رواية صك السلالة الجزء الثالث عشر 13 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة الثالثة عشر
مع أول ضوء اتسلل من الشباك بدأ النهار يفرش نفسه جوا الاوضة الفخمة اللى كانت شاهدة على أطول ليلة مرت في حياة الاتنين، كانوا زي اتنين غُربا، كل واحد فيهم نايم على طرف من السرير، ضهرهم لبعض وبينهم مساحة فاضية وباردة، الهدوء اللي مالي الأوضة كان يخنق، مليان بطحن الأفكار وصراع العقول اللي مبطلتش لف ودوران طول الليل، محدش فيهم داق طعم النوم ولا عينهم غفلت ثانية واحدة
فضلوا صاحيين وعيونهم مبحلقة في الضلمة و بيسمعوا صوت نَفَس بعض المكتوم، وكل واحد جواه جبل من الهموم والترتيبات والترقب للي جاي، سيف كان باصص للفراغ اللي قدامه وهو بيفتكر ملامح مها، كان حاسس بذنب وخنقة قاتلة في صدره لمجرد وجود ست تانية معاه في نفس الأوضة وعلى نفس السرير اللي كان ملك ليها هي وبس
وفي الناحية التانية .. كانت ليلى مكلبشة في أطراف اللحاف بصوابع مرتعشة وعقلها عمال يودي ويجيب في عيشتها الجديدة وازاي هتقدر تواكبهم وسط، دعت ربنا في سرها إن الأيام تعدي من غير ما تظهرلها حاجة جديدة تصدمها
في وسط الجو المشحون بالتقل دة، رن منبه التليفون اللى متظبط بالملي على نفس الميعاد بتاع كل يوم الصبح عشان يصحى سيف لشغله والعمليات اللى مستنياه، أول ما سمعه مد ايده بسرعة وقفل الصوت فوراً، كان حريص لأبعد حد أنه ميقلقهاش لأنها اكيد غرقانة في النوم من كتر التعب والضغط النفسي بتاع الأيام اللي فاتت، أخد نَفَس عميق وقعد على طرف السرير بشويش وسند دماغه التقيلة بين كفوف إيديه وهو بيحاول يفوق ويطرد الكسل من وشه، لكن في اللحظة
دي اتفاجأ بحركة اللحاف الناعم ورا ضهره، التفت لقاها هي كمان بتتحرك وقامت قعدت على طرف السرير اللى ناحيتها، كانت بتلم شعرها المفرود وبتعدل فستانها القطن الطويل بحذر، أول ما عينها جت في عينه اتوترت وحست بالحرج والارتباك، ضمت كفوف ايديها لبعض وقالت
–صباح الخير بص لملامحها الدبلانة وقال بأسف * صباح النور.. انا اسف نسيت الغي المنبه كان زمانك نايمة ومقلقتيش فركت صوابعها في قماش اللحاف وسكتت كام ثانية وبعدين قالت ـ انا اصلا منمتش ضم حواجبه باهتمام وبص لعيونها اللى بانت فيها الهالات السوداء بوضوح، رد عليها بنفس الصراحة والوضوح وقال بصوت واطي وهو بيضغط على جبهته بتعب
* ولا أنا كمان نمت.. مدوقتش طعم النوم طول الليل وعقلي مبطلش تفكير وهري في كذا حاجة لحد ما صدعت، محتاج فنجان قهوة مظبوط عشان اقدر افوق بصتله واترددت تعرض عليه تعملهاله، لكن لما لقته مغمض عينه وبيضغط على جبهته اتشجعت وقامت وقفت وقالت ـ طب .. تحب انزل المطبخ دلوقتي أعملهالك بإيدي؟ أنا بعرف أظبط القهوة أوي وهتعجبك رفع راسه وبصلها بنظرة فيها تقدير كبير لذوقها و ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
* عارف انك بتعمليها حلو، انتتي ناسية انك عملتيهالي يوم ما جيت اتقدملك؟ بس لا، ارتاحي ومتتعبيش نفسك، هنا في الفيلا الحجة سهام هي اللي بتعمل كل حاجة في المطبخ من سنين ومحدش بيدخل وراها في شغلها إلا عمتي، مش معنى كدة انك ملكيش حق تدخليه وتعملي اللي عايزاه، انا بس قصدي متتعبيش نفسك، ادخلي بقا دلوقتي خدي دش دافي يفوقك ويريح جسمك من الشد اللى انتي فيه من امبارح ـ طب لو عايز تدخل الاول اتفضل
هز راسه وقال بترتيب وعقلانية شديدة عشان يسهل الأمور ويلغي أي حرج بينهم * ادخلي انتي الأول وبراحتك خالص ومن غير استعجال، انا هدخل بعدك على طول أخد دش والبس، وعقبال ما نخلص نكون جهزنا وننزل مع بعض سوا عشان نفطر معاهم ومنتأخرش عليهم هزت راسها بالموافقة وكأنها طفلة مطيعة وقالت ـ حاضر
ابتسملها واتحرك ناحية البلكونة عشان يسيبها براحتها، دخلت اوضة اللبس اخدت هدوم نضيفة وجديدة من اللي جابهم ليها وطرحة ومشيت بخطوات سريعة للحمام وقفلت وراها الباب
ملت البانيو بالماية الدافية وحطت فيها الشاور وقعدت جواه، سندت راسها لورا وغمضت عينيها وهي بتحاول تسترخى، لكنها مطولتش ولبست عشان تخرج بسرعة ويدخل هو وراها، وقبل ما تفتح الباب .. حست إن هو كمان محتاج للراحة ف ملت البانيو من تاني وظبتطه وخرجت، دخل سيف وراها واتفاجئ بأنها مجهزاله كل حاجة كان محتاجها فعلا وهيكسل يعملها ف ابتسم على زوقها وحنيتها
على الكرسي الصغير برا كانت قاعدة. ليلى بتسرح شعرها وهي سرحانة، حست من كلامه من شوية انه بيهمه راحتها شوية حتى في أبسط الحاجات، ودة زرع جوا قلبها حتة أمان صغيرة كانت محتاجاها، خلصت وابتدت تلف شعرها وتلبس الطرحة ف اللحظة اللي سيف خرج فيها وهو لابس هدومه و وقف جمبها يسرح شعره وحط البرفان بتاعه اللى ريحته ملت الأوضة، لف يبصلها وقال * جاهزة؟ هزت راسها وقالت ـ جاهزة * يلا بينا
فتحلها الباب فـ خرجت وخرج وراها، مشيوا في الممر الواسع والهادي وخطواتهم كانت بتطلع صوت خفيف على الأرض اللى بتبرق من شدة النضافة، ليلى كانت بتبص ناحية اوضة ياسين بلهفة، وقفت وهي بتبصله وقالت ـ معلش تعدي بس على ياسين اطمن عليه لكنه طمنها وقال * ياسين زمانه صاحي وتحت معاهم، متقلقيش، عمته اكيد صحته من بدري عشان يفطر
هزت راسها ونزلت معاه خطوة بخطوة، وكل خطوة بينزلوها كانت بتقربهم من مواجهة العيلة ومن بداية حياتهم اللى انفرضت عليهم ” غرفة السفرة ”
خيوط الشمس الدهبية كانت داخلة من ورا الشباك الكبير وبتعكس نورها على الاطباق اللي مرصوصة بعناية على السفرة، الترابيزة الكبيرة متغطية بمفرش من الكتان الأبيض وعليها كل ما تشتهيه الأنفس من أصناف الفطار اللي ريحتها بتفتح النفس، عز كان قاعد باين عليها الراحة والانبساط وعيونه بتلمع ببريق خاص وهو باصص لياسين وبيسمع حكاويه عن لعبه مع صحابه في الحارة اللي حكاها لعلية بالليل، وياسين كان متحمس جدا وهو بيحكي كل التفاصيل، والاتنين كانوا مندمجين في دردشة خفيفة وكأن في ألفة نشأت بينهم في وقت قياسي
علية كانت قاعدة بينهم وبتسمع الحكاية من تاني بأبتسامة وهي بتقشر له بيضة مسلوقة وبتنضفها من قشرتها وبعدين بتقدمهاله بابتسامة دافية وهي بتشجعه ياكل عشان يتقوى كُل يا حبيبي الف هنا وبعدين يا بطل كملي وانت بتاكل وبعدين بقا يا جدو اخدت الكورة وجريت بيها وكلهم ورايا وقومت جيبت حتة جون يا جامد، دة انت شاطر بقا على كدة ايوا لولّا على طول بتقولي كدة
ضحكوا على لطافته ورجع عز يشرب الشاي وهو بيبتسم، وبعد ثواني دخل سيف بخطواته الثابتة ورزانتة المعتادة وجنبه ليلى اللي كانت بتتحرك بخجل وفستانها القطني مديها هيبة وبساطة في وقت واحد، اول ما ياسين لمحها نسي كل حاجة وقام من مكانه بسرعة واندفع ناحيتها وهو بيصرخ بأسمها، ملامحها نورت بابتسامة حقيقية وفتحت دراعاتها وحضنته بكل قوتها وكأنها بتضم الدنيا كلها في حضنها، طبعت بوسة حنينة على راسه وهي بتقوله ـ يا حبيبي وحشتني
مسك فيها وكأنه بيستمد منها القوة والأمان اللي بيكمله، وبعد لحظات، سابته ونظراتها اتجهت لعز و علية اللي كانوا بيتابعوا الموقف بتأثر واضح، قربت منهم وقالت ـ صباح الخير رد عز وقال صباح الخير يا بنتي، عاملة اية النهاردة ـ الحمد لله بخير طول ما حضرتك بخير بصتلهم علية وقالت صباح النور يا حبايبي، تعالوا يلا اقعدوا
بادلهم سيف الابتسامة وشد الكرسي لليلى عشان تقعد وبعدين قعد في مكانه المعتاد والهدوء رجع يسيطر على المكان، صبت علية الشاي في الفناجين وهي بتقول أنا قولت مش هتصحوا بدري كدة خالص، قولت العرايس لسه تعبانين من مشوار السفر واليوم الطويل بتاع امبارح، كنت متوقعة تريحوا أكتر من كدة وتناموا براحتكم بصلها سيف بابتسامة هادية وقال * ما انتي عارفة يا عمتو طبعي مبيتغيرش، أنا متعود أصحى بدري من زمان
هزت راسها بابتسامة وقالت بلهجة حنينة وهي بتبص لليلى طب كنت سيبت ليلى تنام شوية و تاخد راحتها في الراحة والنوم، لسه قدامكم أيام طويلة والراحة مطلوبة في الأول ضحكت ليلى ضحكة خفيفة وبصتلها وقالت بصدق ـ لا يا طنط متقلقيش، أنا كمان متعودة على الصحيان بدري ضحكت علية وقالت انتي كمان؟ ما جمع الا و وفق والله
بدأ الكل في تناول الفطار والأطباق بتتنقل بين إيديهم في جو من الألفة والسكينة وصوت المعالق مع الأطباق كان بيكسر الهدوء، علية كانت بتراقب ليلى وبتحاول تتقرب منها وتكسر أي حواجز فـ قالتلها ليلى حبيبتي في حاجة معينة بتحبيها؟ أنا عارفة إن كل بيت وليه عاداته في الأكل، قوليلي أي حاجة بتشتهيها وهخلي سهام تعملهالك على طول حست ليلى بالخجل وصدق الكلام ده في قلبها، بصتلها وقالت بامتنان حقيقي
تسلمي يا طنط والله انا تمام والأكل كويس هزت راسها بأبتسامة ورجعت تشرب من فنجانها، وتابعوا فطارهم في هدوء مريح وكل واحد فيهم جواه إحساس إن بداية اليوم ده هي بداية لصفحة جديدة هادية ومستقرة في حياتهم اللي اتغيرت بلمحة عين، صفحة بتبدأ بالخير والمودة ” الحارة ـ شقة فارس ”
في ركن هادي من الحارة وبالتحديد في شقة فارس، كان قاعد على الترابيزة و بيشرب كوباية الشاي التقيلة بتاعته، نور الشمس كان بيعافر عشان يدخل من شباك الشقة المفتوح وبيرسم ضوء على الحيطان، جليلة كانت قاعدة قدامه وشها اللي مليان خطوط الزمن بيشع رضا ومحبة وعينيها بتلمع وهي بتراقب ابنها الوحيد سندها في الدنيا وهو بيستعد ليوم جديد، حطت رغيف عيش قدامه وقالت مش كان أحسن لو أخدت أجازة النهاردة؟
مش عايزاك تبقى مهبط ولا عينك غايبة من التعب لما نروح نخطب بنت خالتك، عايزاك تبقى فايق كدة ضحك ضحكة صافية طلعت من قلبه وقال اية يا أمي ده أنا رايح أخطب مش أحارب هزت راسها باعتراض خفيف وقالت بلهجة فيها عتاب محبب
يا ابني الشغل مش هيطير، و خطوبة بنت خالتك دي اهم، أنا بشوفك يا فارس لما بترجع من الشغل بتبقى عامل إزاي، بتدخل الأوضة ترمي جسمك على السرير وتنام من غير ما تحس بالدنيا، ده انت يا دوب بتلحق تاخد نفسك، خايفة تروح هناك وتناملي وسط الناس من كتر التعب ويبقى شكلك مش ظريف ساب كوباية الشاي وبصلها بعيون مليانة طمأنينة وقال
يا ست الكل ارمي حمولك على الله، متقلقيش خالص، والله هبقى فايق وهبقى زي الفل، وبعدين دي بنت خالتي يعني مش غريبة وعارفاني، يعني مفيش داعي للقلق والترتيبات الزيادة دي حسّت براحة كبيرة لكلامه وقربت منه وحطت إيدها على كتفه ودعتله دعوة طالعة من أعماق قلبها ربنا يفتحها في وشك يا ضنايا ويجعل التوفيق حليفك في حياتك كلها، ويسعد قلبك ويتمم لك على خير
مسك إيدها اللي كانت لسه على كتفه وبحركة مليانة وفاء باس إيدها مرتين وحطها على خده وهو بيقول تسلميلي يا أمي وتسلملي دعوتك، طول ما إنتي راضية عني وبتدعيلي، أنا مش خايف من أي حاجة في الدنيا
ابتسمتله ورجعت تكمل فطار، وساد السكوت للحظات، سكوت مليان أمان، كان فارس فيه بيستحضر في خياله تفاصيل اليوم اللي جاي، وبيشوف نظرة الرضا في عين أمه اللي كانت أكبر حافز ليه، الجو كان مشحون بحالة من السكينة اللي بتخلي الواحد ينسى أي هموم أو مشاكل، وكأن الحارة بكل ضجيجها بره الشقة مش موجودة في العالم الخاص اللي بيجمعهم، قام وقف وظبط هدومه و ودعها بابتسامة تانية وخرج لأكل عيشه ” بهو الفيلا ”
بعد ما خلصوا الفطار في جو من الألفة اللي اتزرعت بفضل وجود ليلى وهدوئها، اتحرك الكل لبهو الفيلا الفسيح، المكان اللي بيحسس الواحد بالفخامة والدفء في نفس الوقت، كان واسع ومرتفع السقف والحيطان متزينة بتابلوهات كلاسيكية بتدي إيحاء بالفخامة، قعدوا كلهم على الكنب المريح والترابيزة اللي في النص كان محطوط عليها اطباق الفاكهة، عز كان قاعد بيقرأ جرناله وياسين كان بيلعب بشوية مكعبات على السجادة العجمي المفروشة في الأرض، عليّة كانت بتبص لسيف وليلى بعيون مليانة فرحة وأمل وكأنها بتطمن إن الأمور بدأت تأخد مجراها الطبيعي
ساد الصمت للحظات مقطعوش غير صوت علية وهي بتقول بأبتسامة بقولكم إيه يا ولاد، انتوا مش ناويين بقى تقضوا شهر عسل؟ الفيلا هنا هادية وجميلة بس برضو الواحد بيحتاج يغير جو في بداية حياته ويروح أماكن جديدة، قررتوا هتقضوا شهر العسل فين؟ ولا حابين أرتبلكم أنا حجز في أي فندق شيك في شرم ولا الغردقة؟ سيف ملامحه اتغيرت لثانية وحس بضغط منها، بصلها بهدوء وثبات وقال
* والله يا عمتو تسلمي على ذوقك واهتمامك، بس بصراحة إحنا اتفقنا نأجل الموضوع ده شوية، عندي شغل كتير جداً في المستشفى الأيام دي وفي عمليات حرجة لازم أتابعها بنفسي، ومش هعرف أغيب الفترة دي خالص ضيقت عينيها بدهشة وكأنها مش مقتنعة تماماً بالحجة دي وقالت باعتراض خفيف شغل إيه بس يا سيف اللي يخليك تأجل شهر عسل؟
العمر بيعدي يا ابني، والشغل ده طول عمره موجود ومخلصش، بس أيام الجواز الأولى دي مش بتتعوض، ما تروحوا أي مكان حلو تتفسحوا فيه وتفكوا عن نفسكم شوية.. ليلى عروسة ومن حقها تفرح وتتفسح بصت لليلى وكأنها بتستنجد بيها عشان تقنع سيف وقالت مش كدة يا ليلى؟ قوليله يا بنتي، لازم يفك عن نفسه وعنك، الشغل مش هيطير
حست بالتوتر اللي سيف واقع فيه لأنها عارفة إن شهر العسل ملوش لازمة في حالتهم دي، ابتسمت ابتسامة هادية وبصت لعليّة بكل أدب وقالت ـ يا طنط سيف أدرى بشغله وبظروفه، وهو أكيد حاسب كل حاجة، أنا مش مستعجلة ومقدرة إن مسؤوليته في المستشفى كبيرة ومهمة، ولما يخلص اللي وراه ويلاقي وقت مناسب أكيد هنسافر وننبسط في حتة حلوة، بس الأهم دلوقتي هو شغله
اتفاجئ من ردها و بصلها بعيون بتنطق بامتنان عميق وكأنها شالت جبل من على كتافه وخرجته من الموقف ده بذكاء وهدوء من غير ما تكسر كلامه قدام عمته، دخل عز في الكلام وهو بيضحك ضحكة هادية وقال سيبيهم يا علية، هما أدرى بحياتهم وبالتوقيت اللي يناسبهم، سيف دكتور وعارف شغله، وليلى عاقلة وبنت أصول ومقدرة ظروفه علية ابتسمت بقلة حيلة وقالت ماشي يا سيدي، اللي تشوفوه، بس برضو رأيي إن الفسحة مطلوبة
رجعوا يدردشوا في مواضيع تانية، وسيف وليلى فضلوا قاعدين ساكتين والهدوء والرضا ماليين القعدة، وكل واحد فيهم بيحس إنهم بيبنوا جسور جديدة من الثقة والتفاهم خطوة بخطوة وسط دفء البيت، البهو اللي كان من ايام مكان واسع وموحش، دلوقتي بقى مليان حياة وضحكة ياسين اللي بتتردد في أركان المكان كانت بتمسح أي بقايا توتر أو إحراج ممكن يكون لسه موجود، القعدة طالت، وعز كان بيحكي مواقف قديمة وسيف بيضحك من قلبه وليلى كانت بتسمع باهتمام وهي بتتعرف على تفاصيل حياتهم، ضحكهم، حتى قلقهم، وكل تفصيلة صغيرة في المكان كانت بتحسسها إنها يمكن تلاقي هنا مكانها
” الجنينة ”
سحبت نفسي من بين نظراتهم اللي بدأت تحاصرني، ومن القعدة اللي بقت تقيلة على قلبي زي الرصاص، كنت محتاج أهرب، أتنفس، أبعد عن عيون عمتي علية اللي بتراقب كل حركة، وعيون أبويا اللي بتداري فرحة مبالغ فيها، وحتى نظرات ليلى اللي بحسها بتخترق حواجزي وبتشوفني من جوا، الهوا كان فيه برودة خفيفة، بس عقلي كان مولع نار من كتر التفكير، وقفت في نص الجنينة والنافورة بتطلع صوت ميه رتيب لدرجة إنه بيستفز أعصابي، طلعت الموبايل لقيت اسم مراد بينور الشاشة .. مراد، الصاحب الوحيد اللي يعرف وشي التاني، اللي يعرف سيف الدكتور مش سيف العريس اللي مفروض إنه فرحان، رديت وصوتي كان خارج بالعافية
* ايوا يا مراد.. صباح الخير صوته جالي مبهج وهو بيقول صباح النور يا دكتور، ايه يا عم، قولت أطمن عليك وأشوف دنيتك إيه في أول يوم جواز.. الدنيا تمام؟ بصيت حواليا وقولت * اخبار إيه يا مراد؟ يا دوب قومنا فطرنا ودخلنا في الدراما المعتادة بتاعت العيلة، كلام عن شهر العسل وفسح واهتمامات وأنا لا في بالي ولا في نفوخي خالص، تصدق بالله؟
أنا كنت عايز ألبس وأطير على المستشفى دلوقتي بس قعدت بالعافية، حرفياً بالعافية عشان ابويا وعمتي ميبدأوش يحللوا ويحرموا ويفتحوالي سيناريو رد بصوت فيه تريقة وقال شغل اية يا عم اهدى شوية، إنت لسه في أول يوم، دة المفروض تقعد أكتر من كدة بكتير، المفروض تعيش الدور، إنت عريس يا ابني مش دكتور مناوب في غرفة العمليات * مراد .. انتت صدقت بجد إني عريس؟ إنت بجد مصدق التمثيلية دي؟
إنت أكتر واحد عارف الوضع ده ماشي إزاي، دي مش جوازة عادية، دي صفقة سكت لحظة وقال بجدية انا فاهم قصدك يا سيف، ومقدر الضغط اللي إنت فيه، بس يا صاحبي، التعامل مع الأمور بليونة أحياناً بيبقى أحسن، حاول تدي لنفسك وليها فرصة يمكن الوضع يختلف لو شيلت من دماغك فكرة إنه اتفاق وبس، وبعدين، المستشفى مش هتهرب، والحالات اللي هناك ليها دكاترة غيرك يتابعوها، سيب لنفسك يومين تلاتة يمكن تلاقي الدنيا أهون مما كنت متخيل
هزيت راسي وكأن الكلام ده بيحاول يقتحم دماغي بالعافية * يا ريت يا مراد، يا ريت، بس أنا بطبعي ما بعرفش أرتاح وأنا عارف إن في حاجة ورايا، على العموم، أنا هحاول أساير الأمور اليومين دول، ويومين تلاتة وهتلاقيني عندك في المستشفى، الشغل ده هو اللي بيخليني أحس بنفسي، هو اللي بيخليني أعرف أتعامل مع الواقع ده.. الشغل هو المكان الوحيد اللي بعرف أتنفس فيه، بعيد عن ذكريات مها وعن ضغط عيلتي
ماشي يا دكتور، خد وقتك، وأنا موجود لو احتجت أي حاجة، بس فك عن نفسك شوية، العيلة دي محتاجة تشوفك مبسوط، مش مكشر وعينك على الساعة قفلت معاه وحسيت أن التقى اللي على صدري راح، وقفت لحظة أراقب الشمس وهي بتعلى وأراقب نفسي في انعكاس الميه. هل أنا فعلاً عريس؟ ولا أنا مسجون في دور العريس؟ دخلت تاني، وأنا برتب قناعي.. القناع اللي بيلبسه سيف عشان يرضي الكل، مع إنه من جواه متقطع
بعد ما سيف خرج للجنينة، وقفت علية وبصت لليلى بابتسامة كلها محبة وقالت وهي بتمسك إيدها برقة وبصت لياسين اللي كان بيحاول يجمع المكعبات بتاعته في كيس صغير وقالت يلا يا بطل، تعال معانا عشان تتفرج على البيت كله قام وهو بيتنطط من الفرحة ومسك طرف فستان ليلى ومشي وراهم زي ما يكون هو اللي بيحميها وبيرشدها في رحلة الاستكشاف دي، بدأوا يتمشوا وعليّة كانت بتتكلم بحماس زي، شاورت ل لليلى على ركن فيه فازة فخمة من الكريستال وقالت
بصي يا ليلى، الفازة دي سيف جابها وهو بيجهز الفيلا هي والتحف اللي حواليها، البيت ده مليان حكايات، وكل حتة فيه ليها ذكرى، وأنا النهاردة عايزة كل ذكرى دي تبقى جزء من ذكرياتك إنتي كمان كانت بتسمع وبتبص بحذر وإعجاب في نفس الوقت، حاسة إن المكان كبير وعريق وبيهيب، بس إيد علية اللي ماسكة إيدها كانت بتطمنها، طلعوا الدور التاني واتفرجوا على أوض المعيشة والمكتبة الخاصة بسيف، ياسين كان بيدخل كل أوضة ويجري يستكشفها ويشاور لليلى
شوفي يا ليلى، ي كمان حلوة أوي كانت بتبتسم له وبتمسح على شعره وحاسة إن السعادة اللي في عينه دي هي اللي بتهون عليها، وقفت علية للحظة وبصتلها وقالت بنبرة جدية وحنينة في نفس الوقت
ليلى، أنا عارفة إن البدايات دايماً بتبقى تقيلة، وإن البنت لما بتدخل بيت جديد بتحس إنها غريبة، بس أنا عايزة أطمنك، أنا وسيف والحاج محتاجين روحك هنا مش بس وجودك. البيت ده كان ناقصه حد زيك، حد قلبه أبيض ومتربي، فـ أمانة عليكي، لو حسيتي بأي حاجة مضيقاكي او في حاجة مش مريحة قوليلي، إحنا هنا عشان نخليكي أسعد واحدة إنتي وياسين حسّت بدمعة سخنة في عينها وحطت إيدها على إيد علية وبصتلها وقالت
ـ ربنا يخليكي يا طنط، والله أنا مش عارفة أشكرك إزاي على الكلام ده، حسستيني إني في بيت أهلي، ووجود ياسين معايا هنا مخلي كل حاجة أسهل بكتير سحبتها علية لحضنها وطبطبت على ضهرها وقالت ياسين ده ابننا كلنا، شايفاه إزاي فرحان بالفيلا؟ ده كفاية عليا ضحكته.. يلا يا حبيبتي نكمل باقي الدور، وفيه أوضة فوق في التراس عايزة أوريكي إطلالتها، هتعجبك أوي وتغير مودك
كأن البيت كله كان بيفتح دراعاته لليلى، علية كانت المفتاح اللي بيفتح الأبواب دي، مش بس الأبواب الخشب، بكن كمان أبواب القلوب، ليلى بدأت تدرك إن الفيلا دي مش مجرد حيطان وعفش غالي، دي حياة، وحياة كبيرة ومحتاجة صبر، ومحتاجة قلب كبير زي قلبها عشان تتحمل وتتعايش وتلاقي مكانها وسط كل ده، مشيت جمبها وياسين بيجري قدامهم بيلعب في الطرقة الواسعة، والضحكات اللي كانت بتتردد في الفيلا بدأت تمحي تماماً أي أثر للرهبة أو الخوف اللي كان عندها من امبارح
لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!