رواية صك السلالة الجزء الخامس عشر 15 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة الخامسة عشر عدى شهر كامل على وجود ليلى وياسين في الفيلا، شهر بحاله مر والوقت بيجري بريتم هادي بس محمل بتغييرات كتيرة وتفاصيل مكنش حد يتخيل إنها تمشي بالسهولة دي، سيف كان لسه غرقان في روتينه بالمستشفى، بيروح من بدري ومبيرجعش غير بالليل، كأنه لسه بيستخدم الشغل كدرع بيحميه من التفكير الزيادة لكن من غير ما يقصر في حق البيت
أما ليلى فـ بدأت تاخد على المكان واللي فيه، بقت تلازم علية في المطبخ وتساعد سهام وتقعد مع عز أحياناً تسمع حكاياته القديمة برزانة وأدب خلوها تدخل قلبه ويبقالها مكانة غالية عنده
وياسين، فـ ده كان صاحب النصيب الأكبر من التغيير، سيف وفى بوعده وبدون ما حد يطلبه، أخد أوراقه ونقلها لمدرسة لغات جديدة وقريبة، مدرسة أحسن بكتير من اللي كان فيها في الحارة وبقى مهتم بتفاصيله، ياسين من كتر حنية سيف معاه اتعلق بيه وبقى يستناه على الباب بالليل وأول ما يسمع صوت عربيته عشان يجري يترمي في حضنه ويحكيله عمل إيه في يومه، وسيف رغم تعبه كان بيقعد ويسمعه ويضحك معاه
وفي يوم من الايام .. الكل كان متجمع حوالين سفرة الفطار في جو دافي وهادي، الأكل كان مرصوص بنظام زي كل يوم والكل ملهي في الفطار، سابت علية الشوكة من إيدها وبصت ل ليلى وسيف بنظرة فيها فضول وعشم زايد وحبت تفتح الموضوع اللي شاغل بالها من فترة ومستنية اللحظة المناسبة ليه قولولي يا حبايبي، بقالكم شهر بحاله متجوزين والبيت الحمد لله هادي ومستقر، مفيش أي أخبار حلوة جاية في السكة؟
يعني لسه مفيش علامات حمل ولا وحم باينة على ليلى؟
السفرة كلها سادها صمت مفاجئ وتقيل، رفع عز عينه وبص لعلية بلوم خفيف، أما ليلى وسيف، فـ الصدمة والإحراج نزلوا عليهم زي الماية الباردة، ليلى وشها جاب الوان وحست بالحرج لأن الحقيقة والسر اللي محدش يعرفه غيرهم، إنهم لحد النهاردة لسه متمموش جوازهم بجد، نزلت عينيها في طبقها ومقدرتش ترفعها تبص لحد وبقت ماسكة المعلقة بإيد بترتعش خفيف، وعقلها عمال يودي ويجيب في مأزق التمثيلية اللي هما عايشين فيها
أما سيف .. فـ ملامحه اتغيرت واتقبضت لثانية وحس بضغط وحرج من سؤالها، بص ل ليلى بطرف عينه لقاها ياصة في الطبق وساكتة تماماً ومش عارفة تنطق، ساب فنجان القهوة من أيده وأخد نَفَس هادي وظبط نبرة صوته عشان تبان طبيعية ومفيش فيها توتر، بص ل علية وقال بابتسامة * ربنا يسهل يا عمتو.. كل شيء بميعاد وترتيب من عند ربنا، وإحنا لسه في الأول، فـ ادعيلنا إنتي بس واللي فيه الخير يقدمه ربنا هزت راسها بقلة حيلة وقالت
يا رب يا ابني، ربنا يرزقكم بالذرية الصالحة ويسعدكم، أنا بس من لهفتي فتحت الكلام اتنحنح عز وقال خلاص يا علية، سيبيهم براحتهم وكل حاجة بأوانها، كملي فطارك
الكل رجع ياكل تاني والجو بدأ يهدأ بالتدريج، لكن ليلى فضلت زي ما هي شاردة وغرقانة في أفكارها وهي بتقول لنفسها إن سيف راجل محترم ونفذ كل وعده معاها، أمنها وأمن أخوها ونقله أحسن مدرسة وعايش معاها بأعلى درجات الأدب ومضغطش عليها في أي حاجة تخص حقوقه كزوج، وسؤال علية حسسها بالمسؤولية والذنب، حست إن الدور عليها هي كمان عشان توفي بنصها من الاتفاق ومتخيبش أمل العيلة دي اللي احتضنتها، بس إزاي هتاخد الخطوة دي مع راجل لسه الماضي والذكريات لفين بحبل على رقبته؟
فضل السكوت مالي عقلها لحد ما الفطار خلص وكل واحد قام وهو شايل جواه حمل تفكير جديد للأيام الجاية ” غرفة سيف ”
بحلول الليل.. الهوا في البلكونة كان بارد، بيلسع وشي بالراحة وبيطير أطراف شعري المفرود، الدنيا برا كانت ليل والهدوء مغطي جنينة الفيلا الواسعة، مفيش غير صوت ورق الشجر وهو بيتحرك مع الهوا وصوت النافورة الرتيب اللي بقيت حافظاه، كنت ساندة إيديا الاتنين على السور، عيني باصة للنور البعيد بس عقلي مكنش هنا خالص، كان لسه واقف عند اللي حصل الصبح، عند الكلمة اللي قالتها طنط علية ونزلت عليا زي الصاعقة، حسيت بنغزة في قلبي وأنا
بفتكر الموقف، سؤالها مكنش مجرد سؤال عابر من ست طيبة مستنية حفيد، ده كان زي المراية اللي اتفتحت فجأة في وشي وفكرتني بالواقع اللي أنا وسيف بنهرب منه بقالنا شهر، بصيت للسما واتنهدت، الحقيقة إن وضعنا دلوقتي بقى أحسن بكتير من الأول، في أول كام يوم كنت بدخل الأوضة دي وأنا مرعوبة وجسمي بيرتعش من فكرة إننا لوحدنا، بس مع الوقت الخوف ده داب خطوة ورا خطوة، سيف مطلعش الراجل القاسي ولا الغريب اللي كنت خايفة منه، بالعكس، بقاله شهر
بيعاملني بمنتهى الرفق واللين، فيه حنية وشهامة في طبعه مكنتش متخيلاها، محترم معايا لأبعد حد ومش مخليني عايزة أي حاجة في الدنيا لا أنا ولا ياسين، وفى بوعده وزيادة وشالنا في عينيه، ومع كل ده، ومع إنه دفع تمن الأمان ده غالي من راحته وفلوسه، مطلبش مني المقابل، مطلبش ننفذ اتفاقنا ولا ضغط عليا ولا حسسني ولو لمرة واحدة إنه صاحب فضل أو إنه مستني حقه الشرعي كزوج، سايبني براحتي تماماً كأنه بيقولي اطمني الأول بس..
إنتي أنانية يا ليلى الكلمة دي خطرت في بالي و وجعتني أوي، حسيت بتقل في صدري وأنا بواجه نفسي بالحقيقة، الراجل ده عمل كل اللي عليه، والنهاردة الدور عليا أنا، مينفعش أفضل آخد بس من غير ما أدي، مينفعش أسيبه شايل الشيلة لوحده لمجرد إني خايفة أو مكسوفة، هو محتاج إيه مني غير إنه يشوف بيته مستقر وعيلته فرحانة؟ ومادام أنا رضيت بالاتفاق ده من الأول يبقى لازم أوفي أنا كمان وأشيل عنه الحمل ده
سيبت السور ودخلت الأوضة اللي كانت دافية وإضاءتها هادية، بدأت أتمشى فيها رايحة جاية وانا بفرك صوابعي في بعضها وعقلي مش مبطل تفكير ـ طب هعمل إيه؟ هقوله إيه لما يدخل؟
عيني جت بالصدفة على باب الدريسنج روم، وقفت مكاني وبصيت وافتكرت اللي عمله من أسبوعين، غيرها ١٨٠ درجة، كنت رافضة تماماً إني ألمس هدوم مها الله يرحمها أو أغير اي حاجة عشان مجرحوش، بس هو فاجأني ونقل كل حاجتها لأوضة تانية مقفولة وسابلي الدريسنج فاضية وخلاها كلها ليا عشان أحط حاجتي براحتي، وقتها حسيت إنه حتى في أبسط الحاجات وأدق التفاصيل بيراعيني وبيعمل حساب لراحتي وكرامتي قبل أي حاجة وانه ميستاهلش مني الخوف ده كله، رجعت
أتمشى تاني في الأوضة وافتكرت شكله النهاردة على الفطار، سكوته المفاجئ، والتنهيدة التقيلة اللي طلعت من صدره بعد سؤال طنط علية عن الحمل، والضغط والضيق اللي حس بيه، حسيت إنه اتزنق ومكنش عارف يقولهم إيه، وفي نفس الوقت مكنش عايز يحرجني أو يحملني ذنب السكوت ده فرد ودافع عني وقال إن كل شيء بميعاد، وقفت في نص الأوضة وأخدت نفس طويل وعميق، وكأني بملى صدري بالشجاعة
ـ خلاص يا ليلى، مفيش وقت للخوف والكسوف، المركب دي لازم تمشي وتنفذي اتفاقك خطواتي بقت أسرع وأنا متجهة للدريسنج روم، دخلت و وقفت قدام الدولاب، فتحت الدرفة وبصيت لهدومي المرصوصة بنظام وفضلت واقفة كام ثانية بختار وقلبي بدأ يدق بسرعة جنونية دقات خوف ممزوج بقرار حاسم وعزم إني ابدأ معاه الصفحة الجديدة دي الليلة دي وأوفي بعهدي زي ما هو وفى بالملي
كانت الساعة عدت نص الليل لما ركنت عربيتي في جراج الفيلا، النور في الأدوار اللي تحت كان هادي شبه مطفي والسكوت مغطي المكان كله، نزلت من العربية وأنا حاسس بهمدان في جسمي كله من كتر العمليات والمرور على الحالات، طلعت السلم الرخام خطوة بخطوة وأنا منهك وبفك كرافتتي بإيد واحدة وعقلي عمال يلف في كذا سكة، حطيت إيدي على مقبض الباب وفتحته ببطء وانا متوقع اني هلاقيها نايمة زي كل يوم، دخلت الأوضة وقفلت الباب ورايا من سكات وأول ما
لفيت وشي اتسمرت في مكاني، مكنتش نايمة .. كانت قاعدة على الكنبة في ركن الليفينج صاحية ومستنياني وقدامها على الترابيزة الصغيرة كانت حاطة صينية عليها عشا، بس مش هو دة اللي خلاني أقف مش قادر اتحرك، اللي خطف عيني ولفت نظري بالكامل هي هيئتها، كانت لابسة روب ستان طويل باللون الكحلي الناعم وشعرها الأسود الطويل مفرود على كتافها لأول مرة من يوم ما دخلت البيت، ملامحها كانت رقيقة وفيها صفاء خضني، فضلت واقف في نص الأوضة مصدوم ومش
عارف أقدم ولا أأخر، ولا عارف المفروض أعمل إيه أو أقول إيه في الموقف المفاجئ دة
اول ما شافتني قامت وقفت بالراحة وخطت خطوات بطيئة ناحيتي والكسوف والارتباك باينين في كل حتة في وشها وفي طريقة مشيها، وقفت قدامي مباشرة والمسافة بيننا بقت قريبة، نزلت عينيها للأرض بخجل شديد وقالت بصوت ناعم ورقيق يكاد يكون مسموع ـ حمد لله على السلامة سكت كام ثانية وأنا بحاول أجمع الكلام وأستوعب الوش السمح اللي قدامي، رديت بصوت واطي ومحمل بتعب اليوم وقولت * الله يسلمك
سكت تاني وبصيت للهيئة اللي هي فيها ولصينية العشا وسألتها بتوجس وحيرة * هو .. هو في إيه؟ رفعت عينيها وبصت في عيني لثانية واحدة، حسيت برعشة خفيفة في نبرة صوتها وهي بتتكلم بتردد ـ انا .. أنا كنت مستنياك عشان أشكرك انك سيبتني براحتي طول المدة اللي فاتت دي ومضغطتش عليا في أي حاجة، وأنا .. أنا جاهزة دلوقتي
فهمت على طول سر كل اللي بيحصل، نزلت چاكيت البدلة من على كتفي ببطء وحطيته على ضهر الكرسي القريب مني وبصتلها بنظرة جادة وقولت * كلام عمتي النهاردة عن الحمل هو اللي خلاكي تعملي كدة وتأخدي الخطوة دي.. صح؟ سكتت تماماً وبصت للأرض ومردتش بكلمة واحدة، وسكوتها ده كان تأكيد على ظني، اخدت نَفَس طويل وقربت منها خطوة وقولت بنبرة هادية وفيها كل اللين والرفق اللي أقدر عليه
ـ متخديش بكلامها يا ليلى، عمتي ست طيبة وبتتكلم بـعشم زيادة، بس أنا مش عايزك تضغطي على نفسك أو تعملي حاجة إنتي مش مستعدالها من جواكي لمجرد إرضاء حد أو بسبب إحراج عشتيه على السفرة، اتفقنا؟
اتحركت وجيت أعدي من جنبها لقيت ايديها بتمسك في دراعي، وقفت مكاني فجأة، دي كانت أول مرة إيدها تلمسني بالإرادة دي، لفيت وشي وبصيت لأيدها وبعدين لملامحها وأنا في منتهى الاستغراب من جرأتها اللطيفة، كانت لسه باصة في الأرض، وشها أحمر من كتر الخجل والتردد وصوابعها ماسكة في قماش قميصي بقوة كأنها بتستمد منها الشجاعة، رفعت راسها سنة صغيرة وقالت بصوت هادي بس ثابت ـ بس انا بتكلم
فضلت واقف باصص لعينيها اللي بتلمع بالصدق، حسيت بالبرود اللي جوايا بيقاوم، وفي نفس الوقت حسيت باحترام رهيب ليها بيملى قلبي، حطيت إيدي فوق إيدها اللى على دراعي بالراحة وقولت * الأيام بيننا كتير، ومفيش حاجة تستدعي الاستعجال هزت راسها برفض وعينيها لسه في عيني وقالت بتأكيد ـ انا جاهزة يا سيف
فضلنا واقفين على الوضعية دي وسط هدوء الأوضة ونورها الخافت، إيدها على دراعي وإيدي فوقها، والماضي والحاضر بيتقابلوا في نظرة طويلة كأنها بداية لحكاية جديدة هتبدأ تتكتب بيننا بالهداوة ومن غير شروط ” المقابر ”
قفلت باب العربية ونزلت في الضلمة وسط المطر اللي كان بينزل بغزارة، شلالات مية باردة بتخبط في وشي وفي ضهري وكأن السما بتشاركني السواد واللخبطة اللي جوة قلبي، صوت الرعد كان وداني والبرق بيخطف عيني كل كام ثانية وينور شواهد القبور البيضا اللي مرصوصة حواليا، مشيت بخطوات تقيلة، خطوات واحد شايل جبل على كتافه، وجزمتي بتغرس في الطين والمية، كنت ماشي ومش حاسس ببرد الجو، البرد الحقيقي كان جوا صدري، والخوف من مواجهة نفسي كان
بيأكل فيا، وصلت قدام باب مدفنها، الباب الحديد الأسود اللي بقيت حافظ كل قشرة صدى فيه، إيدي كانت بترتعش وأنا بطلع المفتاح من جيبي، المفتاح اللي مبيفارقش ميداليتي وكأنه الرابط الوحيد الباقيلي من حياتي القديمة، حطيته في القفل وفتحت ودخلت جوا حوش المدفن، خطيت كام خطوة في الضلمة لحد ما بقيت واقف قدام قبرها علطول، وفي ثانية واحدة رجلي مشالتنيش، ركبي خانتني واترميت بكل طولي وبكل غُلب الدنيا قدام قبرها، سندت إيديا وجبيني على
الرخام البارد وعيني جت تلقائياً على دبلتها اللي لسه في صباعي، حسيت بنغزة و وجع فظيع وضميري بدأ يجلد فيا بقسوة، افتكرت ملامح ليلى من كام ساعة و لمسة إيدها الدافية على دراعي ونظرة عينيها المستسلمة المطمنة .. و إزاي استسلمت ودخلت معاها في دنيتها، الحصن اللي كنت بانيه انهار تماماً، الحاضر فرض نفسه عليا وحسيت إني ضعفت إني مـقدرتش أقاوم أكتر من كدة، وإني بخطوة النهاردة دي سيبت الماضي ورا ضهري غصب عني، انفجرت في البكا و صوت
شهقاتي كان بيرن في المدفن ويقطع في صدري، دموعي نزلت على الرخام البارد وأنا بصرخ بصوت مخنوق ومكسور
* سامحيني يا حبيبتي .. سامحيني فضلت أعياط زي العيل الصغير وبقيت بكلمها بقهر وعجز * أنا مـقدرتش يا مها، الدنيا كانت أقوى مني، والواقع لف حبل حوالين رقبتي ومعرفتش أهرب، وعدتك عمري ما هلمس ست تانية ولا هفتح باب بيتي وقلبي لحد غيرك، بس النهاردة كل حاجة اتغيرت والعهد اللي كان بيننا اتكسر دموعي مكنتش بتجف وجلد ضميري بـيزيد، قعدت أضرب بكفي على الرخام بـقهر وقولت
* والله العظيم ما نسيتك ولا أي ست في الدنيا تقدر تمحي اسمك من جوايا، مش عارف هبص لـنفسي في المراية إزاي ولا هكمل حياتي معاها ازاي فضلت على الحال ده باكي ومنهار مرمي قدام قبرها والمطر بيدخل من شقوق السقف المفتوح ويبلل هدومي بالكامل، كنت بـشهق بصوت عالي والوجع عاصر قلبي وحاسس بـخنقة ملهاش أول من آخر، حطيت خدي على قبرها وفضلت أردد بـنبرة عاجزة وميتة
* متزعليش مني، أنا تايه من بعدك، والخطوة اللي خطيتها النهاردة دي كانت أتقل خطوة مشيتها في حياتي.. سامحيني يا حبيبتي، سامحيني فضلت أبكي وقاعد جمبها وانا كاره دنيتي والواقع اللي فرض عليا خيانتها، وشايل هم بكرا اللي مش عارف هعيشه بعد الليلة دي ازاي ” فيلا سيف عز الدين ـ غرفة سيف ”
كنت قاعدة على طرف السرير ضمة رجلي لصدري وساندة راسي على ركبي وعيني باصة للفراغ، تلت أيام عدوا عليا كأنهم تلت سنين، تلت أيام وأنا صاحية وبنام في نفس الدوامة وعقلي مبطلش تفكير ولا ثانية واحدة، من ساعتها .. من أول ما خرج وهو مختفي تماماً ومخطاش عتبة الفيلا، مكلمنيش حتى في التليفون ولا بعتلي رسالة يطمن عليا أو يقولي إنه بخير، كل اللي عمله إنه اتصل بعمو عز وبلغه إنه هيبات في المستشفى كام يوم لأن عنده حالات حرجة كتيرة
وعمليات ورا بعض ولما يخلص كل اللي وراه ويهدى الشغل هيبقى يرجع، عمو عز عداها ومخدش باله، بس أنا .. انا كنت فاهمة اللي بيحصل، حسيت بغصة واقفة في زوري ودموعي كانت هتخونني وتنزل بس منعتها، كبريائي كان بيتقطع وانا عارفة ومتأكدة إنه مش غرقان في الشغل للدرجة دي، وانه رافض يشوف وشي ورافض يدخل الأوضة دي تاني، زمانه دلوقتي قاعد وسط حيطان مكتبه بيجلد في نفسه بقسوة وشايف إنه خان مراته، وإن وجودي أنا في حياته كزوجة بجد ذنب لازم
يكفّر عنه بالهروب والبعد، غمضت عيني بقوة وأنا بضغط على سناني وحاولت أصلب طولي وأوقف الكسرة اللي حساها، رجعت كلمت نفسي في سري وبقيت ألومها واقول
ـ وانتي ليه زعلانة دلوقتي؟ ليه كرامتك نقحت عليكي وحاسة بالوجع ده كله؟ مش ده الاتفاق اللي وافقتي عليه بأرادتك من أول يوم؟ مش إنتي اللي دخلتي البيت ده وإنتي عارفة البير وغطاه وعارفة إن قلبه مش ليكي ومدفون معاها تحت التراب؟ كنتي عايزاه يعمل إيه يعني بعد اللي حصل؟ يصحى الصبح يمثل الحب ويجيبلك ورد؟
إنتي عملتي الأصول والواجب عشان تحمي أخوكي والتمثيلية تكمل قدام أهله، وهو هرب عشان مش قادر يتصالح مع الواقع، يبقى مستنيش منه حاجة مش ملكك خرجت من وسط شرودي وأفكاري فجأة على صوت خبط هادي ومنظم على باب الأوضة، اتنفضت من مكاني وأخدت نفس عشان أداري أي أثر للحزن والكسرة في ملامحي، مشيت بخطوات ثابتة وفتحت الباب لقيت طنط علية واقفة قدامي، وشها السمح كان فيه لمحة قلق وهي بصالي، لكنها ابتسمت وقالت
مساء الخير يا حبيبتي، قولت أطلع أطمن عليكي وأشوفك بتعملي إيه لوحدك من الصبح وسعتلها الباب وابتسمت بمجاملة وذوق وقولت ـ مساء النور يا طنط، تعالي اتفضلي دخلت بخطواتها الرزينة وقعدت على الكنبة اللي في الليفينج وأنا قعدت جنبها، مالت علية بجسمها شوية وعينيها كانت بتفحص الأوضة وبتفحص وشي بدقة وسألتني بنبرة فيها عشم الأمومة وخوفها قوليلي يا بنتي، هو سيف ماله، بقاله تلت أيام مرجعش البيت ليه؟
الحاج عز بيقول إنه في المستشفى وعنده شغل، بس الشغل عمره ما كان بياخده بالشكل ده، هو إنتوا متخانقين؟ ولا في حاجة حصلت بينكم زعلته؟ قلبي دق بسرعة وحسيت برعب جوايا، خوفت لا تفهم الحقيقة أو تحس بالشرخ اللي بيننا، بلعت ريقي وبسرعة رسمت ابتسامة صافية و واسعة على وشي وجمعت كل هدوئي وثباتي ورديت عليها بنبرة واثقة وثابتة
ـ لأ طبعاً يا طنط خناق إيه بعد الشر، إحنا كويسين جداً والحمد لله ومفيش بيننا حاجة، سيف بس بجد عنده ضغط شغل مش طبيعي اليومين دول، وفي حالات حرجة جت في الطوارئ وهو المسؤول عنها ومينفعش يسيبها، وإنتي عارفة سيف وضميره في الشغل عامل إزاي فضلت أكدب عليها وأنا قلبي بيتقطع من جوا وكملت كلامي عشان أأكّد لها التمثيلية ومسيبش مجال للشك
ـ وبعدين هو مبيسبنيش، ده بيكلمني في التليفون على طول كل ما يفضى ويطمن عليا وعلى ياسين، ولسه مكلمني من شوية وبيعتذرلي إنه متأخر وبيأكد عليا لو محتاجة حاجة أقولك أو أقول لعمو، متقلقيش يا حبيبتي، إحنا زي الفل والله فضلت بصااي لثواني وكأنها كانت بتحاول تقرأ اللي ورا عيني، بس الابتسامة اللي كنت مصدراها والثبات اللي اتكلمت بيه خلوها ترتاح، هزت راسها بارتياح كبير وتتنهدت وقالت
الحمد لله يا بنتي، والله ريحتي قلبي، أنا قولت يمكن حصلت قفشة ولا حاجة وهو طبعه ناشف وشديد ومبيجيش بالساهل، ربنا يصلح حالكم ويخليكم لبعض أمنت على دعائها وقولت بأدب ـ يا رب يا طنط، تسلميلي ومتحرمش من دعواتك ولا من حنيتك عليا دايماً قامت وطبطبت على كتفي ونزلت، قفلت الباب وراها ورجعت سندت ضهري على السرير، الابتسامة اختفت في ثانية وملامحي رجعت اتقبضت وحسيت بتقل الكدب بياكل في روحي ” مستشفى الحياه الاستثماري ”
كنت واقف قدام الشباك الكبير في مكتبي ساند إيدي على الإطار الخشب وباصص لبعيد، الدنيا برا كانت بدأت تليل والعربيات في الشارع اللي تحت المستشفى عمالة تزيد وتعمل خيوط نور حمرا وصفرا متداخلة، صوت الزحمة كان بيوصلني بوضوح، بس الزحمة الحقيقية كانت جوا دماغي أنا، بقالي تلت أيام في المتاهة دي، تلت أيام من الليلة دي وأنا مقفول عليا في المستشفى، بخرج من أوضة عمليات لأوضة عيانين ومن مرور لمرور، بوجع جسمي وبجهده بكل الطرق الممكنة
عشان بس لما أحط راسي على الكنبة هنا في المكتب أنام من كتر التعب ومفكرش، بس التفكير مبيسبنيش وبيلاحقني حتى في حلمي، أخدت نفس طويل وطلعته ببطء وأنا بفرك جبهتي، التلت أيام دول عدوا عليا وأنا حاسس إني هربان، هربان من نفسي ومن الحقيقة، أنا اللي عمري في حياتي ما هربت من مواجهة وعمري ما سيبت مشكلة من غير ما أحلها وأقف قدامها بقلب جامد، النهاردة بقالي تلت أيام مش قادر أرجع بيتي، مش قادر أخطي عتبة الأوضة دي تاني ولا قادر أحط
عيني في عين ليلى، كل ما بفتكر تفاصيل الليلة دي بحس بنغزة وبحجر تقيل بيكتم على نفسي، روحت لمها وقولتلها إني خونتها وفضلت أجلد في نفسي، بس وأنا واقف هنا النهاردة وبصيت للموضوع من الناحية التانية لقيتني بظلم إنسانة تانية ملهاش أي ذنب في الدوامة دي كلها، قعدت أفكر في وضعها دلوقتي، زمانها قاعدة في الأوضة لوحدها بتموت من كسرة النفس ومن جرح كرامتها كـ ست جوزها يسيبها ويمشي وميرجعش ولا حتى يرفع سماعة التليفون يطمن عليها كأنه
بـيعاقبها، الإحساس ده لوحده كفيل يهد أي حد، وهي عملت إيه عشان أكسر بخاطرها الكسرة دي كلها؟
دي وفت بالاتفاق الالي انا عرضته عليها وجت على نفسها عشان المركب تمشي وعشان تريح أهلي، قابلت أنا أصلها وجدعنتها دي بأني هربت وسيبتها تواجه نظرات عمتي وأبويا وأسئلتهم لوحدها فضلت واقف مكاني، مشاعري متلخبطة ومقسومة نصين، نص لسه مشدود للماضي وبيتخنق من فكرة إنه بدأ يعيش وبدأ يلمس ست تانية غير مها، ونص تاني بيبص للواقع وللبنت اللي ملهاش ذنب وبيقولي إن اللي بعمله ده مش رجولة وميصحش، قعدت أسأل نفسي وعقلي عمال يودي ويجيب
* وبعدين معاك يا سيف؟ هتفضل هربان كدة لحد إمتى؟ هتقعد في المستشفى شهر؟ شهرين؟ العمر كله؟ ما إنت في الآخر لازم هترجع طب العمل إيه دلوقتي؟ اتصرف معاها إزاي؟ أرجع وأتعامل معاها طبيعي وأحاول أفتح معاها صفحة جديدة وأشيل الحواجز والبرود ده عشان نعيش عيشة أدمية؟ ولا أرجع وأرجع الحيطة اللي كانت بيننا تاني وأحسسها إن اللي حصل ده كان غلطة ومش هتتكرر ونرجع أكننا أغراب؟
لكن الخيار التاني ده أقسى وألعن بكتير، وانا مستحيل اقسى عليها، مشيت من قدام الشباك و قعدت ورا مكتبي، حطيت إيدى في جيبي وطلعت دبلتها اللي بقيت احطها في جيبي احتياطي، حطيتها قدامي على المكتب وبقيت باصصلها بتمعن وسط السكوت، الدبلة دي بقت بتمثل واقع لازم أعيشه ومسؤولية لازم أكون قدها، الهروب عمره ما كان طبعي، وأنا بكره الضعف وبكره إني أظهر قدام نفسي في مظهر الراجل العاجز اللي مش عارف ياخد قرار
فضلت باصصلها وأفكاري بدأت تصفى حتة بحتة والقرار بدأ يوضح في دماغي، أنا لازم أرجع.. لازم أصلح الكسرة اللي سببتهالها اليومين دول، مش هينفع أعيش في دور الضحية على طول، مديت إيدي أخدت دبلتها وبصتلها لآخر مرة، اخدت نفس طويل وقلعت دبلة مها اللي كانت معلمة في أيدي ولبست دبلة ليلى وانا بحاول امنع دموعي من النزول، قومت وقفت وأخدت مفاتيح عربيتي وجاكت البدلة بتاعي وخرجت من المكتب وأنا باخد خطوة سريعة في الطرقة، هرجع الفيلا، وهدخل أوضتي، وهقعد مع ليلى وهتكلم معاها وهحط النقط على الحروف، والي فيه الخير يقدمه ربنا، بس الهروب خلاص انتهى لحد هنا
” جنينة الفيلا ” الجو بالليل كان هادي ونسمة الهوا رطبة بتداعب ورق الشجر العالي اللي محاوط السور، انوار الفيلا الخارجية كانت منورة النجيل الأخضر والبيسين ومدية المكان كله هدوء وسكينة، ليلى كانت قاعدة على المرجيحة الخشب الكبيرة، وجنبها ياسين اللي كان عمال يتنطط ويرفض تماماً فكرة إنه يدخل ينام دلوقتي رغم إن الساعة كانت عدت حداشر، كانت بتبصله وبتضحك من قلبها على شقاوته وبراءته وبتحاول تقنعه بالراحة وتقوله
ـ يا ياسين يا حبيبي يلا بقا انتو مش متعود تسهر اكتر من كدة لأ لسه شوية يا ليلى، الجو حلو هنا وفجأة وسط ضحكهم، ثبت ياسين مكانه وصرخ بأعلى صوته وبلهفة وقال عمو سيف
وفي ثانية سابها وجري بأقصى سرعة ناحيته، اتنفضت من مكانها وقلبها دق بدقة، لفت وشها ناحية البوابة واتفاجأت بيه واقف هناك، كان داخل بخطواته الرزينة الواثقة ولأول مرة من تلت أيام ملامحه مكنتش جادة ولا مقبوضة و وشه منور بابتسامة دافية وصافية، أول ما شاف ياسين بيجري عليه نزل الشنطة اللي في أيده على الأرض بسرعة و شاله ورفعه لفوق وهو بيضحك من قلبه، بصله ياسين وقال إنت روحت فين؟ وحشتني أوي أوي ومبقتش تيجي تلعب معايا
طبطب على ضهره بحنان وقال بنبرة دافية * معلش يا بطل، أنا أسف.. كان عندي شغل كتير في المستشفى بس خلاص جيت أهو ومش هسيبك تاني نزله على الأرض ومد إيده جاب الشنطة واداهاله وقال بـغمزة * شوف كدة.. الشنطة دي فيها لعبة جديدة كنت شايلهاالك معايا، افتحها برواقة أول ما شاف علبة اللعبة الكبيرة وشه نوّر وفرح جداً وأخدها وبقى بـينط في مكانه وقال شكراً يا عمو
وجري بسرعة وطلع على السلم الداخلي للفيلا عشان يفتحها في أوضته، المكان رجع ساد فيه السكوت تاني، وقف سيف ولف عينه وبص ناحية المرجيحة لليلى اللي كانت قاعدة مكانها ومتسمرة، أول ما عينها جت في عينه حست بـارتباك رهيب وافتكرت وجع التلت أيام اللي فاتوا وكسرة كرامتها ف بعدت عينيها عنه فوراً وبصت للأرض وبدأت تفرك صوابع إيديها في بعضها بتوتر باين جداً، أخد نَفَس هادي ومشى بخطوات بطيئة ومرسومة ناحيتها لحد ما وصل للمرجيحة، قعد وساب مسافة مريحة بينه وبينها عشان ميحسسهاش بضغط، بص لملامحها الشاردة البعيدة وقال بصوت هادي
* عاملة إيه يا ليلى؟ بلعت ريقها وبصت للنجيل تحت رجليها وحاولت تظبط نبرة صوتها عشان تبان طبيعية وقالت ـ الحمد لله، إنت عامل إيه؟ هز راسه وقال وهو بيبص لبعيد كأنه بـيبرر غيابه * الحمد لله.. أنا بس معلش الأيام اللي فاتت دي كنت مشغول جداً في المستشفى، حالات طوارئ ورا بعض وعمليات مكنش ينفع أسيبها أو أمشي، والوقت سرقني هناك ف اتأخرت غصب عني
كانت بتسمعه و هي عارفة ومتأكدة بالملي إنه بـيكدب وإنه كان هربان منها ومن الأوضة ومن الليلة اللي جمعتهم، بس تواجهه وتبين إنها كاشفاه عشان متجرحش رجولته أو تفتح باب عتاب هما مش قده دلوقتي، رفعت عينيها وبصت له بنظرة هادية وقالت ـ عارفة.. عارفة إنك مشغول دايماً يا سيف، وشغلك مسؤولية كبيرة.. ولا يهمك، حمد الله على سلامتك
بص لها بنظرة طويلة وحس بـامتنان كبير لرقيها وإنها مشيت الموضوع من غير ما تعمل مشكلة أو تبين زعل، لف راسه وبص للفيلا وبعدين بص لها وسألها بفضول وهدوء * طب وإيه اللي مسهرك لحد دلوقتي برة في الجنينة وفي البرد ده؟ عدلت طرحتها وقالت ـ ياسين مكنش جايله نوم خالص، وقعد يتنطط ويقولي الجو حلو ومستني لما ينام، فقعدت معاه لحد ما جيت إنت سكت للحظة وبص لملامحها وبان عليه التعب هو كمان * طب قوليلي.. إنتي جعانة؟ أكلتي ولا لسه؟
هزت راسها بالرفض وقالت ـ لأ بصت لملامحه التعبانة وشافت الهالات السودا تحت عينه وسألته بـعفوية ـ إنت جعان؟ ابتسم ابتسامة خفيفة وضحك بصوت واطي وقال بصدق * أوي.. أنا تقريباً مأكلتش لقمة تفتح النفس من يومين، وعايش على القهوة أول ما سمعت كدة غريزة ست البيت حركتها فوراً ونسيت زعلها ونسيت كرامتها اللي مجروحة وقامت وقفت بسرعة وقالت
ـ طب ثواني.. أنا هدخل المطبخ حالا أحضرك لقمة تاكلها وتترحم من أكل المستشفيات ده، مش هاخد عشر دقائق
جت تلف بجسمها عشان تدخل على جوة اتفاجأت بيه بيمد إيده بسرعة ويمسك كف إيدها بالراحة، اتسمرت في مكانها للمرة التانية وجسمها كله تشنج من اللمسة المفاجئة، لفت وشها وبصت لأيده اللي ماسكة إيدها وبعدين بصت لعينه، كان باصص لها بنظرة مختلفة تماماً، نظرة كلها رجاء وعشم، وعينيه كانت بتترجاها بـحنان كبير مكنتش متعودة عليه منه، قال بصوت دافئ وناعم ومليان بحة رجاء
* أنا عايزك تدخلي وتحضري العشا وتيجي تقعدي تـتعشي معايا، متسيبنيش أكل لوحدي النهاردة
قلبها بدأ يدق بسرعة جنونية والارتباك والكسوف ملو كيانها كله ولمسة إيده كانت دافية وبتلغبط كل حساباتها. هزت راسها بسرعة وبدون ما تنطق بكلمة من كتر كسوفها، وبحركة رقيقة وسريعة سحبت إيدها من وسط صوابعه، ولفت وشها وجريت بخطوات سريعة ودخلت من الباب الكبير على جوة وهي حاطة إيدها على قلبها اللي مش راضي يهدأ، وسيف فضل قاعد مكانه على المرجيحة، باصص لأثرها بابتسامة حقيقية وارتياح، وحس إن الهروب خلاص مابقاش ليه مكان، وإن الحاضر مع البنت دي بدأ يفتح له بيبان خير كان قفلها بقاله سنة
لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!