رواية صك السلالة الجزء العشرون 20 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة العشرون كنت لسة واقف في مكاني في نص الأوضة زي الصنم وعينيا متثبتة على باب الدريسنج المقفول، جسمي كله كان متكتف وعقلي مش قادر يستوعب ولا يجمع الحروف اللي لسه قايلاها في وشي بكل قهر، صوت بكاها المكتوم والشهقات اللي طالعة من ورا الباب كانت واصلة لوداني وبتخبط في نفوخي زي المطارق وكلامها عمال يتعاد في دماغي
ـ الفستان ده طنط علية هي اللي جابتهولي .. تطلقني حالا طنط علية؟ عمتي أنا؟ هي اللي راحت تفتح الأوضة المقفولة وتطلع فستان مها وتديه لليلى؟ ليه؟ إزاي تعمل حاجة زي دي وهي أكتر واحدة عارفة الأوضة دي بتمثللي إيه وعارفة إن مها وحاجتها خط أحمر مينفعش حد يقرب منه؟ الصدمة واللخبطة اتحولوا في ثانية لكتلة نار قادت في صدري، نزلت السلم وأنا مش شايف قدامي، خطواتي كانت سريعة وعنيفة والغل والغضب عموا عينيا تماماً عن أي حاجة تانية
دخلت الصالون تحت ولقيتهم لسه في مكانهم مبرقين ومخضوضين من المنظر اللي لسه شايفينه من شوية وأنا بجر ليلى ورايا، وقفت قدامها بالظبط وعروق رقبتي مشدودة وبصيت في عينيها على طول وقولت بنبرة عالية وحادة * إنتي اللي اديتيها فستان مها؟
ملامح وشها السمح اتقلبت لارتباك وخوف حقيقي ونزلت عينيها للأرض وسكتت، سكوتها دة كان بالنسبالي اعتراف صريح أكدلي كل كلمة ليلى قالتها فوق، قرب مني ابويا بكرسيه وحواجبة معقودة وهو مش فاهم اللخبطة اللي بتحصل دي، بصلي وقال فستان إيه يا ابني اللي بتتكلم عنه ده؟ اهدى كدة وفهمني في إيه بالظبط؟ لفيتله وقولت بصوت مخنوق
* الفستان النبيتي اللي ليلى نازلة بيه، الفستان ده بتاع مها الله يرحمها، عمتي دخلت الأوضة وجابته من وسط حاجتها واديته لليلى عشان تلبسه وتنزل بيه قدامي رجعت لفيت وشي بسرعة ليها وقولت بغضب أعمى * ليه عملتي كدة؟ ليه؟ إنتي كل ده كنتي مخططاله من بالليل بقى لما جيتي وقولتيلي خدها معاك الفرح عشان تغير جو وتشم هوا، كنتي مرتبة تطلعي الفستان ده بالذات من ورايا وتديهولها تلبسه؟ رفعت راسها وعينيها بدأت تتملي دموع وقربت مني وقالت
والله يا ابني كان قصدي خير.. أنا مكنتش عايزة أضايقك ولا أفتح عليك مواجع، انا قولت البنت طيبة وتستاهل تشوفها في أحسن صورة، قولت أقرب بينكم بالخير والله عليت صوتي أكتر ومقدرتش أتحكم في غضبي وجنوني * خير إيه اللي يجي من ورا حاجة زي دي؟ إنتي بوظتي الدنيا خالص، ليه تعملي كدة؟ ليه تفتحي القديم اللي بموت نفسي عشان أقفله وأنساه؟ ليه تخليني أعمل فيها كدة وأظلمها بالشكل ده فوق وتطلب مني الطلاق وتصمم عليه؟
نزلت دموعها وبقت تعيط بحرقة وهي شايفة بركان الغضب اللي طالع مني، قربت أكتر ومدت إيديها الإتنين واترجتني وهي بتمسك إيدي بقوة وتقول سامحني يا سيف، اهدى عشان خاطري، والله ما كان قصدي أعمل كل ده، أنا مش هتحمل زعلك مني يا حبيبي
بصيت لإيديها اللي ماسكة إيدي وانا موجوع ومش طايق اللمسة دي دلوقتي بعد ما خربت كل حاجة وبقت ليلى فوق بتنزف كرامة وقهر بسببي وبسبب اندفاعي، شديت إيدي من إيدها بالراحة بس بقوة وحسم وبصيت في عينيها وقولت بصوت واطي وموجوع * انا آسف يا عمتو، بس أنا مش هسامحك على اللي عملتيه النهاردة ده، ولا هنسى إنك كنتي السبب في اللخبطة دي كلها
وفي وسط السكوت التقيل اللي حل بعد كلمتي سمعت صوت عياط مكتوم وخايف من ورا الكنبة، التفت بسرعة ولقيت ياسين واقف منكمش في نفسه ودموعه نازلة على خدوده وهو مرعوب من شكلي ومن صوتي العالي و خناقي، أول ما عيني جت في عينه قلبي وجعني وصعب عليا جداً، مكنش نفسي يشوفني كدة ولا يحس بالخوف في البيت قربت منه خطوتين ونزلت لمستواه و بقول * ياسين .. متخافش يا حبيبي
بس الصدمة إنه أول ما شافني بقرب رجع لورا ولف ضهره وجري بأقصى سرعة عنده على السلم وطلع لفوق وهو بيعيط، وقفت مكاني مصلوب، إيديا ممدودة في الفراغ وحسيت بنغزة قوية في قلبي وكأن الدنيا كلها بتلف بيا، خسرت ليلى فوق وزعلت عمتي وياسين خاف مني وهرب
قومت وقفت ببطء ولفيت بصتلها بنظرة كلها لوم وعتاب وكسرة نفس، منطقتش بولا كلمة تانية ولفيت ضهري ومشيت بخطوات تقيلة وخرجت برة الفيلا كلها ركبت عربيتي ودورتها ومشيت وأنا مش عارف هروح فين ولا هصلح العك ده إزاي
الهدوء القاتل رجع سكن الصالون بعد ما قفل سيف الباب الخارجي للفيلا وراه برزعة قوية ومشي، علية كانت واقفة في نص الصالة دموعها نازلة على وشها بغزارة، وإيديها بتفرك في بعضها، عز فضل قاعد على كرسيه المتحرك في مكانه و ملامح وشه الوقورة كانت متخشبة وعينيه مليانة بضيق وغضب مكتوم مطلعوش قدام ابنه، أخد نفس طويل وطلعه بتنهيدة حارة وموجوعة وبصلها بنظرة كلها لوم وعتاب وملامح وشه كانت حزينة ومكسورة ليه كدة يا علية؟
ليه تعملي فينا وفي الواد كدة؟ حطت إيدها على بوقها وبكت بحرقة وصوت شهقاتها علي في الصالون الفاضي وقالت ولله كان قصدي خير يا عز، والله العظيم ما كان في نيتي أضايقه ولا أعمل اللخبطة دي كلها.. أنا قولت أقرب بينه وبين مراته ضرب كف على كف بعصبية وصوته علي وهو بيقول بغضب وحسرة خير إيه وزفت اية، مين قالك تتصرفي بالشكل ده من وراه؟ ومين طلب منك تتصرفي أصلاً؟
إحنا ما صدقنا إن الواد رضي يتجوز البنت واستقر في بيته وبدأ يهدى وتدب الحركة في الجناح بتاعه فوق، تقومي في ثانية واحدة تعملي عملة تشقلب حياته هو وليلى رأساً على عقب وتخلي البنت تتبهدل بالشكل ده وتطلب منه الطلاق وتصمم عليه؟ قعدت على طرف الكنبة وقدمت جسمها لقدام وهي بتمسح دموعها بطرف شالها وبصتله بعيون مكسورة وقالت تبرر موقفها
يا عز افهمني بالله عليك.. أنا مسألتش نفسي كل الأسئلة دي، أنا شوفت الفستان النبيتي في الدولاب وافتكرت سيف زمان لما كان بيفرح ويتبسط أوي لما يشوف الفستان ده بالذات على مها الله يرحمها عشان كان بيحبه عليها ومفصله عشانها، قولت في بالي لما يشوف ليلى لابساه وهي زي القمر قلبه هيلين ونفسه تتفتح بزيادة ليها وهيتبسط بالخطوة دي ومكننش أعرف إنه هيتجنن كدة يصلها وهز راسه بأسف وقال بنبرة كلها لوم وسخرية من تفكيرها
وأنا اللي طول عمري بقول عليكي عاقلة وبتوزني الأمور بعقلك، فستان مها إيه اللي هيحبه على ليلى؟ إنتي إزاي فكرتي بالشكل ده؟ إنتي مش عايشة معانا في الدنيا ولا إيه؟ سكت لثواني وبلع ريقه بحزن وضيق وبان الوجع في عينيه وهو بيتكلم عن ابنه وصراعه اللي مش بيبوح بيه لحد
سيف بيصارع ماضيه كل يوم وكل ليلة في الأوضة دي يا علية، أنا حاسس بناره، سيف جواه حرب مبتنتهيش، بيصارع إحساس خيانته لمها لمجرد إنه اتجوز بعد وفاتها وبيحاول يعيش حياته، بيحارب قلبه وعقله عشان ميميلش لـ ليلى ويحس إنه نسى القديم، تقومي تيجي إنتي وبمنتهى البساطة وبالعملة اللي عملتيها النهاردة دي تأكديله وتثبتيله إن ليلى أخدت مكان مها ولبست حاجتها ودخلت في خصوصياته؟
إنتي مستوعبة إنتي عملتي إيه فيه وفي البنت الغلبانة اللي فوق مالهاش أي ذنب دي؟ نزلت راسها بين إيدها وبقت تبكي بصمت كامل، مبقتش لاقية كلمة واحدة تدافع بيها عن نفسها بعد ما كلام أخوها فتح عينيها على الحقيقة المرة، هي فعلاً بوظت الدنيا وفتحت جرح سيف اللي بيحاول يداريه ببروده وعصبيته
يصلها وهي منهارة وجواها تأنِيب ضمير بياكل فيها، فـ صعبت عليه بس الغضب والوجع اللي جواه مكنش مخليه قادر يطبطب عليها أو يخفف عنها، حط إيديه على عجلة كرسيه وأخد نفس طويل وموجوع وقال بنبرة هادية بس ماليانة أسى الله يسامحك يا علية.. الله يسامحك
حرك عز كرسيه العجل ببطء وسحب جسمه، ومشي في الطرقة الطويلة بهدوء مليان حزن واتجه ناحية أوضته في الدور الأرضي وسابها قاعدة بطولها في الصالون وسط السكوت وبقايا الدموع والبيت كله مكسي بغمامة تقيلة ومحدش عارف أولها من آخرها إيه ” غرفة سيف ”
قاعدة على الأرض ضامة رجلي لصدري ودافنة وشي بين ركبي وأنا بنهار وببكي بحرقة معيشتهاش في حياتي كلها، جسمي كله كان بيترعش من كتر الوجع والقهر وأنا مش قادرة أصدق البهدلة والإهانة اللي اتعرضتلها النهاردة ومن مين؟ من سيف، الراجل اللي افتكرت للحظة إنه ممكن يكون فيه في قلبه حتة حنية ليا كلامه عمال يتردد في ودني زي الصدى، كان بيدبحني وبيدبح كرامتي بكل قسوة وجفا، بقيت ألوم في نفسي وأعاتبها وانا بقول
ـ أنا اللي عملت في نفسي كدة، أنا اللي غلطانة من الأول خالص إني قبلت بالوضع ده وجيت على نفسي ورضيت بالجوازة والاتفاق المهين ده، أنا اللي سمحت لواحد زيه يملك يتحكم فيا ويجرني ويهيني قدام أهله بالشكل ده ويحسسني إني نكرة ومليش أي قيمة
دموعي كانت نازلة مغرقة وشي، كنت في حالة صدمة مش مستوعبة القسوة والظلم، يعني أنا مليش أي ذنب في الفستان ومبدخلش الأوضة المقفولة دي أصلاً ويجي يتهمني بالسرقة والاستعباط ويكسر بخاطري ويدوس على كرامتي عشان وهم في دماغه؟
أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة تانية ومفيش قوة في الدنيا هتجبرني أستحمل الإهانة دي تاني، قومت وقفت بالعافية ورجلي مش شايلاني، يصيت لنفسي في المراية وشوفت الفستان النبيتي اللعين ده وهو على جسمي، حسيت إني مش طايقة نفسي بيه وكأني لابس جمرة نار بتلسع في جلدي
مديت إيدي بسرعة وعصبية رهيبة وبقيت أفك في السوستة والزراير وأنا بمسح دموعي اللي مبتقفش، قلعته بغل ورميته على الأرض بكل قسوة ودوست عليه برجلي وأنا ببكي، روحت بسرعة ناحية الهدوم وسحبت طقم لبسته وحطيت الطرحة على راسي على السريع وأنا إيديا بترتعش وعيني مش شايفة قدامي من كتر الدموع، فتحت الدولاب وسحبت الشنطة الكبيرة بتاعتي اللي جيت بيها من بيتي يوم جوازنا وشيلتها هنا على جنب، فتحتها وبدأت ألم فيها كل حاجتي القديمة وهدومي اللي جاية بيها من بيتي وبس، ملمتش ولا قطعة واحدة ولا فستان من الحاجات اللي كان جايبهوملي في الدولاب، كل لبسه وحاجته وفلوسه ميلزمونيش
كنت باخد الهدوم وأطبقها وأرميها جوة الشنطة بعشوائية وسرعة وأنا لسه مستمرة في العياط والشهقات طالعة من صدري، بمسح وشي كل شوية عشان أقدر أشوف وبقول في بالي بعناد وقرار قاطع ـ أنا هلم كل حاجة تخصني حالا وهاخد ياسين في إيدي ونمشي حالا ونرجع بيتنا، ووخليه يقعد مع ماضيه ومع أوهامه براحته، مستحيل أسامحه ولا أعيش معاه في مكان واحد بعد النهاردة، والطلاق ده هيحصل ورجله فوق رقبته
حسيت بجسمي بيرتعش فـ قعدت على الأرض وانا ببكي تاني بحرقة ومش مصدقة اللي حصل ولا اللي وصلتله وصعبانة عليا نفسي
كنت سايق العربية بأقصى سرعة عندي ومش شايف قدامي من كتر الغيظ والعمى اللي كان مالي عيني ونفوخي، شوارع التجمع كانت هادية والليل مغيم عليها وأنا مش عارف رايح فين ولا ههرب من خنقتي دي إزاي، بعد كام دقيقة من السواقة لقيت نفسي بركن العربية في حتة مقطوعة وفاضية تماما قريبة من الفيلا بس مفيهاش بني آدم، حتة ضلمة مفيهاش غير صوت النَفَس العالي اللي طالع من صدري
أول ما العربية وقفت فكيت الحزام بعصبية وحسيت إن الدينا كلها بتلف بيا، فجأة الغضب كله اتحول لغل في إيديا وبقيت أضرب على الدريكسيون بكل قوتي وبصرخ وانا بقول * غبي غبي حطيت إيديا الإتنين على وشي وبقيت بمسح جبهتي وشعري وأنا بنهج وناري مش راضية تبرد، كنت بغلي من نفسي ومن الندم اللي بدأ ينهش فيا بعد ما فوقت وعرفت الحقيقة، أنا إزاي عملت كدة؟
إزاي الغضب والماضي يخلوني أتحول لوحش وأمد إيدي عليها وأجرها قدام أبويا وعمتي بالشكل المهين ده؟ الكلام البشع والقاسي اللي قولتلهولها فوق في الأوضة كان بيرن في وداني زي السكاكين، إزاي قدرت أقولها كدة؟ حسيت بلغبطة وكسرة نفس معيشتهاش قبل كدة، بقيت ألوم عمتي ويقول * ليه عملتي كدة؟
إنتي بعملتك دي خلتيني أعمى، خلتيني أشوف ليلى كأنها جاية تسرق الماضي وتتحداني وتدوس على ذكريات مها، خلتيني أظلمها وأهينها بالطريقة القاسية دي وهي ملهاش أي دخل في الليلة دي كلها رجعت لومت نفسي أكتر لأن أنا الراجل الراسي اللي المفروض بيفهم وبيوزن الأمور، إزاي اندفعت وعمتني الغيرة على الماضي وضيعت البنت من إيدي بالشكل ده؟
النوم طار من عيني والوقت كان بيمر وأنا قاعد في ضلمة العربية وعقلي عمال يفكر في حلول ومبيوصلش لحاجة، هحل اللي عملته ده إزاي دلوقتي؟ ليلى كرامتها غالية عليها أوي وأنا شوفت ده في عينيها، مبقتش طايقاني ولا طايقة البيت وكلمة طلقني اللي قالتها وهي بتبكي بقهر كانت طالعة من جرح حقيقي مش مجرد تهديد أو دلع بنات، ليلى عايزة تمشي وتسيب البيت وتنهي كل حاجة بسببي صراع الماضي والحاضر كان بيموتني، كنت بكلم نفسي وبقول
* أنا غلطت وكسرت خاطرها قدام الكل، وجرحت عمتي وخليت ياسين يخاف مني ويهرب، خربت البيت كله في ثانية واحدة بسبب العصبية فضلت قاعد وانا بتخيلها فوق دلوقتي مش مبطلة عياط، حسيت إن قعدتي هنا في الحتة الفاضية دي مش هتقدم ولا هتأخر، الهروب ده مش بتاعي، أنا لازم أواجه العك اللي أنا عملته، ولازم أرجع حالا أشوفها ومسمحش ليها إنها تمشي أو تاخد خطوة تبعدها عني
مدت إيدي بسرعة دورت العربية وصوت الموتور علي في السكوت، لفيت الدريكسيون بقوة وطلعت على الطريق وجريت بالعربية بأقصى سرعة راجع على الفيلا وجوايا خوف حقيقي لأول مرة، خوف من إني أرجع ألاقيها لمت حاجتها ومشيت وضاعت مني بجد ” فيلا سيف عز الدين ”
وقف قدام باب الفيلا بفرملة قوية هزت السكون، نزل من العربية بخطوات سريعة ودخل من الباب الكبير، طلع السلم جري وجواه خوف حقيقي من شكل المواجهة اللي جاية وخوف أكبر من إنه يلاقي الجناح فاضي، وصل قدام الباب وفتحه بسرعة ودخل، الأوضة برة كانت هادية ونورها واطي، لكن باب الدريسنج كان موارب وخارج منه نور دافي، مشي بخطوات واثقة وحذرة لحد هناك وأول ما دخل اتصدم من المنظر اللي شافه كانت قاعدة على الأرض لابسة هدوم خروج وطرحتها ملفوفة وقدامها شنطة هدومها بتحاول تقفلها
حس بنار قادت في صدره وقرب منها بعصبية شديدة وخطوات هجومية، وقف قدامها وزعق بصوت جهوري وقال * بتعملي إيه؟ إيه الشنطة دي؟ متخضتش من دخلته ولا من صوته العالي، رفعت راسها وبصت في عينه بكل جمود وعزة نفس ودموعها كانت لسه منشفتش على خدها وقالت ـ راجعة بيتي، ومن فضلك ابعتلي ورقة طلاقي من سكات ومن غير شوشرة ضغط على سنانه وعروق جبهته برزت من كتر الغضب، قرب خطوة كمان وقال بصوت حازم وقاطع
* مفيش الكلام ده، إنتي مش خارجة ورجلك مش هتعتب برة باب الجناح مردتش عليه وتجاهلته تماماً وكأنها مش سامعة صوته، رجعت تبص للشنطة وفضلت تحاول بكل قوتها تقفل في السوستة المعقدة اللي كانت معلقة ومش راضية تمشي بسبب كتر الهدوم المحشورة جوا، الحركة دي استفزته وعمته بزيادة، لقى نفسه بيفقد السيطرة على أعصابه ومد إيده بعنف وخطف الشنطة من تحت إيديها ورماها بكل قوته على الأرض في ركن الأوضة
برقت بعينيها وبصت للشنطة اللي اترمت و لفت وشها ليه وقالت ـ إيه اللي إنت بتعمله ده؟ إنت مفكر نفسك مين عشان تتصرف معايا كدة؟ وقف قدامها وحط إيديه في جيب بنطلونه وقال ببرود وتحدي يخوف * قولتلك مفيش خروج ، وطلاق مش هطلق يا ليلى قربت منه ووشها محمر وعينيها بتطلع شرار وقالت بعصبية ـ وأنا مش عايزة أعيش معاك، هو بالعافية؟ ميل بجسمه عليها وقال بنبرة واثقة وجافة * اة .. بالعافية بصتله وقالت بعناد وتحدي
ـ لأ مش بالعافية.. وأنا همشي يعني همشي، وهتشوف مين فينا اللي كلامه هيمشي بجد لفت ضهرها واتحركت بسرعة وعصبية ناحية الشنطة اللي على الأرض عشان تاخدها تاني وتمشي، لكنه خطى خطوة سريعة وراها ومد إيده ولفها حوالين وسطها وقربها ليه بكل قوته وثبتها قدامه، اتصدمت من حركته وجسمها اتنفض، فضلت تحاول تبعد عنه وتتحرك بعنف وهي بتقول ـ ابعد عني، سيبني يا سيف متلمسنيش
ثبت رجليه في الأرض وتبت فيها بزيادة وضمها ليه أكتر وميل راسه جنب ودنها وقال بصوت واطي * مش هسيبك.. ومستحيل تخرجي ، ومتحلميش إنك تبعدي بصت في عينه وعينيها مدمعة ومليانة عتاب وقهر وقالتله بصوت مخنوق ـ متمسك بيا ليه؟
أنا مجرد واحدة جاية تجيبلك طفل وبس، دة كلامك اللي لسه قايله، والحمد لله إن الحمل مكملش ومحصلش نصيب عشان ميربطنيش بيك العمر كله ونفضل مربوطين في السلسلة دي، لا أنا عايزاك ولا إنت عايزني، يبقى طلقني بالمعروف وسيبني في حالي بقى الكلام عن الحمل اللي مكملش وعن الطفل ضربه في مقتل و وجع قلبه وخلاه يشدد قبضة إيده على وسطها وكأنه خايف بجد إنها تضيع، قال بنبرة حادة ومخلوطة بوجع مكتوم
* مش هطلق.. وده آخر كلام عندي، وخروج من البيت ده مش هيحصل مهما عملتي بصتله بذهول من جبروته وتحكمه وقالت ـ هتحبسني؟ هتقفل عليا الباب؟ بص في عينيها بثبات ومن غير ما يرمش قال ببرود * لو حكمت بكدة آه هحبسك في اللحظة دي الغضب اتمكن منها تماماً وجمعت كل قوتها ورفعت إيديها الإتنين ووقته، بعدت عنه بسرعة وهي بتنهج ونَفَسها سريع و وقفت وبصتله بكبرياء وقالت
ـ تبقى بتحلم لو فاكر إن بفلوسك وباسمك وبجبروتك ده امتلكتني أو هتقدر تكسرني، هتطلقني يا سيف، وغصب عنك وعن عينك كمان.. ولو حكمت ومش عايز تطلق بالذوق هخلعك في المحاكم وميهمنيش أي حد في الدني، مفيش قوة هتجبرني أعيش مع راجل زيك ثانية واحدة بعد كدة
سابت الكلمات دي ترن في ودنه وتلجمه في مكانه ولفت ضهرها بكل كبرياء وقوة وسابته واقف بطوله مصدوم من كلامها عن الخلع ومن جرأتها، خرجت برة أوضة الدريسنج وبرة الأوضة كلها ورزعت الباب وراها وسابته في وسط السكوت والتفكير
فضلت قاعد في مكاني على طرف السرير بعد ما بقيت لوحدي، الأوضة رجعت ضلمة وسكتت تماماً ومبقاش مسموع فيها غير صوت نَفَسي السريع المخنوق وضَربات قلبي اللي لسه مهديتش من كتر العصبية، حطيت كوعي على ركبي ودفنت وشي بين كفوفي وصوابعي بتضغط على راسي بغل وانا بحاول أوقف الأفكار
عقلي كان شغال زي المفرمة وعمال يعيد ويزيد في شكلها وهي واقفة قدامي، عينيها المدمعة اللي كانت بتطلع شرار وغيظ و وقفتها بكل كبرياء وعزة نفس وهي بتزقني في صدري وتقولي ـ هتطلقني يا سيف وغصب عنك، ولو حكمت هخلعك أنا إزاي هببت العك ده كله؟ وإزاي سبت نفسي للعمى والغضب يمشوني بالشكل ده؟
الصدمة الأكبر ليا كانت لما عرفت إن عمتي هي اللي جابت لها الفستان، يعني ليلى ملهاش أي ذنب، مدخلتش الأوضة المقفولة ومسرقتش حاجة ومكانتش في نيتها تتحداني ولا تدوس على ذكريات مها زي ما جه في بالي، كانت نازلة فرحانة وشكلها وبتبتسملي، وأنا جيت كافأت الابتسامة دي بكسرة خاطر وإهانة لكرامتها مفيش ست حرة تستحملها
قومت وقفت وبقيت أمشي في الأوضة رايح جاي بعصبية، روحت ناحية البلكونة وبصيت على الجنينة الضلمة برة وسألت نفسي السؤال اللي ملوش إجابة لحد دلوقتي * إزاي هصلح اللي عملته؟ وإزاي ههديها بعد حوار الطلاق اللي مصممة عليه ده؟ البنت جرحها عميق والمرة دي أنا دوست على أغلى ما تملك.. دوست على كرامتها وعزة نفسها لو خرجت دلوقتي واتأسفت لها مية مرة هل هترضى؟ هل اعتذار عادي هيمحي المنظر المهين وهي بتتجر ورايا على السلم وقدام الكل؟
أكيد لأ، هي قفلت من ناحيتي بالضبة والمفتاح، والكلام القاسي اللي قولتلهولها أكد لها إني مش شايفها غير مجرد آلة أو لعبة جاية تجيب طفل وبس، أنا غبي لأني قولت كدة وأنا من جوايا بدأ يحصل فيا العكس، انا بدأت أتعود على وجودها، وبدأت أستنى عنادها، كنت بهرب من الإحساس ده وبحاربه بالجفاء عشان محسش إني بخون مها، وفي الآخر طلعت حربي وغبائي كله فوق دماغها هي
قعدت على الكرسي الخشب ورجعت ضهري لورا وأنا بتنهد وبفتكر اللي حصل من شوية، مقدرتش أسيبها تلم الشنطة وتمشي ولقيت نفسي بضمها بكل قوتي وبتبت بإيديا حوالين وسطها كأني طفل خايف اللعبة بتاعته تضيع منه، أنا متمسك بيها بجد بس مش عارف أقول ده إزاي من غير ما أبان ضعيف، ومش عارف إزاي هقنعها تقعد وتنسى الإهانة دي
الليل كان بيمر تقيل وبطيء زي السير والساعة عمالة تدق وأنا قاعد في ضلمة الأوضة، فكرت إني لازم أستنى للصبح، لازم أسيبها تهدأ شوية من رعب النهاردة ومضغطش عليها بزيادة، الصبح هحاول أتكلم معاها بهدوء من غير زعيق ومن غير برود وجفاء، هقعد قدامها وأبص في عينيها وأقولها إني كنت أعمى ومش شايف قدامي وهحاول أطيب خاطرها المكسور بأي طريقة، حتى لو هطلب منها تديني فرصة ثانية وأصلح كل اللي انكسر بيننا
اخدت نفس طويل وطلّعته بهداوة وأنا باصص لباب الأوضة المقفول، ليلى مش هتمشي، وأنا مش هسمح للطلاق ده إنه يحصل مهما عملت ومهما كلفني الأمر، العناد اللي بيننا ده لازم يقف، والحرب الباردة دي لازم تنتهي بصلح حقيقي يرجع الدفا للجناح ده من تاني، هقعد مستني الصبح ويارب أقدر أصلح اللي عملته واداوي جرحها اللي نزف بسببي ” غرفة ياسين ”
نور الشمس بدأ يدخل من شباك أوضة ياسين بخطوط باهتة معلن عن بداية يوم جديد، كنت قاعدة زي ما أنا في مكاني على طرف السرير من ساعة ما دخلت اوضته بالليل، منمتش ولا ثانية واحدة وعينيا كانت بتوجعني ومورمة من كتر العياط، دموعي لسه منشفتش بالكامل على خدي وكل قطرة بتنزل كانت بتفكرني بقهرتي وبكل كلمة اتقالتلي امبارح، فضلت بصة للفراغ وعقلي عمال يفكر في اللي حصل، حاسة إن كرامتي اتهانت في البيت ده بطريقة مستحيل أعديها وجوايا قرار واحد ثابت مأ فيش فيه أي تراجع
وسط أفكاري، حسيت بياسين جنبي بيتقلب في السرير، بدأ يفتح عينيه ببطء ويفركهم بأيديه الصغيرين، أول ما شافني قاعدة قام قعد وسند بجسمه كله على كتفي وهو لسه دايخ من النوم، التفت ليه بسرعة ومسحت دموعي عشان ميشوفنيش بالحالة دي وأخدته في حضني وضميته لصدري بكل حنية، رفع عينه وبص لوشي المجهد وقال بصوت طفولي هو عمو سيف زعلك امبارح؟ بلعت ريقي بصعوبة وقولتله وأنا بهز راسي ـ لأ يا حبيبي.. مفيش حاجة، عمو سيف مزعلنيش ولا حاجة
كشر وبان الخوف في عينيه الصغيرين وقال لأ.. أنا شوفته امبارح بالليل وهو بيشدك من إيدك جامد وكنتي بتعيطي، أنا خوفت منه أوي يا ليلى ومبقتش بحبه ومش هلعب معاه تاني ولا هقعد معاه كلامه وجع قلبي زيادة، طبطبت على ضهره بهداوة وقولتله ـ يا حبيبي متخافش، إحنا لازم نلم حاجتنا دلوقتي ونرجع الحارة تاني بصلي وقال نرجع الحارة؟ مش إنتي قولتيلي إننا مش هنرجع هناك تاني خالص، وإننا هنفضل قاعدين هنا في البيت الكبير ده؟
اتنهدت وقولتله وأنا بمسح على شعره ـ ياسين يا حبيبي، إنت لسه صغير ومش هتفهم حاجة دلوقتي، مش هعرف أقولك إحنا راجعين ليه بالظبط، بس كل اللي عايزاك تعرفه إننا رايحين هناك ومش راجعين هنا تاني أبداً بص للأرض بزعل وقال بصوت حزين طب والبيت هنا؟ والأوضة بتاعتي واللعب؟ دموعي غلبتني ونزلت دمعة سخنة مسحتها بسرعة وقولتله ـ مبقاش مكاننا خلاص يا ياسين، مبقاش ينفع نقعد فيه بص لزعلي ودموعي وهز راسه بقلة حيلة وقال حاضر يا ليلى
زعلت عليه أوي وعلى حظه و إني هرجعه للمكان القديم تاني، بس مكنش قدامي أي حل غير كدة، كرامتي وكرامته فوق أي بيت وفوق أي فلوس، قومت أخدته من إيده، وديته الحمام غسل وشه ولبسته جاكيت خفيف فوق هدومه عشان نسمة الصبح وروحت جبت الشنطة بتاعته اللي كنت مجهزة فيها لبسه وحاجته القديمة من بالليل
مسكتها بأيد وأخدت ياسين من إيده التانية ونزلنا السلم بخطوات سريعة ومن غير ما نبص ورانا، البيت تحت كان هادي وساكت كأنه مهجور، مشينا علطول وخرجنا للجنينة وروحنا ناحية البوابة الكبيرة عشان نطلع للشارع ونمشي، لسه بحط رجلي برة البوابة لقيت أفراد الأمن اللي واقفين برة بيقربوا مني وبيرفعوا إيديهم وبيمنعوني أعدي واحد منهم قال بحرج وهو باصص في الأرض انا اسف يا مدام ليلى.. مش هينفع تخرجي برة الفيلا
دمي غلي في ثانية وبصتله بغضب وقولت بصوت عالي ـ يعني إيه مش هينفع أخرج؟ إنتو هتحبسوني هنا ولا إيه؟ وسع إنت وهو من قدامي وعايزة أخرج حالا رد بقلة حيلة وقال يا فندم دي أوامر سيف بيه، قايل ممنوع حضرتك تخرجي من البوابة دي بأي شكل لسه هتعصب وأتخانق معاهم اتفاجأت بصوته الجاف والحاد جاي من ورايا وهو بيقول للأمن ببرود * كل واحد يشوف شغله وارجعوا مكانكم
التفت ليه بغل ولقيته بيقرب مني، مد إيده ومسك معصم إيدي عشان يدخلني الفيلا تاني لكن سحبت إيدي منه بعنف وغل ورجعت خطوة لورا وصرخت في وشه ـ انا مش هدخل البيت ده تاني، إنت مفكر نفسك مين عشان تديهم أوامر يحبسوني؟ ملامحه اتقلبت لعصبية رهيبة من صوتي العالي قدام الأمن وقرب مني وقال * وطي صوتك ده وإنتي بتتكلمي معايا ومتفرجيش الناس علينا، قولتلك ادخلي جوة ومفيش خروج رديت عليه بعناد وتحدي وأنا شادة ياسين ورا ضهري
ـ مش هوطي صوتي، أنا همشي يعني همشي، والبهدلة والتحكم بتوعك دول مبقوش بيمشوا عليا.. أنا مش جارية عندك عشان تقفل عليا البوابة فقد أعصابه تماماً وصوته علي وصرخ فيا * قولتلك مفيش مرواح في حتة ورجلك مش هتعتب البوابة دي طول ما أنا عايش، ده آخر كلام عندي، وطلاق مش هطلق والخلع اللي بتتكلمي عنه ده ابقي وريني هتعمليه إزاي وإنتي محبوسة هنا
بصيت له بقهر وغل وعينيا ماليانة دموع وعرفت إن الجدال مع بني آدم بجبروته وقسوته دي مش هيجيب فايدة دلوقتي، وإنه فعلاً قفل البوابة ومستعد يعمل أي حاجة عشان يكسر كلمتي، لفيت ضهري بكل كبرياء ومسكت إيد ياسين اللي كان مرعوب من صوته العالي وشيلت الشنطة تاني وطلعت جِري على السلم وأنا ببكي بحرقة ودخلت بيه على أوضته وقفت الباب ورايا وقعدت في الأرض وأنا بضمه وبموت من كتر الوجع والغضب اللي جوا قلبي لو عايز
الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!