قولي برب الكَون من قد أوجَعكِ بثي إليّ همومكِ فأنا مَعكِ وإذا ذرفتِ دمعةً سأضمّها لا تحزني فالقلب جاءَ ليسمعكِ. تحت تأثير حلم مرعب، بزون أسود، طفلي علاوي، الشامخ، العمة، أولاد العم، والحلم كان بإشراف العم فياض. صرت أباوع لمسرح الأقدار، أشوف روحي مربوطة بسلاسل من حديد. وابتسامات غدر وأشباح تحوم عليه. روحي ذابت قد ما تكرر المشهد عليه، وتعالت الضحكات أكثر. جان عقلي طاير، ما أريد أفكر بأي شيء. همست من بين أسناني:
"روحي تريد أنتقم منكم، متشوقة أذبحكم. أخلص منكم، ما راح يمنعني عن انتقامي منكم بس الموت والقبر." فتحت عيوني وأهدابي مبللة بالدموع، رفعت عيوني لفوق، مسحت بقايا دموعي. من كل الموجودين بالحلم، محد أثار قلقي وخوفي وانهياري غير عمي فياض. وجوده بالحلم سبب عندي حالة من الهلع والرعب، وهو اللي جان واقف بالنص وباعدني عن ذياب. درت وجهي بالمكان، شفت ذياب كاعد على الكرسي ومرجع راسه لورا ونايم. همست بصوت خافت:
"ذيبي، ذياب أبو علي." باوعلي، وقف، إجه تقرب مني ولزم إيدي، كال: "ها حبيبتي، شلون صرتي؟ أجيب لك شيء؟ تردين شيء؟ حطيت إيدي على فراش السرير، همست بحنان: "تعال نام هنا، انكسر ظهرك وأنت نايم على الكرسي." ابتسم وكرص خدي: "أريد راحتك، أنا أخاف أنام حدّرك وأأذيك." ابتسمت: "لا ما تأذيني، أصلاً أنت راحتي." تنهد وباس إيدي، كال: "شلون صرتي؟ عليش تخوفيني عليكِ؟ حطيت إيدي على عمليتي:
"شوية أحسن بس ذياب صدق عود أنا عندي سكر وضغط وعجز بالقلب؟ رد عليه: "لا تخافين، ماكو شيء إن شاء الله. حتى لو سكر وضغط، هاي من الهبطة لأن انهبطتي وخفتي، إن شاء الله مو مزمن." همست: "الحمد لله، زين علاوي شلونَه؟ ضحك: "زين، وكِح مبين يتحرك كثير." ضحكت: "ههههه هو ببطني وجان شابعني رفسات ودفرات." كال: "إي مبين وكح، خليه أحسن هيج حتى من يكبر يكون سند لأمّه." لزمت إيده حيل وعصرتها:
"ما أريد سند غيرك من بعد ربي يا ذياب، أنت سندي وأنت كل أهلي وناسي." حط إيده على صدره: "سندك وحبيبك وأبو بيتك والعالم كله، لو يتحالف ضدي ما راح أتركك ولا أتخلى عنك." جريت نفس: "أنا تسلحت بيك، أنت سلاحي يا ذيب. أنت الإنسان اللي رافعة راسي بيه وما أخاف بوجوده." وخرت كناكيري من وجهي وتحمست: "ذياب أنت تخبل، أنت ليش هيج حلو؟ ضحكتك يا الله عالم آخر، بيض ومسفطات وناعمات عبالك عقد مال لؤلؤ." ضحك على حماسي: "شنو يووول شهالوصف؟
وبعدين شنو اللي يشبه اللؤلؤ؟ ابتسمت: "أسنانك." عصر خدي بيده: "الرجال مو أهم شيء حلو، المهم مواقفه وأخلاقه." جاوبته: "ول ونعم منك ومن أخلاقك ومواقفك." تقرب مني وهو يباوع لعيوني وبعدها ركز بشفايفي، تقرب أكثر. نزلت عيوني مرتبكة منه. اندك الباب وهو ابتعد، كال: "تفضل." دخلت الممرضة كالت: "بس بلا زحمة سيدي، الطفل علي جوعان والدكتورة طلبت أمه تجي ترضعه لأن جوعان حيل وما يقبل ياخذ الممة."
هامت روحي وكعدت بسرعة، صرخت من وجع العملية، ذياب لزمني رجعني لمكاني، رفعت عيوني إله برجاء وحزن: "ذياب، علي جوعان، عوفني أروح إله." رد عليه: "لا هساع أنا أروح أجيبه، أنت ارتاحي." جاوبته الممرضة: "سيدي لازم هي تجي." رمقها بنظرة، نزلت نظرها وردت عليه: "بس عادي نحكي للدكتورة عن وضع أمّه وتجيبه هنا." راح هو قبلها وهي لحقته. ظليت منتظرتهم وأحسب الدقايق عبالك سنين. دخل عليه بس علي مو وياه، انعصر صدري وهميت بوقفتي:
"هااا ذياب، علي وين؟ تقرب مني وساعدني، كال: "لا تخافين حبيبتي، ما كدرت أطلعه من الخدج أخاف تسوء حالته، لذلك إجيت آخذك إله أنا." لبست نعالي وهو ساعدني، لزم إيدي وحط إيده الثانية ورا ظهري، مشينا بالممر الطويل. وصلت للخدج، سمعته يصرخ من دون الأطفال وصوته واصل عندي. دخلت شفت الدكتورة تحكي وياه وتهز بيه وهي تسكته: "كافي حبيبي كافي يا حلو أنت، هسه تجي ماما وترضعك."
وصلت عندها بروح هايمة، ومن اللحظات اللي مستحيل أقدر أنساها، من اللحظات اللي تهيم بعقلي وعايشة بوجداني. همست له بحنان ودموع: "هااا يمّه علاوي." جان يبكي، أول ما حكيت سكت وهدئ من بكائه وظل يرمش بعيونه، أول ما سمع صوتي سكت. تقربت منه وحركت إصبعي على بشرته الناعمة ودموعي تتسابق، ضم إيده على إصبعي.
تمنيت لو العالم كله يتوقف، تمنيت لو أطير بهاي اللحظة على ابني، رغم قلة أيامه حس بيه، سكت من سمع صوتي ولاذ بيه وضم إيده بإصبعي. علي هو المعجزة اللي صارت بحياتي، هو عقلي وروحي، باوعت لذياب وأنا أمسح بدموعي بفرحة: "شفته؟ شفت شلون سكت من سمع صوتي؟ يعرفني أنا أمّه." احتضن أكتافي بابتسامة وحزين على حالي: "شلون ما يعرفك؟ أنت الشفتي الضيم بيه، أنت أقرب إله مني، شلتي ببطنك وولدتي." همست من بين دموعي:
"الحمد لله يا رب، ألف الحمد لله." أخذته وأيادي ترجف، كعدت على القنفة وهو كعد بصفي يناغي له ويلعبه ويحكي: "باباتي علاوي، ول ملعون تعرفنا؟ تريد أهلك، أول ما دحكت علينا سكتت؟ أنت شعرفك هذا صوت أمك لو أنت مثل أبوك قلبك دليلك؟ ابتسمت وضحكت، باوعت لذياب وعقدت حواجبي بحنين: "هههه ينافسك بالمحبة ذياب." رد عليه بعصبية مصطنعة:
"ول خالي احترقوا أهلي، هذا المصكوع عمره كلها أسبوع ونص وجاي ينافسني بالمحبة، لا هيج كثير، أكضبه الكحه للبزون اللي لقيتها تحوم عليه إذا صار هيج الحكي." ضربته بعكس إيدي على بطني وباوعت له متعصبة: "ول ذياب تشمر ابني للبزازين؟ حتى والله أنا أشمرك بالغابة أخلي الوحوش تاكلك." جر نفس وحك شعره: "عجل صدق هالملعون طلع أعز مني." عقدت حواجبي بترقب: "لا لا مو أعز، تتنافسون أنتم، ما تشوف صار عندي عجز بالقلب؟
قلبي عجز يحب منو أكثر بيكم هههه." جر نفس حزين ورجع ظهره على القنفة، خلى إيده ورا ظهري، كال: "لا إن شاء الله ما بيكِ شيء، يلا رضعي علاوي." درت وجهي عليه بهمّة: "ياااا، والله وتريد كدامك؟ أخاف ما ترضى." رد عليه ببرود: "أرضى، عليش ما أرضى؟ يصح لي أن أشوف فاكهة الجنة، أشوف قيمر العرب." لزمت ثوبي حيل من ناحية الصدر: "لا ماكو، اتفضل بالانتظار عزيزي من دون مطرود." تعصب ولزم إيدي: "ول قربان، أعطيكِ عين تفكسيها، تطرديني؟
بلعت ريقي بتوتر: "هااا لا أتشاقى وياك، شنو أنا وأطردك؟ قابل هو مستشفى اللي خلفني." بعده عاقد حواجبه ورجع رخى ظهره على القنفة، كال: "عجل رضعي الوليد راح يموت من الجوع، واتركي دلع البنات على صفحة." درت وجهي منه وأنا أتذمر، همست من بين أسناني: "هسه شنو؟ ننتظر برا، أخاف أنوب تدخل علينا وحدة من الممرضات وهو مكابلني، هسه تقول شبيهم ذول؟ كال: "ول شتحكين؟ تسبين بيه؟ ضحكت بتوتر:
"ههه لا لا يا يمعود صدق جذب، ينقص لساني إن شاء الله بس دا أقول أخاف تدخل وحدة من الممرضات." رد عليه: "ترى أحنا بغرفة الانتظار، على شنو داخلة؟ طلعت صدري وغطيته بجاكيتي، جان شوية جو بارد، فلابسة جاكيت أنطته إلي البنت المصرية. أنا أرضع بعلي وهو يحرك إصبعه على شعر علاوي ويتلمس بخدوده ويطخ بصدري، شقد سخيف ما يستحي. رجف جسمي باللحظة وإحساسي أخذني للماضي الأليم من جنت متجردة من إحساسي، من جانت نظراتي ما بيها حياة.
من جنت طفلة وانسجنت وبين جلادين ما يعرفون الرحمة وكل همهم سفك الدماء. جان هو المنقذ اللي جنت أدور الرضا بعيونه، أدور الحنية منه، أحسب ألف حساب لكلامي وياه، راضية بكل كلمة ينطقها. ألوذ بيه وأحتمي بسده، حلّفته بشاربه وما خذلني، جنت خايفة يستغلني بس ثبت لي العكس. ملكته روحي وعقلي وهمت بيه، تاهت عناويني وياه، ضايعة ولقيت نفسي بيه، عالجني بعد ما جرحوني أقرب الناس إلي.
أتهموني بشرفي وهو صدقني، ألمني وبيه طردني وهو أحتواني، جنت مثل الجوهرة بيده، خايف عليّ حتى من نفسه وأخذني بالحلال. انتبهت عليه بعد ما نهرني بغضب: "عليش تبكين؟ ما مليتي؟ شوكت تخلص هلدموع يا قربان؟ أنا من أدحك لدموعك أهاجس أنا السبب، أهاجس أنا مقصر وياكِ." بلعت ريقي المر بحرارة وهزيت راسي بنفي: "لا يا أبو علي، أنت ما نزلت دموعي، أنا أبكي من القريب اللي ألهاني." رد عليه كال: "أما القريب فقال: اقتلوا يوسف،
وأما الغريب فقال: أكرموا مثواه. يا قربان، الله هو اللي يرزق بإنسان يحبكِ ويحتويكِ ويحترمكِ، لو ما فعايل القريب بيكِ أنا ما التقيت بيكِ ولا اليوم عدنا علاوي." جاوبته بمرح منبعث من أعماق روحي: "أنت أحلى صدفة صارت بحياتي، أنت ملحمة مو بس إنسان، مرات أحسد نفسي عليك، ما فد يوم أذيتني ولا عطت بيه ولا ضربتني." رد عليه:
"ول تنكسر إيدي إن شاء الله إذا مديتها عليكِ، أنا ليلي كله ما أنامه وأفكر شلون أسعدكِ وأأمن مستقبلكِ وأمحي منكِ هلماضي التعيس، شلون أنا أمد إيدي عليكِ؟ مسودن عاقل أنا؟ جاوبته: "تدري من يوم اللي تزوجنا لهذا اليوم وأنا كل يوم أصلي صلاة الشكر ركعتين لوجه الله تعالى لأن خلصني من عار الذكور." انطاني زينة الزلم. أي والله خلصت من شرهان العار، وأخذت تاج رأسه ورأس الخلفه.
رد عليه بانزعاج: يولي لا تجيبين سيرته، يسبب لي غثيان هالعار. كمل بهمة: صدق قربان، أنا كنت عبالي عمك هو السبب باختفائك، لهذا السبب أنا خطفته، بس اكتشفت أشياء كثيرة عنه. استغربت: شنو هي؟ جر نفس كال: أنتِ تدرين بيه متزوج أم بثينة، مو صح؟ هاي ورا ما مات عمك أبو بثينة. جاوبته باستهزاء: لا ما أدري يا حقراء، ليش ما عزموني؟ جان رحت رقصت لهم وفرحت لهم وجبت لهم هدية... بس أخاف ما عزموني لأن أنا ما عزمتهم بعرسي.
ابتسم: ههه، لا المشكلة مو هنا، المشكلة عمك متزوج وحده راقصة من البار، ومرته أم بثينة ما تدري. فتحت عيوني مصدومة: عزا بعينه، هذا ما يشبع من النسوان! ما يعطل، صايرة أتقزز منه... رد عليه: خيولي حيوان، عنده شهوته أول أولوياته. كتله بحزن: بس تدري ذياب مو أقل تعاسة من ابن عمك وأخته وعمتك... ما تعرف شسوو بيه، جرموا بحالي، هجموا عليه داخل بيتي، أنوب بعدها ضربوني، هذا قتيبة هو اللي ضربني، رادوا يموتوني.
عصر إيده بقوة ورد عليه: حسابهم قاسي وياي، صدقيني أنتِ بس صيري زينة وشوفي شنو راح أسوي بيهم. تجاهلت العاصفة اللي سكنت بصدري وكملت بعبرة تحنق كل جزء بيه: ولادة جديدة وعملية، كنت ما أقدر حتى أوقف على طولي، وهم يجون يهددون بيه، أنوب هاي عمتك تقول ذياب خطب فيفي، عود تحرك بقلبي.
بس أنا قلت لها: لا ذيبي، أنا واثقة منه ما يسويها، وأكيد يدورني، ومن راح يعرف راح يذبحكم، كنت أدري بيك أنت ما خاطبها، وأدري يريدون يكسرون خاطري بيك ويشككوني. همس عند أذني: وأنا أبدل الورد بالزبايل، أشوه إنك ما صدقتيهم، جان ذبحتك. ابتسمت على تهديده: ساعدتني وحده مصرية، لأن هو قتيبة أنا ضربته بمقص بظهره، بس هو تخبل وضربني، وهاي المصرية هي ساعدتني. وقف وجر نفس عميق، ظل يباوع لي وعيونه تنطق بالحزن والعطف عليه،
عض على شفايفه كال: بسيطة قتيبة ول عار مهلس، أنت شنو كلك خلق مراهق تمشي بشور أختك... كتله: هو شقد عمره؟ رد عليه: خمسة وعشرين سنة. ... بس مو مراهق. جاوب بعصبية: يروح ستين فدوة للمراهق، هذا مو بس مراهق، هذا خنثة... لزمت إيده بحنان: اقعد أبو علي، يروح لك فدوة، خلي أحكي لك عن الدكتورة اللي جبتني، أنت مو نقيب؟ رد عليه: لا يول، أنا مو نقيب، أنا رائد.
ابتسمت: ياااا نسيت، ونبي أنت ترقيت، غير ما تدري بيه وأنا مخلصتها أهدد، وأنا زوجي نقيب، وأخلي يسجنكم، أمداني طلعت رائد وأنا ناسيه هههههه. اختفت ابتسامتي من شفته ما ضحك كال: قربان احكي من دون ضحك. كملت بجدية: أي سيدي، أنت مو رائد، أنا أريد أقدم دعوة على عمتك وقتيبة وفريال وهاي الدكتورة، لأن خطفوني وجان متت أنا وابني. رد عليه: تندلين مكانها؟
هويت راسي بنفي: لا ما أندل، أنا من ضربني ونزفت دخت وأغمي عليَّ، ما صحيت إلا وأنا والدة ومسوي لي عملية بعيادة خاصة. بس شنو اسمها ووين ما أعرف، لأن أنا ما أندل بمناطق بغداد، تعرف بيه ما طالعة، وشغلة ثانية من أخذوني كنت فاقدة، ومن طلعت من العيادة كنت خايفة ودايخة وموجوعة. جر نفس كال: مو المشكلة هن ما راح يعترفن بنات الشامخ وأعرفهن كلش زين، وقتيبة راح ينكر أو يمكن هن ينكرن.
فلازم أنا أعتقل الدكتورة اللي سوت لك عملية وبعدها أخلي هي تعترف عليهن، وأسجل دعوة ضدهن... نفخت بحزن: مو قلت لك أنا ما أندلها ولا أعرف حتى اسمها، بس اكو بنية مصرية دزيتها عليك ما اجتك؟ كال: اجت بس أنا كنت مو هنا وراحت، قالت ترجع من جديد، وقلت لأبو خليل اعتقلها إذا اجت... جاوبته: هي اللي راح توصلك لهم، وأنا متأكدة إن هي راح ترجع لك، لأن عندها شغلة وتريدك بيها.
رفع إصبعه بتهديد: لازم أوصل لها، ولازم آخذ دعوة منها، وأعتقل الدكتورة، تا يكون عندي مستمسك ضدهم للمستقبل، خاف يهددوني بيك ويقولون سجينة ومعارضة للدولة، وأنت تنتمي للدولة. رفعت عيوني له وأنا أرمش. كال بعنفوان: ول قربان لا ترمشين بعيونج، يورني ور. ضحكت، كعد يمي وسحب كتفي، باوع لشفايفي وطبع بوسة وذايب بيه. ابتعد شوية وأنا نزلت عيوني أرتب بشعر علي. حكى ويه علاوي بزعل: بويه علاوي، شنو ما شبعت المحبوبة؟
ابتسمت: خلي يرضع جوعان. رد عليه: وأنا هم جوعان. حطيت إيدي على خدي: يا عزا ما ماكل شيء، سودة عليَّ، خلصها هالفترة مطاعم، وإن شاء الله من أصير زينة بعد كله أنا أسوي لك أكل. ضحك بغموض، رجعت أرضع بعلي وألعب بشعره. ................ وئام... مشاعر يابسة تنحصر بظل الماضي... ونه حنين تنتهك شبابيك النسيان... انغرست بداخلي غصة حرمان وكأن الماضي يعيد نفسه.
والقدر يلعب لعبته مرة ثانية بين ذياب وبين أبوي، نفس الموقف ونفس اليوم المليان بالوجع... غصة حنين ما ترجمها الوقت، لحظة مستبعد بيها الفرح. بنفس هذا اليوم الشامخ قدم تذاكر الرحيل لأمي ورحلها من حياتنا... وقعت أمي مثل ورقة من شجرة ونفوها، وصرنا أيتام أنا وفاروق، وعشنا بظل أصعب الظروف... من كملت كلامها فريال، من هول الصدمة أنا ما أعرف شنو الصار بيه، عبالك مثل واحد لقحوا عليه ماي بارد.
حتى أسناني اصطكت وكضبت إيد محمد قوي، بلعت ريقي والرجفة اعتلت جسمي، معقولة ذياب متزوج بالسر... وهو الذيب الصابر على قوانين جدي... تقرب منها الشامخ وكضبها من أكتافها بكل قوة وقسوة وضربها بالحايط، خافت من حركته، قال لها بصوت ارتعد له البيت، هزها بقوة رعبتها: ول فريال لا تخبليني، شجاي تحكين أنتِ؟ بلعت ريقها من رعبها منه وغمضت عيونها بخوف، اغتاظ من حركاتها. بغضب كبير خلى إيده حدر حنجها وضغط عليها حتى تغير لون بشرتها،
صرخ بيها: لا تخليني أكرر سؤالي يا فريال، احكي شجاي تحكين على ابن عمك... بلعت ريقها وتشجعت نفسها ودمعتها متلألئة بطرف عينها: أي ذياب متزوج، ومرته جابت ولد، ومن زمان محد يعرف بيه، ومن كثر صلافتها ووقاحتها اجت على عرس أختي وفاء وحذيفة. عقد حواجبه وكأن يفكر ويستعيد ذاكرته، قال: اللي اجت ويه أم خمائل المنتسبة؟ جاوبته بحركة قلب: أي هي، وحامل منه وجابت ولد.
أردفت وهي تأشر على عمتها: وعمتي اللي الكل صار ضدها هي حاولت تسد الموضوع وتسفر البنية للخارج وقتيبة وياها، ومن عرف ذياب ضرب قتيبة طلقة... ابتلعت ريقي بصعوبة وأحس جسمي يرجف من هول الصدمة، رعب دب بكل جسمي. من دحكت للشامخ انتفض ضد كلام فريال، كضب التحفية الموجودة على الطاولة الكزاز وضربها بقوة بالطاولة، تناثر كل الكزاز وكمزنا كلنا وارتعدنا من تصرفه... صرخ بصوت عالي
هز أركان البيت وجدرانه: والله وجنيت على نفسسسسسك يا ذياب. كعد على القنفة وخلى إيده المجعدة على وجهه، سحب نفس عميق وعاط بعمتي صبيحة: جيبي لييي مااااااي. ركضت عمتي صبيحة للمطبخ جابت له طاسة ماي كزاز، لأن هو ما يشرب بالكلاص ما يروي... شرب الماي دفعة وحده وبعدها ضرب الصراحية الكزاز بالحايط، لحظة صمت وبس الكزاز متناثر ومالي كل المكان. فلش أثاث صبوحة...
فرك وجهه بعنف: لا يا الشامخ، مو أنت اللي تنكسر هيبتك قدام الكل، مو أنت اللي يهينك ذيبك. تكلطت منه عمتي صبيحة وحطت إيدها على كتفه، قالت بصوت حزين: بووويه. دفع إيدها غضب جامح وصرخ بيها: وخري مني، لا أبوكم أنا ولا أعرفكم كلاب ملاعين. رجع وقف وهو يلف بعباته ويهتز من قوته: ما يحق لك تتماده يا ذياب، وأنا مفضلك على الكل، ول ما تجهر بزواجك، متزوج بالسر، عجل بسيطة يصير خير... رجع دحك لفريال: وأنتِ أخوك شلون حاله؟
ردت عليه وهي تبكي: شلون حاله يا جدو، ضاربه طلقة عمود وحده ما تسوى أظفر قتيبة. ضحك باستهزاء: هههه عجل قاتل ابن عمه لخاطر حرمة، والله وطحت من عيني يا ذيب، لخاااطر حرمة تقتل ابن عمك!!! عجييييب. والله يطلقها وغصباً على عشيرته وعلى اللي خلفه هالعار، كنت عبالي حزام ظهر وهو يشيل اسمي من بعد موتي... صفق بيده وهو يتحسر: يا حيف والله يا حيييف و وسفه عليك يا ذيب، تعيد لي ماضي أبوك.
بس والله مثل ما خليته يطلق أم فاروق وطيحت حظ فاروق، هم أخليك تطلقها وأطيح حظ ابن الغريبة اللي جبته لي، أنوب بالسر متزوج... صاح على أبو سوزان: أبو سوزان تعال أخذني لقتيبة، أريد أروح أتلحك الأمور وأشوف قتيبة شلونه ويدليني على شقة ذياب هو ووكح... ته. خلوه وراحوا، راحت وياهم صبوحة وفريال، وأنا وسوزان ضلينا بالبيت... كعدت مصدومة من اللي صار، حاسة بدوار، فعلاً أريد أتقيأ من اللي صار.
يعني معقولة ذياب متزوج بالسر وعنده ولد، وهسه يتركها ويذلها مثل ما أبوي ذل أمي وخلانا أيتام عند الشامخ. الله يكون بالعون، أستغفر الله ربي وأتوب إليه... ................ فاروق... كاعد وساكت بالسجن، رغم قبل شوية انتفضت أنا صديق الريس، ولو يدري بيكم الريس ساجنيني طلعوني بسرعة. صرخ بيه الشرطي: تسكت لو شلون، عود من نصعدك تحقيق روح قول أنا صديق الريس.
والله بعد شأسوي كعدت وسكتت، ضلينا أنا والمساجين نسولف ونذكر سوالفنا وبطولاتنا بالحروب... باوعت لإصبعي من كطمته ضحكت: والله وفادني هم، خلاني أزامط أنا رفيق الريس وهم حصلت لي كم فلس من سلبوحة وهم أخذت سوزان... شوية وقالوا: فاروق الشامخ تفضل ويانا. فرحت ووقفت بهمة: هااا إفراج؟ رد عليه الشرطي بملل وتذمر: لااا عندك زيارة.
استغربت منو يزورني بهالوقت، ذياب لو عمر، أفَا والله إخوتي النشامة ما خلوني وحدي، يعرفوني أتقزز من السجن، والله ونعم من الشوارب ونعم من إخوتي. والله طلعت أمشي بغرور وأتبطر وفاتح إيدي، عود أخوي رائد وأنا صديق الريس، والرائد جاي بجلالة قدره يطلعني من السجن. وقفت يم السور مال السجن ولزمت الحدايد وأشوفها واقفة كأنها حمامة لابسة تنورة بيضة قصيرة وبدي جوزي.
عاد أنا من شفتها عقل ما ظل براسي، عيوني طلعت مترين لقدام، أفَا أنا مرتي تطب للسجون وجاية تخرط بشحاطتها أم الأصبع وجنطتها كأنها جنطة أم كلثوم بآخر حفلة لها. هي انتبهت لي وضحكت اجت تركض بفرحة شافتني، وأنا أعض بإصبعي وأتوعد لها، توقفت خطواتها خايفة مني. قالت بارتباك: فاروق. رديت عليها: أنعل أبوك يا أبو حتى فاروق، ولج سوزان شجابك للسجن ولج ما تستحين؟ دمعت
عيونها وبلعت ريقها بإحراج: فاروقي ونبي من بابا قال أنت ناقل قتيبة للمستشفى ومعتقلينك، أنا شعر ما ظل براسي، قلت لازم لازم أروح أشوفه. رجعت ضحكت ومدت إيدها لجنطتها، وأنا لو ألزمها أسقطها تسقط سور السجن، هو اللي لازمني عنها، إلا أيبسها تيبس. ظلت تبحوش بجنطتها وطلعت منها جيس حب عين الشمس وجيس فستق وحمص وحامض حلو.
مدتهن لي وهي تبتسم قالت: حبيبي جبت لك هاي شوية كرزات، هاي أكل بيهن بين ما يطلعونك إفراج بلكي أروح لذياب ويطلعك، لأن هو ما يعرف بيك هنا... تنفست بغضب وأنا متحكم بأعصابي وكاتم قهرتي: سوزاااان امشي ولي من وجهي. عاطت بوجهي متعصبة: أووووع هاي شبيك ما عندك إتيكيت؟ هاي فوق ما جاية أشوفك ومقهورة عليك، تاليها هيج تعاملني... والله مدري شلون ولزمت إيدها وركعتها بحدايد السجن، صرخت: ااااه.
عضيت أصابعي وأنا ألطم: أنا ما عندي إتيكيت بت الشحاطة أنا؟ وبعدين لا تصرخين ما تستحين أنتِ جاية بنص الشرطة وهم كلهم ساقطين وكواويد... ردت عليه ببراءة: حبيبي فاروق وجعتها الإيد يعمري أنت.. ونبي، ونبي إني من عرفت بيك داخل السجن وأنا ما أعرف إيش صار بيه. اجيت دا أواسيك. غمضت عيوني وأنا أصبر بنفسي: سوزان، قبل للبيت، منو جاي وياج ولج؟ ردت عليه: لا لتخاف، السايق مالت بابا. رفعت حاجب: حلو لو لا؟ جبير لو صغير؟ مزوج لو لا؟
عنده جهال لو بعده ممخلف؟ ردت عليه وهي تبتسم بطفولة: أرمل ويشبه جدو الشامخ وكبير مشيب. باوعتلها بنظرة شك: أي حتى لو، أنا هم الشياب ما أرتاح لهم، روحهم رهيفة وخضرة وما يستحون. ردت بدلع وهي تلعب بخصلة شعرها: لا حباب وفقير. جريت نفس: أي شلونج؟ ردت: ما لي لون من بعد لونك فاروقي. تقربت من سور السجن بهمة ولزمت إيدي بحنان. توجعتي من لزمت إيدج حيل؟ هزت راسها بأي، فركت إيدها ومدت شفايفها بطفولة: أي توجعت شوية. باوعت يمنى يسرى.
عضيت شفتي: بت الشحاطة لا تسوين هيج هالشفاف لا تتدلعين بيهن لا أجرم بيهن. ضحكت وبعدها عبست ملامحها: فاروق، ليش سجنوك يروحي أنت؟ هو مو ذياب اللي ضربه؟ نهرتها بغضب: سدي حلقج ولج لا طلقة تايهة. ضحكت وهي تحك بشعرها: ههههههه حتى قتيبة قال للشرطة من انطى إفادته قال طلقة تايهة، بس قال للجدو ذياب ضربني ههههههه إيش قد جذاب قتيبة طالع على فيفي. صكيت على أسناني: ولج انلصمي انلصمي لحد يسمعج. زمخت بوجهي: أنا إيش دخلني؟
إيش بيك بس تصيح عليه وما ترضى على كل شيء بس تهين بيه؟ ليش هيج تتصرف ويايه ومتحترمني؟ عيب عليك خلي عندك ذوق. جريت نفس واستغفرت ربي: يمعودة مو قصدي، بس أنت حاليا بالسجن تحكمي بلسانك، يبا راح تفضحينه. رفعت حاجب وخانقتها العبرة: لا أنت لأن تشوفني أحبك وممزقة نفسي عليك هيج دتتصرف ويايه، يعني هيج اللي يحبك تذله. بعد ما أحبك يله. ضحكت وتنفست بغيض: يبا شلون ما أحترمج؟ أنت الغالية، أنت أم عمر، أنت كل دنيتي وناسي.
جرت نفس: لا أنا أم سامان، أحب الأسماء القريبة من اسمي وتكون... قطعت كلامها: سوزان امشي روحي الخاطر الله، وبعد إذا اجيتي رجلك أكسرها. هزت راسها بأي: زين حبيبي جبتلك أكلات كلش طيبة وفاكهة وشغلات حلوة، أخذهن الشرطي عود آخذهم منه. هزيت إيدي: لا حصلنه يبا ميخالف بس روحي. ابتسمت: فاروق، دا أريد أعترف لك بشغلة كلش كلش حلوة. غمضت عيوني بملل: اعترفي بله. ضحكت وحطت إصبعها بطرف شفتها همست: أحبك. عضيت شفتي
أكلتها أكل وجريت نفس عميق: أحترك شيب أهلي من الغربية للبصرة إذا ما من أطلع من السجن أزوجج. غيرت الموجه وقالت بفزع: يااااا فاروق ما قلتلك إيش صار؟ استغربت: إيش صار؟ فرفرت شفايفها وتحرك بإيديها: لك عيني لك يروحي، فيفي فضحت زواج ذيب وجدو يبووو يبووو لعب لعب ظل ينطح. رديت عليها: إيش يعني ولج ثور وينطح؟ ردت عليه ببراءة: لك خلف الله على الثور انچلب لك يا عيني فلش أثاث بيتنا تفلش، ماما شوية وتنجلط. جاوبتها: ما انجلطت؟
ردت: لا لا مبيها شيء. ها ونسيت أقولك أول ما اجى جدو ضرب ماما راشدي، ملامح وجهها تخربط، الخشم صار بالحلق والعكس صحيح. صحت بصوت عالي وأنا أرفع إيدي: اللهم صلي على محمد وآل محمد. الله أكبر. تقربت منها أكثر: صدق ولج جدك هطر أمك براشدي؟ ردت بحزن: أي لك عيني لك فاروق، وأنا بجيت بجي على ماما ما تصدق شلال الدموع اللي صرفته على ماما. حكيت رقبتي: لا بصراحة هي صبوحا متساهل، بس على قولتك الشامخ انچلب.
جاوبت بعصبية: كووولش محد يرده. أنا اجيت أتعارك وياها بس خفت يتجاوز عليه ويضربني، وأنا إنسانة حساسة أخاف أموت. دقيت صدري بغضب: هلا هلااا غير ما رايد روحه وهو يمدها عليك. بالقرآن أسويها مكاصب أحط عكاله برقبتها. ابتسمت بخجل: أدري بيك فاروقي، أعرف إيش قد تحبني، ربي يخليك إلي، أموت عليك. ضحكت: جاا عجل شلون ما أحبج؟ غير أنت مرأة قلبي، وهسه روحي وبعد لا تجين، إذا اجيتي أكسر رجلك.
ابتسمت: تمام يروحي يله باي، وها حبي لا تخاف من السجن ولا تضوج، حاول تتأقلم كم يوم واكعدوا سولفوا قصص الأنبياء وإن شاء الله يجي ذياب ويطلعك. جاوبته: أي خوش بس روحي. حلت وراحت وهي تفر بجنطتها، وأنا أباوعلها إيش قد حلوة المدعورة والجسم مخصر، جسمها ما يعرف الدولمة والتشريب. رجعت للسجن كعدت ويه الشباب، أكرط حب بدون ما أكشره، خاف واحد يطلب مني، بخيل على قولة سلبوحة فقر. وئام
رجعت ويه عمر للبيت، قاعدين بالسيارة وأنا حسبة تجيبني وحسبة توديني. معقولة ذياب مسويها؟! صدق لو قالوا الخلف ما مات. بس يا ترى ذياب هم مثل أبويه لو يختلف عنه؟ زين شلون راح يواجه جدي؟ وشنو ذنبها هاي المسكينة اللي تورطت وهم راح يصير مصيرها نفس مصير أمي؟ لو ذياب له موقف ثاني يختلف عن موقف أبويه من تخلى عن أمي ونفذ كلام جدي؟ من هسه انقهرت على البنية وتذكرت حال أمي. انتبهت على صوت عمر وهو يحاجيني.
دحقت عليه وبعدها الصدمة مسيطرة عليه. ها عمر حجيت وياي؟ جاوب: يابه صار ساعة أحجي وياج، محمد يرد عليه وأنت صافنة. أدري إيش قد تصفنين، جايبينج بس تصفنين. هزيت راسي وجريت نفس وأحس حتى أنفاسي ثقيلة. بهاي اللحظة وصلنه للبيت، فتحت الباب دا أنزل. بس عمر استوقفني وهو يوجهلي كلامه بنبرة قلق، وصوته يحثني حتى أحجي. وئام إيش كو إيش بيج؟ صاير شيء؟ وجهج أصفر ومخطوف، ما راح تحجين مو؟ بطيتي مرارتي صار ساعة أسألج.
خليت إيدي على ساعد إيده بوهن وأشرتله براسي، وأحجي بثقل وأحس حتى بلعومي يابس. انزل خلي أسولفلك. نزلت من السيارة وكعدت بالحديقة، اجى كعد يمي. بدون ما يحجي بس يباوع عليه. باوعت لوجهه واسترسلت بالكلام. وبهاي اللحظة جنت من صدق محتاجة أحجي. تصدق عمر والله ما جاي أصدق الكلام اللي سمعته، ذياب أخويه... هز راسه ونظراته تتجول على ملامحي بحيرة وهمس: أي؟ جاوبت: سمعت اليوم من فريال وهي تقول لجدي ذياب متزوج وحدة بالسر.
عقد حواجبه وفتح عيونه على أوسعهم مصدوم: تحجين صدق أنت وئام؟ خاف سامعة بالغلط، أنت متأكدة؟ والله هذا اللي سمعته عمر، وجدي متخبل متخبل، اجى يموتها لفريال بين إيديه من جانت تحجيله. دار وجهه مصدوم وشبك أصابع إيديه وظل يحجي: مو ذياب أكثر واحد قريب لجدي ويحترمه ومطيع لكل قوانينه وينفذها بحذافيرها، معقولة يقدم على هيج خطوة وهو يعرف شنو يعني قوانين جدي؟
عمر مو بس هيج، يعني هو كلش زين يعرف جدي إيش سوى بأمي، مو طلقها من أبويه وأنا وفاروق عدها. التفت عليه: خاف عشقها الغريبة، هو هذا الحب يسوي بلاوي. سكت شوية وقال: معقولة هو اللي صوب قتيبة ببطنه؟ بس قتيبة قدم إفادته على أنو إصابته طلقة تايهة. ظليت أعصر بأصابعي: ما أدري عمر ما أدري، والله خايفة من الجاي، الله يستر يا ربي إيش راح يصير؟ خلى إيده على
كتفي وعصره ويباوع بوجهي: لتخافين إن شاء الله خير، ذياب كدها إن شاء الله يكدر يطلع روحه منها. هزيت راسي وهمست بنفس: إن شاء الله. قرص خدي وعيونه بعيوني، بس أهاجس أريد أبجي. قال: دضحكي عاد، مو حلو عليك هيج تبقين مدلغمة. ابتسمت مجاملة وخليت راسي على كتفه واختفت ابتسامتي وتفكير سيطر عليه مرة ثانية. اندقت الباب وراح عمر يفتحها وأشرلي أفوت جوه، وصلت لباب الاستقبال وسمعت صوت علياء أخته، بقيت واقفة بمكاني.
رجعلي الموقف من سألتني علياء عن سهام، أحس اكو شيء مخفي من خلال سؤالها، استنتجت هالشيء بس ما أعرف شنو هو. اجوا يمنا وسلموا، عمتي قالت: إيش عندكم قاعدين بالبرد؟ ما تفوتون؟ عمر جاوبها: لا زين الجو، خاف أنت بردانة مبين تريديلج رجل يدفيج. كلهم ظلوا يضحكون وأنا دحقت على علياء، جانت كل نظراتها تحجي بشيء ما أكدر أوصل له، عبالك لغة عيون بس غريبة عليّ.
دخلنه جوه وظلينه نسولف باللي صار اليوم وحادث قتيبة، وأنا كل شوي أصفن. عمر جان بصفي يخلي إيده على رجلي يعصرها ويفززني ويخليني أسرق ابتسامة. انتبهت على سهام تدحك علينا بقهر ومن اجت عيني بعينها ابتسمت مجاملة وعيونها تتجول بكل مكان وتتنهد. رحت للمطبخ أحضرلهم شيء ياكلونه، وحمودي جاع خطية. وقفت على الطباخ أخوط بالجدر وصافنة وإيدي على خصري تعبانة أحس جبال على ظهري.
لهناك وأتذكر قسوة جدي وعيونه الحمرة وشرايينه اللي بينت وهو يسمع الخبر اللي وقع على راسه مثل الصاعقة، كلما أتذكر قلبي يظل يرعد ويخبصني. وأنا واقفة حسيت بعمر ورايه، وجهه على رقبتي من ورا، رفعت أكتافي وكش جسمي. قلتله: عمر لاااا عافية لا تسوي هاي الحركة. دارني عليه ولزمني من خصري وقال: زين ليش مو أكثر منطقة بجسمج أحبها هي هاي؟ أحب ريحتج أحسها متركزة هنا وأريد أستنشقها؟ خليت إيدي على أكتافه
وجاوبته مبتسمة على كلامه: مو بعدني ما متعودة على لمساتك، انطيني صبر شوية خليني أتعود. قرص خدودي اثنينهم بإيديه وقال وهو مبتسم: صابرين يابه صابرين، هو إيش عندنا غير الصبر؟ بعدين أنت ساعة تنفرين ساعة زينة إيش سالفتج؟ هزيت راسي وهو كمل: ديله عاد فكيها النونة، ما أريد أشوفج ضايجة واتركي كل شيء للأيام. جاوبته: عمر هذا أخويه والله ما جاي أكدر أستوعب. قال: إيش بيدنا يا عيني، وبعدين أفا عليك تخافين على منو؟ على ذيب؟
لا هاي ما مرجية منج. بقلق وحيرة حاجيته: حقك ما شفت جدي وردة فعله، أصلا حتى ما كدر يصدق. جريت نفس وخليت راسي على صدره. قال: وئام ارحمي روحج وامشي غسلي وجهج وارتاحي، هسه أصيح علياء لو أمي يكملون الأكل. سمعنا صوت علياء تقول بجمود: ليش إيش بيها؟ وخرت راسي ودحقنا شفناها واقفة يم الباب وبنفس نظراتها السابقة تدحك. جاوبها عمر: تعبانة تعالي كملي الأكل. دحقت عليه قلتله بهمس: عيب جاية خطار هي خطية أنا أكمل.
قال: ديله بس أحنا راح ناكل. وأخذني للمغسلة فتح المي وظل يساوي سوا دافي وأشرلي: يله غسلي. هزيت راسي وغسلت وجهي. ومن خلصت أشرلي على الدرج وقال: يله فوووق قدامي يله. وكبل للجرباية. دحقته بعدم تصديق. قال: إيش بيج؟ نيتج وصخة دسبحيها، قصدي نامي وارتاحي وأنا هنا باقي لتخافين ما راح أصعد وراج حتى. وكتف إيديه ووقف بمكانه. ابتسمت. وصعدت كم باية سمعت صوته التفتت له. يقول: بس إذا دزيت حمودي واجى قالي أمي قاعدة ترى أغير رأيي.
قال هيج وغمز لي. بقيت أصعد وأدحكله أضحك ومكضبة بسياج الدرج. انطاني بوسة بالهوا. وأنا هم حركت شفايفي على شكل بوسة. وصعدت. قربى: ذياب يروح ويجي من شغلُه، مرات أخاف أظل وحدي وأنرعب. كتبوا لي خروج بس للأسف علي قالوا يظل لحد الآن بالخدج لأن حالته ما تسمح. ظليت عند علي، أروح وأجي عليه. بعدين قلت لذياب: خليني أروح للبيت، أريد أبدل وأسبح وأجيب لي ملابس حتى أظل عند علي. هو خطية ما قصر، أخذني. وصلنا للشقة لقيتها صايرة هوسة.
من سألت ذياب قال: كنا قاعدين بيها أنا وفاروق، وفاروق ما عنده اهتمام ههههه. ضحكت: أي أي، خليها برأس فاروق المسكين هههه. استغرب، قال: صدق قربى تذكرت، شعجب فاروق ما إجه إليه ولا شفته من يوم اللي نقلنا قتيبة للمستشفى لحد هالساع وهو ماكو؟ خاف صاير عليه شيء. عقدت حواجبي: والله ما أعرف يا ذياب، ليش ما سألت عنه؟ جر نفس وتأفف بقهر: ما تشوفيني مشغول؟ أنتي وعلي دين ما خليتوا برأسي. ابتسمت بفشلة: نعتذر والله.
قرص خدي وهو يبتسم بحزن: يول فدوة لك أنا وأهلي. جَرَّيت نفس بفرحة: فدوة أروح لك حبيبي ذياب، تسبح أنت لو أنا؟ نزع مسدسه من حزام بنطلونه ورد عليَّ، غمز لي: نسبح سوى، شنو رأيك؟ ضربته على كتفه وأنا أضحك: هههههه أروح أسبح لوحدي أحسن لي، بعدها عمليتي ما طابت أبو علي. رد عليَّ بغرور وثقة: أسبحك، أساعدك؟ هزيت رأسي بالنفي: لا شكرًا، أقدر.
طلعت ملابسي من الكنتور وأخذت المنشفة، سبحت بسرعة وطلعت. لبست ثوب ماروني فيه ورد ناعم أبيض وأسود، وفيه ياقة من فوق ودكم بيض، وحزام من نفس القماش. نشفت شعري ودا أمشط فيه، دخل ذياب يسبح وأنا أمشط بشعري. انتبهت للمسدس مال ذياب على الطاولة، جَرَّيت نفس وأنا أدحِق عليه. أتمنى لو أقدر أقتل بيه شخص واحد وبس، أريد أنتقم من عمي فياض، حاسَّته هو السبب بكل المصايب. أشحت النظر عنه واستعذت بالله من الشيطان الرجيم.
اندق الباب بكل قوة، تهطرت تهطر، قفزت من مكاني وباوعت بأرجاء الغرفة. وقفت يم الباب، قلت: منو؟ رد عليَّ بصوت قوي وغاضب: أنا الشامخ، جد ذياب، افتحي الباب. رجليا صارت مثل الخيوط، حسيت الزمن توقف عندي وإبر تنغز بقلبي الجريح. بلعت ريقي وهديت نفسي، تشهدت الشهادة كاملة، صبرت نفسي. قربى كوني قوية لا تخافين، افتحي الباب وواجهيهم، وراك ذيب مو ثعلب، وراك ذياب. فتحت الباب، أول ما فتحته قابلتني عيونه الجامحة.
واجهته أنثى ضامة بداخلها ضعف، خايفة من الهزيمة والانكسار. بلعت ريقي بصعوبة، همست: تفضل. دفعني بقوة، ارتطمت بالحائط، صرخت على إثرها ووقعت وأنا أفرك بكتفي. رجع باوع لي وعيونه تجدح من عصبيته، نظراته ترعب، قال: وينُه ذياب؟ ارتجفت شفتاي ونبضات قلبي تسارعت، نظراتي الخايفة أغاضته، لذلك هو تلذذ بخوفي. ضرب الباب بقوة: أقول لك وينُه ذياب؟ همست بصعوبة وتوتر: جـ... جوه.
دار وجهه، صمت لحظات وابتسم بعدها من شاف ذياب طلع من الحمام وهو ينشف بشعره. من شافه ذياب عبالك الزمن وقف عنده، وقف من تنشيفه لشعره وبعدها باوع لجده بثبات وخلى الخاولي على كتفه. باوع لي ورجع باوع لذياب كله: وها ذياب، المحروسة شتسوي بشقتك؟ ذياب صفن عليه وبعدها حكى بثبات وواجه جده: زوجتي وأم ابني، يعني شتسوي مثلًا؟ رد عليه: ها ما شاء الله، وبدون أي خجل تحكيها ومفتخر مو؟ ذياب:
شي طبيعي أفتخر، زوجتي ما طلعت منها مكسورة، حافظتني بوجودي وبغيابي. جحضت عيونه من كلام ذياب ودار وجهه عليَّ وصفق: عفية عفية عليكِ ما شاء الله، ذياب يحكي بثقة، من يا مستنقع وصخ جابك ذياب؟ نزلت عيوني وما جاوبته، حاليًا أنا دا أحارب دموعي ما أريد أبكي، أريد أقوي نفسي، ما أريد أرضخ له، ما أريد أكون ضعيفة. بس للأسف أنا مثل جناح الفراش، هشة ومشاعري ناعمة، بسرعة أنجرح والكلام القاسي يكسر خاطري حتى من الدنيا.
عضيت شفتاي وبلعت الغصة وسكتت. رد عليه ذياب بقسوة: مرتي جبتها من أطهر بيت، مظلومة وطاهرة وعفيفة وبريئة، وما أسمح لأي واحد يتجاوز عليها. فتح عيونه مصدوم من كلام ذياب، صاح بيه: ترفع صوتك عليَّ وما تحترمني؟ وين ذياب؟ وين ذاك ذياب الصبور المطيع لجده؟ ول ذياب، تكسر كلمتي وتنزل رأسي قدام العشيرة؟ والله ما كنت متوقعها منك، ول أنا اللي فضلتك على الكل. الكل يغار منك، الكل يتمنى العيشة اللي عشتها لها.
أنت اليوم وصلت بحدودي، أنا أنا اللي أمنت مستقبلك، أنا اللي كبرتك، وأنا اللي خليت الناس تهابك. فلوسك وبيوتك بالغربيه، مزرعتك، كل شيء تملكه أنا اللي الفضل فيه. وتاليها آخر عمري تكسر شيبتي وتجيب لي واحدة من الشارع حامل منها وصاير لك ولد منها، وتريدني أعترف بها؟ لا وألف لا، وتطلقها وغصبًا على خشمك وعيونها تشوف، طلقها، يلَّا طلقها. ذياب رد عليه بغضب:
محد سواني ومحد له فضل عليَّ، أنا اللي سويت نفسي وأنا اللي بنيت كياني، أنا تعبان بالمزارع والبيوت، وأنا كنت كل شغلك قاعد وأنت قاعد، هذا تعبي أنا وشغلي أنا، محد مفضل عليَّ. الشامخ:
هههههههه وفوق عملتك الشينة طلعت ناكر للجميل، والله وحرامات بيك كل اللي سويته لك. ول ذياب إذا ما طلقت هالساقطة هاي اللي قشمرتك، لا أنا جدك ولا أنت ابن ابني، واختار لو أنا لو هي، وأطردك من عشيرتنا، تظل طول عمرك لا تعرفنا ولا نعرفك، وطول عمرك مطرود ومن دون نسب. باوع لي وعيونه حائرة بيني وبين جده، مسح وجهه بتوتر وجر نفس، رد عليه:
جدي هاي مرتي وأم ابني، مستحيل أقدر أطلقها، ما أقدر، أنا أحبها. أنت جاي تطلب المستحيل. أنا أضمن لك راح تحبها مثل ما تحبني. حط رأسه على عكاله ونزعه، ونزع شماغه وعباته، ظل بس بالدشداشة. تقرب من ذياب وسحب إيده راد يبوسها. ذياب انصدم وسحب إيده، كله: لا جدي، العفو منك، أنت شجاي تسوي؟ رد عليه بغصة ورجاء:
أريد أبوس إيدك، أريد أتوسل بيك، عوفها طلقها. هاي مو من ثوبنا، اللي تتزوج بالسر ما تسويها بس اللي أصلها سز. ذياب يا جدي لا تكسرني وأنا أحبك. طلقها وأزوجك تاج رأسها، شتريد؟ لو تريد أسجل الغربية كلها باسمك أسجلها، بس لا تدنس نسلنا بهاي أم زواج المتعة. حطيت إيدي على شفتاي وانتحبت بصوت مسموع، وقلبي يرجف، أحس كارثة صارت بصدري. هز رأسه بالنفي ورد عليه:
تعذرني يا الشامخ، لو تنطيني العراق كله بماله وحاله ما أتخلى عن ابني ومرتي. شد على شفتاه بكل عصبيته وهام بالبيت وإيده على جبينه واستغفر ربه. بعدها اجت عينه على المسدس المركون على الطاولة وسحب أقسام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!