رواية صك السلالة الجزء الحادي عشر 11 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة الحادية عشر
وصلت الفيلا بالليل وأنا حاسس بحمل تقيل متشال فوق كتافي وعقلي عمال يودي ويجيب في كل اللي حصل معايا النهاردة في الحارة، ركنت العربية في الجنينة ونزلت وأنا بحاول أرسم هدوء مصطنع على وشي عشان ميبانش عليا التعب والضغط اللي عشته وسط الناس هناك، مشيت في الممر المنور بنور خفيف لحد ما وصلت للجنينة ولقيت أبويا وعمتي قاعدين سوا في الركن المفضل بتاعهم حوالين الترابيزة الإزاز الكبيرة وبيشربوا الشاي في الطراوة والهوا بتاع بالليل، قربت منهم بخطوات رزينة وصوت جزمتي بيعمل صوت على النجيلة، رفع أبويا عينه وبصلي بنظرة كلها حنّية وشوق كالعادة وقال
تعالى يا سيف، اتأخرت النهاردة أوي في المستشفى قعدت على الكرسي جمبه وبصيت ليه ولعمتي وقولت بمنتهى الثبات والهدوء * انا مكنتش في المستشفى يا بابا، أنا روحت النهاردة وقريت فاتحتي على بنت كويسة أول ما سمع كلامي اتفاجأ وفضل باصصلي وهو مش مصدق، عمتي كانت هتوقع من ايديها الكوباية وشهقت بصوت عالي وقالت خطبت؟ خطبت إزاي ومين ومن ورانا كدة يا سيف؟ أنت بتتكلم بجد يا حبيبي ولا بتهزر معانا؟
لمس ابويا كتفي بأيديه وقالي بنبرة مليانة فرحة وترقب في نفس الوقت بتتكلم جد يا سيف، أنت بجد خطبت؟ ومين البنت دي؟ بدأت أحكيلهم القصة بالطريقة اللى أنا مرتبها في دماغي، وطبعاً من غير ما أجيب سيرة الاتفاق السري اللى بيني وبين ليلى ولا حكاية الصفقة اللى قفلنا عليها بالترباس بيني وبينها عشان تفضل كرامتها وكرامتي متصانة ومحدش في الدنيا يشم خبر عن اللى بيدور في الكواليس
* اسمها ليلى .. هي أخت مريض صغير كان عندي في المستشفى واسمه ياسين، وأنا شوفتها هناك وعرفت أصلها وفصلها، هي يعني .. يتيمة الأب والام وعايشة على قد حالها مع أخوها الصغير، روحت النهاردة قعدت مع كبيرها اللى في مقام أبوها وقرينا الفاتحة بالأصول والواجب عشان كل حاجة تتم في النور وقدام ربنا أول ما سمع الكلام دة ولقاني بتكلم بالجدية دي كلها عيونه لمعت وقال
يا فرج الله، دة أسعد خبر سمعته في حياتي كلها وربنا كتبلي عمر جديد عشان أشوف اليوم دة سابت عمتي الكوباية من ايديها وقالت استنى بس يا عز، سيف يا حبيبي انت متأكد انها كويسة ومش طمعانة في فلوسك * عشان في حارة يعني يا عمتو انت عارف اني مش ببص للأمور بالشكل دة، بس يعني يا ابني الحرص واجب برضو، انت هتدخلها بيتك وتتكتب على اسمك * اطمني، هي بنت كويسة اوي وطيبة، وانتي عارفة اختياري بيكون عامل ازاي
ايوا يا علية، سيف عنده حق، انا واثق في اختيارك يا ابني وعارف إنك مبتجيبش غير اللى ترفع الرأس وتملى عليك بيتك بالخير مسكت ايدي بحنان كبير والابتسامة مالية وشها وقالتلي بلهفة الأم اللى مستنية تفرح بابنها طب تعالى بقى، احكيلي كل حاجة عن ليلى دي اللى خطفت عقلك.. شكلها إيه؟ وطبعها إيه؟ وعيشتها عاملة إزاي؟ أنا عايزة أعرف تفاصيل التفاصيل عشان أرتب نفسي للزيارة الجاية ونروح نشوفها واباركلها بنفسي
حسيت براحة رهيبة وجبل انزاح من فوق صدري لما لقيتهم معترضوش على مستواها الاجتماعي ولا بصوا لعيشتها في الحارة بتكبر بل بالعكس استقبلوها بالترحاب والحب الصافي دة، في اللحظة دي حسيت إن خطتي اللى رسمتها بالورقة والقلم ماشية تمام وفي السكة المظبوطة اللى هتوصلني لبر الأمان وترضي أبويا اللى منى عينه يشوف حفيد من صلبي، بصيت لعمتي وقولتلها وأنا ببتسم وبفتكر ملامح ليلى الهادية
* ليلى بنت طيبة جداً يا عمتو، ملامحها هادية كأنها ملاك ولما بتشوفيها بترتاحي علطول من غير سبب، محتشمة وبتلبس واسع ومعتزة بكرامتها وعزة نفسها لابعد الحدود، ورغم كل الظروف الصعبة اللى مرت بيها في حياتها ومحنة أخوها الصغير إلا إنها فضلت واقفة بطولها ومتهزتش ولا طلبت حاجة من حد، بنت بميت راجل وأنا متأكد إنها هتعجبك جداً أول ما تشوفيها وتتعاملي معاها لأنها بتعرف الأصول والواجب وهتكون الزوجة اللى تصون اسمي وبيتي في غيابي و وجودي
عيونها دمعت من الفرحة وطبطبت على كتفي وقالت ربنا يسعدك يا حبيبي ويجعل قدمها قدم السعد عليك وعلينا، انا هجهز كل حاجة من بكرة عشان نعملكم أحلى شبكة وفرح يليق باسم عيلتنا سكت وانا بسمع سيرة الفرح، مرضتش اقولهم اني مش عايز فرح والكلام دة عشان مش قادر تجادل، بعدين يبقوا يعرفوا وهيوافقوا كدة كدة على اي حاجة مقابل ان الجوازة تتم، رفع ابويا ايده للسما وبدأ يدعيلي بدموع وقال
ربنا يصلح حالك ويريح بالك ويهديك لبنت الحلال ويفرح قلبي بأولادك قريب يا سيف، انت عملت الصح يا ابني والراجل مايعيبوش إنه يناسب ناس غلابة طالما اصلهم نظيف قعدت معاهم لساعات طويلة في الجنينة وأنا بتكلم وبسمع لفرحتهم ودعائهم اللى كان بيهون عليا قرف الدوشة والخناقة اللى عشتها مع المعلم بتاع الحارة، حسيت إن اللعبة بدأت تاخد شكل جدي وبقت رسمي، وكل خطوة بعملها بتمشي في الاتجاه اللى هتوصلني للهدف اللى أنا عايزه ” شقة فارس ”
كنت نايمة جمب ياسين في سريره الصغير ونفسه الهادي هو الصوت الوحيد المسموع، فاردة ضهري وباصة للسقف اللي مش باين ملامحه في الضلمة وإيدي بتمسح على شعره بالراحة وعقلي شغال يلف ويدور ومبطلش تفكير في كل التفاصيل اللي حصلت بين سيف وعمو جميل، عقلي كان بيمسك في كلامهم كلمة كلمة وبفتكر إزاي اتكلم بكل زوق وتفاهم، وإزاي اتفقوا على كل حاجة تخص الجوازة بالورقة والقلم كأنها بيعة وشروة بس متغلفة بالواجب، بصراحة مبخلش عليا بحاجة وقال
لعمو بكل سخاء إنه هيحدد مهر عالي يليق بيا ويصون كرامتي قدام الحارة كلها، وقال كمان إنه هيجيب الجواهرجي عشان اختار شبكتي على زوقي، وفوق كل دة شال من عليا حمل التجهيز وقال اني مش هجيب أي حاجة ولا هدفع مليم في جهاز ولا فرش والفيلا بتاعته جاهزة بكل حاجة من مجاميعه، الدموع كانت بتلمع في عيني وأنا بفتكر كلامه عن ياسين بالذات لما بص لعمو وقاله إن ياسين مش هيفارقني أبداً وإنه مجهزله أوضة كاملة بشكل مخصوص جوا الفيلا عشان يعيش
وسطنا ويكمل علاجه ودراسته في أحسن مدارس، ودي كانت الحاجة الوحيدة اللي خلت قلبي يدق بطمأنينة ويحس إن الوجع اللي شوفته في دنيتي ممكن يتداوى، جت سيرة الفرح والليلة الكبيرة من عمو ف قال لسيف
طب والفرح يا دكتور هتعملوه فين؟ في اللحظة دي بالذات، سيف سكت تماماً وملامحه اتجمدت، لقطت نظرته وسكوته في ثانية فـ كان لازم أتصرف بذكاء وأرفع عنه وعن نفسي الحرج دة قدام عم جميل، التفت ليه وابتسمت وقولتله ـ الحقيقة يا عمو احنا مش عايزين فرح، يعني احنا حابين نعمل كتب كتاب هنا ع الضيق في البيت وسط الحبايب وأهل حتتنا ومنها نكتب الكتاب وأتوكل على الله معاه من غير دوشة بصلي بتردد كبير وهز راسه وقالي بس إزاي يا بنتي؟
إزاي منفرحش بيكي وأنتي ست البنات وكلنا مستنيين اليوم دة؟ قعدت أقنعه قد كدة بأن دي رغبتي وكدة هبقى مرتاحة اكتر وكفاية كتب الكتاب واللمة الصغيرة أحسن بكتير والبركة بتبقى فيها، فضلت وراه لحد ما اقتنع وهز راسه بالموافقة وقال خلاص يا ولاد، على بركة الله
في اللحظة دي، رفعت عيني وخطفت نظرة لسيف، لقيته بيبصلي بنظرة مليانة امتنان وشكر حقيقي طالع من عينه كأنه كان بيشكرني بقلبه إني أنقذته من المأزق دة وشيلت من عليه هم كبير مكنش عارف يخرج منه إزاي رجعت من شرودي وبصيت لياسين النايم جمبي وتفكيري بدأ يدخل في الأيام الجاية اللي مستنياني، قعدت أسأل نفسي إزاي هعيش مع راجل غريب داخلة بيته باتفاق سري بيننا؟
إزاي هبص في وشه كل يوم وأنا عارفة إن الجوازة دي قايمة على مصلحة وفلوس و وريث محدد ومفيهاش من مشاعر الحب والمودة الحقيقية؟ الخوف كان بينهش في ضلوعي من فكرة البعد عن الحارة وبيتي القديم وجيراني، وحاسة إني برمي نفسي في بحر مالوش آخر، بس رجعت وقولت لنفسي إن مفيش سكة تانية للرجوع، والخطوة اللي خطيتها مع سيف النهاردة وقراية الفاتحة قفلت ورايا كل الأبواب ومعادش ينفع أندم على حاجة
قلبي كان بيعتصر بالوجع لما بيجي في بالي فارس وكسرته، وبقول إن دة نصيبي اللي لازم أرضى بيه عشان أحمي أخويا وأعيشه عيشة نظيفة، فضلت سهرانة لحد الفجر وعيني مش بتدوق النوم، وعقلي عمال يرتب الأيام الجاية والتحضيرات اللي هتتم بسرعة، وعيني على بكرة والصفحة الجديدة اللي بتنفتح في دنيتي معاه ” ڤيلا سيف عز الدين ـ غرفة سيف ”
دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا وأنا حاسس إن جسمي كله مهدود، قلعت جاكيت البدلة وفكيت زرار القميص، مشيت ناحية السرير وقعدت عليه وانا بسحب التليفون من جيب البنطلون وفتحته عشان أشوف الساعة كام، وأول ما الشاشة نورت لقيت مراد مبهدل الدنيا ومكلمني فوق العشرين مرة غير الرسايل اللى باعتها على الواتساب، ضحكت على فضوله وضغطت على اسمه ورنيت عليه، مفيش ثانية واحدة والخط اتفتح
أخيراً يا دكتور سيف تكرمت ورديت على التليفون بعد ما كنت هبلغ الأقسام عنك؟ أنت إيه اللى عملته دة وليه اختفيت ومردتش عليا؟ سندت ضهري لورا على المخدة وقولتله بكل برود ونبرة هادية بتعصبه زيادة * جرى إيه يا مراد مالك؟ أنا كنت في مشوار مهم وبقضي مصلحتي مصلحة اية؟ انت قولتلي رايح أخطب ليلى أخت ياسين وقومت هربان وسايبني بضرب أخماس في أسداس في المستشفى، فهمني ليلى مين اللى رايح تخطبها ضحكت بأعلى صوتي وقولتله
* ليلى اخت ياسين اللي كان عندنا في الرعاية يا مراد، روحت بيتها النهاردة وقعدت مع عمها وقرينا الفاتحة سكت ثواني كأنه بيستوعب الصدمة وبعدين قال مش ممكن، أنت بتتكلم بجد؟ طب إزاي وانت اصلا كنت رافض؟ لا ثواني كدة، انت فكرت في كلامي؟ * طلعت ذكي وبتلقطها يا جاااامد، وعملت اية احكيلي * مفيش، بصراحة لقيت أن معاك حق ومفيش حل غير كدة، اتكلمت معاها وقولتلها كل حاجة بصراحة وأنه مجرد جواز مصلحة و وافقت بسهولة كدة؟
* هي اخدت كام يوم تفكر وبعدين ردت بالموافقة طبعاً، وهي هتلاقي احسن منك فين، دة انت هتنتشلها من الفقر وتريحها كلامه ضايقني جدا، مقدرتش أتمالك اعصابي ولقيتني بتعصب عليه و بقول * مراد .. ايام تتكلم بالطريقة دي تاني، متجيبيش سيرتها بالطريقة دي، مهما كان هي هتبقى مراتي وعلى اسمي حتى لو مش هديها مشاعر لكن هديها احترامها قدام الكل، وانا لو شاكك انها وافقت عشان فلوسي مكنتش روحت وقرأت فاتحتها نبرته اتغيرت واعتذر وقال
اية يا سيف انا مش قصدي، حقك عليا يا عم، انت صح يا صاحبي، المهم، عمو عز عرف * ايوا وطبعاً فرح * جداً، مكنش مصدق يا ابني انا بذات نفسي مش مصدق، الفرح امتى بقا * لا مهو. مفيش فرح وطبعا دة اقتراحك * مقولتش حاجة، لكن بصراحة. هي طلعت ذكية وفهمت اني مش عايز واقنعت عمها سبحان الله، كل حاجة اتيسرت في ثانية، ربنا يفرحك يا صاحبي اتنهدت بوجع وقولت * مفيش فرحة بعد مها يا مراد، انت اكتر واحد عارف ان كل دة مجرد لعبة
طيب .. ما تدي نفسك فرصة * مرااااد خلاص يا صاحبي خلاص، عمتا انا معاك في أي حاجة ابتسمت لكلامه وحسيت براحة حقيقية إنه فهم دنيتي * تسلملي يا مراد، مش عارف من غيرك كنت هعمل اية هه، ولا حاجة طبعاً قعدنا ننكش في بعض شوية لحد ما قفلنا السكة، فضلت قاعد مكاني في الأوضة وببص للتليفون وعقلي هدي شوية وعيني على الأيام الجاية اللى بتجري بيا في طريق معرفش هيوديني على فين ” الحارة ـ شقة ليلى ”
مرت الأيام والأسابيع ورا بعضها بسرعة البرق وكأن الزمن بيجري بيجري بيهم، كل حاجة كانت بتتحرك بسرعة غريبة وتجري في سكة الجواز والترتيبات اللى مفيش منها مفر، سيف من ناحيته ظبط كل الأمور ومبخلش بمليم واحد في التجهيزات، جاب لليلى الشبكة عبارة عن طقم ألماظ حر غالي جدا وفخم بيخطف العين والقلب من كتر شياكته وصمم انها تختاره بنفسها، وظبط لياسين اوضته وفرشهاله كاملة، وفاضل على كتب الكتاب يومين بس وكل حاجة تنتهي
في الليلة دي، كانت ليلى قاعدة في شقتها البسيطة وسط هدوء الليل الكاحل والبيت ساكت تماما، حاطة العلبة القطيفة الكحلي بتاعة الشبكة قدامها على الترابيزة الخشب الصغيرة في الصالة وبتبصلها بنظرات تايهة مليانة حيرة وذهول وتساؤلات ملهاش آخر، عينها كانت متثبتة على الخاتم الألماظ اللي بيلمع بقوة وحاسة إنه مش مجرد خاتم هتلبسه وخلاص، دة بمثابة إمضاء رسمي منها على عقد السلالة والاتفاق السري اللى باعت بيه دنيتها وحريتها ومستقبلها عشان خاطر تحمي أخوها الصغير من الموت والضياع
في اللحظة دي والسكوت مالي المكان، اتفتح باب الأوضة الصغيرة وخرج ياسين قعد جمبها على الكنبة وملامحه مطفية وزعلان، بصلها بعيونه المدمعة اللى بتلمع بالحزن وقالها بصوت مهزوز وخايف هو انتي بجد يا ليلى هتتجوزي دكتور سيف وتمشي معاه وتسيبيني أول ما سمعت كلامه وشافت الرهبة جوا عيونه البريئة التفتت ليه بسرعة وأخدته في حضنها وضمته ليها بكل حنان وهي بتقول ـ لا طبعاً يا قلب ويا عمر ليلى كله، ليه بتقول الكلام الوحش دة؟
أنا مستحيل أسيبك في الدنيا دي ولا هبعد عنك ثانية واحدة رفع راسه الصغير وبص في عينها بقلة حيلة وقال خايف سيف ميرضاش اعيش معاكي ابتسمت من قلبها وطبعت بوسة على جبينه وبصت في عيونه وقالت ـ مش انت بتحب عمو سيف يا ياسين؟ هز رأسه بالراحة وقال ايوا كملت كلامها وفكرته بالأيام اللي فاتت وقالتله بفخر وسعادة مصطنعة عشان ينسى الخوف
ـ ولما خرجت معاه من يومين جابلك لعب كتير ازاي وعربيات بالريموت ورجعت البيت مبسوط وبتتنطط من الفرحة صح؟ طبطبت على كتفه بكل حنية وقالتله بثقة تامة ويقين ـ يبقى متخافش خالص من أي حاجة، عمو سيف مش وحش وقلبه طيب ومش هيبعدك عني أبداً دة بالعكس هو بيحبك جدا وعايزنا نعيش معاه على طول في الفيلا عينيه لمعت بالفضول الشديد والحماس بدأ يدخل قلبه وقالها بلهفة طفولية بجد يا ليلى؟ يعني هفضل معاكي في نفس البيت ومش هقعد لوحدي؟
ضحكت من قلبها وحست إن همها بدأ يخف لما شافت ضحكته ـ بجد يا روح وعمر ليلى، وبعدين في مفاجأة كبيرة أوي هو عاملهالك مخصوص ليك لوحدك ومحدش هيشاركك فيها هناك في الفيلا الكبيرة بتاعته مسك ايدها بقوة وقالها بألحاح قوليلي عليها عشان خاطري هزت رأسها بالرفض وضحكت بدلال وطبطبت على أيده الصغيرة
ـ لأ طبعاً مش هقولك، دة سر بيني وبينه، هو قالي بنفسه في التليفون مقولكش على أي حاجة تخص المفاجأة دي لحد ما نروح الفيلا بعد يومين وتشوفها بعينك وتتفاجأ بيها وتفرح وسطنا
فضل قاعد جمبها في الصالة متحمس جداً ومش قادر يستنى اليومين دول يعدوا عشان يشوف اللعب والمكان الجديد اللى هيعيش فيه، كانت بتبص لفرحته الساكنة جوا عيونه وحاسة إن قلبها بيزغرد علشانه رغم الوجع الكبير اللي دافناه جوا ضلوعها، كانت فرحانة ومرتاحة ومطمنة إنه هيتنقل لعيشة تانية نضيفة وفخمة كلها عز وجاه ومش هيشوف البهدلة والفقر وقلة الحيلة اللى هي شافتها وعاشتها وعانت منها طول السنين اللي فاتت في الحارة، وحست في اللحظة دي إنها بسبب فرحة أخوها ونجاته من المرض والفقر عقلها هيهدى وهتنسى الحيرة والزعل والندم تماماً ومش هيكون في مكان للخوف والكسرة بأمر ربنا وتوفيقه
” شقة فارس ”
كان قاعد في أوضته على طرف السرير وهو ساند كوعه على ركبته وحاطط وشه بين كفوف إيديه اللى كانت بترتعش من كتر الحزن والقهر اللى ساكنين جوا قلبه المكسور، عقله مكنش بيبطل تفكير ولف ودوران في حلقة مفرغة من وقت ما سمع كلامها رغم أنه عدى عليه ايام، بدأ يراجع شريط السنين اللى فاتت كلها وقعد يلوم في نفسه بقسوة وندم حارق على كل ثانية ضيعها من عمره وهو بيجري ورا سراب ومد لنفسه أمل كذاب ومالوش أي أساس من الصحة في إنها ممكن في يوم
من الأيام تحس بيه وتوافق تشاركه حياته، افتكر رفضها المتكرر ليه بالذوق والأدب في كل مرة كان بيحاول يلمحلها باللى في قلبه وإزاي كان بيغمي عينه ويقفل عقله بالترباس عن الحقيقة دي عشان يفضل عايش في الوهم اللى رسمه بنفسه، كان بيلوم نفسه على إنه فرض نفسه عليها وعلى عيشتها طول الوقت وبيفضل واقف جمبها في الراحة والجاية وبيدخل نفسه في كل تفصيلة تخصها وتخص ياسين كأنه ولى أمرها، ورغم النار اللى كانت قايدة في جواه، إلا إنه في قمة
كسرتها مقدرش يلومها ولا يطلعها غلطانة لأن عقله وقلبه كانوا عارفين بالحقيقة المرة، إن الحب مش بإيدينا ومحدش بيقدر يجبر قلبه يعشق حد بالعافية
نزل إيديه من على وشه وبص للأرض وهو بيقرر بينه وبين نفسه إنه يستسلم تماماً لفكرة إن مفيش نصيب بينهم، وإن السكة اللى مشي فيها وصلته لحيطة سد ومبقاش ينفع يعافر أكتر من كدة عشان ميبهدلش كرامته اكتر من كدة
وفي اللحظة دي، افتكر أمه اللى نشف ريقها معاه طول السنين اللي فاتت وهي بتتحايل عليه يبص لحاله ويشوف دنيته بعيد عن وهم ليلى، افتكر حرقة قلبها عليه ونظرة الوجع اللى كانت في عينها كل يوم وحس بذنب كبير ناحيتها، أدرك انها ملهاش ذنب تعيش كدة طول عمرها وإن جيه الوقت عشان يمسح القرف دة كله من دماغه ويريح قلبها، اخد نفس عميق وطويل كأنه بيطرد من صدره أخر حتة من حبه ليها وقام وقف ومسح وشه بكفوفه عشان يداري أي أثر للدموع أو
الكسرة اللى كانت ساكنة عيونه، فتح باب الأوضة بالراحة وخرج للصالة البسيطة المنورة بنور اللمبة النيون القوي، لقاها قاعدة على الكنبة وفي ايدها المسبحة الخشب عمالة تسبح، مشي بخطوات هادية لحد ما وصل عندها وقعد على الأرض تحت رجليها ورفع راسه وبص في وشها بأبتسامة، مسك أيدها وسط استغرابها وباسها بكل احترام وحنان وقال
حقك عليا، كان عندك حق في كل كلمة قولتيها، أنا فوقت وعرفت الحقيقة خلاص، اتصلي بخالتي دلوقتي وخدي منها ميعاد عشان نروح نخطب بنتها الأسبوع دة زي ما انتي عايزة مكنتش مصدقة اللي بتسمعه، عيونها دمعت وطبطبت على راسه وكتفه بكل قوتها وقالت بجد يا فارس؟ هتعمل كدة وتفرح قلبي؟ ربنا يرضى عليك ويسعد أيامك ويجعل مريم بنت اصول وتصونك وتشيلك في عينها، دة أحسن قرار أخدته يا حبة عيني
فضل قاعد وهو بيهز راسه بالموافقة والابتسامة لسة على وشه عشان يبسطها ويقفل الصفحة القديمة تماماً، ورغم إن قلبه من جوا كان بينزف بالوجع والكسرة ومفيش فيه أي مشاعر لمريم ولا لغيرها، إلا إنه حس براحة خفيفة لما لقى أمه طايرة من الفرحة بالمنظر دة، سابها بتتصل بخالته والبهجة مالية صوتها وهي بتاخ الميعاد، وقعد هو يبص للحيطة وعقله استسلم تماماً لمكتوبه ونصيبه جيه يوم كتب الكتاب المنتظر ..
الحارة كلها كانت فرحانة وبيت ليلى البسيط مليان دوشة وحركة من أول النهار، جوا الأوضة الصغيرة كانت قاعدة قدام المراية وبنات الحارة وصاحباتها حواليها من كل حتة، اللي بتظبطلها الطرحة واللي بتحطلها لمسات مكياج خفيفة وهادية تليق بملامحها البريئة والكل عمال يغني ويضحك حواليها وهي في عالم تاني خالص و عقلها شغال يفكر في الخطوة اللي مفيش منها رجوع، كانت لابسة فستان أبيض بسيط جدا ورقيق، سيف هو اللي صمم يجيبهولها وقالها أنه حق من حقوقها كعروسة ومش هينفع تتنازل عنه حتى لو مفيش فرح كبير وزفة، كانت بتبص لوشها في المراية وتعدل أطراف الفستان البيضاء وإيدها بترتعش وعينها فيها لمعة خوف ورهبة من المجهول اللي مستنيها جوا الفيلا
المعازيم كانوا ماليين الصالة برا وصوت الضحك والكلام واصل لحد جوا والأغاني شغالة والكل مستني وصول العريس اللي قلب الحارة وجاي ياخد بنتهم
في وسط زحمة الناس والرجالة كان جميل واقف بجلابيته النضيفة والبخور بيلف حواليه وهو بيبخر المكان وواقف معاه ياسين الصغير اللي كان لابس بدلة أطفال شيك وفرحان بالدوشة والناس، و في اللحظة دي، انشق صف الرجالة ودخل فارس وهو لابس قميص مكوي وبنطلون نضيف وشكله هادي وراسي وعلى وشه ابتسامة رضا حقيقية عشان يبارك ويكون موجود في اليوم دة، أول ما جميل شافه اتفاجئ وبص في عينه بنظرة كلها تساؤل، قرب فارس منه بالراحة ومد ايده وسلم عليه وقال
جرى إيه يا عم جميل؟ مالك مبحلقلي ومستغرب كدة؟ ليلى طول عمرها بتعتبرني الكبير وجمبها في كل محنة، وأنا مكنش ينفع أغيب عن يوم زي دة ولا أسيبها من غير ما أكون واقف في ضهرها كأخ حقيقي وسند ليها قدام الغريب، نا خلاص رضيت باللي ربنا كاتبهولي وقسمه ليا وبتمنى ليها السعادة والتوفيق من كل قلبي وهشوف أنا كمان حياتي ودنيتي اللى جاية
ارتاح جميل كلامه وبان على وشه علامات الفخر والرضا من رجولته وأصله النضيف، مد ايده وطبطب على كتفه بحنان كبير وابتسمله ابتسامة صافية، وبعد شوية .. وصل ضيف جديد للحارة، كان خالها اللي من البلد بعد ما كلمته وطلبت منه ييجي عشان يكون هو وكيلها في الجوازة دي، دخل بهيبته ووقاره وكأنه ضيف غريب جاي يقضي واجب و وقف يسلم على جميل اللي رحب بيه جدا
في الوقت اللي كانت عربيات سيف الفخمة بتوصل قدام باب الحارة، نزل بهيبته وطوله وكان لابس بدلة سودا شيك جدا وتخطف العين وساعته بتبرق في يده، ومن الباب التاني نزلت علية اللى كانت لابسة فستان سواريه وقور وشيك، و وراهم مراد والمأذون كان ماشي جنبهم وشايل الدفتر الكبير في أيده، دخلوا الشقة و جميل وفارس استقبلوهم بالترحاب والكل بدأ يسلم، كان عارف بوجود خالها ومرحب بالأمر، علية أول ما شافت ياسين ببدلته الجميلة ضحكت من قلبها وقربت منه وقعدت تلاعبه وتطبطب على وشه وهو كان مبسوط ومكسوف في نفس الوقت
بعد شوية دخل جميل الأوضة عشان يجيب ليلى، وأول ما فتح الباب وشافها واقفة بالفستان الأبيض البسيط عينيه دمعت من التأثر وحس بحنان الأبوة كله بيفيض من قلبه، قرب منها وباس راسها وخد ايدها بالراحة وخرج بيها برا قدام الكل، أول ما ظهرت بالفستان الأبيض الصالة كلها سكتت من كتر جمالها الهادي والرقيق، سيف أول ما شافها ابتسملها بذوق وقام وقف قربت منه وسلمت عليه ف عرفها بعلية اللى قامت من مكانها وأخدتها في حضنها بكل حب وقعدتها جنبها وفضلت تتغزل في جمالها ورقتها وهي في قمة فرحتها
بدأ الماذون يكتب الكتاب وحط خالها أيده في ايد سيف وبعد شوية .. قال المأذون جملته الشهيرة ” بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير ”
فارس كان واقف شاهد بقلب مؤمن وراضي ومعاه مراد، بدأت البنات تزغرط بصوت عالي والبهجة ملت المكان، قام سيف وقف قدامها وفتح علبة الشبكة ولبسهالها قدام الكل، كان بيحاول يتماسك بكل قوته ويقسي ملامحه عشان دموعه متنزلش على مراته اللى لسة ساكنة جوا قلبه، وليلى كانت بتحاول بكل ما فيها تخفي رعشة جسمها الرهيبة وخوفها عن عيون الناس، بعد ما الكل بارك وقعدوا شوية، بصت ليلى ناحية خالها عشان تشوفه وتشكره، لكن لقته مشي بهدوء وكأنه كان جاي يخلص واجب ويمشي، وفي اللحظة دي .. حست بوجع في قلبها وزعلت لأنها حست بالوحدة وأنها ملهاش حد فعلا
لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!