لأنك تستاهلي أكتر من كده بكتير.
هزَّت رأسها نافية، لكنَّه أكمل بصوتٍ خافت خرج من أعماق قلبه:
_لا يا شمس...اسمعيني.
احتوى وجهها بين كفَّيه، وعيناه تمتلئان بمشاعر لم يستطع إخفاءها:
_إنتِ مش مجرَّد مراتي...إنتِ سكني وراحتي، إنتِ الضحكة اللي بتطلع منِّي من غير ما أحس، والراحة اللي بدوَّر عليها وسط الزحمة.
ارتجفت شفتيها تأثُّرًا.
أمَّا هو فتابع وعيناه تلمعان:
_أنا بخاف عليكِ أكتر ما بخاف على نفسي، كلِّ وجع بيمسك قلبك بحس إنُّه بيمسك قلبي قبله..وكلِّ مرَّة تضحكي فيها بحس إنِّ الدنيا كلَّها رجعت تنوَّر من تاني.
انهمرت دموعها بصمت.
فابتسم وهو يمسحها بإبهامه:
_شوفي...حتى دموعك دي أنا زعلان منها.
ضحكت وسط دموعها، فمال يقبِّل جبينها بحنان:
_إنتِ نعمة كبيرة يا شمس...وأجمل حاجة حصلت في عمري كلُّه.
أغمضت عينيها وهي تستند إلى صدره، بينما ضمَّها بقوة وكأنَّه يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها، ظلَّ قلباهما يتحدَّثان بصمت...بصمتٍ لا يحتاج إلى كلمات.
تمسَّحت بصدره، فأغمض عينيه مستسلمًا لذلك الشعور الذي لا يعرف له اسمًا، وهمس لنفسه:
"أحبُّها لدرجة أنَّني أود أن أضعها بين ضلوعي، لا لأقيِّدها، بل لأحمي قلبها من كلِّ ألمٍ قد يجرؤ على الاقتراب منها...أحبُّها حتى بتُّ أخشى عليها من نفسي، من خوفي الزائد عليها، ومن ذلك العشق الذي يتضخَّم داخلي كلَّما نظرت إليها."
انحنى يطبع قبلة طويلة فوق جبينها، قبلة حملت من المعاني ما عجزت عنه الكلمات، تبسَّمت عيناها قبل شفتيها، وهمست بصوتٍ أذاب ما تبقَّى من صموده:
"بحبَّك أوي يا أبو تميم."
ارتجف قلبه بين ضلوعه بعنف، وكأنَّ تلك الكلمات لمست أعمق جزء فيه..أعادها خلفها بصوتٍ خافت:
"وأنا بعشقك..."
في تلك اللحظة، فقدت حروف الأبجدية معناها، وصارت اللغات كلَّها عاجزة عن وصف ما يشعر به، احتوى وجهها بين كفَّيه وكأنها أثمن ما يملك، ثم مال إليها يمنحها قبلة ترجمت كل ما عجز لسانه عن قوله.
قبلة أخبرتها أنَّها وطنه حين تضيق به الدنيا، وسكينته حين تعصف به الحروب، وقلبه الذي خرج من بين ضلوعه ليسكن بين يديها.
ابتعد عنها ببطء، وأسند جبينه إلى جبينها، وعيناه تغرقان في عينيها كأنه يراها لأوَّل مرَّة، ثم همس بصوتٍ اختنق من فرط الحب:
"لو كان للحبِّ صوت، لكان صوتك... ولو كان للعمر معنى، فمعناه إنتِ.. إنتِ شمسي وحياتي"
ثم ضمَّها إلى صدره بقوَّة، وكأنه يخشى أن تنتزعها منه الحياة يومًا، بينما كان قلبه يصرخ بعشقٍ لم يعد يحتمل البقاء حبيسًا بين ضلوعه.
بعد فترة كانت تسكن بين أحضانه، يخلِّل أنامله بخصلاتها الناعمة، سحب علبة مزخرفة من فوق الكمودينو، ثم فتحها ينظر إليها بابتسامة:
_إنت ِنجمة فعلًا يا شمسي.
تململت بنومها تهمس اسمه:
_حبيبي لسة منمتش؟.
قالتها ما بين النوم واليقظة، انحنى يطبع قبلة فوق وجنتيها:
_نامي حبيبتي، وأنا هشوف بابا وأرجع.
هزَّت رأسها وما زالت مغلقة العينين.
خرج حمزة متَّجهًا إلى غرفة طفله، طرق الباب بخفَّة حتى لا يزعج الصغير و المربية، ثم دلف إلى الداخل.
كانت المربية تضع تميم في مهده الصغير، وتدثِّره بعناية..
ابتسم لها حمزة قائلًا:
_ سيبيني مع تميم شوية.
_ حاضر يا فندم.
خرجت بهدوء، ليقترب هو من المهد..
جلس بجواره، وأخذ يتأمَّل ملامح طفله النائمة كأنها أعظم لوحة رآها في حياته.
مدَّ يده يلامس أصابعه الصغيرة، فتعلَّقت عيناه بها طويلًا.
استند بذقنه على حافَّة المهد وهمس بصوتٍ خافت:
_ حبيب بابي إنتَ...
مرَّر أنامله بين خصلاته الناعمة، فارتخت ملامحه تمامًا.
في كلِّ مرَّة ينظر إليه كان يشعر أنَّ قلبه أصبح خارج صدره، ينام أمامه بسلام.
انحنى يقبِّل جبينه قبلةً طويلة، ثم ظلَّ دقائق يراقب أنفاسه المنتظمة قبل أن ينهض أخيرًا ويغادر الغرفة.
في مكتب إسحاق...
كان يجلس خلف مكتبه، وبين أصابعه سيجارته المعتادة.
يتحدَّث عبر الهاتف بصوته الحازم:
_مش عايز أي إجراءات تعسفية... تدخل مصر بأمان الله، وبعد كده اعملوا اللي يتعمل.
_ تحت أمرك يا باشا.
أنهى المكالمة في اللحظة التي طرق فيها حمزة الباب:
_ ادخل.
دلف حمزة مبتسمًا:
_ مساء الخير يا جدُّو.
رفع إسحاق رأسه، واتَّسعت ابتسامته فور رؤيته:
_ مساء النور يا أبو حفيدي.
وضع حمزة يده على صدره متصنِّعًا الصدمة:
_ شوف إزاي...إسحاق شطبني من العيلة وبقيت مجرَّد أبو حفيده.
نفث إسحاق دخان سيجارته وقال ببرود:
_ بطَّل رغي وقولِّي إيه اللي حدفك عليَّا.
جلس حمزة أمامه ثم قال:
_ عايز من حضرتك طلب.
أشار له إسحاق أن يكمل.
اعتدل حمزة في جلسته وقال بهدوء:
_ مزرعة الخيول اللي حضرتك كنت كتبتها باسمي...
رفع إسحاق حاجبًا:
_ مالها؟
_ هكتبها باسم مراتي.
ساد الصمت للحظات.
ثم أكمل حمزة وعيناه تلمعان بفخرٍ واضح:
_ هدية ليها...بمناسبة تميم.
ظلَّ إسحاق يتطلَّع إليه دون أن يتحدَّث.
رفع حمزة حاجبه مستغربًا صمته:
_ مالك يا إسحاق؟
ثم أضاف بمشاكسه:
_ ومتفتكرش علشان بستأذن يعني هعمل اللي هتقوله...أنا بس جيت أقولَّك، علشان لمَّا تعرف بعدين ما تقولش مش متربِّي...والصراحة دينا صرفت على تربيتي كتير.
ضيَّق إسحاق عينيه وقال:
_ إنتَ حلوف يلا.
ثم أردف ساخرًا:
_ هيَّ دينا اللي صرفت عليك، كانت شغَّالة إيه يا روح دينا؟
ابتسم حمزة بخبث وقال فورًا:
_ كانت بتمتَّعك يا باشا.
تجمَّد إسحاق مكانه..
واتَّسعت عيناه بذهولٍ حقيقي:
_ آااه يا ابن الـ...
وقبل أن يكمل، انفجر حمزة ضاحكًا.
نهض من مكانه واتَّجه نحوه..
كان يضحك كطفلٍ مشاغب..
ثم انحنى وقبَّل رأس أبيه بحبٍّ صادق:
_ أحلى بوسة في الدنيا لجدُّو إسحاق.
كان يراقب ابنه بنظراتٍ ممتلئة بفخرٍ لا يوصف.
أنَّ ابنه أصبح زوجٌ حنون، يعرف معنى أن يعطي دون أن يُطلب منه.
يعرف معنى أن تصبح الزوجة وطنًا، والابن قطعة من القلب.
نظر إليه طويلًا وقال بصوتٍ خافت لم يصل إلى قلبه إلَّا هو:
_خلِّي مزرعتك زي ما هيَّ، أم حفيدي هديِّتها موجودة، كنت منتظر تميم يكبر شوية وبعد كدا أخدهم واللي يختاروه.
_قصدك إيه يا بابا؟.
نهض إسحاق من مكانه والتفَّ يجلس على المقعد الذي يقابله:
_مزرعة الفواكه...كنت ناوي أكتبها لتميم.
هزَّ حمزة رأسه بالرفض:
_لا يا حبيبي..حفيدك وإنتَ حرّ فيه، أنا بتكلِّم عن شمس، شمس بتحبِّ الخيول، وكدا كدا أنا قرَّرت.
نظر إليه إسحاق للحظات ثم أومأ له:
_اللي تشوفه اعمله، دا مالك وإنتَ حر.
_عارف يا بابا، بس إنتَ باباي ولازم تبقى عارف، مش عايز حضرتك تزعل، وتقول دي هديِّتي وفرَّطت فيها، تأكَّد يا بابا أنا هديتها لشمس علشان هديِّتك غالية جدًّا عندي، ومفيش حاجة في غلاوتها تكون هدية لشمس.
ابتسم إسحاق بفخر ثم نهض وحاوط ذراعيه يربت عليهما:
_ربنا يسعدك حبيبي، ويخلِّيكم لبعض.
انا ماليش غيرك انت واخوك
_اه صحيح عمران هيرجع من امريكا امتى، عجبه القعدة عند عمتو ولا ايه
_بعد يومين علشان العام الدراسي
بمنزل كريم..
توقَّفت آسيا فجأة على كلمات والدتها:
ـ حبيبتي...آسر خطب سدن.
رفعت رأسها اليه، كأنَّ أحدهم سحب الأرض من تحت قدميها.
ارتجف جسدها بالكامل،
أمَّا هو، فبدا هادئًا على نحوٍ مستفز، رفع معصمه ينظر إلى ساعته ثم قال ببرود:
ـ هستنى سدن برَّة...عايز أقولَّها حاجة.
استدار وغادر..
بينما بقيت آسيا مكانها..تحاول أن تتنفَّس.
تحاول فقط...أن تتذكَّر كيف يدخل الهواء إلى الرئتين.
ـ آسيا...مالك يا حبيبتي؟
انتبهت لصوت والدتها بصعوبة.
هزَّت رأسها سريعًا:
ـ عندي موعد مهم يا ماما...بس هقول لآسر حاجة وأمشي.
ثم اندفعت خلفه، كان يقف أمام المسبح.
يضع يداه داخل جيبي بنطاله.
وعيناه معلَّقتان على المياه بشرودٍ قاتل..
كأنَّه ينتظر شيئًا...أو يدفن شيئًا.
توقَّفت خلفه لثوانٍ..ثم خرج صوتها مرتجفًا:
ـ جواز؟!..عايز تتجوز اختي، انت اتجننت
أغمض عينيه للحظة.. رغم انه استمع لكلماتها
لكنَّه لم يلتفت...اقتربت أكثر.. وأمسكت ذراعه:
ـ اسر مش بترد ليه
التفت إليها أخيرًا.
نظرة واحدة فقط، باردة...ميِّتة...
خالية من أي شعور..
ثم أعاد بصره إلى المسبح:
ـ ما دام عرفتي يبقى أااه.
ابتلعت غصَّة مزَّقت حلقها:
ـ ليه..ليه سدن؟!
صمت ولم يرد، اقتربت وتوقَّفت أمامه وغصَّة تخنق تنفُّسها، هل هي تحلم أم ماذا، لا..لم يكن حلمًا بل كابوسًا، تعلم أنَّ أختها تحبُّه، وأرادت الحديث معه حتى تجد حلًّا، لا تريد أن تجرح قلب أختها..نظرت إليه واختنق صوتها:
ـ ليه تعمل كده يا آسر؟
ضحك...ضحكة قصيرة خالية من السعادة، بل ضحكة باردة ميِّتة
ثم نظر إليها:
ـ وإنتِ مالك؟
كلمتان فقط...
لكنَّهما سقطتا فوق قلبها كصفعة:
ـ آسر...إيه اللي بتقوله دا؟!.
انحنى ينظر لعينيها التي كانتا دومًا جنَّة عشقٍ يسبح بهما..الآن يراهما جحيمًا، يرى خداعهما ومكرهما، غرس عيناه بعينيها وقال:
ـ لو جاية تكمِّلي تمثيليتك علشان تسافري براحتك...وفَّريها.
هزَّت رأسها بعنف..
لا تفهم شيئًا عن ماذا يتحدَّث، نظرت لعينيه التي لم تجد فيهما اللمعة التي كانت تراها سابقًا، بل وجدت عيونًا خالية باردة جارحة كأنَّ كلَّ شيء بداخله قد مات.
أمسك ذراعيها بقوة جعلتها تتألَّم:
ـ فاكراني مغفَّل؟
ـ آسر سيبني...
ـ فاكراني مش فاهم اللي حصل؟
اقترب أكثر..وعيناه تشتعلان بمرارة:
ـ تلعبي بيَّا أنا!!.
انتزعت نفسها من قبضته..تراجعت خطوة للخلف.
ـ روحي سافري.
أشار بيده نحو الخارج:
ـ محدش هيمسك فيكي.
ثم أضاف ببرود أقسى من الصراخ:
ـ ولو خايفة من أبوكي وعمِّتي... متشغليش بالك.
وأخيرًا اقترب منها حتى شعرت بحرارة أنفاسه فوق وجهها:
ـ أنا يوم ما أفكَّر أتجوز...
توقَّفت أنفاسها..كانت ما تزال تنتظر.
تنتظر أن يكذب ما تسمعه، او كأنه يمزح انتظرت ان يقول شيئًا يعيد لها الرجل الذي أحبَّته...لكن كلماته كانت أشبه بطعنةٍ حين بصق كلماته:
ـ مستحيل أتجوز واحدة كانت قاعدة مع شباب في شقَّة واحدة.
اتَّسعت عيناها بصدمة..وكأنها لم تسمع جيِّدًا...لكنَّه أكمل متعمِّدًا قاصدًا.
يريد أن يجرح..أن ينتقم.
أن يجعلها تتألَّم كما تألَّم.
انزلقت عيناه فوقها بنظرة احتقارٍ موجعة..
ثم قال:
ـ يا عالم...توقَّف ثانية..
قبل أن يطلق الرصاصة الأخيرة:
ـ قضت كام ليلة مع كام واحد.
في تلك اللحظة...لم ترَ أمامها سوى السواد.
ارتفع كفَّها دون تفكير..
صفعة مدوية ارتطمت بوجهه.
التفت رأسه بقوة..وساد الصمت..
ثانية واحدة فقط..
ثانية فصلت بين ما كان وما لن يعود أبدًا.
رفعت عينيها إليه..والدموع تحرقهما:
ـ إنتَ آخر واحد في الدنيا كنت أسمح له يهينني بالشكل ده.
ثم دفعته بكلِّ ما تملك من قوَّة..
دفعته بقوَّةِ امرأة تحطَّم قلبها للتو.
اختلَّ توازنه وسقط داخل المسبح..
تناثرت المياه بعنف..ثم استدارت تركض.
تبكي..تختنق..تتعثَّر بخطواتها..لم تتوقَّف..ولم تنظر خلفها.
أمَّا آسر...
فأخرج رأسه من الماء ببطء..
يتابع طيفها وهي تبتعد.. شعر بانتصارٍ للحظة...
ثم انطفأت تلك اللحظة سريعًا.
لأنَّ الوجع الذي رآه في عينيها قبل رحيلها...كان أكبر بكثير ممَّا أراد.
وأعمق بكثير ممَّا توقَّع.
بينما كانت آسيا تقسم بين دموعها:
"من النهاردة...
آسر مات جوَّايا.
والاسم اللي حفرته في قلبي
هحرقه للأبد..فجأة توقَّفت بتصادم مع أختها.
نظرت سدن إلى دموعها التي مسحتها بعنف:
_آسيا مالك؟!.
_مفيش..قالتها وتحرَّكت، ولكن أوقفتها سدن تمسك كفَّيها:
_لأ فيه، إنتي كنتي بتعيَّطي؟.
هزَّت رأسها:
_لا حبيبتي..
اقتربت سدن أكثر وتبسَّمت:
_عرفتي إنِّ آسر طلبني من بابا؟.
أومأت لها وانسابت دموعها بعجز، ثم ضمَّتها بحنانٍ أخوي:
_ألف مبروك حبيبتي.
ابتعدت قليلًا تنظر لعينيها:
_بتمنى يكون بيحبِّك، سدن إنتِ أكيد عارفة بحبِّك أوي، بحبِّك أكتر من نفسي.
مدَّت سدن أناملها وأزالت دموعها قائلة:
_طيب بتعيَّطي ليه دلوقتي، أنا كمان بحبِّك أوي.
نظرت لأختها وازداد بكاؤها، تريد أن تصرخ وتطلب منها الابتعاد حتى لا ينكسر قلبها.
_لازم أمشي دلوقتي.
قالتها وطبعت قبلة فوق وجنتيها، بوصول آسر إليهما.
_إيه اللي عمل فيك كدا؟!.
رفع نظره إلى آسيا، لكنَّها استدارت وغادرت المكان قبل أن ينطق، ظلَّ يراقب تحرُّكها حتى اختفت عن أنظاره.
أمسكت سدن ذراعه:
_ما بتردش ليه، وكنت عايزني في إيه؟.
_سدن فيه موضوع مهم، لازم نتكلِّم فيه قبل ما ناخد خطوة جديَّة.
أومأت له وقالت:
_أنا كمان عايزة أسألك عن حاجة، روح غيَّر وهستناك.
عند آسيا...
خرجت مسرعة، وكأنَّ الموت يطاردها من الخلف.
خطواتها متعثِّرة، وأنفاسها متكسِّرة، وقلبها ينزف بصمتٍ لا يسمعه أحد.
أمَّا دموعها...فلم تعد تعرف طريق العودة إلى عينيها، كانت تنهمر بلا توقُّف، كمجرى نهر انفلت من سدِّه.
وصلت إلى سيارتها..
توقَّفت أمام الباب، وأسندت كفَّها المرتجفة إلى السقف، تحاول أن تلتقط نفسًا واحدًا.
واحدًا فقط...
لكن الهواء كان يرفض الدخول إلى صدرها.
شعرت وكأنَّ أحدهم انتزع الأوكسجين من حولها، أو كأنَّها دُفنت حيَّة داخل قبرٍ ضيِّق، تصرخ بكلِّ ما فيها، ولا يصل صوتها إلى أحد..فتحت الباب بصعوبة..
وجلست خلف المقود..أغلقت الباب..
فانفصلت عن العالم..ظلَّت تحدِّق أمامها طويلًا، لا ترى الطريق...ولا السيارة...ولا حتى نفسها، ثم أدارت المحرِّك وانطلقت.
كانت السيارة تسير...أمَّا هي، فلم تكن تعلم إلى أين...الطرقات تتبدَّل.. والسيارات تعبر من حولها.
بدأ شريط الذكريات يمرُّ أمام عينيها سريعًا..عناده...غيرته...شجاراتهما..
ابتسامته التي كانت تنتزع غضبها رغمًا عنها...
طريقته وهو يناديها كلَّما أغضبته...بأفريقيا.
توقَّفت أنفاسها فجأة.
كأنَّ صوته يهمس في أذنها:
"حبيبة آسر..."
أغمضت عينيها بقوة..اهتزَّت شفتاها..
كلمتان فقط...لكن وزنهما كان أثقل من الدنيا بأكملها.
كم مرَّة ناداها بهما؟
وكم مرَّة خفق قلبها خلسة وهي تتظاهر بالضيق؟
متى أصبح صوته وطنًا؟
ومتى صار حضوره أمانها الوحيد؟
ومتى...أحبَّته بهذا الجنون؟
كيف صار هو الحياة كلَّها؟
وكيف أصبحت الحياة مستحيلة بدونه؟
شهقة موجوعة خرجت من صدرها وهي تضرب المقود بقبضتها:
ـ ليه؟...
همست بها كطفلةٍ ضائعة:
ـ ليه تعمل فيَّا كده يا آسر؟
تعرف أنَّه لم يكن يومًا رجلًا مخادعًا.
كانت ترى الحب في عينيه قبل أن تسمعه من شفتيه.
بل كانت تشعر بعشقه في كلِّ نظرة، وكلِّ غضبة، وكلِّ خوفٍ عليها.
فكيف...كيف تحوَّل ذلك العشق إلى كل هذا القسوة؟
وكيف أصبح الرجل الذي كان يخشى أن تدمع عيناها...
هو نفسه من أغرقهما بالدموع؟
لكن عقلها لم يمهلها طويلًا.
إذ انطلقت كلماته من جديد، واضحة، حادَّة، وكأنَّها تُقال الآن.
"أنا يوم ما أفكَّر أتجوز...مستحيل أتجوز واحدة كانت قاعدة مع شباب في شقَّة واحدة..."
ارتجف جسدها كلِّه..
وأطبقت كفَّيها على المقود حتى ابيضَّت مفاصل أصابعها.
ثم جاءت الطعنة الأخيرة...
"يا عالم...قضت كام ليلة مع كام واحد."
صرخة مكتومة خرجت من أعماقها..
ثم أوقفت السيارة فجأة على جانب الطريق، وانهارت..وضعت جبهتها فوق المقود،
وأجهشت بالبكاء..ذلك البكاء الذي لا يخرج من العين...
بل من قلبٍ تحطَّم إلى قطعٍ لا يمكن جمعها من جديد.
لم تكن تبكي لأنَّه سيتزوج..ولا لأنَّه ابتعد.
كانت تبكي لأنَّ الرجل الذي أحبَّته أكثر من نفسها...
قتل صورتها في عينيه.
ولأنَّ كلماته لم تجرح كرامتها فقط...
بل مزَّقت الحب الذي عاشت به سنوات، وألقت به في قلبها كجسدٍ بلا روح.
بعد فترةٍ من الصمت، ظلَّ ينظر بشرود إلى نقطةٍ وهمية أمامه، كأنَّه يرتِّب الكلمات التي يخشى أن تجرحها.
قالت وهي تراقب ملامحه:
_هتفضل ساكت كده؟
التفت إليها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة، ثم همست:
_كنت عايز تقول إيه؟
ظلَّ يحدِّق في عينيها لثوانٍ طويلة، ثم قال بصوتٍ هادئ:
_أنا عايز أسمعها منك تاني...لمَّا قولتي إنِّك بتحبِّيني...كنتِ متأكِّدة من كلامك؟
فركت كفَّيها بتوتُّر، وهربت بعينيها بعيدًا عنه، ولم تُجب.
ظلَّ يتأمَّل ارتباكها، ثم قال:
_سدن...إنتِ تعرفي عنِّي إيه؟ مجرَّد إنِّك اشتغلتي معايا فترة، أو إنِّي ابن خالك، الاتنين مش يبيِّنوا شخصيِّتي قدَّامك.
رفعت رأسها إليه وقالت بهدوء:
_إنتَ طلبتني من بابا يا آسر...مش كان المفروض تسألني الأوَّل؟
ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
_وإنتِ عارفة أنا قلت لباباكي إيه؟
هزَّت رأسها بالنفي:
لا...كل اللي سمعته إنك كنت بتتكلِّم عن الشبكة.
اقترب أكثر، وأسند ذراعيه إلى الطاولة، ثم قال بجديَّة:
_أنا هتكلِّم معاكي بكلِّ صراحة...ومش هخبِّي عنك أي حاجة، وفي المقابل أتمنى تكوني صريحة معايا.
أومأت برأسها، بينما بدأ قلبها يخفق بقوة.
تنهَّد طويلًا، ثم قال:
_أنا...كنت بحبِّ واحدة تانية يا سدن.
شعرت وكأنَّ الكلمات سقطت فوق صدرها كالصخرة، تجمَّدت ملامحها، وارتعش جسدها بخفَّة، بينما انطفأت الابتسامة التي كانت تزيِّن وجهها.
لم تستطع أن تنطق..
أشاح بنظره بعيدًا عنها، ثم أكمل:
_اسمعيني للآخر...وبعدها احكمي براحتك، أنا مش بقولِّك كده علشان أوجعك، ولا علشان أطفَّشك. بالعكس...أنا بدِّيكي حقِّك تعرفي الحقيقة قبل ما ترتبطي بيَّا، لمَّا بقول كنت بحب...يبقى الماضي، لكن النسيان مش زرار بندوس عليه.
عاد ينظر إليها، فرأى الدموع تلمع داخل عينيها، فأكمل بصوتٍ أكثر هدوءًا:
_لمَّا قولتي إنِّك بتحبِّيني...قلت يمكن أدِّي لنفسي فرصة، إنتِ بنت جميلة، وبريئة...ويمكن وجودك يخلِّيني أبدأ من جديد.
صمت لحظة، ثم قال:
_بس لو هنكمِّل...لازم يكون بينا اتفاق واضح.
عقدت أصابعها فوق بعضها وهي تنتظر.
_إنتِ هتكوني مرات آسر الشافعي... هتشِيلي اسمي، وهتبقي شريكة حياتي، ولو ربِّنا رزقنا بأولاد...هتبقي أمُّهم، أنا مبحبش البنت الضعيفة ولا السلبية...عايز مراتي قوية، تعرف تاخد حقَّها، وتواجه، حتى لو الحق ده منِّي أنا، لكن...بكلِّ احترام، أنا متأكِّد إنك لسه متعرفيش شخصيِّتي، فترة الخطوبة هيَّ اللي هتعرَّفك أنا مين، وهتعرَّفني إنتِ كمان.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
_وفي حاجة...أتمنى متقوليهاليش كتير. "آسفة." دي أكتر كلمة بكرهها.
ثم أردف وهو يثبِّت نظره عليها:
_أنا دلوقتي بحترمك...ويمكن مع الأيام أحبِّك، الحب مش وعد أقدر أديهولك، لكنُّه ممكن يكبر لو لقينا راحة مع بعض.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ، قبل أن يأخذ نفسًا عميقًا ويقول بلهجة أكثر حزمًا:
وفي نقطة لازم تبقى واضحة من البداية...أنا راجل شرقي، وعندي مبادئ مش هتنازل عنها، أنا مبحبش إنِّ مراتي تكون واخدة حريِّتها بشكل يتعارض مع اللي مؤمن بيه، والكلام اللي سمعته عن إنك فكَّرتي تتحرَّري من دينك...بالنسبة لي كان صعب جدًّا..
أي راجل عنده غيرة على بيته هيتوجع من الكلام ده.
ابتلعت سدن ريقها بصعوبة، بينما كان ينظر إليها بثبات:
_ولبسك...لازم يتغير بالكامل، أنا مش بفرض عليكي نقاب، ولا بطلب منك حاجة فوق طاقتك..كلِّ اللي بطلبه إنك تكوني بالهيئة اللي أشوف بيها أمِّي... وأختي...ومراتي، دي الصورة اللي بتمنَّاها لست هتبقى شريكة عمري.
ثم سكت..ترك لها المساحة لتتنفس... ولتفكر.
أمَّا هي، فكانت تنظر إليه بعينينِ امتلأتا بالدموع، لا تدري أيُّهما يؤلمها أكثر... اعترافه بأنَّ قلبه كان لغيرها...أم خوفها من أن تقضي عمرها كلَّه وهي تحاول أن تصبح المرأة التي يستطيع أن يحبُّها يومًا ما..
ام أن مطالبه التي يطالب بها ستكون فوق طاقتها.
_طيب أنا سمعتك، ممكن تسمعني؟.
أومأ لها دون أن ينظر إليها.
_أوَّلًا اللي كنت بتحبَّها أنا أعرفها؟.
التفت إليها وظلَّ يحدِّق فيها للحظات ثم قال:
_إنتي ليكي تسألي في الحاضر بتاعك يا سدن.
مطَّت شفتيها للأمام:
_خلاص مش عايزة أكلِّم في حاجة تانية.
_براحتك..المهم اتفقنا على المبدأ.
_طيب يا آسر لو محبتنيش؟.
استدار إليها بكامل جسده واستند على الطاولة ينظر بعينيها:
_أتمنى إنتِ اللي متزهقيش وتكوني متأكِّدة من مشاعرك.
_يعني إيه يا آسر؟.
نهض من مكانه وقال وهو ينظر إليها:
_ولا حاجة..دلوقتي أنا عندي القضية تخلص على خير وبعدها نعمل خطوبة، بس مفيش جواز قبل سنة.
توقَّفت بمقابلته تنظر إليه:
_إنتَ رايح فين دلوقتي، أنا كنت مفكَّرة إنك هتخرَّجني.
_نعم!!..إيه اللي بتقوليه دا، أنا لسة بقولِّك هخطبك، لازم تعرفي حدود الخطوبة، اسألي مامتك عليها.
بعد عدَّة أيام..
خرج من المشفى، استقلَّ سيارته، وانطلق بها، يجوب الشوارع كمن يهرب من شيءٍ يطارده، أو من حقيقةٍ يعجز عنها، وسؤال واحد ينهش صدره بلا رحمة، كيف سيخبرها؟
كيف سيواجه تلك العينين اللتين امتلأتا بالحلم، وإلى متى سيظلُّ القدر يختبر قلبها؟
أغمض عينيه للحظة، فداهمته الذكرى بقسوة..يوم العملية...
كانت تجلس أمامه بعينينِ تلمعان كطفلةٍ على وشك أن تحتضن أمنيتها الأولى، أمسكت كفَّيه بحماس، ووضعتهما فوق بطنها، وهمست بصوتٍ مرتجف من فرط السعادة:
ـ ابننا هيبقى هنا...هيبقى عندنا بيبي... سمعت كلام الدكتور؟
ضمَّ رأسها إلى صدره، وأخفى خوفه خلف ابتسامةٍ واهنة، بينما كان قلبه يتضرَّع لله سرًّا:
ـ إن شاء الله يا حبيبتي.
سحب كفَّيها برفق، وأجلسها إلى جواره، ثم احتوى وجهها بين يديه، يتأمَّل ملامحها كأنَّه يراها للمرَّة الأولى. أقسم حينها أنه لم يعرف للجمال معنى قبل عينيها.
همس بصوتٍ اختلط فيه الحب بالخوف:
ـ ضي...مش عايزك تزعلي لو محصلش نصيب، لازم تحطِّي كل الاحتمالات...أنا هموت لو شوفت الحزن في عيونك.
وضعت أناملها فوق شفتيه، تمنعه من إكمال كلماته، وقالت بثقةٍ لا يملكها:
ـ هيحصل يا يوسف...حاسَّة إن ربِّنا هيراضينا.
ثم احتوت وجهه بكفَّيها، وابتسمت ابتسامة تجعل قلبه ينبض بعنفٍ عشقًا لها:
ـ إن شاء الله يا حبيبي...إنتَ تستاهل تبقى أحسن أب.
انحنى يقبِّل كفَّيها بحنان، وقال وهو ينظر إليها كأنَّها كل ما يملك:
ـ أهمِّ حاجة تبقي سعيدة...ضي، سعادتك أغلى حاجة عندي.
دفنت رأسها في صدره، تلكزه بخفَّةٍ وهي تضحك:
ـ بطَّل كلامك الحنين ده...يلا ندخل دلوقتي، وشوف بقى تعليمات الدكتور...اللي هتحرمنا من بعض، دا كلِّ تفكيري.
قهقه، وحاوط خصرها بذراعه، ودلفا إلى الداخل، يحملان بين أضلعهما حلمًا صغيرًا بحجم الحياة.
انتفض من شروده على رنين هاتفه المتواصل، لا يعلم عدد مرَّات رنينه باسمها.
أوقف السيارة على جانب الطريق، وأسند رأسه إلى المقعد، بينما ضاق صدره حتى شعر أنَّ الهواء لم يعد يكفيه.
نظر إلى شاشة الهاتف، فرأى اسمها يضيء أمامه.
ارتجفت أنامله، وعجز عن الإجابة..
كيف يخبرها أن الحلم الذي كانت تحتضنه بقلبها قد انكسر قبل أن يُولد؟
كيف يخبرها أنَّ كل تلك الوعود، وكل تلك الدعوات، لم تكن كافية هذه المرَّة؟
أطبق جفنيه بقوة، فانفلتت دمعة حارَّة سقطت على وجنته، وهمس بصوتٍ متهدِّج، كمن يستنجد للمرَّة الأخيرة:
اللهمَّ إن كانت أمنيتنا خيرًا لنا، فارزقنا إيَّاها من حيث لا نحتسب وإن أخَّرتها لحكمةٍ تعلمها، فامنحنا صبرًا جميلًا، ورضًا يطفئ نار الحزن في صدرنا..اللهمَّ لا تجعل اليأس طريقًا إلى قلوبنا.
وصل يوسف إلى منزل والده بصعوبة،
ما إن ترجَّل من سيارته حتى وجد إلياس واقفًا ينتظره، وكأنَّه كان يترقب ملامح ابنه أكثر ممَّا يترقَّب وصوله.
رفع يوسف عينيه إليه...عينانِ أنهكهما الرجاء، وخذلتهما النتيجة.
لم يسأله إلياس شيئًا...
علم النتيجة من انكسار نظراته.
اقترب منه بصمت، ثم احتضنه بقوَّة، يربت على ظهره، يحاول أن يحمل عنه وجعًا يفوق الاحتمال..ثم همس بصوتٍ أبويٍّ دافئ:
_متزعلش يا حبيبي...يمكن الخير كلُّه مستخبِّي في اللي ربِّنا اختاره.
أغمض يوسف عينيه، وعضَّ على شفتيه بقوة حتى لا تنهار دموعه، لكن صوته خرج مبحوحًا:
_ مش زعلان علشاني يا بابا...أنا زعلان على ضي...كان نفسي أشوف الفرحة في عينيها...هيَّ تستاهل الدنيا كلَّها... حلم الأمومة يا بابا ضاع.
ابتعد إلياس قليلًا، وأمسك وجه ابنه بين كفَّيه، يتأمَّله بحنان:
_ وإنتَ..شايف نفسك متستاهلش الفرحة والأبوَّة ؟
ابتسم يوسف ابتسامة باهتة، لا حياة فيها:
_ أنا مش مهم...المهم هيَّ، ضحِّت بحلم الأمومة عشاني...كل ما أفتكر إنِّي السبب في وجعها..ببقى عايز... صمت..
فهزَّ إلياس رأسه نافيًا، وقال بحزمٍ امتزج بالحنان:
_ لا يا يوسف، اسمعني كويس..
ضي ما ضحِّتش علشانك...ضي بتحبَّك
وفي فرق كبير بين اللي يضحِّي غصب عنُّه...واللي يختار بقلبه.
الستِّ لمَّا تلاقي الراجل اللي يستحق، ممكن تستغنى عن حياتها كمان...لأنَّها شايفة إنِّ وجوده هو الحياة.
زي ما إنتَ في يوم دفنت سعادتك علشان تشوفها أم...هيَّ كمان كانت مستعدَّة تدفن حلم الأمومة علشان تفضل مراتك.
وده مش اسمه تنازل...ده اسمه حب.
صمت لحظة، ثم أردف وهو يربت على ظهر ابنه:
_النهارده ربِّنا أخَّر رزقكم...لكنُّه ما حرمكموش منه يا بني، متيأسش، حتى ولو محصلش، ربِّنا دايمًا عنده الأحسن.
تنفَّس يوسف بصعوبة، وكأنَّ الكلمات زادت قلبه ثقلًا.
تراجع خطوة للخلف وقال بصوتٍ متعب:
_ أنا همشي...اعتذر لماما إنِّي معدِّتش عليها...سامحني، مش قادر أشوف حد دلوقتي.
ربت إلياس على كتفه برفق:
_ روح لمراتك..احتويها، داووا جراح بعض..لكن أوعى...أوعى الشيطان يهمسلك إنَّك تبعد عنها أو تكسرها تاني بسبب اللي حصل.
هيَّ النهاردة محتاجاك قدِّ ما إنتَ محتاجها.
رفع يوسف رأسه، واغرورقت عيناه بالدموع:
_ ياريت أقدر يا أبو يوسف...
ياريت أقدر أبعد تاني، قالها بصوتٍ مخنوق، ثم استدار وغادر بخطواتٍ متثاقلة، كأنَّ الدنيا كلَّها أصبحت أضيق من أن تتَّسع لوجعه.
ظلَّ إلياس يتابعه حتى اختفى، وانحدرت دمعة صامتة على وجنته..
رفع بصره إلى السماء وهمس بقلبِ أبٍ موجوع:
"رَبِّ إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِر."
ثم أردف بصوتٍ اختلط بالدعاء:
_ يارب...فرَّح قلب ابني، واجبر كسر قلبه وقلب مراته...وارزقهما الذريَّة الصالحة التي تقرُّ بها أعينهما.
_ إلياس...
استدار على صوت ميرال، فاقتربت وهي تلتفت نحو سيارة يوسف:
_ هوَّ يوسف جه، طيب ليه معدَّاش عليَّا؟
نظرت إلى إلياس بقلق:
_ مش بترد عليَّا ليه ..فيه حاجة؟
ابتسم ابتسامة خفيفة يخفي بها ما في قلبه:
_ مش كنتِ رايحة عند بلال؟ يلَّا روحي، ومتتأخريش.
قطَّبت حاجبيها:
_لا...الأوَّل أشوف يوسف، قلبي مش مطمِّن.
أمسك ذراعها برفق:
_يا ميرال...راجع من الشغل مرهق، كان هيعدِّي عليكي، لكن قلتله يروح يرتاح، ويجيلك الصبح وهوَّ أحسن.
تنهَّدت براحة بسيطة:
_ يعني كويس، مجرَّد إرهاق؟
ابتسم وهو يربت على يدها:
_ الحمد لله.
ثم غيَّّر الحديث بمكرٍ:
_ بقولِّك إيه...نفسي مرَّة تهتمِّي بجوزك زي اهتمامك بابنك.
ضحكت، ولكمته بخفَّة في صدره:
_ بتغير من ابنك يا إلياس؟
رفع حاجبًا وهو يبتسم:
_ أغير مش من حقِّي؟.
وقفت على أطراف أصابعها، وقبَّلت وجنته:
_ أحسن راجل في الدنيا يا ابن السيوفي.
أغمض عينيه مستمتعًا بكلماتها.":
_ ياااه...وحشتني كلمة "ابن السيوفي".
احتضنته وهي تدفن رأسها في صدره:
_ بس أنا حبِّيت إلياس الشافعي أكتر.
ضمَّها إليه، ثم قال وهو يتأوَّه مداعبًا:
_ بقولِّك إيه...ضهري قفش، وعايز مسَّاج محترم.
ضحكت وهي تبتعد:
_ هروح أشوف المجانين وأرجع.
ناداها قبل أن تغادر:
_ شدِّي البت رولا...خلِّيها تبطَّل جنان، والله لو أنا مكان بلال، كنت ربطتها في شجرة لحدِّ ما يظهر لها صاحب.
ارتفعت ضحكاتها واتَّجهت الى منزل بلال.
بمنزل بلال..
أنهت إعداد الكعكة، ثم اتَّجهت إلى غرفة ملابسها بخطواتٍ بطيئة، وقعت عيناها عبر النافذة الزجاجيَّة على مربيِّة طفلها الجالسة أمام المسبح، كانت تتابع زوجها وهو يلاعب طفلهما.
رفع بلال الصغير عاليًا، فضجَّ المكان بضحكاته البريئة، بينما انعكست السعادة على ملامحه بطريقةٍ وخزت قلبها.
ضغطت رولا على شفتيها بقوة، وهمست بغيظٍ مكتوم تسبُّ نفسها قبل أي أحد.
ظلَّت تراقبه للحظات، تتأمَّل ضحكته الصادقة، والطريقة التي يضمُّ بها الصغير إلى صدره.
مطَّت شفتيها للأمام بعبوسٍ طفولي، ثم استدارت واتَّجهت إلى غرفتها.
وقفت أمام خزانتها، وأخرجت قميصًا ناعمًا باللون الذي يعشقه، صفَّفت خصلاتها بعناية، وتعطَّرت بعطره المفضَّل، وأضافت لمساتٍ خفيفة من الزينة أظهرت أنوثتها الطاغية.
سحبت روبها الحريري وارتدته فوق القميص، ثم خرجت.
في تلك اللحظة، كان بلال قد دلف إلى الداخل، وخلفه ميرال تحمل الطفل بين ذراعيها.. تهمس له
_بطل عصبية يابن ارسلان، عيب تبقى راجل مقموص، البت بتحبك وانت اللي مجننها، وترجع تقول اصلها واصلها، والله ابوها لو عرف لياخدها ووقتها يبقى اتكلم
_طنط ميرال معرفش حضرتك بتتكلمي عن ايه
_استهبل يادكتور.. خرجت رولا
ما إن رأتها حتى هتفت :
ـ عمِّتو!
استدارت ميرال إليها بابتسامةٍ واسعة:
ـ عاملة إيه يا حبيبتي؟ عمِّك قال إنك تعبانة، قولت زيارة المريض واجب.
أفلت بلال ضحكة خافتة، فرفعت رولا حاجبها بتذمُّر:
ـ لا والله، كتَّر خيره عمِّي...ويا ترى ما قالكش تعبانة من إيه؟
_هيقول ليه وهو عارف
_والله انت اللي عاقل، على العموم خلاص انا فكرت وقولت احسن حل اننا نريح بعض
جلست ميرال على الأريكة، وجلس بلال بجوارها، دون أن يرفع عينيه عن رولا.
_كأني مسمعتش حاجة...
رمقته غاضبة.. ظنت انه سيثور على كلماتها ويقسم بعشقه
التقطت ميرال نظراتها المشتعلة، فابتسمت بخبثٍ محبَّب وقالت:
ـ ما تخفِّ على البنت يا ابن أرسلان، ما هيَّ كويسة وعاقلة أهو...حتى لابسة لك برجاندي... انما ياحبيبتي هو اللي بيطلق بيتزين، ليه عايزة تعملي ليلة وداع
ضربت رولا الأرض بقدمها، وقد احمرَّ وجهها:
ـ بتتريقي عليَّ، حتى إنتِ يا عمِّتو؟
ضحكت ميرال وهي تشير إليها:
ـ اقعدي يا ستِّ كونان، ما أشوف آخرتها معاكي إيه.
عقدت رولا ذراعيها أمام صدرها، وقالت بعبوسٍ طفولي:
ـ لمَّا الشخص الغريب اللي جنبك ده يطلَّقني ويدِّيني ابني.
التفتت ميرال إلى بلال، الذي كان ينظر إلى زوجته بصمتٍ متهكِّم.
_انا طيب والله، وماتكلمتش،
صمتت ميرال ثم قالت بمشاكسة:
ـ ما تطلقها وتدِّيها الولد، مش اتَّفقنا، وبعدين مش إحنا شوفنا عروسة حلوة إمبارح وعجبتك خلاص، إيه يا ابن أرسلان عايز تعمل الحج متولي يا واد؟
لم تكمل حديثها...
فجأة اقتربت رولا من ميرال، وانحنت تمسك بكفيها
ـ عمتو... عمو إلياس بيسأل عليكي.
قهقهت ميرال
ـ طيب لما أنا مزهقاكي بتشتكي ليه
التفتت إلى بلال بنظرة حزينة
ـ وهو مش قالك بيعاملني إزاي؟ أنا مش هصبر عليه كتير... مفكر نفسه إيه!
أشارت لها ميرال بمحبة أن تجلس بجوارها.
ـ تعالى يا حبيبتي... عايزة أتكلم معاكي شوية.
ثم نظرت إلى بلال.
ـ وإنت كمان اقعد... مبقتوش عيال صغيرة.
ابتسم بلال ابتسامة باهتة، وقال بهدوء:
ـ مفيش حاجة يا طنط... والله.
رفعت ميرال أحد حاجبيها وهي تتأمله.
ـ إزاي مفيش حاجة يا دكتور؟ ومراتك زعلانة؟
تنهد بلال محاولًا إنهاء الحديث.
ـ والله يا طنط ميرال، آسف لحضرتك... بس فعلًا مفيش حاجة تستاهل.
مالت ميرال قليلًا للأمام، وقالت بنبرة جادة
ـ طيب ليه رافض تنزل شغلها يا بلال؟
أطرق برأسه لحظة، ثم قال بهدوء:
ـ مش رفض... بس مش وقته. وكده كده يوسف محتاجها الفترة دي.
رفعت رولا عينيها إليه، وقد اختلط الضيق بالحزن في ملامحها.
ـ بس أنا عايزة أنزل شغلي يا بلال... وأنا عمري ما قصرت مع يوسف، ولا في بيتي.
التفت إليها سريعًا، وقد ضاق صدره من فتح الموضوع أمام ميرال.
ـ إنتِ... روحتي اشتكيتيني لعمتك؟
خفضت رولا بصرها، ولم تجب.
ابتسمت ميرال بخفة، ثم لكزته في ذراعه.
ـ إيه "اشتكتيني" دي يا دكتور؟
هزت رأسها وهي تتابع بلطف:
ـ البنت كانت مخنوقة، سألتها مالها قالتلي. مش أحسن تروح تقول لأبوها؟ إحنا ماصدقنا يزن هدي بعد اللي حصل في القضية.
فتح بلال فمه للحديث
ـ طنط ميرال...
رفعت يدها توقفه بابتسامة هادئة.
ـ لا... اسمعني الأول.
نظرت إليه بعين أم قبل أن تكون عمة.
ـ الست يا بلال مش بتحتاج من جوزها إنه يوافقها على كل حاجة... قد ما بتحتاج تحس إنه سمعها وفهمها. اسمعها، وافهم هي نفسها في إيه، وبعدها خدوا القرار سوا.
ثم التفتت إلى رولا وربتت على كفها.
ـ وإنتِ كمان... بلاش الزعل من غير سبب مايستهالش، اتكلمي مع جوزك، وفهميه إنتِ حاسة بإيه، ومتخليش حد بينكم.
ابتسمت وهي تنظر إليهما معًا.
ـ اقعدوا مع بعض، واتصافوا... ما تزعلهاش يا بلال، ومتزعليش جوزك يا رولا. طول ما بينكم كلام، مفيش مشكلة ملهاش حل.
رغم اني متأكدة انكم لسة زعلانيين بسبب اللي حصل
قاطعهم طرقات خفيفة على باب المنزل قطعت الحديث.
دلف يزن إلى الداخل، وألقى تحية المساء.
ـ مساء الخير.
ابتسمت ميرال.
ـ مساء النور يا حبيبي.
جلس بجوارها، وألقى نظرة سريعة على بلال ورولا.
ـ عاملين إيه؟
ـ الحمد لله يا عمو.
مد يديه يحمل الطفل بحنان.
ـ تعالى يا حبيب جدو.
ثم التفت إلى ميرال.
ـ في حاجة ولا إيه؟
ابتسمت وهي تشير إلى رولا.
ـ ليه؟ عشان قاعدة معاهم؟ لا، مفيش... رولا عزماني على قهوة.
قالت رولا :
ـ بابا عاملة كيك حلو، أجيبلك؟
ابتسم يزن وهز رأسه.
ـ لا يا حبيبتي... اقعدي، عشان في موضوع عايز آخد رأيك فيه... إنتي وجوزك. وكويس إن عمتك موجودة.
اختفت ابتسامة ميرال تدريجيًا.
ـ خير يا يزن... قلقتني.
أخذ نفسًا عميقًا وقال:
ـ أسر عايز يخطب.
اتسعت عيناها بفرحة مفاجئة.
ـ أسر؟! معقول؟! ومين سعيدة الحظ دي؟
تنقل يزن بنظره بين رولا وبلال، كأنه يبحث في وجهيهما عن إجابة.
ـ يعني... محدش فيكم يعرف؟
نظرت إليه رولا باستغراب.
ـ نعرف إيه يا بابا؟ أنا أول مرة أسمع.
قال وهو يقطب جبينه:
ـ يعني... مقالش قبل كده إن بنت عمتك عجباه؟
عقدت رولا حاجبيها.
ـ بنت عمتي؟... تقصد آسيا؟
زفر يزن بضيق.
ـ لا... سدن.
وضعت ميرال يدها على ذراعه.
ـ طيب ما البنت كويسة... مالك متضايق ليه؟
نظر إليها بهدوء.
ـ بالعكس... أنا اللي شجعته.
ازدادت حيرتها.
ـ أمال في إيه؟
خرجت الكلمة منه مثقلة.
ـ رحيل.
تدخلت رولا بسرعة.
ـ ماما؟ مالها؟... معقول مش موافقة على سدن؟
أوقفتها ميرال بإشارة من يدها.
ـ استني يا رولا...
ثم أعادت نظرها إلى يزن.
ـ ليه؟ عشان لبسها مثلًا؟
هز رأسه نافيًا، ثم رفع عينيه إلى بلال، الذي كان يتجنب النظر إليه.
ـ لا...
صمت لحظة قبل أن يقول:
ـ بلال هو اللي هيقول.
ارتبك بلال ونهض سريعًا.
ـمش عارف حضرتك تقصد ايه، أنا... هعملكم قهوة لحد ما تخلصوا كلام عن عروسة أسر.
ـ بلال!
قالها يزن بصوت حادًا، فأوقفه في مكانه.
اقترب منه خطوة.
ـ إنت عارف يعني إيه واحد يحب بنت... ويروح يخطب أختها؟
تجمد بلال في مكانه، وارتبكت ملامحه.
ـ حضرتك... بتقولي كده ليه يا عمو؟ أكيد هيخطب اللي بيحبها... أسر مش عيل صغير.
رد يزن بصوت منخفض، لكنه أكثر وقعًا:
ـ ما أنا... أنا اللي طلبت منه يفكر في سدن.
رفع بلال رأسه إليه بذهول.
ـ يعني إيه؟
ثبت يزن عينيه في عيني بلال
ـ يعني تقول الحقيقة.
ابتلع بلال ريقه، ثم هرب بعينيه.
ـ والله... أنا معرفش حاجة.
اقتربت رولا منهما ، وقالت بثقة:
ـ بابا... آسيا عمرها ما هتفكر في أسر، ولا أسر هيفكر في آسيا.
التفت إليها الجميع.
ـ ليه بتقولي كده يا حبيبتي؟
تنهدت رولا.
ـ لأنهم أصلًا مش بيطيقوا بعض... طول عمرهم خناق، وآسيا مستحيل تبص لأسر بالطريقة دي.
ظلت عينا يزن معلقتين ببلال، يراقب كل ارتعاشة في وجهه، بينما قالت ميرال بهدوء محاولة احتواء الموقف:
ـ خلاص يا يزن... اقعد، واسمع منهم الأول... بدل ما نحكم وإحنا لسه منعرفش الحقيقة.
_كلمته الواد مصر، ورحيل مصرة على الرفض، انا خايف فعلا يكون بيحب اسيا، واعتراف سدن هزه
بغرفة أسر
دلفت رحيل بهدوء، وأغلقت الباب خلفها. وجدته واقفًا في الشرفة، يستند إلى السور، وبين أصابعه سيجارة يتصاعد دخانها في الهواء، بينما عيناه معلقتان بنقطة بعيدة.
تقدمت نحوه بخطوات مترددة.
ـ عايزة أتكلم معاك.
أدار رأسه إليها للحظة، ثم أعاد بصره إلى الخارج.
ـ لو على موضوع سدن... فهو انتهى.
اقتربت أكثر، وأمسكت بذراعه تجبره أن يلتفت إليها.
ـ إنت بتحب آسيا... إيه اللي خلاك تعمل في نفسك كده، وتخطب سدن يا حبيبي؟
التفت إليها ببطء، وحدق في عينيها.
ـ إنتِ اللي قولتي لبابا كدا؟
أومأت برأسها، ولم تحاول الإنكار.
ـ أيوه... لأني خايفة عليك. خايفة تاخد قرار تعيش تندم عليه العمر كله.
أخذ نفسًا طويلًا من سيجارته، ثم أخرجه ببطء، كأنه يطرد معه شيئًا ينهش صدره.
ـ حضرتك فاهمة غلط يا ماما... آسيا مش سكتي.
صمت لحظة، ثم أكمل بنبرة حاول أن يجعلها هادئة.
ـ يمكن في الأول شدني تمردها... جرأتها... إنها كانت دايمًا بتقف قدمي ند بند
ابتسم بسخرية مريرة.
ـ لكن لما فكرت بعقلي... اكتشفت إنها آخر واحدة تنفع تبقى مراتي. إحنا الاتنين نار... وكل واحد فينا عايز يكسب. مفيش بينا حاجة ممكن تبني بيت.
رفعت رحيل كفيها تحتضن وجهه، وثبتت عينيها داخل عينيه، تبحث عن الحقيقة المختبئة خلف كلماته، فقالت بصوت مرتجف:
ـ متأكد يا حبيبي؟
ارتعش جفناه للحظة... لحظة قصيرة كادت تفضحه، لكنه ابتسم ابتسامة باهتة، وأمسك يديها، ثم قبلهما بحنان.
ـ ماما... سبيني أرسم حياتي بنفسي... وفهمي بابا إن اللي وصله مجرد سوء تفاهم.
ظلت تحدق فيه، وقلبها يصرخ بأن ابنها يكذب، لكن لسانها عجز عن مواجهته.
ابتلعت غصتها وقالت بهدوء مكسور:
ـ طيب... بلاش سدن، لو زي مابتقول ماهي زي اسيا
سكتت قليلًا ثم أكملت:
ـ إيه رأيك تشوف بنت من بره العيلة؟ أنا في بنت جميلة جدًا... إنت تعرفها، وشوفتها قبل كده.
أغمض عينيه بضيق، ثم فتحهما وهو يحاول إنهاء الحديث.
ـ ماما... لو سمحتِ... سبيني أختار شريكة حياتي بنفسي.
نظرت إليه رحيل طويلًا، تحاول أن ترى الطفل الذي كانت تعرفه، لا الرجل الذي يقف أمامها الآن يخفي ألمه خلف ابتسامة باردة.. أومأت برأسها في استسلام.
ـ ربنا يكتبلك الخير يا ابني.. بس هقولك نصيحة، لو انت بتحب اسيا ورحت خطبت اختها، قلبك هيموت في كل دقيقة، ازاي هتتعامل معاها على ان مفيش مشاعر، وتخيل لو هي ليها مشاعر، يبقى مش بتموت نفسك بس، سدن واسيا كمان
_ماما اطمني، انا مستحيل افكر في أسيا، وبالنسبة لسدن اه مش الحب الافلاطوني، بس حبيت طبيتها، وكمان بريئة، وهعرف اتعامل معاها، لو قصدك على لبسها، انا هغير نظامها بالكامل
_مش دا قصدي يااسر، انت فاهم اقصد ايه... قالتها واستدارت ببطء، وغادرت الغرفة.
ظل أسر واقفًا مكانه، ينتظر حتى أُغلق الباب خلفها.
عندها فقط... انطفأت ابتسامته، وألقى السيجارة بعيدًا بعصبية، وأسند كفيه إلى سور الشرفة، وأغمض عينيه بقوة، بينما خرج من صدره زفير مثقل، كأن الكذبة التي نطق بها للتو كانت أثقل عليه من الحقيقة نفسها..
_سدن طيبة يااسر، وهتسمع كلامك،
انت محبتش اسيا، بدليل اعتراف سدن هزك، اومأ يردد كلماته كأنه يحاول ان يقنع نفسه بها
بمنزل يوسف قبل قليل...
دلف إلى المنزل، فاستقبله هدوء غريب.
لا صوت سوى موسيقى هادئة، ورائحة الشموع العطرة تملأ المكان.
ألقى نظرة نحو المطبخ، ينتظر أن تخرج الخادمة كعادتها، لكن المنزل كان خاليًا على غير المعتاد.
تنهد بصعوبة، ثم صعد الدرج بقدمين مثقلتين، يحاول طوال الطريق أن يجد الكلمات المناسبة... كيف سيخبرها أن العملية فشلت؟ كيف سيكسر قلبها للمرة التي لا يعلم عددها؟
توقف أمام باب غرفتهما، وأغمض عينيه للحظة، ثم سحب نفسًا عميقًا، ودفع الباب بهدوء.
تجولت عيناه في الغرفة.
شموع مضاءة...مائدة أُعدت بعناية...
وموسيقى رومانسية تنساب من أحد الأركان.
أغلق الباب خلفه، بينما أخذ قلبه يخفق بعنف... بداخل غرفة الملابس، استمعت الى غلق الباب، ارتجف جسدها، تحاول أن تسيطر على مشاعر الحزن داخلها، لابد ان تمسح اي حزن ووجع عن قلبه، اليوم يحتاجها أكثر من أي يوم، رغم حزنها لابد أن تكون سندًا له في وجعه، همست لنفسها
_هتقدري ياضي تتغلبي على وجعك، يوسف حساس، وممكن يحاول يبعد تاني.. سحبت نفسًا وطردته
لحظات قليلة ثم خرجت هي من غرفة الملابس.
ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا يصل إلى ركبتيها، ينسدل برقة على جسدها، وخصلاتها منسدلة حول وجهها، حتى بدت له كعروس في ليلة زفافها.
تقدمت نحوه بخطوات هادئة، وعيناها تلمعان بالسعادة.
توقفت أمامه، وقالت بعتاب رقيق:
ـ اتأخرت ليه؟... ومبتردش على تليفوني ليه؟ قلقتني عليك.
لم يجب.. ظل يحدق فيها فقط...
يحفظ تفاصيل وجهها، وابتسامتها، وعينيها الغارقة بعشقه، كان يشعر أنه الرجل الأكثر عجزًا على وجه الأرض.
كيف يمنحها طفلًا... وهو عاجز؟
وكيف يواجه كل هذا الأمل المرسوم في عينيها؟
اقتربت منه، ورفعت يديها تنزع عنه سترته برفق، ورغم ارتجاف أصابعها، حافظت على ابتسامتها.
ـ زعلانة منك أوي... قلتلك مليون مرة، لما أكلمك رد عليّ، حتى لو دقيقة... عشان بقلق عليك.
رفعت رأسها إليه.
ـ بس خلاص... مش مهم دلوقتي. المهم إنك رجعت، واطمنت عليك.
ابتسمت بحماس طفولي.
ـ وعلى فكرة... إنت لسه حتى مسألتنيش إيه كل الاحتفال ده.
مازال على صمته، فتابعت وحدها:
ـ النهارده جالي عرض من واحد من أشهر دور الأزياء... عايزين مني تصميمات.
لمعت عيناها وهي تكمل بحماس:
ـ كنت فرحانة اوي... وكل اللي كان نفسي فيه إنك ترد على تليفونك عشان أول واحد يفرح معايا.
اقتربت منه، وطبعت قبلة سريعة على شفتيه.
ـ يلا بقى... انسى تعب الشغل والمرضى الليلة دي، واحتفل مع مراتك.
فتح شفتيه ليتكلم...لكن الكلمات خانته.
ابتسمت وهي تنظر إليه.. وقلبها يضرب بصدرها على حالته
ـ يوسف... مش هتقولي مبروك يا حبيبي؟
أغمض عينيه لحظة، ثم احتوى وجهها بين كفيه، وطبع قبلة طويلة فوق جبينها.
ـ مبروك... يا أحسن ديزاينر في الدنيا.
ابتسم ابتسامة باهتة.
ـ وربنا يحققلك كل أحلامك.
ضحكت وهي تهز رأسها.
ـ تؤ...
أشارت بإصبعها نحوه.
ـ ده مش احتفال خاص بالنجاح...
ادخل خد شاور... وفكر هتفرحني إزاي الليلة.
ثم دفعت كتفه بخفة.
ـ بسرعة... مش عايزة الليلة تضيع وإنت في الحمام.
أومأ برأسه بصمت، ودخل الحمام.
وما إن أغلق الباب...حتى انهارت ابتسامتها.. وضعت كفيها على فمها، تمنع شهقاتها من الخروج.
انسابت دموعها في صمت، وركضت إلى الشرفة.
جلست على المقعد، واحتضنت نفسها، تبكي بحرقة.. كانت تعلم...
علمت منذ أن وقعت عيناها على وجهه...
أن العملية فشلت.
لكنها أقسمت ألا تجعله يحمل وجعها فوق وجعه.
رفعت وجهها إلى السماء، وهمست بقلب منكسر:
"يا رب... قوِّ قلبه قبل قلبي... وخفف عنه، حتى لو كان على حساب وجعي."
مسحت دموعها سريعًا، واستعادت ابتسامتها بصعوبة، ثم عادت إلى الداخل.
بعد دقائق...
خرج يوسف من الحمام، يجفف خصلات شعره بالمنشفة.
بحث عنها بعينيه... فوجدها تقف أمام المائدة، ترتب الأطباق بعناية، بينما انعكس ضوء الشموع على وجهها، فبدت له أجمل أمرأة في الكون
ألقت نظرة إليه، وابتسمت.
ـ عملتلك الأكل اللي بتحبه...
وأشارت إلى الطبق بفخر طفولي.
ـ وعلى فكرة... وقفت النهارده في المطبخ مع طنط ميرال، وعلمتني أعمل تشيكن بارميزان.
لم يدعها تكمل.. ترك المنشفة من يده، وسار إليها بخطوات هادئة ثم جذبها إلى صدره بقوة، ودفن وجهه في عنقها، وأغمض عينيه.
خرج صوته مبحوحًا، يحمل كل ما عجز عن قوله:
ـ وحشتيني... أوي.
ابتسمت رغم الدموع التي قاومتها، ومررت أصابعها بين خصلات شعره برفق.
ـ مش باين يا ابن عمي...
رفع رأسه، وظل ينظر إليها طويلًا، ثم همس:
ـ كل اللي محتاجه الليلة... إنك تفضلي في حضني بس.
شدها إليه مرة أخرى، وكأن حضنها وحده كان المكان الوحيد الذي يستطيع فيه أن ينهار... دون أن يسقط.
باليوم التالي
استقل إلياس سيارته واشار للحرس
_مش عايز حد معايا
قالها وتحرك بالسيارة، ثم فتح هاتفه
_يزن.. انت فين؟!
_رايح الشركة عندي اجتماع
_طيب.. كلم طارق خليه ينزل مصر ضروري، بأي حجة
_هو هينزل فعلًا، علشان خطوبة اسر
قطب إلياس جبينه
_آسر خطب؟!
_لسة كلام.. بنت كريم
_ربنا يسعده، المهم مش عايزك تغلط قدام ميرال عن معتز، وماتقولش للولاد، انا رايح لسارة علشان اشوف مين مايكل دا
_تمام.. هخلص اجتماع واكلمك
بعد فترة ترجل إلياس من سيارته وصعد الى مكتبها، دلف للداخل وجدها منشغلة بجهازها.. نظرت اليه بتهكم
_مرحبًا ياالياس باشا
اخرج صورة معتز ووضعها أمامها
_دا مايكل اخوكي
نظرت للصورة، ثم الى إلياس
_انت بتسأل عن مايكل ليه
انحنى ينظر إليها بغضب حارق
_قولي هو ولا لا؟!
صمتت تنظر للصورة مرة والى إلياس مرة ثم قالت....
الفصل 79
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض، ويوم العرض عليك "
حين يخذل القلب صاحبه، لا يكون الصمت رحمة، بل عقابًا مؤجلًا.
ثمّة قرارات لا يصنعها الهوى، بل تفرضها قسوة التضحية. وثمّة كلماتٌ خرجت كالسِّهام، لم تكن سوى درعٍ يقي روحًا أخرى من الانكسار، لكنها مزقت روح قائلها قبل أن تصيب من وُجِّهت إليه.
لم يكن أحدٌ يدرك أن الاعتراف الذي خرج من قلبٍ واحد، سيُحطم ثلاثة قلوب دفعةً واحدة.
هو ظنَّ أن الكراهية قد حلَّت محل الحب، فاختار طريقًا لم يكن يومًا يتمناه. وهي أقنعت الجميع بأنها لا تبالي، بينما كانت تنهار كلما اقترب موعدٌ يقرّبه من غيرها.
وفي هذا الفصل... لن يكون الألم هو الضيف الوحيد؛ فبعض الحقائق حين تخرج إلى النور، لا تُنقذ أحدًا... بل تترك الجميع يغرقون في عواقبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرت سارة إلى الصورة، ثم رفعت عينيها نحو إلياس، وقالت بتحفُّز:
_إنتَ ليه مهتم بموضوع مايكل؟
ثبَّت نظراته عليها، حتى شعرت وكأنه يحاول قراءة ما تخفيه قبل أن يجيب ببرودٍ قاسٍ:
_أنا مش هنا علشان تسأليني...جاوبي وبس..ده مايكل؟
تردَّدت لثانية، ثم أومأت برأسها:
_أيوة هوَّ، ماله؟
ظلَّ يحدِّق بها للحظات، ثم أخرج زفرة حادَّة، وتراجع خطوة إلى الخلف وقال:
_تمام أوي كده.
قالها واستدار متَّجهًا إلى الباب.
وقبل أن يخرج، استوقفته:
_إلياس باشا...ممكن أعرف بتسأل ليه؟
توقَّف دون أن يلتفت إليها، وقال بصوتٍ جامد:
_مالكيش فيه...قالها وغادر.
أغلق الباب خلفه، بينما بقيت سارة تحدِّق في الفراغ الذي تركه، ثم همست بقلق:
_إزاي عرف مايكل...وهوَّ مغيَّر اسمه لمعتز؟
مرَّرت يدها على وجهها في توتُّر:
_أوف...أعمل إيه دلوقتي، أحذَّر معتز...ولَّا أسيب إلياس يتصرَّف؟ أكيد عرف حاجة...أو مايكل عمل مصيبة جديدة.
قطع أفكارها طرقٌ خفيف على الباب:
_ادخل.
دلف رجل يحمل ملفًّا سميكًا، ووضعه أمامها:
_جبت لحضرتك كل المعلومات اللي طلبتيها عن إلياس الشافعي.
فتحت الملف سريعًا، لكنها عقدت حاجبيها عندما قال:
_بس فيه حاجة لازم تعرفيها...إلياس الشافعي ده مش اسمه الحقيقي، هوَّ أصلًا من عيلة السيوفي.
رفعت رأسها إليه بصدمة:
_مش فاهمة.
جلس الرجل، وبدأ يسرد لها الحكاية من بدايتها...كيف خرج إلياس من عائلة السيوفي، وكيف تبدَّلت حياته، وكيف أصبح إلياس الاسم الذي يهابه الجميع.
كانت تستمع في ذهول، وعيناها تتَّسعان مع كلِّ كلمة..وحين انتهى، سألته بسرعة:
_يعني...مش يزن هوَّ اللي ماسك العيلة؟
هزَّ رأسه نافيًا:
_لا...الكبير الحقيقي هوَّ إلياس. وصدَّقيني، زمان كان اسمه لو اتقال في شغله الناس تعمل له ألف حساب، معروف بالقوة...والجبروت... والقرارات اللي محدش يقدر يعترض عليها.
صمت لحظة، ثم أكمل:
_بس بعد اختفاء مراته، الدنيا اتقلبت..
ناس قالت إنها هربت، وناس قالت عملت حادثة وفقدت الذاكرة، ولمَّا رجعت بعد خمس سنين، الإعلام فضل يطارد القصَّة، لولا إن مصطفى السيوفي وقَّف أي كلام عنها، وفي الآخر ثبت إنها فعلًا كانت فاقدة الذاكرة... لكن الصحافة الصفراء عمرها ما سكتت.
ظلَّت سارة صامتة، قبل أن تسأل:
_ورحيل العامري؟
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة:
_دي بقى غير اللي سمعتيه، رحيل بنت رجل أعمال ثري جدًّا، ولمَّا مات ساب لها شركات وأملاك بالمليارات، يعني هيَّ ما أخدتش حاجة من شركات راجح ولا كانت محتاجة أصلًا.
تجمَّدت ملامح سارة:
_يعني...معتز ضحك عليَّا؟!.
همست بها لنفسها، ثم أردفت في حيرة:
_طيب...ليه رؤى تشوَّه سمعة أخوها ومراته، إيه مصلحتها؟ همست بها لنفسها ثم أشارت للرجل أن ينصرف.
وبمجرَّد أن أُغلق الباب، سحبت ورقة بيضاء، ورسمت شجرة صغيرة للعائلة..
إلياس...أرسلان...يزن...طارق... ميرال...
ظلَّت تحدِّق في الأسماء طويلًا، ثم همست بصوتٍ غارقٍ في الشك:
_يا ترى...مين فيكم هيوصَّلني للحقيقة؟
توقَّفت أناملها فوق اسم إلياس، ثم ابتعدت عنه ببطء:
_هوَّ فعلًا راجح ظلمكم...زي ما ظلمنا؟
رفعت رأسها، وعيناها تمتلئان بالحيرة:
_ولَّا...إنتوا بارعين أوي في رسم دور الضحية؟
مسحت على وجهها بزفرةٍ مختنقة:
_تبعدي يا سارة، ولَّا تدوَّري على حقِّك وحقِّ مامتك؟..
قطع حديثها مع نفسها رنين الهاتف:
_أيوة يا نور، إنتَ رجعت حبيبي؟.
_أيوة يا ماما، وصلت البيت، ونانا مش موجودة.
_مش موجودة إزاي، راحت فين؟! هيَّ متعرفش حاجة في مصر.
نهضت سريعًا تجمع أشياءها وهي تتحدَّث إلى ابن أخيها:
_حبيبي أنا جاية، اسأل الأمن راحت فين.
دلفت إلى غرفة مكتبه، فتوقَّفت عند الباب تحدِّق في انشغاله أمام شاشة الحاسوب، ولم ينتبه لوجودها، أو ربما تعمَّد ذلك.
فقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا، لكنَّه خرج مرتجفًا:
_ لو هتفضل تعاملني كده...يبقى طلَّقني، وكلِّ واحد يروح لحاله.
رفع رأسه ببطء، نظر إليها لثوانٍ طويلة، نظرة مرهقة، خالية من أي رغبة في الجدال...ثم أعاد بصره إلى الشاشة.
اشتعل الغضب بداخلها، واقتربت منه حتى أصبحت أمام مكتبه:
_ أنا بكلِّمك يا بلال...لو هتفضل ساكت كده، طلَّقني...وروح اتجوز.
أغمض عينيه للحظة يتمتم باستغفارٍ خافت، يحاول أن يخمد النار التي أشعلتها كلماتها في صدره.
لكنَّها، فقدت السيطرة على نفسها، دفعت الحاسوب بعنف حتى انزاح فوق المكتب:
_ ما ترد عليَّا!
نهض فجأة، واتَّسعت عيناه بألمٍ سبق غضبه، وقال بصوتٍ مبحوح:
_ حاضر...هعمل اللي إنتِ عايزاه... هطلَّقك.
تجمَّدت ملامحها، وكأنَّ الكلمات صُبَّت فوقها ماءً مثلجًا.
همست بصعوبة:
_ هتطلَّقني...وتتجوز يا بلال؟!.
ابتعد عنها عدَّة خطوات، يخشى أن ينفجر في وجهها:
_ مش أحسن ما أفضل في نظرك الراجل الخاين...الراجل اللي عمره ما يستحقِّ ثقتك؟
ارتجف قلبها بعنف، حتى شعرت أن ضلوعها تضيق على أنفاسها:
_ يعني...ممكن تطلَّقني للمرَّة التانية... وتتجوز؟
أطلق زفرة خرجت كأنها انتُزعت من أعماقه.
نظر إليها بعينين أنهكهما الوجع:
_ أعمل إيه تاني علشان تصدَّقي إني بعشقك؟ أعمل إيه علشان تمحي من دماغك إنِّي ممكن أبص لغيرك؟ كلِّ اللي عملته...ما كانش كفاية؟
اقتربت منه ببطء، ودمعة هربت من عينها، مسحتها سريعًا قبل أن تسقط:
_ مين اللي وصَّلني لكده...مش إنتَ؟
التفت إليها بسرعة، وكأنَّ كلماتها صفعة على وجهه:
_ عملت إيه، قوليلي...عملت إيه علشان أبقى في عينك راجل واطي... حقير...وخاين؟
هزَّت رأسها بعنف، وانكسر صوتها:
_ لأ...إنتَ ما عملتش، أنا اللي وحشة... أنا اللي متهورة...واللي من غير عقل... زي ما قال باباك.
سكتت لحظة، ثم رفعت عينيها الغارقة بالدموع إليه:
_ يمكن...لأنِّي بحبَّك أوي، بحبَّك لدرجة إن الخوف منك بقى أكبر من أي حاجة، بعد كل اللي حصل..بقيت مجنونة بيك، كل مرَّة أتخيل إنك ممكن تروح لها وتسيبني...بموت ألف مرَّة قبل ما يحصل.
ابتسمت ابتسامة مكسورة، موجعة:
_ بس خلاص...أوعدك إنِّ المجنونة دي...هتبعد، يمكن لمَّا أبعد..تعرف تشوف نفسك راجل كامل، من غير واحدة كل يوم بتحسِّسك إنها كسرتك.
استدارت قبل أن يرى دموعها، وغادرت الغرفة بخطواتٍ مسرعة.
أمَّا بلال...فبقي واقفًا مكانه، يحدِّق في الباب الذي أغلقته خلفها.
رفع يده إلى وجهه، وضغط على عينيه بقوة، ثم زفر باختناق، وعيناه معلَّقتان بالباب الذي خرجت منه في عجزٍ لم يعهده من قبل.
ماذا عليه أن يفعل أكثر من ذلك؟
أيُثبت لها حبَّه بقلبٍ آخر غير الذي أهلكه عشقها؟
كم مرَّة عليه أن يحترق أمامها حتى تؤمن أنه لا يرى امرأةً سواها؟
ألم تكفِ أفعاله، أم أن الحب وحده لا يكفي إذا ماتت الثقة؟
وهل سيظل طوال عمره يُحاكم بذنبٍ انتهى، بينما كل ما يفعله بعده لا يُحسب له؟
بعد فترة..
تحرَّك خلفها، ودلف إلى غرفتهما، لكن الغرفة كانت خالية.
توقَّفت عيناه على الفراش المرتَّب، فأطبق على شفتيه بقوة حتى ابيضَّتا، يحاول كبح غضبه الذي بدأ يشتعل داخله.
استدار بعصبية، وخرج يبحث عنها في أرجاء المنزل.
توقَّفت المربية وهي تحمل حقيبتها:
_ دكتور...يوسف نام دلوقتي، ممكن أخرج ساعتين؟ والدتي لازم أودِّيها للدكتور.
أومأ لها برأسه دون أن يسمع بقية حديثها، ثم تجاوزها بخطواتٍ سريعة، يبحث عنها في كل مكان...لكنها لم تكن هناك.
وفي تلك اللحظة، ظهرت الخادمة تحمل فنجان قهوته..توقَّفت أمامه:
_القهوة يا دكتور.
التفت إليها بحدَّة:
_ مدام رولا فين؟
ارتبكت قليلًا قبل أن تجيب:
_ خرجت من شوية يا دكتور...راحت بيت الباشا الكبير.
قطب حاجبيه:
_ بابا...ولَّا عمُّو إلياس؟
_ إلياس باشا...هوَّ اللي بعت لها.
أشار إليها بيده أن تنصرف.
ما إن ابتعدت حتى انقبض فكَّه بقوة، حتى برزت عروقه، وانغلقت كفِّه في قبضةٍ كادت تسحق أصابعه.
همس بصوتٍ يحمل غضبًا ووجعًا في آنٍ واحد:
_ ماشي يا رولا...
بمنزل إلياس..
طرقت الباب، ثم دلفت إلى الداخل:
_ حضرتك طلبتني يا عمُّو؟
رفع رأسه إليها، وأومأ بهدوء:
_ تعالي...اقعدي.
جلست أمامه، تنتظر ما سيقوله، لكنه ظلَّ صامتًا لثوانٍ، ثم نهض واتَّجه إلى الأريكة:
_ تعالي اقعدي جنبي...عايز أتكلِّم معاكي كأب، مش كعم.
نهضت في صمت، وجلست إلى جواره.
ظلَّ يراقب ملامحها المنهكة للحظات، ثم قال بهدوء:
_ طنط ميرال حكتلي اللي حصل..
وقبل ما أسمع منك، وقبل ما تبرَّري أو تشرحي...هسألك سؤال، وعايز إجابته بكلمة واحدة...آه أو لأ.
مال برأسه قليلًا، وحدَّق في عينيها:
_ إنتِ...مش واثقة في جوزك؟
ارتبكت، وراحت تفرك كفَّيها بعصبية، تهرب بعينيها بعيدًا عنه.
فقالت بصوتٍ مكسور:
_ مش عارفة ليه...محدش قادر يفهمني.
ثم التفتت إليه وقد اغرورقت عيناها:
_ عمُّو...بلال كذب عليَّ، خلَّاني في يوم من الأيام رقم اتنين في حياته، وجعي مش إنِّي مش واثقة فيه...وجعي إنِّي عمري ما قدرت أنسى الإحساس ده، أنا مش طالبة غير حاجة واحدة...أكون أهمِّ واحدة في حياته...وبس..يحبِّني زي ما بحبُّه.
هزَّ إلياس رأسه ببطء:
_ ومين قالِّك إنك مش كده؟
ابتسمت بسخرية موجوعة:
_ أفعاله يا عمُّو...الأفعال عمرها ما بتكدب.
تنهَّد إلياس طويلًا، وأسند ظهره إلى الأريكة، ثم قال بصوتِ رجلٍ علَّمته الحياة الكثير:
_ للأسف يا رولا إنتِ ما بتثقيش فيه.
_بحاول، أنا بحبُّه أوي، لكن قلبي موجوع...
صمت يتابع معالم الألم بملامحها ثم قال:
_اسمعيني يا بنتي...
الزواج عمره ما اتبنى على الحبِّ لوحده.
الحب ممكن يضعف...ويقوى من جديد.
لكن الثقة...لمَّا تتكسر، كلِّ كلمة بعدها بيبقى لها ألف معنى، وكلِّ غياب بيبقى خيانة، وكلِّ صدفة بتتحوِّل لشك.
نظر إليها بعينينِ يملؤهما الأسف:
_ بلال غلط...وده محدش يقدر ينكره.
لكن قوليلي...هوَّ بيدفع تمن غلطته من كام سنة؟
وإنتِ...هتفضلي تعاقبيه لحدِّ إمتى؟
لو كلِّ يوم هيصحى يحاول يثبتلك إنُّه بيحبِّك...وإنتِ كلِّ يوم هتفتحي نفس الجرح...يبقى لا هوَّ هيعرف يعيش... ولا إنتِ هتعرفي ترتاحي.
ساد الصمت، بينما انهمرت دموعها بصمت.
أكمل بصوتٍ حازم:
_ علشان كده هقولِّك كلمة يمكن تزعَّلك منِّي...
لو فعلًا مش قادرة تثقي فيه...ولو جوَّاكي يقين إنُّه ممكن يخونك في أي لحظة...
يبقى ارجعي بيت أبوكي.
اتَّسعت عيناها بصدمة، فواصل بهدوء:
_ لأن الظلم مش إنه يكون مع واحدة مش واثقة فيه...الظلم الحقيقي إنُّكم تكمِّلوا مع بعض، وكلِّ واحد فيكم بيتعذِّب كل يوم.
إمَّا تثقي فيه...وتقفلي باب الماضي للأبد.
وإمَّا تسيبيه...وتريَّحي قلبك وقلبه.
أمَّا تعيشي بين الاتنين...فدي حياة هتكسر الاتنين من غير ما يحسُّوا.
ثم ربت على كفِّها بحنان، وقال:
_ فكَّري كويس يا رولا...وخدي قرارك بعقلك وقلبك...لأن القرار اللي هتاخديه المرَّة دي...هيحدِّد إذا كان جوازكم هيكمِّل...ولَّا هيضيع منكم وأنتوا لسه بتحبُّوا بعض..ولو على ابنك متخفيش، دا أوَّل حاجة آخد حقِّك فيها.
_لا..أنا مش عايزة أبعد زي ما حضرتك بتقول، أنا بس عايزة يحسِّسني بالأمان.
تنهَّد إلياس، ثم قال بهدوء:
_يعملِّك إيه، وأنتِ لحدِّ النهاردة لسه بتحاكميه بنفس التهمة.
يابنتي مفيش بينكم ثقة، أو بمعنى أصح..
لمَّا الثقة بتموت، أي كلمة هتبقى منه كدب، وأي تأخير هتبقى خيانة، ومهما عمل علشان يطمِّنك، هتشوفيه كذَّاب، زي ماقولت لك.
بصِّيلي...
الراجل يقدر يستحمل تعب الدنيا كلَّها، لكن ما يقدرش يعيش مع واحدة كلِّ يوم تطلب منه يثبت إنُّه مش خاين.
لو قلبك مش قادر يصدَّقه، يبقى ظلمتيه وظلمتي نفسك.
ولو مصدَّقة إنه بيحبِّك، اقفلي باب الماضي، لأن مفيش جواز هيكمل، وكلِّ يوم واحد فيكم بيحاسب التاني على ذنب انتهى.
فكَّري كويس يا رولا...
يا تثقي فيه وتبدأوا من جديد، يا بلاش تكمِّلوا حياة هتوجعكم أنتم الاتنين.
دا آخر كلام عندي، وشوفي باباكي برضو..
مش عايز كلِّ شوية كلام في الموضوع دا.
ظلَّت صامتة لبعض الوقت ثم همست:
_أنا سمعته بيقول ليوسف إنُّه بيحبِّ كارما دي، الكلمة دي بتدبحني يا عمُّو، بحاول أمسحها بس اللي عمله كسر قلبي.
_ رولا...بصِّيلي.
رفعت عينيها إليه..
_ أنا مش هدافع عن بلال، لأنُّه غلط، والغلط عمره ما له تبرير...لكن اللي بتعمليه دلوقتي اسمه اتِّهام، والاتِّهام من غير دليل بيهدِّ أي بيت.
صمت لحظة، ثم أردف بهدوء:
_ اتكلِّمنا في الموضوع ده كتير، وكلِّ اللي عندي قولته..حافظي على جوزك، ومتخليش أي كلمة تسمعيها من أي حد تهزِّ ثقتك فيه، طول ما إنتِ فاتحة باب الشك، عمرك ما هترتاحي، ولا هوَّ هيرتاح.
تنهَّد وهو ينظر إليها بعطف:
_ بلال بيحبِّك...وصدَّقيني، مفيش راجل يفضل يدفع تمن غلطة واحدة طول عمره، اقفلوا باب الماضي، لأن كل مرَّة تفتحوه، بتقتلوا اللي بينكم بإيديكم.
أشار إليها برفق:
_ اتفضلي.
تحرَّكت نحو الباب، لكنَّها توقَّفت عندما سمعت صوته من جديد:
_ رولا...
التفتت إليه.
_ ومش عايز أكرَّر كلامي تاني...أي تهوُّر منك مرفوض، قضية أخوكي لسه مخلصتش، والوقت ده مينفعش فيه قرارات ولا اندفاع.
ثم أشار إلى نفسه وقال بحزم:
_ قبل ما تخطي خطوة برَّه بيتك، لازم حد فينا يبقى عارف، مش شرط بلال... أنا موجود، أبوكي موجود، عمِّك موجود...أي حد، لكن إنِّك تخرجي أو تتصرَّفي لوحدك وإنتي مندفعة... ساعتها هتزعَّليني أنا قبل أي حد.
أومأت برأسها في صمت، ثم خرجت.
دلفت إلى المنزل، فوجدت بلال يحمل يوسف بين ذراعيه، يداعبه في هدوء..
اقتربت، وانحنت تحمل صغيرها من بين يديه دون أن تنظر إلى وجهه.
قالت ببرود يخفي خلفه وجعًا كبيرًا:
_ أنا رايحة بيت بابا...لحدِّ ما تشوف هتعمل إيه.
نهض ببطء، ثم وقف أمامها يمنعها من المرور، وعيناه تراقبانها بإرهاقٍ واضح:
_ عندي شغل دلوقتي...ولمَّا أرجع هنتكلِّم.
صمت لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ حاسمة امتزج فيها الألم بالإصرار:
_ لازم نتكلِّم يا رولا...المرَّة دي مفيش هروب، ولا سكوت.
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
_ وكلِّ واحد فينا يقول بصراحة...هو عايز يكمِّل، ولَّا عايز يفضل يعذِّب التاني.
ترقرقت عيناها بالدموع، اقترب منها، وحاوط وجهها ينظر لعينيها التي تكوَّرت بها الدموع:
_وجعتيني أوي، رغم كدا مش قادر أوجعك، لمس وجنتيها وملامحه تحكي الكثير والكثير:
_أنا بحبِّك أوي، ثقي في دي، مش معقول إنتِ مش حاسَّة بكدا.
رفعت عيناها إليه:
_أنا تعبانة أوي يا بلال، وموجعة منك.
انحنى يلمس شفتيها بقبلةٍ ناعمة، ثم تحرَّك إلى الغرفة:
_لمَّا أرجع هنتكلِّم.
بمنزل يزن..
كان يجلس أمام مكتبه، وعيناه معلَّقتان بملفِّ القضية، يقلِّب صفحاته للمرَّة التي لا يعلم عددها، يبحث عن ثغرة، عن خيط يقوده للحقيقة، لكن عقله كان أكثر تشوُّشًا من الأوراق التي أمامه.
قطع شروده رنين هاتفه.
رفع الهاتف وأجاب:
_أيوة يا سدن.
جاءه صوتها على الجانب الآخر:
_آسر...إنتَ لسه مجهزتش؟
قطب حاجبيه:
_جهزت لإيه؟
أطلقت زفرة ضيق:
_المفروض ننزل نشتري الشبكة وفستان الخطوبة.
أغمض عينيه للحظة:
_تمام...نسيت, ادِّيني نصِّ ساعة أجهز.
_خلاص...هستنَّاك براحتك.
_أوكي.
بعد نحو نصف ساعة، وصل أمام منزلها، فوجدها تقف بالخارج تتحدَّث بالهاتف:
_أوكي يا أنس...متتأخَّرش.
أغلقت المكالمة، وما إن وقعت عيناها عليه حتى ارتسمت ابتسامة رقيقة فوق شفتيها.
اقتربت منه قائلة:
_متأخَّرتش.
أجاب وهو يتَّجه نحو السيارة:
_كنت ناسي أصلًا.
سارت بجواره، ثم بعفوية مدَّت يدها، تشبَّثت بكفِّه وكأنَّها تمسك حقًّا طبيعيًا لها.
في اللحظة نفسها..توقَّف عن السير.
انتفض قلبه بقوَّة، وسحب أنفاسه بصعوبة، ثم حرَّر يده برفق، وقال بصوتٍ خافتٍ لكنَّه حازم:
_سدن...مينفعش تمسكي إيدي.
تجمَّدت مكانها.
نظرت إليه وكأنَّها لم تستوعب ما قاله:
_ليه؟
التقت عيناه بعينيها للحظة، ثم أشاح ببصره:
_لسه..مفيش رابط بينَّا.
شحب وجهها..وخرج صوتها مكسورًا:
_إيه اللي بتقوله ده يا آسر؟..إحنا بنقعد جنب بعض بالساعات...وأوقات كتير كنت إنتَ اللي بتمسك إيدي، ومكنش فيه أي رابط...دلوقتي بقيت خطيبتك...وبقى مينفعش؟
انقبض صدره..لأنَّه يعلم أنَّ كل كلمة قالتها كانت صحيحة.
بل إنَّها أصابته في موضعٍ لم يستطع الدفاع عنه.
مرَّر يده فوق وجهه بضيق، ثم قال:
_أنا بقول كده...علشانك، ومش...
لكنَّها قاطعته قبل أن يكمل.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، باهتة:
_خلاص...مش هقرَّب.
ابتعدت عنه خطوة كاملة، وكأنَّها تضع بينهما المسافة التي طلبها.
ثم قالت بهدوءٍ موجع:
_ممكن نمشي؟
اكتفى بإيماءة صامتة، واتَّجه إلى السيارة.
وطوال الطريق...
كان الصمت هو الراكب الثالث.
بعد قليل، توقَّفت السيارة أمام متجرٍ للمجوهرات.
ترجَّلت سدن أوَّلًا، ثم سارت نحو الباب، لكنها توقَّفت تنتظره..كانت تتمنَّى ولو لمرَّة واحدة..أن يسبقها، ويفتح لها الباب، أو يمدُّ يده إليها، أو يحتضن كفَّها كما يفعل أي رجلٍ مع خطيبته.
لكن أمنيتها ماتت قبل أن تولد.
وصل إليها، وأشار برأسه نحو الداخل:
_اتفضلي.
ابتلعت غصَّتها، ودخلت في صمت.
وقفا أمام واجهة العرض، فأشار آسر للبائع:
_ورِّينا شوية دبل ومحابس.
بدأ الرجل يخرج القطع واحدة تلو الأخرى.
أمَّا سدن...فلم تكن تنظر إليها.
كانت عيناها تتجوَّلان بالمكان بشرود، حتى توقَّفتا على طقم ألماس رقيق، يضمُّ عقدًا وأقراطًا، يلمع خلف الزجاج.
ارتسمت ابتسامة حقيقية على وجهها لأول مرَّة، أشارت إليه:
_ممكن أشوف الطقم ده؟
أحضره البائع ووضعه أمامها.
تأمَّلته بإعجاب، ثم قالت وهي ترفعه برفق:
_حلو أوي...
ثم التفتت إلى آسر:
_أنا مش عايزة دبلة...عايزة ده.
رفع رأسه إليها باستغراب:
_نعم!! يعني إيه مش عايزة دبلة؟
هزَّت كتفيها ببساطة:
_عادي...هوَّ كلِّ المرتبطين لازم يلبسوا دبلة؟ عجبني النيكلس ده...كفاية أوي.
ثم نظرت إليه بنظرة مشاكسة تخفي خلفها وجعًا كبيرًا:
_ولَّا علشان غالي؟
لم يعلِّق..التفت إلى البائع وقال بهدوء:
_هناخده...وهات دبلتين كمان.
تأفَّفت بضيق:
_يا آسر...أنا مش عايزة دبلة، خلاص بقى.
أجابها بنبرة لا تقبل النقاش:
_مينفعش يا سدن...لازم تلبسي دبلة.
عقدت ذراعيها أمام صدرها:
_أوف...أنا اللي هلبس ولَّا إنتَ..هتفت بها بصوتٍ مرتفع.
التفتت عدَّة رؤوسٍ نحوهما.
رمقها آسر بنظرةٍ حادَّة، وقال من بين أسنانه:
_احنا مش في البيت.
في تلك اللحظة عاد البائع ووضع أمامهما الدبل والمحابس، بينما ظلَّت سدن تنظر إليها، وتشعر للمرَّة الأولى...أنَّ قطعة الذهب التي يُفترض أن تعلن ارتباطها به، أصبحت أثقل من أن تتحمَّلها يدها.
بمنزل يوسف..
تململت في نومها على رنين الهاتف، تحسَّست الهاتف بصعوبة، وما زالت عالقة بين النوم واليقظة:
_ألو...
جاءها صوته مبتسمًا:
_صباح الخير...لسه نايمة؟
أغمضت عينيها تتمتم:
_أيوة...
_طيب قومي يلَّا، لازم تكوني نشيطة علشان العقد.
فتحت عينيها ببطء، فوقعت نظراتها على يوسف الغارق في نومه، ساكن الملامح كطفلٍ أنهكه التعب..ظلَّت تستمع إلى حديث نور حتى انتهى، ثم همست:
_لا...مش هاجي غير بالليل.
_إزاي يا ضي؟ لازم تكوني موجودة الساعة واحدة.
نظرت إلى يوسف، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ حتى لا توقظه:
_نور...لازم أقفل.
أغلقت الهاتف برفق، ثم التفتت إليه من جديد.
ابتسمت عيناها قبل شفتيها، وراحت أناملها تتجوَّل فوق ملامحه في حنانٍ عاشق..
اقتربت أكثر، حتى لامست أنفاسه أنفاسها، وأغمضت عينيها وهي تدفن وجهها في عنقه، تهمس لنفسها:
_مش عايزة من الدنيا غير إنِّي كل يوم أصحى...وألاقي نفسي في حضنك بالشكل ده.
رفعت رأسها قليلًا تتأمَّله، فإذا به يفتح عينيه ببطء بعدما شعر بحركتها بين ذراعيه.
ابتسمت وهمست بصوتٍ ما زال يحمل آثار النوم:
_صباح الخير يا حبيبي...صحِّيتك؟
شدَّها إليه أكثر، حتى كادت تختفي بين ذراعيه، وقال وهو ما زال مغمض العينين:
_صباح الحب...وصباح النور اللي بيبتدي وإنتِ في حضني.
ابتسمت، ثم اقتربت حتى اختلطت أنفاسهما:
_لمَّا كنت بقول إنِّي نفسي في بيبي... كنت عايزة يبقى شبهك...قطعة منك... يشبه ضحكتك، وعينيك، وحتى نبض قلبك.
تجمَّدت ملامحه للحظة.
فتحت كلماتها الجرح الذي حاول إخفائه منذ أن رأى نتيجة التحليل.
رفع يده يتحسَّس وجنتها بحنانٍ موجوع:
_أنا حاولت...والله حاولت أحقَّقلك الحلم ده...لكن للأسف...
وضعت إصبعها على شفتيه تمنعه من إكمال حديثه:
_أيوة...عارفة اللي كنت هتقوله...
نظر إليها باستغراب.
ابتسمت رغم الوجع المختبئ بعينيها:
_قول إنك بتحبِّني...أوي...أكتر من أي حاجة في الدنيا...بس ده اللي محتاجة أسمعه.
انحنى يقبِّل أناملها برفق:
_ما أنا كنت هقول كده...إنتِ اللي استعجلتي.
رفعت حاجبها بمشاكسة خافتة تخفي بها حزنها:
_متأكدة...لأنك مينفعش تقول غير كده...صح يا دكتور؟
نظر إليها طويلًا...
ثم خرج صوته مكسورًا:
_النتيجة...نيجتف يا ضي...العملية منجحتش.
ساد الصمت...ثوانٍ فقط، لكنها كانت أثقل من العمر كلِّه.
مدَّت يدها تحتضن وجهه بين كفَّيها:
_مش مهم...قالتها بهدوءٍ نابعٍ من نبض قلبها باسمه..
_أكيد كان نفسي يبقى عندنا طفل... نفسي أشوف ابني شبهك...بس طالما دي إرادة ربِّنا...خلاص.
ثم ابتسمت وتابعت بهدوء:
_يوسف...إنتَ عندي أهم من مليون طفل...والله أهم من الدنيا كلَّها.
رأت الانكسار في عينيه، فشعرت أن قلبها هو من ينزف:
_لو سمحت...ما تبصليش البصَّة دي... قلبي بيوجعني...وحاسَّة إنِّي مكسورة من وجعك.
لم يحتمل أكثر...
اجتذبها بقوَّة بين ذراعيه، دفن وجهه في شعرها وهمس:
_سامحيني...كان نفسي أفرَّح قلبك.
شدَّت احتضانها له أكثر، حتى شعرت بدقَّات قلبه تضرب صدرها بعنف.
مرَّرت كفَّها فوق موضع قلبه، وقالت بصوتٍ اختلط بدموعها:
_أنا أسعد ست في الدنيا...عارف ليه؟
لأن القلب اللي بيدق تحت إيدي ده... باسمي أنا..
وطول ما نبضه بينادي اسمي...يبقى امتلكت الدنيا كلَّها..
ولو خيَّروني بين ألف طفل...وبين نبضة واحدة من قلبك...هختارك إنتَ في كل مرَّة...ومن غير تفكير.
أغمض يوسف عينيه، وشدَّد احتضانها حتى اختفت المسافات بينهما.
في تلك اللحظة...أدرك أنَّ الحب الحقيقي لا يُقاس بعدد الأطفال الذين يملؤون البيت، بل بعدد النبضات التي يخفقها قلبٌ وجد قلبه الآخر.
فقد يُحرم العاشقان من طفل...
لكنهما إذا امتلك كلٌ منهما قلبَ الآخر، فقد امتلكا الحياة بأكملها.
النهاية تعطي معنى أعمق..أنَّ نبض الحبيب هو الحياة نفسها، وأنَّ خسارة الحلم لم تُنقص من اكتمال حبُّهما شيئًا.
نعم عزيزي القارئ..
قد يُحرم قلبان من طفلٍ كانا يحلمان أن يناديهما "أبي" و"أمِّي"، لكنهما لم يُحرما يومًا من أعظم نعمة...أن ينبض كلُّ قلبٍ باسم الآخر.
فما قيمة الأمنيات إن كان الحبيب حاضرًا؟
وما قيمة الدنيا إن غاب النبض الذي يطمئن الروح؟
رفع ذقنها يسبح بملامحها الجميلة..
تلاقت نظراتهما، نظرة واحدة كانت كافية لتبوح بما عجزت عنه الكلمات.
في عينيه كانت ترى يقينًا واحدًا..."أنتِ عشقي."
وفي عينيها كان يقرأ اعترافًا لا يحتاج إلى نطق..."وأنا أذوب بك عشقًا."
لم يكن بينهما حديث...فالعشَّاق الحقيقيون أحيانًا تنطق عيونهم أكثر من ألسنتهم.
رفع يده يضمُّ وجهها بين كفَّيه، وكأنها أثمن ما وهبته الحياة له، ثم لامست شفتاه وجنتها برقَّةٍ فارتجفت أنفاسها، وتمنَّت أكثر من ذلك، فهي لم تكن قبلة...
بل كانت بيتًا من قصيدة عشقٍ لا يعرف كتابتها إلَّا هو.
قصيدةٌ حروفها همسات...
وأبياتها لمسات...
وقوافيها قبلاتٌ تذيب الأرواح قبل الأجساد.
كلُّ لمسةٍ منه كانت تخبرها: "أحبُّك."
وكلُّ تنهيدةٍ منها كانت تجيبه: "وأنا أعشقك أكثر."
ذاب الوقت بين ذراعيهما، حتى لم يعودا يشعرانِ بشيء سوى نبضيهما، وكأنَّ قلبيهما تخلَّيا عن صدريهما، واختارا أن ينبضا داخل الآخر.
وفجأة...
شقَّ رنين هاتفه ذلك السكون، مرتفعًا بحدَّة، كاضطراب أنفاسهما.
ابتعد عنها قليلًا مجبرًا، وأخرج هاتفه، يحاول أن يلتقط أنفاسه، ويستعيد شيئًا من اتِّزانه بعد أن سلبه عشقها كل قدرةٍ على التفكير.
وقعت عيناه على اسم المتَّصل...
لم تمنحه فرصةً للرد، فاقتربت منه، ثم أسندت رأسها إلى صدره، تطوِّق خصره بذراعيها، وهمست بصوتٍ أذاب ما تبقَّى من مقاومته:
_انسى إنك تخرج دلوقتي...
ابتسم لها ابتسامة تخصُّها وحدها، أراح ذقنه فوق رأسها، وأخذ يداعب خصلاتها المبعثرة بعشوائيةٍ بأنامله،
ثم قال بصوتٍ دافئ:
_مين قال إنِّي هخرج..التليفون كان بابا.
تنهَّدت وهمست له:
_حتى لو عقلك وسوس لك، مكنتش هسمح بكدا.
ابتسم، وشدَّد احتضانها حتى أصبحت أقرب إلى نبضه..أخذت تمرِّر أناملها على موضع قلبه...وما زالت النظرات تحكي الكثير...هنا ماتت المسافات، وتوقَّف كلُّ شيء سوى نبضات القلوب..
تلك اللحظة، لم يكن هناك منتصرٌ ومهزوم...
بل عاشقان، كلٍّ منهما يرى نفسه مكتملًا داخل قلب الآخر، وكأن الحبَّ بينهما لم يعد شعورًا...بل أصبح طريقةُ حياة، ونبضًا لا يعرف كيف يخفق إلَّا باسم صاحبه.
بعد عدَّة ساعات...
كان يتمدَّد على العشب بحديقة المنزل، متَّخذًا من ساقيها وسادته، بينما كانت أصابعها تعبث بخصلات شعره في هدوء، تقصُّ عليه تفاصيل العرض الذي عُرض عليها بحماس.
ظلَّ صامتًا، ينصت لكلِّ كلمة، حتى انتهت، فابتسمت وسألته بلهفة:
_إيه رأيك؟
رفع بصره إليها، وقال بهدوء:
_العرض حلو يا حبيبتي...بس قبل ما تمضي أي عقد، اتأكِّدي كويس إنُّهم مش هيطلبوا منك لبس مكشوف. الشركات العالمية دي ليها معاييرها، ومش دايمًا بتحط حدود.
اعتدلت تنظر إليه بدهشة:
_أنا أصلًا مفكَّرتش في النقطة دي... صح، كلِّ تصميماتي مقفولة، يمكن مش إسلامية، لكن عمرها ما كانت جريئة.
ابتسم وقال بتأكيد:
_علشان كده خلِّي محامي باباكي يراجع العقد، أو مدير أعمالك يشوف كلِّ البنود...متسيبيش حاجة للصدفة.
أومأت، لكن ابتسامتها تلاشت فجأة..
تسلَّلت إلى ذاكرتها حقيقة كانت تؤجِّلها منذ بداية الحديث.
تنهَّدت، ثم وضعت كفَّها أسفل ذقنه، ترفع رأسه برفق:
_اتعدل...فيه موضوع مهم لازم نتكلِّم فيه.
جلس في مواجهةٍ لها، وقد التقطت عيناه ارتباكها أنَّ القادم لن يعجبه.
فكانت تفرك أصابعها بعصبية، تهرب بعينيها بعيدًا عنه.
ظلَّ يراقبها في صمت، ثم مدَّ يديه، يحتضن كفَّيها بين راحتيه:
_قولي...هسمعك للآخر.
ارتفعت عيناها إليه، تلمعان بالخوف:
_إنتَ..بتثق فيَّا، وبتثق في حبِّي ليك؟
انعقد حاجباه.
هنا شعر أنَّ هناك شيئًا لن يعجبه. نظرت إليه، ثم رفعت كفَّها تلامس وجنته:
_مش عايزة يبقى بينَّا أي شك...وتأكَّد إنِّ يوسف هوَّ كل حياتي...أنا بعشقك بكلِّ حالاتك.
اختنق صوتها، وامتلأت عيناها بالدموع:
_بحبَّك أوي...ومش عايزة حبَّك ليَّا يبقى سبب إنِّي أدفن حلمي...أتمنى تسمعني للآخر.
رقَّ صوته رغم قلقه:
_فيه إيه يا ضي؟
ابتلعت ريقها:
_أوعدني الأوَّل إنك مش هترفض قبل ما تسمع.
خرجت منه ضحكة ساخرة قصيرة:
_قولي...عايزة إيه؟
أخفضت رأسها للحظة، ثم همست:
_الشغل اللي حكيتلك عنه...فيه شرط.
ظلَّ ينظر إليها منتظرًا.
_نور...هوَّ الراعي الرسمي للمشروع... لأنُّه الوسيط بينهم وبيني.
ساد الصمت..
صمت للحظات وشعر بالاختناق، ثم خرج صوته باردًا بصورةٍ أخافتها:
_إنتِ لسه شغَّالة مع نور؟
اقتربت بسرعة، وجلست أمامه، تمسك يده وترفعها إلى وجنتها.
لكنَّه سحبها بهدوء، وأبعدها عنه:
_إيه شغل الأطفال ده؟..مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده؟
قالت برجاء:
_بس يا يوسف...هوَّ مش شخص وحش.
رفع عينيه إليها:
_وأنا قولت إنُّه وحش؟
ثم أكمل بنبرةٍ حاسمة:
_أنا قولتلك مش عايز الراجل ده يكون في حياتك...يبقى الموضوع انتهى.
ارتجف صوتها:
_بس اسمعني...
قاطعها وهو ينهض بعصبية، ينفض ثيابه وكأنَّه يحاول نفض غضبه معها:
_الموضوع انتهى...وبلاش تحسِّسيني إن رأيي ملوش قيمة.
استدار إليها، وعيناه تمتلئان بغيرةٍ حاول كثيرًا أن يخفيها:
_ومتخلنيش أوصَّلك لاختيار بين شغلك...وبين حياتنا.
توقَّفت أنفاسها..
أمَّا هو فأكمل بصوتٍ خرج مشحونًا بالغضب والغيرة معًا:
_لأنِّي مستحيل أوافق إنِّ يبقى بينك وبين الراجل ده أي علاقة...مهما كان اسمها شغل.
استدار وغادر بخطواتٍ سريعة، تكاد الأرض تهتزُّ تحتها.
بقيت مكانها، تحدِّق في أثره حتى اختفى عن عينيها.
خرجت زفرة طويلة، أغلقت بها دموعها قبل أن تسقط.
همست لنفسها بمرارة:
_كنت عارفة...كنت عارفة إنِّ ده هيكون ردُّه...بس ماما قالت آخده بالراحة...أعمل إيه دلوقتي؟
دلف يوسف إلى مكتبه، وأغلق الباب خلفه بعنف.
بدأ يدور في المكان كوحشٍ حُبس داخل قفصٍ ضيِّق.
كلَّما حاول أن يهدأ، عاد اسم نور يطرق رأسه كالمطرقة.
توقَّف فجأة، وأسند كفَّيه إلى المكتب يلهث..ثم جلس ببطء، وكأنَّ جسده لم يعد يقوى على حمله.
خرج صوتٌ داخله، قاسيًا...لا يرحم:
_إنتَ مضَّايق ليه؟
أغمض عينيه بقوة..لكن الصوت لم يتوقَّف.
_خايف...
قبض على حافَّة المكتب حتى ابيضَّت مفاصله:
_خايف تقرَّب منه...وتبعد عنك؟.
هزَّ رأسه بعنف، كأنه يحاول إسكات ذلك الصوت.
_ولَّا خايف إنَّها تكتشف إنها تقدر تعيش من غيرك؟
ارتعش صدره...ووضع كفِّه فوق قلبه الذي كان يخفق بعنفٍ مؤلم..لأوَّل مرَّة...
يخشى أن يخسر المرأة الوحيدة التي جعلته يشعر أنَّ للحياة معنى..
احتوى رأسه وانقبض صدره:
_هتفضل لحدِّ إمتى عايش أسير خوفك من بكرة؟
ظلَّ صامتًا، بينما كان الصوت داخله ينهشه:
_لازم تثق فيها...ولو في يوم قرَّرت تمشي، متبقاش أناني وتمسكها جنبك لمجرَّد إنك بتحبَّها..من حقَّها تبقى أم...من حقَّها تعيش الحياة اللي بتحلم بيها، ليه دلوقتي عايز تحرمها من حقَّها؟ سيبها تحقَّق أحلامها... واتعلم تتقبَّل قدرك، لأنك لو فضلت تحارب نفسك بالطريقة دي، مش هتكسب غير الوجع.
أغمض عينيه بقوة، وكأنَّ الكلمات صفعات متتالية..في تلك اللحظة..انفتح الباب بهدوء، رفع رأسه سريعًا، يمسح آثار ضعفه قبل أن تراها.
رأت ارتجاف أنفاسه...والانكسار المختبئ خلف عينيه.
اقتربت دون أن تنطق بحرف، وجلست فوق ساقيه، ثم لفَّت ذراعيها حول عنقه، تنظر إليه طويلًا:
_خلاص...متزعلش.
ابتسمت ابتسامة حزينة، تخفي بها وجعها:
_هعتذر عن الشغل...وهبعد عن نور خالص..لا، كمان مش هكمِّل في المشروع كلُّه، لو ده هيريَّحك.
ظلَّ ينظر إليها بصمت.
كان قلبه يصرخ..وافق.
أمَّا عقله...فكان يصفعه.
تنهَّد بوجع، ثم همس بصوتٍ بالكاد خرج:
_أنا بغير يا ضي...
ارتجفت ملامحها.
_مش عارف أعمل إيه...كلِّ ما أحاول أنسى إنِّك اتخطبتي لراجل غيري...وإن في يوم كنتِ قاعدة مع واحد لوحدكم...
ضغط على صدره بكفِّه:
_عقلي بيقول انسي...
ثم رفع عينيه إليها:
_بس قلبي...مش قادر.
لم تدعه يكمل.
انحنت تقبِّله قبلة طويلة مرتجفة، وانسابت دموعها فوق وجنتيها.
ابتعدت هامسة:
_آسفة يا حبيبي...والله عارفة إنِّي غلطت..بس وقتها كنت موجوعة... وإنتَ السبب...ابتسمت بألم:
_مكنش علشان عجبني حد...ولا علشان كنت عايزة غيرك...أنا عمري ما شفت غير يوسف.
وضعت كفَّها على صدره:
_لو سمحت...انسى الموضوع ده... خلاص، مش هشتغل...ولا هحقَّق أي حلم لو هيكون تمنه وجعك.
أغمض عينيه، ثم جذبها بقوة بين ذراعيه:
_لا...
همس بها سريعًا:
_أنا اللي آسف...اتعصبت عليكي غصب عني.
داعب وجنتها بطرف أنفه، ثم ابتسم ابتسامة حزينة..لمست وجنتيه قائلة:
_غيران...
ضحك بخفَّة وهو يهزُّ رأسه:
_وده مش من حقِّي؟.
ابتسمت وسط دموعها:
_بالعكس...ده حقَّك.
ثم همست:
_وأنا آسفة.
ابتعد قليلًا، يمسك وجهها بين كفَّيه:
_كمِّلي شغلك.
اتَّسعت عيناها بدهشة.
_أنا مستحيل أمنعك من حلمك...لكن لو بتحبِّيني فعلًا، خلِّي بينكم وسيط. مش عايز أي اجتماع يكون بينكم لوحدكم...وتعاملك معاه يبقى في حدود الشغل وبس.
شهقت بفرحة، ثم ألقت نفسها داخل أحضانه:
_أنا بحبَّك أوي...أوي يا يوسف.
ضمَّها إليه حتى كادت تختفي بين ذراعيه، ثم همس بجوار أذنها:
_طيب...مش المفروض جوزك ياخد مكافأة؟
دفنت وجهها في صدره وهي تضحك، ثم ضربته بخفَّة:
_إحنا نايمين الصبح يا دكتور!
وضع إصبعه على شفتيها:
_ششش...متخلنيش أرجع في كلامي.
هزَّت رأسها بسرعة وهي تضحك:
_لا لا...خلاص...هوَّ أنا مقولتش إنك وحشتني؟
رفع حاجبه بمكر:
_لا والله...نقِّيتي بس.
دفنت وجهها أكثر في صدره، وتعالت ضحكاتها.
ربت على ظهرها، ثم همس:
_طيب...كده مينفعش، لازم نكمِّل كلامنا فوق...الشغَّالين رجعوا، وإنتِ عارفة لو حد شافنا هيحصل إيه.
قفزت من فوق ساقيه فجأة:
_طب خلِّي واحدة منهم تبصِّ عليك بس...وأنا أقلعها عينيها.
انفجر ضاحكًا، ثم أشار بعينيه ناحية السلَّم:
_نطلع...ولَّا نكمل هنا؟
وقبل أن تجيبه...
رنَّ هاتفه.
نظر إلى الشاشة، ثم رفع بصره إليها بحسرةٍ مصطنعة:
_حاسس إنِّ أبويا حاططلي جهاز تتبع.
ضحكت..ففتح الخط:
_صباح الخير يا باشا.
جاءه صوت إلياس ساخرًا:
_صباح إيه يا دكتور؟ الساعة أربعة العصر.
نظر إلى ساعته، ثم قال بجدية مصطنعة:
_قول والله...يبقى ساعتي متأخَّرة.
_خمس دقايق وتكون عندي يا كبير العيلة..
خلِّيك نايم جنب الهبلة..قالها، وأغلق الخط.
زفر يوسف وهو ينظر إليها:
_شوفتي؟ قولتلك بيراقبني..معرفش الراجل دا جوز أمِّي.
ثم أشار إليها وهو يتَّجه للخارج:
_هروح أشوف عايز إيه...وإنتِ تكوني اخترتي بدلة رقص محترمة.
اتَّسعت عيناها بصدمة:
_والله لأتصل بعمُّو إلياس وأسأله هوَّ بنفسه عن نوع البدلة.
قهقه وهو يدفعها برفقٍ بعيدًا:
_اعمليها...وأنا هقول له إنِّك عايزة واحدة هندي..ثم غادر سريعًا قبل أن تلحق به.
طرق باب مكتب والده، ثم دخل.
جلس أمامه في هدوء.
رفع إلياس رأسه عن الأوراق:
_إيه اللي حصل بين بلال ورولا؟
هزَّ يوسف كتفيه:
_معرفش...بلال مقاليش حاجة.
نهض إلياس ببطء، واتجه نحوه..
وقف أمامه مباشرة، وعيناه تخترقان وجهه:
_مش عيب تبقى دكتور...وكبير العيلة، وتكدب على أبوك؟
ابتسم يوسف ببرود:
_ومش عيب ندخَّل في حياة الناس الخاصَّة؟ حضرتك لسه بتعاملنا كأنِّنا عيال.
ضربه على كتفه ضربة قوية:
_إنتَ متخلِّف.
ثم أكمل بانفعال:
_هيَّ مشاكلكم دي مش بتخصِّ العيلة كلَّها يا كبير العيلة؟
اعتدل يوسف وهو ينظر إليه:
_أنا كبير على نفسي بس يا بابا...وحياة غيري الخاصَّة مليش دعوة بيها.
انحنى إلياس حتى صار وجهه مقابل وجه ابنه:
_قدَّامك لحدِّ المغرب...لو موضوع بلال ورولا متحلِّش...
قاطعه يوسف بسرعة وهو يرفع يده مستسلمًا:
_طيب...ينفع نخلِّيها الساعة اتناشر بالليل يا جنرال؟
ظلَّ إلياس ينظر إليه لثوانٍ...
ثم اشار إليه بالخروج، تحرَّك دون حديث..
رفع هاتفه، ثم ضغط على اسم بلال:
_إنتَ فين؟
جاءه صوت بلال من الطرف الآخر:
_في الطريق...مروَّح.
_عدِّي عليَّ الأول...عايزك في موضوع مهم.
ساد صمتٌ قصير، قبل أن يجيبه:
_تمام...عشر دقايق وأكون عندك.
بقصر الجارحي...
كانت شمس تجلس في الحديقة، لا تحيد عيناها عن صغيرها تميم، تتابع المربية وهي تعتني به.
اقتربت منها دينا، وما إن رأت تعلُّق نظراتها بطفلها حتى ابتسمت بحنان:
_شمس...لسه مجهزتيش؟
التفتت إليها، ثم عادت تنظر إلى تميم:
_مش قادرة أخرج وأسيبه يا طنط... وحمزة بيقول مينفعش ناخده معانا.
جلست دينا بجوارها، ثم أمسكت بكفِّها برفق:
_يا حبيبتي...تميم أغلى من روحنا كلِّنا، تفتكري ممكن حد في البيت يقصَّر معاه؟
هزَّت رأسها بالنفي، لكن عينيها بقيتا معلَّقتين بطفلها:
_عارفة...بس قلبي مش مطاوعني.
ربتت دينا على كتفها بحنانِ الأم:
_ده طبيعي...أوَّل طفل بيبقى قطعة من قلب أمُّه..بس صدَّقيني، لو فضلتِ حابسة نفسك معاه، هتتعبي إنتِ وهوَّ.
ثم ابتسمت وهي تدفعها برفق:
_قومي بقى...جهِّزي نفسك، زمان حمزة على وصول، ومتخليهوش يحسِّ إنِّ كل اهتمامك بقى لتميم.
ابتسمت شمس بخجل:
_بس حمزة متفاهم أوي.
ضحكت دينا:
_آه متفاهم...بس في الآخر راجل، والراجل مهما قال إنُّه فاهم، بيفرح لمَّا يلاقي مراته لسه بتستقبله بنفس اللهفة اللي كانت قبل الأطفال.
خفضت شمس رأسها وهي تبتسم بخجل.
_يلَّا يا شمس...النهاردة عايزة أشوف القمر منوَّر القصر.
تردَّدت للحظات، قبل أن تنهض، لكن دينا أمسكت بذراعها، ثم أشارت إلى إحدى الخادمات:
_خلِّي عزة تطلع جناح حمزة، تساعد شمس هانم في اللبس.
توقَّفت شمس سريعًا:
_لا...مالوش لزوم. أنا هجهز لوحدي.
ابتسمت دينا وهي تسحبها معها:
_دي مسؤولة عن العناية الشخصية يا حبيبتي...وجودها شغلها، مش رفاهية.
حاولت شمس الاعتراض مرَّةً أخرى:
_بس يا طنط...
توقَّفت دينا أمامها، تنظر إليها بحنان:
_شمس...أنا قبل ما أبقى دينا الجارحي، كنت بنت موظَّف بسيط، لا كنت من طبقة أرستقراطية، ولا عشت الحياة دي.
ابتسمت وهي تستعيد ذكرياتها:
_كنَّا ساكنين في حي متوسِّط...وكلِّ اللي كنت بحلم بيه بيت صغير مستور.
ثم أشارت حولها إلى القصر:
_بصِّي دلوقتي...دي كلَّها نعم من ربِّنا.
نظرت إليها شمس باهتمام:
_أنا فاهمة يا طنط...بس بابا عمره ما خلَّاني أحس إنِّي أعلى من حد.
ربتت دينا على وجنتها:
_وده لأن إلياس الشافعي ربَّى بنته صح.
ثم أكملت بابتسامةٍ دافئة:
_وأنا مش بقولِّك تعملي كده علشان تبقي مرات حمزة الجارحي...أنا عايزاكي تعملي كده لأنِّك شمس بنت إلياس الشافعي...البنت اللي تستحق تبقى في أجمل صورة دايمًا.
تأمَّلت كلماتها لثوانٍ، ثم ابتسمت أخيرًا:
_هحاول.
ربتت دينا على كتفها، في اللحظة التي اقتربت فيها فتاة في أوائل الثلاثينات..
أشارت إليها قائلة:
_خلِّيكي مع شمس هانم...ومش عايزة أي تقصير.
_تحت أمرك يا دينا هانم.
في تلك اللحظة...دلفت سيارة عمران للداخل..
التفت الجميع نحو البوَّابة الرئيسية.
دخلت سيارة عمران، لتَّتجه شمس إلى الداخل، بينما سارت دينا بخطواتٍ سريعة نحوه.
ترجَّل عمران من سيارته، نازعًا نظَّارته الشمسية وواضعًا إياها فوق خصلات شعره، وما إن وقعت عيناه على دينا حتى اتَّسعت ابتسامته:
_دينا هانم الجارحي...
فتح ذراعيه بمشاكسة:
_وحشتيني.
ضحكت وهي تتقدَّم نحوه، فضمَّهما عناقٍ طويل:
_وإنتَ كمان وحشتني أوي يا حبيبي.
ابتعد عنها قليلًا، يقبِّل رأسها:
_عاملة إيه يا ماما؟
ربتت على خدِّه بحنان:
_بخير طول ما ولادي بخير.
ثم نظرت إليه بعتاب أم اشتاقت لابنها:
_كده يا عمران؟ قولت أسبوعين... غبت شهرين كاملين.
ابتسم وهو يحكُّ مؤخرة عنقه بخجل:
_خلاص بقى يا دينا...هوَّ أنا لسه طفل؟
ضيَّقت عينيها وهي تضربه بخفَّة على ذراعه:
_آه...وهتفضل طفل، حتى لو شعرك كلُّه شاب.
ضحك بصوتٍ عالٍ، ثم احتضنها مرَّةً أخرى، وقال:
_إسحاق عامل إيه اتجوز تاني ولَّا لسة؟.
لكزته ضاحكة، ثم أشارت إلى تميم:
_شوفت تميم باشا، ولَّا لسة؟.
أشارت دينا لمربيته:
_هاتي تميم باشا.
حمله وهو يتمتم:
_بسم الله ماشاء الله، تميم باشا منوَّر الدنيا.
قالها وطبع قبلة فوق جبينه يتطلَّع إليه بتركيز:
_شبه حمزة أوي.
أومأت والدته:
_أيوة...واخد من والدته بردو.
_ربِّنا يبارك له فيه ويحفظه.
نظر للصغير وابتسم:
_هديِّتك محفوظة يا باشا.
ضحكت دينا:
_أيوة يعني إيه الهدية، ولَّا هتضحك علينا.
أشار للمربية بالمغادرة، وجلس وهو يحمله:
_جميل أوي يا ماما، أكيد حمزة فرحان بيه أوي.
_أوي...أوي، ابنه وأوَّل فرحته، وباباك بقى اللي ما بقاش يخرج بسبب الباشا الصغير.
رفع كفَّه يقبِّله ويضحك:
_إيه يا باشا مسيطر من دلوقتي.
في تلك اللحظة دلفت سيارة إسحاق بحرسه، ترجَّل من سيَّارته بهيبته الطاغية وأشار للحرس بأماكنهم، ثم توجَّه إلى جلوس دينا وعمران:
_حمد الله على السلامة يا دكتور، مالسة بدري.
_حبيبي يا إسحاق، عارف إنِّي وحشتك، ومكنتش عارف تتصرَّف من غيري.
رمقه بنظرةٍ مستخفَّة، ليقترب عمران يضمُّه ضاحكًا..
دفعه بخفَّة، وانحنى يتلقَّى حفيده من بين أيدي دينا:
_أنا جاي لحفيدي، مش لحدِّ تاني.
بمنزل كريم..
دلفت سدن إلى المنزل بجوار آسر، وخطواتها سريعة تعكس الغضب الذي يملأ ملامحها..ما إن رأتهما إيمان حتى اقتربت منهما بقلق:
_مالك يا حبيبتي؟
ألقت سدن نظرة حادَّة نحو آسر، ثم أعادت بصرها إلى والدتها وقالت ببرود:
مفيش يا ماما.
أنهت كلماتها وصعدت الدرج دون أن تنتظر ردًّا.
تنهَّد آسر وهو يتابعها بعينيه، ثم التفت إلى إيمان بابتسامةٍ خافتة:
_كانت عايزة فستان للخطوبة مكشوف شوية...وأنا رفضت، ده كلِّ الموضوع.
ربتت إيمان على ذراعه بحنان:
_معلش يا حبيبي...سدن طبعها صعب شوية، غير آسيا، كنت أعرف أقنعها، إنما سدن...لمَّا بتحط حاجة في دماغها بتعملها.
ابتسم بثقة وقال:
_متقلقيش يا عمِّتو...هعرف أتعامل معاها.
تأمَّلته إيمان للحظات، ثم سألته بهدوء:
_إنتَ بتحبِّ سدن يا آسر؟
في تلك اللحظة، كانت آسيا قد وصلت. توقَّفت خلفه مباشرة، وصمتت تستمع، تنتظر إجابته دون أن يشعر بوجودها.
ابتسم آسر ابتسامة هادئة وقال:
_سدن بنت طيِّبة...والطيبة دي تتحب، وأنا بحبِّ البنت البريئة اللي قلبها نضيف..يمكن دلوقتي عصبية ومندفعة، لكن مع الوقت هتهدى وتعقل...ومش هتبقى أصعب من رولا.
ارتسمت ابتسامة ارتياح على وجه إيمان:
_ربِّنا يسعدكم يا حبيبي.
_اللهمَّ آمين.
اعتدل واقفًا:
أنا همشي دلوقتي، وإن شاء الله بكرة نعمل حفلة بسيطة على الضيَّق...لحدِّ ما القضية تخلص.
_تمام يا حبيبي.
في تلك اللحظة تقدَّمت آسيا، وقالت بهدوء:
_مساء الخير.
التفت إليها آسر، توقَّفت عيناه عليها لثانيةٍ واحدة، لكنَّها كانت ثانية باردة، خالية من أي تعبير، لم يرد التحيَّة، وأعاد نظره إلى إيمان وكأنَّ وجود آسيا لم يكن:
_لو احتاجت أي حاجة...خلِّيها تتِّصل بيَّا.
أنهى حديثه، ورمق آسيا بنظرةٍ خاطفة يصعب تفسيرها، ثم استدار وغادر.
ظلَّت إيمان تتابع خروجه بعينينِ مثقلتينِ بالقلق، حتى اختفى خلف الباب.
اقتربت منها آسيا:
_ مالك يا ماما؟
زفرت إيمان ببطء وقالت:
_معرفش...قلبي مش مطمِّن، خايفة من قرارات أختك السريعة..مش عايزة أخسر أخويا بسببها.
ابتسمت آسيا محاولةً طمأنتها، وربتت على كتفها:
_متخافيش يا مامي، سدن بتحبِّ آسر...وبعدين آسر شخصيته قوية، وهيعرف يحتويها ويتعامل معاها.
هزَّت إيمان رأسها بتردُّد:
_مش حاسة بحبُّه معرفش ليه، وده اللي مخوِّفني...آسر شخصيِّته مسيطرة، وسدن مبتحبش حد يفرض عليها حاجة، إنتِ ناسية عملتوا فينا إيه زمان بعنادكم؟
ابتسمت آسيا ابتسامة باهتة، تخفي خلفها الكثير من الذكريات:
_الناس بتتغيَّر يا ماما...والسنين بتعلِّم.
ثم استدارت متَّجهة إلى غرفتها، ولوَّحت بيدها قائلة:
أنا طالعة أنام...ومحدش يصحِّيني.
قبل أن تغادر، أوقفتها كلمات والدتها، كأنها يدٌ خفية جذبت قلبها للخلف..
_مش حاسَّة إنُّه بيحبِّ أختك معرفش ليه
توقَّفت آسيا لثانية...ثانية واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتتصدَّع فيها كل القوَّة التي كانت تتظاهر بها.
لم تلتفت، ولم تُجب.
صعدت الدرج بخطواتٍ بطيئة، وكأنَّ كلَّ درجةٍ تثقلها ألفُ ذكرى معه، وصلت إلى غرفتها..أغلقت الباب خلفها برفق، ثم أسندت ظهرها إليه، وأغمضت عينيها.
انسلَّت دمعة ساخنة فوق وجنتها..
همست لنفسها بصوتٍ مرتجف:
هتعملي إيه يا آسيا، هتسيبيه يلعب بمشاعر أختك..ولَّا هتوقفي الجوازة دي قبل ما تتم؟
ضحكت ضحكة مكسورة، ثم هزَّت رأسها بيأس:
_وهمنعها إزاي؟...وسدن بقت شايفة الدنيا كلَّها فيه...بتحبُّه بجنون.
أغمضت عينيها بقوة، تهمس:
_ربِّنا يسامحك يا ابن خالي...يا ريتك ما قرَّبت منِّي من الأساس.
سارت بخطواتٍ متعبة نحو الفراش، ثم ألقت بجسدها فوقه كما هي، حتى لم تجد في نفسها قوة لتبدِّل ملابسها،
أغمضت عينيها...
وهربت إلى النوم.
في وسط سكون حلمها...
شعرت بأنامله تمسح على وجنتها برقَّة، ثم اقترب بوجهه منها، وطبع قبلة دافئة فوق شفتيها.
وهمس بصوته الرجولي :
_حبيبتي...اصحي بقى، ده كلُّه نوم؟
فتحت عينيها ببطء..كان أمامها.
وجهه يبتسم لها بعشقه الذي تنطقه عيناه قبل شفتيه
احتضن وجهها ، وعيناه لا تريان في الدنيا سواها:
_صباح الخير يا حبيبة آسر.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة غابت عنها منذ فترة، أمسكت كفِّه بكلتا يديها، وقبَّلته برقَّة:
_صباح الخير...يا حبيبي.
انحنى إليها، فاختفت المسافات بينهما، وعانقت ذراعاها عنقه بكلِّ الشوق الذي دفنته..
ضمَّها بقوة، وأراح جبهته فوق جبهتها، بينما عيناه تخبرانها بكلِّ الكلمات التي لم تُقال..واحتضن شفتيها يبثُّ فيها كمِّ العشقِ الذي يشعر به، قبلاته وهمساته جعلت قلبها
يصرخ بالنبض..
وفي اللحظة التي شعرت فيها أنَّ قلبها عاد ينبض بالحياة...اختفى.
انتفضت آسيا من نومها فجأة.
شهقة حادَّة خرجت من صدرها، وجسدها كلَّه يرتعش بعنف، وعيناها تدورانِ في أنحاء الغرفة بجنون.
لا أحد...الغرفة كما هي...
رفعت يدها المرتجفة إلى شفتيها...
كأنَّها ما زالت تشعر بدفء تلك القبلة التي لم تحدث إلَّا في حلمها..
عندها فقط انهارت.
ضغطت بكفَّيها فوق فمها بكلِّ قوتها، تحاول أن تخنق صوت شهقاتها حتى لا يسمعها أحد..لكن الألم كان أقوى.
انفجرت دموعها بلا رحمة، تبكي بحرقة امرأة رأت في حلمٍ حياةً كاملة...ثم استيقظت لتجد الحقيقة تنتظرها ببرودها القاسي.
هو لم يعد لها...لم يعد حتى حبيبًا ضائعًا.
أصبح خطيب أختها...
وأصبحت هي مطالبة أن تبتسم، وتبارك، وتدفن قلبها حيًّا...وكأنَّها لم تحبُّه يومًا.
مساء اليوم التالي..
انتهت من وضع لمساتها الأخيرة أمام المرآة، كان الفستان الأسود يلتفُّ حول خصرها بانسيابية، يبرز أنوثتها الهادئة دون مبالغة..حدَّقت في انعكاسها طويلًا، كأنَّها تبحث عن امرأة أخرى غير التي تقف أمامها.
أغمضت عينيها بقوة، وسحبت نفسًا مرتجفًا:
_مش بتحبِّيه...إنتِ مش بتحبِّيه.
ردَّدت الجملة مرَّة...ثم أخرى...حتى فقدت معناها، بينما قلبها يصرخ بعكسها.
فتحت عينيها، رسمت ابتسامة باهتة لا تشبهها، ثم استدارت وغادرت الغرفة.
بالأسفل...
امتلأ المنزل بالأهل والأقارب، وتعالت موسيقى هادئة..
في منتصف القاعة، وقفت العروس بفستانها الأحمر، تشعُّ سعادة، وإلى جوارها رولا وضي يتبادلن الضحكات.
جالت عينا رولا تبحث عنها:
_فين آسيا يا سدن؟
أشارت سدن نحو الطابق العلوي:
_بتجهز...أصلها لسه راجعة من الشغل.
في تلك اللحظة..ظهرت على الدرج..
ما إن رفعت رأسها حتى توقَّفت خطواتها فجأة.
كان يقف..يتحدَّث مع بلال، يضحك بصوتٍ مرتفع، وكأنَّ قلبًا لم يتحطَّم بين يديه.
شعرت بشيءٍ يهبط فوق صدرها بثقلٍ مؤلم..لأوَّل مرَّة...تبغض رؤيته.
لأوَّل مرَّة تتمنى لو يختفي من المكان، لو يمحوه القدر من أمام عينيها، حتى لا تضطر إلى مقاومة ذلك الوجع الذي يعود كلَّما رأته.
ابتلعت غصَّتها، ورفعت رأسها بكبرياء، ثم أكملت نزولها بخطواتٍ ثابتة، تخفي ارتجاف روحها خلف هدوءٍ مصطنع.
مرَّت بجواره...
وصوته وهو يضحك اخترق أذنيها كالسهم.
أغمضت عينيها للحظة، وهمست داخلها بمرارةٍ مزَّقت قلبها:
_غبية...فضل وراكي لحدِّ ما خلَّاكي تصدَّقيه...وفي الآخر راح خطب أختك...قذر.
انتبهت لها رولا، فاتَّسعت ابتسامتها:
_أخيرًا البرنسيسة وصلت.
ابتسمت آسيا ابتسامة صغيرة بالكاد وصلت إلى شفتيها:
_آسفة...كان عندي شغل مهم.
وصل صوتها إليه..
التفت إليها دون إرادة.
وقعت عيناه عليها..تجمَّد للحظة..
انسابت نظراته عليها رغماً عنه.
الفستان الأسود احتضن قوامها برقَّة، وشعرها المنسدل زادها فتنة، أمَّا ملامحها...فكانت جميلة على نحوٍ أغضبه.
اشتدَّ فكَّه حتى برزت عروقه..
قبض على كفِّه بقوة، وكأنَّه يحاول كبح شيء يثور داخله.
كره ذلك الفستان...وكره كلَّ رجلٍ قد تقع عيناه عليها وهي بهذه الهيئة.
لكن أكثر ما كرهه...
أنه لم يعد يملك أي حقٍّ في أن يغضب عليها.
بعد قليل، جلس آسر إلى جوار سدن استعدادًا لإلباسها الدبلة.
مدَّت إيمان علبة المجوهرات إلى آسيا.
_ساعديهم يا حبيبتي.
أومأت بصمت، وأخذت العلبة بين يديها, كانت أصابعها ترتجف رغم محاولتها إخفاء ذلك، ابتسامة هادئة ارتسمت على شفتيها..
اقتربت منهما، وتوقَّفت إلى جواره.
فتحت العلبة، وأخذت تخرج قطعةً تلو الأخرى، تضعها في يد آسر دون أن ترفع عينيها إليه.
كلُّ قطعة كانت كأنَّها تنتزع شيئًا من قلبها.
حتى وصلت إلى دبلة الخطوبة...
ناولتها له، فرفعت سدن رأسها إليه بعناد:
_مش عايزة ألبسها...ليه مبتسمعش الكلام؟
ابتسم آسر محاولًا إرضاءها، بينما ابتعدت آسيا خطوةً للخلف، تمنحهما مساحةً لحديثهما...ومساحةً تهرب فيها من وجعها.
اقتربت منها رولا وهمست وهي تتابع آسر:
_ شوفتي يا بت، أخويا عريس زي العسل.
لم تُجب.
كانت عيناها معلَّقتين بوجه شقيقتها فقط، تقرأ في ملامحها كل ابتسامة.
وللحظة..شعرت بحزنٍ مرَّ سريعًا على وجه سدن، ولكن دنا آسر وهمس لها ببعض الكلمات ليبدِّد حزنها بكلمةٍ لم تسمعها.
ثم..ارتفع التصفيق.
وانطلقت الموسيقى معلنةً لحظة إلباس الدبلتين.
اختلطت الزغاريد بالسعادة، وتزاحم الجميع حول العروسين للتهنئة.
إلَّا هي...بقيت في مكانها.
تراقب ابتسامة أختها، وفجأةً..حاوطت سدن عنق آسر، توقَّف على حركتها، تنظر إليه بابتسامةٍ بريئة، تنتظر أن يقبِّلها، ابتعد قليلًا يهمس إليها:
_سدن الناس بتبصِّ علينا.
كانت آسيا تقف تراقبهم بصمتٍ موجع، دقَّقت النظر إلى أختها في محاولة قربها من آسر، علمت من قربها ماذا تريد..هنا شعرت أنَّ شيئًا بداخلها قد انتهى إلى الأبد.
مدَّ آسر يده إلى سدن:
_يلَّا...نرقص، ودي كمان علشان متزعليش.
تقدَّمت سدن منه على مضض بينما وقفت رولا بجوار آسيا تتأمَّلها طويلًا:
_فيه حاجة حصلت معاكي؟
التفتت إليها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_نور...عايز يتقدملي.
قطبت رولا حاجبيها:
_نور مين؟
أشارت آسيا بعينيها نحو ضي.
اتَّسعت عينا رولا بدهشة:
_أكيد مش هتوافقي..دا يوسف يولَّع فيكي وفيه، دا أكيد مجنون!!.
تنهَّدت آسيا:
_أنا أصلًا مفكَّرتش في الموضوع.
ظلَّت رولا تحدِّق فيها للحظات:
_يعني...ده اللي مضايقك؟
هزَّت آسيا رأسها في صمت، دون أن تزيد حرفًا.
وفي تلك اللحظة..دخل نور بصحبة والدته.
توجَّه مباشرةً نحو يزن، وهو يبتسم:
_ألف مبروك.
نظر يزن إلى سارة باستفهام..
ابتسمت بهدوء:
_آسيا عزمت نور...وهوَّ أصر إنِّي آجي معاه.
أومأ يزن دون تعليق، وأشار إليهما بالدخول.
في الجهة الأخرى...
نهض إلياس لاستقبال سارة حتى يسيطر على الوضع.
كانت ميرال تراقب المشهد بصمت.
توقَّفت عيناها عند المرأة التي يقف معها زوجها، ولاحظت ابتسامته الهادئة وهو يتحدَّث إليها..ثم انضمَّ إليهما أرسلان.
اشتعل الفضول داخلها..
مالت على يوسف وهمست:
_تعرف الستِّ اللي واقفة مع خالك وعمَّك دي؟
هزَّ يوسف رأسه بمكر:
_لا...بس شايف اللي واقفة مع بابا؟
رمقته بنظرةٍ حادَّة:
_يوسف...مين الستِّ دي؟
ابتسم وهو يهزُّ كتفيه:
_معرفش...بس شوفتها مرَّة عند بابا.
اتَّسعت عيناها:
_عندنا في البيت؟!.
أومأ برأسه.
وفي تلك اللحظة، وصلت ضي إليهما.
_يوسف...تيجي نخرج مع العرسان بعد الخطوبة؟
_تمام.
لكن ميرال لم تعد تسمع شيئًا.
كانت ترى فقط..سارة تقترب من إلياس، وابتسامتها الواثقة أشعلت نار الغيرة داخلها.
تحرَّكت نحوه بخطواتٍ سريعة..
توقَّفت بجواره، ثم تشبَّثت بذراعه مع تحرُّك سارة مع نور في اتجاه إيمان.
_مين الستِّ دي؟
نظر إليها إلياس، وصمت لثوانٍ، يبحث عن إجابة لا تفتح عليه أبواب الأسئلة.
لفَّ ذراعه حول خصرها، وقال بابتسامةٍ واسعة:
_سيبك من كلِّ ده...تعالي نرقص مع العرسان.
شهقت وهي تنظر إليه:
_إنتَ بتهزَّر...صح؟
لم يجبها..سحبها معه حتى وصلا إلى جوار آسر وسدن..
_خدوني جنبكم يا ولاد.
ضحك آسر..أحسن عمُّو يرقص.
ضحك إلياس وهو يلوِّح بيده:
_بس يلا..هوَّ أنا بعرف أرقص، أنا بس بفرَّح عمِّتك.
انفجرت ميرال ضاحكة، ودفنت وجهها في صدره.
كان يعلم جيِّدًا...أن أفضل طريقة لإخماد غيرتها، هي أن يجعلها محور اهتمامه كلِّه.
في الجهة المقابلة...
عقد أرسلان ذراعيه وهو يتابع المشهد بابتسامةٍ خفيفة، وقف يوسف بجواره:
_هوَّ بابا بيعمل إيه يا عمُّو؟
ابتسم أرسلان:
بيرجَّع شبابه يا حبيب عمَّك.
ضحك يوسف، ثم جذب يد ضي واتَّجه إلى والده:
_منوَّر يا باشا...هنلاقي مكان جنبك، ولَّا إحنا كبرنا على الرقص؟
رفع إلياس حاجبه:
_بتحطِّ راسك براس أبوك يا دكتور؟
ضحك يوسف:
_راس إيه بس، هوَّ أنا عجِّزت زيك؟ أنا لسه شاب وعايز أفرح.
قاطعتهم ضي وهي تضحك:
_هترد مامتك وتقول إنُّه أصغر منك... وأنا بصراحة معاها طنط ميرال.
لم ينتظر إلياس ثانية.
أمسك يد ميرال وغادر بها القاعة كلَّها.
إلياس..استنى! هقول ليزن.
لكنَّه لم يلتفت، وكأنَّه قرَّر أن يبعدها عن أي شيء قد يثير شكوكها.
ابتسم أرسلان وهو يتابع انسحابه:
_معلِّم من يومك يا ابن السيوفي.
ابتسم يزن وهو يهزُّ رأسه:
_لو ماعملش كده...يوسف وميرال كانوا هيفتحوا عليه تحقيق لحدِّ الصبح.
صمت أرسلان لحظة، ثم نظر نحو سارة التي كانت تتحدَّث مع إيمان وآسيا.
ضاقت عيناه:
_إيه اللي جاب الستِّ دي هنا دلوقتي؟
أجابه يزن بهدوء:
_آسيا هيَّ اللي عزمت نور...وسارة جات معاه.
ظلَّ أرسلان يراقب سارة التقت فيها نظراتهما...شعر أنَّ في عينيها شيئًا لم يعجبه.
تحدِّيًا...واستفزازًا...
وكأنَّها جاءت لهدفٍ لا يعرفه بعد.
عاد بنظره إلى يزن وقال بصوتٍ منخفض:
الستِّ دي مش مرتاح لها...نظراتها كلَّها تحدِّي.
أخذ يزن نفسًا طويلًا، ثم قال بهدوء:
وجودها ميهمِّنيش...اللي يهمِّني فعلًا هوَّ رد فعل ميرال، أنا كراجل...مش متقبِّل إنَّها تكون قريبة من إلياس بالشكلِ ده، حتى لو مفيش بينهم أي حاجة.
كانت تجلس بعيدًا عن الجمع، اتَّجه إليها نور وجلس بجوارها:
_قاعدة لوحدك ليه؟.
_مفيش مصدَّعة، نظرت لسارة وتساءلت:
_اللي هناك دي والدتك مش كدا؟.
شوفتها مرَّة يوم خطوبة ضي.
ذهب بعينيه تلقائيًا على ضي التي تقف بين ذراعي يوسف تستند برأسها على صدره.
نظرت آسيا للذي ينظر إليه، ثم عادت تنظر إليه:
_بيحبُّوا بعض جدًّا على فكرة، ولمَّا وافقت على الخطوبة كانت بتغيظه.
التفت إليها وهزَّ كتفه بالامبالاة:
_ربِّنا يسعدهم.
دقَّقت النظر إليه:
_إنتَ خطبت ضي علشان حبِّتها فعلًا؟.
_ممكن ما نتكلِّمش في الموضوع دا؟.
_تمام.
قالتها وذهبت بنظرها لرقص أختها وآسر.
_لو قولت لك نرقص هتوافق؟.
_تعبانة حقيقي ما ليش خلق، انتهت رقصة آسر وسدن، نهضت من مكانها مقتربةً منهما..
نظر إليها آسر ثم إلى نور فقال:
_مفيش مبروك يا أفريقيا..
مبروك يا متر، بالرفاء والبنين إن شاء الله.
ابتسمت سدن قائلة:
_هتفضلوا توم وجيري لحدِّ إمتى؟.
رمقته بنظرةٍ مستخفَّة، ثم تحرَّكت من أمامهما، تابعها وهي تتحرَّك متَّجهةً إلى وقوف ضي ورولا:
_آسر متزعلش منها، هيَّ طيبة والله بس معرفش بتضايق منك ليه!.
_مش زعلان، بالعكس بحبِّ أشاكسها.
_أيوة ما أنا واخدة بالي، أقولَّك سر؟.
رفع حاجبه ينظر لأفعالها الطفوليَّة:
_قولي يا فتنة.
ضحكت بصوتٍ مرتفع ثم اقتربت منه:
_راسمة صورتك في أتيليه ضي، وكاتبة عليك شمشون.
توسَّعت عيناه فبصق لفظًا يسبُّها، طالعته سدن مذهولة ممّّا قاله:
_إيه اللي بتقوله دا عيب!.
_وسَّعي يا ختي كدا، قال عيب، قالها وتحرَّك متَّجهًا إلى وقوفها، وصل إليهم، توقَّف بجوار رولا:
_عاملة إيه يا أمِّ يوسف؟.
احتضنت ذراعه:
_بيسأل على خالو، بيقولُّه جاي الحفلة متأخَّر ليه يا خالو؟.
_كنت بجيب فستان لأفريقيا.
التفتت تنظر إليه.
_عجبك الفستان يا أفريقيا، حلو صح، أهو يغطي ديفوهاتك.
لكزته رولا:
_إنتَ بتقول إيه يا بني؟!.
_ما ترديش عليه يا رولا، ليس على المتخلِّف حرج.
_بالظبط يا أفريقيا..يعني ممكن أعمل حاجات أستغفر الله العظيم ومحدش يقولِّي بتعمل إيه.
_هههه، ظريف يا خطيب أختي.
_تعلَّمته منك يا أخت خطيبتي.
_هروح عند بلال ويوسف، على الأقل مفيش متخلِّفين هناك...قالتها وتحرَّكت بفستانها الذي يبرز مفاتنها فهمس:
_متخلِّفة.
_مالك ومالها يا آسر..اقتربت سدن من وقوفهما:
_ماتيجي نخرج يا آسر بعد الحفلة.
_مش فاضي...قالها وغادر المكان.
كانت ضي تراقب نظراتهما وتراشق الكلمات بينه وبين آسيا، إلى أن وصلت سدن وتوقَّفت بجواره.
_معقول...همست بها غير مستوعبة ما أدركته من تلك النظرات.
التفتت تنظر إلى وقوف آسيا بجوار بلال ويوسف..ظلَّت تراقبها لبعض الوقت، وتذكَّرت كلمات بلال عن آسيا وآسر..
هزَّت رأسها:
_لا...أكيد، ممكن تكون مضَّايقة فعلًا.
مساء اليوم التالي..
جلست رولا بأحضان يزن..
_من زمان ما قعدناش مع بعض يا حبيبة أبوكي.
_يوسف أخد كلِّ وقتي يا بابا.
_بلال عامل معاكي إيه؟.
اعتدلت تنظر إليه، أرادت أن تقصَّ له، ولكن تذكَّرت حديث ميرال لو علم بزعلها، هزَّت رأسها مبتسمة:
_بلال كويس جدًّا يا بابا، أنا للأسف اللي غلطت لمَّا شكِّيت فيه.
_رغم إنِّي وقفت معاكي، بس غلطك كبير يا بنت يزن، وماردتش أعاتبك علشان حالتك، وعجبني وقوف بلال رغم اللي عملتيه.
_خلاص يا بابا، عرفت غلطي.
استمعت إلى رنين هاتفها:
_أيوة يا يوسف.
_رولا محتاجك في طلب.
اعتدلت تستمع إليه:
_تمام..هودِّي يوسف لماما وأجي لك.
نهضت وهي تشير للمربية:
_روحي بيوسف على بيت بابا.
توقَّف يزن يسألها:
_ماله يوسف؟.
_معرفش، مالها ضي زعلانة منه، هروح أشوف فيه إيه.
سحبها لأحضانه:
_حبيبتي العاقلة، حبِّيت اهتمامك ببنت عمِّك وابن عمِّتك.
_همَّا مش بيسبوني يا بابا لمَّا ألقى زعلانة..
وضي بتوقف قصاد أخوها علشاني..
بعد إذن حضرتك هطلع أغيَّر، وأعدِّي على يوسف.
أومأ لها وقال:
_متقلقيش على يوسف هيلعب مع جدُّو.
طبعت قبلة على وجنتيه وتحرَّكت للداخل.
وصلت بعد فترة..
دلفت للداخل، شموع مزيَّنة بروائح فوَّاحة، طافت عيناها بالمكان، رفعت هاتفها واتَّصلت:
_يوسف إنتَ متأكد من العنوان؟.
أصل حاسَّة إنُّه غلط.
_طيب ادخلي واسألي، شوفيهم هيقولوا لك إيه.
_يابني بقولَّك دا شكله جوّ رومانسي، ومش شايفة ضي هنا خالص.
_ادخلي وهتلاقيها، متخافيش محدش هيخطفك.
_والله لو مقلب لأجيلك أخنـ.قك.
_بت قرفتيني، هوَّ أنا عيِّل علشان ألعب معاكي، هبلة صحيح.
قالها وأغلق الهاتف، نظرت للهاتف بذهول:
_أه يا بن... وأنا اللي بساعده، والله ما تستاهل، جتك نيلة، دلفت للداخل:
_لو سمحت، هوَّ فيه حد؟.
_فوق يا أفندم.
_فوق إيه يا أهبل! هوَّ أنا لسة سألت؟!.
_اطلعي فوق يا فندم وهتلاقي اللي بتسألي عنه.
_معرفش ليه حاسَّة بمقلب من ابن خالي، أصله غلس وبيكرهني، والله لأفضحه.
قامت برفع هاتفها:
_عمُّو إلياس، ابنك بعتني في مكان قليل الأدب، لو حصلي حاجة هفضحه، أنا بقولَّك أهو.
_إنتي فين يا حبيبتي؟.
_في ( ) وذكرت اسم المكان،
_خلاص أنا هتصرَّف.
قام إلياس بمهاتفة يوسف، ولكنَّه لم يرد، اتَّجه وهاتف مالك:
_روح العنوان اللي هبعتهولك دا، وإنتَ بنفسك وشوفلي إيه الحكاية، وهات رولا، حتى لو بتعمل إيه.
_ليه فيه حاجة؟.
_معرفش، قالها وحاول أن يربط ما قالته.
عند رولا..
دلفت للداخل:
_ضي..ضي إنتي هنا؟.
فجأة سحبها بلال لأحضانه، لتشهق صارخة، وضع كفَّه على فمها، يمنع صراخها:
_باااااس أنا.
ابتعدت تنظر إليه بدموع:
_يعني علشان تجبني تعمل كدا؟!.
_الله مش عايزة تطلَّقي وتبعدي، لازم نتكلِّم عن الطلاق، ونحط عقود ونمضيها علشان ما نرجعش في كلامنا.
لكمته بخفَّة...سحبها لأحضانه:
_زعلان يا روليتا ولازم تصالحيني.
_إنتَ اللي زعلان، بقالك شهر مخاصمني، ونايم بعيد عنِّي.
رفع ذقنها ينظر لعينيها:
_وينفع اللي عملتيه؟.
وضعت رأسها على صدره:
_بلال أنا مش عايزة نتكلِّم في الماضي، قلبي موجوع منك، عايزة تدوايه، لأنَّك قسيت عليه أوي.
حاوط وجهها بين كفَّيه يسبح بعينيها:
_قدرتي تنطقيها للمرَّة التانية يا رولا، وتقولي طلَّقني، يعني سهل إنِّك تبعدي عنِّي؟.
هزَّت رأسها بالرفض وانسابت دموعها.
انحنى يقبِّل دموعها، رفعت ذراعيها تحاوط عنقه، في تلك اللحظة، دفع مالك الباب دون استئذان..
هبَّت فزعة من أحضانه، توقَّف مالك متخصِّرًا:
_والله، بتلعبي معانا يا أستاذة.
_إيه دا يا عمُّو، ينفع تدخل بالطريقة دي!!.
اقترب منهما، ودَّ لو يصفعهما على وجوههما:
_أومال أدخل إزاي ومراتك بتقول هتخطف؟.
التفت يرمقها بغضب.
_ما هو يوسف مش قالي
أشار مالك إليهم:
_وعقابًا، مفيش سهرة يا عشَّاق، ياله على البيت.
_والله ما هيحصل، دا أنا قتيل هنا.
سحب رولا لأحضانه:
_مراتي زعلانة وعايز أصالحها.
لكزته بخجل.
رفع مالك حاجبه ينظر إليهم باستفزاز:
_بجد، الله يكون في عون إلياس.
قالها وغادر...تطلَّعت إليه رولا:
_ينفع كدا.
اقترب منها بجنون:
_دا أنا اللي هورِّيكي إزاي تبلَّغي الحكومة يا هبلة.
بعد أسبوع..
ولج الى منزل ايمان، وقعت عيناه على جلوسها بشرود أمام المسبح، توقف للحظات يراقبها، وصلت إليه سدن
_أنا جاهزة
_جاهزة لايه
_مش هنسهر كمان الليلة
_اسيا...
توسعت عيناها تنظر اليه بذهول
_أنا سدن مش اسيا
اقترب معتذرًا
_اسف.. اصل ردودك الأيام دي بتفكرني بيها
_لا ياحبيبي متفكرش غير في خطيبتك، اللي لحد دلوقتي، ماقولتلهاش انك بتحبها
قالتها ونظرت للارض
رفع ذقنها وداعب ذقنها
_انت ليه بتقولي كدا
_مش دي الحقيقة، انا عارفة انك خطبتني علشان خالو اللي طلب منك
_سدن انت جميلة، وبحب برائتك اوي
دنت منه حتى التصقت به
_يعني بتحبني صح؟!
اومأ دون حديث
_طيب اثبت يامتر، على رأي اسيا
_ليه هي اللي قالت لك اني مش بحبك
_ا ينعم..
صعدت الدرج بخطواتٍ بطيئة، وكأنَّ كلَّ درجةٍ تثقلها ألفُ ذكرى معه، وصلت إلى غرفتها..أغلقت الباب خلفها برفق، ثم أسندت ظهرها إليه، وأغمضت عينيها.
انسلَّت دمعة ساخنة فوق وجنتها..
همست لنفسها بصوتٍ مرتجف:
هتعملي إيه يا آسيا، هتسيبيه يلعب بمشاعر أختك..ولَّا هتوقفي الجوازة دي قبل ما تتم؟
ضحكت ضحكة مكسورة، ثم هزَّت رأسها بيأس:
_وهمنعها إزاي؟...وسدن بقت شايفة الدنيا كلَّها فيه...بتحبُّه بجنون.
أغمضت عينيها بقوة، تهمس:
_ربِّنا يسامحك يا ابن خالي...يا ريتك ما قرَّبت منِّي من الأساس.
سارت بخطواتٍ متعبة نحو الفراش، ثم ألقت بجسدها فوقه كما هي، حتى لم تجد في نفسها قوة لتبدِّل ملابسها،
أغمضت عينيها...
وهربت إلى النوم.
في وسط سكون حلمها...
شعرت بأنامله تمسح على وجنتها برقَّة، ثم اقترب بوجهه منها، وطبع قبلة دافئة فوق شفتيها.
وهمس بصوته الرجولي :
_حبيبتي...اصحي بقى، ده كلُّه نوم؟
فتحت عينيها ببطء..كان أمامها.
وجهه يبتسم لها بعشقه الذي تنطقه عيناه قبل شفتيه
احتضن وجهها ، وعيناه لا تريان في الدنيا سواها:
_صباح الخير يا حبيبة آسر.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة غابت عنها منذ فترة، أمسكت كفِّه بكلتا يديها، وقبَّلته برقَّة:
_صباح الخير...يا حبيبي.
انحنى إليها، فاختفت المسافات بينهما، وعانقت ذراعاها عنقه بكلِّ الشوق الذي دفنته..
ضمَّها بقوة، وأراح جبهته فوق جبهتها، بينما عيناه تخبرانها بكلِّ الكلمات التي لم تُقال..واحتضن شفتيها يبثُّ فيها كمِّ العشقِ الذي يشعر به، قبلاته وهمساته جعلت قلبها
يصرخ بالنبض..
وفي اللحظة التي شعرت فيها أنَّ قلبها عاد ينبض بالحياة...اختفى.
انتفضت آسيا من نومها فجأة.
شهقة حادَّة خرجت من صدرها، وجسدها كلَّه يرتعش بعنف، وعيناها تدورانِ في أنحاء الغرفة بجنون.
لا أحد...الغرفة كما هي...
رفعت يدها المرتجفة إلى شفتيها...
كأنَّها ما زالت تشعر بدفء تلك القبلة التي لم تحدث إلَّا في حلمها..
عندها فقط انهارت.
ضغطت بكفَّيها فوق فمها بكلِّ قوتها، تحاول أن تخنق صوت شهقاتها حتى لا يسمعها أحد..لكن الألم كان أقوى.
انفجرت دموعها بلا رحمة، تبكي بحرقة امرأة رأت في حلمٍ حياةً كاملة...ثم استيقظت لتجد الحقيقة تنتظرها ببرودها القاسي.
هو لم يعد لها...لم يعد حتى حبيبًا ضائعًا.
أصبح خطيب أختها...
وأصبحت هي مطالبة أن تبتسم، وتبارك، وتدفن قلبها حيًّا...وكأنَّها لم تحبُّه يومًا.
مساء اليوم التالي..
انتهت من وضع لمساتها الأخيرة أمام المرآة، كان الفستان الأسود يلتفُّ حول خصرها بانسيابية، يبرز أنوثتها الهادئة دون مبالغة..حدَّقت في انعكاسها طويلًا، كأنَّها تبحث عن امرأة أخرى غير التي تقف أمامها.
أغمضت عينيها بقوة، وسحبت نفسًا مرتجفًا:
_مش بتحبِّيه...إنتِ مش بتحبِّيه.
ردَّدت الجملة مرَّة...ثم أخرى...حتى فقدت معناها، بينما قلبها يصرخ بعكسها.
فتحت عينيها، رسمت ابتسامة باهتة لا تشبهها، ثم استدارت وغادرت الغرفة.
بالأسفل...
امتلأ المنزل بالأهل والأقارب، وتعالت موسيقى هادئة..
في منتصف القاعة، وقفت العروس بفستانها الأحمر، تشعُّ سعادة، وإلى جوارها رولا وضي يتبادلن الضحكات.
جالت عينا رولا تبحث عنها:
_فين آسيا يا سدن؟
أشارت سدن نحو الطابق العلوي:
_بتجهز...أصلها لسه راجعة من الشغل.
في تلك اللحظة..ظهرت على الدرج..
ما إن رفعت رأسها حتى توقَّفت خطواتها فجأة.
كان يقف..يتحدَّث مع بلال، يضحك بصوتٍ مرتفع، وكأنَّ قلبًا لم يتحطَّم بين يديه.
شعرت بشيءٍ يهبط فوق صدرها بثقلٍ مؤلم..لأوَّل مرَّة...تبغض رؤيته.
لأوَّل مرَّة تتمنى لو يختفي من المكان، لو يمحوه القدر من أمام عينيها، حتى لا تضطر إلى مقاومة ذلك الوجع الذي يعود كلَّما رأته.
ابتلعت غصَّتها، ورفعت رأسها بكبرياء، ثم أكملت نزولها بخطواتٍ ثابتة، تخفي ارتجاف روحها خلف هدوءٍ مصطنع.
مرَّت بجواره...
وصوته وهو يضحك اخترق أذنيها كالسهم.
أغمضت عينيها للحظة، وهمست داخلها بمرارةٍ مزَّقت قلبها:
_غبية...فضل وراكي لحدِّ ما خلَّاكي تصدَّقيه...وفي الآخر راح خطب أختك...قذر.
انتبهت لها رولا، فاتَّسعت ابتسامتها:
_أخيرًا البرنسيسة وصلت.
ابتسمت آسيا ابتسامة صغيرة بالكاد وصلت إلى شفتيها:
_آسفة...كان عندي شغل مهم.
وصل صوتها إليه..
التفت إليها دون إرادة.
وقعت عيناه عليها..تجمَّد للحظة..
انسابت نظراته عليها رغماً عنه.
الفستان الأسود احتضن قوامها برقَّة، وشعرها المنسدل زادها فتنة، أمَّا ملامحها...فكانت جميلة على نحوٍ أغضبه.
اشتدَّ فكَّه حتى برزت عروقه..
قبض على كفِّه بقوة، وكأنَّه يحاول كبح شيء يثور داخله.
كره ذلك الفستان...وكره كلَّ رجلٍ قد تقع عيناه عليها وهي بهذه الهيئة.
لكن أكثر ما كرهه...
أنه لم يعد يملك أي حقٍّ في أن يغضب عليها.
بعد قليل، جلس آسر إلى جوار سدن استعدادًا لإلباسها الدبلة.
مدَّت إيمان علبة المجوهرات إلى آسيا.
_ساعديهم يا حبيبتي.
أومأت بصمت، وأخذت العلبة بين يديها, كانت أصابعها ترتجف رغم محاولتها إخفاء ذلك، ابتسامة هادئة ارتسمت على شفتيها..
اقتربت منهما، وتوقَّفت إلى جواره.
فتحت العلبة، وأخذت تخرج قطعةً تلو الأخرى، تضعها في يد آسر دون أن ترفع عينيها إليه.
كلُّ قطعة كانت كأنَّها تنتزع شيئًا من قلبها.
حتى وصلت إلى دبلة الخطوبة...
ناولتها له، فرفعت سدن رأسها إليه بعناد:
_مش عايزة ألبسها...ليه مبتسمعش الكلام؟
ابتسم آسر محاولًا إرضاءها، بينما ابتعدت آسيا خطوةً للخلف، تمنحهما مساحةً لحديثهما...ومساحةً تهرب فيها من وجعها.
اقتربت منها رولا وهمست وهي تتابع آسر:
_ شوفتي يا بت، أخويا عريس زي العسل.
لم تُجب.
كانت عيناها معلَّقتين بوجه شقيقتها فقط، تقرأ في ملامحها كل ابتسامة.
وللحظة..شعرت بحزنٍ مرَّ سريعًا على وجه سدن، ولكن دنا آسر وهمس لها ببعض الكلمات ليبدِّد حزنها بكلمةٍ لم تسمعها.
ثم..ارتفع التصفيق.
وانطلقت الموسيقى معلنةً لحظة إلباس الدبلتين.
اختلطت الزغاريد بالسعادة، وتزاحم الجميع حول العروسين للتهنئة.
إلَّا هي...بقيت في مكانها.
تراقب ابتسامة أختها، وفجأةً..حاوطت سدن عنق آسر، توقَّف على حركتها، تنظر إليه بابتسامةٍ بريئة، تنتظر أن يقبِّلها، ابتعد قليلًا يهمس إليها:
_سدن الناس بتبصِّ علينا.
كانت آسيا تقف تراقبهم بصمتٍ موجع، دقَّقت النظر إلى أختها في محاولة قربها من آسر، علمت من قربها ماذا تريد..هنا شعرت أنَّ شيئًا بداخلها قد انتهى إلى الأبد.
مدَّ آسر يده إلى سدن:
_يلَّا...نرقص، ودي كمان علشان متزعليش.
تقدَّمت سدن منه على مضض بينما وقفت رولا بجوار آسيا تتأمَّلها طويلًا:
_فيه حاجة حصلت معاكي؟
التفتت إليها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_نور...عايز يتقدملي.
قطبت رولا حاجبيها:
_نور مين؟
أشارت آسيا بعينيها نحو ضي.
اتَّسعت عينا رولا بدهشة:
_أكيد مش هتوافقي..دا يوسف يولَّع فيكي وفيه، دا أكيد مجنون!!.
تنهَّدت آسيا:
_أنا أصلًا مفكَّرتش في الموضوع.
ظلَّت رولا تحدِّق فيها للحظات:
_يعني...ده اللي مضايقك؟
هزَّت آسيا رأسها في صمت، دون أن تزيد حرفًا.
وفي تلك اللحظة..دخل نور بصحبة والدته.
توجَّه مباشرةً نحو يزن، وهو يبتسم:
_ألف مبروك.
نظر يزن إلى سارة باستفهام..
ابتسمت بهدوء:
_آسيا عزمت نور...وهوَّ أصر إنِّي آجي معاه.
أومأ يزن دون تعليق، وأشار إليهما بالدخول.
صعدت الدرج بخطواتٍ بطيئة، وكأنَّ كلَّ درجةٍ تثقلها ألفُ ذكرى معه، وصلت إلى غرفتها..أغلقت الباب خلفها برفق، ثم أسندت ظهرها إليه، وأغمضت عينيها.
في الجهة الأخرى...
نهض إلياس لاستقبال سارة حتى يسيطر على الوضع.
كانت ميرال تراقب المشهد بصمت.
توقَّفت عيناها عند المرأة التي يقف معها زوجها، ولاحظت ابتسامته الهادئة وهو يتحدَّث إليها..ثم انضمَّ إليهما أرسلان.
اشتعل الفضول داخلها..
مالت على يوسف وهمست:
_تعرف الستِّ اللي واقفة مع خالك وعمَّك دي؟
هزَّ يوسف رأسه بمكر:
_لا...بس شايف اللي واقفة مع بابا؟
رمقته بنظرةٍ حادَّة:
_يوسف...مين الستِّ دي؟
ابتسم وهو يهزُّ كتفيه:
_معرفش...بس شوفتها مرَّة عند بابا.
اتَّسعت عيناها:
_عندنا في البيت؟!.
أومأ برأسه.
وفي تلك اللحظة، وصلت ضي إليهما.
_يوسف...تيجي نخرج مع العرسان بعد الخطوبة؟
_تمام.
لكن ميرال لم تعد تسمع شيئًا.
كانت ترى فقط..سارة تقترب من إلياس، وابتسامتها الواثقة أشعلت نار الغيرة داخلها.
تحرَّكت نحوه بخطواتٍ سريعة..
توقَّفت بجواره، ثم تشبَّثت بذراعه مع تحرُّك سارة مع نور في اتجاه إيمان.
_مين الستِّ دي؟
نظر إليها إلياس، وصمت لثوانٍ، يبحث عن إجابة لا تفتح عليه أبواب الأسئلة.
لفَّ ذراعه حول خصرها، وقال بابتسامةٍ واسعة:
_سيبك من كلِّ ده...تعالي نرقص مع العرسان.
شهقت وهي تنظر إليه:
_إنتَ بتهزَّر...صح؟
لم يجبها..سحبها معه حتى وصلا إلى جوار آسر وسدن..
_خدوني جنبكم يا ولاد.
ضحك آسر..أحسن عمُّو يرقص.
ضحك إلياس وهو يلوِّح بيده:
_بس يلا..هوَّ أنا بعرف أرقص، أنا بس بفرَّح عمِّتك.
انفجرت ميرال ضاحكة، ودفنت وجهها في صدره.
كان يعلم جيِّدًا...أن أفضل طريقة لإخماد غيرتها، هي أن يجعلها محور اهتمامه كلِّه.
في الجهة المقابلة...
عقد أرسلان ذراعيه وهو يتابع المشهد بابتسامةٍ خفيفة، وقف يوسف بجواره:
_هوَّ بابا بيعمل إيه يا عمُّو؟
ابتسم أرسلان:
بيرجَّع شبابه يا حبيب عمَّك.
ضحك يوسف، ثم جذب يد ضي واتَّجه إلى والده:
_منوَّر يا باشا...هنلاقي مكان جنبك، ولَّا إحنا كبرنا على الرقص؟
رفع إلياس حاجبه:
_بتحطِّ راسك براس أبوك يا دكتور؟
ضحك يوسف:
_راس إيه بس، هوَّ أنا عجِّزت زيك؟ أنا لسه شاب وعايز أفرح.
قاطعتهم ضي وهي تضحك:
_هترد مامتك وتقول إنُّه أصغر منك... وأنا بصراحة معاها طنط ميرال.
لم ينتظر إلياس ثانية.
أمسك يد ميرال وغادر بها القاعة كلَّها.
إلياس..استنى! هقول ليزن.
لكنَّه لم يلتفت، وكأنَّه قرَّر أن يبعدها عن أي شيء قد يثير شكوكها.
ابتسم أرسلان وهو يتابع انسحابه:
_معلِّم من يومك يا ابن السيوفي.
ابتسم يزن وهو يهزُّ رأسه:
_لو ماعملش كده...يوسف وميرال كانوا هيفتحوا عليه تحقيق لحدِّ الصبح.
صمت أرسلان لحظة، ثم نظر نحو سارة التي كانت تتحدَّث مع إيمان وآسيا.
ضاقت عيناه:
_إيه اللي جاب الستِّ دي هنا دلوقتي؟
أجابه يزن بهدوء:
_آسيا هيَّ اللي عزمت نور...وسارة جات معاه.
ظلَّ أرسلان يراقب سارة التقت فيها نظراتهما...شعر أنَّ في عينيها شيئًا لم يعجبه.
تحدِّيًا...واستفزازًا...
وكأنَّها جاءت لهدفٍ لا يعرفه بعد.
عاد بنظره إلى يزن وقال بصوتٍ منخفض:
الستِّ دي مش مرتاح لها...نظراتها كلَّها تحدِّي.
أخذ يزن نفسًا طويلًا، ثم قال بهدوء:
وجودها ميهمِّنيش...اللي يهمِّني فعلًا هوَّ رد فعل ميرال، أنا كراجل...مش متقبِّل إنَّها تكون قريبة من إلياس بالشكلِ ده، حتى لو مفيش بينهم أي حاجة.
كانت تجلس بعيدًا عن الجمع، اتَّجه إليها نور وجلس بجوارها:
_قاعدة لوحدك ليه؟.
_مفيش مصدَّعة، نظرت لسارة وتساءلت:
_اللي هناك دي والدتك مش كدا؟.
شوفتها مرَّة يوم خطوبة ضي.
ذهب بعينيه تلقائيًا على ضي التي تقف بين ذراعي يوسف تستند برأسها على صدره.
نظرت آسيا للذي ينظر إليه، ثم عادت تنظر إليه:
_بيحبُّوا بعض جدًّا على فكرة، ولمَّا وافقت على الخطوبة كانت بتغيظه.
التفت إليها وهزَّ كتفه بالامبالاة:
_ربِّنا يسعدهم.
دقَّقت النظر إليه:
_إنتَ خطبت ضي علشان حبِّتها فعلًا؟.
_ممكن ما نتكلِّمش في الموضوع دا؟.
_تمام.
قالتها وذهبت بنظرها لرقص أختها وآسر.
_لو قولت لك نرقص هتوافق؟.
_تعبانة حقيقي ما ليش خلق، انتهت رقصة آسر وسدن، نهضت من مكانها مقتربةً منهما..
نظر إليها آسر ثم إلى نور فقال:
_مفيش مبروك يا أفريقيا..
مبروك يا متر، بالرفاء والبنين إن شاء الله.
ابتسمت سدن قائلة:
_هتفضلوا توم وجيري لحدِّ إمتى؟.
رمقته بنظرةٍ مستخفَّة، ثم تحرَّكت من أمامهما، تابعها وهي تتحرَّك متَّجهةً إلى وقوف ضي ورولا:
_آسر متزعلش منها، هيَّ طيبة والله بس معرفش بتضايق منك ليه!.
_مش زعلان، بالعكس بحبِّ أشاكسها.
_أيوة ما أنا واخدة بالي، أقولَّك سر؟.
رفع حاجبه ينظر لأفعالها الطفوليَّة:
_قولي يا فتنة.
ضحكت بصوتٍ مرتفع ثم اقتربت منه:
_راسمة صورتك في أتيليه ضي، وكاتبة عليك شمشون.
توسَّعت عيناه فبصق لفظًا يسبُّها، طالعته سدن مذهولة ممّّا قاله:
_إيه اللي بتقوله دا عيب!.
_وسَّعي يا ختي كدا، قال عيب، قالها وتحرَّك متَّجهًا إلى وقوفها، وصل إليهم، توقَّف بجوار رولا:
_عاملة إيه يا أمِّ يوسف؟.
احتضنت ذراعه:
_بيسأل على خالو، بيقولُّه جاي الحفلة متأخَّر ليه يا خالو؟.
_كنت بجيب فستان لأفريقيا.
التفتت تنظر إليه.
_عجبك الفستان يا أفريقيا، حلو صح، أهو يغطي ديفوهاتك.
لكزته رولا:
_إنتَ بتقول إيه يا بني؟!.
_ما ترديش عليه يا رولا، ليس على المتخلِّف حرج.
_بالظبط يا أفريقيا..يعني ممكن أعمل حاجات أستغفر الله العظيم ومحدش يقولِّي بتعمل إيه.
_هههه، ظريف يا خطيب أختي.
_تعلَّمته منك يا أخت خطيبتي.
_هروح عند بلال ويوسف، على الأقل مفيش متخلِّفين هناك...قالتها وتحرَّكت بفستانها الذي يبرز مفاتنها فهمس:
_متخلِّفة.
_مالك ومالها يا آسر..اقتربت سدن من وقوفهما:
_ماتيجي نخرج يا آسر بعد الحفلة.
_مش فاضي...قالها وغادر المكان.
كانت ضي تراقب نظراتهما وتراشق الكلمات بينه وبين آسيا، إلى أن وصلت سدن وتوقَّفت بجواره.
_معقول...همست بها غير مستوعبة ما أدركته من تلك النظرات.
التفتت تنظر إلى وقوف آسيا بجوار بلال ويوسف..ظلَّت تراقبها لبعض الوقت، وتذكَّرت كلمات بلال عن آسيا وآسر..
هزَّت رأسها:
_لا...أكيد، ممكن تكون مضَّايقة فعلًا.
مساء اليوم التالي..
جلست رولا بأحضان يزن..
_من زمان ما قعدناش مع بعض يا حبيبة أبوكي.
_يوسف أخد كلِّ وقتي يا بابا.
_بلال عامل معاكي إيه؟.
اعتدلت تنظر إليه، أرادت أن تقصَّ له، ولكن تذكَّرت حديث ميرال لو علم بزعلها، هزَّت رأسها مبتسمة:
_بلال كويس جدًّا يا بابا، أنا للأسف اللي غلطت لمَّا شكِّيت فيه.
_رغم إنِّي وقفت معاكي، بس غلطك كبير يا بنت يزن، وماردتش أعاتبك علشان حالتك، وعجبني وقوف بلال رغم اللي عملتيه.
_خلاص يا بابا، عرفت غلطي.
استمعت إلى رنين هاتفها:
_أيوة يا يوسف.
_رولا محتاجك في طلب.
اعتدلت تستمع إليه:
_تمام..هودِّي يوسف لماما وأجي لك.
نهضت وهي تشير للمربية:
_روحي بيوسف على بيت بابا.
توقَّف يزن يسألها:
_ماله يوسف؟.
_معرفش، مالها ضي زعلانة منه، هروح أشوف فيه إيه.
سحبها لأحضانه:
_حبيبتي العاقلة، حبِّيت اهتمامك ببنت عمِّك وابن عمِّتك.
_همَّا مش بيسبوني يا بابا لمَّا ألقى زعلانة..
وضي بتوقف قصاد أخوها علشاني..
بعد إذن حضرتك هطلع أغيَّر، وأعدِّي على يوسف.
أومأ لها وقال:
_متقلقيش على يوسف هيلعب مع جدُّو.
طبعت قبلة على وجنتيه وتحرَّكت للداخل.
وصلت بعد فترة..
دلفت للداخل، شموع مزيَّنة بروائح فوَّاحة، طافت عيناها بالمكان، رفعت هاتفها واتَّصلت:
_يوسف إنتَ متأكد من العنوان؟.
أصل حاسَّة إنُّه غلط.
_طيب ادخلي واسألي، شوفيهم هيقولوا لك إيه.
_يابني بقولَّك دا شكله جوّ رومانسي، ومش شايفة ضي هنا خالص.
_ادخلي وهتلاقيها، متخافيش محدش هيخطفك.
_والله لو مقلب لأجيلك أخنـ.قك.
_بت قرفتيني، هوَّ أنا عيِّل علشان ألعب معاكي، هبلة صحيح.
قالها وأغلق الهاتف، نظرت للهاتف بذهول:
_أه يا بن... وأنا اللي بساعده، والله ما تستاهل، جتك نيلة، دلفت للداخل:
_لو سمحت، هوَّ فيه حد؟.
_فوق يا أفندم.
_فوق إيه يا أهبل! هوَّ أنا لسة سألت؟!.
_اطلعي فوق يا فندم وهتلاقي اللي بتسألي عنه.
_معرفش ليه حاسَّة بمقلب من ابن خالي، أصله غلس وبيكرهني، والله لأفضحه.
قامت برفع هاتفها:
_عمُّو إلياس، ابنك بعتني في مكان قليل الأدب، لو حصلي حاجة هفضحه، أنا بقولَّك أهو.
_إنتي فين يا حبيبتي؟.
_في ( ) وذكرت اسم المكان،
_خلاص أنا هتصرَّف.
قام إلياس بمهاتفة يوسف، ولكنَّه لم يرد، اتَّجه وهاتف مالك:
_روح العنوان اللي هبعتهولك دا، وإنتَ بنفسك وشوفلي إيه الحكاية، وهات رولا، حتى لو بتعمل إيه.
_ليه فيه حاجة؟.
_معرفش، قالها وحاول أن يربط ما قالته.
عند رولا..
دلفت للداخل:
_ضي..ضي إنتي هنا؟.
فجأة سحبها بلال لأحضانه، لتشهق صارخة، وضع كفَّه على فمها، يمنع صراخها:
_باااااس أنا.
ابتعدت تنظر إليه بدموع:
_يعني علشان تجبني تعمل كدا؟!.
_الله مش عايزة تطلَّقي وتبعدي، لازم نتكلِّم عن الطلاق، ونحط عقود ونمضيها علشان ما نرجعش في كلامنا.
لكمته بخفَّة...سحبها لأحضانه:
_زعلان يا روليتا ولازم تصالحيني.
_إنتَ اللي زعلان، بقالك شهر مخاصمني، ونايم بعيد عنِّي.
رفع ذقنها ينظر لعينيها:
_وينفع اللي عملتيه؟.
وضعت رأسها على صدره:
_بلال أنا مش عايزة نتكلِّم في الماضي، قلبي موجوع منك، عايزة تدوايه، لأنَّك قسيت عليه أوي.
حاوط وجهها بين كفَّيه يسبح بعينيها:
_قدرتي تنطقيها للمرَّة التانية يا رولا، وتقولي طلَّقني، يعني سهل إنِّك تبعدي عنِّي؟.
هزَّت رأسها بالرفض وانسابت دموعها.
انحنى يقبِّل دموعها، رفعت ذراعيها تحاوط عنقه، في تلك اللحظة، دفع مالك الباب دون استئذان..
هبَّت فزعة من أحضانه، توقَّف مالك متخصِّرًا:
_والله، بتلعبي معانا يا أستاذة.
_إيه دا يا عمُّو، ينفع تدخل بالطريقة دي!!.
اقترب منهما، ودَّ لو يصفعهما على وجوههما:
_أومال أدخل إزاي ومراتك بتقول هتخطف؟.
التفت يرمقها بغضب.
_ما هو يوسف مش قالي
أشار مالك إليهم:
_وعقابًا، مفيش سهرة يا عشَّاق، ياله على البيت.
_والله ما هيحصل، دا أنا قتيل هنا.
سحب رولا لأحضانه:
_مراتي زعلانة وعايز أصالحها.
لكزته بخجل.
رفع مالك حاجبه ينظر إليهم باستفزاز:
_بجد، الله يكون في عون إلياس.
قالها وغادر...تطلَّعت إليه رولا:
_ينفع كدا.
اقترب منها بجنون:
_دا أنا اللي هورِّيكي إزاي تبلَّغي الحكومة يا هبلة.
بعد أسبوع..
ولج الى منزل ايمان، وقعت عيناه على جلوسها بشرود أمام المسبح، توقف للحظات يراقبها، وصلت إليه سدن
_أنا جاهزة
_جاهزة لايه
_مش هنسهر كمان الليلة
_اسيا...
توسعت عيناها تنظر اليه بذهول
_أنا سدن مش اسيا
اقترب معتذرًا
_اسف.. اصل ردودك الأيام دي بتفكرني بيها
_لا ياحبيبي متفكرش غير في خطيبتك، اللي لحد دلوقتي، ماقولتلهاش انك بتحبها
قالتها ونظرت للارض
رفع ذقنها وداعب ذقنها
_انت ليه بتقولي كدا
_مش دي الحقيقة، انا عارفة انك خطبتني علشان خالو اللي طلب منك
_سدن انت جميلة، وبحب برائتك اوي
دنت منه حتى التصقت به
_يعني بتحبني صح؟!
اومأ دون حديث
_طيب اثبت يامتر، على رأي اسيا
_ليه هي اللي قالت لك اني مش بحبك
_ا ينعم.. حتى قالت خليه يثبت لك
ضحك وهو يضمها تحت ذراعيه
_دي مجنونة حد يسمع كلامها
توقفت أمامه
_لا... مش مجنونة، هي كلامها صح، اثبت انك بتحبني
رفع حاجبه يتطلع اليها بجهل
_يعني لو سهرنا برة، يبقى كدا بحبك
_تؤ.... قالتها واقتربت منه، وبلحظة رفعت نفسها تطبع قبلة على شفتيه
تجمد للحظة، وكأن جسده شل بالكامل، ولم يقدر على صدها ومنعها
كانت تدور بعيناها بالمكان، فوقعت عيناها على ذلك المشهد... التصاق سدن به، وقبلتها له، ظلت تراقبهم بصمت موجع، على أن يعترض، ولكن هناك من شق صدرها حين تمادت سدن حين وجدت صمته، لتلف ذراعيه حول عنقه تنظر لعيناه
وانتظرت منه فعل شيئًا، ولكنه لم يفعل شيئا سوى أنه قال
_اسيا اللي قالت لك، لو عايزة تثبتي خليه يعمل كدا
تلاعبت بزر قميصه وتحدثت برقة
_مش بالظبط، بس الحاجات دي بتحصل بين المخطوبين عادي
التفت ينظر الى أسيا، التي سحبت بصرها سريعًا عنهما، ثم التفت الى سدن، وانزل ذراعيها
_لما نكتب كتابنا يبقى اعمل اللي انت عايزاه
_ايه اللي بتقوله دا
_اللي المفروض تعمليه، واياكي تتمادي بعد كدا
صمتت تنظر اليها لثواني، ثم انسحبت متجهة للاعلى، بينما تحرك الاخر الى أسيا
توقف خلفها وقال
_ابعدي عن سدن يااسيا، بلاش تخلي منها صورة منك، لاني مش هقبل دا
لم ترد عليه ظلت تنظر لحمام السباحة دون رد عليه
اقترب حتى توقف أمامها
_أسيا انسي أي كلام قولته، انا خطبت اختك دلوقتي، بلاش تكرهيها في، خليها ببرائتها، وانت اعملي اللي انت عايزاه، بس بعيد عني وعنها
كلمات كالطلقات النارية، ظلت تستمع اليه وقلبها ينزف بصمت، تحدث نفسها
_هل هذا الشخص الذي كان يتغنى بحبها
انحنى ينظر اليها
_أسيا... ابعدي عن حياتنا لو سمحتي
رفعت عيناها إليه دون رد، كانت نظرات تحكي ماعجزت عن جميع اللغات عن انها لم تراه سوى ذئبًا بشريًا، استباح قلبها
ارتجف قلبه لنظراتها وهدوئها الغير، معتاد
اومأت برأسها دون أن تنطق بحرف، ثم اعتدلت بصعوبة تحاول ألا تنهار أمامه وتحركت تسحب اقدامها بصعوبة، تشعر بأنها تحمل جبالًا من الألم، تهمس لنفسها
_لعنة الله عليك قلبي الذي دمرني
بمنزل إلياس
بعد جلوسه مع أرسلان ومالك:
_كلِّ واحد عارف هيعمل إيه.
_تمام...عرفت إنِّ دارين دي رجعت مصر؟.
نهض من مكانه:
_سبها دي خلِّيها تلعب، إسحاق بيعدّ أنفاسها أصلًا، خلِّينا نخلص من البلوة اللي ابتلتنا بيها بنت راجح.
_طيب يا إلياس افرض ما عملش حاجة بعد زيارتك؟.
_لا هيعمل، وهيغلط، المهمِّ مالك تجيب البتِّ اللي اسمها كندا دي بأي طريقة بدون غلط.
وإنتَ يا أرسلان، طبعًا عارف هتعمل إيه.
_متقلقش، اقترب إلياس ينظر إليه:
_مش عايز كارما تتئذي يا أرسلان، عيونك جوَّا قبل برَّة.
_يا عم متقلقش، بتكلِّم طفل!.
أومأ وخرج يشير إلى الخادمة بالتقدُّم إليه:
_خلِّي مدام رولا تجي لي.
_تحت أمرك يا باشا.
خرجت ميرال من الداخل:
_إنتَ خارج؟.
_محتاجة حاجة؟.
_ماما فريدة كلِّمتني، بتقول عمُّو مصطفى تعبان.
ضرب على رأسه متذكِّرًا موعد طبيب والده.
أشار إلى السيارة:
_طيب اركبي هعدِّي أشوفه قبل مشواري.
_أوكيه.
بمكتب معتز...
رفع هاتفه وتحدَّث:
_النهاردة الموضوع دا ينتهي.
_خلاص يا؟باشا هروح لها.
_الجلسة بكرة، عارف لو البتِّ دي فلتت من إيدك هعمل فيك إيه؟.
_أنا ما بتحرَّكش من قدَّام البيت، بس فيه حاجة عايزك تعرفها.
_قول.
_آسر...جه من ساعتين، قعد فوق أكتر من نصِّ ساعة ومشي.
_راح لها؟.
_معرفش لسة، منتظر فرصة وأكلِّم البتِّ الشغَّالة.
_طيب...أغلق الهاتف، وأنفاسه تخترق سكون الغرفة:
_مش بعد دا كلًُّه هتقدروا عليَّ، لازم أفكَّر في حاجة للظروف.
_معتز باشا العميل منتظر حضرتك.
قالتها السكرتيرة التي دلفت إليه.
نهض بدخول نور، توقَّف ينظر إلى معتز:
_معقول يا خالو، أسبوع علشان أوصل لحضرتك؟!.
اقترب منه مبتسمًا:
_حبيبي، حمد الله على السلامة، مين قالَّك على عنواني الجديد؟.
_أختك.
_سارة...ليه مش كانت منعاك؟.
_لا..أنا سمعتها بتتكلِّم مع بابا، عارف إنَّها هترفض، جيت أطمِّن عليك.
_طيب استناني دقايق وراجع.
أومأ له وجلس بالمكتب ينتظره، مضت دقائق، فنهض يعبث بأوراقه، فتح الدرج ببحث بعشوائية عن ورقة يشغل نفسه بالرسم بها، ولكن وقعت بيده صورة لعائلة الشافعي، بداخل ورقة كبيرة.
توقَّف يقرأ ما دوِّن في تلك الورقة بذهول، دلف معتز..
فسقطت الورقة من يده:
_إلياس الشافعي، وأرسلان الشافعي!.
صمت الآخر بعيونٍ متَّسعة، نظر إلى الورقة التي سقطت منه..
انحنى يرفعها سريعًا:
_مش صح اللي شوفته دا.
_يعني يزن الشافعي بيكون..
قولت لك اخرس، مش صح دول أعداء اللي مكتوب دا مش صح.
_يعني ماما ليها أخوات؟!.
_إنتَ ما بتفهمش مش صح، دا تزوير.
تراجع للخلف يهزُّ رأسه:
_دلوقتي عرفت ليه جدِّتي رفضت نتواصل معاك..إنتَ إزاي تخبِّي علينا حاجة زي كدا؟.
دفعه بقوَّة على الجدار:
_عارف لو جدِّتك عرفت حاجة ولَّا مامتك هعمل فيك إيه؟.
الناس دول السبب في كلِّ اللي عشناه، وجدِّتك دي جبانة، ولو هيَّ تنازلت عن حقَّها أنا مش هتنازل، إيَّاك ثم إيَّاك تتكلِّم مع حد في الموضوع دا.
_إنتَ بتقول إيه؟!.
لفَّ كفَّيه حول عنقه وتحدَّث بتحذير يبخُّ فيه سمُّه:
_إيَّاك تتغابى، أنا خلاص قرَّبت أجيب حقِّنا، لو وقفت في طريقي مش هطبطب عليك، تلاتين سنة من وقت ما عرفت إنُّهم السبب وأنا بعدِّ أنفاسي علشان العيلة دي.
_إنتَ عايز تموِّ تهم صح؟!.
ضربه بخفَّة على وجنته:
_مدام كشفت ورقي، هحتاجك يا حفيد الشافعي..
_إنتَ أكيد مجنون، مجنون.
ضغط على عنـ قه بغضب:
_هتعمل اللي أقولَّك عليه، ولَّا ياترى خالك هيعمل إيه في حبيبة القلب اللي هتموت عليها.
_قصدك مين؟.
_مرات الدكتور يلا، ولَّا مفكَّرني أهبل ومش عارف إنتَ بتخطَّط لإيه.
_خالو لو سمحت.
أشار إليه بالخروج:
_امشي دلوقتي، بعدين نتكلِّم.
ظلَّ ينظر أليه بصمت، فصرخ به:
_قولت امشي من هنا.
خرج يتحرَّك بخطواتٍ متعثِّرة، يشعر بأنَّ الهواء لا يكفيه للتنفُّس، رفع هاتفه سريعًا:
_ماما...إلياس وأرسلان الشافعي يكونوا ولاد عمِّك؟.
هبَّت من مكانها:
_نور، إنتَ فين؟.
_ردِّي عليَّ، دول بيكونوا ولاد عمِّك، يعني يزن بيكون عمُّو؟.
_حبيبي مين قالَّك كدا؟.
_معتز...معتز يا ماما، وعايز يقتل يزن الشافعي، بيخطَّط لقتله، معرفش هيعمل إيه بس كاتب فوق صورته النهاردة نهايتك.
أغلقت الهاتف تدور حول نفسها:
_معقول يا معتز، معقول مش كفاك اللي عملته، عايز تقتل كمان!!.
أمسكت هاتفها سريعًا، وقامت بمهاتفة يزن.
لكنَّه لم يرد، اتَّجهت تبحث عن اسم إلياس.
عند إلياس، خرج مع الطبيب يتحدَّث عن حالة والده، ارتفع رنين هاتفه الذي تركه بغرفة والده، اقتربت ميرال تنظر لاسم المتَّصل:
_سارة...مين دي؟!.
رفعت الهاتف، تضعه على أذنها دون حديث:
_إلياس..إنتَ فين، لازم أشوفك، ضروري.
في تلك اللحظة دلف إلياس ينظر لفريدة:
_الممرِّضة هتكون ملازمة بابا يا ماما.
اتَّجهت ميرال بأنظارها إليه، ثم أغلقت الهاتف وجسدها ينتفض بالألم وعقلها يصوِّر لها أشياء سوداء.
_تليفونك كان بيرن يا أبو يوسف، وفتحت بالغلط وقفلت معرفش مين.
اقترب يسحب الهاتف، ثم خرج وهو يتحدَّث بالهاتف:
_أيوة.
_أيوة إيه...بقولَّك عايزة أقابلك، تقفل السكَّة في وشِّي!.
اتَّجه بنظره لميرال، ولكنَّها تصنَّعت الانشغال بمصطفى، تذكَّر حديثها أنَّها فتحته بالخطأ، تحرَّك مبتعدًا:
_فيه حاجة؟.
_قصَّت له ما صار.
_أنا جاي حالًا.
قالها ونوى المغادرة، نادت ميرال:
_رايح فين؟.
_مشوار يا ميرال وراجع.
قالها واستدار سريعًا للخارج، توقَّفت تراقبه للحظات، ثم تحرَّكت خلفه، اتَّجهت إلى سيارة فريدة وقادتها تتحرَّك خلف سيَّارة حراسته.
عند رولا..
_عايزة إيه؟؟
_عايزة أشوفك ضروري؟!
_ليه بقى إن شاء الله؟.
_موضوع مهم يخصّ بلال.
توقَّفت عن السير، وانتفض قلبها:
_ماله بلال؟؟
_لمَّا تيجي هقولِّك.
_بتِّ إنتي، ابعدي عنِّي وعن جوزي.
نزلت دموع الأخرى بعدما لكزها الآخر بظهرها بقوَّة:
_لو عايزة أبعد عنُّه لازم تيجي دلوقتي، ومتتأخريش، ولو مجتيش ما ترجعيش تندمي وتقولي علينا خاينين...براحتك. قالتها وأغلقت الهاتف سريعًا.
نظرت رولا للهاتف الذي أُغلق، وإلى الخادمة.
_مدام رولا...أرسلان باشا منتظرك في مكتبه.
نظرت إليها كالتائهة، ثم أومأت إليها وتحرَّكت خلفها، ولكنَّها توقَّفت فجأة، على إرسال رسالة لهاتفها:
_رولا متجيش، مهما أتِّصل بيكي، أنا اضطرِّيت أقولِّك كدا، فيه واحد عايز ينتقم منكم معرفش ليه، أنا بكتب لك من الحمَّام، تليفون الممرِّضة، بلَّغي إلياس باشا وبس، توقَّفت رولا تنظر للهاتف للحظات،ثم أرسلت إليها صورة معتز:
_دا؟.
_أيوة...وهوَّ اللي ضربني.
_تمام...كتبتها واستدارت إلى سيَّارتها مع رنين هاتفها باسم يوسف، ولكنَّها ألقت الهاتف بالسيارة وقادتها وخرجت من الكمبوند.
سحبت الهاتف:
_آسيا إنتِ فين؟.
_نازلة الشغل في حاجة؟.
_أيوة الحيوان بيهدِّد كارما، وأنا هروح لها.
تجمَّدت بمكانها:
_أكيد اتجننتي!.
_لا...أنا عقلت، لازم آخد حقِّي.
صرخت بها:
_رولا متتهوريش، كان خارجًا متَّجهًا إلى سيارته، مع ركض آسيا إلى سيَّارتها:
_قولِّي إنتَ فين وأنا جاية.
_آسيا...دا تاري أنا، سمعتيني.
استقلَّت سيَّارتها، وفجأةً توقَّف آسر أمام السيارة ينظر إليها:
_في إيه...بتصوَّتي ليه؟.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ولم تعد تعلم ماذا تفعل، هل ستخبره، أم لا...تعلم تهوُّره.
اتَّجه وفتح باب سيَّارتها:
_ما بترديش ليه؟.
نظرت إليه ثم قالت..
الفصل 80
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
ثمّة أرواحٌ لا تُهزم بالحضور، بل تُؤسر بالصمت.
وأحيانًا، لا يكون الحبُّ وعدًا يُقال، بل قدرًا يُخفى حتى يثقل القلب به.
يأتي شخصٌ واحد، فيُعيد ترتيب الأولويات دون استئذان، فتغدو النفس آخر ما يُضحّى به، ويصبح هو البداية والنهاية، والسرَّ الذي يُتقن صاحبه دفنه خلف ابتسامةٍ هادئة.
وما أقسى أن يطول الاختباء، بينما القلب يصرخ باسمٍ لا يجرؤ اللسان على النطق به... فليست كل المشاعر تُخلق لتُقال، بعضها لا يعرف طريقه إلى النور إلا بعد أن يُنهك الظلام.
ولعلَّ أجمل الحبِّ هو ذاك الذي يختار صاحبه ألفَ مرة، حتى وهو يعلم أن الاعتراف قد يُغيّر كل شيء.
فبعض القلوب لا تتمنى سوى فرصةٍ واحدة... لتُحبَّ علنًا، بعد عمرٍ كاملٍ من الصمت.
توقَّف آسر، وعيناه معلَّقتان بها في حيرة، ثم قال بهدوء يخفي قلقًا متصاعدًا:
_ما بترديش ليه؟
رفعت إليه نظرة باردة، وأجابته باقتضاب:
_إنتَ مالك؟
جذبت باب السيارة لتغلقه، لكنَّه وضع يده عليه، ظلَّ ثابتًا كالجدار، يراقب ملامحها التي كانت تخفي شيئًا أكبر من مجرَّد غضب.
انحنى قليلًا ليصبح في مستوى عينيها، وقال بنبرةٍ حاسمة:
_مش هتمشي...إلَّا لمَّا تقولي مالك.
فتحت فمها لترد، لكن رنين هاتفها قطع حديثهما.
وقعت عيناها على اسم المتَّصل، نظر آسر الذي اعتدل واقفًا، وقد تبدَّلت نظراته إلى سخرية ممزوجة بالغيرة:
_رايحة له، وياترى دا كمان كوبري لهدف جديد؟
اخترقت كلماته قلبها كالسكِّين، لكنها أخفت وجعها خلف ابتسامة ساخرة:
_أيوة..بالظبط زي ما بتقول، وسَّع بقى علشان ماتأخَّرش عليه.
نظر إليها لثوانٍ، وداخله نيران تريد إحراقها،ماذا فعل لها حتى تفعل به ذلك؟.
ترك الباب فجأة، فأغلقته بقوَّة اهتزَّت لها السيارة، واستدار يبتعد بخطواتٍ سريعة، يغلي من الداخل.
تابعته بعينينِ امتلأتا بالألم، وهمست من بين أسنانها:
_بجح...
أدارت محرِّك السيارة، وانطلقت، ثم ضغطت على هاتفها:
_رولا...إنتِ فين؟
جاءها صوتها متقطِّعًا:
_رايحة بيت كارما.
انتفض قلب آسيا:
_رولا..بلاش، يمكن يكون زي المرَّة اللي فاتت...متروحيش لوحدك.
ارتفع صوت أنفاس رولا، وقالت بصوتٍ مختنقًا بالبكاء:
_لازم أنتقم يا آسيا...لازم آخد حقِّي.
أغمضت آسيا عينيها للحظة، ثم قالت بمحاولةٍ لاحتواء انهيارها:
_حاضر يا حبيبتي...بس أوعي تثقي فيه، إنتِ ما تعرفيش الراجل ده ممكن يعمل إيه، أنا جاية حالًا...استنيني.
_تمام...
أُغلق الخط.
ظلَّت رولا تحدِّق في الطريق أمامها، لكن عينيها لم تريا شيئًا...فقد كانت ترى تلك الليلة بتفاصيلها القاسية..
ملابسها الممزَّقة...ارتجاف جسدها، لحظة وصول بلال إليها...ثم يوم زفافها...
ونظرات الجميع إليها وكأنَّها عارية..
وكلماتهم التي دفنتها حيَّة، وهي ما زالت تتنفَّس..زواج زوجها بأخرى..
اختنق صدرها، وانهمرت دموعها بلا رحمة، حتى غامت الطريق أمامها، ولم تعد قادرة على السيطرة على شهقاتها.
دوى رنين الهاتف من جديد..
مسحت دموعها سريعًا، وتوقَّفت بالسيارة ثم أجابت بصوتٍ مبحوح:
_أيوة يا حبيبتي...إنتِ فين، بتِّصل بيكي ما بترديش؟!
قالها آسر منتظرًا حديثها، وهو ينزع قميصه، ولكنَّه توقَّف على صوتها الباكي:
_رايحة للرجل اللي دمَّر حياتي يا آسر.
شحب وجهه من كلماتها، ماذا تقصد؟!
_تقصدي إيه يا رولا؟
ساد صمتٌ ثقيل، ثم قالت وكأنها أفاقت من اندفاعها:
_ولا حاجة...إنتَ كنت متَّصل عايز حاجة؟
اشتدَّت قبضته على الهاتف:
_رولا...إنتِ فين؟
_برَّة.
قالتها بصوتٍ غارقٍ في البكاء.
لم ينتظر ثانية..
التقط مفاتيح سيارته واندفع خارجًا.
_ابعتيلي اللوكيشن...حالًا.
خرج صوتها مرتجفًا، لكنَّه كان مليئًا بإصرارٍ مخيف:
_آسر...لازم آخد تاري بإيدي...لازم أموِّته...الحيوان ده.
توقَّف قلبه للحظة:
_رولا...اسمعيني، أوعي تعملي أي حاجة..استنيني، أنا جاي.
_لازم أقفل...آسيا معايا، ما تقلقش.
قالتها وانقطع الاتِّصال.
ظلَّ الهاتف بين يديه، بينما عاد إلى ذاكرته صوت آسيا قبل قليل...وهي تصرخ في الهاتف، بصوتٍ مزَّقه الرعب.
ركض اإى سيارته سريعًا، ورفع هاتفه للاتِّصال بأخته ولكن لا يوجد رد، قاد السيارة وخرج، رأته سدن يخرج بتلك الطريقة، تحرَّكت خلفه:
_آسر...التفت إليها وأشار بيده:
_عندي مشوار مهم.
استقلَّ السيارة وقادها بسرعة جنونية وهو يحاول الاتصال برولا.
عند رولا، وصلت إليها آسيا، صفَّت سيَّارتها على جانب الطريق، ثم اتَّجهت إليها، وجدتها جالسة تبكي بانهيار... جلست بجوارها وضمَّتها تمسِّد على ظهرها:
_اهدي حبيبتي.
_أنا لازم أقتله يا آسيا، بس لازم أسأله ليه عمل فيَّ كدا أنا معرفوش!!.
ضمَّت وجهها بين راحتيها:
_حبيبتي، اهدي، إحنا نكلِّم خالو وهوَّ هيتصرَّف، دا مجرم مينفعش نتعامل معاه.
هزَّت رأسها وقامت بقيادة السيارة متَّجهة إلى شقَّة كارما.
_رولا اسمعيني.
هزَّت رأسها ودموعها تغرق وجنتيها، تغمض عيناها تحاول ان تمحي تلك الصور.
وصلت إلى المبنى الذي تقطن به كارما.
ارتفع رنين هاتف آسيا باسم آسر، نظرت لرولا، فقالت لها:
_أنا لازم أطلع، مش هخسر قدِّ اللي خسرته.
خلِّيكي هنا، لو اتأخَّرت يبقى كلِّمي بابا.
_لا هاجي معاكي.
أمسكت كفَّيها وما زالت دموعها تغرقها:
_آسيا لو سمحتي، خلِّي دايمًا ثقتي فيكي كبيرة، مينفعش تيجي، أنا رايحة على تليفون كارما.
_ما هو علشان كدا محدش هيشك.
_مقدرش أخدك معايا، مش عايزة آذيكي.
_مش هسيبك، كلِّ هذا والهاتف يعلو برنينه باسم آسر، رفعته أخيرًا وردَّت:
_عايز إيه؟.
_أنا جاي، متخليش رولا تتهوَّر.
اتَّجهت بنظرها لرولا:
_إنتي قولتي لآسر؟.
أومأت وتحرَّكت...بينما استمعت آسيا إلى صوته الخائف:
_آسيا أنتوا فين، أوعي تتحرَّكوا أنا جاي.
_آسر كلِّم خالو...بلاش إنتَ ممكن يؤذيك.
صرخ بغضب:
_قولي أنتوا فين؟.
_آسفة..مش هقولَّك.
قالتها وأغلقت الهاتف تنظر إليه، ثم رفعت الهاتف وقامت بمهاتفة يزن:
_خالو..
_أيوة حبيبة خالو.
_رولا...إلحق رولا عند كارما، مش عارفة أقول غير كدا.
نهض من مكانه معتذرًا عن اجتماعه.. وتحرَّك من الشركة وهو يحاول الوصول لبلال ولكن هاتفه مغلق:
_عملت إيه يا بن أرسلان، والله لأطلَّقها منك وأريَّحها من القرف دا.
قاد سيَّارته وتحرَّك متَّجهًا إلى منزل كارما.
عند مالك..
وصل إلى المكان الذي يحتجز به كندا، وأشار لفريقه بالتعامل بحذر، انقضَّ الفريق بهدوء حتى وصل إليها مالك وأخرجها من ذلك المنزل مع القبض على كلِّ من فيه.
بمكانٍ آخر...
داخل المبنى الإداري لشركات معتز، كان يجلس مع أحد كبار المستشارين القانونيين والضرائب، يراجع ملفَّات تخصُّ عددًا من القضايا المتعلِّقة بشركاتٍ كبرى، من بينها الشركة الأم التي يساهم فيها نخبة من رجال الأعمال.
في الجهةِ الأخرى...
ترجَّل إلياس من سيَّارته، ليجد سارة تقف أمام المبنى الذي يقطنه معتز، ما إن رأته حتى أسرعت نحوه وأشارت إلى الأعلى.
ـ عارف شقِّته...بس إيه اللي جابك هنا، مش قولتلك هتصرَّف؟
هزَّت رأسها بقلق، وقالت:
ـ طمِّني...هتعمل إيه؟ إلياس، أنا عارفة إنِّ معتز عايز ينتقم من يزن، بس هوَّ ميعرفش الحقيقة، اقعد معاه وفهِّمه. أنا كمان كنت فاهمة غلط، لكن بقالي فترة بدوَّر وراكم...وعرفت حاجات كتيرة.
اكتفى بكلمة واحدة:
ـ تمام.
استدار ليتحرَّك، لكنَّها أسرعت خلفه وأمسكت بذراعه:
ـ هتعمل إيه؟
هبطت عيناه على يدها المتشبِّثة به، ثم رفع بصره إليها..لم ينطق، لكن نظرته وحدها جعلتها تسحب يدها سريعًا وهي تتمتم باعتذار:
ـ أنا هطلع معاك...مش هسيبه يؤذيك..إنتَ متعرفش راجح عمل فيه إيه.
قال بصرامة حاسمة:
ـ مدام سارة...ارجعي بيتك، وأنا هتصرَّف.
وقفت أمامه تمنع طريقه، وهمست بخوف:
ـ متخلنيش أندم إنِّي قولتلك.
كل ذلك كان تحت أنظار ميرال...
كانت تقف على مسافة، تتابع المشهد بصمت، عيناها لا تفارقان سارة، تتأمَّل فستانها القصير الذي يصل إلى ركبتيها، وخصلاتها المنسدلة، وعينيها الزرقاوين اللتين أشعلتا داخلها نارًا لم تستطع إخفاءها.
شعرت بغيرة جارفة تكاد تدفعها للصراخ في وجهها.
لحظات ورأت إلياس يدخل المبنى، بينما بقيت سارة تراقب صعوده بقلق. مرَّت دقائق قليلة...ثم اتَّخذت سارة قرارها، ودخلت خلفه..اشتعلت عينا ميرال.
التقطت هاتفها واتَّصلت به:
ـ إنتَ فين؟
أجابها:
ـ عندي مشوار مهم...مش قولتلك قبل ما أخرج؟
قالت بحدَّة غاضبة:
ـ يعني سايب بابا مصطفى وهوَّ تعبان ورايح مشوار؟
تنهَّد بضيق:
ـ ميرال...لازم أقفل.
قالها وأغلق الخط دون أن يمنحها فرصة للرد.
في الداخل...
وقف إلياس أمام الخادمة:
ـ معتز باشا موجود؟
أومأت برأسها:
ـ أقول له مين؟
لكن إلياس لم ينتظر إجابة..أزاحها برفق جانبًا، ثم اندفع إلى الداخل، يتفحَّص المكان بعينينِ يقظتين، وجد المكان كما صوَّره أرسلان.
اتَّجه مباشرةً نحو المكتب..على صوت ضحكات..
صرخت الخادمة وهي تلاحقه:
ـ يا باشا...مينفعش كده!
دفع الباب...ليتجمَّد إلياس بوقوفه..
فقد كان معتز غارقًا في معصية مع سكرتيرته الخاصَّة.
نظر إليه إلياس باشمئزازٍ صامت، دون أن ينطق بكلمة واحدة، ثم استدار وغادر المكتب.
أمَّا الفتاة، فجمعت ثيابها المرتبكة وركضت إلى الحمَّام وهي ترتجف.
تجمَّد معتز لثوانٍ ليستوعب ما حدث.
أغلق أزرار قميصه بعصبية، ثم اندفع إلى الخارج، يصبُّ غضبه على الخادمة:
ـ إيه اللي حصل؟!
ارتبكت وهي تقول:
ـ والله يا باشا...هوَّ اللي زقِّني ودخل!
تجاوزها بعنف...وتحرَّك يبحث عن إلياس الذي كان يجلس بكلِّ هدوء، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ينفث دخان سيجاره في بطءٍ قاتل، وكأنَّه صاحب المكان.
توقَّف معتز أمامه:
ـ إنتَ مين، وعايز إيه؟!
نهض إلياس ببطء.
التقت أعينهما...
وفي تلك اللحظة، شعر الياس بأنَّ الزمن عاد ثلاثين عامًا إلى الوراء.
ملامحه...نظراته...بروده القاتل...
كلُّ شيء أعاد إليه صورة راجح.
رغم أنَّ الرجل الواقف أمامه لا يحمل قطرةً من دمه، ولكن رائحته...وهيئته.. ونظرته، كانت كفيلة بأن تبعث الماضي حيًّا أمامه.
اقترب إلياس خطوة..
وعيناه لم تفارقا عيني معتز.
ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنَّه يحمل من الوعيد ما يكفي لإسقاط جبل:
ـ وصلني إنك بتدوَّر ورايا...وورا عيلتي.
ابتلع معتز ريقه، لكنه أخفى ارتباكه وقال بجفاء:
ـ إنتَ مين، وجاي عايز إيه؟!
ابتسم إلياس ابتسامة باردة
ثم دفع المقعد بقدمه قبل أن يقبض على ياقة قميصه ويجبره على الجلوس بعنف.
اقترب من وجهه حتى كادت أنفاسهما تتلامس، وقال بصوتٍ خرج كالفحيح:
ـ دمَّك...يا حيوان..
نهض معتز من مكانه وقد اشتعل وجهه غضبًا، وصاح في الخادمة:
ـ اتِّصلي بالأمن...حالًا، خلِّيهم يرموا الكلب ده برَّه بيتي!
لكن كلماته لم تكتمل...فجأة، دوى صوت صفعةٍ عنيفة..بكلِّ ما يحمله إلياس من غضبٍ دفين، لترتطم بوجه معتز بقوَّة جعلته يترنَّح عدَّة خطواتٍ إلى الخلف، وقد سال خيط رفيع من الدم من زاوية فمه.
وفي تلك اللحظة...اندفع باب الشقَّة:
ـ إليــــاس...لأ!
صاحت بها سارة بصوتٍ ممزوجٍ بالرعب.
لكن إلياس لم يسمعه...لم يعد يرى معتز.
كان يرى راجح.
يرى ذلك الوجه الذي طارده في كوابيسه سنواتٍ طويلة، وذلك الماضي الذي لم يمت يومًا..ثار جنونه، كلَّما تذكَّر ما فعله برولا، وآسر، وكارما.. فاتَّسعت عيناه، واشتعلتا بجنونٍ مرعب.
ينقضُّ عليه كالإعصار..لم ير سوى انهيار يزن بما فعله بأولاده، ولم يذهب عنه حادثة انتحار رولا، هنا ارتفع الغضب أكثر وأكثر.
لكمة...ثم أخرى...ثم ثالثة...
حتى اختلطت الدماء بالغضب.
ولم يكن معتز بالرجل الذي يستسلم.
فردَّ الضربة بأخرى، ثم أمسك إلياس من قميصه، ليتحوَّل المكان إلى ساحة قتالٍ حقيقية، تتطاير فيها المقاعد، وتسقط الطاولة الزجاجية على الأرض، متناثرة إلى عشرات الشظايا..وكلٍّ منهما ينتظر أن يقضي على الآخر.
صرخت سارة وهي تحاول بكلِّ قوَّتها إبعاد إلياس عنه:
ـ إلياس...كفاية! اسمعني...لو سمحت!
لكنَّه كان خارج حدود الوعي..
دفعته من كتفيه بكلِّ ما تملك من قوَّة، وهي تصرخ والدموع تملأ عينيها:
ـ إيَّاك...سمعتني؟ إيَّاك تقرَّب منه تاني!
التقط إلياس أنفاسه بصعوبة، وكاد يتراجع...
لكن اشتعلت نيران الحقد داخل معتز، فاندفع فجأة، ودفع سارة بعنف حتى ارتطمت بالأريكة، ثم استدار نحو إلياس بعينينِ تقدحانِ شررًا..
يزمجر بغضب:
ـ يبقى كنت متَّفقة معاه من الأوَّل...!
ثم ابتسم ابتسامة مخيفة، ومدَّ يده إلى ظهره..
في ثانية واحدة...أخرج مسدسه.
رفع السلاح بثبات، ووجَّه فوهته مباشرةً إلى رأس إلياس.
صمتٌ بالمكان سوى من أنفاسهما المرتفعة من القتال.
ارتسمت على شفتي معتز ابتسامة شيطانية وهو يقول ببرودٍ قاتل:
ـ أهلًا يا إلياس باشا...
واضح إنَّك جيت لقضاك بنفسك.
ارتسمت على شفتي إلياس ابتسامة ساخرة، وهو يهزُّ رأسه باستهانة:
ـ شكلك معرفتش تتعلِّم من راجح أصول اللعب.
اشتعلت عينا مايكل بالجنون، وصاح وهو يلوِّح بسلاحه:
ـ هموِّتك...إنتَ وكلِّ عيلتك!
صرخت سارة بذعر، تحاول تهدئته وهي تتقدَّم نحوه بخطواتٍ مرتجفة:
ـ مايكل...اسمع إلياس هيقول إيه...
لكن كلماتها لم تكتمل..
التفت إليها بعينينِ تقدحان نارًا، ثم قبض على شعرها بعنف، وجذبها حتى سقطت أرضًا وهي تصرخ من الألم:
ـ هموِّتك يا كلبة...بعتيني!
وفي لحظة غفلة...
اندفع إلياس نحوه كالصاعقة، ودفعه بكلِّ قوَّته، فاختلَّ توازنه وسقط على ركبتيه، بينما انزلق المسدس بعيدًا بعدما ركلها إلياس بقدمه.
وقف أمامه شامخًا، ونظراته تفيض احتقارًا:
ـ بتتشطَّر على ست؟!
اقترب منه خطوة، وانحنى حتى أصبحت عيناه في مستوى عينيه:
ـ لمَّا إنتَ راجل وشاطر كده...ليه ما واجهتنيش..ولَّا الجبان عمره ما يعرف يواجه؟
ظلَّ معتز يحدِّق به، يلهث من الغضب، بينما أكمل إلياس بصوتٍ منخفض، لكنَّه أشدُّ رعبًا من الصراخ:
ـ واحد قذر زيَّك...أقدر أفعصه تحت جزمتي، ولا يفرق معايا..بس أنا راجل قانون...ومش هوسَّخ إيدي بواحد زيَّك.
مال نحوه أكثر، حتى أصبحت كلماته كالسكاكين:
ـ بس اسمعها منِّي كويس...لو فكَّرت تقرَّب من عيلتي...هنسى إنِّي متربِّي، وساعتها...محدش هيعرف يوقَّفني.
اعتدل في وقفته، ثم أشار إلى سارة دون أن يرفع عينيه عن معتز:
ـ خدي الحيوان ده وابعدوا عن طريقي...قبل ما أكرَّهكم الحياة نفسها.
ثم استدار إلى معتز، الذي كان يقف متجمِّدًا، يشعر بنيرانٍ متأجِّجة من استهانة إلياس به.
ابتسم إلياس ابتسامة خالية تمامًا من الرحمة:
ـ بلاش تخلِّيني أطلَّع كرهي لراجح فيك، صدَّقني...ساعتها هتتمنَّى الموت ومش هتلاقيه.
تقدَّم خطوة نحوه، ونظر إليه من أعلى إلى أسفل باحتقارٍ واضح:
ـ أنا مش شايفك غير حشرة تتدَّاس بالجزمة، ولو راجل...فكَّر بس تقرَّب من أي حد من عيلتي.
قالها ثم ركله بقدمه ركلة أطاحته للخلف.
رمقه بنظرة اشمئزازٍ أخيرة، قبل أن يستدير ويغادر المكان بخطواتٍ ثابتة.
خرج إلياس من المنزل، لكنَّه ما إن ابتعد حتى أخرج هاتفه وضغط على أحد الأرقام..
ما إن جاءه الرد حتى قال مباشرة:
ـ عملت إيه؟
ردَّ أرسلان برضا:
ـ الشركات مفيهاش ولا غلطة...بس متقلقش، لعبت له في عدَّاد عمره.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي إلياس:
ـ عاش يا وحش.
أردف إلياس بثقة:
ـ وأنا كمِّلت شغلي...ورميت له الطُعم، متأكِّد هيتجنِّن، دلوقتي عايزك تسحب كل خيوط الأمان من قدَّامه...عايزه يتجنِّن.
توقَّف إلياس بجوار سيارته، يتابع حديثه وأغمض عينيه لثانية قبل أن يسحب نفسًا عميقًا يخرجه ببطء، كأنَّه يحاول كبح غضبه:
ـ أرسلان...الراجل ده مش غبي، أي غلطة هتكلِّفنا كتير..أنا عايزه يقع بنفسه...من غير ما نخسر حد.
صمت لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ أكثر جديَّة:
ـ وكويس إنِّ أخته كانت موجودة النهارده...غيَّرت حاجات كتير.
ردَّ أرسلان سريعًا:
ـ مالك وصل للبنت، ونضَّف المكان كلُّه، والدنيا تمام...وحتى الشركة اتزرع فيها اللي إحنا عايزينه.
أطرق إلياس برأسه في رضا:
ـ برافو...خلِّي كل واحد ياخد حقُّه، بس في وقته.
تردَّد أرسلان قبل أن يسأل:
ـ طيب...كده ممكن يؤذي الولاد.
فتح إلياس باب سيارته، مرَّر أصابعه بين خصلات شعره للخلف، وعيناه معلَّقتان في الفراغ:
ـ عيب لمَّا تقول كدا، المهم أنا مستنِّي منه الغلطة دي.
قالها ببرود، ثم أكمل:
ـ اسحب الأمن كلُّه من حوالين الولاد...لكن عينك متفارقهمش لحظة. أوَّل ما يحاول يتحرَّك...أعرف قبل ما يعملها، أكيد فهمتني.
ـ تمام..عمُّو مصطفى عامل إيه؟
تبدَّلت ملامح إلياس في لحظة، وانطفأ ذلك الجمود الذي كان يكسو وجهه..
وهمس بصوتٍ مثقل:
ـ للأسف...تعبان
ساد الصمت بينهما لثوانٍ، قبل أن يقول أرسلان بحزن:
ـ شدِّ حيلك، طب إيه رأيك نروح الفيلَّا؟
تنهَّد إلياس وهو يركب السيارة:
ـ هشوف الدنيا وأردِّ عليك، لازم أرجع دلوقتي..
إنتَ خلِّيك ورا معتز، عايز أعرف نفسه هتودِّيه لفين، وكارما...انقلها من الشقَّة لمكان آمن لحدِّ ما تسافر.
ـ حاضر، مالك بيتِّصل...هقفل وأكلِّمه، سلام.
أنهى إلياس المكالمة، وألقى الهاتف على المقعد المجاور، ثم أدار المحرِّك، لتنطلق سيارته تشقُّ الطريق بسرعة.
في شقَّة كارما..
دلفت رولا إلى الداخل، تتبعها آسيا بخطواتٍ متردِّدة.
ما إن أغلقت الباب حتى وجدتا كارما تقف في منتصف الصالة، شاحبة الوجه، تضغط على شفتيها بقوَّة، وهي تهزُّ رأسها في ذعر.
همست بصوتٍ مرتجف:
ـ ليه جيتي؟!.
قطبت رولا حاجبيها، ولم تستوعب ما يحدث:
ـ في إيه؟
خرج من الممر رجل ضخم الجثَّة، عيناه باردتانِ كالموت، يتقدَّم نحوهما بخطواتٍ واثقة.
استدارت رولا تبحث بعينيها في المكان:
ـ معتز فين؟
لم يجبها أحد.
وفجأة...
هوى الرجل بمؤخرة سلاحه على رأس كارما.
صرخة مكتومة، ثم سقط جسدها على الأرض بلا حراك.
شهقت آسيا، بينما تجمَّدت رولا مكانها.
في تلك اللحظة، خرجت الممرِّضة من إحدى الغرف، تصوِّب سلاحها مباشرةً إلى رأس الرجل.
رفعت هاتفها بسرعة وقالت:
ـ أرسلان باشا...كلُّه تمام.
جاءها الرد مختصرًا:
ـ جاي لك.
دفعت الرجل بحدَّة وهي تشير إلى رولا وآسيا:
ـ اطلعوا برَّة...بسرعة!
حدقت بها رولا بعدم فهم:
ـ إنتِ مين، ومعتز فين..هوَّ مش هنا؟!
نظرت إليها الممرِّضة بعجلة:
ـ لو سمحتي...مفيش وقت، لازم تخرجي حالًا.
لكن الرجل لم يمنحها فرصة.
اندفع بجسده للخلف بقوَّة، فاصطدم بها، فسقطت أرضًا، وانفلت السلاح من يدها.
وفي حركةٍ احترافية خاطفة، ركل السلاح بقدمه، التقطه قبل أن تلمسه، ثم أطلق رصاصة كاتمة للصوت استقرَّت في جسدها..
انهارت الممرِّضة على الأرض.
صرخت آسيا بفزع، وارتمت تتشبَّث برولا، التي اتَّسعت عيناها وهي تنظر إلى كارما والممرِّضة، الغائبتين عن الوعي.
ثم قبض الرجل على ذراع آسيا بعنف، وجذبها إليه، ثم وجَّه السلاح نحو رأسها..
وقال بصوتٍ جليدي:
ـ ولا كلمة...ولا حركة، هتموتي إنتِ وهيَّ.
ثم ثبَّت عينيه على رولا:
ـ هتنزلي زي الشاطرة، تركبي العربية اللي تحت، أي حركة غبية...حياتكم تمنها.
نظرت رولا إلى آسيا، التي كانت تبكي وهي تحاول الإفلات من قبضته، ثم إلى كارما والممرِّضة الممدَّدتين على الأرض.
ابتلعت غصَّتها، وأومأت سريعًا:
ـ سيبها...وأنا هاجي معاك.
ابتسم الرجل بسخرية:
ـ تمام...انزلي إنتِ الأوَّل، أصل أنا مش عايزها هيَّ...
وأشار إلى آسيا بازدراء:
ـ الباشا قال..رولا، وبس.
وقبل أن ينتبه...
رفعت آسيا ركبتها بكلِّ ما تملك من قوَّة، وضربته في موضعٍ حسَّاس.
أطلق صرخة ألم، وارتخت قبضته للحظة.
استغلَّت الفرصة، وانتزعت نفسها منه، وركضت بأقصى سرعتها نحو رولا:
ـ اجري يا رولا!
أمسكتها من يدها بقوَّة، وسحبتها إلى الخارج، ثم دفعت باب الشقَّة بكلِّ قوَّتها وأغلقته، بينما دوى من الداخل صوت ارتطام الرجل بالباب وهو يحاول اللحاق بهما.
ركض الرجل خلفهما وهو يتحدَّث بهاتفه، يقصُّ له ماحدث، صاح الآخر:
_لو الباشا عرف هيموِّتنا، إيَّاك تقولُّه حاجة، حاول تجيب البنت بأي طريقة حتى لو هتضربها.
_تمام..هحاول.
قالها وتحرَّك خلفهما يسبُّ آسيا:
_هموِّتك يا روح أمِّك.
وصل للأسفل وجدها تتشبَّث بكفِّ رولا ويركضون صوب السيارة..
ما إن وصل خارج البناية حتى دوى صوت محرِّك سيارة توقَّفت بعنف أمام المدخل.
ترجَّل آسر منها مسرعًا، وفي اللحظة نفسها رفع الرجل سلاحه مصوِّبًا إيَّاه نحو آسيا، وهي تصرخ برولا:
ـ اركبي...بسرعة!
ساد المكان ذعرٌ عارم.
تراجعت آسيا خطوة للخلف تشير لباب السيارة:
_أنا هسوق.
خرج آسر من سيَّارته ولم يكن يرى الرجل حتى الآن، أغلق الباب، فوقعت عيناه على صوت آسيا وهي تشير لرولا بالصعود في السيارة، فتح فمه للانتباه إليه، ولكن وقعت عيناه على السلاح الذي وجَّهه ناحية آسيا، توسَّعت عيناه وركض يصرخ باسمها بكلِّ ما أوتي من قوَّة:
ـ آسيااااا!
التفتت إليه بدهشة، ولم تدرك ما يحدث.
ودون ذرَّة تردُّد، اندفع إليها، ووضع جسده أمامها بالكامل.
لتنطلق الرصاصة وتخترق جسد آسر بعنف، ثم ترنَّح خطوة إلى الخلف.
اتَّسعت عينا آسيا في ذهول:
ـ آسر...!
أمَّا الرجل، فلم ينتظر، بل قفز إلى سيارته وانطلق بها بأقصى سرعة، حين تجمَّع المارَّة على صرخات رولا.
كانت صرختها تمزِّق قلب التي ارتجف جسدها تنظر إليه وهو يسقط غارقًا بدمائه..
ارتمت رولا بجواره، ورفعت رأسه بين ذراعيها، ودموعها تنهمر بلا توقُّف:
_آسر..حبيبي افتح عيونك.
أمَّا آسيا...فلم تتحرَّك.
وقفت في مكانها، كأنَّ الزمن توقَّف.
كأنَّ قدميها التصقتا بالأرض..
لم ترَ سوى آسر...وهو يسقط لأنَّه اختار أن يقف أمامها.
همست بصوتٍ مكسور، بالكاد خرج:
ـ آسر...
رفع عينيه إليها بصعوبة، وابتسامة واهنة مرَّت على شفتيه يهمس باسمها:
ـ آسيا...ثم أغمض عينيه.
شهقت آسيا، وكأنَّ قلبها هو من توقَّف.
اندفعت أخيرًا نحوه، وركعت إلى جواره، بينما كانت رولا تبكي بانهيار:
ـ حبيبي...رد عليَّ...
بيننا كانت آسيا تبحث بعينيها في كلِّ اتجاه، ثم صاحت وهي ترتجف:
ـ حد يطلب الإسعاف...بسرعة!
التفتت إليه من جديد، وقد انهارت كل الحواجز التي بنتها بينهما.
جلست إلى جواره، وربتت على خدِّه المرتجف:
ـ آسر...بصِّلي...متغمضَّش عينيك... خلِّيك معايا.
فتح عيناه للحظات ثم بدأت تثقلان شيئًا فشيئًا.
ـ آسر...أرجوك...افتح عيونك... متسبنيش.
استجاب بصعوبة، وفتح عينيه مرَّةً أخرى..
فرأى وجهها الغارق في الدموع.
مرَّرت يدها على خدِّه برفق، ولم تعد تتذكَّر خصامًا، ولا كرهًا، ولا وجعًا قديمًا.
لم يبقَ إلَّا خوفها عليه.
أمسك يدها بكلِّ ما بقي لديه من قوَّة..
حاول أن يضغط على أصابعها...
لكن أصابعه ارتخت، نظرت إلى يدها، التي تلطَّخت بدمه، فارتعش جسدها كلِّه.
هزَّت رأسها بعنف وهي تصرخ:
ـ رولا...خلِّيه يفوق...بالله عليكِ!
ثم انحنت حتى لامس جبينها جبينه، وأجهشت بالبكاء:
ـ هموت...والله هموت لو حصلَّك حاجة...سامعني؟ متسبنيش...
تحرَّكت شفتا آسر بكلماتٍ لم تستطع تمييزها.
همساتٍ ضعيفة...ضاعت وسط شهقاتها.
ثم عادت عيناه تنغلقان ببطء، بينما بقيت يدها متمسِّكة بيده، كأنَّها تحاول أن تمنعه من الرحيل بقوَّة قلبها وحدها..
في تلك اللحظة وصلت سيارة أرسلان ويزن.
ترجَّلا مذعورين، لكنَّهما تجمَّدا عندما شاهدا آسر ملقى على الأرض وغارقًا بدمائه..
وصرخات رولا باسم أخيها وهي تحتضنه:
ـ آآآآسر!
ركض يزن نحو ابنه كالمجنون، وقد اختفى لون وجهه، يتمتم باسمه بصوتٍ مرتجف يكاد يختنق من الرعب:
_آسر...آسر!
وصل أرسلان، وانحنى سريعًا يفحص إصابته، بينما بدأ المارَّة يتجمَّعون حولهم في ذهول، تتعالى همساتهم، ويشقُّ صفير السيارات سكون المكان.
كانت آسيا جاثية إلى جواره، تحتضن كفِّه بكلتا يديها، والدموع تنهمر بلا توقُّف، راحت تهمس باسمه بصوتٍ مكسور لا يكاد يُسمع:
_آسر...افتح عيونك...بالله عليك.
جلس يزن على ركبتيه أمام ابنه، وارتعشت يداه وهو يربت على وجنته الملطَّخة بالدماء:
_حبيبي...افتح عيونك.
لكنَّه كان ساكنًا، وأنفاسه واهنة، والدم ينساب من حوله في مشهدٍ مزَّق قلب أبيه.
انفجر صوت رولا ببكاءٍ هستيري وهي تضرب صدرها:
_أنا السبب...أنا السبب...
وصل مالك مسرعًا، فأشار إليه أرسلان وهو يحاول الحفاظ على ثباته:
_خد البنات من هنا...واتِّصل بالمستشفى...بلَّغهم إن الإصابة خطيرة.
نظر مالك إلى آسر، أومأ له وابتعد قليلا يتحدَّث بهاتفه.
في تلك اللحظة، لم يحتمل يزن أكثر، مدَّ ذراعيه يحاول حمل ابنه بنفسه، وهو يصرخ بانهيار:
_أنا مش هستنى الإسعاف، ابني بينزف!
أمسكه أرسلان بقوَّة يمنعه:
_اهدى يا يزن...الإسعاف وصلت سيبهم يشتغلوا.
توقَّفت سيارة الإسعاف، قفز المسعفون منها، وأسرعوا نحوه، ثوانٍ كانت كأنَّها عمرٌ كامل، ثبَّتوه على الحمَّالة، وبدأوا في إسعافه.
كانت آسيا تحدِّق فيه بعينينِ امتلأتا بالدموع، لكن جسدها بدا عاجزًا حتى عن الاقتراب.
كل قطرة دم كانت تنزف منه...كانت تمزِّق شيئًا داخلها، وكأنَّ قلبها هو من ينزف لا جسده.
وقفت مكانها، سجينةً لعلاقة لم تخترها، ولحبٍّ دفنته حيًّا منذ اليوم الذي صار فيه خطيب أختها.
كانت تريد أن تركض إليه...
أن تضمُّه إلى صدرها...
أن تصرخ باسمه كما يصرخ العاشق حين يخشى فقدان روحه...
لكنها لم تكن تملك ذلك الحق.
فاكتفت بالوقوف...
تختنق بدموعها، وتبتلع شهقاتها، وكأنَّ قلبها يُذبح بصمت..
يا لقسوة أن ترى الرجل الذي يسكن روحك غارقًا في دمائه...
ولا تستطيع حتى أن تلمس وجهه أمام الجميع.
يا لقسوة أن يسبقك الجميع إليه...
أبوه يحتضنه..وأخته تبكيه...
وهي...صاحبة القلب الأكثر وجعًا...لا تملك سوى الوقوف بعيدًا، تخفي انهيارها خلف صمتٍ قاتل.
ركضت رولا خلف الحمَّالة تنتحب، واندفع يزن بجوار ابنه، بينما حمله المسعفون إلى سيارة الإسعاف.
ظلَّت عينا آسيا معلَّقتين به حتى اللحظة الأخيرة...
حتى أُغلق باب السيارة.
كان صوت ارتطام الباب كأنه أُغلق فوق قلبها هي.
ومع ابتعاد سيَّارة الإسعاف، شعرت وكأنَّها تأخذ معها أنفاسها، وكلُّ ما تبقَّى لها من قدرة على الصمود.
اختفت الأصوات من حولها..تلاشى كلُّ شيء.
لم تعد ترى سوى وجهه الملطَّخ بالدماء، وكفِّه الذي أفلت من بين يديها دون أن تستطيع التمسُّك به.. حاولت أن تخطو خلفه..خطوة واحدة فقط...
لكن ساقيها لم تعودا تحملان جسدًا أثقله الوجع.
ترنَّحت، انقطعت أنفاسها، وأظلمت الدنيا أمام عينيها.
سقطت فوق الأرض فاقدةً وعيها...
بعد أن سبق قلبها روحها، وركض خلف الرجل الذي لم يكن يومًا من حقِّها...لكنَّه ظل، وسيظل، حبَّها الوحيد.
عند ميرال..
عادت إلى فيلَّا السيوفي بخطواتٍ ثقيلة، تجرُّ أقدامها بصعوبة، جسدها منهك، لكن قلبها كان أكثر إنهاكًا.
همست لنفسها بصوتٍ بالكاد يُسمع:
_هوَّ...معقول يكون في واحدة تانية؟ بعد العمر ده كلُّه...يفكَّر يبدأ حياة مع غيري؟
أغمضت عينيها بقوَّة، تهزُّ رأسها رافضةً ما يوسوس به عقلها:
_لا...مستحيل، إلياس عمره ما عملها، حتى وإحنا في عزِّ خلافاتنا، ما فكَّرش يخونِّي...هيعملها دلوقتي، لا... مستحيل.
تنهَّدت بحرقة، ثم زفرت أنفاسًا غاضبة:
_بس لازم يقولِّي...مين الستِّ دي، وليه كانت معاه؟ لازم أعرف...لازم أعرف إن ميرال لسه زي ما هيَّ.
قطع حديثها مع نفسها صوتُ ابنها:
_ماما...
انتفضت قليلًا، ثم التفتت لترى يوسف يقف أمامها.
رسمت ابتسامة باهتة، لم تصل إلى عينيها:
_إنتَ جيت إمتى؟
اقترب منها وهو ينزع نظَّارته الطبية، وعيناه تدقِّقان في ملامحها الشاحبة:
_بقالي شوية بنادي عليكي...مالك؟
أشاحت بوجهها سريعًا:
_مفيش...شوية إرهاق بس.
لم يقتنع..اقترب أكثر حتى أصبح أمامها مباشرة، يتأمَّل عينيها اللتين تحاولان الهرب منه:
_حضرتك كويسة؟
التفت إلى السيارة الواقفة بالخارج:
_وكنتي فين ؟
تحرَّكت إلى الداخل دون أن تنظر إليه:
_كان عندي مشوار.
ظلَّ يتابعها حتى اختفت داخل الفيلَّا، ثم تنهَّد بصمت وسار خلفها، وقد ازداد شعوره بأنَّ هناك شيئًا يحدث.
اتَّجه مباشرةً إلى غرفة جدِّه..
فتح الباب بهدوء.
وجد الممرِّضة تتابع حالة مصطفى، بينما كانت فريدة تجلس بجواره، تحتضن كفِّه بين يديها.
وقع بصر مصطفى على يوسف حتى ارتسمت ابتسامة واسعة فوق وجهه:
_أخيرًا يا دكتور...افتكرت إن ليك جد؟
ابتسم رغم الألم المختبئ داخله..
اقترب سريعًا، وانحنى يقبِّل جبين جدِّه:
_عامل إيه يا حبيب قلب الدكتور؟
ربت مصطفى على كتفه بصعوبة، وابتسامة مرهقة ارتسمت على شفتيه:
_أنا برضه حبيب قلبك يا دكتور؟
ضحك يوسف ضحكة خافتة، وجلس على طرف الفراش، يسحب يد جدِّه برفق من بين يدي فريدة:
_ما كفاية عليك يا مصطفى باشا فريدة هانم...
ضحكت فريدة وربتت على وجنته:
_وحشتنا يا حبيبي...هوَّ لازم حد فينا يتعب علشان نشوفك يا ابن إلياس؟
خفض رأسه بخجل:
_والله غصب عني يا تيتا...بين المستشفى والسفر، اليوم بيخلص قبل ما يبدأ.
_ربِّنا يوفَّقك ويباركلك يا حبيبي.
أمسك يدها وقبَّلها باحترام، ثم رفع عينيه إليها.
كان ينظر إليها بصمت...
نظرة طويلة، ممتلئة بأشياء لم يستطع البوح بها..اشتياق...تعب...احتياج، لمسة بل
وفراغ لا يملأه سوى حضنها.
فهمت فريدة كل ما لم يقله..
فتحت ذراعيها دون كلمة واحدة،
وكأنها تقول له: تعال...
لم يتردَّد..اقترب منها، وألقى بنفسه بين ذراعيها كما لو عاد طفلًا صغيرًا وجد أخيرًا مكانًا آمنًا.
أغمض عينيه بقوَّة...
استنشق رائحة جدَّته التي طالما كانت تعني له الأمان.
راحت تربت على شعره مرَّة، وعلى ظهره مرَّةً أخرى:
_بدعيلك في كلِّ صلاة يا حبيبي...والله ما في يوم بينام فيه قلبي غير وأنا بدعيلك.
ارتجفت شفتاه وهو يستمع إليها.
فأكملت بصوتٍ اختلطت فيه الدموع بالحب:
_إنتَ نِنِّ عين جدِّتك يا يوسف...أوَّل فرحتنا...وابن الغاليين...إنتَ مش بس ابن ابني...إنتَ ابن بنت روحي كمان.
أغمض عينيه أكثر...
كم اشتاق لهذا الحضن..
هنا موطنه رغم وجود والديه، ولكن لهذه الجدَّة، حياةً كاملة.
قبَّلت رأسه، تشعر بوجعه رغم ابتسامته للجميع، بل حرمانه من نعمة أن يحمل طفلًا يناديه "بابا"... كُسر قلبها عليه..
اختبأ داخل حضنها أكثر، حتى كاد ينسى العالم كلِّه.
تبادلت فريدة النظرات مع مصطفى.
أومأ مصطفى...كان ينظر إلى حفيده بحزنٍ موجع.
يعرف جيِّدًا ما يسكن قلبه.
يعرف كم يؤلمه أن يكون طبيبًا يهب الحياة للناس كلَّ يوم، بينما ينتظر هو منذ سنواتٍ أن يرزقه الله طفلًا يحتضنه.
ربت مصطفى على ركبة يوسف برفق.
فابتعد يوسف عن حضن جدَّته، ومسح وجهه سريعًا حتى يخفي تأثُّره.
ابتسمت فريدة وهي تغيِّر الحديث:
_أومال مراتك فين يا حبيبي، مجتش معاك ليه؟
أخذ نفسًا عميقًا:
_هيَّ متعرفش إنِّي جيت هنا...هكلِّمها تيجي، ونبات الليلة معاكم.
أضاءت عينا فريدة بالسعادة وقالت:
_وكلِّم بلال ورولا كمان...بقالنا كتير ما اتجمعناش، أبوك وأمَّك موجودين، وعمَّك قال هيخلَّص شغله وييجي.
ابتسم لها:
_حاضر يا حبيبتي.
ثم التفت إلى جدِّه من جديد، وضغط على يده بحنان:
_بس أنا مش عاجبني النوم الكتير ده يا مصطفى باشا...قوم بقى. وحشتني خناقاتنا ولعب الطاولة...
توقَّفت ابتسامة مصطفى للحظة.
شردت عيناه...وكأنَّ الكلمات أعادته سنواتٍ للخلف.
رأى يوسف طفلًا صغيرًا يركض نحوه في الحديقة...
ثم شابًا يخسِّره عمدًا في الشطرنج...
ثم رجلًا يجلس الآن أمامه، يخفي ألمه بابتسامة.
اغرورقت عيناه بالدموع..
وخرج صوته ضعيفًا، لكنَّه كان مليئًا بالوجع:
_يمكن...جدَّك تعب كفاية يا يوسف.
اتَّسعت عينا يوسف:
_إيه الكلام ده؟
أمَّا فريدة، فشعرت بقلبها ينقبض:
_ليه بتقول كده يا مصطفى؟ عمرنا ما استسلمنا...وكلِّ مرَّة ربِّنا كان بيقوِّمك.
هزَّ مصطفى رأسه بابتسامةٍ متعبة.
لكن يوسف أمسك يده بكلتا يديه، وضغط عليها بقوَّة، وكأنَّه يمنحه شيئًا من روحه.
_بصِّلي يا جدُّو...
أنا دكتور... وأعرف إنِّ العلاج مهم،
بس اللي أعرفه أكتر...إنَّك عمرك ما كنت راجل يعرف اليأس.
ولو إنتَ استسلمت...أنا اللي هضعف..
أنا محتاجك، مش علشان تبقى بخير...
علشان أفضل أنا بخير.
ارتعشت شفتا مصطفى، وسقطت دمعة حارَّة من عينيه.
بينما ضمَّ يوسف يده إلى صدره...
كأنَّه يخشى أن يأتي يومًا تصبح فيه تلك اليد مجرَّد ذكرى..
_حبيبي يا جدُّو لازم تتمسَّك بالحياة، علشان الحياة تتمسَّك بيك.
ارتفع رنين هاتف يوسف..
نظر إلى الشاشة، ثم قال معتذرًا:
_ضي بتِّتصل...هرد عليها وراجع.
ابتعد عدَّة خطوات، ثم أجاب:
_أيوة يا حبيبتي.
جاءه صوتها متقطِّعًا:
_يوسف...إنتَ فين؟
توقَّف عن السير:
_في إيه يا ضي؟
_بابا كلِّمني...قال إن آسر...آسر اتضرب بالنار.
تجمَّدت ملامحه:
_إيه!! هوَّ كويس؟
_معرفش...أنا نازلة دلوقتي، بابا قالِّي ما قولش لحد في البيت، بس أنا خايفة...رولا كانت معاه...وآسيا كمان... ده كل اللي فهمته منه.
أغمض عينيه للحظة:
_طيب...اهدي، هقابلك هناك.
أنهى المكالمة، فوجد ميرال تقف أمامه تنظر إليه بقلق:
_في إيه يا يوسف؟
التفت إليها، فتح فمه ليتكلَّم، لكن دخول إلياس أوقفه.
نظر إلياس إليهما باستغراب:
_جدَّك صحي من النوم ولَّا لسه؟
رفع يوسف رأسه إليه:
_حضرتك..متعرفش اللي حصل؟
قطب إلياس جبينه:
_إيه؟..جدَّك حصله حاجة؟
وقبل أن يجيبه يوسف، اقترب منه قليلًا:
_وشَّك ماله يا بابا؟
كانت ميرال تحدِّق في الكدمة الواضحة على وجه إلياس، بينما تغلي الغيرة داخلها.
عقدت ذراعيها وقالت ببرودٍ لاذع:
_يمكن اتخانق...علشان حد.
نظر إليها إلياس بضيق، ثم أشار إليها بيده:
_روحي هاتي تلج ولَّا أي حاجة تتحط على وشِّي...بدل ما إنتِ واقفة كأنِّك فرحانة.
رفعت حاجبها بسخرية:
_أيوة...علشان تستاهل.
اتَّسعت عينا إلياس بذهول:
_ليَّا الكلام ده يا ميرال؟!.
تدخَّل يوسف بسرعة:
_بابا...سيبك من ماما دلوقتي واسمعني.
التفتت ميرال إليه، ولكزته في ذراعه بعصبية:
_بقى كده يا ابن بطني؟ بدل ما تقول هتجبلي حقِّي منه!
زفر يوسف بضيق:
_ماما...بالله عليكي اسمعيني.
_مش هسمع حاجة...إلَّا لمَّا أبوك يقولِّي كان فين، وإيه اللي عمل فيه كده...واتخاتق علشان مين.
رفع يوسف صوته لأوَّل مرَّة:
_ماما...آسر ابن خالو...اتضرب بالنار.
شهقت ميرال، ووضعت يدها على فمها.
أمَّا إلياس، فظلَّ ينظر إلى يوسف غير مستوعب.
_إيه اللي بتقوله ده؟!
دوى رنين هاتف إلياس..أجاب سريعًا:
_أيوة.
جاءه صوت أرسلان:
_إلياس...آسر اتضرب بالنار للأسف.
أغمض إلياس عينيه بقوَّة:
_هوَّ كويس؟
_لسه رايحين المستشفى...الرصاصة دخلت بين القلب والكتف.
تنفَّس إلياس ببطء، محاولًا السيطرة على انفعاله:
_تمام...إحنا جايين حالًا.
أنهى المكالمة، واتَّجه مباشرةً نحو الباب:
_يوسف...يلَّا.
ركضت ميرال خلفه، وأمسكت بذراعه بقوَّة.
كانت عيناها تمتلئان بالخوف:
_الواد...عايش...صح؟
نظر إليها إلياس للحظة، ثم قال بصوتٍ منخفض، وكأنَّه يقنع نفسه قبل أن يقنعها:
_إن شاء الله...هيبقى كويس، بلاش ماما تعرف حاجة.
ثم غادر مسرعًا، وخلفه يوسف.
بينما وقفت ميرال تتابعهما بعينينِ مرتجفتين، تدعو الله في سرَّها ألَّا يحمل هذا اليوم فاجعة جديدة.
في المستشفى...
خرج بلال من غرفة العمليات بإرهاقٍ واضح.
خلع القناع الطبِّي وهو يتَّجه إلى مكتبه، ثم التقط هاتفه الذي ظلَّ مغلقًا لساعات.
بدأ يستمع إلى الرسائل الصوتية، قبل أن يقطعه رنين الهاتف.
نظر إلى اسم المتَّصل، ثم أجاب سريعًا:
_أيوة يا بابا.
جاءه صوت أرسلان مضطربًا:
_بلال...قافل تليفونك ليه؟
واصل السير وهو ينزع القفَّازات الطبيَّة:
_كنت في عملية...في إيه، رولا ويوسف كويسين؟ لقيت من ضي ويوسف اتِّصالات كتير.
ساد صمتٌ قصير...
ثم قال بصوتٍ مثقل:
_آسر ابن عمَّك...اتضرب بالنار.
توقَّف بلال فجأة.
شحب وجهه، وسقطت القفَّازات من يده دون أن يشعر.
_إزاي؟!
خرج السؤال منه بصعوبة.
_مين اللي عمل فيه كده؟
_لمَّا نوصل المستشفى هحكيلك كلِّ حاجة.
بلع ريقه بصعوبة، ثم سأل بصوتٍ اختلط فيه الطبيب بابنِ العم:
_إصابته...خطيرة يا بابا؟
تنهد أرسلان:
_الرصاصة بين الضهر والكتف...ولسه محدش يقدر يحكم.
_تمام هستناكم برَّة.
أغلق بلال الهاتف بيدٍ مرتعشة.
وقف لثوانٍ مكانه...
ثم اندفع راكضًا في ممرَّات المستشفى.
بعد دقائق بدت وكأنَّها سنوات...
وصلت سيارة الإسعاف واندفع المسعفون يحملون آسر فوق الفراش المتنقِّل.
كان جسده ساكنًا، وملابسه ملطَّخة بالدماء.
ركض الطبيب المناوب إليهم، ألقى نظرة سريعة على الإصابة، ثم صاح:
_على العمليات...بسرعة!
بعد لحظات...
وصل مالك، يحيط جسد آسيا بذراعه،
كانت شاحبة بصورةٍ مخيفة، نظراتها جامدة، وكأنَّها ما زالت ترى آسر وهو يسقط أمامها.
ما إن رأتها ضي حتى أسرعت إليها:
_إنتِ كويسة؟
هزَّت آسيا رأسها بصعوبة..
لم تستطع النطق.
ارتفعت عيناها تلقائيًا نحو باب غرفة العمليات...
تريد أن تسأل عنه...أن تعرف إن كان ما زال يتنفَّس...
لكنَّها خافت أن تفضحها لهفتها أمام الجميع.. ابتلعت غصَّتها بصعوبة.
فقال مالك بهدوء:
_خلِّيكي معاها يا ضي.
أومأت ضي سريعًا.
_حاضر يا عمُّو.
احتضنت آسيا من كتفيها، بينما الأخيرة ظلَّت تحدِّق في باب العمليات بعينينِ امتلأتا بالدموع، وكأنَّ روحها محتجزة خلف ذلك الباب.
اتَّجه مالك نحو إلياس وأرسلان..
خفض صوته وهو يقول:
_كلُّه تمام يا إلياس...معتز رجع الشركة، وكلِّم الراجل.
عقد إلياس حاجبيه:
_إزاي رولا خرجت من الكمبوند من غير ما تعرف؟
تنهَّد مالك:
_إنتَ قولت مش هتخرج، معرفتش غير لمَّا خرجت، وعرفت آسيا راحت لها، قولت غيرة، فجأة الممرِّضة اتَّصلت وقالت اللي حصل بين الراجل وكارما، متوقعتش رولا تتهوَّر تاني، وبعدين مش معتز دا كان المفروض هوَّ اللي يروح؟.
التفت إليه أرسلان وقال بحدَّة:
_هيروح إزاي؟ بعد ما عرف إن سارة راحت لإلياس.
هزَّ مالك رأسه بضيق، يزفر بغضب:
_والله ما توقَّعت...وإلياس أصلًا مبلَّغنيش إنُّه هيروح هناك.
ظلَّ إلياس صامتًا للحظات.
مرَّر كفَّه على وجهه المرهق، ثم قال بصوتٍ خافت:
_خلاص...اللي حصل حصل.
رفع عينيه نحو باب العمليات:
_المهم...آسر يطلع منها بالسلامة.
ساد الصمت مجدَّدًا.
ثم وقعت عيناه على رولا.
كانت تجلس في أقصى الممر، تضمُّ جسدها بذراعيها، وتبكي في صمت، وكأنَّها تحمل نفسها حتى لا تنهار.. وبجوارها بلال.
نظر إليها طويلًا، ثم عاد ببصره إلى مالك:
_فيه حاجة مش قادر أفهمها، طيِّب معتز عايز رولا علشان حاجة، رولا بقى عايزة معتز ليه، رغم رسالة كارما راحت وبتسأل.
هزَّ مالك رأسه:
_معرفش.
تنهَّد إلياس ببطء، ثم قال وهو يحاول جمع خيوط الصورة:
_رولا عرفت إن معتز هوَّ اللي ورا اللي حصل قبل كده...كلامها مع كارما كان واضح.
ردَّ أرسلان:
_كارما متعرفش غير إنُّه ورا حادثة آسر.
أطرق إلياس برأسه:
_يبقى مفيش تفسير تاني...
ثم التفت إلى أرسلان:
_أنا مش عايز بلال يعرف إنَّها راحت تواجه معتز.
توقَّف لحظة، ثم أكمل:
_عقَّله...قولُّه أي حاجة، مش عايز يسمع الحقيقة دلوقتي..لمَّا أشوف البتِّ دي عارفة إيه.
ردَّ أرسلان:
_متأكِّد إنَّها عرفت كلِّ حاجة.
_متقلقش...هقولُّه إنِّي أنا اللي طلبت منها تروح تطمِّن على كارما، علشان هتشهد بكرة في المحكمة.
زفر إلياس ببطء.
فقال مالك وهو ينظر إلى باب العمليات:
_على فكرة...محاولة قتل آسر ممكن تبقى في صالح القضية.
التفت إليه:
_إزاي؟
_لأنَّها هتثبت إنِّ في حد بيحاول يخلص منه، وده دليل قوي إن آسر كان بيمثِّل خطر.
وصل بلال إلى حيث يقف الجميع، وملامحه مشدودة بالقلق، وعيناه لا تفارقان باب غرفة العمليات:
_مين...مين اللي بيحاول يتخلَّص من آسر يا بابا؟ مرَّة يورَّطه في قضية... والنهارده يضربه بالنار!
زفر والده بحرقة:
_هنعرف...بس دلوقتي خلِّيك جنب مراتك، أخوها اتضرب قدَّام عينيها للمرَّة التانية...بالعافية بدأت تخرج من صدمة أوَّل مرَّة.
التفت إلى رولا وقال:
_معاها ضي وآسيا...هوَّ يوسف لسه ما خرجش من جوَّه؟.
وقبل أن يرد أحد، انفتح باب غرفة العمليات أخيرًا.
خرج يوسف، تبدو على وجهه علامات الإرهاق، ونزع الكمَّامة عن فمه وهو يلتقط أنفاسه.
في لحظةٍ واحدة، انتفض الجميع واقفين، بينما اندفع يزن إليه بخطواتٍ سريعة:
_يوسف...طمِّني!
ابتسم يوسف ابتسامة خافتة وهو يومئ برأسه:
_اطَّمن يا خالو...الإصابة مش خطيرة، الرصاصة عدِّت من مكان بعيد عن أي عضو حيوي..الدكتور بيقفل الجرح دلوقتي، وبعدها هينقلوه العناية... الحمد لله، مفيش خطر على حياته.
رفعت آسيا رأسها ببطء، وقد كانت طوال الدقائق الماضية عاجزة حتى عن البكاء، وما إن سمعت: "مفيش خطر على حياته"...حتى أغمضت عينيها بقوَّة، وانسابت دموعها في صمت، وكأنَّ روحها التي كانت معلَّقة بين الحياة والموت عادت إلى جسدها أخيرًا.
تنفَّست لأوَّل مرَّة منذ سقط آسر أمامها...نفسًا طويلًا مرتجفًا، وهي تهمس دون وعي:
_الحمد لله...
نهضت رولا فجأة، وقد تشبَّثت بالأمل كالغريق، واتَّجهت إلى والدها بخطواتٍ متعثِّرة:
_آسر...آسر عامل إيه؟
فتح بلال ذراعيه وضمَّها إلى صدره، يربت على ظهرها بحنان:
_اهدي يا حبيبتي...كويس، شوية وهيخرج على العناية.
رفعت رأسها إليه، وعيناها تلمعان بالدموع:
_بجد يا بلال...بجد؟
ابتسم ابتسامة باهتة رغم اختناق صوته:
_ الحمد لله.
تدخَّل يزن وهو يمسح دموعه سريعًا حتى لا يراها أحد:
_بلال...خد مراتك والبنات وروَّحهم، وجودهم هنا مش هيفيد، وكلُّهم منهارين.
هزَّت رولا رأسها بعناد، والدموع لا تزال تبلِّل وجهها:
_لا...مش همشي.
اقترب منها بلال يحاول إقناعها، لكنَّها تشبَّثت بكمِّ قميصه كطفلةٍ خائفة:
_هستنَّى...أوَّل ما يفتح عينيه بس... أشوفه وأطَّمن عليه، وبعدها همشي.
بعد عدة ساعات...
دلف بلال إلى غرفة العناية المركزة بخطوات هادئة،. رفع يوسف رأسه إليه،
اقترب بلال وهمس: _فيه جديد؟
أجاب يوسف وهو يطالع شاشة الأجهزة: _لأ... الحمد لله، المؤشرات مستقرة.. مسألة وقت وهيبدأ يفوق.
تنهد بلال براحة
سأل يوسف _طنط رحيل عاملة إيه؟
_كويسة... أخدت مهدئ، وماما معاها، والدكتور طلب إنها ترتاح شوية.
وقبل أن يكتمل الحديث...
تحركت أصابع أسر حركة خفيفة، وارتجفت جفونه كأنه يصارع ليعود إلى وعيه.
انتبه يوسف فورًا، واقترب منه.
همس أسر بصوت واهن، بالكاد يُسمع:
_... أسيا...
التفت بلال سريعًا. _قال إيه؟
انحنى يوسف أكثر حتى كاد يلامس أذنه، محاولًا التقاط ما يقوله.
خرج الاسم مرة أخرى، أوضح هذه المرة، رغم ضعفه: _... أسيا...
اعتدل يوسف ببطء، ونظر إلى بلال بدهشة.
_بيقول... أسيا
لم يتوقف أسر، ظل يردد الاسم نفسه، بين كل نفس وآخر، كأن عقله لم يتمسك في تلك اللحظة إلا بها.
_أسيا...
_أسيا...
ابتلع بلال ريقه، وعيناه لا تفارقان وجه أسر، ثم قال بصوت منخفض:
_هي كانت معاه... هي ورولا فعلًا.
هز يوسف رأسه دون أن يجيب، وما زال يراقب أسر وهو يهمس بالاسم للمرة الثالثة... ثم الرابعة.
عندها أطلق بلال زفرة طويلة وقال بحسمٍ مؤلم:
_أسر... شكله بيحب أسيا.
استدار إليه يوسف بعنف، واتسعت عيناه من الصدمة.
_إنت اتجننت يا بلال؟! هو مش خاطب سدن؟
خفض بلال رأسه قليلًا، وقال بأسف: _للأسف... ده اللي حصل.
ظل يوسف يحدق فيه غير مستوعب.
_إنت بتقول إيه؟
تنهد بلال، ثم قال:
_من فترة طويلة، لمح بكلام على أسيا. سألته وقتها بشكل غير مباشر وقال عجبه شخصيتها
وبعدها عرفت انه خطب سدن، ولما سألته، قالي مشاعره مكنتش واضحة
أشار بعينيه إلى أسر الذي عاد يهمس الاسم نفسه وسط غيبوبته.
_لكن دلوقتي... مفيش حد بيكدب وهو بين الحياة والموت.
اشتدت ملامح يوسف، وانقبض فكه بقوة حتى برزت عروق رقبته.
ظل ينظر إلى أسر طويلًا، ثم قال بصوت خرج ممتلئًا بالغضب والخذلان:
_يقوم بالسلامة الأول...
وساعتها...هيكون لينا كلام
مرّت ساعات طويلة، حتى سمح الأطباء بنقل أسر إلى غرفةٍ عادية،
تجمّعت العائلة كلها حوله
جلست سدن على طرف الفراش، أمسكت بكفه برفق، وقالت وهي تحاول إخفاء دموعها بابتسامة:
_حمد الله على السلامة... كده تخضّني عليك.
فتح عينيه بصعوبة، ورمش عدة مرات قبل أن يتمتم بصوتٍ واهن:
_أنا... كويس.
تحركت عيناه ببطء بين الوجوه، يبحث عن وجهٍ واحد... عن آسيا، لكنها لم تكن هناك.
انحنت رحيل تقبّل جبينه، ودموعها تنهمر رغم محاولتها التماسك.
_حاسس بإيه يا حبيبي؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
_الحمد لله يا ماما... رولا وآسيا كويسين؟
في تلك اللحظة ، اندفعت رولا إلى الداخل.
_أسر...
ركضت نحوه، وانحنت تضمه بحذر، وانفجرت بالبكاء.
_أنا آسفة... أنا السبب في كل اللي حصلك.
رفع كفه بصعوبة، وربّت على رأسها
_شش... متقوليش كده... أهم حاجة إنك بخير.
تقدمت إيمان وهي تمسح دموعها.
_حمد الله على سلامتك يا حبيبي.
_الله يسلمك.
وبعد دقائق، غلبه أثر المسكنات، فأغمض عينيه وعاد إلى النوم
في الخارج...
كان إلياس يتحدث عبر الهاتف
_برافو يا مالك... يلا بالسلامة. عايز الراجل يفضل متحفظ عليه لحد بكرة المحكمة. وكلم راكان... مش عايز القضية تتأجل. بكرة نقفل الملف ده، وأسر ياخد براءته.
جاءه صوت مالك بثقة.
_متقلقش... الأدلة كلها معانا، واعترافاتهم متسجلة.
_وخلي بالك من معتز... لو حاول يهرب بره البلد.
_هحاول، بس لسه مفيش قرار ضبط من النيابة.
ابتسم إلياس ابتسامة باردة.
_سيبه... أنا كنت عارف إنه هيغلط بنفسه.
اقترب أرسلان منه باستغراب.
_في إيه يا إلياس؟
التفت إليه.
_معتز بعت ناس يحرقوا شركة يزن ومكتبه... وحتى شركة الأمن.
ضحك أرسلان وهو يهز رأسه.
_ضربة معلم يا باشا.
أومأ إلياس بثبات.
_كان لازم أحسسه إنه كسب... علشان ينسى حذره. دلوقتي دراعه اليمين في إيد مالك، ومعاه كذا واحد من رجاله... وكلهم اتكلموا.
_يعني القضية انتهت؟
_انتهت... المرة دي الحق معاه الدليل، ومعتز ملوش مخرج.
تنهد أرسلان بارتياح.
_الحمد لله.
في صباح اليوم التالي...
في صباح اليوم التالي...
دلف الطبيب إلى الغرفة، ه أحد أفراد الشرطة ومحامي أسر.
ألقى الطبيب نظرة على ملفه الطبي، ثم قال بحسم:
_المريض ممنوع من الحركة أو مغادرة المستشفى. حالته مستقرة، لكن أي انتقال دلوقتي ممكن يعرضه لمضاعفات.
أومأ الضابط، ثم سلّم المحامي تقريرًا طبيًا مختومًا.
_التقرير هيتقدم لهيئة المحكمة، وهيثبت إن المتهم متعذر حضوره لأسباب صحية.
همس أسر
_. دي جلسة سماع الشهود، وحضوري مش هيضيف حاجة. المحكمة هتنظر التقرير الطبي، والمحامي هيمثلني قانونًا. كل الأدلة في صالحنا.
داخل قاعة المحكمة...
وقف محامي الدفاع، وقدم التقرير الطبي إلى هيئة المحكمة.
تصفحه القاضي لثوانٍ، ثم قال:
_ثبت للمحكمة تعذر حضور المتهم بسبب إصابته بطلق ناري، وفقًا للتقرير الطبي الصادر من المستشفى، وتستمر المحكمة في نظر الدعوى في حضور الدفاع.
وبدأت المرافعات.
بدأت المحكمة في سماع الشهود.
تقدم رجال معتز، وبعد مواجهتهم بالأدلة والاعترافات، انهارت أكاذيبهم واحدًا تلو الآخر، واعترفوا أن معتز هو من دبّر القضية، وزوّر الوقائع، وأجبرهم على تلفيق الاتهام لأسر.
ثم وقفت كندا، وأدلت بشهادتها كاملة، مؤكدة كيف تم خطفها واجبارها على كتب رسالة لكارما
ثم وقفت كارما.
أغمضت عينيها لثوانٍ قبل أن تقول بصوتٍ مرتجف وادلت بشهادتها بما حدث
تعالت الهمسات داخل القاع
رفع القاضي أوراق القضية، ثم قال بصوتٍ حاسم:
"حكمت المحكمة... ببراءة المتهم أسر... مما نُسب إليه من اتهام بالشروع في قتل المجني عليها كارما، لثبوت تلفيق الاتهام، وثبوت براءة المتهم يقينًا."
ثم انفجرت دموع رحيل وهي تردد:
_الحمد لله... الحمد لله يا رب... ظهر الحق.
بفيلا السيوفي
كانت تجلس بالحديقة تنظر بشرود، اقترب وجلس بمقابلتها دون أن تشعر
_ميرال قاعدة كدا ليه
ظلت تنظر إليه بصمت ثم قالت
_كنت فين؟!
_مالك ياميرال، بقالك فترة متغيرة
قاطعهم وصول فريدة
_إلياس.. كلم باباك عايزك
ظل ينظر لميرال ثم نهض يهز رأسه
بمنزل بلال
دلفت إلى غرفة طفلها طفلها وجدته يحمله ويجلس بالشرفة
_بلال..
رفع نظره اليها، ثم عاد ينظر للخارج
اتجهت وجلست بجواره
_اه.. روحت لكارما علشان اقولها تبعد عننا كدا حلو
نظر إليها بصمت، دنت تضع كفيها على وجهه
_انا بغير، وبموت كل ماافتكر ان البنت دي لسة بتكلمك
_اسكتي يارولا علشان منزعلش من بعض تاني
_يعني ايه
نهض من مكانه بعدما وضع طفلهما على ساقيها
_يعني مبقاش ليكي رصيد عندي يارولا، تعبت من تهورك، اخوكي في مرة كان متهم في قضية قتل والمرة التانية كان ممكن يموت، ودا بسببك انت
قالها وغادر المكان
عند دارين
وصلت الى مطار القاهرة، استقلت سيارة اجرة، التي نقلتها الى احد المنازل بالمناطق الراقية
دلفت الى المنزل وهي تتحدث بالهاتف
_وصلت موشيه، الان ساسترح قليلا، ثم اهاتفك
_اعتني بنفسك
اغلقت الهاتف ودلفت للداخل، هوت على الاريكة
_لقد عودت الى هذه البلد الكئيب مرة اخرى، سنرى ماذا سيحدث
بقصر الجارحي
_كان يتوقف أمام المرآة، يرتدي ساعته، استمع الى طرق خفيف ثم دخول والدته
_عمران... نازل دلوقتي حبيبي
استدار وانحنى يجمع اشيائه
_ايوة ياماما، عندي محاضرة واحدة، هرجع بدري، محتاجة حاجة
اقتربت منه وتوقفت امامه، تتلاعب بزر قميصه
_فيه ضيوف هيجوا بالليل، وعايزاك تبقى موجود
رفع حاجبه
_ضيوف... وأنا، ليه هقدملهم الضيافة
لكزته بخفة ضاحكة
_اسمع الكلام
قبل رأسها، لوح بيده
_باي ياماما، متنسيش تعملي بسبوسة بالقشطة لزوم الضيافة
خطت خلفه، قابلها اسحاق
_مالك يادينا
_ابنك هيجلطني، تخيل بيقولي اعملي بسبوسة بالقشة
قطب جبينه يردد كلماتها
_الواد دا بقى بلدي كدا ليه
صرخت دينا وهي تضرب قدمها بالأرض
_ااااه. قالتهاهبطت للاسفل
وصل حمزة اايه
_مالها دينا، شايطة ليه
التفت لابنه
_اخيرا وصلت ياعريس الغفلة، والله ماعارف ايه البرود اللي عندك دا
_مالك يااسحاق، انت هتحسدني، علشان سافرت كام يوم مع مراتي وابني
هز اسحاق رأسه وغادر المكان
بعد عدة اشهر
ترجلت من سيارتها تتحدث بالهاتف
_خلاص وصلت البيت هشوفه يارولا
_اسيا اختك مش ناوية تجبها لبر، انا مضايقة منها اوي، يعني ايه تلبس اللي هي عايزاه، دا مش فستان فرح، دا قميص نوم
_خلاص يابنتي
دلفت الى منزلها، قابلتها والدتها
_سدن فين ياماما
فوق حبيبتي
صعدت سريعًا قبل أن تكمل والدتها الحديث
بداخل غرفتها، قبل قليل اطبق على ذراعها بقوة
_يبقى البسيه وشوفي هعمل فيكي ايه
دفعته صارخة
_هتعمل ايه يعني، ايه، قولي هتعمل ايه
ولا حاجة
اقتربت منه حتى تلامست انفاسهما
_قدامك حلين يااسر، هتختار واحد، الاول انت عارفه، التاني ماتدخلش في حياتي
انت خطبتني انت عارف لبسي ازاي
سحبها من خصلاتها يقربها إليه، يهمس
_وأنا عرفتك نظامي وقبلتي بيه
دفعت اسيا الباب وهي تصيح باسمها، فجأة توقفت على ذلك المشهد
_آسفة، فكرت سدن لوحدها
_اووووه، اخت العروسة حضرت، عايز ازعرط بس مبعرفش
لم ترد عليه، نظرت الى اختها
_لما تخلصي تعالي لي عايزة اتكلم معاكي
_أيوة صح لازم تروحك علشان تاخد نصايحك
_سدن... هستناكي في اوضتي
قالتها وخرجت
استدارت إلى آسر
_خلاص يااسر، هلبس الفستان، كدا كويس، ممكن تسبني علشان اجهز للحنة
اقترب منها وحاوط وجهها بين راحتيه
_سدن متزعليش مني، مينفعش تلبسي فستان اقل مايقال عنه قميص نوم
_ليه بتحسسني انك غيران يااسر
ابتسم على كلماتها
_مش هرد عليكي
_لا.. رد، عايزك ترد
انحنى وطبع قلبة فوق رأسها ثم تركها ورحل
تراجعت تجلس فوق فراشها
_مااشوف اخرتها معاك ايه يابن خالي
بعد عدة ساعات
تزين المنزل بأكمله بسلاسل الأضواء الذهبية والملونة.. وعلى بوابة الفيلا عُلقت لافتة كبيرة مزينة بالورود البيضاء والوردية، كُتب عليها بخط أنيق:
اسم العروس
بالحديقة، جلس الشباب، وتعالت ضحكاتهم مع صوت الأغاني الشعبية ا
أما داخل منزل كريم، فقد تحوّل المكان إلى عالمٍ آخر... رائحة البخور امتزجت بعطر الورود، وأصوات الفتيات تتعالى بالضحكات والزغاريد،
في الطابق العلوي...
وقفت آسيا أمام المرآة، ترتدي فستانًا بسيطًا بلونٍ هادئ، تضع أحمر الشفاه ببطء شديد، وكأنها تؤجل مواجهة نفسها أكثر مما تتزين للحفل. كانت ملامحها جميلة... لكن عينيها حملتا وجعًا لا تخفيه أي مساحيق.
دلفت رولا إلى الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها.
توقفت للحظات تراقبها في صمت... ثم ابتسمت وقالت:
_هتحطي حنّة مع أختك ولا لأ؟
أبقت آسيا نظرها معلقًا بالمرآة وهي تمرر أحمر الشفاه للمرة الأخيرة، ثم أغلقت العبوة وقالت بهدوء:
_هشوف.
اقتربت خطوة تلو الأخرى حتى أصبحت خلفها مباشرة.
انعكس وجهها في المرآة بجوار وجه آسيا، وقالت بصوتٍ منخفض، لكنه كان يحمل من الجدية ما جعل قلب آسيا ينقبض:
_آسيا... عايزة أسألك سؤال.
التقت أعينهما في المرآة.
أردفت رولا:
_ولو فعلًا بتحبيني... وبتعتبريني أختك... جاوبيني بصراحة.
ابتلعت آسيا ريقها بصعوبة، بينما شعرت أن أنفاسها بدأت تضيق دون أن تعرف السبب.
همست رولا، وهي تحدق في عينيها مباشرة:
_إنتِ بتحبي أسر...؟
ساد الصمت...
صمتٌ ثقيل حتى إن أصوات الزغاريد القادمة من الأسفل بدت بعيدة للغاية.
ثم أكملت رولا، ونبرة صوتها ازدادت ارتجافًا:
_...ولا أسر هو اللي بيحبك؟
تجمدت يد آسيا فوق منضدة الزينة.
حتى شعرت باختفاء كل الأصوات من حولها
بالخارج
توقفت على سؤال رولا لأسيا، وكاد قلبها يتوقف من النبض، تدعو الله أن ماتشعر به غير صحيح
بالحديقة
توقف يوسف يتحدث مع مالك
_بسيطة، هعرف اتصرف، بس قولي مين
_هقولك ياعمو بس مش دلوقتي
ربت مالك على كتفه
_اي حاجة محتاجها، أنا في الخدمة يادكتور
_تسلملي ياعمو يارب، عايز اطلب منك طلب
_بابا وعمو ارسلان مايعرفوش حاجة من اللي طلبتها
_ليه
_من غير ليه لو سمحت
اومأ بتفهم ثم قال
_عايز الموضوع دا يتم امتى
_بعد يومين
_بعد يومين اللي هو يوم الفرح
اومأ له وهو يراقبه
_مين دي يايوسف
_هتعرف بس مش دلوقتي
بعد قليل
دلف يبحث عن زوجته، رأته ضي، فاقتربت منه
_يوسف جي هنا ليه، دا حفل حريمي
_حبيبتي عايز ابارك للعروسة
_تبارك للعروسة... انت بتهزر
_يلا ياقلبي، ناديها
طالعته بذهول
_بتتكلم بجد
_ضي.. يلا، لازم حد
_عندي مستشفى
تحركت ضي دون تعليق، بعد دقائق وصلت سدن وهي ترتدي ساري باللون الأحمر
_اهلا يادكتور
_مبروك ياسدن... نظر الى ضي
_قولي لرولا تكلم بلال عايزها ضروري
نظرت اليهم... ثم تحركت وهي تتمتم
_نهارك مش فايت يايوسف، لو بتخطط من وراي لحاجة
_قبل أي حاجة، عايزك تسمعي دا، وبالنسبة للي طلبتي اعتبريه اتنفذ
ابتسمت بسعادة
_شكرا يايوسف، كنت متأكدة اني لجأت للشخص الصح
_ايوة بقى لجأتي له في ايه ياعروسة
التفتت منتفضة على كلمات الآخر
الفصل 81
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
إن كان للحب وطن... فقد ضلَّ الطريق إلينا.
وإن كانت القلوب خُلقت لتلتقي... فلِمَ كُتب على قلبين أن يظلا متقابلين... ولا يصل أحدهما إلى الآخر؟
ثمة أرواح لا ينهيها الفراق... بل يتركها معلقة بين الرجاء واليأس. تخشى الاقتراب فتُحرقها الحقيقة، وتخشى الابتعاد فيقتلها الحنين.
هو أقسم أن يدفنها في أعماقه... لكن اسمها كان ينهض مع كل نبضة، كأن قلبه يتمرد عليه كلما حاول نسيانها.
وهي كانت تمضي مبتعدة... بينما روحها، بكل ضعفها، تعود إليه في كل مرة. لم تعد تعرف... هل النجاة في الهرب منه، أم أن الهلاك الحقيقي هو أن تعيش يومًا واحدًا من دونه.
ما أقسى أن ترى من تحب أمامك... ولا يكون لك. وما أمرّ أن يكون ملاذك الوحيد... بينما صار وجودك فيه محرَّمًا.
وربما كان أصعب ما في الحكاية... أن يظل القلب وفيًّا لمن اختاره، حتى حين يحاول العقل إقناعه بالرحيل.
قبل عدَّة أشهر، وتحديدًا في يوم محاكمة آسر...
في منزل إلياس، كان يجلس داخل مكتبه، وعيناه معلَّقتان بالهاتف، فكلُّ ثانية تمرُّ كانت تحرق أعصابه أكثر.
كان ينتظر اتِّصال مالك...اتِّصالًا يخبره أنَّ كل شيءٍ انتهى، وأنَّ معتز وقع أخيرًا في قبضة العدالة.
فجأة، صدح رنين الهاتف..
أجاب بلهفة:
_ أيوة يا مالك...طمِّني.
جاءه صوت مالك متردِّدًا:
_ للأسف يا إلياس...معتز مش موجود في أي مكان من الأماكن اللي كنَّا مراقبينها.
ساد الصمت لثانية...وأنفاس إلياس بالارتفاع ينتظر تكملة حديث مالك، تحدَّث مالك:
_الشرطة ما لقتوش.
انفجر إلياس كبركانٍ ثائر:
_ إنتَ بتقول إيه؟!
نهض من مقعده بعنف حتى ارتطم الكرسي بالأرض خلفه..
_ هموِّتك...سامعني؟ هموِّتك! أنا قولتلك عينك ما تفارقوش؟ إزاي يهرب من تحت إيديك؟!
ردَّ مالك مرتبكًا:
_ أعمل إيه يا إلياس؟! الفريق كان مراقبه من أوَّل ما خرجت من عنده ... والله ما أعرف إزاي اختفى!
ضرب إلياس بقبضته سطح المكتب حتى اهتزَّ ما عليه:
_ إنتَ فاشل يا مالك...فاشل.
ثم أغلق الهاتف بعنف، وألقاه فوق المكتب.
وقف مكانه يلهث، وصدره يعلو ويهبط بقوة، وكأنَّ الغضب يسحق أنفاسه.
مرَّر يده في شعره بعصبية، ثم أغلق عينيه للحظة، لكنَّه لم يستطع السيطرة على النار المشتعلة داخله.
بعد لحظات، التقط هاتفه مرَّةً أخرى واتَّصل بأرسلان:
_ أرسلان...إنتَ فين؟
_ عند إسحاق...فيه حاجة؟
أغمض إلياس عينيه، ثم قال:
_ معتز هرب من مالك.
_ نعم... إنتَ بتستهبل يا إلياس، يعني إيه هرب؟!
_ أرسلان...
قاطعه الآخر بعصبية:
_ بلا أرسلان بلا زفت! شوف فشلك إنتَ وفريقك يا حضرة الظابط، أنا زهقت منك ومن الفريق الفاشل ده.
تنهَّد إلياس بألم، لكنَّه لم ينطق.
أمَّا أرسلان فتابع بصوتٍ يشتعل غضبًا:
_ من زمان وأنا بقولَّك الفريق ده محتاج يتغيَّر، ومحدش بيسمع، اشرب بقى...هنعمل إيه أكتر من اللي عملناه؟!
قالها وأغلق الهاتف.
أطبق أصابعه حول الهاتف بقوَّة حتى ابيضَّت مفاصله، بينما كانت عيناه تشتعلانِ غضبًا وقهرًا.
بمنزل يزن...
عاد آسر إلى المنزل بعد أيامٍ ثقيلة بين جدران المستشفى..كانت رحيل وإيمان تقفان أمام الباب تنتظرانه.
توقَّفت السيارة أمام المنزل..
ترجَّل يزن أولًا، ثم نزلت سدن، بينما بقي آسر في مكانه لثوانٍ، يلتقط أنفاسه بصعوبة.
أسرعت رحيل إليه، وفتحت باب السيارة بجواره، ثم مدَّت يدها إليه بحنانٍ:
_حمد الله على السلامة يا حبيبي.
رفع عينيه إليها، ورغم الألم الذي ينهش جسده، ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه:
_الله يسلِّمك يا ماما.
في تلك اللحظة، وصلت سيارة بلال ويوسف، ترجَّلا منها سريعًا.
أمسك يزن بذراع آسر من جهة، بينما ساندته والدته من الجهة الأخرى، ليتحرَّك بخطواتٍ بطيئة نحو الداخل، واضعًا كفَّه فوق موضع إصابته.
وما إن عبر عتبة المنزل حتى توقَّفت خطواته.
كانت آسيا تقف في منتصف الردهة، تحمل فنجان قهوتها بين يديها.
رفعت رأسها نحوه، ورفع هو عينيه إليها.
صمتٌ طويل مرَّ بينهما في ثوانٍ قليلة...
صمتٌ يحمل خوفها عليه، وعتابه عليها، وغضبه منها، ولهفته إليها.
كانت نظراتها تسأله:
_لماذا فعلت هذا بنفسك، لماذا ألقيت نفسك أمام الرصاص؟
أمَّا عيناه فكانت تجيبها:
_لأنَّكِ أنتِ...ولأنَّني لا أستطيع رؤيتك تتألَّمين رغم مافعلتيه بي
لكن شيئًا من هذا لم يُقال.
خفضت آسيا عينيها أوَّلًا، وسحبت نظراتها منه وكأنَّها تخشى أن يقرأ كل ما بداخلها.
ثم قالت بصوتٍ حاولت أن تجعله عاديًا:
_ألف سلامة...حمد الله على سلامتك.
أومأ برأسه فقط..
كان يراقبها بصمت، كأنَّ عينيه ترفضان تركها، كيف لم تذهب لزيارته طيلة هذه الأيام..حتى لم تسأل عنه؟!.
أمَّا هي فتحرَّكت من أمامه سريعًا، وقالت ببرودٍ متعمَّد:
_ماما...هروح شغلي بقى، مدام اطمنَّا على المريض.
ابتسمت رحيل بخفَّة:
_تمام يا حبيبتي.
اقتربت سدن من شقيقتها وقالت:
_ما تاخديني معاكي؟ زهقانة، وأهو أتعرَّف على أصحابك في الشغل.
هزَّت آسيا رأسها نفيًا، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ وعيناها على تحرُّك آسر:
_مينفعش...خطيبك لسه راجع من المستشفى، خلِّيكي معاه، ويوم تاني ابقي تعالي، فيه مشروع بيتبني هناك.
وقبل أن ترد سدن، قطع صوتهما صوت آسر:
_سدن...
التفتت إليه فورًا.
استدار بصعوبة، وهو يستند إلى يوسف وبلال..نظر إليها ثم قال:
_تعالي...ساعديني، وخلِّي أختك تشوف شغلها.
ربتت آسيا على كتف شقيقتها برفق:
_سلام يا حبيبتي..
ثم اتَّجهت للخارج.
أمَّا سدن، فاكتفت بنظرة سريعة إليه ثم اقتربت منه تساعده.. ولكنه اشار اليها
_اانا هعرف اتعامل
بعد قليل...
كان يتمدَّد فوق فراشه، بينما يجلس يوسف بجواره يفحص الجرح بعناية.
رفع القميص قليلًا، ثم قال بجديَّة:
_حاول متعملش حركة كتير...الجرح في مكان صعب، وإحنا مش عايزينه يفتح.
تنهَّد آسر ببطء، ثم أسند رأسه إلى الوسادة:
_خلاص يا أخويا..هتعمل عليَّ دكتور.
أغلق يوسف الحقيبة الطبيَّة، ثم نظر إليه مليًا:
_أنا بتكلِّم جد يا آسر...يومين كمان وتقوم براحتك، لكن لو استهترت هترجع المستشفى تاني.
ابتسم آسر ابتسامة ضعيفة:
_اطَّمن...مش ناقصني ريحة المستشفيات.
ضحك بلال بخفَّة، بينما نظرت إليه سدن بحزن.
أمَّا رحيل، فجلست إلى جوار ابنها، ومرَّرت أصابعها بين خصلات شعره كما كانت تفعل وهو صغير..
ثم همست بصوتٍ اختنق بالدموع:
_الحمد لله حبيبي إنَّك رجعت بالسلامة.
رفع آسر يده بصعوبة، وأمسك بكفِّها،
ثم قبَّله برفق:
_أنا بخير يا ماما... متعيطيش.
لكن الحقيقة...
أنَّه لم يكن بخير.
فألمه لم يكن في الجرح الذي أصاب جسده...
بل في تلك التي غادرت منذ قليل، وتركت قلبه ينزف بصمت.
نهضت رحيل عن مقعدها، ومسحت دموعها سريعًا حتى لا يراها، فكلَّما تذكَّرت أنَّ ابنها نجا من الموت بأعجوبة، ينزف قلبها دمًا، نظرت لوجه ابنها ثم قالت بحنان:
_هعملك شوية شوربة...تاكلها وترتاح.
رفع آسر عينيه إليها، بوجهِ شاحب وابتسم ابتسامة باهتة:
_ماما...مش جعان.
لكنَّها لم تنتظر ردَّه، وكأنَّ قلب الأم لا يقتنع بكلماته فخرجت وتبعتها سدن.
جلس يوسف بجوار الفراش..بينما خرج بلال إلى الشرفة وهو يجيب على هاتفه.
تأمَّل يوسف وجه آسر طويلًا، ثم سأله بصوتٍ هادئ:
_حاسس بإيه دلوقتي، كويس؟
أغمض آسر عينيه للحظات، ثم هزَّ رأسه ببطء:
_أيوة...الحمد لله.
تنهَّد يوسف، ثم سأله:
_قولِّي...انضربت بالنار إزاي؟
تجمَّدت ملامح آسر للحظات، حتى ذهب بذاكرته إلى تلك الليلة..
حين رأى الرجل الذي رفع سلاحه وصوَّبه نحوها..لم يفكِّر..لم يتردَّد.
كل ما شعر به وقتها أنَّ الرصاصة لا يجب أن تصل إليها..فاندفع بجسده أمامها...
ثم...ألمٌ حارق شقَّ صدره، وصوت الرصاصة مزَّق كلَّ شيء.
انتفض من ذكرياته على صوت يوسف:
_آسر!
تطلَّع إليه فتساءل يوسف:
_رحت فين، ما بتردش ليه؟
ابتلع غصَّة مؤلمة، ثم هزَّ كتفيه بإنهاك:
_أرد أقول إيه؟
عقد يوسف حاجبيه..فقال آسر:
_ما إنتَ عارف الموضوع...بتسأل ليه؟
انحنى يوسف للأمام، وأسند ذراعيه على الفراش، ثم ثبَّت عيناه داخل عيني آسر مباشرة:
_لا...أنا معرفش حاجة.
رفع آسر رأسه إليه باستغراب:
_مالك يا يوسف؟
ظلَّ يوسف يحدِّق به لثوان، وكأنَّه يبحث عن إجابة بين ملامحه، ثم قال ببطء:
_آسر...إنتَ ليه خطبت سدن فجأة؟
كأنَّ السؤال كان رصاصة أخرى.
ارتجف جسده ارتجافة خفيفة، وانقبضت أصابعه فوق الغطاء، بينما تاهت عيناه لثانية واحدة قبل أن يعيد النظر إليه.
_مش...مش فاهم قصدك.
حاول أن يبدو طبيعيًا، فسأل بنبرةٍ متعجِّلة:
_إيه لزوم سؤال أهبل زي ده؟
إنتَ عارف أنا خطبتها لمَّا اكتشفت إنِّي بحبَّها، في تلك اللحظة عاد بلال إلى الغرفة، وتوقف مكانه على كلمات آسر.
تبادل نظراتٍ سريعة بينهما، ثم سأل بقلق:
_فيه إيه؟
لكن يوسف لم يرفع عينيه عن آسر، وقال بصوتٍ منخفض، يحمل من الشكِّ أكثر ممَّا يحمل من الكلمات:
_فيه حاجات كتير...وأنا عايز أفهمها.
اقترب بلال حين علم بما يلمِّح به يوسف:
_آسر..يوسف عايز يتأكد إنَّك خطبت سدن علشان بتحبَّها.
أفلت آسر ضحكة:
_ودي أثبتها إزاي يا دكاترة؟.
تقدَّم يوسف خطوة أخرى:
_يعني...بتحبَّها؟
زفر آسر بضيق وأغمض عينيه:
_أنا تعبان...وعايز أنام.
لكن يوسف لم يتراجع فتساءل وعينيه عليه:
_طب...وآسيا يا متر؟
كانت الكلمة كصفعةٍ مدوية.
انتفض جسده بعنف، واتَّسعت عيناه، بينما تسارع نَفَسه فجأة.
ارتبك وهو يهمس:
_مالها...آسيا؟
اقترب يوسف حتى أصبح أمام وجهه مباشرة، ثم قال ببطء، وكأنَّه ينطق بحكمٍ يعرف أنَّه سيؤلمه:
_مش بتحبَّها؟
رفع آسر عينيه إليه، وبدت الصدمة واضحة في ملامحه:
_إيه اللي بتقوله ده!!..إنت اتجنِّنت؟!.
قاطعه بلال، وصوته يحمل شفقة موجعة:
_لأ يا آسر...للأسف يوسف بيقول الحقيقة.
ساد صمتٌ ثقيل...خانق، سوى من ارتفاع أنفاس آسر، وهو
يحدِّق بهما، ثم ابتلع ريقه بصعوبة، بدأت أنفاسه تضطرب:
_إنتوا...إنتوا بتقولوا إيه؟
قالها بصوتٍ مكسور، وكأنَّه يخشى الإجابة قبل أن يسمعها.
اقترب يوسف أكثر، وعيناه لم تتركا وجهه:
_ لمَّا فوقت...أوَّل اسم نطقت بيه كان "آسيا".
تنفَّس آسر باضطراب:
_ده...ده عادي..علشان كانت موجودة مع رولا.
هزَّ يوسف رأسه ببطء:
_لا...مش عادي.
وتابع بنبرةٍ هادئة، لكنَّها أصابت قلبه في مقتل:
_ولمَّا سألتك عن سدن، ارتبكت...لكن أوَّل ما جبت سيرة آسيا، شكلك اتغيَّر، ونظرة عينيك اتبدِّلت، وكأن حد ضغط على قلبك بإيده.
شحب وجه آسر.
أمَّا بلال فقال بصوتٍ خافت:
_إحنا أصحابك يا آسر...وخايفين عليك تغلط، إزاي تعمل كدا، ريَّحنا، إنت بتحبَّها؟.
تراجع آسر بجسده حتى استند إلى الوسادة، ثم همس:
_لا...
صمت لحظة، ثم كرَّرها بصوتٍ أوهن:
_لا...مستحيل.
اقترب يوسف أكثر، حتى جلس على طرف الفراش وقال:
_بالعكس...هوَّ ده اللي حاصل.
ارتفعت أنفاس آسر، وبدأت عيناه تتجوَّل عليهما:
_مش عايز أسمع منكم حاجة تاني.
اتَّجه بلال للجانب الآخر:
_آسر...من حقَّك تتجوز اللي بتحبَّها إحنا مش مختلفين معاك، حتى لو بتحبِّ آسيا وفيه أسباب تخليك تتجوِّز غيرها، بس مش أختها، إنتَ كدا ماشي في طريق غلط.
أوقف يوسف بلال بكفَّيه:
_أكيد مش غبي، علشان يحب واحدة ويتجوِّز أختها، وخاصةً لو كانت بنت عمِّته.
ابتعد آسر بنظراته عنهما فتابع يوسف:
_أنا عارف إنَّك مستحيل تعمل كدا، علشان إنتَ ابن يزن الشافعي، اللي مستحيل يغلط غلط دني زي دا.
_إنتَ عايز إيه يا يوسف، أنا تعبان وعايز أنام..
_تقولِّي الحقيقة.
رفع بصره إليهما، ثم همس بصوتٍ مرتجف:
_أنا...بحبِّ آسيا، أو تقدر تقول كنت بحبَّها، بس دلوقتي لأ.
شهق يوسف ورفع عيناه سريعًا إلى بلال الذي هزَّ رأسه معترضًا:
_أكيد إنتَ واحد مجنون.
_أيوة...مجنون، مالكش دعوة.
حدَّق يوسف فيه لثوانٍ، ثم قال بصوتٍ خرج مضغوطًا من شدَّة غضبه:
_ لا، ليَّا دعوة يا آسر...اللي بتعمله غلط، بتقهر واحدة وبتضحك على التانية، ذنبهم إيه الاتنين؟
رفع آسر عينيه إليه ببطء، وقد احمرَّتا من قهر قلبه والألم الذي يتغلغل بروحه:
_يوسف...لو سمحت، مش ناقص.
لكن يوسف زفر بقوة، بينما اقترب بلال وقال بصدمة:
_ إنتَ بتحبِّ آسيا...ليه عايز تخطب أختها؟ دي أختها يا بني! وبعدين إنتَ بنفسك قولتلي إنك ميَّال لآسيا، وعلَّقت البنت بيك...ليه تعمل كده؟
ارتسمت على شفتي آسر ابتسامة ساخرة موجوعة:
_علَّقتها بيَّا؟
كرَّرها وكأنَّها نكتة سمجة، ثم ضحك ضحكة قصيرة خالية من الفرح:
_لا يا دكتور...دي هيَّ اللي علَّقتني بيها. وفي الآخر داست عليَّا كأنِّي ولا حاجة.
اشتدَّت نبرته فجأة:
_البنت دي كسرتني...فاهم؟! خلِّتني أحس إنِّي مجرَّد كوبري تعدِّي عليه وتوصل للي هيَّ عايزاه..داست على كرامتي ورجولتي.
ابتلع غصَّة مريرة، وأكمل بصوتٍ مبحوح:
_لو آسيا آخر ست في الدنيا...مش هتجوِّزها، ولو هفضل طول عمري من غير جواز.
شهق بلال غير مستوعب ما يسمعه:
_إيه اللي بتقوله ده يا آسر؟!.
إنتَ مستوعب اللي بتقوله، إنتَ بدمَّر نفسك واتنين معاك.
أشار بيده بعنف:
_راضي...ومتخافش عليها...الموضوع كان لعبة، يعني مش حبِّتها أوي، عادي، وخلاص أنا قرَّرت أتجوز سدن، ومحدش له دعوة.
_كدَّاب إنتَ لسة بتحبَّها، ومش بتحبَّها بس هتتجنِّن وهتموت عليها، مكنتش شايف نفسك بعد ما فوقت وإنتَ هتتجنِّن وتشوفها، دا يا أخي روحت دخَّنت بعد العملية بيومين، فيه حد عاقل يعمل كدا، ودا ليه علشان سمعت طنط إيمان بتقول إنَّها سافرت شغل مع نور...قالها بلال وهو يعقد ذراعيه فوق صدره يراقبه.
تقدَّم يوسف نحوه، وعيناه تشتعلان:
_أنا مش هسألك عملت فيك إيه، دي حياتكم الخاصَّة...لكن بلاش خطوة أختها، معاك متتجوزش واحدة جرحتك، لكن متنتقمش منها في أختها.
أغمض آسر عينيه بإرهاق، وكأنَّ رأسه لم يعد يحتمل:
_يوسف...أنا تعبان، وخلاص، دي حياتي..هتجوز سدن، وممكن تسيبني أرتاح؟
لكن يوسف لم يرحمه، وأطبق على كتفه المصاب بغضب:
_أسيبك ترتاح بعد اللي عرفته، تحبِّ واحدة وتتجوز أختها؟ دي عمايل واحد غبي ومجنون!
تأوَّه آسر من الألم، ودفع يده بعيدًا عنه:
_ابعد كده...وإنتَ كمان بتسمع كلام المتخلِّف اللي جنبك.
رمقه بلال باشمئزاز:
_مش هرد عليك...لأن يوسف سمعك أوَّل ما فوقت، وسألها، وقالت إنَّك وقفت قدَّامها علشان تفديها.
رفع يوسف رأسه ينظر لعينيه، رغم نظرات الألم التي تصرخ به عيني آسر إلَّا أنَّ يوسف قال:
_آسر إنتَ بتغلط، أقلّ حاجة هتبقى خاين...خاين يا آسر.
تجمَّدت ملامح آسر للحظة:
_خاين...كلمة واحدة فقط ضربت شيئًا داخله.
هو لم يخن أحدًا...هو فقط رجل انكسرت كرامته.
رجلٌ أحبَّ بصدق، ثم استيقظ ليجد نفسه أضحوكة..لم يرد بل أبعد يد يوسف عنه، وتمدَّد ببطء على الفراش.
مسح يوسف على وجهه بعنف وهو يدور بالغرفة:
_الجوازة دي مستحيل تتم...سمعتني ولَّا لأ؟
رفع آسر رأسه ببطء، ونظر إليهما بعينينِ باردتينِ تخفيان خلفهما جحيمًا:
_اطلعوا برَّة...مش عايز أشوف حد فيكم.
وصل إليه يوسف في خطوةٍ واحدة:
_اسمعني يا ابن خالي، عشان مش هعيد كلامي..إنتَ دلوقتي بتتكلِّم بوجع كرامتك، لكن بعدين هتندم. هتكتشف إنَّك ظلمت بنت ملهاش ذنب...وإنَّك خنت حبَّك بإيدك.
ابتسم آسر بسخرية موجوعة:
_حب؟...يا بني الموضوع انتهى.
_متأكِّد يا بن خالي؟.
_أيوة...وهتجوز سدن، يا ريت تقتنعوا بكدا.
في تلك اللحظة انفتح الباب، ودلف يزن.
توقَّف مكانه وهو ينظر إليهم:
_مالكوا، صوتكم عالي ليه؟
ابتعد يوسف عن آسر، بينما نظر يزن إلى ابنه بقلق:
_إنتَ كويس يا ابني؟
_كويس يا بابا...بس خد الدكاترة دي، أنا تعبان وعايز أرتاح.
ثم رفع عينيه إليه وقال ببرودٍ متعمَّد:
وبما إن القضية انتهت...أنا شايف نتمِّم الجواز، ليه نستنى؟ كلِّم عمُّو كريم.
اتَّسعت عينا بلال بصدمة:
إنتَ بتقول إيه؟!.
لكن آسر لم ينظر إليه.
ابتسم بلال وقال:
_وماله يا أخويا؟ وليه نستنى لمَّا تخف؟ قول لأبوك يبعت يجيب المأذون.
دارت نظرات يزن بينهم باستغراب:
_هوَّ في إيه بالظبط؟
صاح يوسف، وقد انفجر غضبه:
فيه إنِّ ابنك محتاج يتربَّى يا خالو... وياريتك تلحق تربِّيه قبل ما يضيَّع حياته.
_يعني إيه يا يوسف؟.
أجابه آسر سريعًا:
_مش عاجبهم يا بابا، إنِّي آخد حقِّي بإيدي.
مسَّد يزن على رأس ابنه:
_خايفين عليك يا حبيبي.
خرج يوسف من الغرفة بخطواتٍ سريعة، وملامحه مشدودة بالغضب، حتى أنَّه كاد يصطدم بسدن الواقفة أمام الباب.
تجمَّد في مكانه لثانية.
كانت تقف بابتسامتها الهادئة، بريئة كالأطفال، تحمل في عينيها دفئًا غريبًا، لكنَّها سرعان ما تلاشت حين رأت نظراته المربكة.
فقالت باستغراب:
_فيه حاجة يا دكتور؟
انتبه لنفسه، وهزَّ رأسه سريعًا:
_لا...مفيش.
قالها ثم تجاوزها وغادر.
وقفت تتابع رحيله بعينيها، التفتت على صوت رحيل خلفها:
_واقفة ليه كده يا حبيبتي؟
التفتت إليها وقالت:
_كنت داخلة أشوف آسر، بس لقيت دكتور يوسف وبلال عنده.
اقتربت منها رحيل وهي تحمل كوبًا من العصير:
_خدي ده لآسر، بما إن يوسف مشي، شوية وبلال كمان هيمشي، رولا لسه مكلِّماني وبتسأل عليه.
نظرت سدن إلى الكوب، ثم إلى رحيل:
_هوَّ ليه حضرتك اللي بتعملي الحاجات دي يا طنط، مش المفروض الشغَّالين؟
ابتسمت رحيل، وكأنَّ السؤال أعادها سنواتٍ إلى الوراء:
_فكَّرتيني بنفسي أوَّل ما عرفت خالك.
وارتسمت على وجهها ابتسامة حزينة:
_لو بتحبِّي آسر يا سدن...امشي معاه زي ما هوَّ عايز، هتشوفي إزاي هيشيلك جوَّه قلبه وروحه.
اقتربت سدن منها قليلًا:
_هوَّ الحب يعني أعملُّه ياكل ويشرب؟
صمتت لحظة، ثم أكملت بهدوء:
_ماما بتحبِّ بابا جدًّا...ومع ذلك عمرها ما وقفت في المطبخ طول الوقت، بالعكس، عندها شغلها وحياتها، وبابا دايمًا بيشجَّعها..عمره ما طلب منها تسيب نفسها علشانه.
تأمَّلت رحيل ملامحها للحظات.
أخذت من يدها كوب العصير مرَّةً أخرى:
_طيب...ودِّي العصير قبل ما يبرد، وبعدها نتكلِّم..شكلك يا بنت إيمان... مش هتعمَّري مع ابني.
قالتها بابتسامة حاولت أن تجعلها عادية، ثم دخلت الغرفة.
أمَّا سدن، فبقيت واقفة مكانها، تنظر إلى الباب المغلق.
وهمست بصوتٍ بالكاد سمعته هي:
_شكلي اتسرَّعت يا طنط...ابنك عايز واحدة تبقى شغَّالة في حياته، زي أي راجل شرقي شايف إنِّ البنت ما لهاش دور غير إنَّها ترضي جوزها.
في تلك اللحظة خرج يزن من الداخل، وخلفه بلال.
توقَّف عندما رآها:
_واقفة كده ليه يا حبيبتي؟
رفعت عينيها إليه:
_كنت جاية أشوف آسر.
ثم التفتت إلى بلال:
_رولا كانت بتسأل عليك.
أومأ برأسه:
_أنا رايح لها...سلام يا عمُّو..وآه، متخليش آسر يتحرَّك كتير أو يعمل مجهود، ابنك دماغه ناشفة.
ربت يزن على كتفه:
_متقلقش، أمُّه معاه.
ثم نظر إلى سدن مبتسمًا:
_وسدن كمان هتحرسه...لازم ياخد باله من نفسه علشان يخفِّ بسرعة ونجوِّزهم.
اتَّسعت عيناها:
_جواز؟!
خرجت الكلمة منها كأنَّها صدمة.
قطب يزن حاجبيه:
_أيوة يا حبيبتي...إنتوا إيه اللي مخلِّيكم تستنُّوا لسه؟
كان بلال يراقبها بصمت.
رأى أصابعها وهي تفرك بعضها بعصبية، ونظرتها المرتبكة التي تهرب بها.
لم ترد على يزن ولكنَّها قالت:
_هدخل أشوفه يا خالو...بعد إذنك.
ثم تحرَّكت سريعًا إلى الداخل.
تابعها يزن باستغراب.
أمَّا بلال فتنهَّد:
_عمُّو يزن...بعد إذن حضرتك، بلاش تتسرَّع في جوازهم.
استدار إليه فورًا:
_إنتَ مخبِّي عليَّا حاجة؟
صمت بلال لثوانٍ:
_مش متأكِّد من مشاعر ابنك...ومن رأيي تقعد معاه وتفهم منه.
أمسكه يزن من كتفه:
_بلال...آسر قالَّك حاجة، وليه يوسف كان بيزعَّق؟
رفع بلال عينيه إليه، لكنَّه لم يجد فرصة ليردَّ عليه..
رن هاتفه.
أخرجه من جيبه وقال:
_رولا مستنياني...وهنعدِّي على الدكتور علشان يوسف.
_ماله يوسف؟
ابتسم بلال ضاحكًا:
_مالوش...بس بنتك موسوسة، عايزة الدكتور يطمِّنها إن اللي بيعمله طبيعي.
_بيعمل إيه؟
_كمَّل سنة وعايز ينزل يلعب في الشارع!
انفجر يزن ضاحكًا:
_طيب ما إنتَ غلطان...ما تعملوش نادي يلعب فيه!
رفع بلال حاجبيه:
_أهي...ودي تفوتني؟ أنا أصلًا كلِّمت كام واحد يشتري له نادي أرسنال، علشان يليق بمقام البيه.
قهقه يزن:
_طبعًا...مش ابن الدكتور بلال!
_لا وحياتك...ده ابن بنتك اللي هيفلِّسني قريب، كلِّ شوية عايزة أعمل ليوسف حاجة جديدة، دي بدأت تفكَّر تدخَّله مدرسة إنترناشونال من دلوقتي!
وصلت رحيل على صوت ضحكاتهما:
_خير...ما تضحكونا معاكم؟
أشار إليها بلال:
_لا، ده عمُّو بيقولِّي هيتنازل عن البيت ده لحفيده.
توقَّف يزن عن الضحك فورًا:
_بيت مين يا أخويا؟!
ضحك بلال:
_الله! مش جدُّه، ولَّا جد ببلاش؟
_آه يا أخويا...جد ببلاش! اسحب اسمي من اسمه، اسمي ولَّا اسم أبوك يلا، روح لأبوك خلِّيه هوَّ اللي يدفع!
حكَّ بلال ذقنه متصنِّعًا التفكير:
_تصدَّق...عندك حق، هوَّ أرسلان يتكتب اسمه ببلاش؟ لازم يدفع.
أشار إليه يزن بإعجاب:
_برافو عليك يا جوز بنتي...خد حقَّك كده.
لكزته رحيل في ذراعه:
_إنتَ بتقول إيه إنتَ كمان؟
ثم نظرت إلى بلال بحنان:
_حبيبي...ابن إيه اللي يتكتب له دلوقتي؟ ده الواد لسه بحفَّاضة.
_لا يا طنط...ما اسمحلكيش، ابن بلال بيلبس أغلى الحفَّاضات.
هزَّت رحيل رأسها مبتسمة، وتركتهم على ضحكاتهم...
دقائق قليلة الى أن وصل منزله، توقف بمكانه وهو يراها تقف بمنامتها الناعمة، اقتربت منه
_بقالك ساعتين عند بابا، كنت بات هناك احسن
قالتها وهي تنتزع جاكتيه
كان يراقبها بصمت، استدارت بعدما وضعت الجاكيت على الأريكة
_االعشا جاهز
_ماليش نفس، شبعان، قالها وهو يتحرك للداخل ولكنه توقف على كلماتها
_تعرف انا اتمنيت اني اللي انضربت بالنار مكان اسر، وكنت مت كمان، علشان اريح الكل مني، بدل مفيش حد حاسس بوجعي، حتى حبيبي
استدار اليها سريعًا نظرت اليه بعيناها الباكية
ـ لو إن الانتحار مش حرام... كنت ريحتكم مني.
ما إن خرجت الكلمات من شفتيها حتى شعر وكأن أحدهم غرس خنجرًا في صدره.
رفع عينيه إليها بصدمة، فرأى الانكسار كاملاً في ملامحها... رأى امرأة لم تعد تقوى على حمل وجعها.
وفي لحظة...وصل إليها بخطوة واحدة.
لم يمنحها فرصة للابتعاد، ولا منح نفسه فرصة للتفكير.
سحبها إليه بقوة، حتى كاد يذيب عظامها بين ذراعيه
في البداية ظلت جامدة...ثم انهارت.
انفجرت بالبكاء.. بكاءٌ مرير، تحوّل في ثوانٍ إلى عويلٍ موجوع، كأن كل ما حبسته داخلها لسنوات خرج دفعة واحدة.
تشبثت بقميصه بكل قوتها، وأصابعها ترتجف، بينما كلماتها تتكسر بين شهقاتها.
ـ تعبت... والله تعبت...
أغمض عينيه بقوة، وشعر بقلبه يتمزق مع كل شهقة تخرج منها.
لم يكن يعلم أن إنسانًا يمكن أن يصل إلى هذا القدر من الانهيار.
انحنى سريعًا وحملها بين ذراعيه.
كانت خفيفة...خفيفة بصورة أخافته.
كأن الحزن التهم منها كل شيء.
دلف بها إلى غرفتهما، ثم جلس على الفراش ووضعها برفق، لكنه لم يبتعد.
استدار وجذبها إلى صدره مرة أخرى، حتى أصبحت داخل أحضانه،
لف ذراعيه حولها كأنهما حصنها الأخير.
دفنت وجهها في صدره، وما زالت تبكي بصوت مرتفع، حتى ابتلت ثيابه بدموعها.
مرر يده في شعرها، ثم همس بصوت مبحوح:
ـ خلاص... اهدي... أنا آسف.
لكنها لم تهدأ.بل ازدادت شهقاتها.
فأخذ يطبع قبلة فوق رأسها.
ثم أخرى...وأخرى...
قبلات متتابعة، مرتجفة، كأنه يحاول أن يداوي بها كل ما كسره بداخلها.
ـ حقك عليا... والله حقك عليا.
رفع يده يمسح دموعها، لكن دموعًا جديدة كانت تهبط مكانها.
فشدها إليه أكثر، حتى كادت تسمع دقات قلبه المضطربة.
ـ متقوليش الكلام ده تاني... أوعي تقولي اموت دي تاني، أنا مقدرش... سامعة؟ مقدرش.. رفعت يدها المرتجفة وتشبثت بقميصه أكثر، كالغريق الذي وجد أخيرًا شاطئه.
أما هو...فأغمض عينيه، وأسند خده فوق رأسها، وشعر لأول مرة أن خوفه الحقيقي لم يكن من فقدانها...
بل من أن يصل بها وجعه إلى مرحلة تتمنى فيها الموت.
بعد فترة طويلة، استكانت بين احضانه
_عاملة ايه دلوقتي
_االحمدلله... همست بها، ادارها حتى اصبحت بمقابلته
_ممكن تنسي كل حاجة وتفكري بس في يوسف، وحبيبك
_بلال انا تعبانة اوي، كل مااتخيل ان اخوي كان هيموت بسببي ببقى عايزة اموت نفسي
_اش... اهدي حبيبتي، دا قدر، يعني بيكي من غيرك كان هيحصله كدا
_اانا بقيت خايفة اوي
_لازم تخافي، بعيدة عن جوزك، وممكن عينه تزوغ كدا ولا كدا وترجعي تقولي ياخاين
بمنزل كارما
دلفت للداخل، قابلتها كندا
_خلصت كل حاجة
تجولت بعيناها بالمنزل، وتساقطت دموعها، منذ ان اتت الى هذا المنزل لم تذق طعم الراحة
هل بالفعل كانت السبب في دمار حياة اخرى
_هنروح فين ياكارما
_مش عارفة... كل اللي اعرفه لازم نمشي من هنا، هنشوف فندق لحد مااشوف هعمل ايه
_فندق... وانت معاكي فلوس لكدا
_ربك هيدبرها ياكندا، من امتى وانا بفكر هجيب منين، سبيها على ربنا
_اانا عندي امتحانات، كدا السنة هضيع علي
ضمت وجهها تزيل دموع ابنة عمها
_اسفة حبيبتي، كل دا بسببي، اوعدك من النهاردة كل حاجة هتتغير، ياله زمان التاكسي جه تحت
بقصر الجارحي قبل قليل..
ما إن أنهى أرسلان مكالمته مع إلياس حتى ألقى الهاتف جانبًا، ثم جلس على المقعد يمسح وجهه بكفَّيه بعنف، وارتسم الغضب على ملامحه.
رفع إسحاق حاجبه متسائلًا:
_مالك، فيه إيه؟
رفع أرسلان رأسه، وقال بصوتٍ مشحون:
_معتز هرب...بعد ما النيابة أصدرت أمر بالقبض عليه.
أطلق إسحاق زفرة بطيئة، ثم هزَّ رأسه:
_أممم...الموضوع يضايق فعلًا.
توقَّفت عينا أرسلان عند وجهه، يدقِّق في ملامحه:
_مش غريبة إنَّك مش متفاجئ؟
نفث إسحاق دخان سيجاره بهدوء:
_وهضَّايق ليه؟ الموضوع ما يخصنيش.
انحنى أرسلان للأمام، مثبِّتًا عينيه داخل عينيه.
_مالك ؟
_لا...بس مستغرب. دي مش عوايد إسحاق الجارحي.
ابتسم إسحاق ببرودٍ مصطنع:
_وإنتَ مش كنت ماشي..ما تقوم تروح.
وقبل أن يرد أرسلان، انفتح باب المكتب، دلفت شمس تحمل صغيرها بين ذراعيها.
تبدَّلت ملامح أرسلان بالكامل، وانطفأ غضبه كأنَّه لم يكن.
رفع رأسه إليها، وابتسامة واسعة شقَّت وجهه:
_تعالي يا قلب عمِّك.
اقتربت شمس مبتسمة، فنهض سريعًا من مكانه، ومدَّ ذراعيه نحو الطفل:
_جاي أشوف حفيدي...هوَّ أنا جاي لك إنتَ؟
ضحك بخفَّة:
_لا والله!
تناول تميم منها بحنان، وضمَّه إلى صدره يقبِّله:
_تميم باشا...وحشت جدَّك يا فصعون.
ثم جذب شمس بذراعه الأخرى، وأدخلها إلى حضنه:
_عاملة إيه يا حبيبة عمِّك؟
ابتسمت بحب:
_أنا كويسة الحمد لله..كلُّكم وحشتوني.
قال إسحاق بهدوء:
_روحي معاه يا حبيبتي لو عايزة...كده كده جوزك مش هيرجع غير الخميس.
نظرت إليه شمس بتردُّد:
_يعني حضرتك مش هتزعل؟
نهض إسحاق من مكانه، وربت على كتفها بابتسامةٍ دافئة:
_لا يا بنتي...مش زعلان.
رفع أرسلان ذقنها برفق:
_ليه بتقولي كده؟ هنا زي هناك، قولي لإسحاق وهوَّ عمره ما هيمنعك.
عقد إسحاق حاجبيه متصنِّعًا الضيق:
_كده يا شمس، تشمِّتي فيَّ عمِّك؟
ضحكت شمس برقَّة، وهي تنظر إلى أرسلان:
_لا يا عمُّو...عمُّو أرسلان عسل وما بيحبش يشمت في حد.
قهقه أرسلان بصوتٍ مرتفع، بينما رمقه إسحاق بنظرةٍ غاضبة مصطنعة.
جذبها أرسلان مجدَّدًا إلى صدره، وقبَّل رأسها بحنانٍ أبوي:
_روح عمِّك إنتِ.
هتف إسحاق وهو يشير نحو الباب:
_طب يلَّا يا أخويا...خد بنت أخوك وامشوا من هنا.
ازدادت ضحكات شمس، ثم اقتربت من إسحاق وأمسكت ذراعه بدلال:
_حبيبي إنتَ يا عمُّو إسحاق والله... ومتأكِّدة إنك متفهِّم الموضوع عشان عقلك كبير.
رفع ارسلان حاجبيه بدهشةٍ مصطنعة:
_وأنا عقلي صغير يا بنت إلياس؟
غمز لها إسحاق مردفًا:
_شوفي...قلب عليكي في لحظة!
تعالت ضحكاتهم، حتى أشار أرسلان إلى شمس وهو ما يزال يحمل تميم:
_يلَّا يا حبيبتي...اجهزي، هنمشي.
ابتسمت شمس، ثم مدَّت يديها نحو صغيرها:
_هات تميم علشان النانا تجهِّزه.
ضمَّ أرسلان الطفل إلى صدره أكثر.
ــــــــــــــــــــــ
بمنزل سارة..
كانت صوفيا تقف في منتصف الغرفة، وعيناها تقدحانِ غضبًا وخوفًا في آنٍ واحد:
_ماذا فعلتِ يا سارة!!.كيف تغدرين بأخيكِ؟!.
ارتجفت سارة في مكانها، وهزَّت رأسها بعنف:
_ماما...أنا معملتش حاجة، همَّا كانوا عارفين كلِّ حاجة...حتى عارفين إنُّه اسمه مايكل.
اقتربت منها، وارتفع صوتها بانفعال:
_كيف عرفوا؟.
ابتلعت سارة ريقها بصعوبة:
_فيهم واحد كان شغَّال في جهاز المخابرات...متعرفيش يعني إيه يا ماما؟ الناس دي ما بتسيبش حاجة للظروف، بيعرفوا كلِّ حاجة.
وضعت صوفيا يدها فوق رأسها بيأس، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:
_أنا خايفة عليكِ من معتز...سوف يؤذيكِ سارة.
رفعت عينيها نحو والدتها، وقد شحب وجهها..حين تذكَّرت ما قاله لها حين ذهبت لزيارته.
أكملت صوفيا بقلقٍ أكبر:
_ألم تخشي أن يؤذي نور؟
اتَّسعت عينا سارة فجأة، وكأنَّ الكلمات سقطت فوقها كالصاعقة:
_لا...لا يا ماما.
نهضت من مكانها بعصبية:
_معتز بيحبِّ نور...مستحيل يؤذيه.
ضحكت صوفيا بسخرية موجوعة، ثم أشارت إليها بيدٍ مرتجفة:
_أحقًّا، نسيتِ ماذا فعل بخطيبته؟ نسيتِ كم دمَّر من أرواح؟ لقد دمَّر خطيبته، أين عقلك يا سارة؟
تجمَّدت ملامح سارة، ثم هوت على المقعد خلفها، وكأنَّ ساقيها لم تعودا تحملانها.
بدأ قلبها يخفق بعنف، حتى شعرت بأنَّ أنفاسها تضيق.
همست بصوتٍ مرتعش:
_لا...مش هيؤذيه يا ماما...مش هيعمل كده.
اقتربت صوفيا منها، وجثت أمامها، ثم أمسكت وجهها بين كفَّيها.
كانت الدموع تلمع في عينيها وهي تقول:
_أتمنَّى ذلك ابنتي...أتمنَّى من كلِّ قلبي.
صمتت لثوانٍ، ثم خرجت الكلمات منها مثقلة بالألم:
_لكن أخاكِ...أخاكِ منذ زمن لم يعد ذلك الشاب الذي عرفناه.
انكسرت نبرتها، وانحدرت دمعة على وجنتها:
_معتز...أصبح مجرمًا.
ارتجفت شفتا سارة، وتعلَّقت عيناها بوالدتها في ذعر، بينما تسلَّل الخوف إلى قلبها لأوَّل مرَّة...
ماذا لو كانت أمُّها على حق؟..
وماذا لو كان نور هو الضحية القادمة؟.
بالمنزل الذي استأجرته دارين...
كانت تجلس أمام حاسوبها تتابع عملها، ارتفع رنين هاتفها، فالتقطته:
_مرحبًا.
جاءها صوت امرأة من الجهة الأخرى:
_حضرتك كنتِ حاجزة رحلة إلى الأقصر؟
توقَّفت لثوانٍ، لتعود إليها تلك الرحلة التي خطَّطت لها منذ أسابيع..الرحلة التي قد تقودها إلى الشخص الذي تبحث عنه، بعيدًا عن الأعين التي بدأت تراقبها.
_نعم
_الأتوبيس هيغادر الساعة السادسة صباحًا بعد بكرة.
_أشكرك.
أنهت الاتِّصال وألقت الهاتف بجوارها، ثم أسندت رأسها إلى المقعد وهي تزفر ببطء:
_إزاي أوصل له..هل أقدر أخترق حصونه؟ حتى بيته بقى مستحيل الاقتراب منه...يبدو إنَّ الأمر أصعب ممَّا توقَّعت.
ظلَّت تعبث بهاتفها لدقائق، ثم حسمت أمرها وضغطت على رقمٍ محفوظ:
_أهلًا يا جو.
جاءها صوته هادئًا:
_مرحبًا يا دارين.
_أنا وصلت القاهرة من فترة، أريد رؤيتك..توجد رحلة للأقصر بعد يومين، سأكون سعيدة برؤيتك.
في تلك اللحظة، دخلت ضي تحمل فنجان القهوة الخاص بيوسف..توقَّفت حين سمعت الاسم.
رفع يوسف عينيه إليها، ثم قال بابتسامةٍ خفيفة:
_إيه رأيك نطلع الأقصر كام يوم؟
عقدت حاجبيها:
_مين بيكلِّمك؟
_دارين.
تغيَّرت ملامحها فورًا:
_وهيَّ الزفتة دي بتكلِّمك علشان تعزمك؟ لا...مش رايحين، بجحة..ناقص تعزمنا على بيتنا كمان!
ابتسم ثم ردَّ عبر الهاتف:
_هشوف وأرد عليكِ يا دارين.
أغلق المكالمة دون أن يضيف حرفًا آخر.
مدَّ يده نحو زوجته:
_تعالي هنا.
جذبها برفق حتى جلست فوق ساقيه.
نظر إليها مبتسمًا:
_مش هنكبر بقى يا ضي؟
رفعت عينيها إليه، وقد بدأ الضيق يتسلَّل إلى ملامحها:
_نكبر؟!.يعني أنا عقلي صغير يا يوسف؟
ابتسم وهو يهزُّ رأسه:
_لا، بس...
قاطعته بسرعة:
_أنا ما بحبش البنت دي.
تنهَّد وهو يمرِّر أصابعه بين خصلاتها:
_بس بتحبِّيني..وبتثقي فيَّ، وأنا عايز اللي بينَّا يفضل ثقة، مفيش حاجة تهزَّها.
نظرت إليه طويلًا، ثم همست:
_طيب...وليه ما وثقتش فيَّ لمَّا اشتغلت مع نور؟
تجمَّدت ملامحه:
_إيه اللي بتقوليه ده؟
أكملت بصوتٍ مرتجف:
_وقتها كنت بتغير...صح؟
تنهَّد يوسف بعمق:
_فيه فرق كبير بين الغيرة والثقة يا ضي، لو ما كنتش بثق فيكِ...مكنتيش لسه مراتي لحدِّ دلوقتي؟
سكتت، بينما أكمل:
_أنا غيرت عليكِ...أيوة، لكن عمري ما شكِّيت فيكِ.
ازدادت دموعها لمعانًا:
_وأنا كمان بغير عليك منها...ليه مش بتريَّح قلبي وتبعدها عن حياتنا خالص؟ هيَّ سافرت ورجعت تاني ليه..ليه كلِّ شوية ترجع تظهر؟
خرجت كلماتها الأخيرة مكسورة، ومعها انزلقت دمعة ساخنة فوق وجنتها.
شعر يوسف بوخزة في قلبه.
رفع يديه وأحاط وجهها بين كفَّيه، ثم انحنى يقبِّل دمعتها قبل أن يقبِّل جبينها:
_غيري زي ما أنتِ عايزة...
أغمضت عينيها، ثم دفنت وجهها في صدره:
_متزعلش مني...بس قلبي بيولَّع نار منها، كلِّ ما أتخيل إنَّها كانت قريبة منك في الوقت اللي كنت أنا بعيدة فيه...بحسِّ إنِّي عايزة أدفنها وهيَّ عايشة.
شدَّها إليه بقوة، حتى أصبحت بين ذراعيه بالكامل.
أغمض عينيه هو الآخر، ثم قال بصوتٍ دافئ:
_اسمعيني كويس يا ضي...مفيش حد يقدر يقرَّب منِّي.
رفعت رأسها لتنظر إليه.
فابتسم وأكمل:
_مش لأنِّك بتغيري...ولا لأنِّي ملكك وبس...لكن لأن قلبي اختارك إنتِ.
وضع يده فوق صدره:
_النبضة دي...ما بتدُّقش غير ليكِ، وطالما قلبي فيه نفس...عمره ما هيعرف يحبِّ واحدة غيرك..ولا عيني يملاها غيرك.
ارتجفت شفتاها وهي تنظر إليه.
فمال نحوها وهمس:
_الموضوع عايز توضيح، ولازم نوضَّحه حبيبتي، وأنا مبحبش الكلام الكتير.
بالمكان الذي يستقرُّ به معتز...
جلس على كرسيه الجلدي الفخم، يداعب بأصابعه ذراع المقعد، بينما يقف الرجل أمامه يروي ما حدث بالمحاكمة بالتفصيل.
رفع معتز رأسه ببطء، وعيناه تضيقان بخبث:
_يعني المحامي خرج...وأنا اتورَّطت زي ما شكِّيت؟
أومأ الرجل برأسه:
_بالظبط يا باشا.
نهض معتز في هدوءٍ مخيف، واتَّجه نحو شرفة المنزل، يحدِّق في الظلام الممتد أمامه، ثم قال بصوتٍ غارقٍ في التفكير:
_أنا محتاج بنت...بنت ذكية، تعرف تمثِّل كويس، وتكون ثقة، تنفِّذ اللي أطلبه منها من غير ما تسأل.
اقترب الرجل منه قليلًا:
_أعرف النوع المطلوب.
ظلَّ معتز صامتًا للحظات، ثم تمتم:
_أنا كنت مركِّز على الشخص الغلط... كنت فاكر إنِّ يزن هوَّ اللي بيحرَّك الكل، لكن طلع إلياس هوَّ المخطِّط الحقيقي...والمدبِّر أرسلان، مش يزن.. بس أغبية ميعرفوش إنِّي عملت كل حاجة من غير ماحد ياخد دليل، بس أختي الغبية هيَّ السبب.
سكت قليلًا، لتعود إلى ذهنه كلمات راجح القديمة:
"فلوسك ابني أخدها...روح خدها منه."
تجهَّم وجهه، وتذكَّر صراخه يومها:
_ابنك إيه! إنتَ هتستعبط؟
ضحك راجح ضحكة ساخرة:
"الشركة اللي كنَّا بنهرَّب من خلالها الأدوية...استولى عليها لأنَّها باسم مراته، قتلنا مالك علشان نشتغل براحتنا، وفي الآخر ابني طلع حيوان وأخد كلِّ حاجة."
تذكَّر ردِّه الغاضب:
_أنا ماليش دعوة...فلوسي وفلوس أمِّي كلَّها معاك، اتصرَّف.
ولكن جاءت كلمات راجح كصفعةٍ جديدة:
"روح هاتها منه، أنا قلت له إنِّ لي شريك، قال لو قرَّب منِّي هيقتلك."
أغمض معتز عينيه، لتقتحم ذاكرته كلمات رؤى، هي الأخرى..تلك الكلمات المسمومة التي كانت تقطر كراهية:
"اللي متحكِّم في العيلة دي هوَّ يزن... محدش يقدر ياخد نفس من غير إذنه."
"هوَّ عايش على سرقة حقوق الناس. أخد ميراثي أنا وإخواتي، ورماني في مصحة أمراض عقلية علشان الفلوس."
"ومراته الحرباية عارفة كلِّ حاجة وساكتة."
رغم إنُّه عارف إنِّ بابا متجوز وعنده أولاد، وعارف إنِّ الفلوس من حقُّكم، ومع ذلك رفض يدِّيكم جنيه واحد."
"كان بيقول: ده تعبي...ومحدش له دعوة."
"بابا قبل ما يموت وصَّاه يدِّيك حقَّك... لكنُّه سرق كل شيء."
"وبعد ما مات بابا، دخَّلني أنا وطارق السجن علشان يفضل هوَّ الكسبان الوحيد."
كان صوتها يزداد داخل رأسه:
"إنتَ عارف ليه يزن بيكرهك؟ لأن وجودك لوحده يهدِّد كلِّ اللي سرقه."
"هوَّ شيطان لابس وش إنسان... يبتسم قدَّام الناس، لكن من جوَّاه ما يعرفش غير الطمع."
"أنا متأكِّدة إنُّه قتل بابا..علشان يسيطر على الفلوس وما يسيبش لحدِّ حاجة، وهوَّ عارف فلوسك كلَّها معاه فرح، قال زيادة الخير، ومش بس، عارف الشحنة الأخيرة اللي كنت عاملها مع راجح، راجح فعلًا ما أخدش الفلوس زي ما قالَّك، يزن اللي أخدها، ولمَّا قالُّه دي بتاعتك إنتَ، مراته قالت مش كسبتوها من شركتي، أنا أولى بيها.
"طول عمره بيبني سعادته على خراب غيره...وبيعيش من دم الناس وحقوقهم."
ردَّ معتز وقد اشتعلت نظراته..وهو يقول بصوتٍ منخفضٍ يحمل الكثير من الشر:
_والله لأندِّمه على كلِّ حاجة.
خرج من شروده على صوت الرجل:
_ما قولتش عايز البنت ليه؟.
التفت للرجل خلفه، وعيناه تلمعانِ بخبث:
_تدخَّلها بيت إلياس.
بمنزل إلياس...
كان يجلس في مقعده، ينصت إلى حديث أرسلان باهتمامٍ شديد.
قال أرسلان بقلق:
ـ طيب...إسحاق يعمل كده ليه؟
رفع إلياس عينيه إليه، ثم قال بهدوء يحمل الكثير من المعاني:
ـ مش مهم بيعمل إيه...المهم إنِّنا نعرف نوصل للي وراه من خلال إسحاق.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يزفر إلياس ببطء ويضيف:
ـ لا...انسى معتز خالص، هوَّ كده وقع في إيد اللي ما بيرحمش.
تطلَّع إليه أرسلان فجأة، ثم ضرب جبينه بكفِّه:
ـ إزاي دي فاتتني؟
رمقه إلياس بنظرةٍ ساخرة:
ـ علشان غبي...وشاطر بس تزعَّق لي في التليفون.
زفر أرسلان بضيق:
ـ قصدك يعني إنِّ اللي ساعده في الهرب هوَّ إسحاق؟
هزَّ إلياس رأسه ببطء:
ـ مش بالظبط...بس إسحاق لعب على ذكاء معتز، واحد بقاله سنين بيدوَّر ورانا ومحدش قدر يوقَّعه...يبقى أكيد إسحاق فهم هوَّ ناوي على إيه.
ممكن يكون سهَّل له الطريق من بعيد لبعيد...من جهة دارس تحرُّكات مالك وعارف إمكانياته، ومن جهة تانية عارف معتز هيتصرَّف إزاي.
عقد أرسلان حاجبيه:
ـ يبقى كده إسحاق له شغل مع معتز.
ـ لا...مع اللي ورا معتز.
اعتدل في جلسته وأردف بجدية: _اتأكدلي بس إنِّ إسحاق ورا الموضوع...وبعدها انسحب فورًا، ومتأكِّد إنِّ إسحاق مش هيرحمه.
هزَّ أرسلان رأسه، ثم قال:
ـ سيبك من معتز دلوقتي...البنت رجعت مصر.
ارتفعت عينا إلياس إليه:
ـ وأنا مش عايز البنت دي يا أرسلان... أنا عايز الكلب اللي حاول يقتل ابني.
خرجت الكلمات من بين أسنانه، محمَّلة بغضب يحرق من أمامه.
ردَّ أرسلان بثقة:
ـ اعتبره حصل...بس ادِّيني يومين أخطَّط، عرفنا من مراقبة تليفونها إنَّها عايزة تدخل بيت إسحاق وتصوَّره.
قطب إلياس حاجبيه:
ـ تدخل!!.
ـ دي عند ابنك.
انتفض إلياس:
ـ لا...لا يا أرسلان، ما تدَّخلش الولاد في اللعب ده.
اقترب أرسلان قليلًا وقال:
ـ بالعكس...يوسف يقدر يجرَّها من غير ما تشك.
هتف إلياس بحدَّة:
ـ لا، ابعد الولاد، بقولَّك.
تنهَّد أرسلان:
ـ طيب اسمعني...هيَّ اتَّصلت بيوسف علشان رحلة، فكَّر في الموضوع..
متنساش إنَّها كانت زميلة شغل.
صمت إلياس للحظات، ثم قال:
ـ طيب...هدَّخلها بيت إسحاق إزاي؟
ابتسم أرسلان ابتسامة خفيفة:
ـ ما هي عايزة تقرَّب من يوسف علشان كده.
لكن إلياس هزَّ رأسه نافيًا:
ـ ما أظنِّش يا أرسلان.
نظر إليه أرسلان باستغراب:
ـ ليه متأكِّد كده؟
تبدَّلت ملامح إلياس،
ثم قال بصوتٍ منخفض:
ـ فاكر عملية الحقن المجهري؟
أومأ أرسلان برأسه:
ـ كانت عايزة تنقل الأجنَّة عندها في الرحم...لولا تدخُّل إسحاق.
شهق أرسلان بصدمة:
. ـ إنتَ بتقول إيه!! إيه الفجر ده؟!
مسح إلياس على وجهه بإرهاق:
ـ ميرال ما تعرفش موضوع العملية.
ـ أيوة عارف...
ظلَّ أرسلان يحدِّق فيه لثوانٍ، ثم قال:
_يعني هيَّ مش عايزة تجرّ يوسف كوسيلة...هيَّ عايزاه هوَّ.
رفع إلياس عينيه إليه وأجاب بهدوء:
ـ بالظبط.
تنهَّد أرسلان ببطء:
ـ طيب...ناوي على إيه؟
أطرق إلياس رأسه:
ـ هفكَّر، الأيام اللي فاتت كنت مشغول بآسر...ومخدتش بالي من الموضوع ده.
وقف أرسلان وقال:
ـ بس إيه الثقة اللي بيتكلِّموا بيها دي إنَّها تقدر تخترق نظام إسحاق؟
ضحك إلياس بسخرية:
ـ لأنُّهم أغبية...فاكرة إنَّها هتنجح تزرع جهاز في بيت عقيد مخابرات!
هزَّ أرسلان رأسه بإعجاب:
ـ نفسي أعرف رد إسحاق هيكون إيه.
ـ ما سألتوش...بس أكيد عنده حل.
ثم أردف بحذر:
ـ وطبعًا مينفعش نتصرَّف بشكل يخلِّيها تشك.
أومأ أرسلان:
ـ يبقى زي ما قلت...يوسف.
ظلَّ إلياس صامتًا للحظاتٍ طويلة، ثم قال:
ـ هفكَّر...وأرد عليك.
قاطعهم دخول يزن:
ـ السلام عليكم.
رفع الاثنان رأسيهما، بينما اتَّجه يزن إليهما وجلس أمام إلياس:
ـ عملت إيه مع ميرال في موضوع سارة؟
زفر إلياس بتعب:
ـ معملتش حاجة...انشغلنا بآسر..
هقولَّها إن شاء الله، بس مش دلوقتي، اليومين دول عايز أقعد عند أبويا، لازم أهتم بيه.
أومأ أرسلان:
_خلاص اهتم بعمُّو مصطفى، وكدا كدا سارة مش هتقولَّها يعني.
التفت يزن إليه:
_من رأيي تقولَّها يا إلياس، مش عارفين بكرة فيه إيه، وخاصَّةً هروب معتز دا.
_هحاول أقولَّها.
دلف بلال
_دا الحبايب متجمعين هنا اهو
_خير يادكتور
جلس بمقابلة يزن
_عايز اطلع يومين اجازة في اي جزيرة
شوف مكان مناسب يابابا، مراتي محتاجة تغير جو
_مش وقته يابلال
التفت الى الياس
_ليه ياعمو
_حبيبي، لما المجرم اللي حاول يقتل اسر يتمسك، خلينا مركزين عليكم هنا، برة هيكون صعب
أومأ بتفهم ثم نهض
_تمام ياعمو... اوقفه ارسلان
_انت كويس
صمت ينظر لوالده وحاول تغيير الحديث
_الواد كمل السنة واسمك مرتبط بيه من غير حتى خيارة تبل ريقه بخيارة
قطب جبينه
_انت بتقول ايه، انا مفهمتش حااحة
زم الياس شفتيه وقال
_امسح اسم ابوك يااخويا مش عايزين الشرف دا
_متخليك محضر خير ياعمو انت كمان
النهاردة عمارة من عماير ابويا تكتب باسم الواد، وكل سنة كدا والا
توقف ارسلان يضع اصابعه على اذنه
_ايوة ياحبيب ابوك والا ايه بقى
_عمو يزن يكتب له شركة
قالها وتحرك من امامهما سريعا
بعد عدَّة أيام..
توقَّفت السيارة أمام بوَّابة الكمبوند..
التفت نور إليها:
_ممكن تفكَّري في كلامي؟
أدارَت وجهها إليه بهدوءٍ حاسم:
_من غير ما أفكَّر...متحاولش تقنعني بكلِّ اللي قولته، أنا مش بفكَّر في الارتباط، ويوم ما أفكَّر...مش هيكون إنتَ يا نور.
انعقد حاجباه متسائلًا:
_ليه يا آسيا؟
فتحت باب السيارة وترجَّلت دون أن تجيب، فأسرع خلفها:
_لو رفضك علشان موضوع ضي...فأنا نسيته، وقفلته من زمان.
زفرت ببطء، وأخذت تتطلَّع حولها كأنَّها تبحث عن مهرب من هذا الحديث، ثم ثبَّتت عينيها عليه:
_يا نور...أنا هسافر. مكاني مش هنا، والحياة دي مش الحياة اللي عايزاها. وبعدين...أنا مستحيل أتجوز راجل كان قلبه متعلَّق بواحدة من عيلتي، مهما حاولت تقنعني إنِّ ده انتهى، فلو سمحت..بلاش تفتح الموضوع ده تاني.
توقَّفت لثانية ثم أكملت بنبرةٍ أكثر هدوءًا:
_فرح أختي بعد شهر...وبعدها مش هتلاقيني في مصر أصلًا.
أسند ظهره إلى السيارة:
_وأنا كمان ناوي أرجع إيطاليا...يعني مش هفضل هنا.
نظرت إليه بأسفٍ صادق:
_نور...لو سمحت، بلاش تخلِّيني أقول كلام يوجعك.
استدارت لتغادر.
لكن قبل أن تخطو بعيدًا، لحق بها وأمسك كفَّيها بكلتا يديه:
_آسيا..استني، دقيقة واحدة بس...
في تلك اللحظة، خرجت سيارة آسر من بوَّابة الكمبوند..
وقبل أن تبتعد، وقعت عيناه على مشهد نور يقف ملاصقًا لآسيا...يمسك كفَّيها...
ولا يفصل بين وجهيهما سوى إنشٍ واحد.
ضغط آسر بقوَّة على دوَّاسة الفرامل حتى صرخت الإطارات فوق الأسفلت.
اتَّسعت حدقتاه، وتجمَّدت ملامحه لثوانٍ، بينما اشتعلت النار في صدره.
قبض على المقود حتى برزت عروق يديه، وفكِّه يطحن فوق بعضه بعنف، وكأنَّ كل ذرَّة غضب داخله انفجرت دفعةً واحدة.
ترجَّل من السيارة بخطواتٍ سريعة حادَّة، وأغلق الباب خلفه بقوَّة دوى صوتها في المكان، وتقدَّم نحوهما كإعصار، وعيناه لا تفارقان يد نور الملتفَّة حول كفَّي آسيا.
أمَّا آسيا، فما إن لمحته حتى انقبض قلبها، وسحبت يدها بسرعة من بين يدي نور.
وصل إليهما، وبلحظة سحبها بغضب للداخل
_اوعي تفكري هضايق لما تحاولي تستفزيني بالحيوان دا، لا فوقي، بس احترمي البيت اللي انت قاعدة فيه، قلة الاحترام دي في المكان اللي كنتي فيه، سامعة ولا افصل راسك عن جسمك
اغروقت عيناها بالدموع فهمست
_خلصت كلامك
طالعها بنظرة غاضبة من ردها البارد، نظرت اليه بخذلان
_لازم احترم كلامك ياجوز اختي، اللي يعتبر في مقام اخويا
دنت خطوة وعيناها تحكي الكثير، والكثير
_ماتخفش انا مش تافهة، وهعمل كدا ليه ياجوز اختي
يالي في مقام اخوي... فكر في حياتك وبس، ياجوز اختي، وشلني من دماغك، تفكيرك المحدود لعقليتك، مش لي
رفعت نفسها تهمس له
_انا مش تافهة يامتر
قالتها وابتعدت متجهة للداخل دون ان تلتفت اليه
مضى عدة اسابيع
في مساء ليلةٍ شتويةٍ صاخبة، كانت السماء تزمجر كأنها تصرخ بكل ما تخفيه القلوب من ألم. انشقت الغيوم، وانهمر المطر غزيرًا، كرحمةٍ هبطت لتغسل الأرض وما عليها.
وقفت آسيا بشرفة غرفتها، تحدق في السماء بعينين شاردتين. كانت قطرات المطر تتساقط أمامها، بينما داخلها عاصفة أشد قسوة.
ابتسمت فجأة...ابتسامة مجنونة، حزينة.
خطرت لها فكرة لم تمنح نفسها حتى فرصة رفضها.
ركضت إلى أسفل المنزل حافية القدمين، لا تشعر ببرودة الأرض، فما عاد هناك برد يفوق برودة قلبها. وضعت هاتفها على الطاولة، وشغلت أغنيتها المفضلة، ثم خرجت إلى الحديقة.
ومع أولى النغمات...
رفعت وجهها للسماء.. أغمضت عينيها.
وتركت المطر يغمرها.
بدأت تدور ببطء، وقميصها الأحمر يلتصق بجسدها تحت المياه، ثم أخذت تتراقص بجنون، كأنها تحاول أن تُسقط وجعها مع كل قطرة مطر.
ضحكت...وضحكت، ضحكة طويلة، لكنها كانت تشبه البكاء أكثر.
في الأعلى، استيقظت سدن على صوت الموسيقى وضحكات أختها.
اقتربت من النافذة وأزاحت الستارة، وما إن رأت آسيا حتى شهقت.
ـ يا نهار أبيض!
ركضت إلى أسفل، وعندما وصلت إليها، صاحت: ـ إنتِ اتجننتي؟!
لكن آسيا لم تجب.. كانت تدور وتضحك، وشعرها يلتصق بوجهها، وعيناها تلمعان بطريقة أرعبت سدن.
اقتربت منها وأمسكت كفيها.
نظرت إليها آسيا لثوانٍ... ثم انفجرت ضاحكة.
وفي لحظة، بدأت الاثنتان تتراقصان تحت المطر بجنون طفولي.
خرج كريم على صوت ضحكاتهما.
توقف عند الباب، عقد ذراعيه أمام صدره، ثم ابتسم وهو يراقب ابنتيه.
كانت الضحكات تملأ المكان، رغم أن السماء تبكي فوق رؤوسهم.
ابتعدت سدن فجأة وهي تصرخ:
ـ مجنونة! هدومنا غرقت!
لكن آسيا لم تتوقف.
استمرت بالدوران، ترفع ذراعيها للسماء، وتضحك... وتضحك...
ضحكات خرجت من قلبٍ يوشك على الانهيار.
اقترب كريم منها وقال بحنان:
ـ هتاخدي برد يا بابا... هدومك خفيفة.
لكنها أمسكت يده فجأة وسحبته إليها.
ـ ارقص معايا يا بابا.
نظر إليها للحظة، ثم استسلم.
بدأ يتراقص معها، وضحكاته امتزجت بضحكاتها، و المطر ينساب فوق وجوههم جميعًا.
في غرفته
كان يجلس على فراشه، يسمع ضحكاتها
ورغم ذلك...لم يتحرك.
كأن عقله يرفض حتى أن ينظر إليها، لأن نظرة واحدة قد تهزم كل ما بناه من جدران.
رفع كفيه ووضعهما على أذنيه.
لكن ضحكاتها كانت كالرعد...تضرب قلبه بلا رحمة.. حاول أن يقاوم.
حاول أن يكرهها.. أن يتذكر إهانتها له..
أن يتذكر وجعه منها
لكن قلبه اللعين لم يفعل سوى أن يشتاق.
وأخيرًا...لم يعد أن يقاوم
استدار نحو النافذة.. نظرة واحدة فقط.
وكانت كافية لتزلزل كيانه
رآها تدور تحت المطر، تضحك كطفلة ضائعة، وشعرها يلتف حول وجهها، وقميصها الأحمر يشتعل وسط الظلام.
رجفة عنيفة اعتصرت قلبه حتى اختنق.
تراجع خطوة.. ثم أخرى.. وفجأة...
هوت قبضته على الحائط بكل قوته.
مرة...واثنتين...وثلاثًا.
حتى اصيب جلدة يده وبدأ الدم يسيل.
لكنه لم يشعر بالألم.
كان هناك ألم أكبر بكثير.
رفع عينيه، فإذا بدموعه تنساب رغماً عنه.
ثقل جسده فجأة.. ولم يعد يقوى على الوقوف.. سقط على الأرض.
وجلس كطفلٍ ضائع...يبكي، يبكي بصمتٍ موجع.
بينما قلبه يصرخ باسمها...
وعقله ينهشه بقسوة:
لقد أهانتك... كسرتك... فلا ترحمها... ادعس
صباح جديد محمل بالكثير والكثير
دلفت سدن غرفتها بعد تأخيرها
_اسيا... يلا حبيبتي، اتأخرتي على شغلك
لكنها لم ترد
اقتربت من الفراش تنزعه من فوقها وجلست بجوارها
_افريقيا على رأي المتر قومي بقى
لكنها توقفت على دمعة شريدة سقطت من عين اختها الغائبة عن الوعي بجسدها، لكن روحها تحترق
انحنت اليها
_اسيا حبيبتي، اصحي
لكنها شهقت حين شعرت بارتفاع حرارتها
_اسيا... جسمك سخن اوي
_ماما... بابا
صرخت بها وهي تحاول افاقتها، ولكن الاخرى بعالم اخر، لتهمس بحرارة شفتيها
_بحبه اوي، انا بموت، عايزة اموت
تجمد جسد اختها حتى انتفضت وكأن قلبها توقف عن النبض بدخول ايمان
_اختك مالها
الفصل 82
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
مـــا بـــيـــن كـــبـــريـــاءٍ يـــنـــكـــســـر... وقـــلـــبٍ لا يـــنـــســـى
الـــثـــانـــيـــة والـــثـــمـــانـــون
أن تُشفى من الحب... فتلك كذبةٌ ينسجها العقل ليواسي بها هزيمة القلب أمام الكبرياء.
وكيف ليدٍ تنزف وجعًا، وتحفر في الجدار خيبتها، أن تقاوم نداء روحٍ تترنح على حافة الفناء؟
أقسم على السحق، وتحصّن بجليد الجفاء، لكنه نسي أن القلوب الجريحة حين تشتاق... تذيب بلهيبها كل حصون الانتقام، وأن الكبرياء جسدٌ من زجاج، يتهشم أمام أول همسة صادقة تخرج من شقوق الوجع.
همسةٌ تائهة في عتمة الهذيان... كانت كفيلة بأن تقلب موازين الحرب، وتعرّي صدقًا حاول كلاهما دفنه طويلًا.
فما أقسى أن يكون عقابك لمن كسرَك... هو أن تراه يتألم، فتتمنى لو أن الوجع يصيبك أنتَ ولا يمسه هو بضرر.
وما أمرّ أن تقف حائرًا بين عقلٍ يصرخ فيك لتقسو، وقلبٍ يرتجف رعبًا من فكرة الفقد.
فبعض القلوب لا تخشى الجرح... بل تخشى أن تكتشف أنها ما زالت تحب من جرحها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل كريم على صوت إيمان المذعور:
_مالها أختك؟
انحنت إيمان سريعًا، وضعت كفَّها على جبينها، فانتفض قلبها:
_يا نهار أبيض...جسمها مولَّع! شكلها أخدت برد شديد.
قالتها وخرجت مسرعة نحو غرفتها لتأتي بحقيبتها الطبيَّة، بينما اقترب كريم من ابنته وجثا أمامها، يمرِّر يده على وجنتها المحمرَّة:
_حبيبتي...ينفع كده؟ قلت لك متقعديش الجوِّ برد.
لم تجبه، كانت تغمغم بكلماتٍ غير مفهومة، وأنفاسها ساخنة ومتقطِّعة.
جلست سدن بجوار أختها، وأزاحت خصلات شعرها الملتصقة بجبينها بفعل العرق، ثم أمسكت يدها بين كفَّيها:
_آسيا افتحي عيونك يا حبيبتي.
لكنَّها لم تسمعها، فقط تأوَّهت بصوتٍ ضعيف جعل قلب سدن ينقبض.
عادت إيمان بالحقيبة وناولتها إلى زوجها بيدٍ مرتجفة:
_اكشف عليها بسرعة.
ثم استدارت على الفور:
_أنا هجيب مبرِّد للكمادات.
جلس كريم يفحص ابنته بعناية، وكلَّما انتقل بالسمَّاعة على صدرها ازداد العبوس فوق ملامحه..دقائق مرَّت ثم زفر بقلق:
_عندها دور برد شديد...والحرارة عالية جدًّا.
كانت سدن تمسٍّد على خصلاتها، تستمع إلى همس أختها الذي تنطقه شفتيها دون وعي:
_يا ترى مين دا يا آسيا اللي بتحبِّيه أوي؟.
عادت إيمان تحمل وعاء الماء البارد، وجلست بجوار ابنتها، وبدأت تمرِّر الكمَّادات على جبينها وهي تردِّد الأدعية بصوتٍ مرتجف.
تعلَّقت عيناها بوجه ابنتها الشاحب، فشعرت بوخزةٍ مؤلمة في قلبها، لا شيء يوجع الأم أكثر من رؤية تألُّم الأولاد وهي عاجزة عن أخذ الألم عنه.
كتب كريم بعض الأدوية، ثم نهض:
_هشوف حد يجيب العلاج.
نهضت سدن والتقطتها:
_لا يا بابا...أنا هروح أجيبه.
التفت إليها:
_تروحي فين؟ الجو برد والدنيا بتشتي، خليكي يا حبيبتي...هشوف حد من الشغَّالين.
اقتربت منه سدن، ونظرت إلى أختها التي كانت ترتجف رغم الحرارة المشتعلة في جسدها، ثم قالت بصوتٍ خافت يخفي قلقًا كبيرًا:
_لا يا بابا...أنا عايزة أجيبه بنفسي.
_ليه بس؟
ابتلعت غصَّتها، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تنظر إلى أختها:
_متقلقش، فيه حاجة كمان عايزة أجبها، مينفعش حد يجبها لي.
أومأ لها ثم أشار:
_خلِّي السوَّاق معاكي متسوقيش في المطر.
تحرَّكت وهي تهزُّ رأسها، محاولةً إخفاء حزنها وأردفت:
_متقلقش عليَّ يا حبيبي.
ارتدت معطفها الشتوي، ورغم ذلك اندفعت نسمات البرد القاسية تلفُّ جسدها، اتَّجهت إلى سيارتها.
في تلك اللحظة، خرج آسر من منزله، يضع هاتفه على أذنه:
_عشر دقايق وهكون عندك...قولُّه مش هتأخَّر.
لكن توقَّف فجأةً عندما لمح سيارة سدن تستعدُّ للمغادرة..أغلق الهاتف، واتَّجه نحوها بخطواتٍ واسعة حتى وقف أمام السيارة، مانعًا إيَّاها من التحرُّك.
خفضت نافذتها، لتجده يرمقها بعبوس:
_رايحة فين في البرد ده؟
أجابته ببرود:
_رايحة الفارمسي.
رمش عدَّة مرات، ثم قال باستنكار:
_نعم؟
تنهَّدت بضيق، لا تعلم أنَّها بدأت تختنق من مجرَّد الحديث معه:
_أوف يا آسر...رايحة الصيدلية.
اقترب أكثر، ثم فتح باب السيارة، يستند على الباب:
_ليه مخلتيش حد يروح، ليه نازلة لوحدك في الجوِّ ده؟
رفعت رأسها إليه، وقد عادت كل مشاعر الأمس لتختنق داخل صدرها:
_كلِّمتك إمبارح كتير...مردتش ليه؟
أشاح بوجهه قليلًا:
_كنت نايم.
ابتسمت بسخرية موجوعة:
_نايم؟...ولمَّا صحيت، ما افتكرتش تتِّصل؟
تنهَّد بضيق:
_كنت هكلِّمك لمَّا أوصل المكتب.
ابتسمت بسخرية، وأجابت بنبرةٍ ممتلئةٍ بالخذلان:
_ياااه لمَّا توصل المكتب، هوَّ أنا بقى آخر أولوياتك؟
ظلَّ صامتًا، فأكملت بصوتٍ مرتجف:
_أنا قلت لك عايزين نسافر يومين... نغيَّر جو، زهقت يا آسر..زهقت من القعدة دي..
المفروض إنِّنا مخطوبين، لحدِّ دلوقتي مخرَّجتنيش مشوار، ولا سهرنا زي أي اتنين مخطوبين حتى صاحبتي اللي أخيرًا لقيتها...منعتها.
قطب حاجبيه:
_مالك يا سدن على الصبح، عايزة تتخانقي وخلاص؟
رفعت عينيها إليه، تنظر إليه بعتابٍ موجع:
_أنا مخطوبة، وطبيعي أكون أوَّل حاجة من أولوياتك، إنَّما حضرتك كل الوقت مشغول.
زفر بقوة وتحدَّث:
_قولت لك السفر مينفعش، وإنتِ عارفة رأيي..وإحنا مش في حكم المتجوِّزين..والصداقة دي متنفعش، حتى لو واحدة وخطيبها...فيه راجل في الموضوع، وده مينفعش.
اتَّسعت عيناها بصدمة، ثم همست:
_بس ينفع تمنع تنفُّسي...مش كده؟
التفت إليها سريعًا:
_أنا مش فاهم إنتِ بتتكلِّمي في إيه! أنا بسألك رايحة فين بما إنِّك قولتي مش هتروحي المكتب.
أدارت المفتاح في السيارة وقالت بجمود:
_أنا سبت الشغل عندك...وهروح أشتغل مع آسيا.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم التفت إليها ببطء:
_آه...آسيا!
خرج الاسم من بين أسنانه بحدَّة..
_طيب ما تقولي كده من الصبح بدل اللف والدوران.
ثم أردف بصرامة:
_وأنا مش موافق.
فتحت فمها لترد، لكنَّه باغتها بصوتٍ مرتفع:
_أي مكان أختك هتكون فيه...إنتِ مش هتكوني فيه.
ارتجفت من صراخه، لكنَّها تماسكت:
_متخفش يا متر...هيَّ مش هتكون موجودة كتير.
انعقد حاجباه:
_تقصدي إيه؟
أجابت وهي تشيح بعينيها عنه:
_أقصد إن آسيا بتخطَّط للسفر...يعني هترتاح منها..ودلوقتي، ممكن تسبني أروح أجيب لها الدوا، ولَّا نفضل نتكلِّم لحدِّ ما تموت من التعب فوق؟
تجمَّدت ملامحه:
_دوا!..دوا ليه، هيَّ مالها؟!.
التفتت إليه ببطء، تنظر إليه لثوانٍ طويلة، وكأنَّها تستوعب شيئًا ما
ثم تنهَّدت وقالت:
_إمبارح نزلت في المطر...وشكلها أخدت برد جامد، بابا كشف عليها وكتب لها دوا...وأنا نازلة أجيبه.
صمتت لحظة، ثم أضافت وهي تنظر إلى عينيه مباشرة:
_وإنتَ...وقَّفتني..
ابتعد خطوة إلى الخلف، وكأنَّ الكلمات أصابته في صدره.
تلاشت قسوته فجأة، وحلَّ محلَّها قلق حقيقي.
_هيَّ...تعبانة أوي؟
هزَّت سدن كتفيها بمرارة:
_أوي...بتهلوس من السخونية.
نظرت إليه طويلًا، ثم همست:
_الغريب إنَّك بتحاول تبعدني عنها طول الوقت، دي أختي يا آسر، ومهما تحاول تبعدني عنها مش هتقدر.
_روحي...ويارب تبطَّلي شغل الأطفال ده.
نظرت إليه سدن بتردُّد، وكأنَّ شيئًا يضغط على صدرها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_أنا معرفش إنتَ بتكرهها أوي كده ليه..على فكرة، نظريتك كلَّها غلط عنها، آسيا دي أحن قلب في الدنيا، والله ما تستاهل معاملتك دي.
صمتت لثوانٍ، ثم أضافت بحزن:
_هقول إيه...بابا لو كان وافق على حبيبها، مكنش ده بقى حالها.
انعقد حاجباه فجأة:
_حبيبها!..أختك ليها حبيب؟
خرجت كلماته ساخرة، لكنَّها كانت تخفي شيئًا آخر...كصخرةٍ تجثو على صدره..
ثم أردف بتهكُّم:
_دي متحبِّش، دي تخطَّط علشان نفسها.
رمقته سدن بنظرةٍ مستاءة:
_أنا همشي...أحسن ما أقول كلام يضايقك.
ثم أدارت السيارة وانطلقت، تاركةً إيَّاه واقفًا بمكانه.
بقي لثوانٍ طويلة دون حراك.
ثم...التفت ببطء نحو منزل عمَّته.
ارتفعت عيناه تلقائيًا إلى نافذة غرفتها..
الستائر مغلقة...ثم هبطت عيناه إلى الحديقة.
إلى ذلك الركن الذي كانت تقفز وتدور كطفلةٍ صغيرة، تتراقص تحت المطر.
خطا دون وعي وانتفض قلبه كأنَّها أمامه بهيئة أمس..وكأنَّها ما زالت تتراقص وهي
ترتدي فستانها، تدور حول نفسها، وشعرها يلتصق بوجهها يسمع ضحكتها.
تلك الضحكة التي كانت تزعجه بالأمس لأنَّه تمنَّى أن يكون معها،
خطوة...ثم أخرى...حتى توقَّف في منتصف الحديقة.
كانت الليلة ساكنة، إلَّا من ضجيج صدره.
رفع يده إلى عنقه، وكأنَّ الهواء صار قليلًا فجأة..أنفاسه تثاقلت، وصدره ضاق حتى شعر أنَّ قلبه نفسه يعاقبه على كلِّ نبضة.
أغمض عينيه لثوانٍ.
عادت إلى ذاكرته ضحكتها...ورقصها..
فتح عينيه بعنف.
لا...لا يريد أن يتذكَّر شيئًا.
يريد فقط أن يكرهها.
أن يقتصَّ منها...من تلك التي جعلته يصدِّق أنَّه أحب، ثم دهسته بلا رحمة. تلك التي أقسمت له بعينيها ألف عهد، ثم تركت قلبه معلَّقًا على حبلٍ من الوهم.
كيف استطاعت؟
كيف كانت تنظر إليه بكلِّ ذلك الدفء، بينما كانت تتلاعب بمشاعره؟
كوَّر قبضته حتى برزت عروق يده، واشتعلت عيناه بقهرٍ مرير.
أقسم في تلك اللحظة...لو رآها الآن، لجعلها تتذوَّق طعم الانكسار الذي أذاقته إياه...لجعلها تعرف كيف يموت القلب وهو لا يزال ينبض.
استدار ليغادر...لكن شيئًا صغيرًا التقط بريقه بين الأعشاب.
توقَّف..اقترب ببطء...وانحنى.
سلسال، يتدلَّى منه قلب صغير.
تجمَّدت أصابعه..
لا...حدَّق به يعرفه..يعرفه جيِّدًا.
ارتجفت أنامله وهو يفتحه ببطء... ولكن القلب كان فارغًا...فارغ...كقلبه الآن.
رفع السلسال أمام عينيه، فهاجمته صورتها دفعةً واحدة.
كانت ترتديه بالأمس...تعبث به بيدها، وهو يتحدَّث مع والدها وسدن.
حتى تلك الحركة البسيطة...يتذكَّرها.
حتى طريقة لمس أصابعها لذلك القلب الصغير...لم ينساها.
ابتلع غصَّته بصعوبة، وشعر بألمٍ حاد ينهش صدره.
كيف؟..كيف ما زال يتذكَّر كلَّ تفاصيلها الصغيرة، رغم كل ما فعلته به؟
لعن نفسه في سرِّه...ولعن قلبه الأحمق أكثر.
ثم أغلق كفِّه على السلسال بقوة، حتى كادت حوافه تؤلم راحته، ودسَّه في جيبه دون وعي..استدار ليرحل...
لكن قدميه خانتاه..توقَّف، ثم تراجع خطوة...وأخرى للحظة...فقط للحظة...أراد أن يطمئنَّ عليها..
أن يعرف إن كانت بخير.
لكن عقله صرخ فيه بقسوة:
ـ اتجنِّنت؟...دي متستاهلش حتى تسأل عليها!
فهمس قلبه بصوتٍ موجوع:
ـ إزاي نسيت إنَّها كانت يوم حبيبتك؟... إزاي تنسى إنك كنت بتتنفِّس بيها؟
أغمض عينيه بقهر.
فأجابه عقله ببرودٍ قاتل:
ـ لأنَّها لعبت بالقلب...حرَّكته وقت ما أرادت، وألقته وقت ما انتهت منه... خلِّت حبَّك ليها مجرَّد دمية بين إيديها...كعروس ماريونيت، تشدُّ خيوطها فتقترب، وتتركها فيسقط صاحبها على ركبتيه.
اهتزَّ فكَّه بقوة، واشتعلت عيناه بحمرةٍ موجعة.
لم يكن غاضبًا منها فقط...كان غاضبًا من نفسه.
من الرجل الذي أحبَّها بهذا الجنون.
من قلبه الذي ما زال، رغم كل القهر، يتراجع خطوة...فقط ليطمئنَّ عليها.
بمنزل بلال...
فتحت عيناها على لمسةٍ ناعمةٍ تتحرَّك فوق وجنتها، فتمتمت بين النوم واليقظة:
_إيه ده؟.
انحنى بلال أكثر، وطبع قبلةً أخرى على وجنتها، ثم همس بصوته الدافئ:
_صباح الخير يا أجمل حاجة فتَّحت عينيَّ عليها.
فتحت عينيها ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة، وقالت بصوتٍ مبحوحٍ من أثر النوم:
_صباح الخير يا حبيبي.
رفعت عينيها إليه، فتوقَّفت على الوردة التي يحملها بيده، لتسأله بدهشة:
_وردة؟!.
ابتسم وهو يداعب طرف أنفها:
_أيوة...واحدة بعتتهالي الصبح، بتصبح عليَّا.
ضيَّقت عينيها وهي تنظر إليه بغيرة مصطنعة، ثم رفعت يدها مهدِّدة:
_والله لأضربك على الصبح يا دكتور، وبعدين ترجع تقول إنِّي مش متربية.
ضحك بخفوت، ثم انحنى ودفن رأسه في صدرها كالطفل:
_ضرب يا رولا؟.
دفعته بخفَّة وهي تكتم ابتسامتها:
_وسَّع كده...أيوة هضربك، وأموِّتك كمان.
رفع رأسه ببطء، وأسند ذقنه فوق صدرها، يتأمَّل عينيها عن قرب:
_وأهون عليكي؟.
تلاشت ابتسامتها، وسكنت ملامحها فجأة، وتعلَّقت عيناها بعينيه.
رفعت يدها ولمست وجنته برفق، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ يحمل حبًّا كبيرًا:
_تعرف أكتر حاجة بتوجع الست...أو بتوجعني أنا؟ إن حبيبي يتكلِّم عن ستِّ تانية حتى لو هزار، يمكن تقول عليَّا هبلة أو غيورة زيادة...بس على قدِّ ما بحبَّك، على قدِّ ما بخاف عليك...وعلى قدِّ خوفي، بتكبر غيرتي.
توقَّفت لحظة، ثم أضافت وعيناها تلمعانِ بمشاعرها:
_أنا حتى فكرة إنِّ حد غيري يشاركك ضحكتك أو اهتمامك...بتوجعني.
أظلمت عيناه بعاطفةٍ جيَّاشة، فاقترب منها أكثر، ثم طبع قبلةً دافئة على شفتيها، قبلة هادئة تشبه دفء صباحهما.
ابتعد ببطء، ومسح على شعرها بحنان، ثم همس:
_غيري براحتك يا حبيبتي...ده حقِّك. اللي بيحب بيغير، وأنا عمري ما هزعل من غيرتك.
مدَّ يده بالوردة إليها، وأضاف بابتسامةٍ عاشقة:
_بس دي...دي لستِّ البنات كلَّها، ولصاحبة قلبي وبس.
نظرت إلى الوردة ثم إليه، فوجدته يحدِّق بها كأنها أجمل ما يملك.
احتضنت الوردة إلى صدرها، بينما جذبها هو إلى أحضانه، وأسند جبينه إلى جبينها، ثم قال بصوتٍ دافئ:
_اطَّمني يا رولا...في عيني مفيش ستِّ غيرك، وفي قلبي مفيش مكان لحدِّ غيرك...إنتِ البداية، وإنتِ كل الحكاية.
اعتدلت في جلستها، وتراجعت حتى استند ظهرها إلى الوسادة، وظلَّت تحدِّق في الوردة كأنَّها كنزٌ صغير بين يديها.
التقطتها بحذر، ومرَّرت أناملها فوق بتلاتها الناعمة، فشعرت بإحساسٍ دافئ يتسلَّل إلى قلبها...كأنَّها لا تحمل وردة، بل تحمل نبض قلبه وقد وضعه بين يديها.
راقبها بلال بصمت، وعيناه تفيض بالحب، ثم قال بصوتٍ هادئ:
_عارفة...من يوم ما اتجوزنا، وأنا كل صباح بحمد ربِّنا إن أوِّل حاجة بشوفها هيَّ الوش الجميل ده.
رفعت عينيها إليه، فوجدته ينظر إليها وكأنَّها معجزته التي خشي يومًا ألَّا ينالها، فارتسمت على شفتيها ابتسامةٍ خجولة.
اقترب منها أكثر، وأزاح خصلةً من شعرها خلف أذنها، ثم همس:
_رولا تأكَّدي إنِّك زي ما قولتي زمان، مستحيل إنِّي أتجوزك، والمستحيل بقى حقيقة.
ثم ابتسم، وعيناه تتأمَّلانها بعشق:
_إنتِ أحلى من الورد نفسه.
انخفضت عيناها خجلًا، فمال إليها وطبع قبلةً رقيقة على وجنتها، ثم همس:
_تسلملي الضحكة...وتسلملي صاحبتها.
لم تجبه، بل رفعت نفسها قليلًا ودفنت وجهها وجسدها بالكامل بين ذراعيه.
ابتسم وهو يضمُّها إليه بقوة، وأسند رأسه فوق رأسها، وأغمض عينيه للحظة، مستمتعًا بدفئها الذي أصبح وطنه.
وقبل أن ينطق أحدهما، وصل إليهما صوت الصغير من الخارج.
فتح بلال عينيه، ثم اعتدل ببطء، وأشار إليها مبتسمًا:
_خليكي...هجيب يوسف.
اتَّجه نحو الباب، ثم توقَّف واستدار إليها مجدَّدًا:
_إيه رأيك ننزل نفطر برَّة النهاردة؟ أنا وابني وأمُّه...يوم لينا إحنا التلاتة.
ابتسمت له وأومأت برأسها:
_موافقة.
ثم نهضت من الفراش وهي ترتِّب خصلات شعرها:
_هدخل آخد شاور...وخلي الناني تجهِّز يوسف.
_تمام يا قلبي.
بمنزل أرسلان...
كان يجلس إلى طاولة الطعام، يقرأ جريدته ويتناول قهوته في هدوء الصباح.
وصلت غرام، وما إن رأته حتى عقدت حاجبيها:
_أرسلان...مفطرتش ليه؟
أنزل الجريدة قليلًا ونظر إليها بابتسامةٍ هادئة:
_مش جعان يا حبيبتي.
اقتربت منه وجلست بجواره، ثم وضعت طبق الطعام أمامه:
_أظن بعد السنين دي كلَّها تكون اتعوِّدت يا باشا.
قالتها وهي تسحب الجريدة من بين يديه.
رفع حاجبيه باستسلام، ثم أمسك بكفِّها وقبَّله بحنان:
_مقدرش أزعَّل ستِّ الكل منِّي.
ابتسمت بحب وربتت على يده:
_ربِّنا يخليك ليَّا يا حبيبي...يلَّا افطر، علشان عايزة أروح الفيلا، كلِّمت ميرال الصبح، وقالت إنَّها مش هتفطر غير لمَّا أوصل.
رفع رأسه إليها باندهاشٍ مصطنع:
_يا سلام! يعني أنا أفطر لوحدي؟
ضحكت بخفَّة:
_أيوة...ما إنتَ بتفطر مع أخوك على طول، النهاردة سبني أفطر معاها.
تأمَّلها أرسلان للحظات، ثم ابتسم ابتسامة دافئة وقال:
_أنا غيران.
اتَّسعت عيناها بدهشة:
_بتغير من ميرال؟!.
أومأ برأسه كطفلٍ صغير:
_طبعًا...خطفت مراتي منِّي النهاردة.
ضحكت، فمال عليها وقبَّل يدها مجدَّدًا:
_اجهزي هوصَّلك، وأشوف عمُّو مصطفى.
بمنزل يزن...
كان يقف في الشرفة، يستند بكفَّيه إلى السور الحديدي، وعيناه شاردتانِ في الفراغ، تعصف برأسه كل الأحداث التي مرَّت منذ فترة.
توقَّفت رحيل خلفه، تراقب ظهره الصامت للحظات، ثم رفعت كفَّيها برفق ووضعتهما على كتفيه:
_سرحان في إيه؟
استدار إليها ببطء، وحدَّق في عينيها طويلًا..
ثم قال بصوتٍ خافت:
_عارفة معتز...اللي كان عايز يقتل آسر، يطلع مين؟
عقدت حاجبيها باستغراب:
_مش قلت خصيم في الشغل؟
هزَّ رأسه نافيًا، وزفر بقوة:
_لا...ده شغل راكان البنداري في القضية.
رمقته بعدم فهم:
_يعني إيه؟ مش فاهمة.
اقترب منها خطوة، وقال بصوتٍ مثقل:
_يعني...الموضوع مش زي ما المحكمة قالت يا رحيل، معتز ده..ابن مرات راجح.
تجمَّدت ملامحها:
_راجح مين؟
زمَّ شفتيه بسخريةٍ مريرة:
_جوز خالتك.
اتَّسعت عيناها بصدمة:
_نعم!...إنتَ اتجنِّنت؟! الراجل مات من أكتر من عشرين سنة، إزاي متجوز؟
ثم توقَّفت فجأة، وكأنَّ عقلها بدأ يستوعب شيئًا مرعبًا.
رفع يزن عينيه إليها وقال:
_اتجوز قبل ما يموت بسنين...ست وعندها ولد.
أطلقت شهقة صغيرة وهي تهزُّ رأسها بعدم تصديق:
_طيب...وإحنا مالنا، ابني عملُّه إيه علشان يحاول يقتله؟
أطرق يزن رأسه للحظة، ثم رفع عينيه إليها، وكانت نظراته تحمل وجعًا ثقيلًا:
_مش ابنك بس...للأسف.
قطبت جبينها، وشعرت بقلبها ينقبض:
_فيه إيه يا يزن؟..متخضنيش.
تنهَّد ببطء، ثم قصَّ عليها كل ما عرفه.
ومع كلِّ كلمة كان وجه رحيل يزداد شحوبًا، حتى رفعت يدها إلى فمها تمنع شهقة خرجت رغماً عنها:
_يعني إيه؟!...وازاي يصدَّق إنَّك ممكن تعمل كده؟
أغمض يزن عينيه للحظة:
_فاكرة لمَّا كتبت الشركة باسمي بالتوكيل بتاعك؟
أومأت برأسها.
_راجح كان ليه جزء في الشركة...واللي عرفته إنِّ الجزء ده كان من حق معتز.
وضعت رحيل يدها على صدرها وهي تهمس بذهول:
_يا رب...يعني كل اللي حصل ده... علشان الفلوس؟
ابتسم يزن ابتسامة موجوعة:
_واضح إنُّه عاش عمره كلُّه مقتنع إنِّنا سرقنا حقُّه...وإنِّنا السبب في شقاه.
اغرورقت عيناها بالدموع:
_ودا يدِّيه الحق يدمَّر ولادنا..يحاول يقتل آسر؟.
خفض يزن رأسه، وقال بصوتٍ مبحوح:
_المشكلة إنُّه مش عايز فلوس يا رحيل...هوَّ عايز انتقام.
ارتجف جسدها بالكامل:
_ودلوقتي إيه اللي هيحصل؟..إنتَ بتقول إنُّه هرب...والشرطة بتدوَّر عليه، ولو رجع تاني، لو حاول يؤذي حد من ولادي؟
اقترب منها عندما رأى الخوف ينهش ملامحها، واحتوى كتفيها:
_مش هسيب حد يقرَّب منهم...أقسم بالله لو هقف بروحي قدَّامهم.
انهمرت دموعها، وارتمت على صدره:
_أنا خايفة يا يزن...لأوِّل مرَّة أحس إنِّ الخطر حوالينا بالشكل ده...أولادي تعبوا كفاية.
ضمَّها بقوة، ورغم أنَّ الخوف ينهش قلبه.
تنفَّس ببطء، ثم همس بصوتٍ خافت:
_متقلقيش، كلِّنا مصحصحين، وآسر ورولا عندهم علم بالموضوع، يعني هيكونوا حذرين بعد كدا.
تراجعت للخلف تنظر إليه:
_طيب هتعمل إيه في الكلام اللي قاله آسر إمبارح؟.
استدار ينظر للفضاء وقال:
_آسر ما بقاش صغير، وعارف بيعمل إيه، أنا قلقان من سدن، حاسس البنت مش هتنفعه، بس برجع وأقول..
التفت إليها ينظر لعينيها:
_إنتِ كنتي اإزاي وبقيتي إزاي.
اقتربت منه وقالت:
_يزن...اسمعني، وأتمنى تسمعني للآخر، أنا غير سدن، لأنِّي حبِّيتك بجد، حاسَّة سدن مبتحبش آسر، وحاسة إنُّه خطبها علشان إنتَ قولت له فكَّر فيها، اللي شيفاه في حاجة غلط إيه هيَّ معرفش، كنت مفكَّرة إنُّه بيحبِّ آسيا، نظراته كلَّها كانت كدا، بس طلبت من رولا تتكلِّم معاه، هيَّ طبعًا غيرنا وهيتكلِّم من غير ما يكذب، بس قالت لي مفيش بينهم حاجة، بل أقنعتني إن آسيا وآسر مستحيل يلتقوا، رغم كل اللي سمعته حاسة إنِّ ابني جوَّاه حاجة مخبِّيها، اقعد معاه قبل ما تعمل اللي طلبه، خايفة يندم.
هزَّ رأسه بحيرة:
_أنا كمان..حاسه مخبِّي حاجة، بس أعمل إيه، أضربه وأقولُّه مش هتتجوزها، الولد بقى راجل، وكنت شايف اهتمام البنت بيه، بس دلوقتي شايف فيه فجوة بينهم..
اتكلِّمت معاه قالي عادي يا بابا، متنساش إنَّها كانت في بيئة غير البيئة، وطبيعي مش هتفهم حياتي على طول، أقنعني، لكن قلبي مش مطَّمن.
ربتت على كتفه وقالت:
_طيب إيه رأيك تتكلِّم مع سدن وآسيا؟.
طالعها بذهول:
_أقول لآسيا إيه، إنتي اتجنِّنتي، ابنك هيتجوز أختها، والبنت فعلًا مش شايف منها مشاعر، دي ما حاولتش تتطمِّن عليه ولا مرَّة وهوَّ في المستشفى.
_ماهو دا اللي مخلِّيني أشك أكتر.
_تقصدي إيه يا رحيل؟.
_معرفش...بقولَّك فيه حاجة غلط بتحصل، أو فيه حاجة حصلت بين آسر وآسيا.
ارتجف قلبه من معنى حديثها:
_لا..مستحيل، آسر ميعملهاش.
_معرفش بقى يا يزن، حتى كلامه بقى جاف أوي عليها، تحس بيتكلِّم عن مرات أبوه..
أينعم علاقتهم مكنتش حلوة بس مش بالطريقة دي..أنا كل اللي يهمِّني ما يكنش بيخدع نفسه، وعايز يتجوز سدن عند في آسيا، دماغي هتنفجر يا يزن، ابنك صعب، وكل ما أحاول أفتح الكلام يصدِّني.
مسَّد على خصلاتها وضمَّ رأسها إليه:
_أنا هحاول أفهم منه، قبل ما أروح لكريم ونحدِّد معاد الفرح.
رفعت رأسها إليه:
_أرجوك يا يزن، حاول تتأكِّد إنُّه فعلًا عايزها، متنساش كمان إيمان أختك، الجوازة دي ممكن تزعَّلنا من بعض.
قبَّل رأسها وربت على ظهرها:
_هتصرَّف حبيبتي، هتصرَّف.
قالها شاردًا بأفعال نجله، ابتعدت تزيل دموعها:
_طيب يلَّا نفطر، عايزة أروح الفيلا، ميرال هناك من مدَّة، عايزة أطَّمن على عمُّو مصطفى.
احتضن كفَّها ودلف للداخل:
_تعالي نغيَّر، ونروح نفطر معاهم، ماما فريدة وحشتني كمان.
مضت عدَّة أيام...
وفي إحدى الليالي، قرَّر الذهاب إلى منزل كريم بعد انقطاعه عن زيارتهم منذ أن علم بمرضها.
دلف إلى الداخل بهدوء، فتوقَّفت خطواته للحظة.
كانت تجلس بين ذراعي والدتها، تستند إلى صدرها كطفلةٍ صغيرة، يتردَّد ضحكها الخافت في أرجاء المنزل، ويبدو أن إيمان تقصُّ عليها شيئًا طريفًا.
رفع عينيه إليها...فانقبض قلبه..
لم تكن تلك هي آسيا التي يعرفها.
وجهها شحب كثيرًا، وعيناها فقدتا بريقهما، حتى ابتسامتها بدت مرهقة، كأنَّها تبذل جهدًا لتبدو بخير.
تنحنح قائلًا:
ـ مساء الخير.
التفتت إيمان ترفع رأسها نحوه، بينما اعتدلت آسيا في جلستها ونظرت إليه بصمت.
ابتسمت إيمان قائلة:
ـ مساء النور يا حبيبي.
تقدَّم عدَّة خطوات، لكن عينيه ظلَّتا عالقتينِ بها رغم محاولته التظاهر بالعكس، فهتف وهو يجيل بصره في المكان:
ـ سدن نامت ولَّا إيه؟
أجابته إيمان:
ـ لسه طالعة من شوية...أكيد منامتش.
في تلك اللحظة نهضت آسيا ببطء، وقالت بصوتٍ خافت:
ـ هشوفها...وأخلِّيها تنزل.
خطت خطوة...ثم أخرى...
لكن الأرض مالت تحت قدميها فجأة.
تلاشى صوت والدتها، وبدا كأنَّه يأتي من مكانٍ بعيد، وتشوَّش كل شيء أمام عينيها.
مدَّت يدها سريعًا وتشبَّثت بحافِّة المقعد، بأنفاسٍ مضطربة.
كان يراقبها رغمًا عنه، رأى جسدها يترنَّح..تجمَّد قلبه، نسي كل شيء...نسي غضبه، وعتابه،
ولأوَّل مرَّة منذ أيام، تحرَّك دون تفكير إليها.
قطع المسافة بينهما في ثوانٍ، ووقف أمامها، يحيط ذراعها بكفِّه قبل أن تسقط.
ـ آسيا!.
خرج اسمها منه مذعورًا.
رفع وجهها إليه بيده الأخرى، وقد اتَّسعت عيناه خوفًا:
ـ آسيا... إنتِ كويسة؟
رفعت عينيها إليه...عينان خاليتان من كلِّ شيء، لا دموع فيهما، ولا غضب، ولا حتى عتاب...فقط فراغ موحش، كأنَّ الحياة انسحبت منهما تاركةً خلفها أنقاض روح.
همست بصوتٍ بالكاد يُسمع:
ـ كويسة...شكرًا.. قالتها وهي تنفض يده.
ثم استدارت ببطء، وكأنَّ كل خطوة تخطوها تُثقلها سنواتٍ من الوجع.
نهضت إيمان سريعًا، واتَّجهت نحوها بلهفة أم خائفة على ابنتها:
ـ حبيبتي...استني، هوصَّلك.
أوقفتها بهزَّة خفيفة من رأسها، دون أن تلتفت إليها، وقالت بصوتٍ ميِّت:
ـ خلِّيكي مع المتر يا ماما...أنا كويسة.
تابعت سيرها بخطواتٍ واهنة، متعثِّرة، فيما ظلَّ هو واقفًا مكانه، عيناه معلَّقتين بها، يراقبان ظهرها المبتعد في صمتٍ موجع.
جلس آسر وهو يمرِّر كفَّيه على وجهه بإرهاق، كان صدره يضيق، ونبضات قلبه تضرب بعنف، حتى شعر وكأنَّ قلبه يُنتزع من بين ضلوعه انتزاعًا. غضب من نفسه...من قلبه اللعين الذي لم يعد يعرف كيف يهدأ.
رفعت إيمان عينيها إليه وسألته بحنان:
ـ عامل إيه يا حبيبي، وليه مزعَّل سدن؟
رفع رأسه ببطء، وعيناه شاردتان، ثم قال:
ـ عمُّو كريم لسه مرجعش من المستشفى؟
أجابت بابتسامة:
ـ هيتأخَّر النهاردة..في الشتا العيادة بتبقى زحمة.
أومأ برأسه في صمت، ثم أخذ نفسًا عميقًا، يحاول أن يجمع شتات نفسه قبل أن يقول:
ـ عايز أعمل الفرح أوَّل الشهر.
في تلك اللحظة وصلت سدن إلى باب الغرفة، تجمَّدت قدماها، واتَّسعت عيناها بصدمة، وكأنَّ الكلمات سقطت فوقها كصاعقة..فخرج صوتها مرتجفًا:
ـ أنا...مش موافقة.
التفت إليها آسر، وعقد حاجبيه باستفهام.
اقتربت منه خطوة، بينما كانت أنفاسها تتلاحق، وقالت:
ـ إنتَ قولت سنة يا آسر...ليه غيَّرت رأيك؟
حدَّق فيها طويلًا، ثم قال بصوتٍ خافت:
ـ وليه نقعد سنة؟
هزَّت رأسها بسرعة:
ـ أهو كده...أنا مش عايزة أتجوز دلوقتي.
اعتدل في جلسته، وعيناه تضيقان شيئًا فشيئًا:
ـ يعني إيه مش فاهم؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها، في محاولةٍ يائسة لتخفي ارتباكها:
ـ يعني...أنا مش مستعدَّة يا آسر..
عايزة أقضي فترة خطوبة زي أي واحدة...أفرح، أخرج معاك، أعيش إحساس إنِّي مخطوبة...مش أصحى ألاقي نفسي عروسة فجأة..وعندي مسؤوليات.
_ايه اللي بتقوليه دا يعني...مش عايزة أتجوز دلوقتي؟
قالها بصوتٍ هادئ، لكنَّه كان يحمل من الحدَّة ما جعلها تبتلع ريقها بتوتُّر.
نهض من مكانه واقترب منها خطوة، ثم أخرى، حتى أصبح أمامها تمامًا/
_طيب...قدَّامك حلِّين، اختاري بينهم.
رفعت عينيها إليه بترقُّب.
_يا الفرح أوَّل الشهر...يا كل واحد فينا يكمِّل حياته بعيد عن التاني.
شهقت إيمان ونهضت من مكانها، فهي تعرف عناد ابنتها كما تعرف عناد آسر:
_صلُّوا على النبي كده...مالكم أنتوا الاتنين؟
ثم التفتت إلى آسر قائلةً بهدوء:
_حبيبي، اهدى...الكلام يكون بالراحة. دي جوازة، مش لعب عيال، ولمَّا باباها ييجي اتكلِّم معاه.
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بجمود:
_عمِّتو...أنا قلت اللي عندي، وده آخر كلام.
ثم همَّ أن يغادر.
أسرعت سدن تقول بضيق:
_شايفة يا ماما؟ بدل ما ياخدني في حضنه ويقول لي هعملِّك اللي إنتِ عايزاه...أهو ده ردُّه دايمًا.
لكزتها إيمان بخفَّة:
سدن...إحنا هنا في مصر، إيه ياخدك في حضنه دي؟ ده خطيبك.
اقتربت سدن من آسر ونظرت إليه بعناد:
_ولو...إيه الفرق بين خطيبي وجوزي؟ الاتنين واحد يا ماما.
رفع آسر بصره إلى عمَّته، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الصدمة:
_بنتك مش عارفة الحدود يا عمِّتو... فهِّميها، دي هتكون مسؤولة عن بيت وأولاد.
فتحت سدن عينيها بدهشة:
_أولاد!!.مش لمَّا نتجوز الأوَّل؟
حدَّق بها وكأنَّها كائن هبط للتو من كوكب آخر:
_إنتِ بتقولي إيه؟!.
_آسر...اسكت، قالتها ثم اقتربت من ابنتها وربتت على وجنتها بحنان:
_بصِّي يا سدن، الخطوبة مش معناها إنِّك بقيتي مراته، لكنَّها برضو مش معناها إنُّكم غرب عن بعض تمامًا.
المسموح بين المخطوبين إنُّكم تتكلِّموا، تخرجوا في وجود الأهل أو بعلمهم، تتعرَّفوا على طباع بعض، تتطمِّنوا لبعض، وتسألوا عن أحلام بعض ومستقبلكم.
ثم نظرت إليها وتابعت:
_لكن في حدود لازم تتحافظ...لا أحضان، ولا قبلات، ولا خلوة كأنُّكم متجوزين، لأن الجواز له حقوقه، وربِّنا جعل لكلِّ مرحلة حرمتها وجمالها.
ابتسمت لها برفق وهي تقرص وجنتها:
_تقدري تفرحي إنُّه خطيبك، وتدعي ربِّنا يتمِّم لكم على خير، وتزعلي لو اتأخَّر عليكي، وتفرحي بكلامه واهتمامه...لكن مش كل حقوق الزوجة تبقى من حقِّ المخطوبة..يعني حبيبتي مينفعش أصلًا تحضنيه، ولا حتى تمسكي إيده، الدين بتاعنا أمرنا بكدا.
_يوه يا ماما، هنرجع للدين، مالكلِّ مسلم وبيعمل اللي هوَّ عايزه، الممثِّلين دول مش بيلبسوا ويخرجوا ويحضنوا بعض؟.
_إنتي بتقارني نفسك بدول؟!.
_اهدى يا آسر...قالتها إيمان والتفتت إلى ابنتها:
_حبيبتي، مش كلُّه زي بعضه، يعني الراقصة اللي بترقص دي مش مسلمة، ورغم كدا شايفة بتعمل إيه، إحنا ناخد الأفضل ونقارن بينهم مش تقولي ممثِّلين.
ثم أشارت إلى آسر:
ولو هوَّ بيحط حدود بينكم، فده مش معناه إنُّه مش بيحبِّك...بالعكس، أوقات أكتر واحد بيحبِّك هوَّ اللي يخاف يتخطَّى حدِّ ربِّنا لسه ما أحلَّهوش، ضمَّت وجه ابنتها بين يديها:
_اصبري شوية يا بنتي...يوم ما تبقي مراته بجد، محدش هيقدر يقول إنِّ حضنه مش مكانك أو إن قربه منِّك غلط..لكن دلوقتي، خلِّي للحلال شوقه وحلاوته.
لازم تعرفي أصول دينك علشان لمَّا يبقى عندك أولاد، تعرفي تتعاملي معاهم.
حبيبتي افتكري لمَّا كنتوا صغيرين إزاي كنتي إنتِ وأختك بتصلُّوا وتحفظوا قرآن، قبل ما تكبروا وتختلطوا بالعالم اللي غلطت فيه أنا وباباكي لمَّا اخترنا نربِّيكم هناك، دلوقتي رجعتي بلدك، بصِّي حواليكي وشوفي البنات الصح بيعملوا إيه، اقرأي عن أصول دينك، إنتي كبرتي مبقتيش صغيرة وبكره هيبقى عندك أولاد.
_إنتي كمان بتقولي أولاد يا ماما، أنا مش عايزة أولاد.
_نعم يا ختي؟!.
_ايه، في دي هتجبرني كمان؟.
باااس...إنتَ وهيَّ.
قالتها إيمان بحزم، ثم التفتت إلى ابنتها:
_أمال مخطوبة ليه، ما كنتيش عارفة إن آخر الخطوبة جواز؟ وبعدين قلت له اتكلِّم مع باباها...مش معاكي.
عبست سدن:
_يعني إيه يا ماما؟
_يعني تفكَّري في كلامه...يا الجواز، يا كلِّ واحد يروح لحاله.
قالتها ثم صعدت إلى الأعلى.
وقفا ينظران إلى بعضهما لعدَّة ثوانٍ.
اقتربت منه ببطء حتى أصبحت أمامه مباشرة:
_آسر...أنا عايزة وقت.
نظر إليها طويلًا، ثم سأل بصوتٍ خافت:
_سدن...إنتِ بتحبِّيني بجد؟
تاهت ملامحها..سؤال بسيط...لكنَّه هزَّ شيئًا بداخلها.
رفعت عينيها إليه وقالت بصوتٍ مرتبك:
_معرفش...إنتَ شايف إيه؟
رفع يديه وأحاط وجهها بين راحتيه:
_شايف إنِّنا محتاجين نقرَّب من بعض أكتر...تحاولي تفهمي طباعي، وأنا أوعدك أحاول أفهمك.
ابتلعت ريقها:
_طيب...وإنتَ بتحبِّني؟
تجمَّد...فسؤالها أصابه في مقتل.
ارتبك نبضه، وشعر أن قلبه توقَّف للحظة.
صمت طويلًا...طويلًا جدًّا..حتى لكزته بخفَّة.
فقال بصوتٍ خافت:
_أنا...مش بكرهك.
ابتسمت فجأة:
_يعني بتحبِّني يا آسر؟
ارتفعت دقَّات قلبه بعنف، كأنَّها تحتجُّ عليه.
ولأوَّل مرَّة...عجز عن الكلام.
فاكتفى بهزَّة صغيرة من رأسه.
ابتسمت، واقتربت أكثر، ثم وضعت رأسها فوق صدره، ولفَّت ذراعيها حول خصره:
_أنا عايزة أعيش إحساس الحب معاك يا آسر.
أغمض عينيه..وفي داخله كانت عاصفة.
عقله يقول:
_ستكون زوجتك...تقبَّل الأمر.
أمَّا قلبه...
فكان يصرخ بشيءٍ آخر تمامًا.
ابتعد عنها قليلًا، رسم ابتسامة شاحبة:
_سدن...مينفعش نقرَّب من بعض بالشكل ده، وقت ما نكتب كتابنا... اعملي اللي إنتِ عايزاه..زي مامتك ما قالت
رفعت رأسها إليه، وعيناها ممتلئتانِ بالاعتراض.
وضعت كفَّيها على وجهه:
_بس إنتَ حبيبي...ومن حقِّي عليك..
رفع إصبعه ووضعه برفق فوق شفتيها:
_حاليًا...مالكيش حق، ولا أنا ليَّا حق..حتى وقفتنا دي غلط...فهمتي؟
هزَّت رأسها بعنادٍ طفولي:
_أنا ماليش دعوة بكلِّ ده، عاداتك دي لنفسك يا آسر...أنا عايزة أحس إنِّي مخطوبة، وإنِّ خطيبي بيحبِّني.
تنهَّد باستسلام:
_وده أعمله إزاي؟
وفي لحظة دون تفكير...
ارتفعت على أطراف أصابعها، وطبعَت قبلة سريعة على شفتيه.
تجمَّد...ثم تراجع عنها كأنَّ النار لسعته.
ورفع عينيه إليها.
نظرة واحدة فقط..كانت كفيلة أن تسلبها أنفاسها.
ارتعشت من ردِّة فعله، لماذا كل هذا الغضب من قبلةٍ عادية؟.أمَّا هو فاستدار بسرعة واتَّجه إلى الخارج
وفي داخله إعصار.
إعصار يريد أن يحطِّم كل شيء.
للمرَّة الثانية تفعلها...وللمرَّة الثانية تدفعه إلى الجنون.
توقَّف فجأة في منتصف الطريق،
وسأل نفسه:
_أنا مضايق ليه؟...ما هي هتبقى مراتي.
فأجابه قلبه فورًا:
_لا...إنتَ مضايق لأنَّك حاسس إنَّك خاين.
شدَّ على شعره بعنف:
_خاين ليه؟ أنا متضايق لأن ده غلط... لأنَّها لسه خطيبتي، وحرام تقرَّب منِّي بالشكل ده.
ضحك قلبه بسخرية مريرة:
_ولما حضنت حبيبتك...مكنش حرام؟ ولمَّا كنت سعيد بقربها...مكنش غلط؟
أغمض عينيه بقوَّة:
_متقارنش...
_ليه؟
صمت، فأكمل قلبه:
_لأن دي مش آسيا؟
ضاقت أنفاسه:
_بس دي...مش حبيبتي، دي بنت بتحاول ترسم طريقها بالتلاعب...وأنا بكرهها.
ضحك قلبه مرَّةً أخرى، ضحكة موجعة:
_آه..عارف الكره ده كويس.
ثم همس في أعماقه:
_الكره اللي يخلِّيك تغار...والكره اللي يخلِّيك تخاف عليها...والكره اللي يخلِّيك تتهرَّب من الحقيقة.
فتح عينيه ببطء...
وتساءل لأوَّل مرَّة بصدق:
_هوَّ أنا ممكن أحب سدن زي ما حبِّيت آسيا؟.
انقبض صدره، كأنَّه رافض تلك الكلمات.
صفعه قلبه:
_تراجع عن ذلك الطريق، إنَّك تخطئ.
بمزرعة الجارحي...
كانت تسير بين الأشجار، أصابعها متشابكة بأصابعه، النسيم يداعب خصلاتها، وأشعة الشمس تتسلَّل بين الأغصان بمظهرٍ خلَّاب.
رفعت عينيها إليه وقالت بابتسامة صغيرة:
_تعرف...بقيت أحب آجي هنا أوي.
ابتسم حمزة، ثم ضمَّها إلى جانبه وهو يواصل السير ببطء:
_وإحنا صغيرين، كل ما كنَّا ننزل مصر، بابا كان لازم يجيبنا هنا...المكان ده كان له سحر خاص، هادي، جميل، كل حاجة فيه طبيعية...الهوا نضيف، والزرع يريَّح القلب...بس كان ناقصه حاجة مهمَّة.
توقَّفت ونظرت إليه باستغراب:
_إيه هيَّ؟
رفع يده برفق، وأمسك بذقنها، ثم غرق بعينيها وكأنه لا يرى سواهما:
_كان ناقصه الشمس اللي تنوَّره...إنتِ يا شموسة.
اتَّسعت ابتسامتها، واحمرَّت وجنتاها، ثم دفنت وجهها في صدره:
_إنتَ أحسن حاجة حصلت لي يا حمزة.
أغمض عينيه وهو يضمُّها بقوَّةٍ أكبر:
_نفسي أجيب لك الدنيا كلَّها...وأحطَّها بين إيديكِ.
ابتعدت قليلًا، تنظر إليه بعينينِ ممتلئتينِ بالحب:
_ومين قالَّك إن ناقصني حاجة؟...أنا معايا الدنيا كلَّها وأنا بين إيديك.
لكن ابتسامتها خفتت شيئًا فشيئًا، وتسرَّبت ذكريات حزينة..
تنهَّدت، ثم قالت بصوتٍ هادئ:
_وأنا صغيرة...بابا كان بياخدنا برضه المزرعة...أكيد عارفها.
أومأ برأسه..
_بس أنا...مكنتش بحبِّ أروح.
رفع حاجبيه بدهشة:
_ليه؟!
ابتسمت بحزن:
_علشان يوسف.
صمتت قليلًا، مع ذكريات منها المؤلم:
_يوسف كان بيرفض يروح معانا...بابا كان بيمنعه يركب الخيل، وهوَّ كان بيعشق الخيل بشكل جنوني..ولمَّا بابا رفض...يوسف رفض يروح من الأساس.
انخفض صوتها أكثر:
_وكان كلِّ أجازة ياخد بلال ويسافروا... لدرجة إنِّي بقيت أكره الإجازة نفسها، لأنَّها كانت بتسرق يوسف منِّي.
ارتجف صوتها في الجملة الأخيرة:
_حتى لمَّا خلَّص الثانوية وأصر يكمِّل تعليمه بره، بعد ما بابا رفض دخوله كلية الشرطة...ذكرياتي في الفترة دي مش حلوة خالص..
كنت بستنى الأيام اللي يرجع فيها... أعدَّها يوم بيوم..اليوم اللي كان يدخل فيه البيت كنت بحس إنِّ روحي رجعتلي...واليوم اللي كان يمشي فيه، البيت كلُّه كان بيبقى فاضي.
نظر إليها حمزة بصمت، يشعر بألمها كأنَّه يراه أمامه.
تابعت بصوتْ متهدِّج:
_إنتَ عارف...أوَّل حياتي أصلًا مكنتش مع بابا، أنا فاكرة حاجات بسيطة، لكن لمَّا كبرت فهمت كلِّ حاجة.
ابتلعت غصَّتها:
_لمَّا كنت بشوف عناد يوسف مع بابا، مكنتش فاهمة ليه بيعمل كده...وليه بابا بيرفض له كلِّ حاجة.
أخذت نفسًا عميقًا:
_وبعدين فهمت...بابا كان خايف.
رفعت عينيها إليه وقد امتلأتا بالدموع:
_خايف يحس بالفقد مرَّة تانية... وخايف على يوسف أكتر من نفسه.
سكتت لثوانٍ، ثم خرج صوتها مكسورًا:
_ويوسف..كان متهوِّر، وبابا كان بيخاف عليه أوي، اللي يشوف بابا يقول قاسي، بس هوَّ حنين أوي، وإحنا عنده أغلى من حياته، علشان كدا مبحبش أشوفه حزين، إنما يوسف ذكريات الماضي معانا بتوجعه.
بدأت دموعها تتجمَّع.
ابتسمت وسط دموعها:
_يوسف مكنش مجرَّد أخ...كان كلِّ حاجة..
كان صاحبي، وأماني، وضهري...كان الشخص اللي لمَّا يضحك، الدنيا كلَّها تضحك في وشِّي، ولمَّا يبعد...أحس إنِّي تايهة.
اختنق صوتها:
_علشان كده...كلِّ الذكريات الحلوة اللي عندي مرتبطة بيه.
ابتسمت بحنين:
_آه...ضي عمرها ما سابتني، وعلاقتنا كانت حلوة، يمكن أحلى من علاقتي برولا...بس يوسف...
توقَّفت الكلمات في حلقها:
_يوسف...غير..مش اخويَ دا أبويَ.
نظر إليها حمزة طويلًا، ورأى في عينيها حبَّ أخت لأخيها أكبر من أي شيء.
اقترب منها ببطء، ثم انحنى وطبع قبلة حانية فوق جبينها.
وبصوتٍ امتزجت فيه الغيرة بالحب، قال:
_بغير يا شموس...
رفعت عينيها إليه بدهشة.
ابتسم وهو يضمُّها إلى صدره:
_بغير من أي حد أخد حتَّة من قلبك قبلي...حتى لو كان يوسف.
ضحكت وسط دموعها..
قال وهو يربت على رأسها بحنان:
_طيب...إيه رأيك نركب الخيل؟
اتَّسعت عيناها بفرحةٍ طفولية، وصفَّقت بيديها سريعًا:
_بجد؟!
لم تنتظر إجابته، بل ركضت نحو حصانها الأبيض..توقَّفت أمامه، ومدَّت كفَّها تربت على عنقه، ثم احتضنت رأسه الصغيرة وهي تبتسم:
_وحشتني أوي...بقيت زي تميم، كلِّ ما أبعد عنه شوية يوحشني.
ابتسم حمزة وهو يقترب منها:
_أممم...حتى الحصان بقى له مكان في القلب؟
رفعت رأسها إليه، بابتسامة.
ضحك بخفوت:
_طب إيه...مش هتركبيه؟
التفتت إليه سريعًا:
_هركبه...ووعد، مش هجري بيه.
اقترب منها، وضمَّها من كتفيها بحنان، ثم رفع صوته نحو السايس:
_جهِّز حصان شمس هانم يا عمُّو جميل.
وقبل أن يردَّ الرجل، شقَّ صهيل قوي
التفت الاثنان في آنٍ واحد.
كان حصان أسود يعدو بين الزروع بخطواتٍ عصبية، وفوقه عمران، يمسك اللجام بقوَّة، وكأنَّه يفرغ غضبه في سرعة الحصان وجنونه.
زفر حمزة بقوَّة، واضعًا يديه على خصره.
أمَّا شمس فتراجعت خطوة، وعيناها تتابعان عمران بحزن:
_لسه زعلان من باباك؟
أومأ حمزة ببطء:
_وله حق...بابا وماما غلطوا، دي حياته، وهوَّ مش طفل علشان يفرضوا عليه علاقة هوَّ مش عايزها.
ظلَّت عيناها معلَّقتين بعمران الذي يدور بحصانه بين الأشجار، وكأنَّ قلبه هو الآخر يركض هربًا من شيء يؤلمه.
قالت بصوتٍ خافت:
_متزعلش منِّي...بس البنت حلوة وهادية، ليه عمران ما يجربش يقرَّب منها؟ يمكن يلاقي فيها اللي بيدوَّر عليه.
التفت إليها حمزة، ونظر إليها بدهشة، ثم تنهَّد:
_شمس...في حاجات القلب بيقولها من أوَّل نظرة، ولو أوَّل مرَّة ما هزتوش...يبقى عمرها ما هتأثَّر فيه.
نظرت إليه بعينينِ حزينتين:
_بس طنط دينا زعلانة أوي يا حمزة.
أطرق برأسه لحظة، ثم رفع عينيه نحو عمران البعيد:
_أوقات الأمَّهات بتفتكر إن السعادة ممكن تتفرض...وإن الحب ييجي مع الوقت، لكن الحقيقة إن القلب عنيد، ولو رفض...محدش يقدر يجبره.
ثم ابتسم لها ابتسامة هادئة، محاولًا أن يبدِّد حزنها:
_يلَّا...روحي شوفي تميم لحدِّ ما عمُّو جميل يجهَّز الحصان...وأنا هروح أشوف المجنون ده قبل ما يطلَّع روحه وروح الحصان معاه.
ابتسمت شمس، وأومأت برأسها:
_تمام.
بعد قليل وصل الى عمران الذي نزل من فوق حصانه وجلس شاردًا في حديث والده:
_ماما مش قالت لك عندنا ضيوف، منزلتش ليه؟.
_مصدَّع يا بابا وعايز أنام، وبعدين دول ضيوفك.
_اجهز وانزل، مفيش حاجة اسمها ضيوفي، إذا كان أخوك اللي لسة واصل من شغله نزل، ينفع يا أستاذ الجامعة؟.
_حاضر يا بابا، هاخد شاور وأنزل.
بعد قليل نزل وجد صديق والده وزوجته وابنته، ضغط على شفتيه حين علم بماذا يدور بعقل والده.
ألقى السلام، فرفعت جنَّات نظرها إليه بابتسامة، اقترب محييِّ الجميع، وبعد فترة غادر الصديق، فنهض متَّجهًا إلى غرفته ولكن أوقفه والده:
_إيه رأيك في جنات؟ البنت حلوة ومؤدبة ومن عيلة.
_مش فاهم قصدك يا بابا، مالي ومالها، بتسألني عليها ليه؟.
اقتربت دينا بابتسامتها:
_بابا قصده نخطبها لك يا حبيبي.
_ليه بابا هوَّ اللي هيتجوز؟!
_ولد...اتجنِّنت.
التفت إلى والده:
_لمَّا أحب أتجوز أنا اللي هختار شريكة حياتي يا بابا، زي حضرتك كدا، يعني أبويا يتجوز أمُّي برضاه وغصب عن العيلة وأنا أتجوز باختياركم!
_إنتَ اتجنِّنت، إزاي ترد عليَّ كدا؟!
توقَّف حمزة بينهما:
_بابا اهدى، هوَّ ما يقصدش، بيهزَّر معاك.
وإنتَ اطلع أوضتك دلوقتي، نتكلِّم بعدين.
التفت إلى حمزة:
_ولا دلوقتي ولا بعدين، وعرَّف بابا مستحيل أتجوز بالطريقة دي.
قالها وصعد مع كلمات إسحاق الغاضبة:
_كبرت على أبوك وبقيت تبجَّح فيه يا أستاذ الجامعة.
خرج من شروده على هزَّة خفيفة من يد حمزة:
_قاعد كدا ليه؟.
هزَّ كتفه وقال:
_عادي، بستمتع بالطبيعة..
رفع نظر إلى أخيه:
_هنزل القاهرة..عندي محاضرة بعد ساعتين.
أومأ ل وهو يغادره ، إلَّا أنَّ حمزة أوقفه:
_ممكن ترجع البيت تاني، وتحاول تمتص غضب أبوك، وهوَّ مستحيل يجوِّزك بالغصب.
_لمَّا أرجع نتكلِّم.
بعد قليل وصل إلى الجامعة، صعد إلى مكتبه، بينما في داخل القاعة
جلست فرح في أوَّل القاعة تتأفَّف على ما صار لها، من بعض الشباب، نظرت بساعتها، تقول لصديقتها بصوتٍ مرتفع:
_وبعدين الدكتور البارد اللي كلِّ مرَّة يضيَّع نصِّ المحاضرة، تمتمت بها ولم تلاحظ دخوله، ينظر إلى جلوسها وصوتها المرتفع، توقَّف وألقى السلام، ليردَّ عليه الجميع، فيما جحظت عينيها وهي تراه يرمقها بصمت رغم نظراته الناريَّة إليها.
لكزتها صديقتها:
_قولت لك شوفته وهوَّ داخل الجامعة.
لم ترد على صديقتها بل توقَّفت نظراتها عليه وهو يتحدَّث عن شيء في المادَّة.
دنت صديقتها تهمس إليها:
_مش ملاحظة حاجة؟.
التفتت برأسها تنتظر حديثها.
_الدكتور النهاردة صوته حزين، ممكن يكون مضَّايق منك.
_ليه وأنا قولت إيه؟.
توقَّف عن الحديث ثم أشار الى فرح وصديقتها:
_برة المحاضرة أنتوا الاتنين.
توسَّعت عيناها بذهول من ردِّ فعله، توقَّفت صديقتها:
_كنت بسألها عن حاجة في المادَّة يادكتور..
آسفة مكنش قصدنا نضايق حضرتك.
بينما جمعت فرح كتبها ودون أن تنظر إليه خرجت من القاعة، وعين الجميع عليها.
مضت الأيام سريعًا، وكأنَّها تهرول نحو موعد لا يريده البعض ويخشاه البعض الآخر.
وبعد إصرار آسر على إقامة الزفاف قبل مرور العام كاملًا، وبعد محاولاته التي لم تنقطع لإقناع سدن، ورغم اعتراض يوسف وبلال وسعيهما لمنعه من إتمام تلك الخطوة، ورغم امتناع آسيا عن حضور أي تجمع قد يجمعها بآسر...مرَّت ثلاثة أسابيع كاملة.
ثلاثة أسابيع قضتها بين عملها وغرفتها، وبين ساعاتٍ قليلة تجلسها مع شقيقتها ورولا، هاربةً من كل ما يوقظ قلبها أو يعيد إليها ما تحاول دفنه.
إلى أن حُدِّد موعد الزفاف.
ترجَّلت من سيارتها، لمحَت بلال يقترب برفقة رولا.
ابتسمت ابتسامة متعبة، ثم قالت:
_ إيه..كنتوا عندنا، فيه حاجة؟
أجابها بلال وهو يرمقها بنظرةٍ هادئة:
_ رولا كانت بتودِّي فستان الفرح لسدن.
_فستان الفرح...
كلمتان فقط، لكنَّهما هبطتا فوق قلبها كصخرة.
ارتجفت أنفاسها، وذهبت عيناها لا إراديًا نحو المنزل، كأنَّها تبحث عن شخص تحاول نسيانه.
أغمضت عينيها لثوانٍ، تبتلع تلك الغصَّة الحادَّة التي شقَّت صدرها، ثم همست بصوتٍ خافت:
_ ربِّنا يسعدها.
راقبتها رولا لحظة، ورأت ذلك الوجع المختبئ خلف ابتسامتها الواهنة، فتقدَّمت منها وربتت على ذراعها بحنان:
_ أنا وصِّيت ضي تصمِّم لك فستان على ذوقي للحنَّة والفرح...ومش عايزة أي اعتراض.
التفتت إليها آسيا بدهشة، وكأنَّها نسيت لوهلة أنَّ هناك فرحًا، وأنَّ عليها هي الأخرى أن ترتدي ثوبًا وتبتسم.
وقبل أن تنطق، قال بلال وهو يلتقط مفاتيحه:
_حبيبتي، هروح ليوسف شوية...ابقي عدِّي علينا هناك.
قطَّبت جبينها، وسألته بتعجب:
_ دلوقتي؟...هوَّ يوسف رجع من الفيلَّا؟
أومأ برأسه وهو يتحرَّك:
_ آه...رجع من شوية.
راقبته حتى ابتعد، ثم عادت بنظرها إلى رولا التي كانت تراقبها هي الأخرى.
سألتها بصوتٍ شارد:
_ ليه سدن مش عايزة تكتب الكتاب يوم الحنَّة؟
عقدت آسيا حاجبيها باستغراب:
_ مين قالك كده؟
_ هيَّ...قالت من شوية.
صمتت آسيا قليلًا ثم هزَّت كتفيها:
_ معرفش...يمكن في حاجة في دماغها، اسأليها.
ربتت على كتفها بحنان، ثم تحرَّكت نحو المنزل.
بعد دقائق، وصلت آسيا غرفة شقيقتها..
كانت سدن تجلس على طرف الفراش، وبين يديها بعض الأغراض الخاصَّة بالزفاف، لكن عينيها كانتا شاردتين... وكأنَّهما لا تريان شيئًا.
اقتربت منها آسيا وجلست جوارها، ثم قالت برفق:
_الفستان حلو أوي يا سدن مبروك عليكي
_بس مش عجبني، أنا اخترت واحد، وهوَّ راح جاب دا.
_سدن...الفستان التاني حبيبتي قصير أوي، غير إنُّه فعلًا مينفعش يتلبس، إحنا مش في أمريكا.
_إنتِ بتقولي كدا يا آسيا! أنا من حقِّي أختار فستان فرحي.
_وهوَّ من حقُّه يتباهى بيكي قدَّام العيلة، البنات كلَّها محجبة، مينفعش تقعدي بفستان هوَّ شايفه قميص نوم.
تأفَّفت ونهضت من مكانها:
_انسي...هشوف حاجة مناسبة.
اقتربت آسيا منها:
_ حبيبتي...ليه قولتي لخالو يخلِّي كتب الكتاب يوم الفرح؟ كنا عايزين نفرح بيه يوم الحنَّة.
رفعت سدن عينيها إليها، وحاولت أن تبتسم، لكن ابتسامتها جاءت باهتة:
_ إيه الفرق؟ يوم الحنة من يوم الفرح...نستنى، سيبك إنتِ دلوقتي من كتب الكتاب، وتعالي...جبت لك هدية حلوة.
اتَّسعت عينا آسيا بدهشة:
_ جبتيلي أنا؟! أنا اللي المفروض أجيب لك يا عروسة.
مدَّت سدن يدها، سحبت كفَّي أختها وأجلستها بجوارها فوق الفراش.
ثم ظلَّت تنظر إليها لثوانٍ طويلة... بشكلٍ أثار القلق في قلب آسيا.
وأخيرًا، قالت بصوتٍ مبحوح:
_ الأوَّل جاوبيني بصراحة...إحنا بقالنا كتير أوي ما حكيناش لبعض.
إنتِ بتحبِّي نور، ولَّا لسة مارسيل معلَّق في دماغك؟.
طالعتها آسيا للحظات، وارتجفت شفتاها:
_ليه بتسألي؟.
_علشان كنتي بتهلوسي وتقولي بحبُّه أوي، مين يا آسيا؟ هتخبِّي عليَّ.
هبَّت من مكانها وقالت:
_أنا جاية تعبانة وإنتِ رايقة، ياله نامي علشان ترتاحي كويس، حنتك قربت
قالتها واستدارت للمغادرة، إلَّا أنَّها توقَّفت على كلمات سدن:
_تعرفي...أنا كرهت مصر أوي.
قالتها مع دمعة تحرَّرت من عينيها.
شهقت آسيا وكأنَّ أحدهم صفعها:
_ ليه بتقولي كده؟
احتضنت وجهها بين كفَّيها سريعًا، وأزالت دموعها بإبهاميها، ثم ابتسمت محاولةً التخفيف عنها:
_ كلها كام يوم وهتبقي مع حبيبك...ودي لوحدها تساوي الدنيا كلَّها.
لكن كلماتها كانت كمن كسر السد..
فانفجرت سدن في البكاء.
بكاء مرير...موجوع...وكأنَّها كانت تنتظر فقط كلمة واحدة لتنهار.
نظرت إلى أختها بعينينِ غارقتينِ بالدموع وهمست:
_ ياريتنا ما جينا هنا يا آسيا...إنتِ كنتِ صح.
تجمَّدت ملامح آسيا.
شعرت وكأنَّ قلبها توقَّف عن النبض.
وأكملت سدن بصوتٍ متقطِّع:
_ إحنا...منعرفش نعيش هنا...ولا نعرف نتأقلم في الحياة دي.. كلها اوامر بس، انا مش قادرة اكمل مع اسر، حاسة اني مبقتش عايزة اشوفه من كتر مابيخنقني بأوامره
_ليه بتقولي كدا حبيبتي، سدن، متفكريش في كدا، فكري انك هتتجوزي اللي بتحبيه بس
_سيبك انت من اللي بحبه، عايزة اقعد معاكي وقت طويل، وانت دايمًا في الشغل
رفعت آسيا يدها المرتجفة، وأمسكت بذقنها برفق:
_سدن...بصِّيلي.
رفعت الأخرى عينيها بصعوبة.
_ إنتِ مخبية عليَّا إيه؟
ارتجفت شفتا سدن، وانكسرت نظرتها.
ثانية واحدة فقط...
ثم ألقت نفسها داخل أحضان شقيقتها.
التصقت بها بقوَّة، وكأنَّها تخشى أن تُنتزع منها.
وارتفع بكاءها بصورة مزَّقت قلب آسيا.
_ خديني في حضنك يا آسيا...
شهقة خرجت من صدرها وهي تتشبَّث بها أكثر:
_ عايزة أشبع من حضنك...
تجمَّدت آسيا.
تلك الكلمات...لم تكن كلمات عروس قبل زفافها بعدة ايام قليلة
كانت كلمات شخص يودِّع شخص خائف...
أو مكسور...أو يحمل فوق كتفيه سرًّا أكبر من احتماله.
احتضنتها بقوَّة، وبدأت تربت على ظهرها بيدٍ مرتجفة، بينما الخوف يتسلَّل إلى قلبها ببطء.
ثم أغمضت عينيها، وهمست بصوتٍ اختنق بالدموع:
_ متخوِّفنيش يا سدن...فيه إيه؟.
_لمَّا تقولي لي بتحبِّي مين؟.
_نور...قالتها سريعًا دون تفكير.
احتضنت كفَّ أختها وابتسمت:
_كنت حاسة، نور شخص كويس، وشكله بيحبِّك أوي، المهم تأكَّدي زي ما طلبتي منِّي، إنِّك بتحبيه.
_سدن...ليه بتقولي كدا؟.
أزالت دموعها ورسمت ابتسامة:
_بنصحك..مش دايمًا تنصحيني.
ابتسمت آسيا وقالت:
_خضِّتيني...نظرت للصندوق وأشارت إليه:
_إيه الهدية دي؟.
_بعد الفرح افتحيها، أوعديني مش تفتحيها غير بعد الفرح.
_وعد.
قالتها وقبَّلت أختها.
صباح اليوم التالي...
بمنزل يزن...
دلفت سدن إلى الداخل، تبحث بعينيها عنه، فقابلتها رحيل في الردهة.
ـ سدن! فيه حاجة؟
هزت رأسها وهي تتلفت حولها.
ـ كنت عايزة أسر... هو مش هنا؟
أشارت رحيل إلى الحديقة.
ـ لسه صاحي من النوم، بيفطر عند البيسين... ويوسف معاه.
ـ تمام... هشوفه.
خطت عدة خطوات، لكنها توقفت فجأة حين وصلها صوت يوسف الغاضب.
ـ وأنا مش هحضر الفرح... يبقى اتجوز لوحدك!
رفعت رأسها بدهشة، بينما كان يوسف يشير إلى أسر بحدة.
ـ اسمعني كويس يا أسر... أنا متأكد إنك مبتحبش سدن، وإنك واخدها مسكن علشان تنسى غيرها... بس إنت بتغلط.
رفع أسر فنجان القهوة إلى شفتيه، ثم قال ببرود مستفز:
ـ لو مفيش حاجة تانية تقولها... امشي يا يوسف. عايز أفطر بمزاج.
جز يوسف على أسنانه واقترب منه.
ـ هقول لأبوك... وشوف لما يعرف هيعمل إيه.
تراجعت سدن سريعًا قبل أن يراها، وقلبها يهوي داخل صدرها.
همست لنفسها بصوت مرتعش:
ـ غبية يا سدن... كنتِ متأكدة إنه مش بيحبك.. لازم تتصرفي قبل ماتورطي نفسك
_بس ازاي والفرح بعد تلات ايام بس
جواز سفري مع بابا، لازم تخليكي مع اسر علشان تجيبي جواز السفر، ماهو لازم هياخده علشان حجز شهر العسل
شهر العسل... تمتمت بها بسخرية ثم
شعرت بوخزة مؤلمة في قلبها، وكأن كل شيء انهار دفعة واحدة.
أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم فتحتها بعناد.
استجمعت شجاعتها واتجهت نحوه.
ألقت تحية الصباح بصوت خافت:
ـ صباح الخير.
رفع عينيه إليها... وابتسم.
توقفت أنفاسها للحظة.
كيف تغير شعورها نحوه بهذه السرعة؟
لم تعد تراه كما كانت تراه
أصبح غريبًا... مؤلمًا.. وربما مخيفًا.
ـ سدن!
انتبهت على صوته.
اقتربت خطوة وقالت:
_اسر انت كنت بتحب مين
تجمد جسده للحظات، ثم رفع اليها
_عايزة ايه ياسدن
_لما انت مش بتحبني، يبقى ليه نتجوز
_انتي سمعتي كلام يوسف
_رد علي انت كنت بتحب مين، ولما بتحبها ليه عايز نتجوز...
_سدن الفرح بعد يومين
_يعني ايه يااسر، هتتجوزني وانت مش بتحبني
_مش اتكلمنا قبل كدا في الموضوع، مين قالك كدا، يوسف مضايق من حاجة تانية، انتي فهمني غلط
_والله...
اومأ لها دون حديث
سحبت نفسًا وزفرته
_طيب مش هلبس الفستان اللي بعته.
عاد إلى طعامه وكأنه لم يسمعها.
اقتربت أكثر.
ـ أسر... أنا بجد مش عايزة أكمل الجواز.
توقفت يده عن الحركة لثوانٍ.
رفع عينيه إليها ببطء.
ثم قال بهدوء أربكها:
ـ الفرح هيكون في الفندق... بابا لقى قاعة المناسبات كلها غرقانة مية. كلمت الفندق وحجزتلك... خدي رولا وروحي شوفي الروم اللي تعجبك.
اتسعت عيناها.
ـ وأنا بقولك مش عايزة أكمل الجواز! إيه... هتتجوزني غصب عني؟
دفع المقعد بعنف حتى انتفضت في مكانها.
نهض واقترب منها بخطوات بطيئة.
كان يبتلع ما في فمه وعيناه لا تفارقانها.
ـ فطرتي؟
رمشت عدة مرات.
ـ إيه؟... اقترب أكثر.
ـ بقولك... فطرتي يا مراتـي المستقبلية؟
ابتلعت ريقها بصعوبة.
ـ شبعانة... ماليش نفس.
في لحظة جذبها من ذراعها، فاصطدمت بصدره.
شهقت وهي تنظر إليه.
انحنى قليلًا حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها.
ـ سمعيني بقى... كنتِ بتقولي إيه؟
ارتجف جسدها بالكامل.
كان قريبًا جدًا...قريبًا لدرجة أنها تسمع أنفاسه.. رغم ذلك لم تعد بارتعاشة قلبها كما كان في البداية، لعنت نفسها لأنها لم تستمع الى حديث اختها، حين قالت،، "اتأكدي انك بتحبيه وانه بيحبك"
_سدن مش بتردي ليه
هزت رأسها بسرعة.
ـ هو... هو أنت هتاكلني ولا إيه؟
أغمض عينيه للحظة، ثم نطق اسمها من بين أسنانه:
ـ سدن...
كادت دموعها تهرب من عينيها.
ـ مكنتش بقول حاجة... كنت بقولك جبت بدلة الفرح؟
ظل يحدق بها عدة ثوانٍ، ثم ابتعد وهو يكبح ابتسامة صغيرة.
ـ هتشوفيها يوم الفرح.
استدارت بسرعة، تريد أن تهرب منه.
وهي تتمتم:
ـ والله ما أنا متجوزاك يا متخلف!
كل حاجة اوامر وزعيق
قالتها وغادرت مسرعة.
لكنها اصطدمت فجأة بيوسف.
ـ آسفة... ماخدتش بالي.
توقف وهو يحدق بوجهها.
ـ إنتِ... بتعيطي؟
هزت رأسها بسرعة.
ـ لا... ثم ابتعدت.
لكن عيني يوسف ظلتا معلقتين بها
خرج يزن من الداخل.
ـ لسه واقف؟ تعالى قولي... مالك ومضايق ليه؟
ولكن عقل يوسف لم يعد معه...
كان منشغلًا بسدن.. جلس أمام يزن، لكنه لم يسمع كلمة مما يقوله.
عند سدن
دخلت غرفة اسيا تدور بغضب
_أنا لازم اهرب، مستحيل اتجوزه، دا ميعرفش غير الاوامر، انا سمعت يوسف انه عايز يتجوز علشان ينتقم من حبيبته، انا ايه اللي عملته في نفسي دا، لازم اقول لبابا، ايوة، لا انا لازم اسافر
التفتت الى اختها التي تنظر اليها بصدمة
_عايزة جواز سفري، لازم اسافر
_سدن... اهدي، ماتبقيش مجنونة، عادي اي اتنين بيختلفوا، وعلى فكرة اسر كويس، تلاقيه متعصب من حاجة
حدجتها بذهول، تنظر اليها بغضب
_انتي اللي بتقولي كدا، حتى انتي يااسيا
لا انا هروح اقول لبابا مش عايزة اتجوز
اوقفتها اسيا
_حبيبتي اهدي، ايه اللي بتقوليه دا، كروت الفرح انطبعت، فرحك بعد يومين، انا هتكلم مع اسر، ووعد مش هخليه يزعلك تاني... تمام
_بس هو عصبي أوي يااسيا
ابتسمت تمسح دموعها
_بس بيحبك وبتحبيه، لازم تهدي شوية عليه، وعلى فكرة بعد الجواز هيتغير، ماما كانت بتحكي عن خاله يزن كان صعب اوي، حتى قالت اسر اهدى منه، شوفتي بيعمل ايه مع طنط رحيل
_تفتكري هيتغير
ربتت على خدها بحنان
_هيتغير، لانه بيحبك، امسحي دموعك، ولازم انزله، من زمان مااتخنقتش معاه، اهو اطلع كبت الشغل في المتر بتاعنا
افلتت سدن ضحكة، وحاوطت خسر اختها
_انا بحبك اوي.
مسدت اسيا على شعرها وقبلت رأسها
_وأنا كمان، علشان كدا عايزاكي تفكري في سعادتك، وعلى فكرة بقى، المتر يتحب، ويبختك بيه
_اوووه... لا دا كدا أغير عليه
ابتسمت بحزن وهزت رأسها
_حقك طبعًا حبيبتي
شاكستها ضاحكة
_مش منك أكيد، انت اختي وحبيبتي وكل حاجة لي
ضمت اختها بقوة، ونزلت دموعها
_وأنا بوعدك هعمل المستحيل علشان تبقي سعيدة، ولو وصلت اضرب لك المترين ونص
ارتفعت ضحكات الفتيات معًا
مضت فترة من الزمن حتى وصلت آسيا.
ـ هو أسر فين يا خالو؟
أشار يزن نحو الحديقة.
ـ عند البيسين يا حبيبتي.
ابتسمت.
ـ هشوفه... محتجاه في حاجة.
كل هذا... ويوسف يراقب بصمت.
ـ يوسف...جدك كويس ؟
انتبه فجأة.
ـ ها؟... آه... اه كويس
ـ وإنت عامل إيه في شغلك؟
لكن يوسف لم يجب.
نهض فجأة.
ـ افتكرت حاجة... نسيت أسأل أسر عنها. هكلمك بعدين.
أومأ يزن، بينما تحرك يوسف نحو الحديقة.
وما إن اقترب...حتى سمع صرخة آسيا.
ـ عملت فيها إيه يوصلها للجنون ده؟!
كان أسر يحتسي قهوته دون أن ينظر إليها.
ضربت على الطاولة بغضب.
ـ متحاولش تضايق أختي يا أسر... علشان هزعلك.
نهض فجأة.. وفي لحظة قبض على ذراعها بعنف.
ـ إنتِ عايزة إيه؟! مش قولتلك ابعدي عننا؟ حاشرة نفسك بينا ليه؟!
حاولت التملص وهي تضرب صدره.
ـ ابعد عني... إنت واحد مجنون!
ابتعدت عنه وهي تدلك ذراعها.
فأشار إليها بغضب:
ـ ابعدي عن حياتي يا آسيا... علشان ما أخلكيش تكرهي اليوم اللي جيتي فيه مصر.
ضحكت بمرارة والدموع تلمع بعينيها.
ـ ومين قالك إني بحبك أصلًا؟ أنا بكرهك... وبكره نفسي... وبكره البيت ده... وبكره كل حاجة مرتبطة بيك!
ثم صرخت:
ـ بس أختي لا!
وصل إليها في خطوتين.
كانت عيناه تقدحان نارًا.
ـ أختك بعد ساعات هتبقى مراتي... وفي حضني. بتحبني ولا لأ... إنتِ مالك؟!
تشنج وجهها.. وأغمضت عينيها كي لا تبكي.
ـ والله؟ متأكد من كلامك؟
فتح عينيه بضيق.
ـ لما هي بتحبك كده... ليه كانت عايزة تهرب وتسافر دلوقتي؟ ليه كانت بتقول إنها مش عايزة تكمل الجواز؟
ـ أكيد... إنت السبب.
اقتربت خطوة أخرى.وقالت
ـ أسر... لو سمحت... سدن طيبة. كلمة حلوة منك هتطير بيها من الفرحة... بلاش تنتقم مني في أختي.
فجأة أطبق على ذراعيها بقوة.
ـ وأنتقم من أختك ليه؟!
أشار إليها بأصبعه
ـ إنتِ... إنتِ واحدة كذابة!
اختنق صوته.
ـ لكن أختك...توقف لثوانٍ.
وتحولت نظراته إلى ألم يخنقه
ـ أختك بريئة... مش شيطانة زيك.
صاح بقهر:
ـ غوري من وشي... وابعدي عننا!
_انت عايز تتجوز اختي وانت
ضغط على اكتافها بقوة الامتها حتى صرخت
_انا ايه... انا بحب سدن، ايوة بحبها، وهتجوزها هي، متفكريش اني ببكي على اطلالك ياسنيورة، انت ولا حاجة
دنا منها اكثر حتى ضربت انفاسه وجهها
_ايه مصدومة، مفكرة نفسك ملكة الكون بتمشي الكل، لا.. انا مش حبيتك يااسيا، انا حبيت سدن وبس
تراجعت آسيا خطوة.. ثم أخرى.
والدموع تنهمر بغزارة.
تنظر إليه وكأن الرجل الذي أمامها ليس هو نفسه الرجل الذي أحبته
تحركت آسيا سريعًا، وما إن ابتعدت عدة خطوات حتى توقفت.
رفعت كفيها إلى وجهها، تمسح دموعها بعنف، وكأنها تريد أن تمحو معها كل ما سمعته منذ قليل.
سحبت نفسًا طويلًا... ثم زفرته ببطء، محاولةً استعادة قوتها.
لكن قلبها كان ينهار.. في النهاية، استدارت وغادرت المكان.
أما أسر...
فهوى على المقعد خلفه دفعة واحدة.
أسند مرفقيه إلى ركبتيه، وأطبق كفيه على رأسه، بينما كان جسده كله ينتفض غضبًا وقهرًا.
أنفاسه متسارعة...وعروقه بارزة...
وكأنه خرج لتوه من معركة استنزفت روحه.
كل هذا...ويوسف كان يقف بشرفة مكتب يزن بعيدًا يراقب بصمت.
دقيقة كاملة مرت عليه وهو لا يتحرك.
لا يصدق ما سمعه.
ولا يصدق أن تلك النظرات... وذلك الانكسار... وذلك الغضب...
كلها كانت لرجل يحب.ويحب بجنون.
همس لنفسه بذهول:
ـ هو... أنا فهمت صح ولا إيه؟
ظل يحدق بأسر لثوانٍ أخرى، ثم استدار واتجه إلى المنزل، بينما الأفكار تضرب رأسه بلا رحمة.
دلف إلى الداخل.فاستقبلته ضي بابتسامتها الهادئة، وهي تحمل الفستان بين يديها.
ـ تعالى... قولي إيه رأيك في الفستان؟
رفع عينيه إليها.لكن نظرته كانت شاردة...
بعيدة...كأنه لا يراها أصلًا.. انتبهت إلى ملامحه.
ـ يوسف؟
خرج صوته أخيرًا:
ـ ضي...
ابتسمت وهي ترفع الفستان.
ـ نعم يا حبيبي... استنى ألبسه علشان مترجعش تقولي ضيق ولا واسع.
لكنها توقفت فجأة...حين قال بصوت حزين:
ـ أسر... بيحب آسيا.
تجمدت في مكانها.
وانفلت الفستان من بين يديها ليسقط أرضًا.. استدارت إليه بصدمة.
ـ إيه؟!
رفع عينيه إليها ببطء.
ـ بيحب اسيا وهيتجوز اختها
شهقت وهي تحدق به.
ـ إيه اللي بتقوله ده يا يوسف؟! لا... لا أكيد فهمت غلط.
جلس على الأريكة، ومسح على وجهه بتعب.
اقتربت منه بقلق، بعدما رأت الجدية المرتسمة على ملامحه.
ـ معقول؟! لا... مستحيل. ده يبقى مجنون... دي أختها!
رفع عينيه إليها
ـ بقالي شهرين بحاول أقنعه... شهرين.
سكت لحظة ثم أكمل:
ـ كنت فاكره عنيد... أو زعلان من حاجة... لكن النهاردة سمعت حرقته بنفسي.
صمت قليلًا، وكأنه ما زال يسمع صوت أسر.
ثم قال:
ـ بيحبها اوي ياضي، شوفت نظراته وجنونه
جلست ضي بجواره.
ـ تقصد... إنه بيحبها بجد؟
خرجت ضحكة ساخرة من يوسف.
ـ بجد؟!
هز رأسه وتابع بضياع
ـ ده عاشق يا ضي... عاشق لدرجة تخوف.
تنهدت وهي تحاول استيعاب الأمر.
ـ طيب... لو كانوا بيحبوا بعض... أو هو اللي بيحبها...
رفعت عينيها إليه.
ـ إزاي وافق يتجوز أختها؟
مرر يده في شعره بعنف.
ـ نفسي أسيبه... وأقول دي حياته.
لكن...توقف واختنق صوته.
ـ بس أنا عارف النهاية.
نظرت إليه ضي بقلق.
فأكمل:
ـ عارف هيتعذب إزاي.. ثم رفع عينيه إليها.
ـ تخيلي تبقي كل يوم مع إنسانة... وكل اللي جواك لواحدة تانية.
تخيلي تنام وتصحي وتشوف ملامح شبهها...
وتفضل فاكر إن اللي في حضنك مش هي.
ضغط على عينيه بألم.
ـ ده هيموت بالبطيء.
تنهدت ضي، وقد بدأ القلق يتسلل إلى قلبها.
ـ تفتكر لو سألت آسيا هتقول حاجة؟
أدار وجهه إليها.
ـجربي
هزت رأسها ثم قالت فجأة:
ـ رولا.
رفع حاجبيه.
ـ رولا..ايوة، أومأت بسرعة.
ـ أكيد تعرف حاجة. البنات بيحكوا لبعض كل حاجة.
نهض يوسف من مكانه.
ـ مااظنش انها تعرف حاجة، دا اخوها
استدار نحوها، وعيناه ممتلئتان بالحيرة.
ـ إيه اللي حصل خلى المجنون ده يعمل في نفسه كده؟
ثم همس بحزن:
ـ وإيه اللي وجعه للدرجة دي... إنه يقرر يتجوز واحدة وهو قلبه مع أختها؟
نظرت إليه ضي بحزن.
_طيب ناوي تعمل ايه، تقول لعمو
هز رأسه بالنفي
_لا.. لا، اقول ايه لبابا، دي حياة خاصة
طب بقولك، ماتروحي الليلة لسدن كدا، وشوفي اخرها ايه، يعني بتحبه ولا ظروفها ايه، اصلي سمعتها بتقوله مش عايزة تكمل الجوازة
شهقت ضي
_يالهوي، دي اتجننت
_طب يارب تتجنن فعلا، وترفض الجواز، وندبس المتخلف في اسيا
_انت تقصد ايه
صمت ينظر بتفكير
_لو سدن فعلا مش عايزة تكمل وتهرب زي مااسيا قالت تبقى سهلة
_انت اتجننت يايوسف، تهرب ازاي، ناسي يابا وعمو، دي هتعدي ازاي من المطار
_لا مش ناسي، ومش ناسي كمان عمو مالك اللي بيحرك كل حاجة
_انت تقصد ايه
ابتسم بعدما تسللت الراحة قليلا اليه
_اقصد عايز اشوف فستان مراتي القمر، علشان تخطط معايا ندخل ابن خااي القفص
ضحكت وهي تلكزه
_حبيبي المجنون
_للا بجد عايزك تشغلي دماغ ضي، وتعرفي ايه اللي حصل
_حاضر
مساء اليوم التالي... يوم الحنّة.
امتلأ منزل كريم بأصوات الأغاني والزغاريد
لكن وسط كل تلك السعادة... كانت هناك قلوب لا تعرف الفرح.
جلست رولا في أحد الأركان، تراقب آسيا بصمتٍ موجع. كانت تعلم كل شيء بعدما أخبرتها ضي بما حدث، تحدثت مع سدن وإصرارها على عدم إتمام الزواج، فوافقت على مساعدتها رغم ما يعتصر قلبها.
تألقت سدن بفستان حنتها الأحمر، بدت كأميرة شرقية، تحيطها الفتيات بالتصفيق والرقص والغناء، لكن خلف ذلك الثوب المبهج كان قلبها يرتجف، وكأن السعادة ترفض أن تكتمل.
اقتربت من رولا وجلست بجوارها، ثم همست بقلق:
_عملتي إيه؟ النهاردة الحنّة يا رولا.
ربتت رولا على كفها وقالت بهدوء:
_متقلقيش... جواز سفرك مع يوسف، وأنا كلمت أنس وفهمته كل حاجة.
رفعت سدن عينيها إليها، وقد امتلأتا بالدموع.
_أنا مكنتش عايزة أوصل لكده يا رولا... صدقيني، بس أخوكي...
قاطعتها رولا بصوت خافت:
_مش أخويا السبب يا سدن... المهم دلوقتي، متخليش اللي بتعمليه يخليكِ ترجعي تندمي.
أطرقت سدن رأسها للحظة، ثم تنهدت بوجع.
_لا... مش هندم. أنا تسرعت أوي فعلًا... وآسيا حذرتني كتير، بس أنا مكنتش فاهمة مشاعري
جالت رولا بنظراتها لتستقر على آسيا.
التي تجلس وسط الفتيات، لكن روحها كانت في مكان آخر.
تبتسم كلما نظرت إليها إحداهن، وتصفق مع الأغاني، لكن عينيها كانتا تفضحانها... عيون مكسورة تخفي بحيرة كاملة من الدموع.
بدت وكأنها جسد يجلس بينهم فقط، أما قلبها... فقد رحل عن جسدها
تقلص قلب رولا لأجلها.
هذه الفتاة التي اعتادت أن تملأ المكان ضحكًا وحياة، أصبحت اليوم تجلس وكأن شيئًا بداخلها قد مات.
شعرت بغصة تخنقها، وغضبًا يتصاعد تجاه أخيها.
لأول مرة تشعر أنه أخطأ بهذا القدر... أخطأ حين ترك قلبًا يحبّه يصل إلى هذا الانكسار.
أبعدت عينيها عن آسيا قبل أن تفضحها دموعها، ثم عقدت كفيها بقوة وهمست داخلها:
"أقسم بالله... مهما كان الثمن، هجمعكم، حتى لو غصب عنك يااسر.
نهضت اسيا وقالت
نور بيتصل هشوفه وجاية
اومأت سدن دون حديث، انحنت برأسها الى رولا
_ماقولتيش، ايه اللي هيحصل لو انا مشيت زي ماقولتي
_ولا حاجة الفرح هيتلغي وخلاص
_طيب بابا مش هيزعل
ربتت رولا على كتفها
_لا... مش هيزعل
بالخارج
ابتسمت بمجاملة، وقالت برقة:
ـ ميرسي
اقترب منها قليلًا، ثم رفع يده وأزاح خصلة شعر انسابت على وجنتها، وقال وهو يتأملها بإعجاب:
ـ على فكرة، أنا مش بجاملك... شكلك حلو أوي... أوي بالساري ده.
أنزلت عينيها إلى الساري، ثم رفعتها إليه بابتسامة
. ـ أول مرة ألبس حاجة زي كده... بنت خالي هي اللي جابته.
أمسك كفيها برفق، ثم أدارها أمامه وهو يطلق صفيرًا إعجابًا بها. ـ لا... ممتاز. وشغل ضي واضح فيه.
ابتسمت :
ـ أيوة... ضي بيرفكت بجد. لما قالولي إنها هي هتصممه، متوقعتش هيكون بالشكل الحلو ده.
أعاد النظر إليها مرة أخرى وقال:
ـ وعلى فكرة بقى... لبسك بالمصري أحسن بكتير.
مطت شفتيها بخفة.
ـ أمم... بحاول أتعود عليه، الفكرة مش صعبة... بس التعود بقى.
ابتسم دون أن يبعد عينيه عنها.
ـ جميلة أوي يا آسيا... وكلامك مريح.
اتسعت ابتسامتها. ـ ميرسي يا نور... هدخل بقى، اتأخرت على سدن. استمتع بوقتك.
أومأ برأسه، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الحماس: ـ أكيد... بس عندي ليك خبر حلو، هقولهولك.
توقفت، وعادت تقترب منه، وعيناها امتلأتا بالفضول. ـ خبر إيه؟
وقبل أن يجيبها، خرجت ضي من الداخل وهي تتحدث بالهاتف:
ـ خلاص يا بابا... أنا جاية.
نظر نور إليها دون إرادة، لاحظت آسيا ذلك.
نظرت إلى ضي، ثم عادت تنظر إليه، لتجده ما زال يتابعها بعينيه
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها
ـ عيونك يا مستر.. مفيش تفاهم.
انتبه لكلماتها، هز رأسه وعيناه ما زالتا معلقتين بضي.
ـ لحظة... هقولها حاجة وراجع لك.
تراجعت آسيا خطوة للخلف. ـ لا، أنا هدخل.
ثم أضافت بنبرة هادئة، لكنها جادة: ـ _نصيحة... ابعد عن يوسف
قالتها وتحركت إلى الداخل دون أن تمنحه فرصة للسؤال أو الرد.
ولكنها اصطدمت بااخر شخص تريد رؤيته الان
تجولت عيناه على هيئتها، وللحظات تمنى أن تكون هي من ستصبح زوجته، رفع عيناه نحو نور الذي تحرك خلف ضي
_تصدقي لايقين على بعض، هو كل شوية يجري ورا واحدة... وانت
_اخرس، مااسمحلكش، معرفش ازاي كنت عامية على شخصية منحطة زيك
لم يشعر بنفسه سوى وهو يرفع يده، ولكنها توقفت في الهواء مكور قبضته
شهقت وتجمعت الدموع في عيناها
_اضرب منتظر ايه
قالتها ودلفت للداخل
عند نور
وقف أمام ضي ليعرقل طريقها.
رفعت رأسها إليه بدهشة واضحة.
ـ عاملة إيه؟!
رمشت عدة مرات، وكأنها لا تصدق وجوده أمامها.
ـ نور؟!... بتعمل إيه هنا؟
تعلقت عيناه بملامحها لثوانٍ طويلة، يتذكر كلمات سارة عن وجه القرابة بينهما
ابتلع غصته بصعوبة، ثم قال بصوت خافت خرج على غير عادته:
_فيه موضوع مهم لازم تعرفيه
_موضوع!.. لو على الشغل اتكلمنا وخلاص
قالتها واستدارت للمغادرة إلا أنه اقترب وامسك كفيها، بوصول إلياس وخلفه
اقترب منها ونظراته عليها
_عرفت حاجة مهمة وكنت جاي اقولك عليها
_اسفة... مش فاضية دلوقتي، بعدين نتكلم
قالتها وتحركت ولكنها توقفت حين استمعت الى حديثه
_ضي عرفتي بالقرابة اللي بينا
إلتلتفت اليه سريعًا
_انت بتقول ايه
مع وصول الياس ويزن الى منزل كريم
توقف الياس ينظر الى نور ثم وجه كلامه الى يزن
_كلمه... متخلهوش يتكلم في حاجة، قبل ماميرال تعرف، انا كفاية علي موضوع بابا دلوقتي يايزن، مش عايز الدنيا تتهد فوق دماغي
_هكلمه واكلم سارة
بعد يومين وهو اليوم المقرر للزفاف
بالفندق
صعدت آسيا ورولا إلى الطابق العلوي بخطوات متعجلة
توقفت رولا أمام غرفة العروس، ثم التفتت إلى آسيا قائلة:
_هروح عند ضي... مش محتاجة حاجة؟
هزت آسيا رأسها نفيًا، وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيها.
_ لا يا حبيبتي، روحي...انا اتأخرت على سدن. يعني لفينا على الفاضي يا ستي، وفي الآخر هتلبسي الفستان اللي جبتيه.
تنهدت رولا وهي ترفع كتفيها.
_ أعمل إيه بس؟
_والله يا بنتي الفستان زي القمر، بس إنتِ اللي موسوسة.
_مش قدامي غيره للاسف
ابتسمت آسيا بخفة، محاولة إخفاء ما يعتصر قلبها.
- يلا... سيبيني بقى.
غادرت رولا، بينما تحركت آسيا نحو جناح العروس، لكن قبل أن تصل إليه، خرجت رحيل من إحدى الغرف.
_ جبتوا حاجة؟
أجابت آسيا وهي تهز رأسها:
_ رولا مش عاجبها أي حاجة، وقالت هتلبس اللي جابته.
ابتسمت رحيل بحنان.
_ طيب تعالي على جناحنا، أختك مشغولة مع البنات. نجهزك وبعدين تبقي تروحي لها.
_ حاضر... أشوفها بس لو محتاجة حاجة.
مدت رحيل يدها وسحبت كفي آسيا برفق.
_ مش محتاجة، بتحط ميكب. تعالي، البنات يجهزوكي إنتِ كمان... لازم تكوني أحلى واحدة في الفرح..مع انك قمرين
ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه آسيا.
_ حبيبتي يا طنط... حضرتك القمر. وبعدين بنات العيلة كلهم قمرات.
رفعت رحيل يديها واحتضنت وجهها بين كفيها، وأخذت تتأمل ملامحها طويلًا، ثم قالت بصوت اختلط فيه الحنان بالحزن:
_ اتغيرتي كتير يا آسيا.
خفضت آسيا عينيها
_الدنيا بتغير يا طنط...
تحركت خطوة، لكنها توقفت فجأة، ثم التفتت إليها بتردد، وكأن الكلمات ثقيلة على صدرها.
_ ممكن... أطلب من حضرتك طلب؟
أومأت رحيل برأسها.
ابتلعت آسيا غصتها، ثم قالت بصوت مرتجف:
_ سدن... ممكن تخلي بالك منها؟
عقدت رحيل حاجبيها، بينما تابعت آسيا وقد بدأت عيناها تلمعان بالدموع:
_ سدن طيبة أوي... وقلبها صغير. وأسر طبعه صعب شوية، وهي ممكن تعيط لو زعق لها... أو لو مفهمتش هو عايز إيه.
توقفت لحظة، وانكسرت نبرتها أكثر.
_ ممكن بس... تكلميه يصبر عليها؟ يخلي باله منها... هي مبتستحملش الزعل.
لم تستطع إكمال جملتها، فقد خانتها دموعها وانسابت فوق وجنتيها.
شعرت رحيل بأن قلبها يُعصر ألمًا وهي تنظر إليها؛ فتاة تبكي خوفًا على أختها في ليلة زفافها، بينما لا أحد يعلم أنها هي من تنزف في صمت.
فتحت ذراعيها وقالت بصوت دافئ:
_ طيب... ممكن آخدك في حضني وأقولك إني بحبك أوي؟
ارتجفت شفتا آسيا، ثم أومأت برأسها كطفلة صغيرة.
احتضنتها رحيل، وضمتها إلى صدرها، فانهارت آسيا تمامًا، وخرجت شهقاتها مكتومة.
أخذت رحيل تمسد على ظهرها بحنان، بينما تهمس لنفسها بحسرة:
_ غبي يا ابن يزن...
ابتعدت آسيا بعد لحظات، ومسحت دموعها سريعًا.
حاولت رحيل أن تبتسم وهي تقول:
_ يلا يا ست أفريقيا... هنتأخر.
بغرفة ضي ورولا
دلفت رولا إلى الغرفة، وما إن رأتها ضي حتى نهضت سريعًا من مكانها.
_ إيه؟ عملتوا إيه؟
نزعت رولا حجابها وهي تزفر بتوتر.
_ معرفش إيه اللي حصل... بلال كلمني وقال نرجع فورًا، وأكلم ماما وتلهيها لحد وقت الفرح.
أخذت ضي تدور في الغرفة بعصبية، تفرك كفيها.
_ يا رب الليلة دي تعدي على خير... بابا وعمو إلياس لو عرفوا اللي بنعمله هنتبهدل، وده كله بسبب أخوكي.
رفعت رولا يدها بسرعة.
_ اسكتي يا ضي... أنا متوترة من غير حاجة.
_ وخايفة أوي على عمتو... لو آسيا رفضت تكمل الجواز مكان سدن.
توقفت ضي عن الحركة، ثم اقتربت منها وربتت على كتفها.
_ لا... سيبي دي عليّ.
ثم تنهدت بقلق وهي تنظر نحو الباب.
_ المهم... حضرة الأفوكاتو يعمل اللي عليه قبل ما الدنيا كلها تقلب فوق دماغنا.
بعد فترة انتهت الفتيات من تجهيزهم، خرجت رولا وهي تقول
_هشوف ماما، يوسف عمل ايه مع الناني
_تمام حبيبتي، انا هنزل تحت لحد مانشوف هنعمل ايه
خرجت ضي ورفعت هاتفها
_حبيبي انت فين
_تحت... انزلي انا قدام القاعة مع بلال
توقفت ضي عن الحركة
_اسر جهز ولا لسة
_جهز... منتظرين العروسة تخلص
_بتهزر يايوسف
ضحك يوسف وهو يقول
_تعالي بس وأنا افهمك
_تمام
بغرفة اسيا انتهت، اتجهت الى الشرفة تنظر للسماء السوداء، اغمضت عيناها، ودمعة تسربت دون وعي، وداخلها يبكي
"ليلةٌ كان يفترض أنها فرح وسعادة، لكنها كانت جنازة لقلبي . الجميع جاء إليها مرتديًا ثياب الفرح.، يبتسم، الزغاريد تملأ المكان، والفرحة تلمع في عيونهم، إلا أنا... أقف بينهم وكأنني غريبة، أخفي خلف ابتسامتي قلبًا يُدفن حيًا. فما أقسى أن تُزف أختك إلى الرجل الذي أحببته بكل ما فيك، والرجل الذي كان يومًا حلمك، ثم ضاع منك بسبب سوء ظنه بك، فاختار أن يحفظ كرامته على حساب قلبيكما معًا. الليلة يرتدي بدلة عرسه، وترتدي أختي ثوبها الأبيض، أما أنا فأرتدي ثوب الصبر، وأحاول أن أقنع نفسي أن الدموع لن تغيّر شيئًا. يا رب، كيف يجتمع في قلبٍ واحد كل هذا الحب، وكل هذا الوجع، وكل هذا الصمت؟ كيف أبارك لهما وقلبي يهمس في كل لحظة: كان يمكن أن تكون هذه حياتي؟ لست أبكي لأن أختي عروس، ولا أحسدها على نصيبها، فأنا أحبها أكثر مما أحب نفسي، لكنني أبكي على حلمٍ مات وهو لا يزال ينبض داخلي، وعلى قصة انتهت قبل أن تُروى، وعلى قلبٍ لم يشفع له صدقه، فحكم عليه القدر أن يشاهد سعادته تمضي مع غيره. سأبتسم الليلة كما يريد الجميع، وسأخفي انكساري كما اعتدت دائمًا، لكن حين ينطفئ كل شيء، ويغادر الجميع، سأترك دموعي تنهمر في حضرة الليل، فهو وحده يعلم أن بعض الأمنيات لا تموت، بل تبقى عالقة في الروح، تؤلمها مع كل نبضة، وأن بعض الفراق لا يحتاج إلى وداع... لأنه يظل يسكن القلب إلى آخر العمر."
استمعت لرنين هاتفها فدلفت للداخل
رفعته واجابت
_ايوة... استمعت الى بكاء احدهم
_الو... ولكنها اغلقت الهاتف، نظرت للهاتف، ثم وضعته
وتوقفت أمام المرآة تنظر لهيئتها، تضغط على شفتيها حتى لاتنساب دموعها
_خلاص يااسيا، دا كان اكتر شخص بيضايقك، انسي ودوسي وكملي ولا كأنه مر بحياتك.. وانسي كلام رولا كمان، هي بتقول كدا من غير ماتعرف قد ايه اتأذيت
منه، ابتسمت بسخرية وهي تتذكر كلماتها
_والله لو كنتِ قولتي إنك بتحبيه... كنت هوقف كل حاجة، صدقيني. هو مش بيحب سدن، وسدن كمان مش بتحبه. هي بنفسها قالتلي إنها كانت منبهرة بيه بس... ومش عايزة تكمل معاه.
أغمضت آسيا عينيها بقوة، وكأن كل كلمة تُغرس في قلبها كسكين جديدة، ثم همست بصوت مرتجف:
_رولا... مش عايزة أسمع كلام تاني في الموضوع ده.
حدقت بها رولا طويلًا، ثم اقتربت منها أكثر.
_يعني بتحبيه يا آسيا؟
رفعت آسيا عينيها إلتي امتلأت بدموع محبوسة، قبل أن تنفرج شفتيها بصعوبة:
_رولا... لو سمحت
اقتربت رولا
_ليه... ليه ما قولتيش؟
تنهدت بمرارة، ثم ضحكت ضحكة صغيرة مهزومة.
_أقول إيه؟ أقول إني بحب واحد اتهمني بأبشع الاتهامات؟ واحد سحب روحي بإيده... وبعدين كسرها؟
اهتز صوتها، وانهمرت دموعها أخيرًا.
_أخوكي... دبحني يا رولا... دبحني بعد ما علّقني بيه.
شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها، ثم تابعت بصوت متقطع:
_راح يتجوز أختي...
وضعت يدها على فمها تكتم شهقتها، ثم أكملت:
_والله... والله لو كان اتجوز أي واحدة تانية، كنت هعيط يومها وأنام وأصحى وأتمناله السعادة... كنت هدعيله من قلبي.
رفعت عينيها الحمراوين إلى رولا، وخرج صوتها ممزقًا:
_بس هو اختار أختي... كأنه عايز يموتني بإيده.
انهارت دموعها أكثر.
_أنا مبقاش ينفع أقعد هنا... خلاص، حجزت التذكرة، وبعد الفرح همشي.
تشبثت بيد رولا بقوة.
_لازم أمشي يا رولا... لازم.
ثم همست بصوت خافت، كأنها تعترف بذنب:
_مش عايزة أكره أختي.
أجهشت بالبكاء.
_مش قادرة أفرحلها... والله مش قادرة.
وضعت كفها على صدرها، تضغط عليه بقوة، كأنها تحاول إيقاف ذلك الألم الذي يفتك بها.
_هنا بيوجعني أوي...
خرجت الكلمات مبحوحة، موجوعة.
_أخوكي حرق قلبي... موتني وأنا عايشة.
شهقة أخرى خرجت منها، ثم انحنت قليلًا وهي تبكي.
_كان بيقولي: "يا حبيبة آسر"...
وهو في نفس الوقت... كان بيجهزلي قبري علشان يدفني فيه.
لم تتحمل رولا أكثر.
جذبتها إلى أحضانها بقوة، وأخذت تربت على ظهرها وهي تشعر بأن قلبها يتمزق لأجلها.
_اهدي يا حبيبتي... متعمليش في نفسك كده.
لكن آسيا كانت تبكي كطفلة فقدت كل شيء.
رفعت رأسها بصعوبة، وأمسكت بكف رولا بين يديها المرتجفتين.
_لو بتحبيني... بلاش نتكلم في الموضوع ده تاني.
تنهدت وسط شهقاتها.
_الحنة النهاردة... والفرح بعد يومين.
أغمضت عينيها، وانسابت دموعها على وجنتها.
_وبعدها... هدوس على قلبي وأمشي.
صمتت لحظة، ثم خرجت منها الكلمات وكأنها أنين روح تحتضر:
_لازم أهرب..
رفعت عينيها الغارقتين بالدموع إلى رولا، وارتجفت شفتاها.
_أيوة يا رولا... أنا عايزة أهرب.
_أهرب من البيت... من الذكريات... من كل ركن فيه ريحته.
ضغطت على صدرها أكثر وهي تبكي:
_وأهم حاجة أهرب من قلبي، لأنه كل يوم بيقتلني بيه من جديد.
خرجت من شرودها، وسحبت نفسًا تزفره بهدوء ثم مدت يدها واخرجت التذكرة
_كلها ساعتين وتمشي من هنا وتنسي اي حاجة حصلت هنا
رفعت اناملها تعدل خصلاتها، ورسمت ابتسامة تنظر لنفسها
_مفيش حاجة هتفرق بينك وبين اختك
سحبت نفسًا وزفرته، ثم وضعت احمر الشفاة.. انتهت وابتسمت لنفسها
مع طرقات على باب الغرفة
_اسيا يلا حبيبتي، اتأخرنا على اختك
التفتت الى والدتها
_خلصت حبيبتي، اقتربت ايمان تنظر إليها
_ايه الجمال دا حبيبتي
_بنتك طول عمرها جميلة يادكتورة
احتوت وجهها ونظرت لعيناها
_نفسي افرح بيكي انت كمان حبيبتي
ابتعدت قليلًا
_يلا ياام العروسة، الكل راح للعروسة واحنا لسة هنا
_طيب شوفي اختك، وانا هشوف اسر، عايزة اوصيه على اختك، خايفة عليها، دي هبلة، شوفتي امبارح طول الليل تعيط وتقول مش عايزة اتجوز
_خلاص حبيبتي، روحي لها وأنا هشوفه، وعايزة ابارك له، واعاند فيه شوية
ربتت على كتفها
_بس متقليش، سمعت من خالك من الصبح وهو بيتخانق مع الكل، لدرجة كلم رولا وبلال يشوفوا ماله
هزت رأسها وتحركت متجهة اليه
بغرفة اسر
انحنى أمام المرآة، ينظر لهيئته، وانفاسه ترتفع حتى شعر بالأختناق، استمع الى طرقات على باب الغرفة، دلفت وتوقفت لدى الباب، تقابلت النظرات في حديث طويلًا
اقتربت منه وابتسامة جميلة زينت ملامحها، وصلت إلى وقوفه
_شكلك حلو أوي ببدلة الفرح ياعريس
_جاية ليه
مازالت على ابتسامتها
_جيت أودعك، عارفة هتبقى مشغول بعد الفرح، فقولت أسبق واودعك، وأقولك حاجة مهمة
_مش عايز اسمع حاجة اطلعي برة
اقتربت منه وحاولت السيطرة على ارتعاش قلبها
_انا عمري ماكرهتك ولا اضايقت منك، رغم االي عملته، وصدقني أنا بعتبرك زي أنس
لم يشعر بنفسه الا وهو يدفعها بغضب حتى اصطدمت بالجدار خلفها، حتى شهقت متأوهة، وتجمعت الدموع بعيناها
_اطلعي برة مش عايز اشوفك قدامي
دمعة تحررت من عيناها، رغم محاولاتها السيطرة، اومأت بهدوء
_كان لازم اشكرك لانك غيرت في حاجات كتيرة اوي، أنا ماشية من هنا واحدة تانية، واحدة ضيعتها من زمان، وكان ليك الفضل انك ترجعها
_بررررررة... صرخ بها، وهو يدفع كل ماتطاله يده
ظلت تنظر اليه بوجع، ثم استدارت تسحب اقدامها بصعوبة تشعر وأنها تحمل فوقها أحمالا من الجبال، ودموعها تسبق خطواتها، وقبل ان تصل الباب
خرج صوته مبحوحًا، ممزقًا، كأنه انتُزع من أعماق روحه:
ـ أكتر واحدة حبيتها...
توقفت مكانها.
وأكمل، وعيناه تغرقان في غضبٍ يخفي انكساره:
ـ وأكتر واحدة كرهتها في حياتي.
أغمضت عينيها لثانية، ثم استدارت بنصف جسدها.
ابتسمت ابتسامة باهتة اختلطت بدموعها، وقالت:
ـ بتمنى لك السعادة... يا ابن خالي.
ضحك ضحكة خالية من أي حياة، ثم قال بمرارة:
ـ وأنا... بتمنى لك الجحيم... يا بنت عمتي.
هذه المرة لم تستطع منع دموعها أمامه
انسابت بغزارة، لكنها لم تمسحها.. خرجت...
دون أن تنطق بحرف آخر.، بينما هو ظل يدور كأسد حبيس بفقص ضيق، يطيح بكل ماتطاله يداه
الى ان انهكت قوته، فجلس يلهث لبعض الدقائق
مرت دقائق حتى استمع الى طرق اخر، ظن انها عادت، هب من مكانه، ولكنه وجد يوسف يقف بكامل هيئته المنمقة، طالعه باستخفاف
_خير
_الله مش جاي اخد ابن خالي لعروسته القمر
رفع حاجبه مستغربا حديثه
_ودا من امتى، مش كنت حالف ماهتحضر
_لا.. خلاص عرفت غلطي، ومن حقك طبعا، تعيش مع اللي يختارها عقلك الفارغ
_ولا... انا مصدع وقرفان، مش عايز استخفاف
_لا ياحبيبي، الف سلامة عليك
يلا علشان منتأخرش، زمان المأذون جه، واه قررت اتنازل عن مبادئ واشهد على عقد جوازك
التفت آسر إليه ببطء، وحدق في وجهه لثوانٍ طويلة، ثم قال بريبة:
_مش عارف... مش مرتاح لك ليه.
رفع يوسف حاجبه، ثم قال ببرود:
_هو أنت هتتجوزني؟ يلا يا سيدي، أبوك تحت وقالي أنزلك.
قطب آسر حاجبيه.
_ليه... شايفني العروسة قدامك؟
ضحك يوسف
_والله ولا حتى الداية، بس لازم أستحملك قدام الناس. أبويا قالي: "مينفعش يا يوسف، أنت الكبير، ولازم تستحمل التافهين."
رمقه آسر بنظرة مشتعلة، وقد راوده شعور أن يصفعه
هبط إلى الأسفل، وأنفاسه تتصاعد كلما اقترب موعد الزفاف
راقبه يوسف بصمت، التفت اليه ثم قال:
_أمال بلال فين؟
_بيدي يوسف الرضعة.
_دمك تقيل.
_تسلم.
تأفف اسر ونظر في ساعته.
_مش المفروض العروسة تكون نزلت؟
أجابه يوسف بجمود:
_يمكن هربت.
ابتسم اسر ابتسامة جانبية.
_واحد متخلف...
اقترب يوسف منه ووضع ذراعه على كتفه.
_بقولك إيه يا متر... تخيل لو العروسة هربت، المفروض يتقال عليك إيه؟
استدار إليه آسر بحدة.
أما يوسف فغمز له وقال:
_اللي عروسته هربت منه... يبقى إيه؟
تصلب وجه آسر.
_أنت تقصد إيه يلا؟
في تلك اللحظة وصل بلال، لينظر إليهما باستغراب.
_الله! عندنا عريس هنا؟ والله ما حد قالي.
التفت إلى يوسف.
_إيه يا دكتور؟ جهزت الطبلة؟
ابتسم يوسف.
_آه... والأغنية كمان. يلا خلي المتر يعد الجمايل.
اقترب بلال من الجانب الآخر وربت على كتف آسر.
_هو من ناحية الجمايل... فبوعدك هيعدها.
ثم أضاف وهو يضحك:
_المهم يرفع راسنا الليلة، وعايز بعد تسع شهور عيل، رخم شبهه، يقولي: يا عمو.
كتم يوسف ضحكته.
_ويمكن يكونوا اتنين يا بني... ما هو المتر وسوسو، وأهو لو مش عاجبه سوسو، ياخد سوسو التانية.
نفد صبر آسر أخيرًا.
_دقيقة كمان... وهخبطكم في بعض.
رفع بلال حاجبه وهو يشير إلى يوسف.
_قالك يخبطنا في بعض! ليه شايفنا سوسو وتوتو؟ ده قدامك واحد بياكل حديد.
قالها وهو يربت على كتف يوسف.
_أنت يا بني مصدق نفسك دكتور صح... ولا جون سينا؟
_تافهين...
قالها آسر بضيق، ثم نظر إلى ساعته مرة أخرى
في تلك اللحظة اقترب أرسلان ويزن.
_إيه يا بني؟ مش المفروض تكونوا تحت من نص ساعة؟
أشار آسر إلى الأعلى.
_العروسة لسه منزلتش.
نظر يزن إلى يوسف.
_شوف ضي كده... ليه العروسة اتأخرت؟
كريم طلع من نص ساعة ولسة مرجعش، لم يكمل جملته.فجأة...ساد الصمت.
جميع الأنظار اتجهت نحو الدرج.
وهناك عروس تهبط ببطء.
ترتدي فستانًا أبيض ناصعًا، تنسدل خصلاتها حول وجهها، وعيناها تحملان وجع عمرٍ كامل.. اتسعت أعين الجميع.
بينما همس أرسلان بعدم تصديق:
_آسيا...؟
ثم التفت إلى آسر.
_هي... هي مش العروسة سدن؟
لكن آسر لم يسمعه.. كان ينظر إليها فقط.
إلى تلك المرأة التي أحبها.. والتي حطمته
الآن تقف أمامه بثوب الزفاف.
توقفت آسيا أمامه مباشرة.
رفعت عينيها إليه.
وفي داخلها كانت ترتجف.. لكنها ابتسمت...
ابتسامة، موجوعة.
ثم قالت بصوت هادئ:
_أنا جاهزة يا عريس.
ساد الصمت.. والجميع ينتظر.
ينتظر رد فعل.
أما هو...
فكان يحدق بها وكأنه يراها لأول مرة.
يتأمل الفستان...
وعينيها الممتلئتين بالدموع...
والألم المختبئ خلف ابتسامتها.
ثم خرج صوته أخيرًا...
هادئًا على نحوٍ مخيف:
_بس أنا... مش جاهز.
الفصل