أمام إحدى الملاهي الليلية الشهيرة بالقاهرة. ترجل من السيارة بهيبته وهو يضبط من هندامه، ليلتف إلى الجهة الأخرى ويفتح لها الباب. تنزل بحذائها الذي يشبه حذاء الأميرات المتلألئ، وثوبها ذا الشفاف الأسود الذي يكسوه الدانتيل الأزرق الزهري، يكشف ذراعيها وجيدها الذي تزينه سلسلة يتوسطها حبة لؤلؤ. يلفح بشرتها نسمات هواء الليالي الصيفية، وتداعب خصلات شعرها القصير.
يقف أمامها بطوله الفارع، ينظر إلى زرقاويتيها التي تنعكس عليها أضواء لافتة الملهى. -هستناكي هنا لحد ما تخلصي حفلتك.. ولو فيه أي حاجة اتصلي عليا. قالها مصعب وهو يحدق في عينيها كأنه يحلق في سمائهما. أومأت له مبتسمة بمرح وقالت: -متقلقش عليا. ثم أشارت له بيدها وقالت: -باي مؤقتًا. ثم دلفت من ذلك الباب الحديدي بعد أن أخرجت بطاقة هويتها للحارس الذي يقف خارجًا ليسمح لها بالدخول.
بالداخل تصدح أصوات الموسيقى الصاخبة والأضواء الملونة المتحركة، وأصوات الضحك المتعالية بين هؤلاء الشباب والفتيات. وفي إحدى الأركان يجلس هؤلاء الثلاثة. يرتشف من كأسه وقال: -طيب ترهنوني على كام إنها هتيجي؟ أجاب عليه صاحبه الذي يقف على يمينه: -يا عم روميو كل مرة تقول نفس البقين دول ومبتجيش في الآخر. ابتسم رامي بمكر وقال: -عيب عليك، أنا قبل ما أخطي الخطوة ببقى عارف كل حاجة. قال الذي يجلس أمامهم:
-طيب مين اللي قالك إنها جاية؟ ارتشف مرة أخرى ثم ترك الكأس على الطاولة وقال: -ملكش فيه. ثم ألقى نظرة على تلك التي هبطت الدرج المؤدي إلى ردهة الملهى. نهض من مكانه وأردف: -عيب عليكوا ده أنا رامي السيوفي. قال أحدهم بقلق: -طيب أنت ناوي على إيه يا صاحبي؟ ابتسم كالذئب الذي يترقب فريسته وقال: -على كل خير. قالها ثم ذهب نحوها. بينما هي تبحث عن صديقتها حتى وجدتها أخيرًا. -Surprise!
صاحت بها ملك بسعادة، فالتفتت لها رودي صديقتها وصاحت هي أيضًا غير مصدقة: -Good heavens! يا إلهي! بجد مش مصدقة نفسي، أخيرًا أفرجوا عنك وخلوكي تحضري الحفلة. لكزتها ملك بمزاح وقالت: -اسكتي بقى أنتي هتسيحيلي ولا إيه! رودي: أومال فين ضلك الطويل؟ ملك: مستنيني برة النايت. أمسكت رودي يدها وقالت: -تعالي ما أعرفك على هوبا وكيرو. أوقفتها ملك وقالت: -استني هنا مش تفهميني الأول؟
-دول يا ستي في الفرقة اللي اتخرجت السنة دي، اللي لابس تيشرت أسود وجسمه زي تامر هجرس اسمه مهاب، واللي جمبه شبه رامز جلال ده اسمه كريم. ضحكت ملك وقالت: -تامر هجرس! ورامز جلال! مش تركيبة غريبة شوية؟ رودي: يا بنتي تعالي ننبسط شوية دول قعدتهم لذيذة خالص. قطبت ملك حاجبها وقالت: -لأ يا رودي أنتي عارفاني مليش في الجو ده أنا. رودي: متقفلهاش بقى أنا ماصدقت إنك خدتي إفراج. ملك بإصرار قالت:
-قولتلك لأ يا رودي، أنا لو روحت قعدت معاهم وحد من أخواتي عرف مش بعيد مخرجش من القصر خالص. قالت رودي بسأم: -يا بنتي أنتوا عيلة غريبة جدًا، إيه التخلف والجو القديم ده؟ ملك بنبرة غاضبة: -رودي، أنا من أول ما اتعرفنا على بعض فهمتك نظامي ونظام عيلتي إيه، ومش معنى إن إخواتي وبابا بيخافوا عليا يبقى تخلف. -هاي. قالها رامي الذي استرق السمع إلى الحوار. رمقته ملك بازدراء بطرف عينيها ولم تجب عليه. -هاي رامي.
قالتها رودي. رامي وهو يحدق بملك التي لم تعطيه أي اهتمام: -ممكن يا ملك تديني 5 دقايق من وقتك؟ زفرت بضيق وتأفف، فأردف: -بليز. رودي: طيب أنا مستنياكي هناك يا ملك. ثم ابتعدت. اقترب رامي منها ليقف أمامها: -أنتي ليه مش بتديني فرصة أعبرلك عن اللي جوايا؟ عقدت ساعديها أمام صدرها وتحدثت وهي ترفع إحدى حاجبيها: -بجد! مشاعر إيه وأنت في أول يوم في الجامعة عمال تعاكسني بكلام مش محترم! ابتسم بتصنع وقال:
-أنا آسف وحقك عليا.. بس تعالي نقعد في مكان هادي ونتكلم شوية، يمكن لما تسمعيني تغيري فكرتك عني. تنهدت ثم قالت: -أيًا إن كان يا رامي، حتى لو أنت ملاك نازل من السما، أنا أصلًا مليش في حوارات الصحوبية والحب والجو ده، لأن مش بآمن بحاجة اسمها حب من الأساس. رامي: ويا ترى ده نتيجة تجربة فشلت قبل كده؟ ملك: لأ عمري ما دخلت في تجربة ولا علاقة عاطفية.. وبليز بقى كفاية كلام، أنا جاية هنا أغير جو مش جاية أسمع لأسامة منير.
قالتها بسخرية، فقهقه رامي وقال: -أسامة منير! حلوة يا ملوكة. همت بالذهاب من أمامه وقالت: -عن إذنك. اشتد حنقه ليجز على أسنانه وقال: -يبقى أنتي اللي اخترتي الطريقة التانية. ثم اتجه إلى أحد العاملين وأخذ يتحدث معه وهو يخرج من جيبه ورقات من المال ليعطيها إلى ذلك العامل. *** يتجول في الغرفة وأصوات أنفاسه تتصاعد، وهي تجلس على الأريكة المخملية تهز ساقها بتوتر جلي، تعقد يديها معًا وهي ترمقه بطرف عينيها. -وبعدين!
بقالك نص ساعة رايح جاي ولا عايز تفهمني مالك ولا أنا عملت إيه عشان تجرني وراك بالمنظر ده. قالتها إنجي. توقف يوسف ليرمقها بنظرات متفحصة: -مروان ابن خالتك بيعمل إيه تحت! قالها بهدوء. نهضت وهي تعقد ساعديها أمام صدرها وقالت: -والله السؤال ده تسأله لجيجي مش ليا، هي اللي عزمت خالتي وابنها.. وإيه طريقة سؤالك اللي مليانة اتهام ليا دي؟ أجاب يوسف بتهكم: -ما هو أنا لما آجي ألاقي الأستاذ ماسك إيدك وبيبوسها أعمل إيه؟ أسقف له!
ولا أقوله برافو! زفرت بحنق وقالت: -عادي يعني فيها إيه؟ رفع أحد حاجبيه بسخرية وقال: -لا فيها يا هانم، ولا تحبي أفكرك بقصة الحب الأسطورية اللي كانت ما بينكوا من قبل ما نتخطب. خفق قلبها بتوتر فاقتربت منه وقالت بدلال وهي تعانقه: -أنت بتشك فيا يا يوسف! أنا اللي سبته واخترتك عشان أنت الراجل الوحيد اللي ملى قلبي وعينيا. حدق في عينيها بصمت، لتردف: -مالك بتبص لي كده ليه؟ أنت مش مصدقني. تنهد وقال:
-نفسي أصدقك، بس كل أفعالك مبتقولش غير إنك إنسانة أنانية مبتفكرش غير في نفسها وبس، كل همها آخر صيحات الموضة وتغيري كل شوية عربيتك اللي مبتكملش شهرين على بعض.. وبنتك اللي عايشة معاها ومش معاها في نفس الوقت. تصنعت البكاء لتجهش به وقالت: -أنا أنانية؟ ليه يا يوسف؟
أنا باجي على نفسي ومستحملة شغلك اللي واخدك مني أنا وبنتك.. مستحملة لما بشوف صحباتي بتخرج وتتفسح مع جوزها وأنا يوم ما بخرج معاك بتبقى خروجة عائلية.. عمرك ما جيت في يوم من الأيام قولتلي كلمة حلوة.. ياما كنت بنام جمبك ودموعي بتغرق المخدة وأنت ولا هنا.. مين بقى فينا اللي أناني؟ أبعد يديها عنه وقال:
-شغلي اللي مش عاجبك ده هو نفس الشيء اللي عمالة بتتباهي بيه قدام أصحابك.. أنا مضحكتش عليكي وخدعتك، إحنا متجوزين وأنا لسه كنت بدرس في الجامعة وعارفة ظروفي وإن في إيدي أرواح ناس مينفعش أتأخر عليها.. أما بقى بالنسبة للكلمة الحلوة أنتي عرفاني كويس مبعرفش أعبر عن مشاعري بالكلام، وبعبرلك بطرق تانية وهي بجيبلك كل اللي بتشاوري عليه. ابتسمت بسخرية وقالت: -هو ده مفهوم الحب عندك! حدق بها بنظرات استفهام وقبض على ذراعها بقوة وقال:
-قصدك إيه؟ لوت فمها جانبًا ثم قالت: -متاخدش في بالك يا دكتور. ثم رمقته من أسفل لأعلى واتجهت نحو الباب وذهبت. *** بدأ الحفل ويتراقص الجميع وتبادلوا التهنئة. جلست ملك وهي تلهث وقالت: -آه قلبي بجد مش قادرة بقالي كتير مرقصتش كده. رودي: ده أنتي مجنونة اتعلمتي زومبا فين؟ ضحكت ملك وقالت:
-لما كان بابي ومامي وأخواتي مش موجودين في القصر، بنزل صالة الجيم وأشغل السماعات على أغاني شعبي أغاني مجنونة، وأفضل أرقص وأطلع أي نيجاتيف إنيرجي عندي. نهضت رودي وقالت: -طيب ممكن متتحركيش من عندك هاروح التويليت وجاية، ولا تيجي معايا؟ ملك: لأ مش قادرة رجلي وجعتني.. متتأخريش عشان شوية وماشية. ذهبت رودي إلى المرحاض، وانتهز رامي تلك الفرصة لتنفيذ مخططه. اقتربت تلك الفتاة ذات المظهر الذي يثير الريبة ووقفت أمام ملك وقالت:
-لو سمحتي أنتي ملك؟ رفعت وجهها إليها وقالت: -آه في حاجة؟ الفتاة: في واحدة اسمها رودي في التويليت بعتاني ليكي بتقولك تعاليلها ضروري. ملك بقلق وهي تنهض قالت: -أوك هاروحلها. ثم توقفت وأردفت: -هو التويليت فين؟ ابتسمت الفتاة بمكر وقالت: -تعالي أنا رايحة هناك. تتبعتها ملك لتذهب بها إلى رواق هادئ بعيد عن ذلك الصخب حتى توقفت أمام باب مغلق. تعجبت ملك فقالت بتهكم: -هو التويليت هنا برضه! تركتها الفتاة وقالت: -سوري.
قالتها وهي تشير إليها مبتسمة. -أنتي يا... صاحت بها ملك ولم تكمل جملتها إذ قاطعها ذلك الذي فتح الباب وجذبها من يدها ليدخلها عنوة عنها، وأوصد الباب من الداخل. صرخت ملك بفزع: -هااااااااااا... عايز مني إيه يا رامي؟ اقترب منها وهو يجذبها بين ذراعيه وقال: -عايزك يا ملك. دفعته بكل قوتها وقالت: -ابعد عني يا كلب. ركضت نحو الباب لتطرق بقوة: -الحقوووووووني. قهقه بصوت مدوٍ وقال:
-محدش هيسمعك، الحيطان مدعمة بعازل صوت، يعني صوّتي لحد الصبح. قالها ثم اقترب منها ليهم بتقبيلها عنوة عنها. صفعته بقوة وصاحت به: -أنت قذر وسافل. ثم ركلته في ساقه. جز على شفته السفلى وهو يضع يده على أثر الصفعة وقال: -بتمدي إيدك ورجلك عليا يا... قذفها بسبة بذيئة. ارتسمت على ملامحها الصدمة والفزع وقالت: -أنت قليل الأدب وحيوان.
انقض عليها وهو يجذبها من حمالات ثوبها وهي تقاومه وتدفعه عنها، ركلها بقوة خلف ركبتها لتقع على الأرض ليعتليها، وهي تغرز أظافرها بكل قوة في وجهه وعنقه ليبتعد عنها.. أمسك يديها ليقوم بتثبيتهما بجوارها. *** في قصر العزازي. يجلس خلف مكتبه ويزفر دخان سيجارته وينظر إلى الأوراق التي أمامه. دق الباب الذي كان مفتوحًا ويليه صوت الحارس: -قصي باشا مدام زينات عايزة تقابل حضرتك. وبدون أن يرفع عينيه عن الأوراق قال: -خليها تدخل.
لتلج إلى الغرفة بنظرات خوف وقالت: -احم.. مساء الخير يا باشا.. أنا جيت من بدري ومنعوني أقابل مدام صبا من وقتها. -أنا اللي أمرت بكده. قالها قصي. ابتلعت ريقها بوجل وقالت: -طيب ممكن أطمن عليها وأمشي على طول؟ نهض من مكانه تاركًا الأوراق ثم أخذ يسحب نفسًا عميقًا ليزفر بدخان كثيف وقال: -أنا أمرت بكده عشان قبل ما تقابليها لازم تعرفي حاجة كويس. أومأت له وقالت وهي تخفض عينيها إلى أسفل: -تحت أمرك يا باشا.
-أولًا طول ما أنتي هتعيشي في القصر ده عايزك لا بتشوفي ولا بتسمعي ولا تتكلمي.. ثانيًا كل ما يخص صبا مسؤوليتك، ولو حصل تقصير حتى لو كان سهو منك مش هقولك ساعتها هاعمل معاكي إيه. قالها بنبرة هادئة يتخللها الرعب في تهديداته الصريحة. زينات بنبرة توتر: -متقلقش يا باشا صبا هانم في عينيا، دي بعتبرها زي بنتي من أيام ما كانت في قصر عزيز باشا.
وما إن نطقت اسم عزيز لتحتد عينيه وحدقها بنظرات قاتلة لو كانت نارًا لأحرقتها حتى تصبح رمادًا، فصاح بصوت غاضب مرعب: -اسم عزيز البحيري ميتنطقش في قصري، أنتي سامعة؟ ارتجفت بخوف وأومأت له بالموافقة وقالت: -أ.. أمرك يا باشا. أشار لها نحو الباب وقال: -اطلعي برة. مشت بخطوات مسرعة فذهبت. ليأتي صوت الخادمة التي وقفت أمام الغرفة وقالت: -العشا جاهز يا باشا. زفر بغضب وقال: -اطلعي قوليلها تنزل. رمقته باندهاش وقالت:
-حضرتك تقصد صبا هانم؟ لم يتفوه بكلمة واكتفى بنظراته الحادة، فأردفت بوجل: -ح.. حاضر يا باشا. هي بالداخل تقف بالشرفة، شاردة في ذلك القمر المنير، ويطرب مسمعها دعاء الكروان الذي وضع في قلبها الطمأنينة وأن ليست هذه نهاية الحياة. دق الباب... فدخلت إلى الغرفة وقالت: -نعم. الخادمة: -صبا هانم العشا جاهز. تنهدت وهي ترجع خصلات شعرها إلى خلف أذنيها وقالت: -طيب روحي أنتي وأنا نازلة.
توقفت أمام المرآة وهي ترمق تلك العلامات التي تملأ عنقها، فقطبت حاجبيها بألم... أمسكت ببعض مساحيق التجميل وأخذت تخفي تلك العلامات بها... عقصت شعرها لأعلى وغرزت بداخله مشبكًا... ثم ذهبت إلى غرفة الثياب لترتدي ثوبًا ذو لون أسود بأكمام طويلة حتى تخفي تلك الجروح حول معصميها... زفرت بسأم ثم غادرت الغرفة لتذهب لتناول العشاء وتتحاشى غضبه. *** كانت تغسل يديها ثم أغلقت الصنبور لتسحب محرمة من تلك الاسطوانة المعلقة بالحائط...
كادت تفتح الباب حتى جاء صوت من أمام المرحاض: -يلا يا صاحبي مش هاتروح؟ -لاء ياعم أستنى سي رامي بدل ما يزعل وأنت عارفه لما بيقلب. -تستنى مين أنت كمان! أنت فكرك هيحل البت ملك من أيديه بالسهولة دي؟ -عندك حق ده أنا مستني الفيديو اللي بيسجلوه معاها دلوقت. اتسعت عيناها فشهقت بذعر على صديقتها... أسرعت بالمغادرة وهي تركض لخارج الملهى تبحث عن مصعب الذي كان يستند على السيارة وينظر إلى شاشة هاتفه. تلتقط أنفاسها وتقول:
-مـ مصعب تعالى بسرعة ألحق ملك قبل ما تضيع. قالتها رودي ليلتفت إليها مصعب الذي تحولت ملامحه الهادئة إلى بركان من الغضب يهلك كل ما يقابله... ولج إلى الداخل برفقتها ليصلوا إلى الداخل وهي تشير له إلى أصحاب رامي... وبدون أن تتفوه تركها ليقبض على عنق كليهما بقبضتيه وقال: -رامي خد ملك فين؟؟؟ توقفت الموسيقى وتعالت الهمهمات... تركهما ليأخذ سلاحه من خلف بنطاله وأطلق رصاصة في الهواء وقال: -ملك فين؟
صرخت الفتيات من الخوف ليغادر الكثير. أشار الفتى إلى الرواق وقال: -هه هناك في الأوضة التالتة على يمينك. وقبل أن يذهب سدد لهما اللكمات ليخر كليهما على الأرض بألم... أسرع بخطوات تشبه الركض حتى وصل أمام الغرفة ليدير المقبض فلم يُفتح الباب... فقام بدفعه بجسده بقوة لينفتح الباب على مصراعيه...
ومقلتيه كادت تخرج من محجريهما عندما رأى ذلك الذي يجثو فوق ملك الفاقدة للوعي وثوبها ممزق وهو ينهال عليها بقبلاته، ولم يشعر بذلك الذي قبض على ثيابه بقبضة واحدة ليرفعه إلى الأعلى وأخذ يسدد له اللكمات والركلات وهو يزمجر بغضب حتى امتلأ وجه رامي بالدماء وخارت قواه ليفقد الوعي وتركه قبل أن يلفظ أنفاسه. ركض نحو ملك فخلع سترته... وربت على وجهها: -ملك.. ملك.. فوقي يا ملك.
كان يناديها مصعب بخوف ورعب عليها، رفع جذعها قليلًا ليضع سترته على كتفيها ثم وضع ذراعيه أسفل ظهرها وأسفل ركبتيها وقام بحملها ويركض للخارج بجنون حتى وصل إلى السيارة. -أرجوك يا مصعب خدني معاك عايزة أطمن عليها. قالتها رودي التي لحقت به، أومأ لها فدلفت إلى الداخل لدى المقعد الخلفي وقامت بحمل ملك منه لتجلسها بجوارها وجعلتها تتمدد على فخذيها. شغل المحرك وانطلق بالسيارة. رودي: -مصعب أنت هتوديها على أنهي مستشفى؟
مصعب بصوت مختنق: -على مستشفى البحيري. رودي: -بلاش... ممكن تاخدها على عيادة نسا بتاعت ابن خالتي وقريبة من هنا. توقف عن السير وهو يفكر بكلماتها، فزفر بضيق لينعطف إلى الطريق الأخرى واتجه نحو تلك العيادة. *** تهبط الدرج وكل خطوة تتعالى خفقات قلبها... أخذت نفسًا عميقًا أمام باب الغرفة ثم زفرت الهواء وهي تحاول أن تتماسك... فتحت الباب الذي دخل في الحائط على مزلاق...
ولجت بخطى هادئة تبث الثقة بداخلها عزمت أنها ستجعله يرى قوتها وليس ضعفها... يترأس المائدة كالعادة ويتناول طعامه بهدوء ولم يرفع عينيه... جذبت المقعد الذي يقع على يمينه وجلست وهي ترمقه بطرف عينيها تتحاشى النظر إليه... أمسكت بملعقة كبيرة لتغترف القليل من سلطة الخضروات وتضعها بداخل الطبق الذي أمامها. ثم تناولت الشوكة وكادت تأكل ليوقفها طرق الباب، ثم فتح أحد رجاله الباب وتقدم نحوه وهو ينظر لأسفل وبصوت أجش تحدث:
-مساء الخير يا باشا. ابتلع قصي ما بفمه وقال: -هو عامل ايه دلوقت؟؟ الرجل: -شرخ في الدراع الشمال وكسر في تلت ضلوع. سمعت تلك الجملة لتبتلع ريقها وأخذت تتناول الطعام... ظنت أنه لابد من إحدى ضحاياه. زفر قصي بضيق ليترك ما بيده وأسند مرفقيه على المائدة ليعقد يديه أسفل ذقنه ثم قال: -وعملت ايه في الموضوع التاني؟ الرجل ومازال ينظر لأسفل خشية أن تقع عيناه على صبا فسيكون حتمًا هلاكه على يد رب عمله:
-اللي طلع الأمر بتفتيش المخازن وكيل النيابة اسمه حسام المصري، وبعد ما فتشنا وراه لقينا يبقى صاحب... صمت ليبتلع ريقه خوفًا من بركان الغضب الذي سينفجر الآن. -مييييين؟؟؟ صاح بها قصي، فرد الرجل بخوف جلي: -يبقى آدم البحيري. وما أن نُطق ذلك الاسم حتى شعرت بالحشرجة في حلقها وأخذت تسعل بقوة فتناولت كوب ماء لترتشف منه... بينما هو حدق بها بنظراته وملامح وجهه لا تدل على أي تعبير... حتى لاحظت ذلك رمشت عدة مرات ثم نهضت
وقالت بدون أن تنظر إليه: -الحمد لله... عن إذنك. -اقعدي. قالها بنبرة أمر تحمل تحذيرًا، جلست على الفور وأخذت تفرك يديها معًا بتوتر. -وبعدين؟؟ قالها قصي، فأجاب الرجل: -بالنسبة لصاحب العربية اللي وصل كارين هانم لحد البيت يبقى... يبقى يونس البحيري. توترت الأجواء... على الرغم من الغضب الذي اندلع بداخله ولو أخرجه سيحرق كل ما يقابله لا مفر... لكنه تظاهر بالبرود. أشار للرجل بالمغادرة وهو يقول: -روح أنت دلوقت.
أومأ له الرجل وقال: -عن إذنك يا باشا. ثم غادر. نهض من مكانه بهدوء... ليذهب ويقف خلفها... تغمض عينيها تخشى غضبه الذي تشعر به على الرغم من هدوءه. انحنى نحوها ليهمس بجوار أذنها بأنفاسه التي كانت كاللهب: -منزلتيش تتغدي معايا ليه؟ قالها ثم طبع قبلة ما بين عنقها وكتفها ليرتجف جسدها خوفًا، فأجابت بتوتر وخوف: -كـ كـ كنت.. تـ تـ تعبانة.. ونمت. ابتعد عنها ثم قال بأمر: -اقفي.
أذعنت لأمره فوقفت وهي تزيح المقعد لتستدير وتقف أمامه وتنظر لأسفل. أردف بأمر أيضًا: -ارفعي وشك وبصيلي. رفعت رماديتيها لتجده يقف بثبات واضعًا يديه في جيوب بنطاله الأسود القطني ونظراته تخترق عينيها وقال: -أنا هعديهالك المرة دي... لكن المرة الجاية موعدكيش. قالها ثم اقترب منها وهو يخرج من جيبه السلسلة التي قام بنزعها من عنقها من قبل... وضعها حول عنقها ليوصدها وعينيه لا تفارق عينيها. -تمام كده.
ثم ألقى نظرة على شعرها المرفوع لأعلى ثم نزع مشبك الشعر لتنسدل خصلات شعرها حول وجهها وعلى كتفيها وظهرها، فأردف: -طول ما أنتي معايا لوحدينا شعرك يفضل كده... تمام؟؟ أومأت له بالإيجاب وقالت بصوت يكاد يكون مسموعًا: -حاضر. اقترب منها أكثر ليحاوط وجهها بكفيه وابتسم ولم تصل الابتسامة لعينيه وقال: -كملي أكلك. ثم اقترب بشفتيه وطبع قُبلة حانية على جبهتها استمرت لثوان ثم ابتعد عنها وأردف:
-لو احتاجتي أي حاجة عندك الشغالين وكمان دادة زينات هتلاقيها في المطبخ... خدي بالك من نفسك. قالها ثم ذهب من أمامها وغاب عن ناظريها... وبعد قليل اتجهت نحو النافذة الكبيرة التي تطل على الحديقة لتجده يغادر بسيارته وتتبعه سيارتين بداخلها العديد من رجاله... اتسعت حدقتاها عندما تذكرت حديث ذلك الرجل. ركضت إلى الخارج تبحث عن المطبخ حتى وصلت إليه فولجت إلى الداخل لتجد زينات تجلس خلف المنضدة وتضع كفها على خدها بانتظار.
-دادة زينات. قالتها صبا بلهفة وهي تركض نحوها لتنهض زينات وتفتح ذراعيها التي ارتمت الأخرى بينهما وأخذت تعانقها بحنان الأم. زينات بشوق ولهفة: -وحشتيني أوي يا بنتي. اشتدت صبا من معانقتها وقالت: -وأنتي كمان وحشاني أوي يا دادة. ثم ابتعدت قليلًا وهي تنظر من حولهما فأردفت: -تعالي معايا.
ذهبت كلتاهما إلى الخارج وكادت تصعد الدرج فتوقفت لتلتفت إلى الخلف لتتسمر مكانها عندما رأت كنان الذي يستند على الحارس وذراعه الأيسر محاط بالجص ووجهه مليء بالكدمات، فاستنتجت أنه المقصود من حديث الرجل لقصي. *** زرع الرواق ذهابًا وإيابًا في انتظار خروج الطبيب ليطمئنه على حالتها... وهي تقف تدعو الله أن لا يكون قد أصاب صديقتها أي مكروه. خرج الطبيب الذي يرتدي المعطف الطبي. -هي عاملة ايه يا دكتور؟؟ قالها مصعب بقلق وخوف،
فأجاب الطبيب بتأني: -هو الإغماء نتيجة صدمة عصبية بسبب محاولة الاغتصاب اللي اتعرضتلها. رودي: -يعني يا شادي هي كويسة قصدي يعني.... أومأ لها الطبيب ليتفهم مقصد حديثها فقال: -اطمنوا هي لسه "فيرجن" بس جسمها مليان خدوش وكدمات. جز مصعب على فكيه ليضرب الحائط بقبضته عدة ضربات متتالية. رودي: -طيب هي تفوق أمتى؟ الطبيب: -أنا ادتلها حقنة مهدئة وممكن تفوق بالكتير على الصبح. قطب مصعب حاجبيه وقال: -هو مينفعش ناخدها دلوقت؟ الطبيب:
-هو ينفع بس عايزة رعاية... ولو عايزين أعملكو تقرير طبي تقدموا بيه بلاغ في اللي عمل كده أنا تحت أمركو. نظرت رودي إلى مصعب الذي تجهم وجهه وهو يفكر في حال عائلتها عندما يعلمون بما حدث... ليجلس على المقعد واضعًا كفيه على وجهه وهو يزفر بحزن وسأم. أردف الطبيب: -لو مش عايز خلاص... بس ده حقها ولازم تاخده بالقانون دي يعتبر جريمة اغتصاب حتى لو مش كاملة. -كفااااية.
صاح بها مصعب بغضب لينتفض كلًا من رودي وابن خالتها الطبيب، أخذ يشهق ويزفر غير مصدق ما حدث فقال: -اعمل التقرير وأنا هوديه لعزيز بيه. *** -اهدي بس وبطلي عياط وفهميني ايه اللي حصل؟؟ قالتها زينات وصبا تعانقها وتبكي بصوت جلي: -تـ تـ تعبت يا دادة... مش قـ قـ قادرة أستحمل... خلاص لو هافضل عايشة معاه بالشكل ده يا هموت يا هتجنن. قالتها صبا من بين شهقاتها، فردت زينات بحزن وأسف: -لا حول ولا قوة إلا بالله...
كان مستخبيلك فين ده يا بنتي... الله يسامحه عابد بيه خدك من أهلك عشان يرميكي في النار بإيديه. ابتعدت صبا فجأة وقالت وهي تنظر حولها: -آدم.. آدم يا دادة.. قصي بالتأكيد هيعمل فيه حاجة.. خد رجالته ورايح له. قالتها وهي تنهض ودلفت غرفة الثياب وهي تبحث عن شيئًا لترتديه. تبعتها زينات وقالت: -أنتي بتعملي ايه!! توقفت ونظرت إليها: -رايحة لآدم قبل ما يعمل فيه حاجة ويونس اللي بالتأكيد مش هيرحمه. زفرت زينات بسأم وقالت:
-يا بنتي اتقي شره وملكيش أنتي دعوة عيزاه يعمل فيكي ايه تاني. صاحت بجنون: -يعني مش شايفة عمل ايه في المساعد بتاعه!!! ما بالك اللي هيعمله في ولاد خالي. زينات: -هم هيعرفوا يتصرفوا معاه وبعدين قصر خالك مليان حراسة أد كده وهو ورجالته ميقد.... تكمل لتقاطعها صبا بصياح: -كانوا قدروا يمنعوهم لما جم وخدوني غصب من قلب قصر خالي. زينات: -يا صبا يا بنتي أنتي دلوقتي متجوزة ومش أي واحد... ده أبوكي نفسه ميقدرش يقف قدامه.
تتفوه وأخذت تفكر ثم قالت: -هاتي موبايلك. زينات بقلق: -هتعملي بيه ايه؟ صبا وهي تجفف عبراتها: -هطمن على آدم وأحذره. تلون وجه زينات وقالت: -أبوس إيدك يا بنتي بلاش.. قصي بيه لو عرف ممكن يقتلك فيها. صبا بنبرة رجاء: -أرجوكي أنتي يا دادة... ريحي قلبي وخليني أطمن عليه... قصي مانعني أمسك أي موبايل وزي ما أنتي شايفة محبوسة هنا وكل حاجة بعملها هنا بأوامر منه. قالتها وهي تبكي، رق قلب زينات لها وأخرجت هاتفها من جيب الجونلة وقالت:
-أمري لله يا بنتي.. بس بالله عليكي كلميه بسرعة قبل ما حد يحس بينا. أخذت صبا الهاتف وظلت تضغط على رقم آدم الذي تحفظه جيدًا كاسمها. آدم بصوت ناعس: -ألو مين معايا؟ صمتت وقلبها يخفق عندما سمعت صوته. آدم: -ألو... ألو. صبا بنبرة اشتياق: -آآ.. آدم أنا صبا. نهض من مكانه وهو يزيح الغطاء واتجه نحو الشرفة وقال: -صـ صـ صبا.. -أنتِ بخير؟ اعتصرت عينيها بألم وقالت: -لا.. آه أنا بخير، وأنت يا حبيبي بخير؟ آدم: -مالك يا صبا؟
الحيوان ده عامل فيكِ حاجة؟ ذرفت عينيها عبراتها بأنين قد وصل إلى مسمعه وقالت: -لا مفيش.. أنا كنت بطمّن عليك. تنهد آدم وقال: -صبا... سامحيني إن مقدرتش أحميكِ. صبا: -عارفة يا آدم إنه غصب عنك ومش بإيدك... بس عايزاك تعرف حاجة، أنا عايشة معاه بجسمي بس قلبي وعقلي معاك أنت. آدم: -وأنا عمري ما نسيتك ودايمًا في بالي. ساد الصمت لتذرف عينيه هو أيضًا عبرات قلبه الجريح... صبا:
-آدم خلي بالك من نفسك، قصي عرف إنك ورا بلاغ تفتيش المخازن بتاعته وخد رجالته ومش عارفة ناوي على إيه... وكمان قول لـ..... قاطعها آدم عندما قال: -ثواني يا صبا. ليجد اتصالًا على خاصية الانتظار وكان اسم المتصل "عم رمضان"... فأردف: -معلش هقفل معاكِ وهشوف عم رمضان. صبا: -حاضر وأنا هبقى أطمّن عليك. آدم: -خلي بالك من نفسك... سلام. ثم أجاب على الاتصال الآخر: -ألو.. أيوه يا عم رمضان. رمضان: -الحق يا آدم بيه...
المخازن كلها مولعة واتصلنا على المطافي ومستنيين، واتصلت على عزيز بيه مبيردش عليا. آدم: -طيب اقفل وأنا جاي حالًا. أغلق المكالمة ليراها بالشرفة المجاورة تنتظر عودة ملك وعبراتها تنهمر على وجنتيها عندما استمعت إلى تلك المكالمة وتأكدت أنه ما يزال قلبه متعلقًا بها حتى وهي زوجة غيره.... لم يتفوه بكلمة وزفر بضيق ودلف إلى الداخل. وبأسفل الشرفة كانت تجلس على تلك الأرجوحة واستمعت لذلك الحوار أيضًا... لتقطب حاجبيها وقالت:
-مش هتسكت يا ابن عزيز غير لما تدمرنا معاك. *** في صباح اليوم التالي... يستيقظ عبد الله وهو يتثاءب ويحك فروة رأسه واليد الأخرى يضعها خلف ظهره ويقول: -آه يا ضهري اللي باظ من أم الكنبة. ثم نهض ليتجه نحو الغرفة ليجدها ما زالت نائمة، لكنه ظل يحدق بها وهي نائمة كالملاك مرتدية منامة حريرية قصيرة ويدثرها الغطاء القطني... تقلبت حتى أزاحت الغطاء لتنكشف ساقيها. -آه يا بنت الذين يخرب بيت جمالك...
قالها عبد الله وهو يعض على شفته السفلى، فاقترب منها وهو ينظر إلى وجهها ويزيح خصلات شعرها بأنامله وكاد يقبلها لتفتح عينيها فجأة. -نهار أبوك أسود ومنيل، أنت بتتحرش بيا وأنا نايمة! صاحت به شيماء وهي تنهض من فوق التخت وتشد منامتها لتغطي ساقيها. -في حد بيتحرش بمراته يا بنت المجانين! صاح بها عبد الله. وقفت أمامه وقالت:
-الحق عليا خليتك تعيش معايا في بيت واحد، بس أنا مستنية أول أسبوع يخلص وتاخد هدومك وترجع للعشة اللي كنت ساكن فيها. -بت أنتِ بقولك إيه، أنا سكتلك كتير وصابر عليكِ لحد ما تعقلي.. لكن الظاهر سوقتي فيها وفاكراني مش قادر عليكِ... لا يا حلوة أنا ممكن هاخد منك اللي أنا عايزه. صاح بها عبد الله. رمقته بنظرات حادة وقالت: -أيوه بقى وريني وشك الحقيقي...
عشان تعرف إنك عمرك ما هتتغير وأنا كمان عمري ما هديك الأمان طول ما أنا شايفاك قدامي بالمنظر ده. -يعني إيه يا شيماء؟ شيماء: -يعني هفضل على قراري لحد ما ألاقيك بني آدم محترم مش حتة واحد صايع كل همه سيجارة الحشيش. انهال على وجهها بصفعة قوية... ليتسمر مكانه وهي ترمقه بنظرات حارقة... وهو ينظر إلى كفه الذي صفعها به. -أنا هسيبلك الشقة كلها ورايحة عند أبويا وابقى ابعتلي ورقتي.
صاحت به وهي تتجه نحو المشجب الخشبي وتلتقط عباءتها وترتديها. -حقك عليا يا شوشو.. أنا آسف... والله أنتِ اللي قعدتي تستفزيني فغصب عني..... قاطعته وهي تصرخ في وجهه: -آسف!! آسف على إيه ولا إيه... وليك عين كمان وبتمد إيدك عليا. قالتها وهي تغلق أزرار العباءة ثم تناولت حجابها. أمسك يدها وقام بتقبيلها وقال: -آسف يا حبي... حقك عليا... يارب إيدي تتقطع وماتتمدش عليكِ تاني...
ولو عايزة تاخدي حقك مني أنا واقف قدامك.. اضربيني نفس القلم لو كان ده يرضيكِ. ظلت تحدق في خضراويتيه التي طالما تعشق النظر إليهما... ألقت الحجاب جانبًا ثم جلست على المقعد المستدير أمام المرآة وهي تستند بمرفقيها وأخذت تبكي. جثى على ركبتيه ليمسك وجهها وقال: -أنا آسف يا عمري والله بحبك، وكل اللي كنت بهددك بيه لحظة غضب... بس أنا عمري ما هغصبك على حاجة. نظرت إليه بعينيها الدامعتين وقالت: -ما أنت عملتها قبل كده.
اقترب منها ليعانقها وقال: -والله ما كنت في وعيي، هو منه لله ابن الـ.... الواد صاحبي اللي وزّني أعمل كده عشان أحط أبوكِ قدام الأمر الواقع، والشيطان حلى الفكرة في عينيا، وكنت وقتها ضارب سيجارتين مادرتش بنفسي غير وأنا جيتلك وحصل اللي حصل. ابتعدت عنه وقالت: -نفسي ترجع عبد الله اللي عرفته زمان، الجدع اللي لما كان بيوعد ينفذ على طول وبيخاف عليا من الهوا. عبد الله:
-والله يا شوشو أنا هو نفسه عبد الله اللي لما كان بيشوفك معدية بس من قدامه قلبه كان بيجري وراكِ وبيصرخ وبيقول بحبك يا شوشو... بحبك يا شوشو من ساعة ما كنتِ لسه عيلة بضفاير وبتلعبي في الشارع، واللي كان ييجي جنبك من العيال الصبيان مكنتش بسيبه غير لما بفتحله دماغه.. ولا نسيتي؟ ابتسمت رغمًا عنها وهي تجفف عبراتها وقالت: -فاكرة...
وفاكرة كمان لما الواد حودة كان بيمشي ورايا وأنا راجعة من الدرس مسكته أنت واديتله علقة موت قدام الحارة وخليته يروح على بيتهم بالبوكسر بس... ساعتها اتأكدت إنك بتغير عليا وبتحبني. -وبعشق التراب اللي بتمشي عليه يا قلب عبده. قالها بنظراته العاشقة لها وبصوت جعل قلبها يخفق بقوة. فاقترب منها وهو يضع جبينه على جبينها وقال: -مسامحاني يا شوشو؟ تنهدت ليشعر بأنفاسها التي استنشقها بعمق فقالت:
-أعمل إيه في قلبي اللي مهما عملت مبتهونش عليه وبيحبك. عبد الله وهو يحاوط جذعها بذراعيه: -قوليله يحس بنار قلبي اللي بيعشق كل حاجة فيكِ، وقوليله كمان عشان خاطرك هبطل أي حاجة تضايقك وكمان.... قالها لينهض وأخذ من فوق الكومود علبة السجائر والقداحة ثم فتح النافذة وألقاهم وأردف: -تحرم عليا السيجارة لحد ما أموت عشان خاطرك يا روحي. نهضت لتقترب منه وبنبرة عشق: -بعد الشر عليك من الموت يا عبده... ده أنا مقدرش أعيش من غيرك.
فاقترب منها أكثر وهو يحاوط خصرها وقال: -ولا أنا يا عيون عبده مقدرش أبعد عنك ولا لحظة، عارفة ليه؟ أجابت بشفتيها الوردية التي ظل محدقًا بهما: -ليه يا قلب شوشو؟ فاقترب بشفتيه أمام شفاها وقال هامسًا: -عشان عاشقك. قالها ليغرقها معه في بحور عشقه ومحيط قلبه الذي ينبض بحروف اسمها ورئتيه التي تستنشق أنفاسها... تاهت في عالمه بين ذراعيه التي تضمها بقوة...
لم تشعر بعباءتها التي انسدلت لتقع على الأرض وقدميها التي حلقت في الهواء عندما قام بحملها على ذراعيه ليأخذها في عالم لا يُسمع فيه سوى دقات القلوب وهمسات الحب ونظرات العيون التي تعشق إلى حد الثمالة. *** في قصر البحيري.... تهبط خديجة الدرج في حين يدلف آدم إلى داخل البهو والإرهاق الجلي على ملامح وجهه وخصلات شعره المبعثرة... تقابل كليهما فوقفت وهي تنظر إلى حالته بنظرات لوم وعتاب وهي تتذكر كلماته لصبا التي ليست من حقه.
-آدم... كنت فين؟ قالتها جيهان التي تقف بأعلى الدرج. رفع عينيه إليها ليقول: -كان في شوية مشاكل في المخازن روحت أشوفها ولما حلتها جيت على طول. زفرت الهواء ثم قالت: -طيب اطلع أنا عايزاك... واستني يا خديجة عندك في الجنينة. بداخل غرفته تدلف جيهان إلى الداخل وهو خلفها... لتقف أمامه بملامح غاضبة وقالت: -تقدر تفهمني هتستفاد إيه لما تكلم واحدة متجوزة وجوزها مستني لأبوك على غلطة عشان يدمره ويدمر كل اللي بناه في لحظة؟
احتدت عينيه وقال: -مين اللي قالك الكلام ده؟ رفعت إحدى حاجبيها بامتعاض وقالت: -هو ده كل اللي همك... ومش همك إن ممكن حياتك تضيع عشان بنت عابد الرفاعي! أجاب عليها باقتضاب وقال: -أرجوكِ يا ماما أنا تعبان ومش قادر، سيبيني أنام ولما أصحى نبقى نتكلم لأنك فاهمة غلط... وأنا هعرف بنفسي مين اللي قالك كده. قالها ليهمّ بالمغادرة فأوقفته وقالت: -استنى عندك لسه مخلصتش كلامي. التفت إليها وقال: -في إيه تاني يا ماما؟ جيهان:
-انزل وخد خديجة وديها تروح لباباها المستشفى وأنا مستنية باباك لما يرجع من الشركة عشان أروح معاه نطمّن على عمك سالم. نظر بتوعد وقال: -حاضر هنزل وهاخدها. ثم فتح الباب وذهب وأردف بداخل عقله: -وهعرفها إزاي تنقل الكلام كويس. تركض في الحديقة لدى المسبح وعلى عينيها وشاح عقدته لها تلك الصغيرة... -أنا هنا... لأ هنا... تصيح بها لوجي وتركض خديجة نحو صوتها وهي تمد يديها في الهواء حتى تمسك بها. خديجة بضحك ومرح:
-يا ترى أنتِ فين يا لوجي... قالتها وظلت تسير ولم تنتبه أنها على وشك الاقتراب من المسبح... والصغيرة كانت تختبئ خلف الشجرة. هو خرج للتو من الباب الزجاجي المطل على المسبح لتتسع حدقتيه وهو يراها تتراجع للخلف ولم تنتبه أنها ستقع... لم يشعر بقدميه ليركض بسرعة البرق وأمسك بها وقدميها تنزلق.... شهقت بصوت دوى ورغمًا عنها تشبثت به ليفقد كليهما توازنهما ووقعا في المسبح.
نزعت الوشاح لتجد أنها بالمسبح وممسكة بآدم بخوف ورعب لأنها تخشى الغرق... -عجبك اللي عملتيه فينا ده! صاح بها آدم. انتبهت أنها تمسك بقميصه وهو يمسك بها محاوطًا جذعها بذراعيه.... دفعته ليبتعد عنها لكنه كان أكثر تمسكًا بها. فأردف: -أنتِ مبتعرفيش تعومي ولو سيبتك هتغرقي وأنا مش عايز يجرالك حاجة قبل ما أعلمك الأدب. اتسعت عينيها وصاحت به: -ابعد عني... اوعى...
قالتها وهي تضربه بيديها في صدره وهو محكم قبضته عليها وأخذ يسبح إلى الحافة ليخرجها إلى الأعلى. وقفت على الحافة بثوبها المبتل وصاحت به: -قبل كده حذرتك إيدك متلمسنيش أنت فاهم ولا لأ! صعد وقميصه الرمادي المبتل الملتصق بجسده وبنطاله الأسود... احتدت نظراته وصاح بغضب: -الحق عليا أنقذتك! وبطلي تخلف بقى أنتِ فاكرة نفسك إيه عشان تقوليلي مش ألمسك! اشتد حنقها وقالت: -المتخلف اللي عارف الصح من الغلط وبيبقى مصر على الغلط.
اقترب منها ليجذبها من عضدها وقال بغضب: -قصدك على مين متخلف؟ خديجة بنظرات نارية: -اوعى إيدك أنت مبتفهمش! أمسك بذراعها الآخر وهو يجز على فكيه وقال بتحدٍ: -وريني بقى هتعملي إيه وهعرفك كويس إزاي تغلطي... وهعلمك الأدب زي ما قولتلك عشان تحرمي تنقلي حاجة سمعتيها بعد كده. قالها وهو يعنفها قابضًا على يدها وذراعها. -اوعى بقى... صاحت به لتفلت يدها من قبضته وبدون أن تدري هبطت بكفها على وجهه صفعة تردد صداها.
ويليها صوت حطام الفنجان الذي وقع من يد إنجي التي رأت تلك الصفعة ووضعت كفها على فمها في صدمة وذهول.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!