الفصل 7 | من 26 فصل

الفصل السابع

المشاهدات
12
كلمة
3,911
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

رواية صك السلالة الجزء السابع 7 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة السابعة

نزلت سلم الفيلا كعادة كل يوم الصبح وإيدي بتعدل ياقة تيشيرتي المريح اللي لابسه، عيني اتجهت تلقائي لغرفة السفرة الكبيرة عشان الاقي لمتنا الصباحية المعتادة، بس اتفاجئت للمرة التانية إن الكراسي فاضية، والسفرة مفيهاش أطباق ولا حتى ريحة القهوة اللي عمتي بتعملها من النجمة، استنتجت أنهم في الجنينة ف بصيت من الازاز لكن ملمحتهومش، وقفت في مكاني ثواني وحسيت بانقباضة خفيفة في صدري، افتكرت تعب أبويا المفاجئ إمبارح بالليل بسبب علو السكر وعنده وهو مش عاوز يبص في وشي بسبب اخر نقاش بيننا، جيه في بالي إنه لسة قافل على نفسه في أوضته ومش عاوز يخرج ومقاطع البيت كله بسببي، لسة بلف رجلي عشان اروحله لقيت صوت من ورايا بينادي عليا

دكتور سيف التفت ولقيت الحجة سهام، الست اللي بتساعدنا في البيت من سنين، كانت واقفة وماسكة في إيدها فوطة المطبخ، اتقدمت مني وقالت بأبتسامة هادية صباح الخير يا ابني * صباح النور يا طنط، اومال بابا وعمتي فين الحجة علية قالتلي أول ما تنزل ابلغك إنهم مش قاعدين على السفرة النهاردة، هما في الڤراندة اللي ورا مستنيينك عشان تفطروا سوا، والباشا الكبير صحي من بدري وقاعد هناك مع الحجة

اتنفست براحة لما عرفت إنه خرج من الأوضة ومبقاش حابس نفسه، بصتلها وهزيت راسي بأمتنان وقولت * تسلمي يا طنط، عن اذنك هروحلهم اتفضل اتحركت ناحيتهم وانا بدعي ربنا إنه ميبقاش مخاصمني النهاردة كمان، اول ما خرجت للڤراندة حسيت الجو رايق ونسمة الهوا كانت ساقعة بسيط ومنعشة، لقيتهم قاعدين حوالين الترابيزة الخشب البيضا، عمتي لما حست بيا رفعت راسها وبصتلي بأبتسامة وقالت صباح الخير يا حبيبي، لسة كنا في سيرتك، تعالى يلا افطر

قربت منهم وسحبت كرسي وقعدت، دارت عينيها دارت على لبسي واستغربت لما لقتني بهدوم البيت إيه دة أنت مش رايح المستشفى النهاردة ولا إيه؟ بصتلها بهدوء وقولت وأنا باخد فنجان الشاي * لا معنديش حاجة الصبح، مراد ماسك مكاني وقايم بالواجب. أنا هقعد معاكم شوية وهبقى اروح آخر النهار زين ما عملت والله

التفت بجسمي شوية ناحية ابويا اللي كان باصص لفنجان الشاي بتاعه بصمت وملامحه لسة شايلة زعل من إمبارح، مديت إيدي برفق وطبطبت على كفه.وبصيت في عينه بنظرة كلها أسف وحب وقولت * صباح الخير يا بابا، طمني عنك، صحتك عاملة إيه النهاردة مردش ف كملت وانا بوعده باللي عمري ما فكرت أنه اعمله أبداً * ترجوك متزعلش مني، أنت عارف غلاوتك عندي ومقدرش على زعلك أبداً .. أنا فكرت في كلامك، وهفكر في موضوع الجواز دة بجد، متزعلش مني بقا

أول ما سمع كلامي و وعدي ليه ملامحه بدأت تفك ولف وشه وبص في عيني بنظرة طويلة مليانة حنان أبوي هد كل الجمود اللي كان بيننا، طبطب فوق إيدي وقال يا ابني دي حياتك وأنت حر فيها، محدش هيجبرك على حاجة، أنا لما فتحت معاك الموضوع مكنش قصدي أضايقك أو أقلب عليك مواجعك، أنا قولت كدة من خوفي عليك، خايف تسيب نفسك للوحدة والعتمة وتعيش بطولك في الدنيا سكت لثواني وعينه راحت للفراغ وكأنه بيفتكر أيام قديمة وقال بمنتهى الأسى

امك الله يرحمها لما ماتت من سنين أنا حزنت عليها سنين عمري كلها، قلبي اتقفل ومفكرتش في الجواز من بعدها ولا دخلت ست غريبة بيتي، بس عارف أنا قدرت أعيش وأكمل إزاي؟

عشان أنت كنت معايا، كنت سندي وشايفك بتكبر قدام عيني ومالي عليا دنيتي، لكن أنت يا سيف، أنت لسة بطولك، وأنا مش هعيشلك في الدنيا كتير، السنين بتجري، أنا كل أملي في الدنيا إني أشوفلك حتة عيل صغير من صلبك تشيله ويفرح قلبي، وأطمن بعيني دي إنك مش لوحدك، ومعاك زوجة صالحة وست بنت أصول تصونك وتأنس وحدتك وتطرد عتمة ليلك دة، ارحم خوفي وطمن قلبي عليك يا سيف

كلامه وجع قلبي وفي نفس الوقت حسسني بخنقة رهيبة، حسيت بالعجز والوجع بينهش في ضلوعي، عنده حق، لكن قلبي المتثبت عند ذكريات مها مش قادر ياخد خطوة واحدة لقدام بعيد عن ترابها، اتنهدت بتعب حقيقي ونزلت عيني للأرض وأنا حاسس إن الدنيا بتطبق على صدري وقولت * حاضر يا بابا، أنا هفكر في الموضوع، و وعد مني مش هقفل الباب خالص

بصيت لعمتي اللي كانت قاعدة بتابع الكلام بحزن ولقيتها بتبصلي بعيون مليانة مواساه لحالي، رجعت بصيت للفراغ قدامي وسط خضرة الجنينة وشردت بعقلي تماماً، وصورة مها وملامحها رجعت تظهر قدام عيني، وجوايا صراع رهيب بين وفائي لحب عمري اللي ماتت، وبين نظرات وعيون أبويا اللي بيموت من قلقه عليا، ضلت ساكت، شارد وسط السكون، ومش عارف الأيام الجاية فيها اية ” مستشفى الحياه الاستثماري ” يلا خد دي كمان

كنت قاعدة على الكرسي جمبه وماسكة طبق الفطار بتاعه اللي بييجي من المستشفى في إيدي وبحاول أأكله معلقة بمعلقة وأنا بحكيله حكاية عن صياد سمك في حتة بعيدة، حكاية من اللي كان بيحب يسمعها وهو بيلعب في الحارة زمان، كان بيسمعني بتركيز وكل ما أقول موقف مضحك للصياد يضحك ضحكة صغيرة طالعة من قلبه توصل لقلبي انا، حسيت إن الحياة بدأت ترجع لروتينها الجميل بوجوده، وإن الغمة اللي عيشتها إمبارح كانت مجرد كابوس وانتهى

ـ بعدين بقا الصياد لما رجع البيت لقى القطة بتاعته كلت السمك كله اللي اصطاده اتجنن وفضل يجري وراها بالعصاية لحد ما خرجها برا بيته قولت الجملة دي وأنا ببتسم وبحط معلقة صغيرة في بوقه وهو كان بيمضغ وفجأة ضحك وقالي قطة مفجوعة ضحكت من قلبي وكنت لسة هقوله حاجة تانية، بس فجأة لقيته سكت، الضحكة اختفت من على وشه وإيده اللي كانت ماسكة طرف الملاية بدأت ترتعش بخفة، بصتله بأستغراب وسألته بقلق ـ مالك يا حبيبي؟ في حاجة وجعاك؟

مردش ونفسه بدأ يعلى وصدره اتحرك بسرعة وبشكل غير منتظم، لون وشه بدأ يبهت بسرعة ويتحول لـ لون شاحب وعينه كانت تغمض وتفتح بصعوبة كأنه بيحاول يقاوم، الرعب اتسرب لقلبي في ثانية، قومت من مكاني بأندفاع وصرخت بصوت مرتجف ـ الحقيني، تعالي بسرعة ياسين فيه حاجة غلط

دخلت بسرعة ورايا وبمجرد ما شافته بدأت تضغط على زرار الطوارئ الموجود في الحيطة بلهفة، وفي أقل من دقايق الرعاية اللي كانت هادية اتملت بالدكاترة، دخل طاقم طبي بسرعة بأجهزة المحاليل وأدوات الإنعاش وبدأوا يحاوطوا سريره من كل ناحية، اترعبت وبقيت اعيط وانده عليه يمكن يفوق ـ ياسين.. اخرجي لو سمحت عشان نقدر نشتغل

صوت الممرضة كان حازم وهي بتسحبني من إيدي عشان أخرج برا الأوضة، حاولت أقاوم وكنت عاوزة أفضل جمبه، عاوزة أحسسه إني معاه، لكنها خرجتني برا بسرعة وقفلت الباب، وقفت ورا الإزاز ضامة إيدي على صدري وجسمي كله كان بيترعش برعب ملهوش حدود، كنت شايفاهم بيتحركوا حواليه بسرعة وبيحاولوا يثبتوا الأجهزةعشان يرجعوا الانتظام لنفسه تاني، كان باين من بعيد زي الملاك الصغير المتروك في وسط المعركة دي، عينه مغمضة خالص وجسمه الصغير كان بيترعش تحت إيدين الدكاترة

ـ يا رب ،. يا رب أرجوك احميه كنت بتمتم بالكلمات دي وأنا بمسح دموعي اللي بدأت تنزل زي المطر على وشي، وقفت متسمرة وعيوني مش قادرة تلمح غير وشه الشاحب وسط الأجهزة، بحاول أتخيل إيه اللي بيحصل جواه، بحاول أتخيل هو حاسس بأيه، الوقت كأنه واقف والدقايق عدت عليا ساعات، حطيت إيدي على الازاز وكأني بلمس إيده، كنت ببص لكل تفصيلة في ملامحه وبدعيله يرجعلي سالم معافي وصورته وهو بيضحك معايا من شوية مش مفارقاني

ـ يا رب .. رجعلي ضحكته تاني ” ڤيلا عز الدين ـ غرفة سيف ” كنت فارد جسمي على السرير، باصص للسقف وبحاول أستغل الهدوء دة عشان أسرق ساعة أو ساعتين نوم أريح فيهم عقلي اللي مبطلش تفكير، كانت لسة عيني بتبدأ تغفل والنعاس بيدخل جفوني، لقيت تليفوني بيرن على الكومودينو بزنة عالية، مديت إيدي وسحبته لقيته مراد، فتحت الخط وقولت بصوت كسلان * خير يا مراد، مش بتهنيني على نومة أبداً

ياعم انت اللي بتأنتخ في الوقت غلط، انا عندي حوار ومش قادر أأجل كلام فيه اتنهدت وعدلت قعدتي، سندت ضهري على السرير وقولت * ادخل في الموضوع، سامعك بص يا سيدي، الحكاية وما فيها إني خلاص قررت أخد خطوة الجواز، وفي بنت مناسبة جداً وأهلها ناس أصول، بس أنا بجد مرتبك وخايف، خايف من خطوة المسؤولية والارتباط وإني أدخل ست جديدة حياتي وتغير روتيني اللي متعود عليه، أنت إيه رأيك؟ سمعته باهتمام وابتسمت بخفة وقولت

* بص يا مراد، لو البنت بنت أصول وشارياك توكل على الله ومتترددش هي شارياني فعلا * طب خلاص توكل على الله يعني أنت شايف كدة؟ كنت لسة هرد عليه لقيت التليفون بيزن بمكالمة تانية، رفعت التليفون عن ودني وبصيت للشاشة بفُضول، كانت الممرضة المسؤولة عن حالة ياسين في الرعاية، قطعت كلام مراد وقولت * طب بقولك اية، معايا تليفون من الرعاية هرد وارجعلك ماشي يا عم فتحت الخط وأول حاجة سمعتها كانت

دكتور سيف، حالة ياسين فجأة اتدهورت بشكل عنيف جداً، النبض على الشاشات بيعلى بشكل مش طبيعي وبدأ يحصله اضطراب حاد في النفس، الطاقم الطبي كله اتجمع وحالياً شغالين معاه بإنعاش طوارئ قومت وقفت بسرعة وأنا مخضوض وبقول * أنا جاي حالا، ابدأوا فوراً بروتوكول الطوارئ اللي مبلغكم بيه وادوا له الحقنة الداعمة لعضلة القلب لحد ما أكون عندك

رميت التليفون باندفاع وجريت ناحية اوضة اللبس سحبت القميص والبنطلون وبدأت ألبس بسرعة وانا مش شايف قدامي، سحبت مفاتيح عربيتي وجاكت البدلة في إيدي وخرجت من الأوضة بجري على السلم، فتحت باب البيت وخرجت ركبت العربية ودوست بنزين بأقصى قوة وانا بتمنى من جوايا إني ألحقه ” مستشفى الحياه الاستثماري ”

وصلت المستشفى بفرملة حادة هزت الاركان، نزلت من العربية بأندفاع وجريت ناحية الباب الرئيسي ودخلت بخطوات سريعة وقربت ناحية الأسانسير وضغطت على الزرار بعنف، وصلت لدور الرعاية وأول ما رجلي عتبت الممر المؤدي لمحتها من بعيد، كانت واقفة قدام الإزاز ضامة إيدها لبعض وبتبكي بقهر، منظرها فكرني بكسرتها إمبارح في القسم وصعبت عليا جداً، لكن مكنش عندي ثانية واحدة عشان أقف معاها أو أطمنها، حياة الولد على المحك وكل دقيقة بتفرق في عمره، اتقدمت من الباب ف اول ما شافتني قربت مني وقالت

ـ أرجوك الحقه .. ارجوك هزيت راسي ومن غير ما أنطق بكلمة فتحت الباب ودخلت فوراً، الجو جوة كان مشحون بالتوتر والرعب الروتيني بتاع الدكاترة و زنات الأجهزة الإلكترونية كانت عالية بإيقاع متسارع، واحد من الدكاترة اللي جوا اول ما شافني قال

دكتور سيف، الحمد لله إنك جيت، الحالة حصلها تدهور مفاجئ، النبض فوق ال130 والأكسجين نزل وفي اضطراب حاد وعنيف في ضربات القلب، وإحنا شغالين بروتوكول الطوارئ وحقنا الجرعة الداعمة زي ما بلّغتنا بس الاستجابة بطيئة جداً والعضلة بتعافر

مدتلوش فرصة يكمل واتقدمت وقفت قدام السرير وانا ببص ملامحه اللي كانت باهتة وشاحبة تماماً، شفايفه الصغيرة رايحة للزرقان وصدره بيعلى ويهبط بحشرجة وتعب وعنف كأنه بيصارع الموت عشان يلقط نفس واحد، رفعت عيني لشاشة المونيتور الكبيرة، الخطوط بتترسم بعشوائية مرعبة والإنذار بيصفر بصوت مستمر ينبه إن عضلة القلب بتدخل في حالة صدمة أو فشل حاد بسبب ضغط الالتهاب القديم والميكروب اللي عاصر الصمامات، مديت إيدي وسحبت السماعة الطبية وحطيتها على صدره وفضلت دقيقة كاملة بسمع بتركيز تام وسط دقات قلبي أنا اللي كانت بتتسارع بالخوف، شيلتها وبصيت للممرضة وبقيت بملي الأوامر بصوت حاد وصارم

* بسرعة ارفعي نسبة الأكسجين على جهاز التنفس وجهزيلي أمبول دوبامين حالا عشان نرفع الضغط ونحفز العضلة، وانتي، هاتيلي حقنة كوردارون بجرعة دقيقة ومحسوبة بالسنتيمتر على حسب وزن جسمه عشان نلجم ضربات القلب قبل ما تدخل في حالة توقف

بدأوا يتحركوا والحقن اتجهزت في ثواني، مسكت واحدة منهم بصوابع ثابتة رغم الضغط النفسي وحقنتها بالراحة في الكانيولا المحطوطة في أيده وعيني متنقلتش عن شاشة المونيتور، فضلت واقف جمبه لمدة تلت ساعة كاملة ومتحركتش من مكاني، تلت ساعة مرت عليا كأنها سنين وعيني بتروح لوشه وللشاشات الإلكترونية، كنت بعافر بكل طاقتي عشان أرجع النبض لمساره الطبيعي وجوايا صوت بيدعي ربنا برجاء أنه يقوم بالسلامة

بعد شوية وبالتدريج بلطف ربنا والأدوية القوية اللي بدأت تمشي في عروق جسمه بدأت المعجزة الطبية تحصل، صوت صفارة الإنذار بدأت تهدى والخطوط العشوائية على الشاشة بدأت تترسم بانتظام وهدوء، والرقم بتاع النبض بدأ ينزل من الـ 160 لـ الـ 130، مؤشر الأكسجين بدأ يترفع لحد ما وصل لـ 94% ونفسه هدي وبقى منتظم، أخدت نفس طويل وعميق خرج من صدرى بتنهيدة تعب وراحة متتوصفش، مسحت عرق جبهتي بكف إيدي وبصيت لدكتور النبطشية اللي ابتسم بالراحة وقال

الحمد لله يا دكتور، ربنا بعتك ليه في الوقت المناسب هزيت راسي بهدوء وقولت بنبرة حاسمة للممرضة * خليكي جمبه، عينك متفارقش الشاشة لمدة الـ 24 ساعة الجاية، والجرعات تمشي بالملي ومفيش دقيقة تأخير، وممنوع الزيارات نهائي بصيت على الازاز اللي واقفة وراه ليلى وكملت * ولا حتى أخته تكون معاه، من الواضح أن في حاجة أثرت على مناعته عملت الاضطراب دة، أنا هفضل موجود في المستشفى مش هروح عشان أتابع الحالة بنفسي، انتبهي كويس

حاضر يا دكتور اتحركت ناحية الباب وخرجت، أول ما طلعت لقيتها قدامي بمنتهى اللهفة والرعب وعينيها الحمراء بتبص في عيني بسؤال بيموتها من الخوف ـ قولي أنه بخير، قولي أنه بقا كويس ارجوك * اهدي، اهدي خالص واطمني، الحمد لله قدرنا نعدي الموجة الصعبة دي، حالته دلوقتي استقرت تماماً متقلقيش ـ طب ما هو كان كويس ليه حصل كدة

* لما كشفت عليه ومع الأعراض اللي حصلت واضح أنه ممكن يكون جاله ميكروب تاني، عشان كدة ممنوع تماما اي زيارة ليه، وحتى انتي متقعديش معاه الفترة دي ـ مقدرش اسيبه لوحده * انا عارف، بس انتي لازم تعملي كدة عشانه لحد ما يتحسن ويخرج بالسلامة، مش عايزين نشوف اي عواقب تانية ـ طب .. طب انا عايزة اشوفه * صدقيني انا مقدر حالتك، بس مش هينفع خالص دلوقتي، شوفيه لحد ما يبقى كويس، وأعتقد أنك تروحي ترتاحي في البيت احسن

ـ لا انا مش هسيبه، هفضل بعيد عنه بس مش هروح * اللي يريحك، عموماً انا مش هتحرك من المستشفى لحد ما ال24 ساعة دول يعدوا على خير إن شاء الله، ادعيله سيبتها ومشيت وانا حاسس باللي جواها، فقدان حد عزيز عليك مبيبقاش سهل أبداً .. خصوصاّ لو كل حياتك وما تملك في الدنيا

بعد ما خرج دكتور سيف من عند ياسين وطمني عليه، قعدت على الكرسي اللي في الممر قدام الاوضة، ضامة رجلي لصدري وساندة راسي على الحيطة بتعب، عيني شاردة في الفراغ ودماغي عبارة مش موقفة تفكير، ما بين رعب الخضة اللي عيشتها امبارح و من شوية، وبين هم تلشغل اللي راح والمصاريف اللي جاية بشكل يهد الجبال، اتنهدت بتعب وانا حاسة اني مش قادرة وعايزة استسلم، نفسي الهموم تخف من على كتافي واعرف عيش .. مش طالبة غير اني اعيش ليلى..

رفعت راسي لقيت فارس جاي ناحيتي بلهفة وخوف حقيقي، قعد جمبي وهو بينهم وقال في اية، ماله ياسين بصتله وانا مستغربة عرف منين وقولت ـ عرفت منين الممرضة قابلتني وانا طالع وقالتلي إن الزيارة ممنوعة وأنه تعب ـ دة كان كابوس يا فارس، خوفت عليه اوي طب اهدي، تعالى ننزل الكافتيريا تحت نتكلم بالراحة

هزيت راسي وقومت اتحركت معاه لتحت، دخلنا الكافتيريا اللي كانت هادية و قعدنا في ركن بعيد، سحب الكرسي وقعد قدامي وعينيه الفاحصة مسبتنيش ثانية واحدة، كان بيبص لوشي الشاحب وعيوني المنفوخة بألم، وبعد ثواني اتكلم وقال قوليلي إيه اللي حصل؟ أخدت نفس وبدأت أحكيله بصوت مرتعش

ـ والله ما اعرف، احنا كنا قاعدين مبسوطين وبأكله وبحكيله حكاية وهو كان بيبتسم وزي الفل، وفجأة سكت ونفسه اتكتم وصدره بقى يطلع وينزل و وشه أزرق في ثانية، أنا روحي انسحبت مني وجريت ندهت الممرضة والدكاترة كلهم جم وخرجوني برا، وفضلت واقفة ورا الإزاز بنهار وأنا شايفاهم بيعملوله إنعاش وبيركبوا أجهزة تانية، لولا ستر ربنا وتدخلهم السريع كان ضاع مني، بس الحمد لله، دكتور سيف جه بسرعة ولحقه لحد ما النبض رجع كويس و نام وارتاح

ألف حمد وشكر ليك يا رب، الحمد لله يا ليلى إن ربنا لطف وجت على قد كدة، والحمد لله بجد إنك كنتي جمبه الصبح ومروحتيش الشغل، لو كنتي بعيدة و حصله كدة بطوله كان زمانك جرى لك حاجة من الخضة سكت شوية ونزلت عيني للأرض بأنكسار وحسيت بغصة خنقت حلقي وأنا بفتكر اللي حصل امبارح، رفعت عيني وبصتله وقولت ـ أنا مش هروح الشغل دة تاني يا فارس، خلاص، المحل دة أنا قفلت صفحته ومستحيل أعتبه تاني عقد حواجبه بأستغراب وبص في عيني وقال

ليه يا ليلى؟ إيه اللي حصل؟ أنتي بقالك شهور شقيانة هناك ومتحملة قساوة الست صاحبة المحل، إيه اللي جَد خلاكي تقولي كدة؟ بلعت ريقي ودموعي لمعت في عيني وبدأت أحكيله اللي حصل، عن حسناء و جرجرة القسم والكلابشات الحديد وقعدتي وسط المجرمين لحد شهامة سيف اللي نزلي في الوقت دة ودفع الفلوس وخلص المحضر بالتنازل اول ما سمع سيرة القسم والكلابشات ملامحه اتبدلت بالكامل وبان عليه الغضب وهو بيقول حبس وقسم؟؟

كل دة حصل وانا معرفش، متصلتيش بيا ليه اجيلك ـ وأنا هعرفك إزاي يا فارس ورقمك مش معايا اصلا، انا اتصلت بعمو جميل لكن تليفونه كان مقفول، ملقتش غيرك رقم دكتور سيف اللي سجلته عشان لو حصل اي حاجة لياسين سكت تماماً ولف وشه الناحية التانية وهو بيحاول يتمالك أعصابه عن إنه ميزعقش قدام الناس، رجع بصلي وقال انا مش عارف انتي ليه بتعملي كدة اصلا ـ عملت اية روحتي تلجأي لواحد غريب

ـ هو دة كل اللي همك، بقولك ملقتش غيره وكتر خيره أنه جالي اصلا ماشي يا ليلى، ماشي، الف سلامة على ياسين قام وكان هيمشي ف قولتله ـ رايح فين؟ ماشي مد ايده مسك تليفوني وسجل رقمه وسابه مكانه ومشي من سكات، فضلت باصة لأثره وانا مستغربة رد فعله، يعني كان عايزني اعمل اية وانا لوحدي وفي الموقف دة، حطيت راسي بين ايديا بأرهاق وفضلت قاعدة بحاول اصفي ذهني من اي حاجة ومتفكرش غير في ياسين وبس ” مكتب سيف ”

كنت قاعد في مكتبى بالمستشفى ساند ضهري على الكرسي وضامم كفوف إيدي الاتنين تحت دقني وأنا باصص للفراغ بشرود تام، مراد كان قاعد قدامي على الكرسي التاني حاطط رجل على رجل وبيتابع ملامحي الصارمة والهم اللي معشش فيها بنظرة كلها اهتمام وصداقة حقيقية مالك يا صاحبي أخدت نفس طويل خرج بتنهيدة تقيلة وبصتله وقولت *بابا تعب امبارح، وجسمه انهار وكل دة بسببي بسببك؟ ليه كدة

* عشان موضوع كل مرة، مفيش على لسانه غير إني لازم أتجوز وأجيبله حفيد يملى عليه البيت ويطمن بيه عليا قبل ما يقابل وجه كريم، عمتي كمان واقفة في صفه، وانا حاسس إن الدنيا كلها بتطبق على صدري ومش قادر أتنفس عدل قعدته وحط فنجان القهوة على المكتب بالراحة وقال

بصراحة يا سيف عمي عنده حق، كفاية حزن لحد كدة يا صاحبي، مراتك الله يرحمها، ليه دافن نفسك وعمرك وشبابك معاها في نفس التربة، مش منطقي إن دكتور بهيبتك ونجاحك يعيش حياته كلها في العتمة والوحدة دي عشان خاطر ذكرى بصتله بنظرات حادة ومليانة غضب وقولت بعصبية * اية اللي انت بتقوله دة، مها مش مجرد ذكرى، دي كانت عمري كله، ومفيش ست في الدنيا دي كلها هتقدر تاخد مكانها أو تخليني أفتح لها قلبي تاني، اقفل السيرة دي خالص

رفع إيديه الاتنين بهدوء وتراجع كأنه بيمتص غضبي وعصبيتي وقال خلاص يا سيف اهدى، حقك عليا أنا آسف، انا مش قصدي أضايقك أو أقلب عليك المواجع، أنا بتكلم من غلاوتك عندي مش اكتر * عارف، بس انا مش قادر طب بص، أنا جاتلي فكرة وحل ممكن يخلص المعضلة دي كلها من غير ما تجرح وفاءك لمها، ومن غير ما تكسر قلب أبوك عقدت حواجبي بأستغراب حقيقي وبصتله بفضول وقولت * فكرة إيه؟ قرب بجسمه لقدام وسند كوعه على المكتب

الحل يا سيدي إنك بلاش تتجوز عن حب، وبلاش تفتح قلبك لست تانية خالص، أنت تتجوز جواز مصلحة متبادلة بصتله باستنكار وسألته بحيرة * يعني إيه جواز مصلحة؟ أنت بتخرف بتقول أية كمل بحماس وشرح وجهة نظره

اسمع بس، انا رأيي تدور على واحدة تكون بظروف معينة، مثلاً سنها كبر شوية ونفسها تتجوز، أو واحدة من عيلة غلبانة ومحتاجة الأمان والستر، أو أي سبب تاني يخليها تقبل بالوضع، المهم إن الجواز دة من أول دقيقة يكون مبني على ورق مكشوف ومصلحة واضحة، هي عارفة وشايفة تماماً إنها جاية البيت دة عشان تجيب الحفيد وتاخد قصاد دة الأمان والعيشة المرتاحة والاسم، ومن غير ما تطلب منك مشاعر ولا حب ولا قلب ولا حتى تغير روتين حياتك، أنت هتدير بيتك وهي هتاخد مصلحتها، وأبوك هيطمن ويشوف حفيده .. إيه رأيك؟

بصتله بقرف ورفض تام وقولت * الكلام دة مش صح وعمري في حياتي ما هعمله، أنت عايزني أروح أستغل بنت ناس غلبانة أو ظروفها صعبة بالشكل القاسي دة؟ عايزني أشتريها بفلوسي واسمي عشان مجرد مصلحة وأخد منها عيل وأسيبها دبلانة جمبي من غير مشاعر أو حياة طبيعية؟ دة مش من أصولي ولا من رجولتي وعمري ما هبني سعادة أبويا على كسر نفس بنت بريئة ملهاش ذنب، انسى الفكرة دي تماماً اتنهد بقلة حيلة ورجع بضهره لورا وبصلي وقال

ما هي مش هتيجي ولا هتتحل غير كدة يا سيف، فكر فيها بالعقل والمنطق، أنت مش عاوز تفتح قلبك ومستحيل تحب، وأبوك وعايز الحفيد، البنت اللي هتوافق بالظروف دي مش هتكون مظلومة، دي هتكون واخدة مصلحة وموافقة بكامل إرادتها على الأمان والستر، فكر بعقلك يا دكتور وسيبك من المثالية الزيادة دي، لأن دي السكة الوحيدة اللي هترضي كل الأطراف بصتله وهزيت راسي بالنفي وقولت بأصرار * قولتلك لأ يا مراد، اقفل الموضوع دة

حس إنه مش هيقدر ياخد معايا حق ولا باطل دلوقتي فـ قام وقف وعدل هدومه وقال انا هسيبك دلوقتي عشان المرور، بس فكر في كلامي بهدوء ومتاخدش قرار بأندفاع

اتحرك بخطواته وخرج من المكتب وقفل الباب وراه، أول ما خرج وبقيت لوحدي ساد السكون بشكل تقيل، مقومتش من مكاني، وفضلت قاعد، عيني راحت للفراغ بشرود تام وبدون ما أحس كلامه بدأ يترسم قدام عيني وبدأت أفكر فيه بجدية وعمق، الصراع في قلبي رجع بعنف، كلامه قاسي ومش من طبعي، بس من ناحية تانية .. السكة دي فعلاً ممكن تكون المخرج الوحيد اللي يحمي وفائي لمها ويشيل الهم والوجع عن أبويا، فضلت قاعد وعقلي شارد تماماً، ومش عارف السكة دي هتاخدني على فين

جيه الليل وفارس كان لسة ماشي في الشوارع، عينيه متثبتة على على الطريق قدامه بس عقله كان شارد في حتة تانية خالص، مكنش شايف لا إشارات ولا يافطات المحلات اللي بيعدي عليها كل يوم بألية، مغيب تماماً جوة دوامة بتغلي بالأفكار والظنون اللي بدأت تنهش في روحه من أول ما مشي من المستشفى

دماغه مكنتش راضية تهدى أبداً وعمالة تعيد في كلامها عن سيف، السيرة اللي كانت بتزلزل كيانه وبتخلي الدم نار في عروقه، كان فاكر بكل الجدعنة والشهامة اللي شايلها في قلبه ليها إنه هيكون الراجل الوحيد اللي هيطير عشان ينجدها، الحيطة السد اللي هتستخبى وراء ضهرها عشان تحتمي بيه من غدر الدنيا، بس الواقع جيه فوقه من أحلامه على كابوس

​مكنش الأول .. الكلمة اللعينة دي كانت بتلف وتدور في عقله باستمرار، غيره سبقه، غيره راح أنقذها وبقى جميله في رقبتها يا عالم هترده ازاي، اتنهد ومسح على وشه بكفه بيحاول يفوق، لكن عقله مسكتش ليه سيف؟

وليه مكنش معاها رقمه، وليه بتتكلم ببساطة عن معروف سيف قدامه كدة، طب حتى تراعي مشاعره اللي هي ادرى واحدة بيها، كان حاسس بمرار وطعم علقم في حِلقه، طعم الخسارة المدارية اللي متعودش عليها ابداً، هو اللي طول عمره بيتباهى بإنه حامي حماها وسندها، لقى نفسه النهاردة بيسمع حكاية كان المفروض يبقى هو بطلها ” ڤيلا سيف عز الدين ـ الصالون ”

كان الهدوء مسيطر على الأجواء تماماً، عز قاعد على كرسيه المريح ولابس روبه كالعادة، و علية قاعدة قدامه بقامتها المفرودة وابتسامتها الماكرة اللي مرسومة على وشها بوضوح، الصمت بينهم كان مشحون بترقب متبادل، لحد ما مدّت إيدها بخفة ناحية فنجان القهوة المحطوط على الترايزة الرخام الصغيرة، شربت منه بوق بالهداوة وبصت لعز بعيون بتلمع بنصر مداري وقالت جرى إيه يا عز؟ مالك قاعد ومش على بعضك كدة من ساعة ما سيف مشي؟

دي الخطة مشيت زي السكينة في الحلاوة وقالك هيفكر في الموضوع حرك كفه على مسند الكرسي وبصلها وقال والله يا علية أنا قلبي كان بيتقطع وأنا بتمسكن قدامه وبمثل دور الراجل المريض اللي بيودع، الواد سيف كنت خايف يكشف الملعوب، كان زماننا دلوقتي في موقف لا نحسد عليه ضحكت وحطت الفنجان من إيدها بالراحة وقالت بنبرة مقنعة هيعرف منين؟ وحتة لو عرف، إحنا يعني نعمل كدة ليه؟

مهو عشان مصلحته هو مش إحنا، الواد دافن شبابه وعمره كله تحت التراب مع ذكرى مراته وعايش بطوله وسط العتمة والوحدة اللي بتاكل فيه، وإحنا لو مكنش نكبس عليه بالحركة دي عمره ما كان هياخد خطوة واحدة لقدام سكت ثواني وقعد يمرر صوابعه وسط لحيته الممشطة وعينيه راحت للفراغ وهو بيفكر في كلامها كان فيه الحق، بس الخوف من زعل ابنه الوحيد كان مسيطر عليه، التفت بجسمه ناحيتها وقال بنبرة فيها رجاء

يا رب يا علية.. يا رب بعد كل الترتيب دة والمقلب التقيل دة يوافق، أنا لما شوفته بالليل وشه دبلان والصبح لما كلمني في الجنينة وقالي إنه هيفكر في الموضوع، حسيت إن جبل انزاح عن صدري، بس برضو هو دماغه ناشفة، أنا خايف يفكر وفي الآخر يرجع يقفل الباب في وشنا ويقولك مستحيل أدخل ست غريبة بيتي، ساعتها مش هيكون قدامنا حيلة تانية نلعبها معاه

عدلت قعدتها وابتسامة واسعة ظهرت فيها كل خبرتها ودهاء سنينها، وقالت بنبرة قاطعة ومطمنة مفيهاش شك هيوافق يا عز.. اسمع مني أنا أدرى بطبعه، سيف بيحبك ويعمل اي حاجة عشانك، كلها كام يوم وييجي يقولك أنه هيتجوز يارب يا علية، أنا مليش أمل في الدنيا غير إني أطمن عليه وأشوف دنيته عمرانة بـ الولد والستر، وربنا يسامحنا على المقلب دة طالما النية خير

وفضلوا الاتنين قاعدين في الصالون الفخم بيتبادلوا نظرات الارتياح والترقب، بينما كانت خيوط المؤامرة العائلية اللطيفة بتتلف بأحكام حوالين حياة سيف وبتدفعه ناحية مستقبل جديد مكنش بالحسبان لقراءة الفصل التالي : لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة) مدونة كامومنذ يوم واحد 0 16 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...