رواية صك السلالة الجزء الثاني والعشرون 22 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة الثانية والعشرون
الليل كان مغيم على الفيلا، والهدوء ساد في الأركان بعد يوم طويل ومليان بالمشاكل والمواجهات، اوضة ياسين كانت شبه مضلمة ومفيش فيها غير ونيس واحد وهو النور الخافت الضعيف بتاع السهارة اللي محطوطة في الركن، كانت قاعدة على طرف السرير مميلة بجسمها على ياسين اللي كان متغطي ولابس بيجامته وإيدها الناعمة بتمشي في شعره بالراحة وبتلعب فيه بحنية عشان تساعده يروح في النوم، كانت سرحانة وعينيها باصة للفراغ وعقلها عمال يعيد ويزيد في البوسة بتاعة الجنينة وفي حبسة البوابة وجواها صراع وخنقة مش عارفة تخلص منهم
بعد شوية .. سمعت صوت خبط واضح وهادي على باب الأوضة، اتنهدت بضيق وشالت إيدها من شعر ياسين براحة عشان متقلقهوش وقامت مشيت لحد الباب وفتحته، اتفاجأت بسيف واقف قدامها بطوله وشايل في إيديه كرتونة كبيرة وملفوفة بشكل شيك، ملامحها اتقلبت في ثانية للبرود والضيق و وقفت في نص الباب وحطت إيدها في وسطها وقالت ـ نعم؟ جاي هنا ليه في وقت زي دة؟
مهموش طريقتها الناشفة ولا نظراتها وموقفش يتخانق معاها زي كل مرة، بصلها ببرود ورفع الكرتونة الكبيرة اللي في إيديه وزق الباب بيها بالراحة ودخل الأوضة وهو بيقول * أنا مش جاي ليكي إنتي أصلاً، أنا جاي لياسين وبيننا ميعاد واتفاق مد إيده وفتح النور فـ الأوضة كلها نورت فجأة، في ثانية واحدة فتح ياسين عينيه الإثنين على وسعهم واتنفض مكانه وقام قعد وأول ما عينه جت على سيف وعلى الكرتونة الكبيرة صرخ بفرحة طفولية انت جيبت القطر
نط من على السرير وجري عليه على طول، وقفت ليلى في مكانها مستغربة من المنظر، بقالها ساعة كاملة بتحايل فيه عشان ينام وكان خلاص غفل وفجأة أول ما سيف دخل فاق وبقى في قمة نشاطه، لفتله وشها وقالت ـ ياسين، إحنا مش كنا بنام وخلاص غفلت؟ مينفعش تسهر أكتر من كدة، الساعة بقت متأخرة مسك في سيف وبصلها بعيون مليانة رجاء وطفولة وقال بلهفة عشان خاطري يا ليلى استني.. استني أشوف القطر الجديد ونركبه سوا أنا وعمو سيف، أرجوكي يا ليلى
سيف بصلها وابتسم بثقة وتحدي مستفز خلى دمها يغلي، قعد في الأرض على السجاد وفك الكرتونة الكبيرة وياسين قعد جنبه وبقوا هما الإثنين مبهورين باللعبة، لقت إن الجدال ملوش فايدة وإن ياسين طار من عينه النوم بفضل سيف فـ فضلت واقفة في مكانها لكام دقيقة وبصالهم، اول ما رجليها تعبت من الوقفة راحت سحبت جسمها المهدود وقعدت على السرير وسندت ضهرها عليه وفضلت تتفرج عليهم بصمت وسكات تام
المشهد قدامها كان غريب ولغبط تفكيرها بزيادة، سيف، الراجل الناشف الجاف اللي كان بيصرخ ويتحكم من كام ساعة قاعد دلوقتي في الأرض بكل هدوء وبساطة وبيركب قطع سكة الحديد لياسين بطول بال مشافتهوش فيه قبل كدة، وياسين اللي كان فرحان فرحة متتوصفش و وشه منور وكل ما يركب قطعة يضحك ويبص لسيف ويقوله برافو يا عمو سيف
كانت بتبص على ضحكته وتحس بغصة جوة قلبها، الولد اتحرم من حنان الأب والأم ومن الفرحة دي طول ما هما في الحارة، والنهاردة سيف بيعوضه عن كل ده، العناد اللي جواها بدأ يتلغبط مع لمحة الدفا دي وعينيها بدأت تتقل وتقفل غصب عنها من كتر السهر والتعب وتأنيب الأفكار طول الأيام اللي فاتت، لحد ما غفلت تماماً في مكانها وسندت راسها على السرير وراحت في نوم عميق وهي بتتفرج عليهم
بعد حوالي ساعة، سيف ركب القطع كلها مع ياسين وشغلوا القطر وبدأ يلف ويعمل صوت وياسين كان طاير من الفرحة، التفت بالراحة عشان يبص عليها ويشوفها هتقول إيه لقاها غرقانة في النوم، راسها كانت مميلة على جنب وملامحها باين عليها الارهاق، فضل باصصلها لثواني وكلام مراد رن في ودنه حبيتها يا سيف؟ روحلها وصالحها وانسى الماضي جت في باله فكرة جريئة وعينه لمعت بمكر بص لياسين وقاله بصوت واطي
* ياسين .. عمو سيف تعب خالص ومش قادر ومحتاج ينام دلوقتي، كما انت يا حبيبي بص للقطر وقال ببراءة ماشي يا عمو أنا هفضل قاعد أكمل لعب بالقطر وأتفرج عليه وهو بيلف براحتي
ابتسمله وقام وقف على رجليه براحة خالص ومن غير ما يعمل أي صوت، قرب من السرير وميل بجسمه عليها بهداوة شديدة، مد إيد تحت ضهرها وإيد تانية تحت ركبتيها وسحب جسمها لصدره وشالها بالراحة وبكل خفة، محستش بحاجة من كتر التعب ومالت راسها تلقائي على كتفه وسندت عليه، حس بدقة قلب عنيفة في صدره وتبت فيها بزيادة وخرج بيها من الأوضة ومشي في الطرقة الطويلة لحد ما وصل الجناح بتاعهم
دخل الأوضة ومشي لحد السرير، نزل بجسمه وحطها على السرير بمنتهى الحنية والراحة كأنها حتة من الألماس خايف عليها تتكسر، عدل لها وضعها براحة خالص عشان متقلقش وسحب اللحاف الكبير وغطاها بيه، وقف ثواني باصص لوشها الهادي وحس بحاجة غريبة بتتحرك في قلبه لأول مرة
اتجه للدريسنج وغير هدومه ورجع تاني، رفع اللحاف ودخل ونام جنبها على طول، وبكل حب واطف مد إيده بكل وقربها منه، لف دراعه حوالين وسطها وضمها لحضنه ودفن وشه في شعرها الطويل الناعم لأول مرة من يوم جوازهم غمض عينيه وحي انه مرتاح لأول مرة من أيام، وراح في نوم عميق وجميل وهو ضاممها لقلبه ومعلن نهاية الحرب الباردة في حضنه ” غرفة عز ”
الشمس بدأت ترتفع في السما وتدخل من الشبابيك الطويلة للفيلا وهي بتعلن بقوة عن بداية يوم جديد، خرجت علية من اوضتها ومشيت في الطرقة المؤدية لأوضة عز، كانت شايلة في إيدها صينية صغيرة عليها فنجان الشاي اللي متعود يشربه كل يوم الصبح، وصلت قدام الباب و وقفت لثواني وخدت نفس طويل عشان تجمع شجاعتها، خبطت خبطتين واستنت لحد ما سمعت صوته وهو بيقول ادخل
فتحته ودخلت بهداوة، الأوضة كانت شبه ضلمة والستاير مقفولة، كان قاعد على الكرسي بتاعه في الركن، لابس روبه الشيك وحاطط نضارته الطبية على عينه وباصص في الجرنال اللي في إيده، مشيت بخطوات حذرة لحد ما وصلت للتربيزة الصغيرة اللي جنبه، حطت الصينية براحة خالص وبصتله وقالت صباح الخير يا عز، أنا عملتلك الشاي أهو زي ما بتحبه، قولت ميرضنيش سهام هي اللي تجيبهالك والزعل ده بيننا
منزلش الجرنال من إيده ومبصش لوشها، رد بنبرة جافة وباردة زي التلج شكراً حست بغصة لكن مستسلمتش لبروده، مدت إيدها وبكل حنية سحبت الجرنال من إيده بالراحة وحطته على التربيزة وقعدت على الكرسي المقابل ليه علطول، ميلت بجسمها لقدام ومسكت إيده وبصت في عينيه وقالت بدموع بدأت تلمع في جفونها
متبقاش ناشف معايا كدة يا عز، إنت عارف إني مليش غيرك في الدنيا دي كلها ومستحيل أستحمل أشوفك قالب وشك عليا ومقاطعني بالشكل ده، أنا جاية النهاردة اصالحك يا أخويا جاية أقولك متبقاش زعلان مني سحب إيده من إيدها ببطء وبص لها وبانت في عينيه نظرة لوم وهز راسه بأسف شديد وقال أزعل منك؟ أنا مش زعلان منك يا علية، أنا مصدوم فيكي، أنا زعلان على البيت اللي انقفل بابه والغمام اللي غطى علينا بسبك، إنتي متخيلة إنتي عملتي إية؟
نزلت راسها للأرض ودموعها غلبتها ونزلت على خدها وقالت عارفة، والله العظيم عارفة يا عز، أنا عمتني نيتي يا أخويا، مكنتش أعرف إن ماضيه لسه حامي كدة وإن عقله هيطير في ثانية ويهين البنت قدامنا خبط بإيده على مسند الكرسي بعصبية وقال ومكنتيش تعرفي ليه؟ إنتي مش عارفة ابني؟ عارفة إن سيف قفل قلبه من يوم ما مها ماتت، وإن جوازه من ليلى كان عشان ضغطنا عليه؟
تقومي إنتي بإيدك تروحي تنبشي في القبور وتطلعي كفن الماضي وتلبسيه للبنت الغلبانة دي؟ ليلى ملهاش أي ذنب يا علية، البنت وثقت فيكي تروحي إنتي حطاها في وش مدفع سيف وجنونه؟ بكت وقالت
حقك عليا، أنا وشي في الأرض منك ومنها، وتأنيب الضمير واكل قلبي بقاله أيام ومبقتش بدوق النوم بسب الكسرة اللي شوفتها في عين البنت وهي بتتجر على السلم، أنا عاقبت نفسي مية مرة وكنت هلم هدومي وأمشي وأسيب الفيلا عشان مكونش سبب خراب، بس سيف جالي وحلف عليا ممشيش و وعدني إنه هيصالحها ويحل الدنيا اتنهد وملامحه الحادة بدأت تلين شوية لما شاف دموع أخته وندمها الحقيقي، بصلها وقال بنبرة أهدى تمشي تروحي فين؟
البيت ده بيتك وإنتي بركته ومحدش يقدر يستغنى عنك.. بس أنا اللي واجعني وعاصر قلبي هو شكل ليلى، البنت مكسورة وعزة نفسها اتهانت في بيتنا وتحت رعايتي، وأنا مبرضاش بالظلم في بيتي أبداً يا علية مسحت دموعها بسرعة وقربت بالكرسي أكتر وقالت
والله يا عز سيف اتغير وبدأ يفوق، انت مشوفتهوش وهو بيموت من الندم، حتى قالي إنه مش هيسيبها غير لما يطيب خاطرها ويصالحها ويقفل صفحة الماضي دي خالص، البيت هيرجع يتلم تاني يا أخويا، بس إحنا مينفعش نفضل حابسين نفسنا في الأوض ومقاطعين الأكل والشرب بالشكل ده بصلها بطرف عينه وقال وهو لسه بيتقل عليها يعني عايزاني أعمل إيه دلوقتي يا علية؟ ابتسمت ابتسامة دافية وقالت
عايزاك تطلع معايا برا، السفرة الكبيرة مفتوحة والخير محطوط، وميرضنيش أبداً نفطر من غير ما تكون إنت على راس الترابيزة ومنور مكانك فضل باصص لرجائها وهز راسه بقلة حيلة وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه وقال ماشي يا علية، عشان خاطرك أنا هقوم معاكي، بس سيف لازم يصالحها ويهنيها بجد، وإلا أنا اللي هقف له بنفسي المرة دي فرحت من قلبها وباست كتفه وقالت هيحصل يا أخويا وهيحلها الحلال.. يلا بينا
وخرجوا الإتنين سوا من الأوضة والابتسامة راجعة لوشوشهم والدنيا بدأت تفتح من جديد ” غرفة سيف ” نور الشمس كان مالي الأوضة لما بدأت أفتح عيني ببطء، حسيت بتقل غريب في جسمي كأني منمتش بقالي سنة، أول ما فتحت عيني بالكامل بصيت للاوضة واستغربت، دي مش أوضة ياسين، التفت حواليا وأنا بفرك عيني وببص على الأركان، دي أوضة سيف
لسه هتحرك حسيت بتقل على وسطي ونفس دافي ومنتظم بيخبط في كتفي من ورا، اتجمدت في مكاني ولفيت راسي براحة لقيت سيف نايم جنبي وضاممني لحضنه بكل قوته ودراعه العريض لافف حواليّا ومتبت فيا كأني ههرب منه في ثانية، فضلت باصة لوشه بصدمة وذهول مش طبيعي وقلبي بدأ يدق بسرعة وعنف، إيه اللي جابني هنا؟ وإزاي نمت في حضنه بالشكل ده؟
قعدت أتأمل ملامحه وهو نايم، دقنه الخفيفة، ملامحه الحادة اللي هديت خالص مع النوم، وشكله اللي باين عليه الإرهاق والتعب، للحظة قلبي دقله غصب عني، لكن عقلي فاق وافتكرت كل حاجة، افتكرت قسوته ليلتها وكلماته السامة اللي دبحت كرامتي، و جبروته وهو قاقل البوابة وبيقولي إني محبوسة هنا
متحملتش القرب ده، مسكت دراعه وشيلته عن وسطي وزقيته بـإيداي الإتنين في صدره وقومت من مكاني، اتنفض وصحي مخضوض وقعد على السرير وهو بيفرك عينيه، بصلي لقاني واقفة قدامه مربعة إيديا الإتنين وعيني بتطلع شرار وملامحي كلها غضب وعناد بص لشكلي وفهم على طول إن علامات خناقة جديدة هتبدأ حالا، فـأخد نفس طويل وقال * في واحدة تصحي جوزها الصبح وتزقه الزقة دي من حضنها؟ صرخت فيه بغيظ وقولت بصوت عالي ـ انت بتهزر؟
إيه اللي جابني هنا يا سيف؟ قعد وسند ضهره على السرير بكل برود وثقة وقال * انتي نمتي بالليل وإنتي قاعدة على السرير بتتفرجي علينا فـ شيلتك وجبتك على هنا، مفيهاش حاجة يعني ضغطت على سناني وقولتله بعصبية ـ وتجيبني هنا ليه أصلاً وبأمارة إيه؟ وبأي حق تمد إيدك عليا وتشيلني وإحنا في الوضع ده؟ رفع حواجبه وبصلي وقال ببساطة * بأمارة إن دي أوضتنا وإن ده مكانك الطبيعي اللي المفروض تنامي فيه، مش كدة؟
قربت منه خطوة وأنا خلاص هفرقع من كتر الغيظ وقولت ـ سيف، بطل البرود والتحكم بتوعك دول ومتستعبطش عليا، إنت جيبتني هنا ليه وإحنا أصلاً متخانقين والدنيا مهدودة بيننا؟ إنت مفكر بحركتك دي إن كل حاجة اتنست؟ ملامحه الجافة والباردة اتقلبت في ثانية وقام وقف قدامي وبص في عيني بجدية وقال * انتي اللي متخانقة ومقفلة كل الأبواب في وشي يا ليلى ومش مدياني أي فرصة عشان أقعد وأتكلم معاكي وأصلح اللي أنا عملته
كمل وهو بياخد خطوة ناحيتي وقال * انا عارف إني غلطت في حقك أوي، وعارف إن كلامي كان قاسي و وجعتك، انا معترف بغلطي وبطلب منك تديني فرصة تانية أداوي بيها الجرح دة بصتله ودموعي لمعت في عيني وقولت
ـ مش هيفيد بشيء يا سيف، مهما قولت دلوقتي ومهما عملت عشان تراضيني هيبقى مجرد واجب بتلزم نفسك به قدام أبوك وعمتك عشان تحافظ على شكل البيت والاتفاق اللي بيننا مش عشان أنا مراتك بجد، الكلمة اللي تقيلة وصعبة عليك ومبتقدرش تنطقها ولا تحسها من ناحيتي، ودة كان اتفاقنا تمام، بس كمان اتفقنا على انك تحترمني مش تبهدلني بالشكل دة قرب مني وقال * ليلى.. ممكن تنسي كل الكلام اللي قولتهولك في الليلة دي؟
ارجوكي انسيه ومتحاسبينيش عليه عشان مكنش حقيقي، مكنش طالع من قلبي دة كان غضب وعمى بسبب المفاجأة وبس قربت منه أكتر ورفعت راسي وبصيت في عينيه بكل تحدي وعناد وعيني مليانة دموع وقولت ـ أومال إيه هي الحقيقة يا سيف؟ قولي إيه هي الحقيقة؟ سكت تماماً وبص في عيني بنظرة مليانة لخبطة وحيرة وخوف ومعرفش ينطق بكلمة واحدة تثبت عكس اللي في دماغي، ابتسمت بكسرة نفس وقولت
ـ الحقيقة واضحة زي الشمس يا سيف، ومبقاش ينفع تتدارى ورا كبرياؤك، طلقني بقى وريحنا إحنا الاتنين وخليني أمشي لفيت ضهري وكنت لسه همشي وأسيبه وأخرج من الأوضة، لكن اتفاجأت بأيده بتمسك دراعي، سحب جسمي ليه وقربني منه أوي لحد ما بقينا لازقين في بعض، بص في عيني بنظرة مليانة تملك وخوف حقيقي وقال * انتي فعلاً مش عايزة تعيشي معايا؟
بصيت في عينيه وشوفت فيهم الخوف من إني أمشي، بس افتكرت شكل الإهانة وقسوة كلماته، سكت وسحبت دراعي من إيده براحة وقولت ـ انا مش عايزة أعيش هنا وأنا شايفة كلامك وجفاءك كل يوم في عينيك يا سيف، مش هتحمل أعيش مع راجل باصصلي كأني نكرة سبته ولفيت ضهري وخرجت من الأوضة بخطوات سريعة وقفلت الباب ورايا ” غرفة ياسين ”
دخلت الاوضة وقفلت الباب ورايا بكل قوتي، سندت ضهري عليه وأنا بنهج وبتنفس بعنف، اول ما حسيت إني بقيت لوحدي بعيد عن عينيه ونظراته اللي بتخترقني، ركبي خانتني ومقدرتش أقف على رجليا، قعدت على الأرض ولميت رجلي لصدري ودفنت وشي بين ركبي وانفجرت في عياط مكتوم وحاد، عياط طالع من قاع قلبي المكسور اللي بقاله أيام بينزف ومحدش حاسس بيه
كنت ببكي بحرقة وجسمي كله بيترعش والدموع نازلة مغرقة وشي، بس المرة دي العياط مكنش بسبب قسوته ولا بسبب كلامه السام اللي دبح كرامتي، كان بسبب الخيبة الكبيرة اللي اكتشفتها جوا نفسي، أنا ببكي عشان اكتشفت إني بدأت أحس بمشاعر ناحيته. ببكي عشان قلبي الخاين غدر بيا واتعلق بيه غصب عني، وفي اللحظة اللي المفروض أكرهه فيها بكل جوارحي لقيت نفسي مشدودة ليه وبدور على دفا حضنه ـ ليه كدة؟ ليه عملتي في نفسك كدة؟
بقى بعد كل الجبروت والنشوفية دي تقعي في حبه؟ إنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟
عقلي كان عمال يجلد فيا ويعيد شريط الحكاية من أولها عشان يفوقني من الوهم ده، إحنا من الأول متفقين والاتفاق كان واضح زي الشمس، جواز عشان خاطر طفل وبس، وهو قالهالي في وشي وبكل برود إنه مستحيل يفتح قلبه لحد تاني بعد مراته وإن مفيش مشاعر ولا حب هيدخلوا البيت دة أنا وافقت، وافقت وقولت لنفسي إني قوية وعمري ما هفكر فيه وإني داخلة الصفقة دي بقلب جامد ومحدش هيكسرني
لكن قلبي خان الاتفاق، مكنتش أعرف إن معاملته معايا هتعمل فيا كل ده وتدوب النشفان اللي كنت متحامية فيه، افتكرت تفاصيل الأيام اللي فاتت، حنيته المفاجئة اللي كانت بتطلع منه وسط جفاءه، و لما كان بيبصلي ونظرة عينه تلمع بإعجاب بيخطف دقات قلبي، واهتمامه بياسين وإزاي بيعوضه عن حنان الأب اللي اتحرم منه، وليلة تعبي لما سندت راسي على كتفه وحسيت لأول مرة في حياتي بالأمان والدفا اللي بجد، كل الحاجات دي كانت بتتسحب لقلبي بالراحة ومن غير ما أحس، لحد ما لقيت نفسي بكنله مشاعر
قومت من الأرض بالعافية وأنا بمسح دموعي اللي مش راضية تقف ومشيت بخطوات تقيلة ومرتعشة لحد السرير، قعدت على الطرف وانا بقول في بالي ـ بس هو مش ليكي يا ليلى.. عمره ما هيكون ليكي
الكلمة دي نزلت على قلبي زي الكرباج، وعرفت إني عايشة في وهم كبير ملوش آخر، سيف ندمان دلوقتي بس عشان حاسس بالذنب تجاهي، ندمان عشان ضميره بيلزمه يراضيني مش عشان بيحبني ولا عشان أنا فارقة معاه، هو لسة عايش في الماضي ولسة قلبه مدفون تحت التراب مع مراته، وأنا مجرد واحدة دخلت حياته عشان تكمل نقص ملوش علاقة بالحب
حسيت بقهرة ونفسي ضاق لدرجة إني مكنتش قادرة أخده، إحساس إنك تحب بني آدم وإنت عارف ومقتنع من جواك إنه مستحيل يحبك أو يشوفك بالطريقة اللي إنت شايفه بيها دة أبشع وجع ممكن يكسر الست، بقيت حاسة برخص نفسي، فين كرامتي وعزة نفسي اللي كنت بتباهى بيهم قدام الكل؟ نزلت دموعي وقولت ـ أنا لازم أمشي، لازم أبعد عنه وعن البيت دة حالا
عرفت إن طالما اتعلقت بيه يبقى القرب منه بقا أكبر خطر على كرامتي وعزة نفسي، وإن طلاقي منه مبقاش مجرد رد فعل على إهانته، ده بقا طوق النجاة الوحيد اللي هيحميني من إني أعيش جارية ومذلولة تحت رحمة حب من طرف واحد لراجل عايش مع الذكريات، مسحت دموعي وضميت نفسي وأنا متمسكة بـقراري بقوة
مرت أيام تقيلة وبطيئة على الفيلا، أيام كان السكوت فيها هو اللي سايد وكل واحد حبس نفسه في عالم بعيد عن التاني، سيف من يوم المواجهة الأخيرة بطل يقرب من ليلى وبطل حتى يحاول يفتح معاها كلام أو يدخل أوضة ياسين زي الأول، البعد المفاجئ دة خلاها تستغرب وجواها كان فيه ضيق وشوق ليه، لكن في نفس الوقت كانت بتقنع نفسها إن دة الصح
وفي ليلة من الليالي، حست بـخنقة رهيبة ملت صدرها وقعدة الأوضة بين أربع حيطان بقيت زي السجن فوق نفوخها، بصت لياسين اللي كان نايم جنبها في السرير ببراءة، مالت عليه وباست راسه بحنية وقامت من مكانها سحبت شالها وحطته على كتفها ولفته حواليها عشان نسمة الليل الساقعة، فتحت الباب بهداوة ونزلت السلم وخرجت للجنينة الواسعة عشان تتمشى وتشم شوية هواء
الجو كان هادي وصوت ورق الشجر مع الهوا هو الوحيد المسموع مشيت وسط الممرات وعقلها شغال في تفكير ملوش آخر، كانت بتفكر في حالها وفي المستقبل اللي مستنيها واللقب اللي هيتكتب عليها بعد كام شهر جواز، كانت شايلة هم نظرة الناس وكلامهم وإزاي هترجع تقعد في الحارة اللي مفيش فيها سر بـينفع يستخبى وإزاي هتواجه عيون الشماتة أو الشفقة من جيرانها
وسط ما هي غرقانة في دوامة الأفكار دي سمعت صوت حركة البوابة الحديد الكبيرة وهي بتفتح وبعدها علطول ظهرت إضاءة كشافات عربية سيف القوية وهي بتكسر ضلمة الجنينة، دخل بالعربية وركنها في مكانها المعتاد ونزل، اتجمدت في مكانها وحست بارتباك مش طبيعي، لفت وشها الناحية التانية بسرعة وعملت نفسها بتبص على الورد عشان تداري ملامحها وتتجنب نظراته
لكنه لمحها، قفل باب العربية وخطواته التقيلة بدأت تقرب منها لحد ما وقفت قصادها بالظبط، سيف كان واقف وحاطط إيديه الإتنين في جيوب بنطلونه وباصص لوشها بجدية شديدة وملامح هادية ووقورة خالية من العصبية بتاعة كل مرة، فضل ساكت لثواني طويلة والنظرات بينبهم كانت تقيلة، لحد ما كسر السكوت ده وقال بصوت واطي ومسموع وبكل هدوء * انا موافق على الطلاق
الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة، حست بإن ركبها سابت تماماً ورفعت عينيها وبصت لوشه بـذهول وصدمة حقيقية مقدرتش تداريها، مكنتش متوقعة إنه هيوافق بالبساطة دي بعد كل الجبروت والمنع اللي عمله عند البوابة، بس كبريائها وعنادها فوقوا عقلها في ثانية فـنزلت عينيها للأرض تاني بسرعة عشان ميشوفش اللخبطة اللي فيهم وقالت ـ تمام بلعت ريقها وسألته بـحذر ـ هيكون امتى؟ أخد نفس طويل وبص للفراغ ورجع بص لها وقال بنفس الهدوء
* لما نرجع من السفر رفعت راسها وبصت له بسرعة وقالت ـ سفر؟ سفر إية؟ * عندي مؤتمر طبي كبير تبع المستشفى في انجلترا ولازم أسافر كمان يومين بصتله بضيق وقالت ـ طب وأنا مالي ومال المؤتمر؟ طلقني وسافر قرب منها خطوة وملامحه بقيت جادة أكتر وعينيه ثبتت في عينيها وقال
* للأسف الموضوع مش مؤتمر وبس، المؤتمر دة فيه تكريم ليا كجراح، وفيه حفلة كبيرة وعشاء رسمي وكل دكتور جايب مراته معاه بشكل رسمي، وطبعاً حضرتك لازم تكوني معايا هناك، مش معقول يعني أروح لوحدي والناس كلها عارفة إني متجوز، شكلي هيبقى إيه؟ بصله وقالت بصوت مليان غيظ ـ دي لعبة جديدة من ألاعيبك مش كدة؟ إنت بتخترع الحكاية دي وتلوي دراعي عشان تجبرني أفضل معاك وممشيش بص في عينيها بنظرة حاسمة ومفيهاش أي مجال للمناهدة وقال
* بطلي كلامك ده وتفكيرك اللي كله شك، أنا قولتلك هعملك اللي إنتي عايزاه وهطلقك وأسيبك تروحي في المكان اللي يريحك، تعالي معايا المؤتمر دة واقفي جنبي لآخر مرة وبعدها أول ما نرجع على هنا هننهي كل حاجة بالمعروف والورق يجيلك لحد عندك حست بلخبطة وقالت ـ طب ومتطلقنيش قبله ليه؟ طلقني دلوقتي وسافر إنت براحتك نفخ بضيق وقال بنبرة قاطعة وهو بينهي الحوار
* معنديش دماغ للكلام دة دلوقتي، ورايا تحضيرات وتجهيز أوراق، حضري نفسك وحاجتك عشان هنسافر كمان يومين
سابها ومشي ودخل الفيلا وقفل الباب وراه وسابها واقفة في نص الجنينة لوحدها، فضلت باصة للفراغ ومش قادرة تستوعب اللي قاله، طلاق، وسفر، وانجلترا، البنت اللي عمرها ما خرجت برة حدود الحارة والفيلا فجأة وبدون أي مقدمات هتسافر مع الراجل اللي قلبها اتعلق بيه لبلد تانية بعيدة ومتعرفش فيها حد ولا تفهم لغتها، نفخت بضيق وحست إن الأيام الجاية مخبية لها حاجات هتشقلب حياتها كلها من جديد لو عايز الرواية كاملة اضغط على :
(رواية صك السلالة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!