رواية صك السلالة الجزء الثامن عشر 18 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة الثامنة عشر دخلت المكتب بعد ما حسيت بالتليفون بيتهز في جيبي اكتر من مرة بأسم مراد، فتحت الخط وحطيته على ودني وأنا بقول * ايوا يا مراد صباح الخير صوته جيه من الناحية التانية فيه نبرة قلق بسيطة متعود عليها منه لما يختفي فجأة إيه يا سيف، أنت فين يا ابني؟ من امبارح عمال أتصل بيك وتليفونك مقفول، مش عوايدك تغيب كدة، أنت كويس؟
سندت ضهري على الكرسي وغمضت عيني وحسيت بنغزة في قلبي وأنا بفتكر كل اللي عدينا بيه الـ 24 ساعة اللي فاتوا، اتنهدت تنهيدة طويلة ورديت عليه بصوت واطي ومجهد * انا كويس الحمد لله، بس ليلى هي اللي تعبانة شوية وأنا قاعد جنبها، مش هقدر أسيبها وأجي المستشفى اليومين دول نبرة صوته اختلفت وقال مالها الف سلامة؟ فتحت عيني وبصيت لسقف الأوضة وحسيت إن الأحداث كلها بتتعاد قدام عيني زي الشريط السريع، بلعت ريقي وبدأت أحكيله وقولت
* والله يا مراد ما عارف أقولك إيه، هي كانت بتتعب وترجع ولما جيبتلها دكتورة منى كشفت عليها وقالت انها حامل، طبعا هنا فرحوا وعملوا وليمة كمان، وتأمين يوم روحنا عشان نعمل سونار ونطمن منى سكت أن الحمل خارج الرحم، عملنا تحليل حمل في ساعتها وللأسف طلع كدة فعلا ولازم ينزل، اديتها حقنة عشان تاخدهت واخدتها فعلا وانا قاعد بتابع حالتها لا إله إلا الله، معلش يا صاحبي ربنا يعوضكم خير يارب، ألف سلامة عليها * الله يسلمك
خلاص خليك جنبها فعلا ومتشغلش بالك بأي حاجة هنا، ركز أنت بس معاها وخليك جمبها لحد ما تقوم بالسلامة وتطمن عليها تماماً، ولو عوزتي أي حاجة كلمني فوراً ابتسمت غصب عني وحسيت بامتنان حقيقي لوجود صاحب زي مراد في حياتي * تسلم يا مراد، رينا يخليك ليا يا صاحبي ومتحرمش منك أبداً رد عليا بحسم وقال شكر إيه يا عم أنت، إحنا إخوات، يلا اقفل معايا دلوقتي وروحلها، وخلي بالك منها ومن نفسك برضو * إن شاء الله مع السلامة يا صاحبي
* مع السلامة قفلت الخط وحطيت الموبايل على المكتب، فضلت قاعد مكاني كام دقيقة باصص للفراغ وبستجمع قوتي اللي اتهدت من قلة النوم، أخدت نفس عميق وخرجته ببطء وحسيت إن همي انزاح شوية بعد ما طلعت الشحنة اللي جوايا لمراد، قومت من على الكرسي ورجعت سحبت الموبايل وحطيته في جيبي، مشيت ناحية الباب براحة وفتحت مقبض الباب وطلعت لهم تاني برا وانا برسم على وشي ابتسامة هادية
كان قاعد ورا مكتبه الكبير في الشركة، التكييف شغال بيطلع برودة مالية الأوضة، والورق والملفات متكومة قدامه، شاشة الكمبيوتر منورة والخطوط والأرقام بتاعة الميزانية الجديدة ظاهرة قدامه، بس عينه كانت بصة في الفراغ، ومكنش هنا خالص، كان في حتة تانية بعيدة، حتة ضلمة ومليانة كراكيب وتفاصيل مش عارف يرتبها ولا يهرب منها، مسك فارس القلم اللي قدامه وقعد يلفه بين صوابعه بحركة سريعة وعشوائية وهو بيهز رجله بتوتر، حاول يبص في الملف
اللي قدامه، قرأ نفس السطر تلات أربع مرات ورا بعض وفي الآخر لقى نفسه مش مجمع ولا كلمة، نفخ بضيق ورمى القلم من إيده على المكتب وسند ضهره لورا وهو بيفرك وشه بإيديه الاتنين بكل قوته كأنه بيحاول يصحي نفسه أو يمسح الأفكار اللي عمالة تاكل في دماغه من الصبح، صوت خبط الموظفين اللي حواليه وحركة المكاتب والرنات بتاعة التليفونات كل ده كان واصل لودنه، بس جواه هو كان فيه دوشة تانية أعلى بكتير، دوشة ضميره اللي مش سايبه في حاله،
صورة مريم مكانتش بتفارق خياله
مريم، خطيبته وبنت خالته، البنت اللي مفيش فيها غلطة، اللي طيبتها تملك أي حد، واللي بتعمل كل حاجة في الدنيا بس عشان تشوف في عينه نظرة رضا أو تلمح ابتسامة صافية، افتكر مكالمتها ليه الصبح وهي بتصحيه بصوتها الرقيق وبتسأله لو كان فطر ولا لأ وبتقوله إنها عملتله الكيكة اللي بيحبها وهتبعتهاله مع اخوها على البيت، افتكر نبرة صوتها اللي كلها حنية واهتمام مبالغ فيه، وافتكر في نفس اللحظة رده السريع والجاف عليها وهو بيقول
شكراً يا مريم، بلاش تتعبي نفسك النغزة اللي جت في قلبه وقتها رجعتله دلوقتي تاني وأقوى، اتنهد بوجع وحط إيده على صدره، هو ليه بيعمل فيها كده؟ هي ذنبها إيه؟
البنت بتموت فيه وكل أمنيتها في الحياة إنها تسعده، مريم مش مجرد خطيبة، دي بنت خالته، يعني لحمه ودمه ومتربيين سوا وعارف إنها رقيقة وحساسة وأي كلمة صغيرة بتكسرها وتوجعها، الذنب كان بياكل في قلبه زي السوس، حاسس إنه بيظلمها ويظلم نفسه، بس الظلم الأكبر ليها هي، صعبانة عليه لدرجة تخليه ساعات عايز يعيط من كتر العجز، بيشوفها وهي بتحاول تقرب منه، بتختار لبسها على ذوقه، بتقرأ في الحاجات اللي بيهتم بيها عشان تلاقي موضوع تتكلم معاه فيه، ولما بيقعدوا سوا في أي مكان بتفضل بصة لوشه ومتابعة كل حركة بيعملها كأنها بتشحت منه نظرة حب أو لمسة حنان وهو مش قادر يديلها ده، الحب مش زرار بندوس عليه فـ يشتغل
غمض عينه وسند راسه على مسند الكرسي الجلد وظهرت قدامه على طول صورتها .. ليلى .. اسمها بس لما بيجي في باله ضربات قلبه بتتسرع، ليلى اللي خطفت قلبه، البنت اللي كان بيحس معاها إن الدنيا مش سيعاه، اللي كان بيفهمها من نظرة عين، واللي حبها بجد بكل جوارحه، الحب اللي حسه تجاهها كان عامل زي الإعصار، حاجة قوية وبتحرك الصخر، حاجة بتخليه طاير في السما
مريم بقى، بكل طيبتها وحنيتها ومحاولاتها مش قادرة تلمس حتى قشرة قلبه من برا، كل ما يبص في عين عينها بيشوف ليلى، كل ما تقرب منه ؤحس إنه بيبعد خطوة لورا عشان خيالها لسه مسيطر عليه ومقفل كل بيبان قلبه بالضبة والمفتاح فتح عينه بسرعة كأنه بيتنفض من خياله وبص للساعة المتعلقة على الحيطة، الوقت بيجري وهو مأنجزش أي حاجة في الشغل، لقى نفسه بيسأل روحه بمرارة لحد إمتى يا فارس؟ لحد إمتى هتمثل عليها وعلى نفسك؟
قام من على المكتب وبدأ يمشي في الأوضة رايح جاي بخطوات سريعة ومليانة قلق، حط إيديه في جيوب بنطلونه وبص من ازاز الشباك الكبير اللي كاشف الشارع والعربيات اللي تحت، الدنيا تحت زحمة وكل واحد بيجري في طريقه وهو واقف في مكانه محبوس جوه دايرة مفرغة من التأنيب والخوف ومش عارف يتعامل معاها وبقى يهرب من مقابلتها، لما خالته بتكلمه عشان يجي يتغدا معاهم بيتحجج بالشغل والضغط، ولما هي بتبعتله رسالة تقوله فيها كلام حلو بيكتفي بإيموجي
أو كلمة جافة، هو عارف إن أسلوبه ده بيكسر خاطرها وعارف إنها أكيد بتقعد بينها وبين نفسها تسأل هي قصرت في إيه، بس ما باليد حيلة، الخيار اللي قدامه مر، إما يفضل يمثل ويموت بالبطء ويموتها معاه في علاقة باردة، وإما يصارحها ويكسر قلبها، رجع تاني قعد على مكتبه وسحب ورق الميزانية وحاول يركز بعنف كأنه بيعاقب نفسه بالشغل، بدأ يراجع الأرقام ويشطب ويكتب بس عقله كان لسه شغال في الخلفية بيعزف نفس اللحن الحزين، لحن الذنب اللي ملوش
آخر، وصورة مريم اللي ملامحها الطيبة والبريئة بتطارده في كل ركن في الأوضة وبتفكره كل ثانية بإن فيه قلب ملوش أي ذنب بيتحرق ببطء بسبب قلبه اللي مش عارف يحب غير ليلى
” فيلا سيف عز الدين ـ غرفة ياسين ”
الليل كان غطى المكان والهدوء بدأ ينزل على البيت كله بعد يوم طويل ومليان تعب، جوا أوضة ياسين الإضاءة كانت دافية وخافتة والجو مليان بضحكات صغيرة وصوت ألعاب بتتحرك على الأرض، ليلى كانت قاعدة على السجادة جنبه ساندة ضهرها على السرير براحة وشعرها ملموم لورا بشكل عشوائي والابتسامة مش مفارقة وشها وهي بتلعب معاه ببعض المكعبات والعربيات الصغيرة، ياسين كان طاير من الفرحة وهو شايفها قاعدة جنبه وبتشاركه تفاصيله الصغيرة، لكن فجأة
وفي وسط ما هي بتناوله مكعب صغير عشان يكمل بيه البيت اللي بيبنيه حست بنغزة غريبة وجعتها في أسفل بطنها، النغزة في ثواني قلبت لمغص شديد وعنيف عامل زي السكينة اللي بتتحرك جواها، الابتسامة اختفت من على وشها في لحظة وملامحها اتغيرت تماماً وعينيها قفلت لثواني من شدة الألم، لقت نفسها أوتوماتيكياً بتسيب المكعب من إيدها وبترفع إيديها الاتنين تضغط بيهم على بطنها وجسمها كله انحنى لقدام كأنها بتحاول تحجمه، ياسين برغم صغر سنه لمح
التغيير المفاجئ ده وساب اللعبة من إيده وبص لوشها وقال
مالك يا لولّا، في حاجة بتوجعك؟ بلعت ريقها بصعوبة وأخدت نفس مكتوم وهي بتحاول تسيطر على ملامح وشها عشان ميتخضش، رفعت راسها وبصتله ورسمت على وشها ابتسامة هادية بس كانت باهتة وقالتله ـ مفيش حاجة يا حبيبي، أنا كويسة خالص متقلقش، بس شكلي تعبت شوية من القعدة ومحتاجة اروح أوضتي اريح على السرير، كمل أنت لعب وأنا هروح أرتاح شوية صغيرين، ماشي؟
هز راسه بحسن نية ورجع لألعابه، استغلت اللحظة دي وقامت من على الأرض براحة وهي ساندة بإيد على السرير والإيد التانية لسه على بطنها، خرجت من الأوضة وقفلت الباب وراها براحة وأول ما بقت في الطرقة لوحدها استسلمت تماماً للوجع، ملامحها انكمشت وظهرت عليها علامات الألم الحقيقي وبدأت تمشي بخطوات تقيلة وبطيئة وهي ساندة بأيدها على حيطة الطرقة عشان تسند جسمها اللي كان بيترعش من المغص وصوت آهات واطية ومكتومة طالعة منها مع كل خطوة،
الطرقة كانت باينة قدامها كأنها طريق طويل عليها، لكن في نفس اللحظة دي طلع سيف على السلم، اول ما رجله عتبت الدور وعينه جت عليها شافها وهي ماشية بالطريقة دي وساندة على الحيطة وماسكة بطنها، اتخض وطلع بقية السلم بخطوات سريعة وهو بيقرب منها بلهفة وخوف ظاهر في عينه وصوته
* ليلى، مالك؟ ايه اللي موقفك كده؟ اول ما سمعت صوته شافت فيه طوق النجاة، رفعت عينيها اللي كانت مليانة دموع وبصتله بضعف وصوتها طلع مخنوق ومتألم ـ سيف، بطني .. بطني بتوجعني أوي مغص شديد مش قادرة أستحمله
حط إيده على جبينها بسرعة يطمن على الحرارة وفي نفس الوقت افتكر تفاصيل حالتها وعرف على طول إن المغص الشديد ده هو الأثر الجانبي والتفاعل بتاع الحقنة القوية اللي أخدتها، حاول يهدى عشان ميخضهاش، حاوط وسطها بدراعه بكل حنية وحرص وسندها عليه وقالها بصوت هادي ودافي بيحاول يطمنها بيه * اهدي، اهدي خالص أنا جنبك أهو، ده كله من أثر الحقنة متقلقيش، تعالي معايا براحة
مشى معاها خطوة بخطوة لحد ما دخلوا أوضتهم، سحب الغطا وقعدها على السرير براحة وسند ضهرها بالمخدات، أول ما قعدت ضمن رجليها لبطنها وفضلت تضغط بإيديها وبتتأوه بصوت مسموع، الوجع كان مأثر عليها لدرجة إن حبات العرق الخفيفة بدأت تظهر على جبينها انا سيف فـ مستناش ثانية وطلع تليفونه من جيبه وطلب رقم الدكتورة فوراً، اول ما ردت اتكلم بسرعة وقال
* منى، ليلى أخدت الحقنة امبارح وكانت كويسة، لكن دلوقتي عندها مغص مش قادرة تتحمله وبتتأوه من الألم، ده طبيعي ولا فيه مشكلة؟ صوتها جيه هادي عبر السماعة وبدأت تطمنه وتشرحله الوضع ايوة يا دكتور متقلقش خالص، المغص ده أثر جانبي متوقع جداً وطبيعي للحقنة دي بالذات في أول كام ساعة، لأن الجسم بيبدأ يتفاعل مع المادة الفعالة بقوة، أنا همليك اسم مسكن خفيف للتقلصات دي هيريحها جداً في ظرف نص ساعة سكتت ثانية وكملت بتحذير طبي مهم
بس اسمعني كويس، لو الالم اشتد أكتر من كده ومجابش نتيجة مع المسكن أو لا قدر الله حصل أي نزيف أو علامات تانية يبقى تتحركوا وتيجوا للمستشفى فوراً ومنضيعش وقت، بس إن شاء الله المسكن هيهدي الدنيا كان بيسمع التعليمات بتركيز شديد وهز راسه كأنها شايفاه * تمام، شكراً ليكي قفل الخط وبص ل ليلى اللي كانت لسه بتعاني من الوجع، خرج بسرعة برا الأوضة و وقف عند سور السلم ونادى بصوت عالي ومسموع * مصطفى، يا مصطفى جه بسرعة من تحت وقال
ايوا يا سيف بيه خير؟ * هبعتلك على التليفون اسم مسكن تروح تجيبه من الصيدلية حالا حاضر يا بيه ثواني ويكون عندك جري على تحت وسيف لف ورجع تاني الأوضة، قفل الباب وقرب من السرير قعد على طرفه جمبها، مد إيده وأخد إيديها اللي كانت بتترعش وضغط عليها براحة وبدأ يمسح بإيده التانية على شعرها الناعم وقال
* انا كلمت الدكتورة وقالتلي إن كل ده طبيعي جداً وده أثر الحقنة وهيروح، مصطفى راح يجيب المسكن حالا، ومش هتاخدي وقت وهتبقي زي الفل، خليكي بس هادية وخدي نفس عميق معايا براحة رصت في عينه وبرغم الوجع اللي كان بياكل في بطنها حست بأمان غريب لمجرد إن إيده ماسكة إيدها وإن نبرة صوته الملهوفة دي بتطمنها، غمضت عينيها وأخدت نفس طويل وهي بتحاول تستسلم لكلامه وتهدي جسمها لحد ما المسكن يوصل ” الحارة ـ دكان جميل ”
الحارة كانت منورة بنور المحلات وصوت الراديو شغال بعيد في قهوة امين، جميل كان قاعد قدام دكانه الصغير حاطط الكرسي الخشب بتاعه وبيتفرج على الرايح والجاي وعينه بتلقط تفاصيل الحارة اللي حافظها صم، دكانه بريحته القديمة اللي مليانة بركة كان دايماً محطة لأي حد عايز يرمي حموله ويسمع كلمة طيبة، وهو قاعد بيسبح على سبحته الخشب لمح من بعيد فارس وهو داخل الحارة، بس مكنش فارس بتاع، ماشي وجسمه همدان وكتفه مايل لتحت من التعب وعينه في الأرض كأنه شايل جبل فوق ضهره، بصله جميل بتمعن وهز راسه بأسى وهو حاسس باللي جواه، اول ما فارس قرب من الدكان رفع جميل صوته الهادي الحنين ونادى عليه
يا فارس، تعالى.. تعالى اقعد اشرب معايا الشاي انتبه من سرحانه ورفع راسه وبصله، حاول يبتسم ابتسامة خفيفة تليق بمقام الراجل الكبير ده اللي بيحبه ويعتبره زي أبوه، غير مساره ومشي ناحية الدكان وقال وهو بيمد إيده يسلم سلام عليكم يا عم جميل مسك إيده وضغط عليها وشاور له على الكرسي الفاضي اللي جنبه عليكم السلام يا حبيبي، اقعد قولي إيه الأخبار؟ مالك راجع من شغلك وشك مخطوف كده وكأنك كنت في معركة؟
طمني عن أحوالك، الشغل عامل معاك إيه؟ قعد على الكرسي وسند كوعه على ركبته وهو بياخد تنهيدة طويلة وعميقة خرجت من قلبه كأنها بتشيل معاها الكتمان كله اللي عاشه طول اليوم في مكتبه، مسح على وشه وقال بصوت مجهد الحمد لله يا عم جميل، الشغل تمام ومفيش جديد، أهو ضغط وسعي وكل يوم زي اللي قبله، الحمد لله على كل حال
بصله جميل بنظرة فاحصة من النظرات اللي بتقرأ العيون وسكت شوية، فرك سبحته بين صوابعه وبعدين سأله بنبرة هادية بس فيها مغزى والأحوال التانية إيه؟ طمني، خطيبتك عاملة إيه وأخباركم إيه سوا؟ حاول يظبط نبرة صوته ويثبت نظرة عينه وهو بيرد بسرعة كأنه عايز يقفل الموضوع الدنيا تمام يا عم جميل، مريم كويسة ومفيش أي حاجة
ابتسم ابتسامة خفيفة فيها حكمة السنين وهز راسه ببطء وهو بيبص لفارس اللي عينه هربت منه تاني للشارع، سند لورا على كرسيه وقال بنبرة دافية وصافية بص يا فارس، انا صحيح راجل على قد حالي وقاعد في دكاني ده بقالي سنين، بس فاهم الدنيا يا ابني، انا خابزك وعارفك من صغرك، كلامك بيقول إن الدنيا تمام، بس عينك وشكل تنهيدتك والهم اللي نزل على كتافك فجأة ده بيقولوا إن الدنيا مش تمام خالص
بصله وسكت وملقاش كلمة يرد بيها، حس إنه فهمه وعرى الوجع اللي بيحاول يداريه ورا قناع كله تمام، كمل جميل كلامه وحط إيده كتفه وقال على العموم يا ابني، أنا مش هضغط عليك تقولي إيه اللي جواك، بس أنا هقولك كلمة لوجه الله ولأني بحبك ومصلحتك تهمني، انت لازم تنسى اللي فات، اللي فات مات واندفن وبقيت عايش في يومك الجديد، طول ما أنت عينك باصة لورا رجلك هتتكعبل ومش هتعرف تمشي خطوة واحدة لقدام
ضربات قلبه عليت وبصله بعيون مكسورة ومليانة عتاب للدنيا، فهم وعرف إن جميل قاصد بكلامه ليلى، قاصد حب حياته اللي مش عارف يشيله من قلبه، سكت لثواني والسكوت كان تقيل، بعد شوية قال بصوت واطي ومخلوط بمرارة هو النسيان سهل كده يا عم جميل؟ الواحد ساعات بيحس إن قلبه مش ملكه، وإنه غصب عنه مربوط بحاجات ميعلمش بيها إلا ربنا اتنهد بأسى وطبطب على إيده
خلاص يا فارس، مش نصيبك، دي حكمة ربنا وقسمته ومفيش راد لقضائه، ليلى راحت لحالها وكل واحد مشي في طريقه اللي ربنا كتبهوله، خلاص يا ابني، اقفل الصفحة دي بالضبة والمفتاح ومتبصش من خرم الباب بتاعها تاني سكت ثانية عشان كلامه يدخل دماغ فارس ويرسى، وبعدين كمل بلهجة فيها نصيحة غالية
بص بقا للي ربنا رزقك بيه دلوقتي، بص للنعمة اللي بين إيديك ومتضيعهاش وأنت مش دريان، بنت خالتك دي بنت طيبة ومحترمة ومتربية على إيدينا، والأهم من ده كله إن شكلها شارياك وبتحبك بجد وعايزة تعمل أي حاجة عشان ترضيك، القلوب الطيبة الصافية في الزمن ده بقت عملة نادرة يا فارس، والواحد لما بيلاقي قلب شاريه وبيتقي الله فيه بيمسك فيه بأيديه وأسنانه
كان بيسمع وكل كلمة من جميل كانت بتنزل على ضميره اللي صاحي من الصبح زي الكرباج، حس بإن الكلام صح وموجع في نفس الوقت، جميل بصله بحنان وكمل
مريم ملهاش ذنب في أي حاجة، ومادام دخلت بيتها ولبستها دبلتك يبقى تشيلها في عينك وتتقي الله في مشاعرها، جاهد نفسك يا فارس، الحب بييجي بالعشرة وبالطيب وبالإحسان، واللي زي مريم دي لما تلاقي منك خطوة حنينة هتشيلك فوق راسها طول العمر، متظلمهاش ومتظلمش نفسك معاها، فكر في كلامي ده كويس وقوم صليلك ركعتين واطلب من ربنا يصفي قلبك ويوجهك للخير
حس إن عينيه دمعت بس مسك نفسه، أخد نفس عميق وحس إن كلام جميل رغم إنه ضغط على الجرح بس كان محتاج يسمعه من حد عاقل وبيحبه قام وقف وعدل جاكيت بدلته وبصله بامتنان حقيقي وقال كلامك فوق راسي يا عم جميل، عندك حق في كل كلمة، وأنا بجد ممتن إنك بتنصحني كأب، ادعيلي بس، ادعيلي ربنا يقويني ويشرح صدري ابتسم ودعا له من قلبه وقال ربنا يهديك ويصلح حالك ويشرح صدرك يا غالي، ويجعل مريم سكن ليك وتكون سكن ليها، مع السلامة يا حبيبي
مشي بخطوات أهدى شوية متوجه لبيته وكلام جميل عمال يتردد في ودنه وفي عقله وهو بياخد قرار جوه نفسه إنه لازم يحاول بجد عشان مريم، وعشان ميبقاش بني آدم بيظلم قلب ملوش ذنب ” فيلا سيف عز الدين ـ غرفة سيف ”
الأوضة كانت غرقانة في هدوء تام مفيش فيه غير صوت الساعة اللي على الحيطة، النور كان مقفول ومفيش غير وناسة صغيرة في الركن مطلعة ضوء خافت ودافي راسم ضلال هادي على الحيطة، كنت قاعد على طرف السرير جمبها بعد ما أخدت المسكن اللي مصطفى جابه، في الأول كانت لسه بتتأوه وبتتقلب بوجع وإيديها على بطنها وأنا كنت قاعد بملس على شعرها وبقولها كلام يطمنها لحد ما المادة الفعالة بدأت تاخد مفعولها في جسمها بالتدريج، ملامحها المشدودة بدأت
تفك وجسمها اللي كان متشنج من المغص بدأ يرخى ويستسلم للراحة، لحد ما غفلت وراحت في النوم ونفسها بقى يطلع وينزل بانتظام وهدوء، سحبت إيدي من إيدها براحة شديدة كأني خايف الحركة دي تصحيها أو تقلق نومها، سندت ضهري لورا وبدأت دوشة الأفكار تشتغل في دماغي من تاني، كنت مستغرب نفسي اوي، مستغرب الحالة اللي أنا فيها، أنا كنت واحد تاني خالص، الرعب اللي جرى في عروقي لما شوفتها ساندة على الحيطة وبتتأوه وضربات قلبي اللي كانت بتسابق
الزمن وأنا بكلم الدكتورة، واللهفة اللي كنت بتحرك بيها، كل ده كان غريب عليا، أنا عمري ما تخيلت ولا فكرت إني ممكن أحس بكل المشاعر دي ناحية اي ست تانية غير مها وناحية ليلى بالذات، عمري ما حطيت في بالي إن تعبها ممكن يزلزلني بالشكل ده ويفقدني توازني ويخليني واقف عاجز ومش مجمع أي حاجة من الطب اللي درسته وسنين الشغل اللي اشتغلتها، قعدت أبرر لنفسي وقولت
* طب ما هو ده الطبيعي يا سيف، أنت في الأول وفي الآخر إنسان ومفيش أي غيامة تقدر تغطي على إنسانيتك، ليلى دي في بيتك مسؤولة منك الست اللي عايشة معاك تحت سقف واحد، لما تقع وتتوجع بالطريقة دي قدام عينك طبيعي جداً كراجل شهم وعنده أصل إنه يتخض عليها ويقلق ويسخر كل طاقته عشان يريحها، أي حد مكانك وعنده ريحة الدم والإنسانية كان هيعمل كده وأكتر، الموضوع ملوش علاقة بأي حاجة تانية، ده مجرد واجب مش أكتر
فضلت أعيد وأزيد في الكلام ده جوه عقلي كأني بحاول أقنع نفسي بالعافية او كأني بهرب من حقيقة تانية مش عايز أواجهها ولا أفتح عيني عليها
لفيت راسي وبصيت عليها غصب عني، النور الخافت بتاع الوناسة كان جاي على نص وشها، فضلت قاعد مكاني متثبت وبتأمل ملامحها، كانت باينة رقيقة وصغيرة أوي وهي نايمة، وشها اللي كان دبلان ومخطوف من شوية بدأ يرجع لونه الطبيعي الهادي، رموشها الطويلة، وشعرها اللي مفرود بشكل عشوائي على المخدرة، ملامحها كانت بريئة لدرجة توجع القلب، خالية من أي خبث أو لؤم، ملامح ست كل ذنبها إنها دخلت دنيتي وبقت جزء من حياتي، كل ما كنت ببص في تفاصيل وشها وهي نايمة مستسلمة ورايقة بحس بخنقة بتكبر في صدري
اتنهدت بضيق شديد تنهيدة مليانة زهق وهروب من الأفكار اللي بدأت تتشابك وتدخل في حتت أنا مش حابب أروح لها، حسيت إن الأوضة فجأة صغرت عليا وإن الهوا اللي فيها مش كفاية، والبرودة بتاعة التكييف مبقتش قادرة تطفي النار واللخبطة اللي جوايا، قومت من على السرير بحذر شديد و مشيت ناحية البلكونة، مسكت المقبض ولفيته براحة وفتحت الباب وخرجت، أول ما عتبت برا هوا الليل الخفيف خبط في وشي، قربت من السور وسندت بإيديا الاتنين عليه وبصيت للسما وللشارع اللي بدأ يروق والأنوار فيه بتطفي واحدة ورا واحدة، اخدت نفس طويل مليت بيه صدري للأخر وخرجته ببطء شديد وأنا ببص للفراغ، حطيت راسي بين ايديا وفضلت واقف مكاني بحاول أستوعب اللخبطة دي
أنا ليه مضايق؟ وليه التبرير اللي قلته لنفسي جوه مريحنيش؟ ليه حاسس إن فيه أسئلة تانية كتير بتطاردني وأنا مش مالك ليها إجابة، أو خايف أدور لها على إجابة من الأساس؟ نفخت بضيق تاني وقررت إني مش هفكر في أي حاجة دلوقتي وهسيب الأيام تمشي زي ما هي عايزة، والمهم عندي حالياً إنها تقوم بالسلامة وتخف .. وأي حاجة تانية بعد كده مقدور عليها لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!