رواية صك السلالة الجزء التاسع 9 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة التاسعة * تتجوزيني
فضل السكون مخيم على أركان المكتب الضيق بعد ما الكلمة خرجت من سيف كأنها قذيفة هزت كيان ليلى بالكامل، فضلت قاعدة في مكانها زي الصنم وحست إن عقلها وقف عن التفكير والدنيا كلها لفت بيها في ثانية واحدة، الصدمة كانت أكبر من إنها تستوعبها، اول ما شاف سكوتها الطويل ونظرات الصدمة في عينيها بدأ التوتر يتسلل لملامحه غصب عنه، فرك كفوف إيديه ببعض وغير قعدته على الكرسي وحس إن نبضه يدأ يعلى، السكوت دة كان بيموت الكبرياء اللي جواه و خايف تكون فهمته غلط
بلعت ريقها بصعوبة وحست إن صوتها هرب منها وهي بتقول ـ حضرتك .. حضرتك بتقول إية؟ أخد نفس عميق وثبت نضارته الطبية على وشه وحاول يرجع لنبرته الهادية الواثقة علشان يلم التوتر اللي مالي الأوضة، بص في عينيها وعاد الكلمة تاني بالراحة وقال * بقولك تتجوزيني يا ليلى، أنا مش بهزر ولا دة وقت هزار، أنا بتكلم معاكي بجد وبمنتهى العقل حركت راسها يمين وشمال وهي لسة مش قادرة تلم شتات نفسها وقالت بحيرة
ـ بس أنا مش فاهمة.. مش فاهمة حاجة خالص، تتجوزني أنا؟ حضرتك فين وأنا فين؟ وإيه اللي جاب الكلام دة دلوقتي؟ سند كوعه على المكتب وقرب بـجسمه لقدام وبدأ يشرحلها الوضع بالمنطق اللي رتبه جوا دماغه طول الليل، اتكلم بنبرة هادية بس كان باين فيها إنه حريص جداً على كل حرف بيطلعه علشان خايف تفهم إنه بيستغلها و قال
* ليلى .. الموضوع ملوش علاقة بحب أو مشاعر، الموضوع كله حكاية مصلحة متبادلة وإحنا الاتنين محتاجين فيها لبعض، أنا واقع في ضيقة كبيرة تخص أبويا، الراجل الكبير العاجز اللي عاوز يشوف حفيد ليه من صلبى قبل ما يقابل وجه كريم، وأنا محتاج زوجة تكون بنت أصول وتصون بيتي وتشيل اسمي وتجيب الطفل دة من غير ما تطلب مني عواطف أنا مقدرش أقدمها، وفي نفس الوقت، أنتي محتاجة الستر والأمان واللي يشيل عنك الحمل، وانا مستعد أتكفل بكل مليم يخص ياسين من الألف للياء، وأوفر لكم عيشة كريمة بعيد عن بهدلة الأيام والحارة
سكت شوية وبص لوشها علشان يشوف أثر كلامه، لقى ملامحها لسة متبنجة من الصدمة ومش مستوعبة الكلام الحسابي دة فـ كمل بنبرة صادقة وقال
* أنا عارف إن الوقت صعب، وعارف إنك ممكن تشوفي كلامي دة استغلال لظروفك، بس والله أنا عمري ما كنت استغلالي ولا هكون في يوم، أنا بعرض عليكي ورق مكشوف وطوق نجاة كامل، وبقولك إن دة معروف هتقدميه ليا ولأبويا وهردلك جميله العمر كله، بس في نفس الوقت، لازم تعرفي وتتأكدي إنك لو رفضتي العرض دة مفيش أي حاجة هتتغير في معاملتي ليكي ولا لياسين، دة حقك الكامل ومفيش إجبار، وياسين هيفضل في الحفظ والصون جوا الرعاية وتحت إشرافي ومتابعتي لحد ما يقوم بالسلامة ويمشي على رجليه ومن غير ما تدفعي مليم واحد، مستحيل اساوم مريض على حياته واطمني من الناحية دي تماماً
كانت بتسمع كلامه وهي حاسة إنها في حلم ومش قادرة تصدق، كلامه عن الجواز والصفقة والطفل وأبوه كان بينزل على ودانها زي الرعد، وعقلها البسيط مش قادر يجمع كل دة، فضلت بتبصله بعيون مليانة حيرة ومفيش أي كلمة قادرة تخرج منها، حس إن الحمل بقى تقيل عليها وإنها محتاجة تفكر فـ سحب ضهره لورا وقال بنبرة هادية ومطمنة
* انا مش عاوز منك رد دلوقتي، أنا قولتلك كل اللي عندي وحطيت الورق كله قدامك علشان أكون صريح معاكي من أول لحظة، خدي وقتك بالكامل وفكري في الموضوع على مهلك وبكل عقل، وشوفي مصلحتك ومصلحة أخوكي فين، والقرار في الأول والآخر هيكون ليكي وأنا هحترمه مهما كان
هزت راسها بالراحة كأنها بتتحرك تحت تأثير تنويم مغناطيسي، قامت وقفت بتعب ورجليها مش شايلاها، بصتله بصة أخيرة طويلة مليانة ذهول وعلامات استفهام مبتنتهيش، ومن غير ما تنطق بولا كلمة ولا تطلع حرف واحد لفت ضهرها واتحركت بخطوات بطيئة وخرجت من باب المكتب من سكات
قفلت الباب وراها وسابته قاعد مكانه ورا مكتبه بيتنهد بقوة وعينه متثبتة على الباب الفاضي، طلعت للممر وعقلها عمال يلف ويدور في الكلمة اللي غيرت دنيتها في ثواني وخلتها مش عارفة بكرة مخبيلها إيه تاني ” جنينة المستشفى ” خرجت من الباب الباب الخلفي بأتجاة الجنينة، الجو ابتدى يبرد والهوا الساقع خبط في وشي بقوة كأنه بيفوقني من صدمة عمري، كنت ماشية وخطواتي مش موزونة، النور الباهت بتاع الكشافات كان بيرسم ضلي المكسور قدامي،
* تتجوزيني؟ كانت بترن في ودني مع كل خطوة كأنها جرس، قعدت أكلم نفسي وأنا ماشية ودموعي بدأت تنزل سخنة على خدودي من كتر الوجع، حسيت في الأول بغصة مريرة في حلقي وكرامتي وعزة نفسي وجعوني أوي وانا بقول لنفسي ـ معقول شايفني بالرخص دة، شايف بنت غلبانة ومكسورة ومستعد يشتريها بفلوسه وجاهه علشان مصلحة تخصه وتخص أبوه؟
الفكرة دي كانت بتنهش في قلبي زي السكينة، أنا بنت الحارة صحيح وفقيرة وعلى باب الله، بس طول عمري راسي مرفوعة ومقبلش إن حد يلوى دراعي بظروفي ولا يشوفني مجرد بيعة وشروة أو صفقة ورقها مكشوف على التربيزة بمقابل، كرامتي كانت بتصرخ جوايا وبتقولي ارفضي يا ليلى، ارفضي واخرجي من الموضوع دة بكرامتك، بس في نفس اللحظة كانت صورته وهو واقف جمبي في القسم بتظهر قدام عيني، افتكرت جدعنته و وقفته اللي بملايين في عز الليلة الصعبة اللي كنت
فيها في الحجز، افتكرت شكله بهيبته ووقاره وهو بيدخل القسم وبيدافع عني قدام الظلم وبيخلص المحضر من غير ما يستنى مني حاجة، وافتكرت أكتر دينه الكبير اللي طوق بيه رقبتي بعد ما اتكلف بكل مصاريف علاج ياسين، الدين دة تقيل أوي، حمل يهد جبال ومستحيل يتنسى، الراجل دة نجدني وشال عن ضهري حاجات لو عيشت عمري كله أشتغل مش هعرف اسدد فيها، فضلت اتمشى وعقلي عمال يودي ويجيب في حلقة مفرغة، بقيت محتارة بين كرامتي وعزة نفسي اللي بتموت من
فكرة الجوازة الباردة دي اللي مفيش فيها قلب ولا مشاعر، وبين رد الجميل للراجل اللي أنقذ حياتنا، وكفاية أنه طلبها وقالها بلسانه إنه محتاجني في معروف كبير هينقذه هو وأبوه، طب إزاي بعد كل اللي عمله معايا أقوله لأ وأسيبه في ضيقته؟
وفوق كل دة، كان وش ياسين الصغير وجسمه الضعيف وهو نايم وسط الأجهزة بيمر قدام عيني، سيف قالي إنه مش هيتخلى عنه حتى لو رفضت وانه مستحيل يساوم مريض على حياته، والكلمة دي بالذات خلتني أحترمه أكتر وأشوف نُبل أخلاقه، بس في نفس الوقت خلت الحمل أتقل على كتافي، لو رفضت، هعيش عمري كله حاسة بالصغر قدام نفسي وقدامه، هفضل شايفة نفسي البنت الأنانية اللي لفت ضهرها الإنسان اللي جمايله مغرقاها مع اول مرة احتاجلها فيها، واللي فضلت
كرامتها وعزة نفسها على اخوها اللي ممكن يعيش عيشة نضيفة وميتحرمش من أبسط طلباته زي أنه يجيب تيشيرت جديد للمدرسة، ولو قبلت .. هفضل طول عمري محتاجة الحب والحنان اللي اتحرمت منه بعد موت بابا وماما ومش هيبقى ليا حق اطالب بيهم، قعدت على اقرب استراحة ودفنت وشي بين كفوف إيدي وبكيت بحرقة وخنقة، الجو كان بيزيد برودة بس صدري كان قايد نار من الحيرة
مرت الأيام ومع كل صباح جديد كان خيط الأمل بيغزل عافية جديدة في جسم ياسين، الأدوية القوية والبروتوكول المكثف اللي حطه سيف بدأوا يظهروا نتيجتهم الحقيقية على الشاشات والمؤشرات، النبض استقر وضيق النفس الشديد تراجع لحد ما اختفى تماماً، وجيه اليوم تلمنتظر وصدر القرار بـنقله من أوضة الرعاية لأوضة عادية، كانت واسعة وفيها شباك اكبر من اللي في الرعاية، ليلى في اليومين دول كانت عايشة في دنيا تانية خالص، عقلها مكنش بيبطل تفكير
للحظة واحدة، لكن تحسن ياسين ونقله للأوضة العادية كان بالنسبة لها فرحة ملهاش آخر وجبل وانزاح عن كتافها، و في نفس الوقت .. كان في هم تاني بيكبر جواها طول اليومين اللي فاتوا وابتدت تتجنب سيف بـشكل ملحوظ ومبالغ فيه، كانت أول ما تلمح قامته الطويلة أو البالطو الأبيض بتاعه من أول الممر، تلف وشها فورا وتتحرك في أي اتجاه تاني، ولما يمر على ياسين تفضل ساكتة ومتسألوش عن اي حاجة، مكنتش عارفة تتعامل معاه إزاي ولا تبص في وشه
وبـذكائه المعهود .. مكنش غافل عن اللي بـيحصل، كان بيدخل الأوضة وعينه بتلقط حركتها السريعة وهي بتتهرب منه، وبيلاحظ إزاي وشها بيبان عليه التوتر لو الصدفة جمعت نظراتهم لثانية واحدة، حس إن التجنب الواضح والهروب المستمر من مواجهته هو الرد الحقيقي اللي بـتقوله من غير ما تنطق بحرف، فهم بينه وبين نفسه إن سكوتها وخوفها من القرب منه دة رفض كامل وصريح لعرض الجواز والصفقة اللي عرضها عليها، و إن كرامتها وعزة نفسها الغالبة على
فقرها خلوها مش قادرة تقبل بتلوضع دة، سكت ومفتحش الموضوع تاني نهائي ولا حاول حتى يلمح لها بأي كلمة أو يضغط عليها بنظرة. قرر بينه وبين نفسه إنه يقفل الصفحة دي من الجذور بـالأصول، ويتعامل بالمنطق الطبي البحت ويتابع حالة ياسين كأي مريض تحت إيده من غير تقصير، ويشيل من باله فكرة إنها الطرف اللي هـيحل له معادلته الصعبة مع أبوه
” ڤيلا سيف عز الدين ”
فتحت باب الفيلا الكبير بالمفتاح وانا مش قادر افتح عيني من التعب، أول ما رجلي خطت لجوا شميت ريحة طشة ملوخية انا عارفها كويس، ريحة متطلعش غير من ايد عمتي علية اللي لا يعلى عليها، قفلت الباب ورايا بالراحة وقلعت الجاكيت وبقيت بالقميص الأبيض، حسيت بنوع من الدفا والهدوء بينزل على صدري بعد بهدلة المستشفى والضغط اللي كنت فيه من الصبح، رميت مفاتيحي على الترابيزة الصغيرة اللي في بهو الفيلا، واتحركت بخطوات هادية في الطرقة
الطويلة اللي بتودي على المطبخ الكبير، بقيت بتبع الريحة اللي كانت بتزيد وتصحصح نفوخي، وقفت عند عتبة باب المطبخ الواسع وسندت كتفي على الحيطة وبصيت لجو الابتسامة صافية، المطبخ كان دافي وعمتي واقفة بضهرها قدام البوتاجاز، وبتقلب في حلة بحركة سريعة ومظبوطة بتدل على خبرة سنين طويلة، أول ما حست بحركتي لفت وشها بسرعة وعينيها وسعت بالفرحة الصادقة وقالت
حمد لله على سلامتك يا حبيبي، جيت بدري النهاردة يعني على غير العادة؟ المستشفى أفرجت عنك بـالسلامة؟ قربت منها كام خطوة وأنا بضحك وسحبت كرسي خشب من الصغيرين اللي محطوطين جمب الرخامة وقعدت عليه، بصيت للحلة الكبيرة وقلت بنبرة غزل * المستشفى كتر خيرها سابتني أمشي بدري، بس قوليلي يا عمتو، إيه الحلاوة والجمال دة كله؟ دة أنتي النهاردة عاملة غدوة ملوكي شكلها كدة هتخليني أخلص الحلة دي بطولي ومسيبش لحد لقمة
ضحكت بصوت عالي وسابت المغرفة من ايدها وقربت مني طبطبت على كتافي بحنان وقالت بألف هنا وشفا على قلبك، تعيش وتأكل من إيدي يا سيف، وعقبال يا رب ما تاكل من إيد مراتك سمعت الكلمة دي وملامحي اتغيرت بسبب الترتيبات اللي باظت، لكني سندت ضهري على الكرسي وبصيت في عينيها وقولت * إن شاء الله يا عمتي .. ان شاء الله يحصل قريب
بصت لوشي بلهفة وشغف مش عادي وعينيها لمعت بعشم كبير، قربت مني أكتر ومسكت ايدي بـإيديها الاتنين وهي بـتسألني بنبرة سريعة ومستعجلة صحيح يا سيف؟ بتتكلم بجد يا حبيبي؟ يعني أنت الموضوع بقى في دماغك وبدأت تفكر فيه فعلاً وتفتح قلبك للدنيا من تاني؟ هزيت راسي بالراحة وبصيت للفراغ بـملامح رجعت رصينة وحسابية زي العادة، وقولت
* الموضوع في دماغي يا عمتي وهيتم بـأمر ربنا، بس لازم تعرفي إن دة كله ملوش علاقة بقلبي، أنا بـعمل كدة وداخل السكة دي علشان خاطر أبويا بس، دة الدافع الوحيد اللي مخليني أخد القرار دة دلوقتي ملامحها حنت أوي وعينيها دمعت من كتر الشفقة والحب ليا ولأبويا، حطت ايدها على خدي وقالت
يا حبيبي، ربنا يجبر بخاطرك ويسعد أيامك ويريح قلبك، طالما بتعمل كدة رضا لوالدك وبر بيه ربنا مش هيضيعك أبداً وهيرزقك ببنت الحلال الطيبة اللي تداوي كل جروحك وتنسيك الوجع والهم وتملى بيتك بالخير والذرية الصالحة
فضلت قاعد بسمع لدعواتها الطيبة الصافية اللي كانت بـتنزل على قلبي في وسط الحيرة زي المطر الدافي، حسيت بنوع من الثبات والراحة بيدخلوا ضلوعي بسبب كلامها.، قومت وقفت بالراحة وطبطبت على ايدها كام مرة ورا بعض بـالود والامتنان وقولت * كتر خيرك يا عمتي.. تسلميلي ويسلملي دعائك الطيب دة، أنا هروح أغير هدومي في أوضتي فوق واخد دش عقبال ما تخلصي الأكل وتجهزي السفرة
خرجت وروحت على أوضتي، وسبتها في المطبخ بـتكمل وصوت دعواتها لسة شغال ورايا بـالستر والخير ” مستشفى الحياه الاستثماري ”
ليلى كانت ماشية وخطواتها ثابتة على غير العادة، ملامح وشها كان باين عليها إنها أخدت القرار اللي مفيش فيه رجوع، وقفت قدام باب مكتبه وأخدت نَفَس عميق عشان تملى بيه صدرها بالصبر والقوة، رفعت ايدها وخبطت خبطتين وبطرقات خفيفة ومسموعة، سمعت صوته وهو بـيأذن لها بالدخول فـفتحت الباب بالراحة ودخلت وراسمة على وشها ملامح هادية وصامتة كعادتها، اول ما رفع عينه من فوق الورق والملفات اللي على مكتبه ولمحها واقفة ملامحه الرزينة ظهرت عليها علامة ترحيب هادي ومهذب، قام وقف بطوله واشار بأيده على الكرسي اللي قدامه وقال
* أهلاً يا ليلى.. اتفضلي اتقدمت بخطوات بطيئة وسحبت الكرسي وقعدت، شبكت صوابعها ببعض وبصت لـسطح المكتب العريض وهي بـتحاول تجمع الكلمات، رجع سيف قعد على كرسيه وشبك صوابعه هو كمان وفضل يبص لها بنظرة هادية ومريحة بـتحاول تشيل عنها أي حرج أو ضغط نفسي في القعدة دي، رفعت عينيها وبصتله وقالت بنبرة فيها نبرة تسليم وثبات ـ أنا جيت لحضرتك عشان أقولك إني فكرت كويس في الكلام والموضوع اللي فتحته معايا من كام يوم
ابتسم ابتسامة باهتة وهز راسه كأنه بيستعجل الرد اللي رتبه في دماغه من نظرات تجنبها ليه طوال الأيام اللي فاتت، اتكلم بصوت هادي وقال * مفيش داعي لأي حرج أو كسوف خالص، وأنا مقدر موقفك جدا، بس عاوز أقولك إني عارف ومتاكد إنك مش هتوافقي على العرض دة، ودة حقك الشرعي والطبيعي ومتقدريش تلومي نفسك عليه أبداً، زي ما قولتلك قبل كدة، معاملتي لياسين مش هتتغير والولد في الحفظ والصون لحد ما يخرج بالسلامة
فضلت بتبصله في صمت طويل وعينيها وسعت من الطريقة اللي قفل بيها الكلام وكأنه بـيريحها من شيل الهم، سكتت لثواني كانت دقات قلبها فيها مسموعة جوا صدرها وبعدين بلعت ريقها ونطقت بـصوت واضح وثابت قطعت بيه كل حساباته وبروده ـ بس أنا موافقة ظهر على وشه ملامح المفاجأة الحقيقية اللي مكنش عامل حسابها، قرب بـجسمه لقدام وسألها بـنبرة فيها ذهول وعدم تصديق * بجد؟ أنتي بتتكلمي بجد وموافقة فعلاً؟
هزت راسها بالموافق وثبتت نظرتها في عينه وكملت بـنبرة مليانة امتنان وصدق طالع من جوة قلبها ـ أيوة يا دكتور، بتتكلم بجد ومش بهزر، انا فكرت كويس أوي في الكام يوم اللي فاتوا من كل النواحي ولقيت إن حضرتك تستاهل إني أعمل كدة وأوافق على طلبك ودة بسبب جمايلك الكثيرة اللي غرقنا فيها أنا وأخويا ملامحه اتغيرت ورجعت حازمة ونبرة صوته بـقت جادة وهو بيقول
* شيلي جلمة جمايل دي من دماغك خالص، عاوزك تمسحيها من تفكيرك من اللحظة دي سوا حصل بيننا نصيب وكملنا السكة أو ما حصلش، أنا معملتش حاجة زيادة عن واجبي وعن الأصول اللي اتربيت عليها، ومحبش أبداً إنك تكوني داخلة الجوازة دي وأنتي حاسة إنك بـتسددي دين أو بتردي جميل ليا، دة موضوع ودة موضوع تاني خالص وعاوزك تكوني مرتاحة ومقتنعة بعقلك حست بـدفا ونبل أخلاقه بـينزل على جروح قلبها، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
ـ كتر خيرك، بس دة اللي جوايا وشايفاه بعيني، المهم دلوقتي أنا محتاجة أفهم من حضرتك الأمور هـتمشي إزاي والترتيبات الجاية شكلها إيه عشان أكون على بينة وعارفة طريقي سحب نَفَس مريح وبدأ يشرح لها كل حاجة * جوازنا هـيكون رسمي وعلى سنة الله ورسوله وبـكل الأصول والقوانين، و هتعيشي معايا في الڤيلا انتي وياسين ويكون فيها كل سبل الراحة والأمان كانت بـتسمع بـهدوء تام وبـتهز راسها بـالتسليم، خلص كلامه ف بصت له بـاحترام وقالت
–تمام يا دكتور، أنا فاهمة كل دة وموافقة عليه، بس لو تسمحلي، أنا محتاجة من حضرتك طلبين وأتمنى تقبلهم ومترفضهمش * اكيد طبعا، قولي اللي أنتي عاوزاه وأنا سامعك ـ ممكن نستنى شوية لحد ما ياسين يتعافى تماماً ويخرج من المستشفى ويقف على رجليه، والطلب التاني والمهم .. ان حضرتك لما ييجي وقت الكلام والجواز تيجي تطلب إيدي بـالأصول من عم جميل في الحارة، هو ولي أمري وهو الكبير بتاعنا
ابتسم ابتسامة عريضة فيها نوع من الإعجاب الشديد بأصلها وعزة نفسها وهز راسه بالموافقة الفورية وقال * دة حقك الكامل يا ليلى، طلباتك مجابة والاتنين على راسي من فوق، وأنا هعمل لك كل اللي أنتي عايزاه وبالأصول والواجب اللي يرفع راسك قدام ناسك وأهل حارتك كلهم، ومستعد أروح لعم جميل وأقعد معاه ونرتب كل حاجة بـاللي يرضي ربنا ويرضيكي
حست بـالأمان والراحة بـيدخلوا قلبها لأول مرة من يومين، بصتله بـنظرة طويلة تملأها الامتنان والشكر، وقامت وقفت بالراحة وقالت ـ كتر خيرك يا دكتور، أنا هـستأذن دلوقتي قام وقف وهز راسه وقال * اتفضلي
لفت ظهرها وبخطوات خفيفة ومستريحة خرجت من باب المكتب وقفلته وراها بالراحة من سكات، وسابت سيف واقف مكانه ورا مكتبه الخشب بـياخد نَفَس طويل وعميق وهو حاسس إن المعركة الصعبة في حياته بدأت تترتب ملامحها بـالأصول، ومشت هي في الممر ونور الأمل بدأ يفرش طريقها الجديد مع الدكتور بـأمر ربنا ” الحارة ـ شقة فارس ”
كان الليل ليل على الحارة الضيقة والضلمة فرشت نفسها فوق السطوح والبيوت بعد نهار طويل من الدوشة والجري ورا لقمة العيش، في شقة فارس البسيطة، كان الهدوء مالي الصالة الصغيرة ونور التلفزيون الباهت كان طالع من شاشته المربعة القديمة، على الكنبة العريضة كانت قاعدة جليلة بتبص للفيلم شوية وشوية تانية لفارس اللي قاعد جمبها، عينيه كانت متثبتة على الشاشة وسرحان على الآخر كأنه مش شايف ولا سامع أي حاجة من اللي شغالة وعقله عمال يغلي بالأفكار والهموم اللي مش بتمشي وتسيبه لا ليل ولا نهار، أخدت نفس طويل
وبصت لوشه الدبلان بنظرة كلها حنية وشديدة الخوف عليه كعادتها، اتنحنحت بصوت واطي عشان تخليه ينتبه ليها وقالت إيه يا فارس؟ بقالك ساعة قاعد جمبي وسرحان في دنيا تانية، قولي يا حبيبي، مش آن الأوان بقى تلتفت لنفسك ولدنيتك وتفوق لحياتك اللي بتجري دي؟ متحركش من مكانه وفضل باصص قدامه وقال انا فايق أهو يا أمي وموجود جمبك، والحمد لله مفيش حاجة ناقصاني
هزت راسها بالراحة كأن الكلام مش عاجبها وقربت منه أكتر وحطت ايدها على كتفه وقالت بنبرة واضحة وهي بتفتح السيرة اللي علطول بـيهرب منها
طيب انا نفسي أشوفك مستقر في بيتك ومرتاح مع بنت الحلال اللي تصونك وتشيل اسمك.. أنا بقولك الصراحة يا ابني، بنت خالتك صباح زينة بنات الحتة وأصيلة ومتربية على ايدنا وكل ما تيجي سيرتك عينيها بتلمع بالفرحة.. أنا شايفة إن الحكاية دي لازم تتحسم وآن الأوان ناخد خطوة ونروح نطلب إيدها ونفرح بيك قبل ما العمر يسرقنا
اول ما سمع سيرة بنت خالته رجعت تاني على لسان أمه، حس بـكتمة نفس في صدره ونار الغيرة والحزن على ليلى اللى لسة قايدة جوا ضلوعه مخلتهوش يطيق سماع أي سيرة تانية، اخذ نفس وعدل قعدته وسند ضهره لورا واتكلم بنبرة فيها رجاء ومحاولة عشان يقفل الباب علطول
رجوكس يا أمي، الموضوع دة بالذات مش وقته خالص دلوقتي، أنا نفوخي مش مستحمل تفكير في جواز ومسؤولية تانية، والشغل واخد كل وقتي ومجهودي، فـسيبيني براحتي ومتفتحيش السيرة دي تاني الله يخليكي زعلت وظهر على وشها و نفضت ايدها من على كتفه وقالت مش وقته؟ وراك إيه يا فارس عشان ميكونش وقته؟ قولي ايه اللي معطلك ومقعدك عن طولك كدة ومخليك قافل قلبك بالترباس في وش الدنيا كلها؟
السنين بتعدي وأنت واقف في مكانك بتتفرج، والبنت كبرت والخطاب بيدقوا بابها كل يوم، قولي الصراحة، وراك إيه أهم من إنك تعمل بيت وتستقر ويفضل لك عيل في الدنيا؟ بلع ريقه بصعوبة وعينه لمعت بالحسرة والكسرة وهو بيتذكر ليلى وبيعرف إن طريقها بعد عنه خالص، وبص للأرض وقال
مش ورايا حاجة يا أمي، بس أنا مش عايز أخد خطوة زي دي دلوقتي.. الجواز مش لعبة، وأنا مش قادر أظلم بنت معايا وأنا مشاعري وقلبي مش موجودين في الصورة، اأنا بقولك إني مش جاهز نفسياً ولا عقلياً لأي ارتباط دلوقتي، وهي تستاهل حد يكون مقبل عليها بكل قلبه، وأنا مبملكش دة ليها اتنهدت بحسرة وحطت ايدها على صدرها وقالت بصوت هادي كله حكمة وبتحاول تقنعه بالعافية
يا فارس يا ابني، الحب والمشاعر دول بيجوا بالعشرة وبالمعاملة والأصول، هي بنت خالتك وعارفة طبعك وهتستحملك وتشيلك في تعبك قبل راحتك، والبنت شاطرة وهتملى عليك شقتك دي بالخير والبركة.. بلاش تقفل في وش نفسك الأبواب وتقعد تبكي على لبن مسكوب معادش منه فايدة.. أنا أمك وعارفة مصلحتك فين، والهروب مش هيحللك حاجة، بل بيزيدوا همك هم ونكد
قامت من مكانها بالراحة ومشيت لترابيزة صغيرة وصبت كوباية مية ورجعت وقفت قدامه ومدت يدها بالراحة واتكلمت بحنان غلب على صوتها وزعلها اشرب يا ابني وهدي نفسك، انا مش بضغط عليك علشان أضيق نفسك، أنا بعمل كدة علشان نفسي أشوفك مبسوط ومطمن والضحكة ترجع لوشك اللي بقاله شهور مقلوب ومهموم، فكر في كلامي بالعقل وسيبك من العناد اللى هيهد حيلك على الفاضي
اخد منها كوباية المية وشرب منها ببطء شديد كأنه بيهدي النار اللى جوا جوفه، حط الكوباية على الترابيزة الصغيرة اللي جمبه وبص لوشها ولمح الدموع والعشم اللي في عينيها ف حس بالذنب الرهيب إنه بيكسر بخاطرها دايماً وبيرفض طلبها الوحيد في الدنيا بسبب حبه الصامت والضائع لبنت الحارة، أخذ نفس طويل ومسح وشه بكفوف إيديه وبص لها بنظرة هادية وقال بصوت
خلاص يا أمي، متزعليش نفسك وحقك عليا، أنا مش بعاند معاكي ولا حاجة، وأنتي على راسي من فوق ودعائك دة هو اللي ممشيني في الدنيا، انا بقولك إني هفكر في الموضوع دة بجد ومن غير عناد، اديني بس كام يوم أظبط أموري في الورشة ونفوخي يهدى من ضغط الشغل، وهقعد معاكي ونتكلم بالأصول والواجب اللي يريح قلبك ملامحها انفرجت فورا والابتسامة رجعت تنور وشها العجوز وطبطبت على خده بحنان كبير وقالت
ربنا يهديك ويصلح حالك ويريح بالك يا ابني ، روح يا شيخ إلهي يرزقك ببنت الحلال اللي تسعد قلبك وتشيل الهم من عليك هز راسه وسكت ورجع بص للشاشة وعقله رجع تاني يلف ويدور في حلقة مفرغة بين كلام أمه وعشمها وبين طيف ليلى اللي مش عاوز يفارق خياله وعيونه لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!