الفصل 4 | من 26 فصل

الفصل الرابع

المشاهدات
16
كلمة
3,991
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

رواية صك السلالة الجزء الرابع 4 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة الرابعة

خطواتي كانت تقيلة وأنا ماشية جمب فارس في طرقة المستشفى، الهدوء اللي مالي المكان كان بيخليني أحس بـ نبضات قلبي وهي بتدق بعنف في صدري زي طبول الحرب، كنت ضامة كفوف إيدي لبعضها بحاول أسسطر على رجفتهم، فارس كان ماشي جمبي ملامحه مشدودة وشارد، جوايا يقين أنه لسة واقف عند تخمين دكتور سيف أنه جوزي ومش قادر يتخطاه، اتحرجت اوي عشانه لأني عارفة مدى لهفته إن الكلمة دي تكون تتحقق على أرض الواقع

اول ما قربنا من مكتب الحسابات عقلي اتنقل تلقائي للمصاريف، أسبوعين في رعاية مركزة لأطفال بمستشفى استثماري كبيرة وفخمة زي دي يعني رقم خيالي، رقم مستحيل أكون شفته في حياتي ولا حوشت ربعه، دخلنا لقينا موظف كبير قاعد على المكتب و لابس بدلة شيك ونضارة طبية وبيكتب على الكيبورد، خطيت خطوة وسندت إيدي على حافة المكتب، وقولت

ـ مساء الخير، لو سمحت كنا عايزين نسأل عن تكاليف إقامة وعلاج حالة الطفل ياسين اللي دخل الرعاية المركزة الصبح .. تحويل دكتور عماد بصلنا من فوق نضارته بنظرة عملية ورجع يبص للاب توب وبدأ يقلب في السيستم على اسمه، بعد ثواني رفع عينه لينا وقال تمام، الملف بتاعه متقفل إدارياً ومالياً بالكامل من ساعة ما دخل بصيت لفارس بذهول وصدمة خلت لساني يقف لثواني، مكنتش فاهمة وعقلي مش مستوعب ف قولت ـ يعني إيه متقفل مالي؟

يعني إحنا المفروض ندفع كام دلوقتي تحت الحساب عشان الإقامة والعلاج والأدوية؟ ابتسم وهز راسه بالنفي وقال مش هتدفعوا ولا مليم يا فندم، دكتور سيف شال كل حاجة تخص الحالة على حسابه الخاص، من أول تكاليف السرير في الرعاية المركزية للتحاليل والأشعة لحد بروتوكول العلاج والأدوية اللي هتتكتب طول مدة الأسبوعين، الفاتورة مفتوحة باسمه وهو اللي هيسدد كل حاجة تطلع للطفل دة في الحسابات هنا

فضلت بصاله بنفس الذهول ومتكلمتش، سيف مين اللي شال كل حاجة؟ الجراح الكبير اللي لسة شايفاه من دقايق وميعرفناش ولا نعرفه؟ معقول يشيل حمل أسبوعين برعاية مركزة؟ دة رقم أكيد يكسر الضهر، قرب فارس يقف جمبي بعد ما تخطى صدمته هو كمان من كلام الموظف وبصله وقال بحدة استغربتها أنت بتقول إيه حضرتك؟ احنا مبناخدش حسنة ولا صدقة من حد، احسبلنا الحساب لو سمحت وقولنا الرقم كام بالظبط عشان إحنا اللي هندفع ونقفل الحساب دة

ملامح الموظف رجعت للجدية وبص لفارس بتعجب وقال يا فندم دة مش كلامي دة أمر مباشر من دكتور سيف شخصياً للحسابات من بالليل واتأكد عليه الصبح أول ما الحالة وصلت، والسيستم عندي مقفول ومقدرش أقبل منكم أي فلوس ولا أفتح الفايل المالي للحالة تاني لأنها بقت تابعة لحساب دكتور سيف، لو عندكم أي اعتراض تقدروا تروحوا تتكلموا معاه هو في مكتبه فارس مستناش ثانية واحدة، لف وشه وطلع من المكتب ف طلعت وراه بسرعة ـ يا فارس، استنى

وقف ولفلي و وشه لاين عليه الغضب، وقفت قدامه وقولت ـ في اية؟ في اية؟ هو انتي ازاي مش مضايقة من اللي سمعتيه، فلوس اية اللي يدفعها الدكتور، شايفنا شحاتين ولا شايفك بطولك معكيش راجل يقدر يسد؟ فهمت سبب غضبه ف سكت، كان باين في عيونه الغيرة والعجز اللي اترجموا العصبية واندفاع، اخدت نفس وقولت ـ انا عارفة إن دة مينفعش. وانا مش راضية بيه، بس دي مش طريقة، مينفعش ندخل عليه بالعصبية دي اومال عايزاني اعمل اية

ـ تهدى، تهدى وتيجي معايا نكلمه والحوار يخلص بهدوء سكت ولف وشه الناحية التانية، قدمت خطوة ببطئ وانا ببصله وبقوله ـ يلا رجع بيبص قدامه ومشي من غير ولا كلمة، وصلنا قدام مكتبه و بدون تفكير مد إيده وخبط على الباب ومستناش رد وفتحه ودخلت بأندفاع وانا وراه، لكن الممرضة هي اللي كانت جوا واقفة بتلم بعض الأوراق والملفات، لفت وشها لينا لما شافت اندفاعنا و وش فارس اللي كان مقلوب وأحمر من كتر الانفعال، اتقدم ناحيتها وقال

فين دكتور سيف بصت لملامحه وقالت بهدوء دكتور سيف نزل فوراً لقسم الطوارئ، خير إن شاء الله، ياسين حصله حاجة جوا؟ هزيت راسي بالنفي وانا بقف جنبهم وبقول ـ لا ياسين كويس الحمد لله، بس في لبس حصل في الحسابات تحت، إحنا لسة نازلين نسأل عن تكاليف الرعاية والعلاج عشان ندفع اللي علينا، الموظف هناك قالنا إن دكتور سيف قفل الحساب وشال كل تكاليف المستشفى والعلاج على حسابه الخاص طول الأسبوعين، الكلام دة أكيد غلط وفي لبس في الأسماء صح

اول ما سمعت كلامي ملامحها اتغيرت تماماً، مظهرش عليها الذهول ولا التعجب، بالعكس ابتسمت ابتسامة دافية وبصتلي وقالت مفيش لا لبس ولا غلط في الأسماء، دكتور سيف فعلاً هو اللي عمل كدة وهو اللي قفل الحساب بنفسه من بالليل، ومتستغربيش أوي كدة وتتخضي، دي مش أول مرة يعمل فيها الحركة دي، ولا دي أول حالة يشيل تكاليفها بالكامل من ماله الخاص سكتت لثانية كأنها بتفتكر مواقف تانية وكملت كلامها بنبرة مليانة احترام وتقدير ليه

دكتور سيف دة بني آدم طيب أوي وإنسانيته بتسبق شطارته بمراحل، هو من سنة بالظبط بدأ يعمل خير مع الحالات الصعبة والإنسانية اللي زي حالة ياسين، بالذات لما بيلاقي إن التكاليف في المستشفى هنا هتبقى عالية جداً ف بيشيل كل حاجة، ف اطمنوا خالص ومتحسوش بأي إحراج

سكت ومبقتش عارفة اقول اية، حسيت بكمية امتنان رهيببة ليه، لإنسانيته واهتمامه بطفل صغير ميعرفوش، ومن ناحية تانية حسيت بعبء اتحط على كتافي المهدودة وإحراج عنيف ليا قدام نفسي، إزاي هقبل إن راجل غريب مهما كان طيب ونبيل يشيل عني حمل أخويا وعلاجه؟ دة إحراج بيجرح كرامتي وعزة نفسي اللي كبرت واتربيت عليها، بصيت لفارس لقيت ملامحه شايلة كمية غضب وصمت غريب، بس محبش يزود الحمل عليا ولا يتكلم، حطت الممرضة ايديها على كتفي وقالت

روحوا اقعدوا جمب ياسين وادعوا له وسيبوا الأمور على الله هزيت راسي ليها ورجعت مشيت أنا وفارس، رجعنا للطرقة الطويلة بتاعة الرعاية، قعدت على الكرسي وسندت راسي لورا وأنا حاسة بتشتت وضياع رهيب، وقف فارس قدامي وحط إيده في جيبه وبصلي وقال

أنا مش هسيب الموضوع دة يمر كدة يا ليلى، دكتور سيف راجل كتر خيره وعلى راسنا من فوق، بس برضو مش هينفع، أول ما يطلع وييجي يطمن على ياسين أنا اللي هقف معاه في مكتبه وهعرف الحساب كام بالظبط وهتصرف في الفلوس دي حتى لو هبيع كل اللي حيلتي في الدنيا دي بصتله وابتسمت على جدعنته معايا اللي مبتخلصش، وفي نفس الوقت اخدت قراري جوا نفسي، هزيت راسي وبصتله وقولت ـ لا يا فارس .. كتر خيرك يا ابن الأصول، وقفتك جمبي دي مش

هنسىهالك طول عمري، بس دة موضوع مينفعش تشيله، انا اللي هتكلم معاه بمنتهى الصراحة، وانا برضو اللي هشيل المصاريف وربنا يقدرني بصلي بنظرة طويلة فيها عتاب وقال بتحطي حدود كبيرة اوي بيننا يا ليلى ـ يعلم ربنا اني مش عايزة اشيلك فوق طاقتك يا ستي انا راضي ـ بس مينفعش، انا اصلا مش عارفة هرد فلوس عمو جميل ازاي، ارجوك، لو بتعزني بلاش تفتح سيرة الفلوس تاني

وهز راسه وقعد على الكرسي اللي جمبي بتعب، وفضلنا احنا الاتنين قاعدين في الطرقة عيوننا متثبتة على لوح الإزاز اللي وراه ياسين نايم وسط الأجهزة ومستنيين اللحظة اللي هيظهر فيها سيف بفارغ الصبر ” الحارة ـ شقة فارس ”

كان طالع ببطء وتقل ملحوظ، وكل خطوة بيخطيها لفوق شايلة معاها هموم مبتنتهيش، عقله كان لسة واقف عند النظرة الحزينة اللي شافها في عينها وحاسس بخنقة حقيقية ونفسه بس يرمي جسمه المهدود على السرير ويقفل عينه عشان يهرب من كتر التفكير، أول ما حط إيده على أكرة باب شقتهم وفتحه اتفاجئ إن نور الصالة لسة قايد ومنور المكان و الشقة فيها ريحة بخور خفيف وهادي، خطى خطوتين جوا الصالة ولف وشه ناحية الكنبة الكبيرة لقى جليلة قاعدة في مكانها وعينها متثبتة عليه من أول ما دخل من الباب، ملامح وشها كان محفور عليها الزعل والضيق، وقف مكانه وقال بنبرة حاول تكون لطيفة عشان متحسش بحزنه

مساء الخير يا أمي، إيه اللي مقعدك ومسهرك لحد دلوقتي؟ الدنيا ليلت خالص قامت واندفعت ناحيته بغضب لحد ما وقفت قصاده مباشرة، عقدت دراعاتها قدام صدرها وبصت في عينه بنظرة مليانة لوم وعتاب وحرقة أم خايفة على ابنها وهي بتقول هيجيلي نوم إزاي وراحتة بال وأنا شايفة ابني الوحيد بيمرمط نفسه وكرامته بالمنظر دة؟ في اية يا أمي

في اية انت، اللي بتعمله دة مينفعش خالص، كفاية لحد كدة، كفاية مرمطة وجري ورا سراب، ورا واحدة مش شايفاك وقافلة بابها في وشك رغم كل اللي بتعمله اتفاجئ من كلامه واندفاعها قصاده بالشكل دة وحس بزعل حقيقي من كلامها، مكنش متوقع أبداً إنه يطلع منها، وفي نفس الوقت مستغرب ان ازاي دة كل اللي هاممها في ظرف زي دة، اتنهد وبان الإرهاق في صوته وهو بيقول

ايه الكلام الصعب اللي بتقوليه دة يا أمي، انتي عارفة كويس إن كرامتي محفوظة ومحدش يقدر يوجعها ولا يمسها بكلمة، ولا ليلى ولا غير ليلى، وبعدين هي في محنة كبيرة، أخوها اللي حيلتها في الدنيا بيموت بين إيدها واتحط في الرعاية ومفيش حد غيري انا وعم جميل اللي نقف جمبها، لا ليها أخ كبير يشيل عنها ولا راجل يسندها، ومش معنى إنها رفضتني في الجواز قبل كدة أو مش شايفاني زوج مناسب ليها إني أندل معاها في وقت الشدة وأسيبها لوحدها محتاسة في المستشفيات، الرجولة والجدعنة والأصول اللي ربتيني وكبرتيني عليها متقولش كدة خالص

ضمن شفايفها بضيق شديد وقالت بعد وحرقة قلب

متقوليش رجولة وجدعنة في الموقف دة بالذات يا فارس، الجدعنة والأصول دي بتبقى مع اللي يستاهل ويقدر اللقمة والوقفة، مش مع واحدة كاسرة بخاطرك ورافضاك قدام الحارة كلها والكل بيتكلم، ما لو كانت وافقت عليك من الأول لما دخلت بيتها كان زمانها مراتك وفي بيتك وعلى اسمك، كان زمانها مسنودة بجد، انما هي عايزة تاخد خيرك وجدعنتك وفلوسك و وقفتك في وقت الضيقة والأزمات ولما الدنيا تروق وتتصلح تقولك مع السلامة إحنا إخوات وجيران؟

لا يا حبيبي، اللي ميرضاش بيا ويقدرني في السعة ملقاهوش في الضيقة يشيلني همه حس إن الكلام بيدخل قلبه زي السكاكين ويزيد جرحه، لكنه صمم بكل عزم يدافع عن مبدأه وعنها، قرب منها وبص في عينها وقال

الجواز مش بالعافية يا أمي، مش معنى إني حبتها إنها لازم تبادلني نفس الشعور واقفلها في أزمة، الحب دة قسمة ونصيب من عند ربنا، وقلب البني آدم مش بإيده ولا بأمر حد، ليلى بنت أصول ومتربية وعمرها ما استغلتني ولا طلبت مني حاجة، أنا اللي برمي نفسي في خدمتها للأصول والشهامة اللي اتربيت عليها في البيت دة وبأيدك، وعمتا متقلقيش، انا وعدتها اني مش هكون معاها تاني بعد النهاردة

كانت لسة عايزة تتكلم وتجادل بحدة لكنه مدهاش فرصة تكمل كلامها، لف وشه عنها واتجه ناحية أوضته وقفل الباب وراه وسابها واقفة بطولها وحيرتها في وسط الصالة، فضلت واقفة مكانها مذهولة، عيونها على الباب المقفول بضيق وغل غريب ومكبوت، ضربت كف على كف بقلة حيلة واتنهدت بحسرة من عند ابنها ونشافة دماغه ورا ليلى وقالت

ماشي يا فارس، دماغك الناشفة دي وعواطفك هتوديك في داهية وهتكسرك، بس أنا مش هسيبك تضيع عمرك وشبابك كدة ورا اللي ميسواش ومبيقدرش طفت النور ودخلت على اوضتها على طول، وبقت الصالة في ضلمة محملة بغضب الأم العارم ورفضها اللي مش هيهدى الا ببعده عن ليلى ” مستشفى الحياه الاستثماري ـ غرفة الرعاية ”

زي اي مستشفى الليل فيها بيكون ليه هيبه وسكونه بيدعب الرعب في القلوب، الممرات بعد ما كانت مابتخلاش من الأصوات بقت هادية وساكتة دلوقتي ومفيش فيها غير صفارات الأجهزة وأنين المرضى، وفي الوقت دة، كان سيف بيخلص جولته المرورية الأخيرة على الحالات في قسم الرعاية قبل ما يستعد عشان يمشي ويروح بعد يوم طويل شاق وممتد من العمليات الجراحية الطارئة والمتابعات الطبية الصعبة اللي مبتنتهيش، بيتحرك بخطواته الرزينة والواثقة زي ما كل

الناس اللي في المكان دة اتعودوا يشوفوه، كان ماسك في إيده شوية ملفات طبية وبيتكلم مع ممرضة ماشية جمبه بصوت واطي ولهجة جادة وصارمة عن جرعات الأدوية ومواعيد التحاليل اللي جاية لكل طفل، ولما وصل لـ آخر الطرقة، وقف قدام باب الاوضة الخاصة بياسين، اخد نفس ورفع عينه يبص من ورا الإزاز الكبير ييتابع المشهد جواها بدقة

كان ياسين نايم بسلام وسط الأجهزة والمحاليل الكثيرة اللي حاوطت سريره و ملامحه الشاحبة بدأت تهدى شوية عن الصبح بسبب الأدوية المكثفة، وبجانب السرير مباشرة، كانت ليلى قاعدة على الكرسي الجلد وضهرها المهدود منحني بتعب وإرهاق شديد، ماسكة إيده الصغيرة بكفوفها الاتنين وضماها لصدرها بحنان كأنها بتحاول تديه من صحتها عشان يشفى وعينها مش مفارقة وشه

دخل سيف بعد ما خبط على الباب برفق وخطت الممرضة وراه، بمجرد ما ليلى شافته رفعت راسها وسابت إيد ياسين بالراحة وهي بتقف، بصلها بملامح هادية وبصوت رخيم ملى الأركان قال * مساء الخير، بعد اذنك هطمن عليه ـ مساء اللنور، اكيد طبعا اتفضل

هز راسه بهدوء واتحرك و وقف جنب السرير مباشرة، طلع سماعته الطبية وبدء يكشف على صدره بتأني شديد وتركيز تام وهو بيراقب المؤشرات الحيوية بدقة على الشاشات الإلكترونية المحيطة بالسرير، مسك إيده وقاس نبضه وحرارته بمهنية وبعدين لف للممرضة وبدأ يملي عليها تعليمات طبية جديدة وصارمة، وطلب منها تعديل جرعات المحاليل بأرقام محددة وتكثيف الملاحظة طوال الساعات اللي جاية * عايزك تكتبيلي تقرير مفصل عن اي تغيير يحصل مفهوم يا دكتور

كتب ملاحظاته في الفايل ولف بجسمه كله ناحية ليلى وقال * اطمني، حالته شبه مستقرة، جسمه بدأ يستجيب لبروتوكول العلاج بشكل ممتاز، صمامات القلب هترجع لطبيعتها بـ مرور الأيام إن شاء الله، مفيش أي داعي للقلق، عن اذنك حست براحة حقيقية اول ما سمعت كلامه وشكرته بقلبها قبل لسانها، اول ما شافته بيلف جسمه العريض ومتوجه ناحية الباب حست إن دي الفرصة اللي كانت مستنياها بفارغ الصبر طول اليوم، خطت خطوة سريعة لقدام وقالت ـ دكتور سيف

وقف ولف يبصلها بتساؤل ـ كنت عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم بعد إذنك ظهرت على ملامحه الجادة علامات الاستغرب وقال * اتفضلي قبل ما تتكلم خرجت الممرضة في طريقها لتنفيذ تعليماته وفضلوا هما واقفين، فركت ليلى كفوف إيدها بتوتر وقالت

ـ أنا عرفت من إدارة الحسابات الصبح موضوع تكاليف المستشفى، عرفت إن حضرتك قفلت الحساب المالي بالكامل وشلت كل تكاليف السرير والأدوية طول الأسبوعين على حسابك الخاص، أنا بجد مش عارفة أقول لحضرتك إيه، كتر ألف خيرك ودة موقف كبير ونبيل منك جداً مش هنساه، بس… * بس اية

ـ بس بجد دة كتير أوي، الرقم دة كبير وضخم فوق ما تتخيل، ومينفعش أبداً وبأي شكل من الأشكال إن حضرتك تشيله عننا، ف بستأذنك يعني تبلغهم يقولولنا المبلغ كامل واحنا إن شاء الله قدها وربنا يرزقنا سمع كلامها كله للاخر ومحبش يقاطعها، فهم أنه بسبب عزة نفسها وكبريائها وقدر موقفها، فضلت ملامحه الجادة متغيرتش وسكت ثواني قبل ما يرد عليها ويقول

* اسمعيني كويس يا انسة وركزي في كل كلمة هقولهالك، أول حاجة لازم تعرفيها وتتأكدي منها إن اللي حصل دة مش مساعدة مني خالص، ولا هو حسنة ولا صدقة ولا جميلة مني عشان تحسي بكل الإحراج دة، ببساطة شديدة دة رزق ربنا سبحانه وتعالى لياسين وسخرني أنا وجعلني مجرد سبب وطريق عشان الرزق دة يوصل لكم في وقت والأزمة دي، أنا مليش أي فضل في الموضوع، الفضل كله لله وحده اللي بيسير الأمور بحكمته ورحمته بعباده سكت وبس لياسين ورجع بصلها وقال

* المستشفى هنا استثماري، والتكاليف والأرقام اللي بتتسجل كل ساعة في الرعاية المركزة أرقام خيالية وفوق طاقة أي حد، ولو فكرتي بحسابات الورقة والقلم والفلوس والكرامة في الموقف دة فـ أنتي كدة بتظلمي أخوكي وبتخاطري بحياته وصحته بشكل مش هتقدري تتحملي نتيجته بعد كدة، ياسين محتاج كل ثانية رعاية وكل جرعة دوا عشان يقف على رجليه ويرجع يضحك من تاني، عشان كدة أنا بطلب منك بصفتي الدكتور المسؤول عن الحالة دي إنك متفكريش في أي حاجة تخص الماديات دلوقتي خالص، ارمي كل الحمول دي ورا ضهرك وخلي كل طاقتك ودعاكي ليه

كلامه نزل على قلبها زي ماية باردة في جوف العطشان، حست بصغر عقلها قدام إنسانيته وتفكيره، مكنتش لااقية كلام توصف بيه شعور الامتنان والعرفان للراجل اللي واقف قدامها دة، رفعت عيونها ليه من تاني بعد ما سيطرت على احراجها وقالت ـ انا بجد عاجزة عن الشكر يا دكتور، ربنا يجازيك كل خير عن ياسين وعن كل طفل كنت سبب في شفاؤه بأمر ربنا ويجعله في ميزان حسناتك، ابتسملها ابتسامة خفيفة تكاد تُرى وقال * لا شكر على واجب، بعد اذنك

اتحرك على طول وخرج للممر الهادي سايب وراه راحة نفسية جواها بعد ما طمنها على ياسين، قعدت جمبه ومسكن أيده من جديد بأبتسامة وعقلها بقا أهدى من الاول وجواها يقين بإن ربنا مش بينسى عباده، وإن سيف هو طوق النجاة اللي بعتها ربنا لاخوها عشان ينقذه من اللي هو فيه بأمره

اول ما نزلت من المستشفى قابلني الهوا الساقع في وشي بقوة، مشيت في الممر الخارجي بخطوات تقيلة سامع صوت جزمتي وهي بتخبط على الأرض بانتظام لحد ما وصلت لعربيتي المركونة تحت الشجرة الكبيرة في آخر الجراج، فتحتها وركبت ورا الدريكسيون وأنا حاسس بحمل جبال فوق كتافي، حطيت الفايلات اللي كانت في إيدي على الكرسي اللي جمبي وسندت راسي لورا على مسند الكرسي وغمضت عيني لثواني طويلة وأنا باخد نفس عميق وبطلعه ببطء، بحاول أفضي دماغي من

تفاصيل الحالات وجداول الأدوية وصوت أجهزة الرعاية المركزة اللي بتفضل تصفر في وداني حتى وأنا برة المستشفى، مديت إيدي المجهدة ودورت العربية، هوا التكييف بدأ يخرج ويحسسني بالانتعاش، طلعت بالعربية من الجراج بهدوء ودخلت في الشارع الرئيسي، قولت في بالي أكسر السكوت دة بدل ما انام وانا سايق ف مديت ايدي وضغطت على زرار الراديو عشان يشتغل على محطة مألوفة، وبدأ صوت المذيعة يملى المكان بنبرة هادية وهي بتقول

لكل عشاق النغم الأصيل والكلمة اللي بتمس القلب، هندخل معاكم دلوقتي في مود تاني خالص، معانا أغنية من أجمل ما غنى الفنان علي الحجار، أغنية بتتحفر في القلوب من أول نوتة موسيقية، وهي أغنية .. ” عارفة ” اللايك هز كياني كله في ثانية واحدة “عارفة”..

الكلمة دي لوحدها كانت كفيلة إنها تقلب كياني وتوقف الدم في عروقي لأنها فكرتني بيها .. مها، مراتي وحبيبتي ونصي التاني اللي مشي وسابني تايه في الدنيا، كانت بتعشق الأغنية دي بجنون، كانت بالنسبالها مش مجرد غنوة، دي كانت حكايتنا، كلامنا، ونبض قلبنا سوا، وقبل ما المذيعة تخلص جملتها وقبل ما أول دقة مزيكا تطلع من السماعات وتخترق وداني مديت إيدي بأندفاع عنيف الراديو تماماً، رجع السكوت القاتل يطبق على العربية من تاني، بس السكوت

دة مكنش فاضي، كان مليان بصوتها .. ضحكتها، وبريحتها اللي فجأة حسيت إنها ملت العربية كلها، حاولت أركز في الطريق، ثبت عيني على الأسفلت الممدود قدامي وضغطت على الدريكسيون بكفوف إيدي الاتنين بقوة، كنت بهرب من الأغنية ومن صدى صوتها، بس الهروب مكنش ليه أي فايدة، الذكريات كانت أسرع مني، حاوطتني من كل جانب وبدأت تتسلل لعقلي بقوة مليش أي قدرة على مقاومتها، افتكرت ليلة من ليالي زمان، ليلة دافية شبه الليلة دي بالظبط في اوضتنا

اللي كانت بتجمعنا بكل حب وأمان

كنت راجع من المستشفى مهدود، تعبان من كتر الحالات والعمليات وقاعد على الكنبة وفارد ضهري بقلة حيلة وعيني مقفلة من الإرهاق، فجأة لقيتها دخلت عليا بمشيتها الخفيفة والابتسامة المنورة اللي كانت بتمحي أي تعب من على وشي بمجرد ما أشوفها، كانت مشغلة الأغنية دي بالذات من الموبايل بتاعها بصوت عالي وجت وقفت قدامي وهي بتميل راسها بدلال وعينها بتلمع بشقاوة وحب ملوش حدود، مدت إيديها الساقعة الصغيرة مسكت كف إيدي بحنان وشدتني برفق وهي بتقول بضحكتها اللي كانت بتصحي الروح فيا

يلا يا سيف، كفاية طب وكفاية مستشفى وكفاية تعب، قوم ارقص معايا، فك كدة واسمع الكلمات دي بتقول إيه عننا قومت معاها وأنا ببتسم بقلة حيلة وبحب

جارف ووقفت وسط الصالة وبدأنا نتحرك ببطء وهدوء على نغمات الأغنية الدافية، لفيت دراعي العريض حوالين وسطها وضمتها لصدري بكل قوتي كأني بحاول أخبيها جوا ضلوعي من الدنيا بحالها، حطت راسها على كتفي ورفعت عيونها تبص في عيوني بعشق، صفا، وأمان مطلق مكنتش بتلاقيه غير في حضني، كنا بنتحرك ونرقص وسط ضحكاتنا الصافية اللي كانت بتملى أركان الاوضة وبنتكلم من غير ما ننطق، عيوننا كانت بتقول كل حاجة وكأن الزمن وقف بينا في اللحظة دي ومبقاش في الكون كله غيرنا وبس

الذكرى كانت حية أوي لدرجة إني حسيت بدفا جسمها في حضني دلوقتي حالا وحسيت بنعومة شعرها وهو بيلمس دقني، نفسي بدأ يضيق وحسيت بغصة رهيبة وقفت في حلقي ودموع ساخنة بدأت تتجمع في عيوني بعنف وتغطي الرؤية قدامي، الشارع بدأ يتهز في عيني ومبقتش شايف خطوط الأسفلت بوضوح من كتر الدموع اللي غلبتني، مكنتش قادر أكمل سواقة بالمنظر دة ف بحركة سريعة كسرت الدريكسيون ناحية اليمين، و وقفت بالعربية على جنب الشارع الفاضي تماماً تحت شجرة ضلمة

وشديت فرامل الإيد وقفت الموتور وسيبت نفسي تماماً للوجع اللي كان بياكل في قلبي من سنين ومبيخلصش، سندت إيد على الدريكسيون وحطيت راسي عليها والدموع نزلت بحور بصمت وقهر رهيب، كنت حزين بشكل ميتوصفش، حزن راجل فقد كل أسباب قوته وأمانه في الدنيا برحيل البنت الوحيدة اللي حبها، رفعت راسي وبصيت للكرسي الفاضي اللي جمبي، الكرسي اللي كانت دايماً بتقعد عليه وتملى العربية بحكاياتها وضحكها وحركاتها الطفولية، كأني شايف خيالها قاعد

قدامي بملامحها الطيبة وبدأت أتكلم بصوت مبحوح كأني بكلمها هي

* أنا مش قادر أنساكي يا مها، مش قادر، السنين بتعدي والأيام بتمر وكل ما بقول إني بدأت أقوى وأرجع لحياتي وشغلي بلاقي نفسي برجع لنفس النقطة، نقطة الوجع والكسرة اللي سيبتيهالي برحيلك، الدنيا بعدك بقت ضلمة وباردة أوي، والبالطو الأبيض واللقب والمستشفى وكل النجاح دة ملوش أي طعم ولا قيمة وأنتي مش معايا عشان تشاركيني فيه وتفرحي بيا، أنا تايه من غيرك وبكلمك كل ليلة وكأني مستنيكي تردي عليا وتقوليلي إني هبقى كويس، وحشتيني أوي يا نصي التاني، وحشتيني لدرجة مبقتش قادر أستحملها

فضلت قاعد في العربية وسط ضلمة الليل وسكون الشارع الفاضي، وصوت نفسي العالي والدموع اللي مغرقة وشي هما الحاجة الوحيدة اللي بتتحرك، كنت حاسس بعجز غريب، عجز الطبيب الجراح اللي بيقدر ينقذ قلوب الناس بعملياته ومشرطه، بس مش قادر يداوي جرح قلبه هو، فضلت باصص لأثر خيالها بلوعة وأسى ومستني الليل يعدي عشان أرجع ألبس وش الدكتور القوي الصارم من تاني قدام الناس وأخبي سيف الضعيف المكسور جوا عربيتي وضلمة ذكرياتي معاها

بعد ما ياسين نام قعدت على الكرسي وانا بفكر في حاجة مكنتش على بالي خالص، بكرة السبت، ودة أهم يوم في الأسبوع لصاحبة محل الملابس اللي بشتغل فيه، الست دي مبتعرفش الرحمة في الشغل، واليوم اللي بيضيع مننا بيبقى بخراب بيوت بالنسبالها، طلعت تليفوني الصغير من الشنطة وبصيت على الشاشة اللي كانت منورة بضوء ضعيف، لقيت الساعة دخلت في واحدة بعد نص الليل، بلعت ريقي بصعوبة واتترددت لثواني، يا ترى ينفع أكلمها في وقت زي دة؟

بس مكنش قدامي أي حل تاني، لو سيبت الصبح ييجي من غير ما أبلغها هتبقى مصيبة وهتطردني من المحل فوراً، ضغطت على اسمها واتصلت وحطيت التليفون على ودني وأنا بسمع صوت الرنات اللي كانت بتهز قلبي مع كل دقة، بعد رابع رنة جالي صوتها وهي بتقول ايوا يا ليلى، بتتصلي في وقت زي دة ليه؟ اتوترت شوية من نبرتها لكن قولت في الاخر

ـ مساء الخير يا مدام حسناء، أنا أسفة جداً إني بزعجك وبصحيكي في وقت متأخر كدة، بس أنا عندي ظروف ومحتاجة اجازة طويلة شوية، اصل ياسين أخويا الصغير، جاله ميكروب في قلبه وتعبان أوي، وإحنا في المستشفى من الصبح ودخلوه الرعاية وتحت الملاحظة الدقيقة، والدكتور بيقول مينفعش يتساب ثانية واحدة، أنا بترجاكي تخليني اخد اجازة اقعد جمبه أطمن عليه لحد ما يقوم بالسلامة

سكتت لثواني طويلة وأنا مستنية ردها اللي ممكن يرميني في الشارع، بعد فترة اتنهدت بضيق ونطقت بنبرة حازمة وجافة ومفيهاش أي عاطفة أسبوعين كنير، انتي عارفة إن ماليش غيرك في البيع والحسابات، معاكي يومين بس، ولو مجيتيش شوفيلك مكان تاني تشتغلي فيه، انتي عارفة الشغل، مع السلامة

قفلت الخط في وشي من غير ما تديني فرصة أتكلم، نزلت التليفون من على ودني ببطء وحسيت إن الدنيا اسودت في عيني أكتر وأكتر.،حطيت التليفون في الشنطة وقعدت مكاني وأنا محتارة وضايعة في دوامة رهيبة من التفكير اللي بياكل في نفوخي، قعدت أسأل نفسي بقهر وقلة حيلة ـ هعمل إيه يا ربي في الورطة دي؟ يومين بس؟ طب وباقي الأيام؟ هسيب ياسين لوحده إزاي وسط الأجهزة والمستشفى الغريبة دي؟

المعادلة كانت قاسية، قاسية أوي وبتدبح، يا إما أسيب أخويا العيان لوحده في مرضه وخوفه عشان أجيب القرش، يا إما أقعد جمبه وأتطرد وأجوع أنا وهو ونترمى في الشارع ومنلاقيش ناكل، الحمل كان تقيل على كتافي لدرجة حسيت إن ضهري بينقسم نصين، ودموعي نزلت بـ غزارة وانا شايفة الطريقين أوحش وأصعب من بعض، قومت من على الكرسي بخطوات مهدودة مش قادرة أشيل جسمي و وقفت قدام الشباك وانا ببص السما واقول

ـ يا رب، يا رب مليش غيرك، انت مطلع على حالي وعارف اللي بيا ومطلع على كسرتي وقلة حيلتي في الدنيا دي، لا ليا ضهر ولا سند ولا راجل يشيل عني وجعي في الدنيا دي، يا رب أنت اللي عالم بـ ياسين وأنت اللي حاطط حبه في قلبي، وعارف إني مقدرش أشوفه بيموت قدام عيني وأقف عاجزة مش عارفة أعمله إيه، يارب قويني وساعدني ويسسرلي اموري يارب، واشفيه وعافيه ورجعه لحضني بالسلامة، دة حتة مني واللي فاضلي بعد أبويا وأمي الله يرحمهم، يارب مليش غيرك

فضلت واقفة قدام الشباك لـ فترة طويلة، وعيني معلقة بـ السما والنجوم، ودموعي بتنزل وتمسح على وشي زي المية اللي بتطفي النار، ومع كل كلمة كنت بنطقها بدعاء ورجاء، كنت بحس بـ حاجة غريبة بتتسحب من صدري؛ الخنقة والضيقة الرهيبة اللي كانت كبسة على نَفَسي بدأت تتراجع ببطء وحل مكانها نوع من السكينة والطمأنينة الغريبة اللي نزلت على قلبي زي البلسم الدافي. حسيت إن ربنا سمعني، وإن السما الواسعة دي مش بعيدة عن الوجع اللي جوة الأوضة

الباردة دي. أخدت نَفَس طويل وعميق، لأول مرة من الصبح أحس إن الهوا بيدخل صدري بـ راحة، ومسحت دموعي بطرف كم عبايتي بثبات وحسم حزين، ولفيت وشي ورجعت تاني جمبه وأنا جوايا يقين كامل وبدون أي شك إن الأيام الجاية مهما كانت صعبة ومعقدة وفيها صدمات ربنا مش هيسيبنا لوحدنا وهيفتح لنا طريق للنجاة من

وسط العاصفة دي كلها لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...