الفصل 5 | من 26 فصل

الفصل الخامس

المشاهدات
12
كلمة
3,341
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

رواية صك السلالة الجزء الخامس 5 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة الخامسة

نور الصبح كان متسلل من ورا الشيش بتاع الصالة، وابتدت الشمس تطلع وتفرش خطوط صفراء باهتة على الأرضية، الشقة الهادية ماليها ريحة الشاي بلبن وصوت زقزقة العصافير اللي برا بيعلن عن بداية يوم جديد، على الترابيزة الخشب الصغيرة كان قاعد فارس بيفطر قبل ما يروح شغله، روتين كل يوم اللي مبيتغيرش من سنين، بس النهاردة .. كان في حاجة غريبة ومش معتادة، هزاره ونكشه كل يوم الصبح مع أمه مكنش موجود، سرحان وساكت من ساعة ما قعد جمبها

ومبيتكلمش، وحالته دي معرفش يداريها عن جليلة اللي كانت بتقلب كوباية الشاي بتاعتها وعينها المليانة مكنتش بتفارق وشه، بتراقب كل حركة بيعملها وكل لقمة بياخدها بنظرات فاحصة ومحملة بكلام كتير، مد إيده ببطء اخد لقمة وأكلها وهو باصص قدامه وعقله كله هناك في ممر المستشفى، بيفكر في ليلى اللي سابها بطولها جمب وفي طلبها في أنه ميشيلش همها تاني وازاي هيقدر ينفذه

لاحظت جليلة شروده ف حطت معلقت الشاي برفق على طرف الصينية وعدلت قعدتها، وهي بتبصله وبتقول يسعد صباحك يا قلب أمك، بالهنا والشفا على قلبك، مالك ساكت ليه؟ اخد نفس عميق وقال عادي يا أمي، لسة مفوقتش بس ممم، طب وهتروح شغلك النهاردة؟ إن شاء الله هتروح على طول ولا عندك مشوار قبله فهم مغزى كلامها ف محبش يلف ويدور عليها لأنه عارف إن الصدق أقصر طريق، رد عليها بهدوء وقال

هعدي على المستشفى الأول اطمن على ليلى وياسين وأشوفهم لو محتاجين أي حاجة أقضيها ليهم، وبعدها هطلع على طول على الشركة أشوف شغلي ملامح وشها اتبدلت في ثانية وحل مكانها ضيق حقيقي، ضمن ايديها لبعض وقالت بنبرة فيها عتاب تاني يا فارس؟ تاني هتروح هناك؟ هو إحنا يا حبيبي مش قعدنا واتكلمنا في الموضوع دة كله إمبارح بالليل قبل ما تدخل تنام؟ مش قولتلك كفاية مرمطة وجري ورا سراب و ورا واحدة مش شايفاك وقافلة بابها في وشك؟

ملامحه اتشدت وعروق جبهته ظهرت بوضوح من كتر الضغط النفسي اللي بتصر تحطه فيه كل ما سيرة ليلى تيجي، ساب الاكل وبصلها وقال أنا قولتلك إمبارح وبقولهالك تاني يا امي، الكلام في الموضوع دة ملوش أي لازمة، أنا مش رايح أفرض نفسي على حد ولا رايح أطلب جواز ولا أفتح سيرة قديمة، انا رايح بس عشان عم جميل عايز يزورهم وطلب مني اوديه، والمفروض انتي كمان اصلا تروحي تشوفيهم وتطلي عليهم، مش والدتها الله يرحمها برضو كانت صاحبتك

اضايقت من كلامه ف اتكلمت بحدة وقالت هو انت اللي هتعلمني الأصول ولا اية يا واد انت، عاملي فيها سبع الرجال وجدع الحارة والموضوع كله لله والأصول، طب لو كلامك دة حقيقي وعايزني أصدق قلبك الأبيض دة وأطمن إنك شيلت البنت دي من نفوخك تعالى بكرة بليل نروخ نخطب بنت خالتك، البت مؤدبة وست بيت وتصونك والأهم أنها شارياك مش بتستغل جدعنتك معاها وبس عينه وسعت بدهشة وبصلها بذهول على التوقيت الصعب اللي بتفتح فيه السيرة دي وقال

بنت خالتي؟ إيه اللي جاب السيرة دي دلوقتي؟ إحنا في إيه ولا في إيه؟ ضربت كف على كف وقالت وفيها إيه يعني لما أفتح السيرة دي؟ أنا أم وعايزة أفرح بيك وأشوفك في بيتك مع واحدة تقدرك وتشيلك في عنيها، يا ابني اسمعني، أنا عايزة مصلحتك، والجواز هو اللي هيخليك تلتفت لبيتك وشغلك وتنسى الجري ورا السراب دة

حس إن الكلام بيخنق صدره ومبقاش قادر يستحمل الضغط والنقاش اللي ملوش آخر معاها، قام وقف وقال بنبرة صوت حاسمة مفيهاش أي مجال للمجادلة أجلي الكلام في الموضوع دة لبعدين، لما ياسين يقوم بالسلامة والدنيا تروق ساعتها يبقا يحلها ألف حلال، انا ماشي عشان اتأخرت بصت للأكل اللي شبه لسة بحاله وقالتله قبل ما يخرج طب مش هتكمل؟

مسبش ليها فرصة تكمل ولا تبص في وشه تاني، عدل قميصه وأخد مفاتيحه وتليفونه من على الترابييزة واتحرك ناحية الباب وقال شبعت الحمد لله فتح باب الشقة وسابها قاعدة لوحدها وعينيها مليانة غيظ وضيق من عِنده ونشافة دماغه اللي بتزيد مع كل مواجهة، ورجعت الصالة لسكونها الصباحي المشحون بغضبها اللي مش هيهدى طول ما هو بياخد خطواته ناحية ليلى دايما

صدمة ذكريات إمبارح بالليل وصوت أغنية الأغنية اللي هربت منه كان لسة مأثر فيا، صحيت الصبح ومودي مش في أحسن حالاته، حاسس بتقل في جسمي وصداع رهيب، قومت من السرير بخطوات مهدودة، دخلت الحمام اخدت دش ساقع عشان افوق وخرجت جهزت على طول عشان متأخرش

نزلت السلم الداخلي بتاع الفيلا بخطوات هادية وسامع من بعيد صوت خبط المعالق، أول ما رجلي عتبت البهو الكبير ووصلت لعرفة السفرة لقيت الشمس منورة المكان بوضوح ومستنيني على السفرة أبويا وعمتي، كان قاعد في الواجهة كالعادة بهيبته و وقاره رغم التعب والسن، عمتي علية كانت قاعدة جمبه بملامحها الطيبة والحنينة اللي دايماً بتفكرني بأمي الله يرحمها اتقدمت ناحيتهم وحاولت أرسم ابتسامة هادية على وشي اداري وراها مزاجي المقفول وقولت

* صباح الخير رفع عينه من فوق النظارة وبصلي وقال صباح النور يا سيف، تعال اقعد يلا اما عمتي فـ وشها نور أول ما شافتني، عدلت الأطباق بلهفة تقربها مني وقالت يسعد صباحك يا قلب عمتك، يلا كل لقمة بقا تسندك، انا عملتلك النهاردة بأيدي الفطار اللي بتحبه سحبت الكرسي بالراحة وقعدت لثواني بس عيني جت على الأكل وحسيت إني مش قادر، نفسي مسدودة تماماً ومليش مزاج لكن هي ملهاش ذنب، ابتسمت وقولتلها

* تسلم ايدك يا عمتو، دة واضح اني هتدلع على الاخر الفترة دي كل اللي نفسك فيه يا عيوني هعملهولك، يلا بسم الله مديت إيدي أكل حاجة بسيطة قدامها عشان متزعلش، وبعد شوية اخدت فنجان القهوة وبدأت اشرب منه بهدوء، نزل بابا الجرنال وقفله وبصلي وقال هتتأخر النهاردة في المستشفى؟ * مش عارف بصراحة، عندي حالة كدة جديدة بتابعها طول الوقت ف مش عارف ممكن تجي امتى شال النضارة وحطها على الجرنال قدامه وبصلي بأهتمام وقال اية تفاصيلها

اخدت نفس طويل وميلت لقدام وبدأت أديه نبذة سريعة ومختصرة عن حالة ياسين

* طفل صغير اسمه عنده سبع سنين جاله ميكروب شرس وحاد، وللأسف الميكروب دة وصل لقلبه وعمل له التهاب حاد وعنيف في عضلة القلب، وأثر بشكل مباشر على كفاءة الصمامات، ولما وصل المستشفى إمبارح دخلته الرعاية فوراً وبدأنا معاه بروتوكول مضادات حيوية قوية جداً ومكثفة، حالته إمبارح بالليل بدأت تستجيب بنسبة صغيرة لكن مهمة والحمد لله، ف لازم أتابع نبضه وكفاءة قلبه بنفسي خطوة بخطوة طب ما تسلم حالته لحد تاني يتابع معاك

* ما انت عارفني يا بابا، مش بعرف تسيب حالة تبعي لحد هز راسه بتفهم كبير وإعجاب باين في ملامحه بارك الله فيك يا ابني وجعله في ميزان حسناتك، الطبيب الشاطر هو اللي بيشيل هم المريض بقلبه مش بمشرطه وبس ربنا يوفقك دايما يا حبيبي * ربنا يخليكم ليا ومتحرمش منكم ابدا

قومت وقفت وعدلت جاكيت البالطو اللي في إيدي، بوست أيديهم وحسين بحنان وحب ناحيتهم والتعب اللي جوايا هدي شوية وسط دفا عيلتي، ميلت على عمتو و وشوشتها بـ نبرة فيها رجاء و وصية * خلي بالك من بابا يا عمتو، ومتخليهوش ارجوكي ياكل سكريات خالص ابتسمت ودعتلي بصلاح الحال والتوفيق وقالت متقلقش، روح وانت مطمئن

طبطبت على كتفها ومشيت بخطواتي ناحية الباب الخارجي وأنا حاسس إن مودي بدأ يتعدل شوية وطاقتي كلها متوجهة للمستشفى وللمواجهة والمرضى اللي فيها ” مستشفى الحياه الاستثماري ”

جوا اوضة، ليلى كانت قاعدة في مكانها المعتاد جمب سرير ياسين، ملامحها كان باين عليها الإرهاق الشديد من قلة النوم وطول السهر، وفي نفس الوقت عينيها كانت مليانة ببريق أمل بعد ما سيف طمنها عليه، ياسين كان صاحي ولسة همدان لكنه فايق نسبياً عن الاول، سمعت خبط على الباب بتاع الأوضة وبعد ثواني اتفتح ودخل فارس، بس المفاجأة الكبيرة لليلى كانت في جميل اللي دخل وراه بخطى هادية وابتسامة حنينة مرسومة على وشه، اول ما شافته واقف قدامها قامت وقفت بسرعة وعفوية من على الكرسي واتجهت ناحيته وقالت

ـ عمو جميل؟ تعبت نفسك ليه بس، المشوار بعيد والمستشفى هنا في آخر الدنيا هز راسه بحنان أبوي وطبطب على راسها وبصلها بعيون مليانة دفا وحب وقال جرى إيه يا بنت الغالي؟ تعب إيه وشقا إيه اللي بتتكلمي عنه بس على الصبح؟ أنا معنديش في الدنيا دي كلها أغلى منك أنتي وياسين، أنتم ولاد الغالي، وريحة من ريحة الحبايب اللي راحوا ـ الله يرحمهم يارب

قرب فارس وقف جمبهم وبص لليلى بنظرة هادية ورجع بص ناحية ياسين لقته بيبتسمله رغم تعبه ف قرب منه و وقف جمب سريره ومد أيده يمسح على شعرها وهو بيضحك وبيقول ألف سلامة عليك يا بطل الحارة، يلا شدو حيلك بقا عشان تروح معانا ومنزل نلعب كورة انا وانت في الشارع هز راسه ليه من غير ما يتكلم وهو بيبصله، قرب منه جميل وقال حبيب جدك، بقا كدة تقلقنا عليك يا ولا ابتسمله هو كمان ومكنش عارف يتكلم من ماسك الأكسجين اللي على وشه

لف فارس ل ليلى وقال الدكتور مقالش حاجة تانية عن حالته؟ ـ الحمد لله يا فارس، مر علينا إمبارح بالليل وطمني وقال إن جسمه بدأ يستجيب للعلاج بنسبة صغيرة والصبح الممرضة جت وقاست الحرارة ولقتها نزلت شوية عن إمبارح طب الحمد لله رفع جميل عيونه للسما وقال الحمد لله، الشافي هو الله يا بنتي، خلي إيمانك بيه كبير، طول ما قلوبنا متعلقة بربنا المحنة دي هتعدي وهتبقى مجرد حكاية ونفتكرها ونضحك عليها

ـ يارب يا عمو يارب، اتفضل اقعد طيب متفضلش واقف عشان رجلك لاا لا انا هتكل على الله، الممرضة برا اصلا قالت دقيقتين عشان حالته، وفارس كمان عنده شغل. هجيلك تاني إن شاء الله، المهم انا خليت خالتك درية تعملك اكل وجيبته معايا هتلاقيه في الشنطة دي، كلي كدة واقوي عشان تعرفي تصلبي طولك معاه ـ ربنا يخليك ليا يا عمو يارب

فضل فارس باصصلي لكنه متكلمش، خد عمو جميل وخرجوا والهدوء رجع يلف الأوضة من تاني، بس المرة دي مكنش هدوء بارد ومخيف، دة كان هدوء مليان بريحة الأصول والجدعنة والدفا الإنساني اللي بيشفي القلوب قبل الأدوية والمحاليل

عدت أيام ورا أيام بريتمها التقيل وبدأت الحركة في المستشفى تاخد شكل روتيني في حياة ليلى، الأيام مكنتش سهلة تماماً بالنسبالها، رجعت الشغل وكانت بتسيب ياسين تحت رعاية الممرضة بتاعته تطل عليه من وقت للتاني عقبال ما ترجعله بالليل، وبقت الممرضة دي زي الأم البديلة في غيابها، تطمنه وتاخد بالها منه ومتسبهوش لوحده اغلب الوقت لحد ما ليلى ترجع بسرعة الصاروخ على المستشفى

اما فارس ف مكنش بيزورها كتير عشان ميضغطش عليها ودة كان مأثر فيه ومضايقه

أما سيف، فكان زي الجبل الواقف فوق الحالة بجدية تامة، كان بيمر على ياسين بشكل دوري يقرا تفاصيل التقارير الطبية بتااعته ويتابع أدق التغيرات اللي بتحصل في جسمه، و حالة ياسين الطبية كانت ماشية كويس ونسبة شفاؤه في تصاعد ومكنش محتاج تدخل جراحي، لكنه لسة مستمر وماشي بدقة على بروتوكول العلاج المكثف والمضادات الحيوية القوية اللي بتتحقن في وريده بـ انتظام، وليلى فرحانة بشفاؤه وبتدعي ربنا يكمل على خير ويرجع بحضنها من تاني سالم معافي

” بعد مرور أيام ”

رجعت من المحل جسمي مهدود من كتر الوقفة طول النهار ورجلي مش عارفه قادرة تشيلني، دخلت الأوضة بخطى بطيئة عشان مصحيش ياسين، لقيته نايم في سريره نَفَسه هادي ومستقر ولونه الطبيعي بدأ يرجع لوشه الشاحب شوية، قعدت على الكرسي اللي جمب السرير وضميت كف إيده الصغير وغمضت عيني وأنا بحمد ربنا إن اليوم عدا على خير من غير صدمات، وبعد شوية، الباب اتفتح ودخلت الممرضة اللي ربنا سخرها لينا من أول يوم عشان تطبطب على قلبي في غيابي، كانت شايلة في إيدها كوباية شاي دافية بيطلع منها الدخان، وأول ما شافتني دبلانة من التعب ابتسمت وقربت مني وقعدت على طرف السرير الفاضي وقالت

مساء الخير، جيبتلك كوباية الشاي دي تعدل مزاجك أخدت الكوباية منها وبصتلهت بأمتنان حقيقي وقولتلها ـ تسلم إيدك، ربنا ما يحرمني من طيبتك وأصلك يا رب.. أنا لولا وجودك جمبي مكنتش هعرف أقف على رجلي، أنتي شيلتي عني حمل كبير أوي طبطبت على ركبتي وقالت يا بنتي دة واجبي، و ياسين دخل قلبي من أول ما شوفته ـ ربنا يكرمك يارب

سكتننا شوية و افتكرت الموضوع اللي منغص عليا تفكيري من أول ما دخلنا المستشفى دي، بصتلها وانا مترددة في اللي هقوله، حطيت كوباية الشاي ونطقت بحيرة حقيقية كانت باينة في عيني

ـ بقولك اية، أنا في حاجة هتموتني من الحيرة والتفكير ومش قادرة أستوعبها خالص، دكتور سيف، انا مستغربة منه جداً ومن اللي بيعمله معانا، إحنا ناس غلابة وعلى قد حالنا، والمستشفى الاستثماري دي الحسابات فيها بـ الألوفات، واللي عرفته إمبارح بالليل من موظف الاستقبال إن دكتور سيف دفع كل تكاليف قعدة ياسين في الرعاية، وكمان بروتوكول المضادات الحيوية الغالية والمحاليل كلها نازلة على حسابه الخاص، أنا مش فاهمة هو بيعمل كدة ليه؟

دة أنا لما حاولت أكلمه وأقوله إني هسدد الفلوس صدني بـ برود وقالي مجيبش السيرة دي تاني، أنا خايفة ومستغربة أوي من كرمه دة أول ما سمعت كلامي ابتسمت بـ هدوء وكأن الكلام دة مش جديد عليها، عدلت قاعدتها وبصتلي وقالت دكتور سيف دة بني آدم من طينة تانية خالص، والجميل اللي عمله

معاكم دة مش غريب عليه ولا أول مرة يعملها. دكتور سيف أصلاً شريك في المستشفى الاستثماري دي، يعني هو واحد من أصحاب المكان والملّاك بتوعه، غير إنه رئيس قسم الرعاية هنا، وحالته المادية ما شاء الله ميسورة جداً، وعيلته ناس أكابر وأغنية ومعاهم خير كتير من زمان، بس هو مبيحبش المنظرة ولا الفشخرة، وتلاقيه دايماً لابس بسيط وبيتعامل كويس مع الكل سكتت لثواني وبعدين كملت وهي بتبص لـ ياسين بحنان

هو من يوم ما مراته الله يرحمها اتوفت من سنة، وهو قفل على نفسه تماماً وبقا عايش لشغله وبس، ومبقتش الدنيا تفرق معاه بقرش. ربنا مديله الرزق والمال فـ هو قرر يفتح باب خير مبيتقفلش، على طول بيعمل كدة مع الاطفال الغلابة اللي بيلاقيهم جايين في حالة حرجة وأهاليهم مش قادرين على مصاريف الاستثماري والرعاية، بياخد الحالة على حسابه الخاص من الألف للياء، ويتكفل بـ العلاج والإقامة من غير ما يخلي الحسابات تطالبهم بـ مليم واحد،

ومبيحبش حد يتكلم في الموضوع دة أو يشكره خالص، دكتور سيف دكتور ممتاز وضامير حي، ومفيش حالة بيمسكها بـ إيده إلا وربنا بيجعل شفائها على إيده بـ سبب الخير اللي بيعمله في السر، فـ اطمني ومستغربيش ولا تحسي بـ قهر أو إحراج، دة رزق وساقه ربنا لياسين الغلبان دة من واسع فضله عشان يقوم بـ السلامة

الكلام ملا صدري براحة غريبة وعجيبة، بصيت للارض وأنا مش مصدقة، يعني الراجل الصارم الجاد اللي بيبان عليه البرود في المعاملة جواه كل الحنية والخير دة؟ يعني هو شريك في المكان ومعاه ملايين، ومع ذلك واقف فوق راس أخويا من النجمة لـ الليل بـ منتهى الأمانة والتواضع كأنه شغال عندنا؟ رفعت عيني ابصلها وقولت

ـ الحمد لله .. سبحان مغير الأحوال ومسخر العباد. أنا فعلاً كنت شايلة هم الفلوس والحسابات وبقول هجيب منين كل الألوفات دي، ومكنتش أعرف إن دكتور سيف بالنقاء دة من جوة قامت وقفت وطبطبت على كتفي برفق وهي بتاخد كوباية الشاي الفاضية من إيدي وقالت بـ ابتسامة ارمي حمولك على الله وخلي إيمانك كبير، وياسين أهو في إيد أمينة بأمر الله، ناميلك ساعتين جمبه عشان تقدري تقومي الصبح لشغلك، تصبحي على خير ـ وأنتِ من أهله

رديت عليها وأنا بتابعها بعيني لحد ما خرجت وقفلت الباب وراها بالراحة، رجعت لسكوني بطولي في الأوضة، قومت وقفت ومشيت بخطوات بطيئة لحد ما وقفت قدام الشباك الإزاز الكبير الباصص على الجنينة الضلمة والسما الواسعة المليانة نجوم، رفعت راسي وبصيت للسما بوشي الدبلان وعيوني المغرقة دموع، بس المرة دي قلبي كان هادي وصدرى منشرح، رفعت كفوف إيدي بضرع وبدأت شفايفي تتحرك بدعا صافي وخارج من أعماق روحي

ـ يا رب.. لك الحمد والشكر حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أنت اللي حاسس بينا وعالم بـ حالنا، وسخرت لنا ولاد الحلال من حيث لا نحتسب، سخرت لي الممرضة الطيبة دي تشيل عني، وفارس الجدع يقف جمبنا، ودكتور سيف اللي دفع وعالج من غير ما يستنى شكر، اشفيلي ياسين يا رب، ورجعهولي ب السلامة، واجزي كل إيد اتمدت لينا بـ الخير واسترها معاهم زي ما ستروها على بنت غلبانة وبطولها.. ماليش غيرك يا رب.. ماليش غيرك.

لفيت وشي ورجعت تاني قعدت على الكرسي جمب سرير ياسين، وحطيت راسي على طرف السرير وأنا ضامة إيده، ولأول مرة من أيام، نمت وأنا جوايا سكينة وطمأنينة كاملة، ومطمنة إن الأيام الصعبة بدأت تعدي وتنقشع بـ أمر ربنا ” ڤيلا سيف عز الدين ”

فتحت الباب الخارجي بـ الراحة والمفتاح في إيدي بيعمل صوت تكتكة خفيفة كسر سكون الليل اللي كان مغطي المكان كله، كانت الساعة دخلت في واحدة بعد نص الليل،جسمي كله كان مهدود وعقلي قاطع النَفَس من كتر التفكير والمتابعة ورا الحالات في المستشفى، قلعت الجاكيت بتاعي وسندته على إيدي ودخلت وأنا مستني ألاقي الضلمة والهدوء زي كل يوم في الوقت دة، بس اتفاجئت بخيط نور دافي قايد وطالع من غُرفة المكتب الصغيرة اللي بتطل على الجنينة، خطيت خطواتي الهادية والرزينة ناحية الأوضة بـ استغراب حقيقي، مين اللي صاحي لحد دلوقتي؟

أول ما وصلت عند الباب شوفت أبويا، كان قاعد على الكرسي بتاعه ساند ضهره وباصص قدامه بـ شرود تام والكتاب اللي كان بيقراه مقفول ومحطوط على الترابيزة الخشب اللي جمبه، منظر نظارته الطبية وهي محطوطة فوق الكتاب كان بيوحي بإنه مستني بقاله فترة طويلة، دخلت الأوضة ببطء وقولت * بابا؟ أنت لسة صاحي لحد دلوقتي؟

رفع راسه ببطء أول ما سمع صوتي وبصلي بـ نظراته الحكيمة الدافية اللي مليانة هيبة ووقار السنين، وعدل قعدته على الكرسي وأشار لي بـ إيده على الكرسي الفاضي اللي قدامه مباشرة وقال تعالى يا سيف، تعالى اقعد يا بني، أنا مستنيك من بدري مخصوص لأنك واحشني، ولأن في كلمتين كدة شاغلين بالي وقولت لازم نقعد ونحكيهم مع بعض سحبت الكرسي وقعدت قدامه بصمت وحسيت بانقباضة خفيفة في صدري، النبرة دي أنا حفظتها وعارف بـ التحديد هي وراها إيه

* خير يا بابا أخد نَفَس طويل وعميق وبص في عيني بنظرة مليانة حنان أبوي صافي لحد إمتى يا سيف؟ لحد إمتى هيفضل حالك كدة يا ابني؟

عدت سنين طويلة وأنت قافل على نفسك بالقفل والمفتاح عايش زي الآلة بين جدران الفيلا دي وبين غرف الرعاية والمستشفيات، انا عاوز أكلمك في حوار الجواز يا بني، كفاية حزن لحد كدة وكفاية وقف حال وعمر بيضيع وسط الذكريات والوجع، أنت راجل في عز شبابك ومستقبلك قدامك، لازم تتجوز وتعمل عيلة وبيت وزوجة وأشوفلك أطفال يملوا علينا المكان دة ويفرحوا قلبي قبل ما اموت

اول ما كلمة الجواز طلعت من بوقه حسيت بضيقة رهيبة وملامح وشي اتشدت بـ عنف، حاولت أتحكم في أعصابي احتراماً ليه وقاطعت كلامه بنبرة حادة ورافضة تماماً * تاني يا بابا؟ تاني بتفتح السيرة دي وتتكلم في نفس الموضوع اللي قفلناه سوا مية مرة قبل كدة؟ أنا قولت لك بوضوح وبميت طريقة إني مش عاوز، ومبقتش قادر على الجدال دة، كفاية كلام في الموضوع دة الله يخليك وماتضغطش عليا أكتر من كدة

مهزهوش غضبي وفضل محافظ على هدوءه الحكيم، بس نبرته بقى فيها حزن وأسى حقيقي وهو بيكمل كلامه ويضغط على الجرح

يا سيف يا بني افهمني، أنا مش بضغط عليك عشان أضايقك، أنا أبوك وعايز مصلحتك قبل أي حاجة في الدنيا، انا مش هعيش لك العمر كله، يا بني السنين بتجري وإحنا خلاص رجلينا والقبر، وبكرة لما أمشي وأموت وعمتك تروح لربها، هتلاقي نفسك بطولك في الدنيا دي، البيت الكبير دة هيبقى فاضي وضلمة عليك، والوحدة تكسر الضهر وتموت يا بني، العيلة هي السند، والأطفال هما اللي بيكملوا اسمك ويشيلوا عنك لما تكبر، ارحم شيبتي وفكر في كلامي بعقل، الحزن على اللي راح

مبيأكلش عيش ومبرجعش اللي مات قومت وقفت بطولي فجأة من كتر الزهق والعصبية اللي خنقتني وزقيت الكرسي ورايا بعنف، كنت متضايق جداً وروحي كانت بتغلي من جوة لأن كلامه بيفتح في قلبي طاقة من الذكريات اللي بحاول أهرب منها طول النهار في شُغلي، بصيت لـ أبويا بـ عيون مليانة زعل ودموع محبوسة وقولت

* مش هقدر يا بابا، مش هقدر ومينفعش تطلب مني الطلب دة، انت بتطلب مني إني أروح أدخل واحدة غريبة بيتي وأعيش معاها وأمثل عليها الحب وأنا قلبي مات واندفن تحت التراب من يوم ما مها مشيت؟

أنا مش هقدر أخون مها ولا هقدر أنساها ثانية واحدة في حياتي، مكنتش مجرد زوجة، دي كانت روحي وحياتي ودنيتي كلها، والوفاء ليها هو الحاجة الوحيدة اللي متبقيالي في الدنيا دي وبتخليني أحس إني لسة بني آدم، أنا لو اتجوزت غيرها هبقى بظلم نفسي وبظلم الست اللي هتدخل حياتي معايا، لأني هبقى عايش معاها بجسمي بس، لكن عقلي وقلبي وروحي كلهم هناك مع معاها، سيبني في حالي يا بابا، سيبني أعيش لـ شغلي ولرسالتي، دة الملاذ الوحيد اللي بيريحني، الجواز دة حوار انتهى بالنسبالي ومستحيل يرجع تاني

بصلي بـ نظرة طويلة كلها حزن وأسى على حالي ونشافة دماغي وعندي اللي مبيخلصش وحرك راسه بقلة حيلة وهو شايفني متقفل تماماً ومش مدي له أي فرصة يكمل كلامه أو يقنعني بوجهة نظره، مديتهوش فرصة ينطق ولا كلمة تانية ولفيت وشي بـ سرعة وأخدت الجاكيت بتاعي في إيدي واتحركت بخطوات سريعة جداً خارج الأوضة وسيبته قاعد على الكرسي وسط ضوء المكتب الخافت، طلعت السلم الداخلي للفيلا بسرعة وكأني بهرب من الكلام ومن نفسي ودخلت أوضتي وقفلت الباب

ورايا بـ حسم وقوة، سندت ضهري على الباب وأنا بنهج بعنف ورميت الجاكيت على السرير، فكيت زرار القميص الفوقاني بخنقة وقعدت على طرف السرير وحطيت راسي بين كفوف إيدي وأنا حاسس إن جدران الأوضة بتطبق على صدري، الضلمة حواليا رجعت تفتح الدفاتر القديمة وصورة مها وملامحها وصوت ضحكتها مفارقوش خيالي، حسيت بكسرة وضيق رهيب وعرفت إن الليل دة هيكون طويل وتقيل زي كل ليلة، وإن الوجع اللي جوة قلبي لسة حي ومابيموتش، ومهما الدنيا ضغطت عليا،

مستحيل هقدر أخد خطوة واحدة لقدام بعيد عن ذكراها

لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...