الفصل 25 | من 26 فصل

الفصل الخامس والعشرون

المشاهدات
1
كلمة
3,579
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

رواية صك السلالة الجزء الخامس والعشرون 25 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة الخامسة والعشرون ” غرفة سيف ” الأوضة كانت دافية وبتملاها إضاءة الأباجورات الخافتة اللي بتضفي جو من السكينة على المكان كله، ليلى كانت قاعدة في نص السرير فاردة رجليها وضمة ياسين بين دراعاتها بقوة لصدرها وبتغمره بالقبلات على خدوده وجبينه بشوق جارف، كان بيضحك بصوت طفولي مبهج ومتبت في قماش بيجامتها الناعم وكأنه بيعوض أيام غيابها عنه

في الوقت ده، اتفتح باب الدريسنج روم بهدوء وخرج منها سيف بعد ما غير هدومه، ابتسم ابتسامة دافية مليانة حنان وهو بيتابع المشهد الحنين بين مراته واخوها الوحيد وحس بروقان بال شديد محسش بيه من زمان، ياسين أول ما لمح سيف ساب حضن ليلى فجأة واتعدل في قعدته و وجه نظراته ليه وقال بعفوية جبتلي لعبة معاك يا عمو من هناك؟

حط سيف موبايله على الشاحن واتقدم ناحية السرير بخطوات واثقة وهادية وعيونه بتلمع بالحنان، بصله بابتسامة دافية وحب يطمنه ويوعده بلعبة أحسن بكتير تعوضه وقال * لا يا حبيبي مجبتش معايا لعبة المرة دي، بس بكرا إن شاء الله هجيبلك أحلى وأكبر لعبة لقطت ليلى الحوار وحست بحرج فالتفتت لياسين وطبطبت على ضهره بحنان وحبت تلطف الجو وتفكره باللعبة اللي لسه واخدها قريب وقالت

ـ ياسين يا حبيبي، مش عمو سيف لسه جايبلك القطر قبل ما نسافر على طول؟ حرك راسه بموافقة لكن رغبته الطفولية الكبيرة في اللعب خلته يصر على الطلب ببراءة وعناد صغير، بصلها وقال اة، بس أنا عايز لعبة تاني جديدة ألعب بيها

اول ما سمعت رده ملامحها اتغيرت سنة للجدية وحست إن السلوك ده لو سكتت عليه هيتطور معاه ويكون طبع وحش فيه ويخليه متطلب ومبيرضاش باللي في إيده. رد سيف اللي كان متابع الحوار بتلقائية مليانة تدليل مبالغ فيه وهو بيقرب من السرير * وإيه المشكلة يعني يا ليلى؟ عادي هجيبله تاني وتالت، أنا عايز أروق عليه وأجيبله كل اللي نفسه فيه

اول ما سمعت رده لفت راسها وبصتله بنظرة هادية وثابتة من عينيها كانت بتوصله بوضوح إنه ميقولش كدة ويسيبلها هي مساحة التصرف والتربية، التفتت بكامل جسمها لياسين ومسكت كفوفه بين ايديها بحنان وقالت بنبرة مليانة دفا وفي نفس الوقت فيها حزم تربوي واضح لا يقبل النقاش

ـ حبيبي .. إنت عندك لعب كتير جداً وكلها جديدة وجميلة، مش معقولة يعني كل يوم نكون عايزين لعبة جديدة ونفضل نطلب كدة باستمرار وبدون سبب، وبعدين عيب أوي نطلب من حد حاجة بالشكل دة ونلح في الطلب، المفروض نكون شاطرين وبنسمع الكلام وبنرضى باللي معانا ومنكونش طماعين بص لسيف ورجع بصلها وقال بس انا بحب اللعب ـ وعمو سيف هيجيبلك كل اللي نفسك فيه، بس واحدة واحدة من غير ما نطلب لعبة كل يوم، صح؟ هز راسه وقال قربت منه وباسته وقالت

ـ حبيب قلبي الشطور هروح العب شوية بقا ـ ماشي يا حبيبي نزل من على السرير بخفة وساب الأوضة بخطواته الصغيرة الهادية، بمجرد ما بقوا لوحدهم لف سيف وعلامات الاستغراب والتعجب واضحة جداً على ملامح وشه وبدا عليه الضيق والزعل الحقيقي من الطريقة الجافة اللي ليلى اتكلمت بيها مع ياسين وقال * ايه اللي قولتيه لياسين دة يا ليلى؟ هو أنا غريب عنه ولا عنك علشان تقولي كدة؟

اول ما لقطت نبرة الضيق في صوت سيف وفهمت الكلمة اتفهمت إزاي عنده قامت من على السرير بهدوء لحد ما وقفت قدامه والأسف الحقيقي باين في عيونها، مدت إيديها ولمست دراعه القوي بحنان لتطيب خاطره وتمتص غضبه وبدأت توضحله وجهة نظرها التربوية بصراحة كاملة من غير لف ولا دوران

ـ نا آسفة والله يا سيف متزعلش مني، مكنش قصدي خالص الكلمة دي تطلع كدة ومستحيل أعتبرك حد غريب عننا، أنا بس عملت كدة واتكلمت بالطريقة دي علشان حسيت وبقيت بلاحظ إن ياسين بقا بيطلب على طول وكل ما يشوفك يطلب لعبة جديدة، رغم إن أوضته مليانة لعب كتير جداً لسه بكرتونتها ومفتحهاش، وبصراحة كدة السلوك ده غلط ومش عاجبني، وأنا عايزة أربيه من صغره على القناعة والرضا باللي في إيده وميطلعش طفل إتكالي وعينه على طول على الجديد وعايز يمتلك كل حاجة وخلاص

حس إن كلامها فيه جانب منطقي لكن وجهة نظره الإنسانية تجاه طفل يتيم يستاهل يتعوض عن كل الأيام خلته يقول * انا فاهم وجهة نظرك ومحترمها، بس ياسين لسه صغير ومش فاهم المعاني الكبيرة دي، وأنا الحمد لله ربنا مديني وميسرها عليا بزيادة وقادر أجيبله وأجيبلك كل اللي تتمنوه في ثانية، فـ ليه نحرمه، سيبيه يفرح ويعيش سنه بالطول والعرض

صممت على موقفها ومرضيتش تتنازل عن المبدأ ده علشان عارفة إن التدليل الزيادة بيبوظ الطفل. وبنبرة مليانة حنان وإصرار قالت

ـ يا سيف التدليل الزيادة عن اللزوم ده هو اللي بيبوظ الأطفال ويخليهم ميحسوش بقيمة الحاجة اللي في إيديهم بعد كدة ويملوا بسرعة، القناعة دي مبدأ وأساس لازم يتزرع فيه من دلوقتي وهو في السن ده علشان يثبت في شخصيته لما يكبر، لو كل ما يطلب حاجة تجيبهالو علطول بكرا لما يكبر ويطلب حاجات أكبر ومش مقدورك تجيبها أو ظروف الحياة تتغير وتتقلب مش هيستحمل وهيطلع ناقم وتعبان على عيشتنا، انا بحبه وإنت عارف دة وعايزة مصلحته، وعايزاه يطلع راجل بجد يعتمد على نفسه وبيعرف يشكر ربنا على النعمة اللي في إيده، أرجوك يا سيف وافقني في دي ومتكسرش كلمتي قدامه علشان نعرف نربيه صح وبالأصول سوا

فضل باصصلها لفترة طويلة بعد ما خلصت كلامها وكان بيتأمل الملامح الجادة الحنينة اللي في وشها وحس بكمية الصدق والأمومة الحقيقية اللي طالعة منها، الغضب والضيق اللي كانوا جواه دابوا تماماً وحل مكانهم إعجاب شديد بعقلها وحكمتها وطريقتها في التفكير لمستقبل البيت، ابتسم ابتسامة دافية وهز راسه بالموافقة وأخدها في حضنه بهداوة كأنه بيعلن استسلامه لرأيها الصح ونظراته بقت كلها فخر بيها وبأمومتها الصادقة ” مطبخ الفيلا ”

الحركة والنشاط كانوا ماليين المطبخ الكبير في الدور الأرضي من الفيلا والروائح الشهية بدأت تطلع وتملى المكان كله وتعلن عن تجهيز عشاء مش عادي، علية كانت واقفة في النص زي المايسترو، عيونها على كل تفصيلة وملامحها مليانة فرحة وارتياح حقيقي بعد ما اتطمنت إن سيف وليلى رجعوا بالسلامة وطلعوا جناحهم، كانت واقفة على إيد سهام ومصطفى بتتابع حركة كل واحد فيهم بدقة ومبتفوتش صغيرة ولا كبيرة لأنها عايزة سفرة الليلة دي تكون ترحيب حقيقي

بليلى وتعبر عن غلاوتها في البيت ده بعد أيام القلق والبعد اللي عاشوها، سهام كانت واقفة قدام الرخامة الكبيرة إيديها سريعة وهي بتقطع الخضار الطازة لزوم السلطات والمقبلات والسكينة بتخبط بانتظام على القطاعة الخشبية، أما مصطفى فـ كان واقف قدام البوتاجاز بقميصه الأبيض النضيف في ايده معلقة وبيرص قطع اللحمة المتبلة بحرفية شديدة جوة الصواني قبل ما تدخل الفرن، والدخان الخفيف اللي طالع كان مدي للمطبخ جو دافي ومليان بركة

قربت علية من سهام وحطت إيدها على وسطها وهي بتبص لطبق الشوربة الكبير اللي لسه بيغلي على نار هادية، هزت راسها برضا بس حبت تأكد على الطعم المظبوط، اخدت معلقة وداقتها وبعدين قالت سهام، الشوربة دي عايزة رشة فلفل أسود كمان صغيرة، وتظبطي ملحها شعرة، ليلى بتحب الشوربة متبلة ومظبوطة وإحنا عايزين كل حاجة الليلة دي تطلع تفتح النفس

لفتلها وابتسمت ابتسامة واسعة وحطت السكينة من إيدها وبسرعة مدت إيدها لعلبة التوابل علشان تنفذ الطلب فورا، كانت حاسة بفرحة علية الكبيرة وعلشان كدة كانت بتشتغل بكل طاقتها لأن ليلى فعلًا دخلت قلوب كل اللي في البيت بأدبها وطيبتها من أول يوم دخلت فيه الفيلا

من عيوني يا ست علية، هظبطها حالاً وهتطلع أحلى شوربة لست ليلى، ده إحنا ما صدقنا البيت نور برجوعهم بجد والفيلا كان مالهاش حس طول الأيام اللي فاتت من غيرهم.. ربنا يهدي سرهم يارب ويبعد عنهم أي زعل

سابتها علية تظبط الشوربة ولفت بجسمها وخطواتها السريعة راحت ناحية مصطفى اللي كان مركز جداً قدام الشواية والفرن وبيطمن على تسوية الطواجن الكبيرة اللي ريحتها قلبت المكان، وطت راسها شوية وبصت جوة الفرن من ورا الإزاز وعيونها لقطت لون الرقاق اللي بدأ وشه يحمر وياخد اللون الدهبي الجميل، بصتله بامتنان وتشجيع وقالت

تسلم إيدك يا مصطفى، الريحة بجد تجنن وتفتح النفس، بس خلي بالك اول ما الوش يقرمش وياخد اللون الدهبي الحلو اقفل الشواية وسيبه يستوي على الهادي من تحت، سيف بيحبه طري ومش ناشف عدل وقفته وبصلها باحترام وهو بيمسح إيده في الفوطة اللي على كتفه وقال اطمني خالص يا ست علية، كله تحت السيطرة، واللحمة في الفرن دايبة ومش هتاخد وقت طويل، نص ساعة بالكتير والأكل كله هيكون جاهز على السفرة الكبيرة برة

رجعت وقفت في نص المطبخ وبصت حواليها على الأطباق الكبيرة الشيك اللي سهام بدأت ترصها على الرخامة تمهيداً لغرف الأكل فيها، مسكت معلقة صغيرة وداقت صوص المحشي اللي كان بيترص في الحلة الكبيرة، غمضت عيونها بتلذذ وهي حاسة إن التتبيلة طالعة مسبكة ومظبوطة بالملي وحست بنشاط وطاقة كبيرة خلتها تبتسم المحشي طالع ريحته خطيرة يا سهام، تسلم إيديكي بجد ابتسمتلها وقالت بألف هنا يا ست علبة

قفل مصطفى باب الفرن الكبيـر بهدوء بعد ما اطمن على الصواني والتفت لعلية وقال ست علية، إحنا هنبدأ ننقل الشوربة والسلطات والمقبلات الباردة على السفرة برة من دلوقتي علشان نكسب وقت، وعلى ما سيف بيه والست ليلى ينزلوا من فوق نطلع الأكل السخن من الفرن على طول علشان يدخلوا يلاقوا السفرة جاهزة وتفتح النفس، إيه رأيك في الترتيب ده؟ هزت راسها وقالت

حلو اوي، يلا يا سهام همي إيدك معايا وخرجي الأطباق الكبيرة دي، وإنت يا مصطفى جهز صواني التقديم، انا هطلع بنفسي أشرف على رص السفرة برة وأطمن إن الشوك والسكاكين في مكانهم المظبوط .. الليلة دي ليلة فرح في الفيلا، وعايزة كل حاجة تطلع تبرق وتشرف بجد ” غرفة السفرة ”

الدفا والفرحة الغامرة كانوا ماليين الأجواء واللمة الحلوة اللي رجعت تظهر تاني حوالين السفرة الخشبية الضخمة بعد أيام طويلة وتقيلة من الهدوء التام والكساد اللي عاشه البيت كله، النجفة الكريستال الكبيرة المتدلية من السقف العالي كانت منورة السفرة بإضاءة قوية وصفراء دافية مبرزة جمال الاطباق اللي مصطفى وسهام رصوها بإتقان واحترافية شديدة تليق بالمناسبة

الكل كان قاعد في مكانه المعتاد بمنتهى الانسجام، عز على راس السفرة بوقاره المعهود وهيبته وملامحه مليانة ابتسامة راضية وارتياح حقيقي مش قادر يداريه من فرط الفرحة، وعلى إيده اليمين علية وياسين، وفي الناحية التانية ليلى وسيف

الضحك والهزار والنكت اللطيفة كانوا هما سيد الموقف في القعدة، ليلى كانت قاعدة مكسوفة وسط الحفاوة الكبيرة والاهتمام المبالغ فيه، و وشها الناعم عمال يحمر من كتر الدلال والترحيب اللي بتلاقيه بشكل خاص من علية، خصوصاً إنها مكنتش مديالها فرصة حتى تتنفس أو تمسك الشوكة والسكينة بإيدها، وعمالة تغرف بالمعلقة الكبيرة من كل الأصناف اللي على السفرة وتحط في طبقها بكرم شديد وهي بتقول

دوقي دي كمان يا ليلى، اللحمة دي مصطفى مسويها مخصوص عشانك ودايبة زي الزبدة، إنتي وشك خاسس ومجهد أوي يا حبيبتي من سفرية لندن دي وتعب الطيران، وشكلك مكنتيش بتاكلي هناك، كلي يا بنتي وافتحي نفسك بصت للطبق الكبير اللي قدامها واللي بقا مكدس بشكل مرعب بكل أنواع الأكل وقالت

ـ والله العظيم يا طنط أنا خلاص مش قادرة أخد نفسي بجد وبطني هتقوم تفرقع مني من كتر الأكل اللي أكلتهولي من أول ما قعدنا، تسلم إيدك وإيد مصطفى وطنط سهام على التعب ده كله، الأكل بجد طعمه يجنن بس أنا شبعت، أرجوكي كفاية كدة عليا الليلة دي عشان أعرف بس أقوم من على الكرسي وأتحرك وأقعد معاكم برة بروقان

سيف كان متابع الموقف الطريف ده من أوله بكل تفاصيله وميت على نفسه من الضحك وهو شايفها محتاسة ومحشورة في الزاوية ومش عارفة ترفض عزومة علية وإلحاحها ولا عارفة في نفس الوقت تخلص ربع طبقها اللي كل ما ينقص منه حتة علية بلمح البصر تزوده وتغرف فيه تاني، ساب الشوكة من إيده بهدوء وسند ضهره على الكرسي وبصلها وحب يزود جرعة الشقاوة عليها وقال

* كلي يا ليلى واسمعي الكلام، عمتو كلامها أوامر سارية هنا في البيت ومحدش مننا بيقدر يرفضه ولا يراجعها فيه، وبعدين إنتي فعلاً خاسة النص ولازم تخلصي كل اللي في الطبق دة ياسين كان قاعد متابع اللعبة دي كلها على كرسيه وبياكل وباصص لـليلى وهي محتاسة و وشها أحمر من الكسوف، فجأة ساب الأكل من إيده وضحك بصوت طفولي عالي ورنان ومبهج جداً هز أركان الصالة وقال ببراءة خطفت قلوبهم

اية يا لولّا دة أنا شاطر وخلصت الأكل بتاعي كله من غير ما حد يساعدني، كلي بسرعة عشان تبقي قوية وشاطرة الكل في اللحظة دي انفجر في ضحك متواصل وبـصوت عالي جداً على كلامه العفوي اللي طلع في وقته ومكانه المظبوط وحرك الأجواء بشكل كوميدي مبهج

عز عيونه بتتحرك بحنان بينهم والابتسامة مليانة رضا وسعادة، اخد تنهيدة طويلة وعميقة وحط الفوطة القماش على ركبته بـهدوء وبص للمتهم الكبيرة دي وشكر ربنا في سره إن البيت رجعتله روحه وضوضاءه الجميل من تاني بعد أيام القلق والتوتر الجاف، وقال بـنبرة صوت دافية ورزينة مليانة أبوة وحنية تخلي القلوب تطمن

سيبوا البنت في حالها وبراحتها يا جماعة، متضغطوش عليها بالطريقة دي البنت هتموت وتفطس في إيدكم من كتر الأكل، منورة بيتك ومطرحك يا ليلى يا بنتي، والله الفيلا طول الأيام اللي فاتت كانت ضلمة وكئيبة وملهاش أي حس واللقمة مكنتش بـتنزل في زورنا ولا بـنعرف ندوقها وإنتي مش موجودة معانا، الحمد لله إن ربنا جمع شملنا تاني على خير وسعادة وأنا شايف ضحكتكم ولمتكم دي الليلة بالدنيا وما فيها ومش عايز أكتر من كدة من الدنيا

بصتله بنظرة مليانة احترام شديد وامتنان لأبوته وحنيته العالية اللي دايماً بـتطمن قلبها وبتحسسها بالأمان في أي لحظة زعل، هزيتله راسها بأبتسامة وبصت لطبقها بأستسلام وأخدت قطمة صغيرة تانية وهي بتضحك من قلبها وسط ضحكات سيف وياسين المتواصلة، وحست لأول مرة من فترة طويلة جداً بأمان حقيقي وجارف بيغمر روحها وإنها قاعدة في وسط عيلتها بجد وسندها الحقيقي مش مجرد ضيفة في بيت غريب ” جنينة الفيلا ”

النسمة العليلة والهواء الرطب كانوا ماليين الجنينة الكبيرة والجو بالليل كان ساحر ومليان هدوء وسكينة بعد قعدة العشاء الطويلة الممتعة جوا، الإضاءة الهادية اللي خارجة من الفوانيس المتعلقة وصوت المية الخفيف اللي طالع من النافورة في النص كان مدي للمكان جو رومانسي وعائلي يرد الروح، والكل كان متجمع وقاعد على الكنب المريح المترص في النجيل وقدامهم الترابيزة عليها صينية الشاي الكبيرة والكيكة اللي علية عملتها بإيديها وطلعت هشة،

ياسين كان قاعد متبت في ليلى وساند بجسمه كله في حضنها الدافي ومكلبش في هدومها بإيديه ورافض تماماً إنه يسيبها أو يروح يلعب بعيد زي عادته، وكأنه خايف تغيب عن عينه تاني أو تسافر وتسيبه، اما ليلى كانت لافة دراعاتها حواليه بحنان جارف وبتمسد على شعره الناعم وعيونها بتلمع بسعادة وهي بتشارك العيلة الضحك والهزار المتواصل اللي مكنش بيفصل من سيف

الكل كان عمال يتكلم ويضحك على مواقف السفر القديمة، وعلية كانت كل شوية تصب الشاي وتوزع الكيك على الكل وهي حاسة براحة بال وفرحة حقيقية إن شمل العيلة رجع يتجمع في الجنينة من تاني بالضحكة الصافية، وسط الكلام والضحك الداير بينهم، بدأت ليلى تحس بتقل مفاجئ في حركة ياسين وإن راسه بدأت تتقل بالتدريج وتسند بوزنها كله على صدرها، وطت عليه بهداوة وبصت في وشه بتركيز لقت عيونه مغمضة وملامحه الطفولية استرخت وبدأ يدخل في النوم العميق من كتر التعب واللعب طول اليوم، ابتسمت ابتسامة حنينة ودافية ورفعت عيونها وبصتلهم وقالت

ـ معلش يا جماعة ياسين ومش داري بالدنيا، هقوم أطلعه أوضته فوق وأغطيه وأغيرله هدومه عشان ينام ويرتاح بدل قعدة الجنينة دي والهوا لا يبرد جسمه الصغير حطت علية فنجان الشاي من إيدها على الترابيزة بهدوء ولفت بجسمها ناحيتها وبصتلها بابتسامة وقالت خليكي قاعدة مكانك إنتي لسه راجعة من السفر وتعبانة، انا كدة كدة خلاص عيني بدأت تقفل وطالعة أوضتي فوق عشان أنام فـ بالمرة هاخده وأطلعه

حست بحرج شديد ومرضيتش تتقل عليها وتتعبها فـ حاولت تتمسك بموقفها ومسكت في ياسين وهي بتبص لعلية برغبة إنها تقوم هي بالمهمة دي ـ لا يا طنط متتعبيش نفسك، ياسين بقا تقيل ما شاء الله وإنتي تعبتي طول اليوم في المطبخ و واقفة على رجلك عشان العشاء وطت علية وبمنتهى الحنان سحبته من حضنها بخفة ومهارة من غير ما يصحى ورفعته على كتافها وهي بتبصلها بنظرة مليانة حب وفوقيها ضحكة خفيفة عشان تنهي الجدال ده تماماً

ولا تعب ولا حاجة يا بنتي تعبكم راحة بالدنيا كلها، ده ياسين ده حبيب قلبي ونور عيني وشيله خفيف زي الريشة على قلبي، اقعدي واسمعي الكلام ومتغلبينيش معاكِ، أنا طالعة حالاً وأهو الواد نام ومحسش بحاجة، تصبحوا على خير تابع عز الموقف والابتسامة الراسية مغطية وشه وحس إن وقته هو كمان جه عشان يسيبهم يتكلموا براحتهم في الجنينة بروقان، حرك كرسيه وقال وأنا كمان هقوم أدخل أنام وأسيبكم تقعدوا براحتكم وتتسامروا، تصبحوا على ألف خير

* وانتوا من اهله يا حبايبي

بمجرد ما دخلوا الجنينة بقت هادية تماماً ومفيش فيها غير صوت الهوا الخفيف، التفت بجسمه كله ليها وعيونه كانت بتلمع بالحنان والعشق الشديد اللي كان مداريه طول القعدة قدام والده وعليّة، قرب منها ومد إيده القوية ولفها حوالين ضهرها وسحبها لحضنه بقوة وشغف، سندت راسها على كتفه العريض وتبتت في قماش تيشيرته وهي حاسة بدقات قلبه اللي بتطمن روحها وتنسيها أي زعل قديم، وطى راسه عليها وبدأ يشم ريحة شعرها الجميلة ويداعب خدها بأطراف صوابعه وهو بيتكلم بنبرة صوت منخفضة ومليانة دفا

* أخيراً بقينا لوحدنا، عارفة، انتي طلعتي الروح والونس للبيت ده بجد، ومستحيل أفرط فيكي تاني أو أسمح للزعل يدخل بيننا تاني رفعت عيونها وبصت في عيونه اللي مليانة صدق ومشاعر جارفة وابتسمت ابتسامة رقيقة مليانة خجل ودلال وقالت بنكش ـ يعني خلاص عرفت قيمتي ومش هتزعلني تاني؟ * اه يا ستي عرفت قيمتك، وقيمتك غالية أوي ـ وآية كمان * عايز اجيب اولاد منك ـ بجد يا سيف * بجد يا قلب سيف ـ وأنا كمان * انتي كمان اية

ـ نفسي تكون ابو ولادي * حيث كدة بقا فجأة وبدون أي مقدمات لف دراعاته القوية حوالين وسطها وركبها وشالها بخفة ورشاقة شديدة بين دراعاته، ضحكت وهي بتلف دراعاتها حوالين رقبته بسرعة عشان متقعش، بدأ يتحرك بيها بخطوات واسعة في الجنينة ومتجه لباب الفيلا عشان يطلعوا الجناح بتاعهم فوق وهو باصص في عيونها ومبتسم بعشق حقيقي وليلى بتبص له بحب كبير وبتضحك من قلبها وهي حاسة إنها أسعد واحدة في الدنيا في حضنه الدافي ده

” مستشفى الحياه الاستثماري ”

أشعة الشمس كانت داخلة قوية وصافية من الشباك الأزاز الكبير بتاع مكتبي في المستشفى منورة المكان كله، كنت قاعد على مكتبي وانا حاسس بروقان بال ونشاط مكنتش حاسس بيه من فترة طويلة، قدامي على المكتب كانت الممرضة رصالي مجموعة كبيرة من الفايلات والتقارير الطبية وحالات المرضى اللي اتراكمت في فترة سفري السريع ومكتوب عليها بخط صغير الملاحظات العاجلة اللي محتاجة إمضتي ونظرتي كـدكتور مسؤول، سحبت أول تقرير بـإيدي وفتحت الفايل وبدأت

أقرا بـتركيز شديد السطور المكتوبة وأراجع التحاليل والإشاعات وعيوني بتتحرك بدقة بين الأرقام عشان أطمن على الحالات الحرجة، لكن عقلي مكنش قادر يفصل تماماً عن ملامح ليلى وضحكتها بتاعة امبارح في الجنينة وهي في حضني والابتسامة كانت بتفلت من بين شفايفي غصب عني كل ما أفتكرها

وسط اندماجي في قراية التقرير الثاني وكتابة كام ملحوظة بالقلم الباب اتفتح فجأة بدون أي خبط وبـاندفاع لطيف ومعهود دخل مراد والابتسامة مالية ملامحه كالعادة، قفل الباب واتقدم نحو مكتبي وحط إيديه في جيوبه وبصلي بـنظرة ماليانة شقاوة ونكش وقال أهلاً أهلاً بالعريس الجديد، يا مرحب بالدكتور الكبير اللي ساب المستشفى والمرضى و طار فوق السحاب، حمد لله على السلامة يا سيدي، نورت المستشفى ومكتبك رجعله حسه تاني

بصتله بـاستغراب حقيقي ورفعت حاجبي وانا بقول * عريس جديد إيه يا مراد وتأخير إيه اللي بتقول عليه ده؟ ما إنت عارف البير وغطاه وعارف أنا كنت فين وبـعمل إيه بالظبط والأيام السودة اللي عشتها الأسبوع اللي فات.. قولي بس إيه الأخبار عندك والحالات عاملة إيه في غيابي؟ ضحك بـصوت عالي ولف حوالين المكتب بـخفة وسحب الكرسي الجلد التاني المقابل ليا وقعد عليه بـتربع وراحة تامة

ما هو اللي يشوف سفرك السريع ده والقلبة اللي قلبتها وراك ويشوف وشك المنور والروقان اللي إنت فيه الصبح ده يقول مقضي شهر عسل جديد ملوش آخر، سيبك من الشغل دلوقتي الشغل مش هيطير والتقارير تحت إيدك اهي.. طمني وقولي المفيد، صالحتها؟

أول ما سألني السؤال المباشر ده وجت سيرة الصلح و ليلى الابتسامة الواسعة الدافية ظهرت علطول على ملامح وشي، رفعت إيدي الاتنين وحطيتهم ورا دماغي وسندت راسي عليهم بأريحية شديدة، وسكت تماماً بـغموض لذيذ وأنا بـبص للسقف وعيوني بـتلمع بـالفرحة والذكريات بتاعة ليلة امبارح ومرديتش عليه بكلمة واحدة في الأول

لقط الابتسامة وفهم بـذكائه المعتاد إن الموضوع تم بـنجاح و الأجواء صفت تماماً بيني وبينها، ابتسم ابتسامة واسعة ماليانة فرحة حقيقية عشاني وقال يبقى صالحتها، أيوة كدة يا سيدي هي دي الابتسامة اللي بـترد الروح، السكتة دي والروقان ده معناه إن الخطة نجحت وقلبها حن ورجعت معاك الفيلا ومنورة بيتك من تاني.. مبروك يا صاحبي

نزلت إيدي من ورا دماغي وحطيتهم على المكتب وقربت منه بجسمي شوية والامتنان الحقيقي كان باين في عيوني وفي نبرة صوتي الرزينة الخالية من أي هزار في اللحظة دي، بصتله وحسيت بقد إيه وقف جنبي في أصعب محنة عشتها الأيام اللي فاتت وقولت

* مش عارف أشكرك على الفكرة دي إزاي يا مراد بجد، فكرة إني أسافر لندن وأفاجئها هناك بدون أي مقدمات وأقعد معاها وأصالحها بـالطريقة دي هي اللي جابت من الآخر، أنا كنت هناك تايه ومش عارف أعمل إيه بجد، ونصيحتك ليا كانت هي القشة اللي أنقذت بيتي وعيلتي من الهدد وقف وفرد كتافه بـغرور كوميدي لطيف وحرك إيده في الجو كأنه بـيرفض الشكر ده وبـيعتبر إن اللي عمله ده شيء طبيعي جداً بـين الإخوات والأصحاب الجدعان اللي بـيظهروا وقت الشدة

عيب عليك يا عم وتشكرني على إيه بس، هو أنا أي حد ولا إيه؟ ده إنت أخويا وصاحب عمري، وبيتك هو بيتي ومصلحتك هي مصلحتي بـالظبط، أنا مكنتش مستحمل أشوفك دبلان وتعبان ومطفي كدة طول الأيام اللي فاتت، الحمد لله إنها جت سليمة والخطـة جابت نتيجتها المظبوطة أخدت نَفَس عميق ومليان راحة بال وقولت

* بجد الحمد لله إنك في حياتي يا مراد، من غيرك وبـدون نصيحتك دي كنت هضيعها من إيدي بـغبائي وعنادي، وكنت هـرجع تاني وحيد ومكسور زي زمان والبيت مضلم عليا.. بس المرة دي كانت هتبقى أصعب وأقوى بكتير، لأن حبها في قلبي بقا حقيقي ومتمكن مني ومكنتش هستحمل أعيش من غيرها ثانية واحدة واصل.. إنت أنقذتني بـمعنى الكلمة”.

مراد حس بـتأثري وبـصدق كلامي، فـحب يلطف الجو بسرعة ويـبعد أي نبرة دراما أو زعل عن المكتب، فـقام من على الكرسي بتاعه وقرب مني وربت على كتفي بـقوة وعيون ماليانة حب وفرحة، وبدأ يباركلي تاني بـطريقته الكوميدية المعتادة ويهزر معايا عشان يـرجع النشاط للمكتب.

“يا سيدي ألف مبروك تاني وتالت، وربنا يخليكم لبعض ومـ يـجيبش أي زعل بينكم تاني أبداً.. بس يلا بقى بطل البس النظارة الطبية بتاعتك و وريني الهمة والشغل.. التقارير دي محتاجة تخلص في ثانية عشان الحالات برة مستنياك سحبت أول فايل قدامي بـنشاط كبير وحسيت إن الطاقة اللي جوايا تهد جبال، وبصيتله وأنا بـهز راسي بـموافقة

* ماشي، اطلع بقى برة وركز في حالاتك وإنت ساكت، وسيبني أخلص المصايب اللي إنت سايبهالي على المكتب دي قبل ما أطردك برة المستشفى كلها لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...