رواية صك السلالة الجزء السادس 6 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة السادسة ” صباحاً ـ غرفة سيف ”
صحيت الصبح والتقل اللي في صدري من ليلة إمبارح كان لسة موجود، قومت قعدت على السرير وانا بفرك راسي من الصداع، مش قادر اروح المستشفى ولا عايز اشوف حد، لكن في نفس الوقت مش هقدر اقعد قصاد بابا بعد اللي حصل بالليل، اتنهدت بتعب وقومت اخد دش يفوقني شوية وأجهز بالمرة عشان انزل المستشفى، وبعد دقايق بالظبط، نزلت السلم الداخلي للفيلا وأنا مستعد نفسياً للمواجهة الصامتة بعد كلامنا بالليل، اتجهت لغرفة السفرة كالعادة بس اتفاجئت إن
الكراسي فاضية، استغربت وقلقت في نفس الوقت لا يكون بابا تهب ولا حاجة، لفيت بأتجاهي لأوضته وكنت لسة هروحله لكن لمحته من من الازاز قاعد في الجنينة هو وعمتو، طلعت تنهيدة اثر الراحة اللي سكنت قلبي واتجهت ليهم على طول، اول ما عمتو شافتني ابتسمت، لكن بابا لفت وشه بعيد عني، قربت منهم وحاولت أخلي نبرة صوتي طبيعية وقولت
* صباح الخير ردت عمتو وقالت صباح النور يا حبيبي لكن أبويا مردش خالص، فضل باصص الجنينة بجمود وملامحه كانت شايلة زعل حقيقي، قربت منه بالكرسي وانحنيت بجسمي شوية وقولت بصوت حنين ومليان أسف * حقك عليا يا بابا، أنا أسف لو أسلوبي إمبارح ضايقك أو صوتي علي، أنت عارف غلاوتك عندي ومقدرش على زعلك .. متزعلش مني
مردش عليا وفضل مكمل في صمته اللي دبحني أكتر من كلام امبارح، وبمنتهى الهدوء مد إيده وحرك عجل كرسيه ببطء ولف ضهره ومشي ناحية ممر أوضته من غير ما ينطق بحرف واحد، اتنهدت بحزن وبصيت لعمتي اللي قربت مني وعينيها كانت مليانة لوم وعتاب وسألتني بحيرة إيه اللي حصل بينكم إمبارح بالليل؟ أبوك من ساعة ما صحي وهو على الحال دة ومش عايز يكلم حد
أخدت نفس وابتديت احكيلها بنبرة عن فتح سيرة الجواز وعصبيتي ورفضي، هزت راسها بحزن وطبطبت على كتفي وقالت يا حبيبي أبوك عاوز يطمن عليك، هو معاه حق في كل كلمة قالها، كفاية حزن لحد كدة يا سيف، العمر بيجري وهو نفسه يشوف عيالك ويفرح بحتة منك تشيل اسمك، دة أمله الوحيد اللي عايش عليه
كلامها رجع فتح الوجع في قلبي من تاني، حسيت بالعجز والخنقة و مكنتش قادر أتناقش أو أسمع لوم زيادة وأنا روحي مهدودة، طبطبت على ايديها وقولت وانا بهرب من الكلام * عن إذنك يا عمتي سيبتها مكانها واتحركت بخطوات سريعة ومجهدة ناحية الباب الخارجي، وخرجت من الفيلا وأنا بهرب للمستشفى وشايل هموم قد الجبال على كتافي مش عارف امتى هتخلص منها ” مستشفى الحياه الاستثماراي، مكتب سيف ”
لأول مرة أتأخر في المستشفى بالشكل دة، مكنتش عايز ارجع، مش قادر اشوفه وهو مش عايز يتعامل معايا وبيتجنبني، وفي نفس الوقت مش قادر افتح نقاش تاني في موضوع الجواز، هما ليه مش عايزين يفهموا اني مش هقدر اعمل كدة؟ ليه مصممين يدخلوا حياتي واحدة تانية بعدها، مش عايز ومش هقدر، انا وعدتها، وعمري ما خليت بوعد ليها وهي عايشة، اجي دلوقتي واعمل كدة؟ طب ازاي
كنت ماسك في أيدي فايل حالة لكن مش مركز في ولا كلمة من اللي مكتوبة، رغم أنها حالة حرجة معقدة ومحتاجة تركيز تام، غمضت عيني شوية وبعدين رجعت تبص فيه وانا بحاول اركز، لكن تليفوني المحطوط على المكتب اتهز وحالي اتصال، بصيت على الشاشة لقيتها عمتي، خمنت انها هتسأل عن تأخيري لكن بمجرد ما فتحت الخط وجالي صوتها الباكي وهي بتقول الحقني يا سيف .. أبوك تعب أوي يا بني، تعالى بسرعة
حسيت برعب وخوف رهيب، سيبت القلم والورق من إيدي بأندفاع وخرجت بجري من المكتب، ركبت عربيتي وسوقت بأقصى سرعة وعقلي مبقاش فيه غير صورة أبويا وخوف رهيب من إني أفقد السند الأخير ليا في الدنيا، وفي خلال دقايق حرفياً وصلت الفيلا، نزلت من العربية بجنون وفتحت الباب وجريت على اوضته اللي تحت، دخلت وانا بنهج لقيت عمتي قاعدة على الكرسي والممرضة واقفة جمب السرير بتقيسله الضغط، اتقدمت بخطوات مرعوبة وقعدت جمبه على طرف السرير ومسكت إيده وبصيت لملامحه الدبلانة بقلق مالي عيني، التفت للممرضة وسألتها بحدة
* إيه اللي حصل بالظبط؟ الضغط كام والنبض إيه؟ عمتي قربت مني وطبطبت على ضهري بحنان وهي بتحاول تطمني وقالت اهدى يا سيف يا حبيبي، السكر علي عليه فجأة و وصل لأرقام تخوف، بس الممرضة لحقت تديه الإنسولين والمحاليل، ودلوقتي أهو السكر اتظبط وبقا زي الفل اخدت نفس طويل بحاول أهدي دقات قلبي اللي كانت زي الطبول، رجعت ابصله وميلت عليه وانا بقوله بعتاب حنين وخوف باين في نبرة صوتي * أنت مخدتش الدوا النهاردة في ميعاده ولا إيه يا بابا؟
إزاي تهمل في صحتك كدة؟ لكن كالعادة وبنفس العند والصمت اللي دبحني الصبح مردش ولا بص في عيني، عمتي لاحظت الأجواء والتوتر اللي مالي الأوضة فسحبتني بالراحة من إيدي وقالت بوشوشة تعالى نطلع برا الأوضة وسيبه يرتاح شوية دلوقتي بصتلها بتردد ف سحبتني من ايدي وخرجنا برا، اول ما بعدنا عن الأوضة لفت وبصتلي بنظرة حزينة وقالت اللي حصل دة كله بسبب زعل الصبح، أبوك من ساعتها وهو حابس نفسه وزعلان ومكنش عايز يكلم حد فينا ولا يلمس الأكل
سندت راسي على الحيطة بقلة حيلة وحزن تام، عيني دمعت وانا بقول * والله العظيم غصب عني يا عمتي، مش بأيدي، مش قادر أفتح قلبي لواحدة تانية غيرها، أنا عايش على ذكراها ومقدرش أظلم بني آدمة تانية معايا مسكت كفوف إيدي بحنان وبصت في عيني برجاء وقالت يا ابني جرب، حاول عشان خاطر أبوك اللي بيموت من قلقه عليك، خد خطوة واحدة بس وطمن قلبه، متبقاش قاسي على نفسك وعليه * يعني يا اما اتجوز تااني يا إما ابقى قاسي عليه؟
وانتوا كدة مش بتظلموني؟ قربت حطت ايديها على كتفي وقالت طب بص، بلاش تتجوز على طول، افتح بس قلبك، بلاش تقفله بالضبة والمفتاح بصت لها وعيوني مليانة دموع وقولت بضعف * واتوجع تاني؟ افتح قلبي واحب واتجوز والاقي الموت بياخدها مني تاني؟ طب ليه وع القلب من الأول يا عمتو يا حبيبي كله بأيد ربنا * ونعم بالله، بس انا كان ممكن أنقذها ومعملتش كدة
متقولش كدة، اللي حصل لمها نصيبها وعمرها وانت مش بأيدك حاجة، أمر الله نفذ ولو كنت وديتها اكبر مستشفى مكنش هيتغير حاجة برضو، استهدى بالله يا حبيبي بس * لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله حقك عليا، مش هفتح معاك السيرة دي تاني * وابويا؟ هيفضل كدة؟ والله ما عارفة يا ابني، اديك شوفت حالته عاملة ازاي بصتلها وسكت، مقدرتش أنطق بحرف واحد، حاسس جوايا بصراع رهيب بين وفائي لمها .. و وجع أبويا وتعبه اللي بسببي
” احدى محلات الملابس ” المحل كان زحمة كالعادة والناس في كل مكان، اللي بتختار واللي بتحاسب واللي بتتخانق في البروڤا، دوشة رهيبة بتخليني ارجع كل يوم مش قادرة تماماً، الشيفت بتاعي كان خلاص بيخلص ف بدأت اجمع الفلوس اللي في الدرج عشان أسلمها لنورا اللي هتستلم مني الوردية ـ يلا يا نورا جمعتيهم؟ ـ اة خدي اهم
قعدت وبدأت تعد الفلوس وتراجع الفواتير بورقة وقلم وأنا خرجت برا اكلم الممرضة اطمن على ياسين وبعدين رجعت اخدت شنطتي من جمبها وفضلت واقفة على نار مستنياها تخلص عشان امشي والحق ارجعله، لكن فجأة لقيتها برقت عينها وقالت بصوت عالي ايه دة يا ليلى؟ الفلوس فيها عجز كبير، ناقص تلاتة آلاف جنيه أتخضيت وقولت برعب ـ عجز إيه؟ مستحيل، عيدي العد تاني
في اللحظة دي، كانت الست حسناء صاحبة المحل واقفة وسامعة اللي بيتقال، قربت ناحيتنا وقالت في اية؟ في عجز يا مدام حسناء تلت آلاف جنيه بحالهم نعم؟ اية الكلام دة يا ليلى ـ والله حضرتك انا لسة عداهم مفيش عجز ولا حاجة اصلا يعني انا كدابة نورا، هاتي الفلوس دي اتفضلي اخدتهم منها وابتدت تعدهم وهي بتبص في الاكسل اللي متسجل فيه كل حاجة، رجعت بصتلي بحدة وقالت فين الفلوس ـ والله العظيم الفلوس مظبوطة
يعني احنا الاتنين ظالمينك وكدابين؟ أنتي سرقتي الفلوس عشان تلمي مصاريف مستشفى اخوكي مش كدة، طلعتي بتمدي إيدك على شقايا اتصدمت ودموعي نزلت بغزارة وانا بقول ـ والله العظيم ما عملت كدة يا ست حسناء، والله ما مديت إيدي على اي حاجة، حرام تظلميني لكنها مصدقتش، قربت مني وبحركة عنيفة شدت الشنطة من على كتفي بالعافية وقلبتها بقسوة على الارض، و وسط ذهولي وصدمتي وقعت رزمة فلوس منها، الفلوس كانت موجودة فعلاً في شنطتي، مسكتهم وقالت
وأهي الفلوس ظهرت يا حرامية فضلت ساكتة وبصالهم في ايديها وانا مش مصدقة أنهم كانوا في شنطتي ولا مستوعبة دخلوا جواها ازاي، لفت وشها وزعقت لواحدة من البنات وقالت اتصلي بالشرطة حالا عيطت اكتر وصرخت وانا بترجاها ـ بترجاكي بلاش الشرطة، والله العظيم ما أعرف الفلوس دي جت إزاي، أنا سيبيني اروح لأخويا الله يخليكي، هو لوحده في الرعاية وملوش حد غيري اخرسي يا حيوانة، والله لأحبسك
سحبتني وزقتني على اقرب كرسي وفضلت واقفة محاوطاني عشان ممشيش، فضلت اترجاها كتير ودموعي على خدي لكنها مسمعتنيش، الشرطة جت وأخدوني بالقوة وسط الناس اللي بتتفرج والكلابشات في إيدي، ركبوني البوكس وأنا مرعوبة وكل اللي في بالي هو ياسين وصلنا القسم ودخلوني أوضة صغيرة، لكن قبل ما تتقفل قربت من العسكري بدموع مغرقة وشي وقولت ـ ارجوكي سيبني أعمل تليفون واحد بس
اداني شنطتي وفضل واقف، مسكت التليفون بأيد بترتجف واول حد جه في بالي هو عمو جميل، ضغطت على رقمه واستنيته يرد لكن الصدمة إن الخط كان مقفول، جربت تاني وتالت لكن مفيش فايدة، قفلت برعب وحسيت إن الأرض بتتهز من تحتي، مبقتش عارفة أعمل إيه ولا أتصل بمين يلحقني، كان لسة العسكري هياخد مني التليفون لكن افتكرت اني سجلت رقم دكتور سيف من على الكارت لأي ظرف طارئ، مفكرتش كتير و كتبت الأرقام بسرعة وحطيت التليفون على ودني وأنا بسمع صوت الرنات وقلبي بيدق بخوف مع كل رنة بتنتهي، أول ما جالي صوته من الناحية التانية وهو بيقول
* ابو .. مين معايا؟ مقدرتش امسك دموعي واتكلمت وانا بعيط ـ ارجوك الحقني
كنت سايق عربيتي بسرعة وسط شوارع القاهرة في الوقت المتأخر دة من الليل، كان لسة بيتردد صوتها المنهار في وداني وهي بتقولي أنهم خدوها على القسم وبتستنجد بيا، ساعتها اتجمدت في مكاني ومكنتش فاهم حاجة خالص، حاولت أهديها عشان افهم هي في قسم اية بالظبط واروحلها، لحد ما قدرت تقولي اسم القسم اللي هي محبوسة فيه، طمنتها وسحبت مفاتيح عربيتي والتفت لـ عمتي اللي كانت واقفة مخضوضة من منظري وقولت
* خلي بالك من بابا يا عمتي، أنا ورايا حالة مستعجلة في المستشفى ولازم أنزل حالا
خرجت ركبت عربيتي و مسافة السكة كنت وصلت قدام القسم، ركنت العربية ونزلت ودخلت من الباب وبدأت عيني تدور عليها في كل ركن وسط العساكر والمخبرين، لمحتها قاعدة على دكة خشب في قلب زنزانة صغيرة منكمشة على نفسها وجسمها كله بيتهز بعنف من كتر العياط، منظرها بالكسرة دي صعب عليا بشكل رهيب، البنت دي طول الأيام اللي فاتت في المستشفى كانت زي الجبل في كبريائها ودلوقتي مكسورة بالطريقة دي وسط مكان مليان بالبلطجية والمجرمين، اتجهت ناحيتها بخطوات سريعة لحد ما وقفت قدامها، حطيت ايدي على قضبان الزنزانة وقولت
* ليلى اول ما سمعت صوتي انتبهت ليا بسرعة ورفعت راسها بلهفة، عينيها كانت حمراء ومتغرقة دموع و وشها دبلان وشاحب من كتر الرعب، قربت مني بسرعة وقالت بشهقات متقطعة ـ دكتور سيف، ارجوك خرجني ، والله العظيم ظلموني .. أنا مسرقتش حاجة والله العظيم هزيت راسي بهدوء وقولتها * أنا مصدقك من غير ما تحلفي، قوليلي بالراحة إيه اللي حصل بالظبط؟
بدأت تحكيلي بصوت مرعوب عن العجز اللي ظهر في المحل وإزاي الست صاحبة المكان اتهمتها بالسرقة وشدت شنطتها بالعافية ولقت الفولوس جواها، استنتجت إن في حد رتب ليها الحوار دة عشان يضيعها، مكنتش واخدة بالها من كدة، وكل كلامها كان بينتهي بخوفها على ياسين لوحده في المستشفى، سمعتها باهتمام وجدية كاملة وطمنتها وقولت * هي دي صاحبة المحل؟
بصيت ناحية واحدة قاعدة وجمبها بنت لابسة تيشيرت عليه اللوجو بتااع المحل، هزتلي راسها وهي لسة بترتجف وبتمسح دموعها ف قولت * كاميرات المحل شغالة ولا متعرفيش لا مش شغالة من بدري اتنهدت وبعدين قولتلها * كل دة هيتحل حالا .. متخافيش لفيت وشي واتقدمت بخطواتي لحد ما وقفت قدام الست صاحبة المحل مباشرة، بصتلها ببرود وقولت تاخدي كام وتتنازلي عن المحضر عيونها لمعت لكنها اتكلمت برفض مصطنع وقالت فلوس اية يا باشا، انا المجنى عليها
* مش عايز كلام كتير، الجو دة مياكلش معايا، هتاخدي فلوس وتتنازلي ولا لا جرى إيه يا بيه؟ الفلوس لقتها في شنطتها بعيني دي، والمحضر خلاص اتعمل والشرطة هتاخد مجراها معاها مديتهاش فرصة تكمل كلامها، مديت إيدي في جيب الجاكيت وطلعت رزمة فلوس محترمة، وقولت * دة تمن العجز اللي بتتكلمي عنه، وفوقيه حلاوة ومراضية لخاطرك كمان بصتلهم وهما في أيدي بجشع ورجعت بصتلي وقالت موافقة، عشان بس قلبي طيب ابتسمت بسخرية وقولت
* لا مهو واضح، قومي اتنازلي حالا حاضر، ومالو اتجهت ناحية. الظابط اللي قاعد وقالتله انها عايزة تتنازل، استغرب وبصلها وبص لأيدي لكني كنت داريت الفلوس في الچاكيت، أكد عليها على التنازل ف هزتله راسها بالموافقة، تابعتها وهي يتوقع عليه والمحضر اتقفل بشكل رسمي وخرجوا ليلى من الزنزانة وحتى وقفت جمبي، قربت صاحبة المحل مني ومدت ايديها وهي بتقول الفلوس حطيتهم في كفها
ف اخدتهم تعدهم بلهفة، شاورت لليلى اللي كانت في قمة انهيارها النفسي وجسمها كله بيرتعش ودموعها مش راضية تقف انها تمشي قدامي، وخرجنا من باب القسم وسط ضلمة الليل، ركبتها العربية بهدوء وسوقت وأنا باصص للطريق بصمت وسايبلها مساحة يمكن تهدى شوية من اللي مرت بيه
كنت قاعدة في العربية جمب دكتور سيف وجسمي كله بيتنفض برعب مش قادرة أسيطر عليه، دموعي نازلة بشلالات مغرقة وشي وصوت شهقاتي المكتومة كان مالي صمت العربية، كل اللي كان في دماغي اني ارجع المستشفى وبس، مسحت دموعي وبصتله وقولت ـ أرجوك يا دكتور وديني لياسين حالا، أنا سيبته كتير وزمانه خايف كان سايق بهدوء لكن ملامحه الصارمة كان باين عليها الاهتمام والضيق من اللي حصل، لف وشه ناحيتي وقال
* اهدي من فضلك، إحنا رايحينله اهو، بس مينفعش خالص تدخلي عليه وأنتي في الحالة دي، اهدي عشان خاطره هو كلامه نزل على عقلي المشتت بمنطقية خلتني أسكت بالعافية، بس نفسي كان لسة عالي ومش منتظم بسبب الرعب اللي جوايا، بعد شوية اتفاجأت بيه بيقف بالعربية قدام كافيه على الطريق، التفت ليا وقال * تعالي ندخل ادخلي التويلت اغسلي وشك بمية ساقعة وفوقي كدة وخدي، ولما تهدي خالص نروح لياسين سوا
هزت راسي ونزلت وراه وأنا رجلي بتترعش، دخلت التويلت بخطوات مهدودة و وقفت قدام المرايا وبصيت لوشي الشاحب وعيوني المنفوخة من كتر العياط، ازاي كنت هرجع بالمنظر دة فعلا؟
فتحت الحنفية وفضلت اغسل وشي كذا مرة وأخدت نفس طويل بحاول أجمع فيه شتات نفسي وأهدى، مسحت وشي بالمناديل وخرجت للصالة برا بخطى بطيئة، أول ما طلعت لقيته قاعد في ركن هادي جمب الشباك الإزاز الكبير، أول ما شافني شاورلي بأيده عشان أقعد قدامه، قربت ناحيته وقعدت على الكرسي بخجل وكسرة نفس من اللي حصل، بعد ثواني جيه الويتر بكوباية ليمون فريش ساقع عشان يهديني وحط قدامه فنجان قهوة، رفعت عيني وبصتله بمنتهى الاحراج والامتنان والتقدير الحقيقي وقولت بصوت مبحوح وخافت من كتر العياط
ـ أنا مش عارفة أقولك إيه يا دكتور، شكراً ليك بجد إنك جيتلي ومسيبتنيش بطولي، وأنا بجد أسفة جداً وتعبتك معايا وطلبتك في وقت متأخر من الليل، بس والله العظيم أنا ملقتش غيرك ينقذني، والفلوس والله هرجعهالك، انت ملكش ذنب تدفعها عدل قعدته وبص في عيني وقال * متقوليش كدة أنا معملتش حاجة، دة واجبي، واي بني آدم مكاني كان هيعمل كدة ـ طب انت ليه دفعتلها فلوس
* الحكاية واضحة اوي من اللي قولتيه، حد حط الفلوس في شنطتك، ومفيش كاميرات ولا فلوس، ف مكنتش هتخلص غير بكدة هزيت راسي بموافقة لكلامه وسكت، مد إيده يمسك فنجان القهوة وسألني * قوليلي بقا.. هديتي ولا لسة مرعوبة هزيت راسي وأنا ببتسم بكسرة وأخدت رشفة صغيرة من اللمون عشان أبل ريقي الناشف وقولت ـ الحمد لله وفي اللحظة دي، ساد بيننا صمت غريب وتوتر خفيف ملى الجو، حط فنجان القهوة بالراحة وبصلي وقال بفضول
* هو أنا ممكن اسألك سؤال، متزعليش مني، فين أهلك انتي وياسين؟ لحد دلوقتي ملقتش حد جمبه غيرك انتي والشاب التاني، وإزاي وقفتك في القسم والمستشفى الصعبة دي ومفيش حد من عيلتكم أو قرايبكم معاكم خالص بالشكل دة؟ سؤاله رجع فتح في قلبي طاقة الحزن والوحدة الفاردة جناحها علينا من سنين، بصيت قدامي بحزن وحاولت امسك دموعي بحكيله وبقول
ـ احنا ملناش حد خالص، بابا وماما اتوفوا هما الاتنين ورا بعض وسابولي ياسين، فجأة لقيت نفسي مسؤولة عنه وضهره في الدنيا دي، وإحنا مالناش أي حد من عيلتنا أو قرايبنا هنا في القاهرة خالص، عيلة بابا وماما كلهم في بلدهم، وكل واحد هناك مشغول في دنيته وفي حياته ومصالحه، فارس وعم جميل جيرانا في الحارة، هما اللي واقفين معانا بالأصول والجدعنة دي، ولولاهم كنت ضعت أنا وياسين من زمان
سمع كلامي وفضل ساكت، ملامحه الصارمة مجاش عليها أي تعبير، بس نظرة عينه كان فيها عمق وأسى وكأنه سافر بعقله لحتة تانية خالص وجعته، طال سكوته بشكل غريب وخوفت يكون كلامي ضايقه فـ مسحت عيني وقولت بـ رجاء ـ دكتور سيف، أرجوك إحنا لازم نمشي حالا عشان ألحق أروح لـ ياسين .. أنا مش قادرة أقعد هنا أكتر من كدة
هز راسه بموافقة ورفع إيده وطلب الحساب من الويتر بهيبة، دفع الحساب وقام وقف بطوله العريض لبس جاكيته واتحركت وراه وركبنا العربية وساق لحد ما وصلنا قدام البوابة الرئيسية للمستشفى، أول ما نزلت من العربية شكرته واتحركت بخطوات مجهدة وسريعة جداً ناحية الأسانسير وطلعت فوق لـ غُرفة الرعاية المركزة عشان أضم إيد ياسين وأقعد جمبه، وأسيب ورايا ليلة كاملة من التعب والوجع ” غرفة الرعاية ـ صباحاً ”
فتحت عيني ببطئ وانا حاسة بالوجع لسة في ضلوعي من قساوة الليلة اللي عشتها، كان ضوء الصبح بدأ يتسلل من ورا الستاير بتاعة الاوضة ويرسم خيوط دهبية هادية على الأرض، مكنتش نمت غير ساعتين بالعدد، فضلت قاعدة طول الليل على الكرسي اللي جمب السرير ضامة كفه لصدري وعيني مش مفارقة الشاشات الإلكترونية اللي بتزن برتم هادي ومطمن، ودي الحاجة الوحيدة اللي كانت مخلياني قادرة أتنفس بعد كل الكسرة والإهانة اللي شوفتها في القسم
حسيت بصوابعه الصغيرة بتتحرك بخفة جوا كفي ف رفعت راسي بلهفة لقيته بيفتح عينيه وبيبص حواليه لحد ما عينه جت في عيني، أول ما شافني قاعدة جمبه ابتسم ابتسامة دافية وصافية من اللي بتنسيني همي وشقايا، قربت بجسمي منه وانحنيت عليه بمنتهى الحنان وبوست جبينه بشوق وقولت ـ صباح الخير يا حبيب اختك، طمني عنك، حاسس بأي تعب في صدرك؟ حرك راسه بالنفي، وفي ثواني ابتسامته اختفت بالتدريج واتبدلت لملامح عتاب طفولي حنين، بص في عيني وقال
أنا زعلان منك أوي أنتي كنتي فين إمبارح؟ انا صحيت كذا مرة وملقيتكيش قاعدة على الكرسي دة زي كل يوم، فضلت مستنيكي كتير وكل ما أسأل طنط تقولي انك جاية، وانا كنت خايف تسيبيني
كلامه نزل على قلبي المجروح زي السكاكين، حسيت بغصة خنقت حلقي ودموعي كانت هتنزل لما تخيلت إني في الوقت اللي هو كان بيفتح عينه وبيدور عليا كنت أنا محبوسة ومرمية في وسط القسم بتهمة السرقة ظلم، بلعت ريقي وحاولت أرسم ابتسامة هادية ومطمنة على وشي عشان محسسهوش بأي حاجة من المرار دة ومديت إيدي وبدأت أمسح على شعره الناعم برفق وانا بقول
ـ حقك عليا يا حبيببي، انا مستحيل أسيبك ابدا، أنت دنيتي كلها، بس إمبارح الشغل في المحل كان زحمة أوي والزباين كتير، والست صاحبة الشغل أخرتني عشان الحسابات والدفاتر لحد ما الوقت سرقنا والليل ليل عليا، متزعلش مني يا حبيبي، أهي غيبة وعدت وأنا أهو جمبك ومش هتحرك من مكانى تاني خالص مسك كم عبايتي وكأنه خايف أهرب منه تاني وقال طب بلاش
تروحي الشغل دة تاني، انا مش بحب الست صاحبة المحل دي طالما بتأخرك عليا كدة وبتخليكي تسيبيني خليكي جمبي هنا لحد ما نخرج سوا ونرجع حارتنا دموعي خانتني ونزلت على خدي بس مسحتها بضهر إيدي بسرعة وأنا ببتسمله بحنان ـ حاضر يا حبيببي، اطمن و ارتاح تماماً، أنا مش هروح المحل دة تاني خلاص، ارتاح بقا ومتفكرش في حاجة
أول ما سمع كلماتي ووعدي ليه ملامحه ارتاحت تماماً ورجع يبتسم بهدوء، قعد يتكلم في حاجات كتير وانا كنت ببصله ويبتسم لكن منن جوايا حزينة ومقهورة على اللي حصلي ومش عارفة هعمل اية والاقي شغل ازاي .. ولا عارفة الايام مخبية لينا اية تاني لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!