تتسلل أشعة الشمس من بين فتحات الستائر، تهبط على جفونها تداعبها، لترمش عدة مرات بانزعاج، فالتفتت لوميض هاتفها معلنًا عن رسالة واردة على "الواتس". أطلقت تنهيدة بملل ثم جذبت الهاتف من فوق "الكومود" لترى محتوى الرسالة، حتى انفرجت أساريرها بابتسامة جلية وهي توصد عينيها بسعادة، ثم أخذت تقرأ. يونس: صباح الخير على أجمل عيون في الكون. عضت على شفتها السفلى بخجل ثم أجابت كتابة: أعتبر دي مجاملة ولا غزل صريح!
يونس: اعتبريه رأي فنان في إبداع الخالق فيما خلق. تنهدت وقالت بصوت مسموع: وبعدين معاك هتروح بيا على فين كده!!! يونس: سكتي ليه؟؟؟ عمومًا لو بتضايقي من الكلام ده اعتبريني مقولتش حاجة. كارين: أبدًا أنا عارفة إنك بتهزر. يونس: بهزر!!! أرادت تغيير مجرى المحادثة فأرسلت: نسيت أقولك ميرسي كتير على وقفتك جنبي الأيام اللي فاتت، بجد مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه.
يونس: العفو أنا معملتش حاجة.. المهم جهزي نفسك عشان شوية وهعدي عليكي عشان هاروح معاكي تسلمي الرسالة بتاعتك. كارين: مفيش داعي أنا هطلب أوبر. يونس: كارين قدامك نص ساعة بالكتير وهكون عندك، سلام. ارتفع حاجباها باندهاش ثم ضحكت وقالت: مجنون وشكلك هتجنني معاك.
ألقت بالهاتف على فراش مضجعها الحريري ذو اللون الذهبي لتنهض وهي ترتدي ذلك "الشبشب" ذو الفراء على شكل أرنب وردي. دلفت إلى المرحاض لتزيل آثار النعاس من وجهها بالاغتسال وتنظيف أسنانها، عقصت خصلات شعرها للأعلى على شكل كعكة وهي تغادر الغرفة متجهة نحو المطبخ لتعد كوب القهوة التي اعتادت عليه صباحًا.
ما زالت البسمة لم تفارق ثغرها وكلماته التي تجول في ذهنها، تضغط على زر تشغيل ماكينة عمل القهوة وانتظرت حتى امتلأ الكوب فتناولته، قطبت حاجبيها بانزعاج من تلك الرائحة القوية الآتية من الردهة. غادرت المطبخ متجهة نحو مصدر ذلك الدخان، شهقت بذعر وسقط منها الكوب ليتناثر حطامًا فوق الأرض، تنظر إلى ذلك الجالس واضعًا ساق فوق الأخرى يزفر دخان سيجارته التي لم تفارق إصبعيه. قالت كارين وهي تبتلع ريقها بتوتر: -قصي!!!
انحنى بجذعه قليلًا إلى الأمام وهو يطفئ ما تبقى من سيجارته في المنفضة الكريستالية، ثم تراجع بظهره بكل هدوء وسخرية: -بونجور يا فنانة. ومن نظراته التي يرمقها بها أيقنت بعلمه بكل ما حدث، عقدت ساعديها أمام صدرها وأجابت بسخرية مماثلة: -بونجور يا قصي باشا... واضح إن رجالتك ما شاء الله عليهم شايفين شغلهم على الآخر. نهض وعيناه على معصمها الأيمن الذي يحاوطه الجص واقترب منها وقال:
-لولا رجالتي كان زمانك مشرفة جنب الوالد وبقرأ عليكي الفاتحة. ابتسمت بتهكم وقالت: -ولما أنت خايف عليا للدرجة دي مش عايز تبطل شغلك الوسخ ده ليه!!! احتدت عيناه بنظرات قد دق قلبها مرتجفًا وهو يقترب منها حتى توقف أمامها مباشرة يمسد على وجنتها مبتسمًا قال: -كارين أنا جاي أطمن عليكي وأقولك ابعدي بمزاجك أحسن ما هخليه هو يبعد غصب عنك. تسمرت بمكانها وهي ترمقه بنظرات ساخطة وهي تعلم مقصد حديثه وقالت بتحدي:
-ولو مبعدتش يا قصي هتعمل إيه!!! وضع يديه بجيوبه بشموخ وأجاب بنبرة تهديد: -حادث سير مروع أدى إلى انقلاب سيارة ابن رجل الأعمال المعروف مما أدى إلى وافته المنية. اتسعت حدقتاها وصرخت في وجهه وقالت: -أنت شيطان. ابتسم بجانب فمه ثم تحولت ملامحه إلى الغضب وقال: -طول ما عيلة البحيري بتقرب من اللي يخصني هتلاقيني ألعن من الشيطان... أنا مش بحجر عليكي ولا بقولك ما تعيشيش حياتك...
لكن مع أي حد ما عدا أي كلب من كلاب العيلة دي بالذات. انسدلت عبراتها لتجيب بصوت مختنق: -أنت مش أخدت اللي أنت عايزه منهم واتجوزتها وخلاص في إيه تاني!! صاح بغضب أكثر: -لسه.. لسه في حساب كبير لازم أصفيه.. حاجة أنتي ملكيش دعوة بيها. صاحت بمستوى نبرة صوته: -وأنت كمان ملكش دعوة بحياتي وأحب مين وأكره مين. أمسك بمعصمها الأيسر ورمقها بنظرات تحذيرية وقال غاضبًا:
-وقسمًا بالله يا كارين لو حسيت بس لسه على علاقة بيه هخليكي تقري خبره في الجرايد تاني يوم، وأنتي أكتر واحدة عارفاني بقول الكلام مرة واحدة. قالها وهو يلقي يدها بقوة في الهواء ثم ابتعد ليهم بالذهاب متجهًا نحو باب المنزل فاستوقفته بصرخة مدوية: -أنا بكرهك يا قصي.
جز على فكيه ثم أكمل سيره مغادرًا ولم يعيرها أي اهتمام ليصفق الباب خلفه بقوة لتهتز النوافذ بصوت اهتز له قلبها، وهي تبكي بقهر وألم وهي تجلس على الأرض تضم ركبتيها نحو صدرها، وأطلقت العنان لعبراتها حتى انتبهت لصوت رنين هاتفها من داخل غرفتها، نهضت لتذهب إلى الداخل لتمسك بهاتفها حتى قرأت اسم المتصل. بينما يونس يخرج من المصعد متجهًا نحو منزلها وهو يضع هاتفه على أذنه منتظرًا أن تجيب عليه، زفر بسأم ثم أخذ ينقر
على شاشة الهاتف ليرسل لها: "كارين أنا قدام باب الشقة خلصتي ولا لسه؟؟ كارين بالداخل تعتصر عينيها ألمًا، غادرت غرفتها وذهبت نحو باب المنزل تنظر من خلال تلك الفتحة التي تتوسط الباب لتجده ينتظرها حقًا. ابتعدت قليلًا لترسل ردًا على رسالته وأرسلت: "معلش يا يونس أنا نزلت من بدري شوية ريماس صحبتي عدت عليا وخدتني في طريقها". قرأ الرسالة ليطلق زفرة بضيق ويوصد هاتفه ويضعه في جيب بنطاله ليعود إلى المصعد مرة أخرى ويغادر. ***
في قصر البحيري... تصرخ خديجة من داخل غرفة آدم الذي قام بأسرها داخلها عنوة عنها، أخذت تضرب الباب من الداخل بقبضتيها. صاحت خديجة بتكرار: -افتح عايزة أروح لبابا... وبالخارج في الرواق صاحت جيهان: -والله لو ما فتحت لها يا آدم مش هتعرف إيه اللي هيحصلك، ده غير حسابك مع باباك. جز على أسنانه وصاح وهو يشير نحو غرفته: -يعني عجبك إنها مدت إيدها عليا ومفيش حد اتجرأ أبدًا وعاملها! أجابته بامتعاض وغضب:
-هي عمرها ما هتعمل كده غير لما تكون عملت معاها حاجة ضايقتها، أنا عارفة خديجة كويس. رفع إحدى حاجبيه بسخرية وقال: -والله!! وأنا بقى اللي بقيت الظالم المفتري!! قالت جيهان بنبرة أمر: -ولد... وطي صوتك ومتنساش إنك بتتكلم مع مامتك... وروح افتح الباب.
أخفض بصره بخجل عندما تدارك انفعاله الحاد، فاتجه نحو الغرفة ليفتح الباب ويدفعه بقوة ليجد تلك المنكمشة على الأرض ترتجف من البرودة بسبب ثيابها المبتلة، ركضت نحوها جيهان لتمسك بها وتجعلها تستند عليها. قالت جيهان بقلق: -خديجة حبيبتي... أنتي بخير؟؟ أومأت لها إيجابًا وهي تقول بنبرة مرتجفة: -ععع... ااا.. يي.. زه أروح ل.. بب. ا.. با. قامت جيهان بضمها إلى صدرها بحنان الأم وهي ترمق آدم بغضب، ثم أخذتها إلى غرفتها لتبدل ث
قالتها ولم تنتبه لخطواتها فتعثرت بتصنع، ليتجه نحوها وهو يمسك بذراعها بيد والأخرى على خصرها. رفعت عينيها في عينيه الذي أنزلها ليرمق تلك الشفاه المثيرة. تخللت السعادة جوفها فها هي نجحت في أول مرحلة. شعرت بأنفاسه التي تقترب من بشرتها وهي على يقين من مبتغاه. -أيوه يا خالتي جاية أهو... صاحت بها وهي تبتعد عنه ليستفيق وقال بتلعثم: -شكراً.. ع.. على الفطار يا... قاطعته وهي تقول بضم شفاهها للأمام: -موووحه.
قالتها وهي تفتح ذلك الباب الذي كان موارباً فكادت تصطدم برحمة التي كانت تتابع كل ما حدث في صمت. رمقتها سماح من أسفل لأعلى ثم ذهبت لتلج إلى داخل شقتها. *** انتبه طه لرحمة وهو كاد يغلق الباب، نظرات الازدراء التي تلقيها عليه كفيلة بكل ما كانت ستتفوه به. قال طه بتوتر: -أهلاً يا رحمة... اتفضلي. رفعت حاجبها بتهكم وقالت: -أنا شوفتك طالع فطلعت عشان أسألك على عم سالم بس الظاهر جيت في وقت غلط.. عن إذنك. قالتها لتهم بالمغادرة
فأمسكها من معصمها وقال: -رحمة.. أنتِ فاهمة غلط والله العظيم هـ..... قاطعته وهي تبعد رسغها عن قبضة يده وقالت: -وأنا مالي بتبرر ليا بصفتي إيه!! ... دي حياتك وأنت حر فيها ومش جديد عليك يعني. عقد حاجبيه بضيق وقال: -قصدك إيه بكلامك ده؟؟؟ رفعت كفها لتشير له إلى خاتم الخطبة خاصتها وقالت: -قصدي كل واحد بياخد نصيبه.
قالتها ونظرات نارية تخرج من جحيم عينيها، فلم يدرك حاله وهو يجذبها إلى الداخل وأوصد الباب بالمفتاح وقام بوضعه في جيب بنطاله. -يخربيتك بتعمل إيه... افتح الزفت ده... خطيبي لو عرف هيقتلك. اقترب منها وعلى وجهه ابتسامة سخرية: -ده مين اللي يقتل مين!! ... ده عيل هتية آخره يروح يشتكي لأمه عشان تجيب له حقه. أشارت له بسبابتها بتحذير وقالت: -لو سمحت اتكلم عنه بأسلوب محترم ده كلها يومين وهيبقى جوزي.
أطلق ضحكة مدوية وهو يقترب منها أكثر وهي تتراجع إلى الخلف حتى ارتطم ظهرها بالباب. ابتلعت ريقها بقلق وخوف وقالت: -أرجوك يا طه لو لسه باقي على العشرة اللي ما بينا افتح الباب وخليني أمشي الله لا يسيئك. اقترب منها أكثر حتى أحست بملمس كفه على وجنتها وهو يقترب بأنفاسه وقال بصوت مليء بالرغبة: -وحشتيني أوي يا رحمة. خفق قلبها بقوة حتى سمع دقاته المدوية تريد الابتعاد، لكن خانها ذلك القلب اللعين الذي ما زال يكن له الحب،
فقالت بصوت ضعيف: -أرجوك ابعد يا طه وكفاية لحد كده. حاوط خصرها بذراعه وباليد الأخرى رفع ذقنها لأعلى ويرمق شفتيها قائلاً بنبرة رجاء: -أرجوكِ أنتِ اللي متبعديش.. أنا محتاجلك أوي.
وإن انتهى من همساته التي بعثرت مشاعرها لتشتعل نار عشقها له التي طالما حاولت إخمادها ليأتي هو الآن يضرم تلك النيران. لم تشعر بشفتيها التي انهال عليها بنهم، لم يدرك كلاهما الوقت الذي استغرقته تلك القبلة المحرمة. ابتعد عنها وهو يلهث وترك لها مجالاً للتنفس، حتى أفزعها رنين هاتفه ليبتعد قليلاً وأخرج هاتفه من جيب بنطاله ليرى المتصل دكتور يوسف فأجاب على الفور: -ألو يا يوسف خير بابا كويس؟؟ يوسف: ..........
طه وقد انفرجت أساريره: -بتتكلم جد؟؟؟ يوسف: ......... طه: -حاضر جاي على طول... سلام. أغلق المكالمة ليقترب من رحمة مهللاً: -أبويا فاق.. أبويا فاق. قالها وهو يعانقها بسعادة. ابتعدت عنه وقالت: -الحمد لله ربنا يطمنكو عليه دايماً. طه: -استنيني 5 دقايق هاخد دش بسرعة وهغير هدومي وهاخدك معايا ونروح له. تغيرت ملامحها وقالت بحرج: -آسفة يا طه مش هينفع. وبعد أن تدارك الأمر قال: -معلش نسيت.
ثم أخرج المفتاح من جيبه وقام بفتح الباب لتركض مسرعة إلى الخارج وتهبط الدرج وهي تلتفت يميناً ويساراً حتى دخلت إلى البناء الذي تقطن فيه ودقات قلبها تكاد تقف من الخوف. فتحت باب منزلها لتوصده بدون إصدار صوت ثم ذهبت إلى غرفتها وأغلقت الباب وهي تسند بظهرها عليه، ترفع يدها وتتلمس شفتيها بأطراف أناملها لتنسدل عبراتها ندماً. ارتمت بجسدها على تختها وهي تكتم شهقات بكائها. *** في شركة البحيري للصلب.
يجلس عزيز خلف مكتبه بأريحية مرتدياً نظارته الطبية يتفحص بعض الأوراق ثم وضعها أمامه على سطح المكتب بعد أن أطلق تنهيدة وقال: -تمام كده يا وفدي... يا ريت تديهم لرقية بره عشان تعمل عليهم نسخ وبعد كده تروح على خط الإنتاج وتبدأ التنفيذ. أخذ ذلك الموظف المدعو وفدي الأوراق وأومأ برأسه وقال: -أمرك يا عزيز بيه. ثم نهض وأردف: -حضرتك تؤمر بحاجة تاني؟ عزيز: -لأ شكراً. وفدي: -عن إذن حضرتك.
قالها ثم غادر المكتب ليصطدم بآدم الذي يلج إلى مكتب والده وهو يرتقب نظراته التي يعلمها جيداً. -السلام عليكم. قالها آدم وهو يتحاشى نظرات والده الثاقبة. زفر عزيز بغضب ونهض كالبركان وصاح: -وهيجي منين السلام طول ما دماغك اللي متركبة شمال دي بتتصرف بطيش وأنانية. اتسعت عينيه بصدمة وقال: -أنا!!! ضيق عزيز عينيه وقال بسخرية: -لأ أمك... صمت ثم أطلق زفرة بنفاد صبر وأردف: -عارف لولا إنك ابني كنت زماني رميتك بره الشركة.
ابتلع آدم ريقه وقال: -بابا ممكن تفهمني فيه إيه؟ رفع عزيز إحدى حاجبيه بابتسامة تهكمية وقال: -ياض ده أنا اللي مربيك ومشكلك على إيديا الاتنين دول... تقدر تقولي اللي خلاك تنبش ورا قصي العزازي وتبلغ عن مخازن السلاح اللي تبعه، اللي بسبب تهورك ده حرقالنا مخازن البضاعة بتاعتنا، ولولا أهالي المنطقة والحراس هناك كان زمان المخازن بقت رماد. كان آدم يستمع لوالده وهو يعلم لا مفر من الكذب فأبتلع ريقه وقال:
-أيوه أنا اللي ورا البلاغ ولسه هفضل وراه لحد ما يشرف في السجن ونرتاح من الأشكال الو.... اللي زيه. أطلق عزيز قهقهة مدوية ساخراً من نجله، ثم صمت فجأة وتحولت ملامحه ونظراته إلى نيران أتت من الجحيم وقال: -وقسماً بربي يا آدم لو حسيت بس بحركة زي اللي عملتها دي تاني ساعتها انسى إنك من عيلة البحيري وأنا اللي هوقفلك، عشان مش على آخر الزمن كيان البحيري يضيع بسبب قصة حب تافهة وفاشلة. جز آدم على أسنانه وقال:
-لو سمحت يا بابا ممكـ..... قاطعه عزيز صارخاً في وجهه: -ممكن أنت اللي تنسى وتركز في الشغل... واعمل حسابك هنتطمن على عمك سالم ويقوم بالسلامة وأول ما يروح بيتهم هاروح أنا وأنت نطلب إيد خديجة ليك. فغر فاهه بصدمة أكبر حتى احتقنت الدماء في وجهه وأنفاسه تعالت وقال: -مين اللي هيطلب إيد مين!!!! عزيز بنبرة حاسمة: -حضرتك هتتجوز خديجة بنت عمك سالم وده آخر كلام عندي. أخذ يجز على شفته السفلى بغضب حارق فقال:
-كلامك على راسي يا بابا... لكن معلش دي حياتي الشخصية وأنا اللي هقرر أتجوز مين. عزيز: -أنت بتتحداني يا ولد!!! آدم: -لا سمح الله يا بابا... بس حبيت أعرفك إن عمري ما هتجوز بالطريقة دي. عزيز: -ومالها خديجة إن شاء الله!! ... بنت حافظة كتاب ربنا ومتعلمة ومثقفة وكفاية إنها مننا. آدم: -عندك يونس وياسين اطلبها لحد فيهم إشمعنا أنا!! عزيز بإصرار: -أنا اللي عايز كده... وكفاية جدال لأن اللي عندي قولته...
واتفضل روح على مكتبك عشان شوية وعامل اجتماع لجميع الموظفين. اتجه آدم نحو الباب وقبل أن يغادر التف وقال بتحدٍ: -يكون في علم حضرتك إن لو خديجة آخر بنت في العالم عمرها ما هتكون على ذمتي... عن إذنك. قالها ليغادر فوراً وأوصد الباب خلفه. تاركاً عزيز يبتسم بخبث وقال: -ابقى وريني كلمة مين اللي هتمشي. *** بداخل العيادة. تدلف جيهان بلهفة وخوف من الباب باحثة عن ابنتها وتبعتها سميرة حتى تقابلت مع مصعب الذي نهض للتو عندما رآها.
-فين بنتي؟؟ حصل لبنتي إيه يا مصعب؟؟؟ صاحت بها جيهان وعبراتها تجري على وجنتيها. تألم مصعب لحال جيهان فربت على كتفها وقال: -اهدي بس يا هانم وهحكيلك على اللي حصل بس دلوقتي مينفعش تدخليلها بحالتك دي. اتسعت عينيها بخوف أكبر وقالت: -هي دي الأمانة اللي أمناك عليها!!! خرجت رودي صديقة ملك من غرفة الطبيب على صوت جيهان فقالت: -اهدي بليز يا طنط وإحنا هنشرحلك اللي حصل.
لم تستطع الوقوف أكثر حتى أحست بدوار داهمها فأسندها مصعب وجعلها تجلس على ذلك المقعد المعدني. وأخذت رودي تروي لها ما حدث وسط ذهول جيهان التي هرعت إلى الغرفة لتقوم بفتح الباب على مصراعيه، وولجت إلى الداخل لتجد ابنتها تغط في سبات وتلك المحاليل المعلقة متصلة بيدها، كما صعقت من تلك الخدوش والكدمات الموجودة ببشرتها وعلى أجزاء متفرقة من ذراعيها. ركضت نحوها بقلب أم يحترق ألماً على ما أصاب ابنتها. جلست
بجوارها وقالت بصوت منخفض: -يا روح قلبي يا ريتني ما خليتك تخرجي. قالتها فتعالت شهقاتها أكثر لتتساقط عبراتها على بشرة ملك التي اعتصرت عينيها وأطلقت أنيناً مكتوماً، وبدأت في فتح عينيها ببطء. -أأ.. أنا فين؟ قالتها ملك بصوت ضعيف. رمقتها جيهان بنظرات متلهفة وكذلك مصعب وصديقتها الذين دلفوا مسرعين إليها. جيهان: -متخافيش يا عمري أنا جنبك. مصعب والذي كان في عالم آخر لا يرى فيه سواها: -آنسة ملك حمد الله على سلامتك...
أنتِ كويسة؟؟ حاولت أن تنهض بجذعها وهي تنظر من حولها في محاولة تذكر ما حدث حتى وقعت عينيها على الخدوش والكدمات. تحولت ملامحها من السكون إلى حالة هياج عصبي وبدأت بالصراخ: -ابعد عني... ابعددددددد عنيييييييييييييييييييي. جاء الطبيب مسرعاً ليخرج من معطفه الطبي حقنة يعلم ما سيحدث عندما تستيقظ: -عن إذنكو. قالها ليتجه نحوها ونظر إلى رودي وأردف: -ممكن تمسكيلي دراعها كويس.
وقام بحقن وريدها بالمهدئ. وظلت تصرخ حتى بدأت صرخاتها تنخفض وبدأت أهدابها في الانغلاق. -هاتولي الحيوان اللي عمل فيها كده والله ما هسيبه غير لما آخد حقها. صاحت بها جيهان. مصعب: -اهدي يا مدام جيهان... الدكتور عملنا تقرير بحالة آنسة ملك ناقص بس نقدمه في محضر ضد الكلب اللي عمل فيها كده بس لازم عزيز بيه وإخواتها يعرفو الأول. جيهان في محاولة تهدئة حالتها قالت: -عندك حق... هبلغ عزيز وهو يتصرف ويجيب حقها.
قالتها ثم قامت بإخراج هاتفها وأجرت مكالمة: -ألو... أيوه يا عزيز. *** في قصر البحيري. خرج ياسين من غرفته وهو يتثائب ليتقابل مع إنجي التي يبدو من ثيابها الأنيقة أنها تهم بالمغادرة. -على فين العزم إن شاء الله؟ قالها ياسين ساخراً. رمقته إنجي بابتسامة صفراء وقالت: -وأنت بتسألني بصفتك إيه؟؟؟ نظر إليها بنظرات ذات مغزى وقال: -عادي السؤال حرام يعني. إنجي بنظرات ساخرة قالت: -خليك في حالك أحسن. ثم نادت بصوت مرتفع: -سميرة...
يا سميرة. ركضت نحوها علا من آخر الرواق وقالت: -نعم يا إنجي هانم.. مدام سميرة مع جيهان هانم في مشوار. ياسين: -راحو فين؟؟ علا: -والله ما أعرف يا بيه. إنجي: -أوك هبقى أكلم جيجي وأطمن عليها... المهم خلي بالك من لوجي هي نايمة دلوقت لما تصحى خليها تتغدى وإديلها الدوا الموجود فوق الكومودينو في أوضتها... أوك؟ أومأت لها علا: -أمرك يا إنجي هانم. إنجي بكبرياء وزهو: -يلا باي. قالتها ثم غادرت المكان. كادت
تذهب علا ليستوقفها ياسين: -علا؟ التفت إليه وقالت: -نعم. اقترب منها ياسين وقال: -هي ياسمين فين؟ ... قصدي مبتجيش تنضف الأوضة ليه؟ ابتسمت علا بمكر وقالت: -ياسمين واخدة إجازة الأيام دي عشان تقديم الكلية. ياسين: -أوك... روحي شوفي أنتِ بتعملي إيه. ثم أكمل بداخل عقله: "ولما نشوف حكاية الكلية دي كمان إيه يا ست ياسمين".
فأطلق صفيراً وهبط الدرج متجهاً نحو المنزل الملحق. وفي تلك الأثناء تدلف من البوابة تمسك بحقيبة يدها وتسير نحو الممر الذي يؤدي إلى مبنى الخدم. أحس بخطوات تقترب من الغرفة، فاختبأ في المرحاض الملحق بالغرفة قبل أن يكشف أمره أحد من العاملين.
دخلت إلى غرفتها وهي تمسح قطرات عرق جبهتها من ذلك الطقس الحار. ألقت بحقيبتها فوق التخت وعادت نحو الباب لتوصده جيدًا، ثم اتجهت نحو خزانتها الصغيرة لتأخذ بعض الثياب ومنشفة قطنية كبيرة، ثم توجهت نحو المرحاض. قامت بتعليق الثياب على المشجب المعدني المعلق على الحائط، وشرعت بخلع حجابها وما ترتديه، ولم تدرك تلك العيون المفترسة التي تراقبها عن كثب كالذئب الجائع.
وضعت أناملها على سحاب ثوبها الأمامي فاستوقفها رنين هاتفها بالخارج، فتأففت بكلل وقالت: -ده وقته؟ ثم خرجت. عض ياسين على شفته السفلى بحنق وهمس بداخله: -ده أنا اللي هولع. ثم أطلق زفرة متضايقًا، فانتبه لحديثها في الهاتف. ياسمين: -ألو.. مين؟ المتصل: -.......... ياسمين بنبرة حادة: -وأنت عايز مني إيه تاني؟ مش مكفيك اللي عملته معايا زمان وسبتلك البيت اللي عمال تعايرني بقعدتي معاكوا فيه؟ المتصل: -.......... ياسمين:
-مش باعتة فلوس تاني وأعلى ما في خيلكوا اركبوه.. وياريت مسمعش صوتك المقرف ده تاني. فأغلقت المكالمة وهي تقول: -جاتك داهية راجل عرة. ياسين بداخل المرحاض قد استرق السمع فأثاره الفضول وقليل من الغضب، لكن زين له شيطانه أمرًا آخر، فلم يدرك غضبه وهو يدفع الباب وصاح بها: -ما شاء الله، عاملة عليا الخضرة الشريفة وطلعتي مدوراها يا ست ياسمين. شهقت بفزع وقالت: -أ.. أنت.. أنت دخلت هنا إزاي والباب مقف...
صمتت عندما استنتجت كيفية وجوده فكادت تصرخ، اقترب منها وهو يكمم فاهها بقبضته وقال محذرًا: -فكري صوتي كده وشوفي إيه اللي هيحصل بعدها يا حلوة.. أولًا مفيش حد هنا، كل الشغالين في القصر ومبيرجعوش غير بالليل.. فخليكي عاقلة وشاطرة ونتفاهم بالعقل.. ولا إيه؟ أومأت له بالموافقة، فأزاح يده وقال: -تمام. ياسمين بنبرة رجاء واستعطاف:
-أبوس إيدك يا ياسين بيه سيبني في حالي، أنا محلتيش غير اللي أنت عايزه ده، وأنا قولتلك معنديش مانع بس قبلها أكون مراتك قدام ربنا والناس كلها. قالتها وهي تلتقط حجابًا لتغطي به شعرها، فاختطفه من يدها ورمقها بابتسامة خبيثة وقال: -قولتلك هنتجوز بس مش دلوقت، خاصة أنتي لسه هتدخلي الجامعة وأنا لسه ما اشتغلتش، يعني مسألة وقت. ياسمين: -وأنا مستعدة أعيش معاك إن شاء الله في أوضتك بس أكون حلالك. ياسين وهو ينظر لها بإمعان:
-طيب ما تيجي نكتب عرفي حاليًا عقبال ما أظبط أموري وبعد كده أكتب عليكي رسمي. ياسمين: -عرفي!! لأ طبعًا ده حرام. اقترب منها حتى حاوطها لتلتصق بصدره، وبنبرة شهوة جلية قال: -ومش حرام كل ما أشوفك هبقى أموت وآخدك في حضني وأعبرلك عن حبي ليكي؟ دفعته في صدره في محاولة فاشلة وقالت: -ياسين بيه بالله عليك.. أنا في عرضك بلاش. اقترب من وجهها بأنفاسه ويده تداعب عنقها ذو الملمس الناعم:
-بلاش إيه بس.. أنا بحبك يا ياسمين.. أنا خلاص مبقتش عايز حاجة غيرك أنتي وبس. قالها ثم أخذ يلثم عنقها من الجهة الأخرى وهي تغلق عينيها من أثر لمساته وقبلاته، لكن جاء في عقلها كصوت يقول لها: "انتبهي إنه مخادع". فتحت عينيها وهي تستخدم آخر وسيلة لديها وهي سلاح معظم بنات حواء، ذرفت عبراتها لتتعالى شهقاتها بنحيب. ابتعد برأسه قليلًا عنها وهو ينظر إليها وقال: -مالك يا روحي بتعيطي ليه دلوقت؟ دفعته بعيدًا عنها وقالت: -مش هقدر.
تأفف بغضب مصطنع وقال: -يبقى مش بتحبيني. ياسمين: -والله بحبك ونفسي أرضيك. تجهم وجهه وقال: -وأنا عايزك يا ياسمين.. ولا اللي كان معاكي على التليفون مكفيكي؟ أخذت تمسح عبراتها لتتحول ملامحها نيرانًا متأججة، ولم تدرك يدها وهي تهوي بصفعة على وجهه وهي تصرخ: -اخرس! تحولت رماديتيه إلى جمرتين مشتعلتين من الغضب واضعًا يده على أثر الصفعة، فقال بصوت كالفحيح متوعدًا:
-أقسم بالله لأدفعك تمن القلم ده غالي أوي، واللي خايفة عليه هاخده منك سواء بمزاجك أو غصبًا عنك. قالها ودفعها من أمامه بهمجية ثم فتح الباب وغادر الغرفة. *** في قصر العزازي.. -أنا هموت وأشوفه يا دادة، قلبي هيجراله حاجة لو مشوفتهوش بعينيا وأطمن عليه بنفسي. قالتها صبا الجالسة على طرف مضجعها تخلل أناملها خصلات شعرها المنسدلة. رمقتها زينات بنظرات شفقة وحزن:
-أبوس إيدك يا بنتي كفاية اللي بتعمليه في نفسك ده.. قصي بيه لو سمع حرف من كلامك ده هتكون نهايتك أنتي وآدم بيه على إيده، ولا نسيتي تهديده ليكي آخر مرة! رفعت وجهها وهي تفكر في حديث مربيتها، جدتها على صواب لكن عنادها لا يستسلم بسهولة، فأمعنت التفكير بعمق وعيناها شاردة في الفراغ كمن أصابها البرق في ليالي شتاء ممطرة، ونهضت فجأة متجهة نحو غرفة الثياب. زينات باستفهام وحيرة قالت: -ناوية على إيه يا صبا؟ التفتت إليها وعلى
وجهها ابتسامة غريبة وقالت: -ممكن تروحي تشوفي هو موجود فين وتعالي بلغيني بسرعة من غير ما يحس. تنهدت زينات بسأم وقالت: -أنا قبل ما أطلعلك كان لسه جاي من بره وراح ناحية حمام السباحة. وعلى الفور ركضت نحو النافذة لتجده يقف أمام المسبح شاردًا، واضعًا يدًا في جيبه والأخرى يمسك بها كأس النبيذ الذي يحتسيه بشراهة.
يتأمل مياه المسبح الشفافة لتعكس تلك الأضواء المتسلطة فوقها بشكل أمواج متأرجحة تنعكس على وجهه المتجهم الذي لا يبدو عليه أي تعابير عما يجول بداخله. يعم السكون الأرجاء ليقطعه صوت رشفاته من تلك الكأس الكريستالية. أوصد عينيه وقال بهدوء يرتسمه ببراعة: -خير؟ كانت تقف خلفه حافية القدمين ترتدي ثوبًا حريريًا بلون الشراب الذي يحتسيه، تتراقص أطرافه بفعل نسمات الهواء، تاركة لخصلاتها العنان. أجابت بتوتر:
-أ.. أنا كنت قلقانة عليك من إمبارح وأنت سايب القصر. ابتسم بسخرية وقال: -ومن إمتى الحنية دي! اقتربت منه أكثر وهو موليًا لها ظهره لكن يعلم جيدًا قربها منه مستنشقًا عطرها الفواح. -قصي أنا... لم تكمل حديثها حيث أصدرت شهقة بفزع من صوت حطام الكأس بيده، والتفت إليها ليرمقها بنظرات نيران العشق تتطاير منها كالشرر، فمناداتها اسمه بنبرة رجاء أضرم في كل خلاياه لهيبًا لم ينطفئ أبدًا.
جذبها نحوه محاوطًا خصرها بذراع واحدة محدقًا في رماديتيها لترى انعكاس صورتها في أشجار الزيتون التي ترمقها بنظرات ارتجف منها جسدها ودق لها قلبها وجلًا عندما نطق بصوته الرجولي: -نعم؟ ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول التملص من قبضة ذراعه التي اعتصرت خصرها: -أنا.. أنا.. نفسي أخرج وأوعدك عمري ما هفكر حتى أهرب.. لأني عارفة كويس لو روحت آخر الدنيا برضو هترجعني.
قالتها ثم أخذت تتنفس كمن كانت تعدو الصحراء في عز الظهيرة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة لم تستشف من خلالها أي إجابة. فأردفت بنبرة رجاء: -أرجوك يا قصي. ضمها نحو صدره ليقترب بأنفاسه لدى عنقها المرمري وأخذ يستنشق رائحتها الهائم بها فقال: -موافق. كادت تنفرج أساريرها لتتحول فجأة إلى وجوم عندما أردف: -بس عن شرط، أو نقول شرطين. ابتعد برأسه ليرى لؤلؤتيها الرمادية تلمع فقال:
-الأول إنتي عارفاه كويس.. وهعيده تاني زيادة توكيد؛ يوم ما رجلك تخطي بوابة القصر هتكون رجلي على رجلك، ولو مشغول هيكون كنان الحارس الشخصي ليكي. أومأت له بإذعان فهي تعلم أن الخوض معه في مجادلة أو مناقشة لا فائدة من ذلك، فاكتفت بإيماءة بالإيجاب. فأردف أيضًا لكن نظراته التي تخترقها جعلته يشعر بارتجافة جسدها التي تلازمها دائمًا عند قربه منها، فازدادت ابتسامته التي أظهرت غمازتيه التي جعلته أكثر وسامة وجاذبية:
-الشرط التاني... فاقترب من أذنها وأكمل بنبرة مليئة برغبة عاشقة: -تكوني ليا برغبتك. اتسعت عيناها بذهول حين أدركت مقصد كلماته، لتمر أمام عينيها مشاهد اعتدائه عليها غصبًا، فانتفضت بذعر لتبتعد عنه وصاحت به بنبرة غاضبة: -إياك تفكر عشان جيت لحد عندك يبقى هنسى اللي عملته معايا.. ويكون في علمك من عاشر المستحيلات إني هخليك تلمسني تاني. قالتها ثم هرولت راكضة نحو الداخل قبل أن تدركها ردة فعله. *** في قصر البحيري..
توقف بسيارته بداخل المرآب يحمل بداخله عاصفة نارية من الغضب. ترجل من السيارة وهو يوصد الباب خلفه بقوة ثم اتجه إلى داخل القصر، وفي طريقه اصطدم بياسين الذي كان على عجلة من أمره. -مش تفتح يا ابني قدامك! صاح بها ياسين. آدم: -بقولك إيه ابعد عن طريقي مش طايق حد. قالها بنبرة تحذيرية متجهًا نحو الدرج. ظل ينظر إليه ياسين وزمت شفتيه لأسفل بتعجب وقال: -وده ماله ده! قالها ثم أطلق صفيرًا وذهب إلى سيارته.
بينما آدم صعد الدرج قاصدًا غرفة والدته، أراد أن يضع للأمر حدًا، فهذه حياته الشخصية ولم يتجرأ أحد ما تقرير حياته حتى لو كان والده.. فهل للقدر رأي آخر! -ماما... قالها وهو يطرق على الباب فلم يجد إجابة. زفر بضيق وكاد يذهب فوجد الباب يُفتح من الداخل وتخرج إحدى العاملات تمسك بصينية الطعام. -مساء الخير يا آدم بيه. قالتها الخادمة. نظر إلى الطعام باستغراب ثم دلف إلى الداخل وهو يغلق الباب. كانت الإضاءة خافتة.
-جيجي.. مالك فيكي حاجة؟ قالها بنبرة قلق، فلم يتلقَ مسمعيه سوى أنين، فأسرع نحوها وهو يضغط على زر إضاءة المصباح الذي يعلو الكومود. ليلتفت بعينيه وكاد يتفوه فتوقفت الكلمات بداخل حلقه وهو يمعن النظر إلى تلك النائمة بسكون. خصلات شعرها البندقية متناثرة فوق الوسادة، وبدأت تظهر قطرات العرق فوق جبهتها. مد يده ليلمس كفه وجنتها فوجد حرارة جسدها مرتفعة. لم يعلم لما هذا الشعور الذي يعتريه للتو.
أراد أن ينهض ليمسك بهاتفه من داخل جيبه ويده الأخرى يمسك بها يدها ليقوم بإزاحتها حتى يبعد ذلك الغطاء الذي يدثرها، وجد هاتفه فارغ البطارية فزفر بضيق، لكنه تفاجأ بيدها التي تتمسك بيده وكأنه طوق النجاة. وصل إلى مسمعه كلمات تهذي بها: -بابا.. أوعى تسيبني.
ظلت تردد تلك الكلمات. سحب يده من يدها بهدوء وأمسك بالهاتف الأرضي ليطلب الطبيب، وبعد أن انتهى من المكالمة توجه نحو المرحاض ليأتي بمنشفة قطنية صغيرة مبتلة بالماء، فوضعها فوق جبهتها لينتفض جسدها. ربت على يدها ليطمئنها ويقول لها هامسًا: -ما تخافيش. ظل منتظرًا الطبيب حتى جاء. دلف بعد أن طرق على الباب فقام آدم بوضع الغطاء عليها. -خير يا آدم بيه.. جيهان هانم مالها؟ قالها الطبيب وهو يضع حقيبته فوق الطاولة. آدم: -دي مش ماما.
فنظر إليه الطبيب ثم إلى خديجة فظن أنها زوجته. فاقترب منها ليبدأ الفحص حتى انتهى فقال: -دي أعراض أنفلونزا، أنا هكتبلها على شوية أدوية ومضاد حيوي.. وبالنسبة للسخونية استمر على الكمادات وأسبوع كمان كده وهاجي أطمن على المدام. قالها الطبيب وهو يدون أسماء الأدوية لينتزع الورقة ويعطيها لآدم، فأردف: -ألف سلامة وبالشفاء إن شاء الله. آدم: -تسلم يا دكتور.
ثم غادر الطبيب. فذهب آدم لمناداة إحدى العاملين ليجلب له الأدوية المطلوبة، ثم اقترب منها ليكمل لها الكمادات، فانحنى نحوها ممسكًا بيدها ويضغط عليها بقبضته وقال: -عايزك تقومي بالسلامة عشان ترجعي على حارتكوا ومشوفش وشك تاني.. وده لمصلحتك. رفع رأسه ليرى علامات الامتعاض والانزعاج التي ظهرت على ملامحها وكأنها ترى كابوسًا في منامها، فارتسمت ابتسامة على ثغره. ***
يجلس خلف مكتبه يتصفح على حاسوبه، وكالعادة تلازم أنامله سيجارته، وعلى جانبه الآخر فنجان القهوة التي تفوح رائحته بكل أرجاء الغرفة. هي بعدما تركته وصعدت إلى غرفتها ظلت تبكي ورأسها كاد ينفجر من التفكير. تريد القليل من الحرية حتى تستطيع رؤية من يهواه قلبها غير آبهة لما سيحدث لها إذا تم اكتشاف ما تنوي على فعله.
نهضت من فوق تختها وذهبت لغرفة الثياب، وتوقفت أمام تلك الثياب المعلقة التي لا تمس منها أي قطعة منذ أن جاءت إلى ذلك القصر مرغمة. تناولت ثوبًا قصيرًا شفافًا باللون الأرجواني ومعطفًا من الحرير المنسدل بنفس اللون... قامت بتبديل ثيابها بما اختارت... وعندما نظرت إلى المرآة فغرت فاها بخجل، فأمسكت بالثوب حتى تقوم بخلعه لكن شردت قليلًا، فانسدلت عبرة من عينيها وقالت بصوت مليء بالشجن: -سامحني يا آدم.
ثم تناولت المعطف وقامت بارتدائه لتعقد على خصرها ذلك الحزام الحريري، وتوجهت نحو مرآة الزينة لتضع بعض الحمرة على شفتيها وترسم عينيها بقلم الكحل... تمشط خصلات شعرها التي قامت بنثرها على كتفيها. نعود مرة أخرى إليه... ما زال منهمكًا في أعماله عبر الحاسوب... ارتشف آخر قطرة قهوة بالفنجان. فُتح الباب بدون استئذان، وبدون أن يرفع عينيه فهو يعلم جيدًا من الذي يتجرأ على اقتحام مكتبه هكذا. دقات قلبها تكاد تصل إلى أذنيه...
تنظر إليه ثم أغمضت عينيها لتعتصرهما بألم وتفوهت بالآتي: -أنا موافقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!