برحيله عم الظلام من حولي، بعدما كان هو لي نورًا وبلادًا، أرضًا وفضاءً. بعده استقر بي الحال جالسة على قارعة طريق لا يمره الفرح ولا تشمله سعادة. ترك قلبي أشلاءً مدماة من الحزن، تركني بحالة موت القلب قبل انتزاع الروح من الجسد في الرحيل الأبدي. رحل وترك حكايتي من دون بطلها، وأي بطل هو!
رحل وترك أيامي باردة من دونه. فقط لي الحق بأن أمارس الحزن من بعده. رحل نصفي الآخر تاركًا بي من الرعب أشده ومن الحزن أعظمه. غيابه صار يمزقني، وهمي أكبر من قلبي، بدونه أنا كمنفية من وطني وانزوى قلبي كيتيم مكسور. ترك برحيله فوق أكتافي جبالًا من الهم، جبالًا لا يستطيع ظهري الضعيف المحني احتمالها، رحيله جعلني قابلة للكسر بل كأميرة مكسورة تجر أذيال خيبتها، بعد أن كنت في حضرته أميرة شامخة. الآن أنا أتخبط كثيرًا وأنا بعيدة عن مملكته، عاجزة عن الوقوف ولم تعد قدماي قادرة على حملي. إحساس مرعب في أعماقي وتساؤل قلبي لي يذبحني ويحز نحري.
هل حكايتي معه انتهت، وأننا حتمًا انتهينا وإلى الأبد؟ انتزعت شظايا روحي من نطق آخر جملة، أخذوا فاروق مكانه! يعني لازم يسلم نفسه؟ يعني إحنا انتهينا، خلص كل شيء. ذياب مصيره تحدد ولازم ينسجن، وترتب على سجنه هواية أمور، منها طلاقي منه جزاء موت شرهان. ما أعرف إيش صار بيَّ من ذياب قال هيك، تزلزل كل كياني. جنت أنانية بكل شيء، أنانية أن أريد ذياب ما يسلم نفسه، متناسية إنسان مظلوم دخل للسجن بسبب ذياب. لزمته من
قميصه برجاء ودموع متناثرة: فدوة ذياب، فدوة. إذا لي خاطر عندك لا تروح، إذا تحبني لا تسلم نفسك. تنهد بقلة صبر ورد عليَّ: يا قربان، ما أقدر. أخويَّ بالسجن وإني السبب، من حقه يطلع. فاروق ما له سبب باللي صار، إني المذنب وإني اللي لازم أسلم نفسي من البداية. ما أريد أكون أناني وأخويَّ مسجون وإني مُحَدِّر هينَا. شهقت بحسرة: وإني ذيااااب؟ احتضن
أكتافي وعض شفته بأسف قال: لا تخافين، إني وصيت عليكِ. وهم كل السندات راح يحولهن فاروق باسمج واسم الولاد، وهم الفلوس كلهن أخذيهن. صرخت بحسرة: لاااااا، ما أريد. لا توصي ولا تسجل شيء. شنو الفايدة ذياب؟ شنو فايدة الفلوس والسندات؟ إني ما أرييييد لا فلوس ولا سندات ولا أي شيء. إني أريدك أنت، أنت يا ذياب مو غيرك. تمسكت بيديه وأعصرهن بيدي بقسوة وأحكي
بلهفة ودموعي تارسة وجهي: إني يا ذياب لو أعيش مشردة، لو أخلص عمري كله كله وياك نايمة على التراب، ما راح أشكي. بس المهم أنت ويايَّ، أنت بجانبي. بس وجودك بصفي هذا يكفي، بس نفسك بالحياة يسوى عندي الدنيا وأهلها. فدوة ذياب، حس بشعوري، لا تخليني. احتضني بحب ورد عليَّ: إني أروح فدوة إلكِ يروح لكِ فدوة قلبي ودقاته دقة دقة. لا تحيريني أبوس يدك، إني صاير بوسط نارين، ناركِ ونار فاروق.
ما أريده يظل بالسجن وهو ما له أي يد بالسالفة ويتعذب بسببي. فاروق تعب كثير وهسع يلا ارتاح، ما أريد يتحمل ذنب مو ذنبه. وأنتِ يا كاسرة خاطري وقهري، ما أريد أشوفكِ بهل حال. أنتِ إذا تظلين هيك راح تكسريني وتدمريني، ما يهون عليَّ أشوفكِ بهذا الحال. أريدكِ تكونين قوية، حرمتي اللي أعرفها اللي ما يهزها موقف ولا إعصار. همست بنحيب: ذياب ما أقدر.
باس يدي بحب قال: لا لا طمنيني وقولي لا تخاف ذياب، إني قدها. إني حرمتكِ راح أساعدكِ وما أتخلى عنكِ وراح أدير بالي على نفسي وعلى ولادي. هزيت رأسي بنفي: ما أقدر ذياب، من دونك ضعيفة إني. أنت الحايط اللي أحط ظهري عليه، أنت تكوتي. إني أقوى بيك أنت مو بغيرك. همس بحب: صبري حبيبتي، اصبري ووعديني. تشنجت وبكيت بصمت مريع: ما أقدر، ما أقدر والله يا ذياب، ماااا أقدر. قلبي يوجعني عليك، أخاف عليك إني.
جر نفس ومسح دموعي: لا تخافين، ما بيَّ شيء، هذا إني كدامكِ. شهقت بصوت مسموع: تدري ذياب لو تظل سنين بالسجن، لو يحكمونك مؤبد، راح أنتظرك العمر كله ولا أجزع. المهم إلك نفس بالدنيا. بس اللي مخوفني أخاف يعدموك أو تختفي مثل تميم ومثل أبويه، وهنا صدق أموووت. لأن أنت القشة اللي خليت آمالي عليها وبنيت أحلامي بيها.
مسح دموعي ورد عليَّ: ادحكي لي بويه، العمر واحد ما يأخذه غير باريه. وإذا الله كاتب لي عمر ما راح أموت ولا أي قوة تقدر توقف بوجه الخالق، خليها معلومة لكِ. بس إذا هذا يومي، اصبري واحتسبي، وخلي يكون عندكِ علم ذياااب يموت على تراب رجليكِ ويعشقكِ عشق المخابيل. ولو يرجع بيَّ الزمن أتزوجكِ وأنقذكِ وأقتل لخاطر شرفكِ افتهمتي! أشرت على نفسي بحسرة: وإني ذياااب؟
وإني اليتيمة المكسورة المنبوذة من الكل اللي ما لاقت الحنية ولا لاقت الأمان إلا بحضنكِ. إيش راح أقول؟ شنو حسوي؟ شلون أتحمل فراقكِ؟ شلون لي نفس أعيش من دونكِ؟ قعدت على ركبي وإني أباوع له مثل الأسيرة والدموع نشفت بوجهي ونزلت غيرها جديدة. احتضنت يديه لصدري وإني أشهق: ليش ذياب؟ لييييش؟ ليش خليتني أتعلق بيك؟ ليش خليتني أحبك؟
لك بعمرك كله ما خليت بالقلب لجمة، لك بعمرك ما ضربتني، بعمرك ما جرحتني بكلمة. إيش أذكر من مواقفك الحلوة ويايَّ وإيش أنسى؟ والله لو ضاربني، لو سابني، لو مدمرني، ولا مسوي بيَّ هيك. أنت ما خليت لك نقطة أكرهكِ بيها. شلون راح أتحمل فراقكِ وأنت روحي من الدنيا، أنت الدنيا كلها. ما خليت بداخلي جرح يمكن يبرر غيابكِ عني. ما أقدر أشوفكِ مو بخير وأسكت. ما أقدر روحي هايمة بيك وما تحب ولا تهوى غيرك ولا أحد يداويها غيرك أنت.
قعد ركبة ونص قدامي وسحبني لصدره. باس رأسي ورفعه باس دموعي وخدي قال: لو ما فاروق جان حبست روحي هينَا بروحكِ ولا تحركت خطوة. بس أخويَّ ما أقدر أتركه مسجون وإني هينَا متنعم وساكت عنه. احتضنته بحب وأشم بصدري ونحره: أحبببه والله أحبببه. أحبه أكثر من بزر بطني، أحبه أكثر من روحي، ينافس أهلي بمحبتي له. ضحك عليَّ وبعدني شوية. رجعت نفسي لحضنه واتمسكت بي أكثر. ضحك بصوت واحتضني قال: عجل هسع شوكت أرجع؟ همست: لا ترجع.
باس كتفي ورد عليَّ: راح أزعل منكِ يول. اهدي وخلي الأمور طبيعية ولا تضوجيني يا روحي أنتِ. هيك إذا ظليتِ راح أعيش بالسجن وإني مهموم. طمنيني عنكِ وقولي ذياب روح ويبرالك علي مثل كل مرة من تودعيني. رفعت عيوني الدامعة له همست: روح ويبرالك أبو الحسنين، وربي يحفظكِ ويسر خاطركِ. وقلبي وعقلي وروحي كلها أخذتها وياكِ وكلها متمسكة بيكِ وما تهوى غيركِ. روح مودع بس الله والله ما يضيع ودائعه.
جر نفس وباسني قال: خلي أشوف علي وغدير أودعهم. دخل غرفة بيبي وغدير كانت نايمة هي وعلي. هو شالها وباسها، فزت بسرعة وباوعت له مثل المخلوسة وصرخت بوجهه. هزها بين يديه وهو يضحك لها بحسرة ويبوس بيها: باباتي يا عمري، عليش تبجين؟ ول ول منو وياكِ بنت ذياب تبجي وإني راسي يشم الهوا ول اليوم أهل البصرة ما يصبحون ببيوتهم. ابتسمت على كلامه وحطيت يدي على كتفه، دار وجهه عليَّ وابتسم.
ظل يلعب بيها ويبوسها وهي هدئت. قعد علي وتشبث برجلين أبوه ويحكي وياه يتذمر يغار من أخته. أنطاني غدير وشال علاوي باسه بحب واحتضنه ويحكي وياه كله: دير بالكِ على أمكِ يا حلو أنت، ما أوصيكِ بأمكِ وأختكِ. احتضنته من ورا وحطيت رأسي على ظهره وإني أنتحب. حسيت بي يتنفس بعمق وحسرة وسكون، من حس بيَّ حتى عضلات ظهره تقلصت. همس: قربان إذا جبتي بنية سميها هدير وإذا ولد سمي عمر خوش؟
جاوبته بعذاب: مثل ما تريد بس أريدكِ أنت موجود بوقت ولادتي وتدعي لي الله يخفف عني الوجع. رد عليَّ بحب: بعد تسع شهور إذا طالع من السجن أترك كل شيء وأكون بجانبكِ. وإذا بالسجن أخلص ليلي أناجي ربي بكل يوم وأنتِ بشهر التاسع تا يخفف عنكِ ألم الولادة ويقومكِ بالسلامة أنتِ والطفل. وإذا ميت فيقولون الميت قريب من رب العالمين أكيد روحي مثل الطير تحوم عليكِ. شددت من قبضتي عليه واحتضنته أكثر همست: لا تحكي هيك تعذبني وتوجع روحي.
نزل علاوي على الأرض ورد عليَّ: أحببكِ والله لو بيدي أضمكِ بصدري وأخفيكِ عن العالم. أدللكِ أكثر، أبني لكِ قصر بروحي بس الحظ مشى عكسي. بسته بشفايفه حيييل وحضنته: أحبببكِ ما أريد أي شيء بس أنت والله. ابتسم لي: وإني أحبكِ يلا لازم أروح ما أوصيكِ على نفسي يا نفسي.
ظليت متمسكة بي وأبكي ما أريده يروح وبعدها راح مجبور. وإني مجبورة أتركه، راح عني ذيبي تركني وحيدة أعاني بهذا العالم المظلم. أنوح على أيامه، أنوح على سعادة انحرمت منها وأيام تعيسة جايتني بغيابه. إني منو لي من بعد ربي وبعده؟ راح ذياب وإني وكأن نزع روحي من جسمي وأخذه وياه. تركني لليالي سودة ومعتمة ما تنور إلا بوجوده. راح ذياب أواجه هذا العالم الكئيب لوحدي. فاروق
من بعد ما ذياب قتل شرهان وحالتنا حالة لا ليلنا ليل ولا نهارنا نهار. كنا على أهب الاستعداد مستعدين لكل حركة من عمها فياض. الشامخ اجتمع بشيوخ الغربية كلهم وحكى لهم عن الموضوع اللي صار وكلهم كانوا ويه ذياب وقالوا هذا شرف ومن حقه يقتله. بس شلون يتزوج وحدة من المعارضين للدولة؟ هاي نقطة على ذياب. الشامخ برر لذياب لأن يحبه وقال هي البنية مو معارضة ولا أهلها تهمة باطلة عليهم بسبب عمها الحاقد على أهلها.
قالوا إحنا مستعدين وياكم وإحنا إخوة واللي يوقع عليكم يوقع علينا وإن شاء الله نوقع كدامكم وذياب ما نتركه لو شما صار. لأول مرة أشوف الشامخ هيك بموقف ضعيف ومحتار شنو يسوي. حتى جدي قاسم أجا من البصرة وقال إني وياكم شتردون كدامكم إني وعشيرتي فدوة لذياب وتريدونه نسوي.
تشكر منه الشامخ ونزل رأسه بأسف. موقف جدي قاسم كسر الشامخ بي وبين أصل أهل البصرة وبين أصل الغريبة اللي رفض الشامخ. الحمد لله الناس معادن وإحنا بين معدنّا ومعدن بيت قاسم وبيت جميلة المطلقة. كان عندي دوام بالجامعة رحت قلت آخذ إجازة حتى أتفرغ لموضوع ذياب لأن بعد حتى نفس ما لنا بالكلية. أول ما دخلت للجامعة ورحت للقسم أخذت إجازة وبعدها للعمادة قدمت أسبابي وقبلوا الطلب.
أول ما طلعت وما أشوف إلا الأمن طوقوا الكلية واعتقلوني. من وصلت هناك قالوا أنت مكان ذياب يسلم نفسه يلا نتركك. عادي تقبلت الوضع، روحي فدوة ذياب. وإذا انسجنت مو مهم، المهم عندي ذياب يكون بخير وما ينسجن. قعدت ويه السجناء ظليت تقريبًا أسبوع كامل. أجا الشامخ زارني قال: إن شاء الله أطلعك أنت ما عندك ذنب حتى تنسجن.
جاوبته: ماكو داعي، المهم ذياب بخير. إني ما يقدرون يعدموني لأن مو إني الشخص المعني، بس المهم ذياب ما ينلزم ويروح بيها. رد عليَّ: بس أنت شنو ذنبكِ؟ ما إلكِ ذنب. صح ذياب أخوكِ بس لازم يسلم نفسه وأنتِ ما قصرتِ وياه. جريت نفس: ترى ما مسوي فضل عليَّ إني، هذا أخويَّ ثلثين الروح ترخص له. وإني لو بهذا الموقف ما راح يتركني صدقني. حط يده على كتفي بأسف قال: الله يكثر من أمثالكِ ويخلي خوتكم ولا يفرقكم.
هزيت رأسي بأسى: أكيد ما نفترق إن شاء الله. لزم يدي وعصرها حيييل قال: جدي فاروق شسوي وترضى عني؟ ابتسم ببرود: ما أريد منكِ شيء بس شيء واحد وهل شيء يخليني أنسى كل شيء. استغرب: شنووو؟ رقبتي هاي فدوة إلكِ. جريت نفس وزفرته قلت له: لا تظلم قربى من بعد ذياب، صير لها ذياب يا الشامخ، وإني مستعد أنسى كل شيء. ابتسم بأسف ورد عليَّ: تدلل قربان بعيوني وإني ذيبها من بعد ذياب بس بشرط تنسى كل شيء وتخليني أعوضكِ.
جاوبته: إذا رضيت قربى معناها إني رضيت وأريد أفعالكِ اللي تشهد وأنتِ كل شيء تقدر تسوي. دق صدره بحزم: ذيبها الشامخ من بعد ذياب وهذا شاربي أزينه إذا واحد ضرها بوجودي. ارتحت لكلامه. ما عندي أي مصلحة ويه الشامخ بالعكس إني مقاول وعندي قالب بناء وعندي عمال يشتغلون عندي بالبصرة وأدرس بالجامعة وجاي أكون بنفسي أبد مو بحاجة الشامخ وحتى لو بحاجته مستحيل آخذ منه شيء.
كان طلبي هو قربى. ما أريد قربى تتشتت من بعد ذياب، لازم ترجع لبيتها وتلم عائلتها والشامخ يكون الدرع لها اللي يصد كل حاقد ويكون شوكة بعين الكل. لأن عرفت ذياب بس يعرف إني مسجون بمكانه راح يسلم نفسه لو يعرف يقدم روحه على طبق من ذهب. وفعلاً فرجوا عني خلال كم يوم. وهذا الشيء علمني أن ذياب مو أناني، سلم روحه الخاطري وما راد لي البهذلة رغم والله رفضت أطلع وقلت لهم إني مكان الذيب.
قالوا الرائد ذياب الشامخ سلم نفسه ولازم نفرج عنكِ. كنت بدوامة وبحالة ذهول ليش يا ذياب ليش ما تخاف على روحكِ ليش تسلم نفسكِ. إني ما يعدموني بس أنت شلون؟ كنت أتمنى يسافر بالبواخر تهريب ويطلع، كنت أحسب دقيقة دقيقة يوم يوم لحظة لحظة بس للأسف ما كنت أظن أن يساومون ذياب بيَّ ويخلونه يسلم نفسه. أحس أجرمت بحق ذياب. طلعت من السجن وإني محتار وقلبي طاير من بين ضلوعي. طلبت أشوفه بس هم منعوا عن الزيارة ما أعرف ليش.
رجعت بسرعة للشامخ وإني محتقن وروحي ذايبة. شفته قاعد ووجهه صاير نااار من غضبه. نابت عصاته بالأرض وكل شوية ودقها وحفرها بأرضية الاستقبال. من شافني وقف قال: سلم نفسه ذياب! جريت نفس: سلمها. قعد بأسف على القنفة قال وهو يحكي ويه نفسه: لا تخاف يا ذيبي، لا تخاف يا جدكِ ما أخليكِ صدقني ولا أخلي حرمتكِ، حرمتكِ أمانتي يا ذيب يا جدي. قربى كنت مثل المالكة الدنيا بوجوده. وهسه ماكو غير وحشة عارمة تجتاح أعماقي بغيابه.
جانت الدمعة معلقة بطرف رمشي مثل يومية على هالحال. دخلت عليَّ بيبي، رفعت راسي بس باوعتلها وكعت دموعي. كعدت يمي بحيل مهدود، العمر إله حوبة، وبيبي أخذ منها كلش هواي مثل ما أخذ مني. قالت وهي تتنهد وتتوسل: يمه غروبة كولي يا الله، مو حتى عيونج راح يرحن على هالبجي. لزمت ثوبي من فوق وحكيت بحركة: بيبي كليلي، كليلي شسوي وما يعدمونه؟ شسوي؟ ردت: استهدي برحمانج بنيتي، ليش مفاولة عليه؟ يجوز ما يعدمونه.
جاوبتها بمرارة: لعد شيسووله هاا شيسووله؟ مو انتِ تدرين بالحكومة شنو؟ خلت إيدها على رجلي وقالت: ما علمتي ربج شضاملج يمه، ديري بالك على عويناتك لا يرحن. جاوبت بيأس: شنو بيدي يا بيبي؟ ردت: لخاطر فريخاتك يمه. جاوبت: شسوي بيبي؟ اكو شي أسويه وما سويته؟ قالت: بعد عيني، أبو خيمة الزركة ما يردج، وهسه وكت صفار الشمس (الغروب) ، الله يسمع منج. قومي توضي ووجهج على الجبلة (القبلة) ، روحج ترتاح، ما عندج غير الدعاء يا يمه.
فركت عيوني حيل وكمت أمشي وأتعثر، ألزم بالحايط ورحت صوب المغسلة. وكفت توضيت، اختلطت دموعي وي مي الوضوء، ولساني ما بطل يدعي وشهقاتي مسموعة. رفعت راسي للسما مقابل الشباك وكلت: ربي تسمع شهقاتي، تشوف دموعي، ربي والله جاي أتعذب، ما عندي غيرك إلهي، نجي أبو علي ورده إلي سالم. لبست حرام الصلاة وأباوع لهذا المكان، جنّا نصلي أنا وياه، هو مكتف إيديه وأنا مسبلتهم.
ما يوم جبرني على شي ولا طلب أغير عقيدتي، جان يحبني مثل ما أنا، يحب كل شي بيه، مثل ما أنا أحب كل شي بي بسلبياتي قبل إيجابياتي، احتواني بكل مشاكلي وتحمل كلشي. ليش ينال الفراق منا بهاي الطريقة يا ربي؟ رجعه إلي، ما لي غيره، ما شبعت منه. نزعت حرام الصلاة، تذكرت كنا واقفين هنا، هو يباوعلي مبتسم ومتخصر. رحت خليت إيديه على صدره. سألته بنفس الابتسامة: بشنو تفكر؟ تفكر بغيري؟ اعترف، اعترف. لزمني
من كتفي وثبتني قدامه: وإذا اعترفت شتسوين؟ وبعدها لزم خدي قرصني بخفة. قلت له: أكتلكم أنتم الاثنين، أنتَ وياها. جاوب: أفَااا، عجل وأنا جنت مفكر نموت أنا وياج سوى بنفس اليوم بنفس اللحظة، مثل ما كل العشاق بالدنيا يتمنون، وأنتِ تردين تتخلصين مني؟ شلون أنطاج قلبج هيج تفكرين؟ شلون يهون على قلبج تعيشين بدنيا وأنا مو بيها؟ خليت إيديه على حلقه: اسكت عفية، ترى والله شقة، لا تجيب سيرة الموت، فدوة والله أنا أشاقة.
بلحظتها تحركت مشاعري ودمعت عيوني. هو طكها ضحكة وصل صداها لقلبي وعشقتها. وقال: قرباني يا خبلة تعاي شو مشتاق لج. كعد على السرير وكعدت بصفه منطيته ظهري وهو حاضني ومخلي ذقنه على كتفي. باس رقبتي وهمس بإذني: ها شنو رأيك ما كتلتي؟ باوعت له: بشنو؟ جاوب: نموت سوى. التفيت عليه بقوة أباوعله مخنزرة. هو كمل كلامه: بس كون كبار، أنتِ عجوزة وعطوبج بيضة مشيبة، وأنا التجاعيد مالية وجهي وشواربي بيض وأصلع.
ضربته على صدره: ترى داأتخيلك شنووو هاااي. قال: وأنا هم متخيلج عجوزة بس تظلين بعيني مثل ما أنتِ، قربان إلي عشقت نظرة عيونها. صحيت من ذكرياتي، دموعي على خدي بس مبتسمة حتى تفكيري بي يواسيني. وكفت بالغرفة أحاجي طيفه: ارجع ذياب، وفي بوعدك إلي، نعيش سوى ونموت سوى. الله يرجعك إلي يا ذياب، ما أتحمل فراقك والله يا أبو علي، فراقك مثل الموت. .............................. سوزان
كنت قاعدة عند بيت أهلي بعد ما طلع فاروق من السجن، أجرلي بيت وكعدنا بيه سوى. رحت من عند أهلي وكعدت بهذا البيت بس شنو اجت وئام تشوف فاروق لأن طلع من السجن. كعدنا أنا وياها، جانت تبجي على ذياب ومنهارة، كوة سكتتها وهدّي بيها وأطمنها، خطية سكتت شوية. شوية واجتنا أم ذياب وهي متخبلة وزعلانة، كعدت هم ظلت تبجي على ذياب، هي جانت عند بيت خالو أبو فريال. قالت: تگاونت وي فريال وأمها وصبيحة. استغربت، قلت لها: ياا عزا ليش؟
جرت نفس وقالت: ما يستحن ولا يخجلن، مسويات الهن سالفة على قربى حرمة ذياب، وما مخليات واحد ما قايلات إله. ردت عليها وئام: سالفة أن عود قربى خانت ذياب وي خطيبها السابق وذياب كتل خطيبها لأن لكاهم سوى وانعاد السيناريو مال عمر وسهام؟ ضحكت أم ذياب باستهزاء: لا مو بس هيج، يكولن حامل بالحرام وهذا الطفل مو ابن ذياب هذا نغل ابن شرهان. وكفت مصدومة من كلامها، قلت لها: هاااي صدق هيج يحجن؟ هيج عندهن الطعن بالعرض؟
شكد عيب عليهن ما يستحن ذن؟ وئام جرت نفس وتنهدت: لا ما يستحن، ما عولن يلكن سالفة يحجن بيها، هسه يكولن شلون حامل وهو بالسجن. قلت لها: قبل لا يصير القتل ترى قربى قالت أنا حامل، وحتى هو ذياب قال لفاروق قربى حامل وديروا بالكم عليها. أم ذياب بحسرة: سودة عليَّ يمه ذياب ولا وردت الها طفل وأنت موجود، دومه مو يمها ولا وكف الها بولادتها.
أردفت بحزن: أنا ما أشك بقربى، أعرفها شنو وأعرف أخلاقها، أشك بروحي وما أشك بيها، بس ذن شوهن سمعتها وين ما يرحن وحجن والعالم ما ترحم ما تصدق تلكى سالفة تلوج بيها. جاوبتها وئام: ما يكدر عليهن غير الشامخ، وفريال إذا اجتمعت هي وصبيحة الأمة تحترك، كلي لجدي عليهن وخلي ياخذ صبيحة للغربية ويرزل فريال ويطيح حظها، عيب عليهن أحنا بأي حال وهن يسون مشاكل ويثيرن الفتنة وكت مشاكل هسه.
أم ذياب جرت نفس وتنهدت: إي والله أنا روحي ذايبة على ذياب، أنوب يطعن بمرته، أنا ما راضاها تظل حرمة ابني وويلادها أحفادي، سمعتها من سمعتنا أحنا بيت الشامخ. عضت أصبعها: ول ول تمنيت ذياب هينا وهو يسمع شلون يطعنون بعرض مرته، والله إلا يكتل بيت عمه كلهم، لا أنوب قتيبة هم وياهن يصفق الهن وفريال تقول إي هي غرت قتيبة من قبل. عاد أنا صفكتها راشدي على وجهها وطردتني، أنوب تريد تكتلني شكت حتى ثوبي.
وئام ردت عليها: الله يكسر إيدها إن شاء الله هاي انجلبت بعد، والله دواها الشامخ يشك حلكها. ظلّن يسولفن وأم ذياب متخبلة على ابنها، وقلبها طاق على أحفادها وخاصة علي. ..................... قربى... كنت قاعدة على السباط بالحوش، الجو رطب، البصرة مشكلة لا يفيد وياها شتا ولا يفيد وياها ربيع، الحر يسمط.
عيوني ما نشفت من الدموع على ذياب، أقعد أصلي وأقرأ قرآن، أطلب من أمي تدعيلي يرجعه إلي سالم غانم، أحس بينا قارات وهضاب، أحس ما قاعدين بنفس البلد. قررت أرجع لبغداد أقعد وي فاروق وسوزان، نفس ذياب ببغداد وأنا أتنفس لأنفاسه، ما أقدر أظل هنا وذياب بعيد كل البعد عني. علي جان متمدد بحضني وأنا أمسح على شعره، خطية حركته قليلة مو مثل قبل، من وكع من الدرج لحد الآن وهو ما يمشي هواية ومن يمشي يكزل برجله. رفع عيونه
إلي وهو نايم بحضني قال: أين بابا؟ (وين بابا؟ ابتسمت إله بشعور الخذلان: هسه يجي حبيبي. راح يجيبلك سيارة حلوة مثلك. صفقة بادية بحب. حلوة السيارة. وراح يلعب ويا البنات، وبطة شايلة غدير وتلعب وياها، وبشة تركض وراهن وغدير ميتة من الضحك. خفت توكع منها، صاحت عليها: بطة فدوة لا توكع منج. ردت عليه: لا غروبة لازمتها حيل ما توكع. عفتهن يلعبن وكعدت يمي بيبيتي، كالت بحنية: ها يمه غروبة ما بطلتي نوح وبجي؟ جريت نفس وزفرته:
ما اكدر بيبي ما اكدر، ذياب ما ادري احس كلبي ما متطمن لازم اروح لبغداد. لزمتني كالت: اكعدي واسكتي لا ترحين مكان خليج هنا. جاوبتها: خايفة حيل خايفة من الشامخ من اهل ذياب، خايفة على ذياب، خايفة ياخذون علي وغدير مني، ما اعرف شبيه ما متطمنة ابد اخاف يغدرون بيه من يشوفون ذياب مو هنا. كالت: سودة عليه يا يده يا غروبة لا تخافين، انه يدتج انه وياج. بست ايدها بحنان:
ادري بيج، بس خالي هم ما عنده، ما اكدر احمله اكثر من طاقته، وهم عندي اطفال وانتم وضعكم على كد الحال، لازم اروح ما اريد احملكم فوك طاقتكم. هزت راسها بنفي كالت: يا غروبة يده ابيع دياياتي «دجاجاتي» ابيع الصخول وكل حلالي واعيشج انت وفروخج. ضحكت على كلامها وحضنتها مثل طفلة فاقدة امها واتنفست ريحتها جنها ريحة امي همست: احبج بيبي تذكريني بامي. عاد هي ضلت تنوح وتبجي وتذكرت امي وهي تكولها:
روحي وروحج للزيارة ونكعد تحت في المنارة يا يمه ام سليم، يمه تعاي شوفي حال غربه صارت غريبة من بعدج. بجيت على كلامها وهي سكتتني كالت: غربة يمه كولي لذياب... يا همي وعذابي وحركت الروح كضيت ويا الحزن اجمل سنيني هم عود اني اشوفك واكعد وياك واك ابوس تراب جدمك منتجيني شهكت برعب: اي والله بيبي اي والله بس خلي يرجع والله ابوس تراب رجليه والله ابوس الكاع اليمشي عليها. لزمتني كالت: على كيفج يا يمه هدي هدي ترا بعد ما انعيلج.
مسحت دموعي وبلعت الغصة، اندك الباب الجينكو وراحت بشة فتحت الباب، دخلو وهم يكولون: يا الله وينكم يهل الديرة. وكفت مصدومة من الخوف، حسيت الطفل تكطع ببطني من الهبطة وكلبي يخفق بقوة ورجليه وحدة تضرب بالثانية هذا الشامخ مو غيره. غمضت عيوني راح يبدي ويايه حرب نفسية واني ما الي اي طاقة لمواجهته ولا عندي طاقة ارد واحارب. شفته اخذ غدير من ايد بطة وباسها وهو يكلها: هلا بريحة ذيبي هلا ببنت ذياب وينو علاوي البطل.
من شفته هيج حجه هيج قالب ثلج ونزل على صدري وتنفست بارتياح. سمعت فاروق يكول: اي هذا علاوي لابس احمر معرس ابوك مو ههههههه. طلعت الهم بيبيتي وخالي استقبلوهم دخلو جوه كعدنا، كال جدي الشامخ: ها بويه ام علي شلونج شلونهم الويلاد؟ جاوبته بخجل: لا الحمد لله زينين، انت شلونك؟ ذياب ماكو خبر عنه؟ جر نفس كال: حالياً هو بمحضر التحقيق وبعدها اوراقه ما صاعدة للمحكمة، عينت الو محامي والله كريم. فاروق كال:
ان شاء الله ما نخلي وجاي نجاهد بكل ما نكدر حتى نطلعه باقرب وقت بس المشكلة هو زواجج منه. هزيت راسي بنفي: ماكو شيء يثبت زواجنا بس عقد الشيخ ما عاقدين بالمحكمة نكدر نكذب هذا الكلام. نفخ بضجر ورد عليه: هال كلام ما يخفى عن الحكومة، بعد نشوف الله كريم تنحل بس كون فياض ما يلعب لعبته هو حاد اسنانه علينا. مسحت وجهي بتوتر كتله: بس هذا كتل امي اريد ارفع دعوة عليه. الشامخ رد عليه: بويه ما نكدر دليل قاطع ما عدنا. جاوبته:
يوسف هو يشهد ضده هو الشاهد على مقتل امي. الشامخ: وين نلكاه يوسف؟ بللت شفايفي بحيرة: ها هو عند خواله بس ما اعرف خواله وين اصلا. نفخ بضجر وتنهد كال: عجل خوش ندور على يوسف. مسحت وجهي بتوتر جاوبته: ام بثينة هي تعرف وين خوال يوسف وهي اللي راح توصلنا اله وهي هم شاهدة على جريمته ضد اهلي وامي. كال: عجل خوش خليها هي تشهد ضده. رديت عليه: لا هي تخاف ويهددها ما تكدر بس يوسف ما يخاف منه ويكرهه اكيد يشهد ضده. جاوبني فاروق كال:
بس هم ما عنده دليل يا قربى. باوعتله وجريت نفس: لعد شلون غير هم شهود وبعدين حتى ذياب ما قتله لشرهان متبطر لا قتله لان هال حقير راد يقتلني بأمر من عمي. كال الشامخ: خلينه نعين بعد محامي تا يربط خيوط الجريمة وبلكي نكدر من هال عار. جاوبته: تمام وفلوس ذياب كلهن عند خالتي ام ذياب، جدي اخذهن كلهن وعين محامي واللي تريده سوي. رد عليه:
لا يبوي هاي فلوسج وفلوس ذياب وفلوس ولادكم ما اخذ منهم فلس احمر، الله رازقني وان شاء الله ما اقصر ويه ذيبي. ابتسمت على كلامه جاوبته: واني هاي الفلوس ما تهمني كلها فدا ذياب، اخذهن جدي وتصرف بيهن براحتك المهم ذيب يطلع سالم. رد عليه: كفو منج يا حرم ذياب، ويله حضري نفسج تا نرجع للغربية لازم تكونين قريبة مني تا احميج، اخاف من فياض يجي ياخذج هذا اعرفه عناد بينه ياخذج ويبهذلج انتي والولاد.
وكفت حضرت نفسي وفرحة تغلغلت لداخلي رغم ذياب بعيد عني بس حسيت اكو ناس وكفت بضهري وانطوني امل برجوع ذياب. جمعت اغراضي واغراض علي وغدير وطلعت واني شايلة الجنطة ما اشوف الا المكان اقتحم وهو يصيح بصوته العالي الخشن: وينج وينج لك كلبة كح... والله اليوم اذا ما طلعت دم شرهان من عيونج فلا اطلع فياض. جدي وكف وفاروق وياه كالو بذهول: هذا شرهان؟
طلعو من الاستقبال يركضون وهو وياه بعد واحد ما عرفت منو وهو يتهدد وينها جيبوها اليوم اذبحها. الشامخ رد عليه بحده: ول شلون عندك لسان وتغلط على حرمة ذياب والله ما جابته امه اللي يجيب سيرتها على لسانك. رد عليه بعصبية: سلمها النا وخلي النفس عليكم راضية لا والله العظيم هسه اسويها حرب. جاوبه فاروق: والله مو زلم وشواربنا علينا اذا نسلمك ام علي، تحلم وما تطولها واني اخو ذياب. فياض:
ناويين على رواحكم انتم بيني وبينكم الدم يا اهل الغربية، عشر زلم مكان شرهان وما تكفي اجيال اخليها تشهد على حيرتكم وعذابكم وتنكيس روسكم من بعد موتة شرهان، والله اقتل العالم كلها هسه اذا ما سلمتها لهال عار. عاد الشامخ ما تحمل وكطف السحبه عليه اجت بصدره وعاط بيه: ول تريد نسلمك شرفنا والله رواحنا تروح فدا العرض ذياب. وهي صارت مكامش الشامخ نزع العبايه شمرها ما شاء الله قوي حيل ولزم عكاله.
وفاروق بالمسحاة وصار الصريخ والعياط وفياض طلع مسدسه وهو ضل يخرط عامي شامي. الجهال كلها واكفه وبيت بيبي والبنات وهو الرمي الصار هد حيلي ما عرفت احمي منو. ما شفت روحي الا اركض بنص الشارع واصرخ واحشم بالعالم واسمع صوت الرمي وكل طلقة تنرمي احس تجي بكلبي الكل بخطر وكعت مغمى عليه وبعد ما عرفت الصار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!