الفصل 14 | من 34 فصل

رواية صراع الذئاب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ولاء رفعت علي

المشاهدات
28
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

يقف أسفل البناء منذ ساعات عقله يكاد يجن من كثرة التفكير بها، قد أحبها قلبه حقًا لا يريد سواها، وأخيرًا قرر مواجهتها.. ترجل من سيارته ليصعد إليها. وبالأعلى تجلس بغرفة الرسم كما تسميها، تلون بالفرشاة تلك القلوب المنقسمة إلى نصفين وتذرف دماءها.. كانت عبراتها تتساقط على اللوح التي تمزج عليه الألوان فتختلط عبراتها بها، لتنتهي من رسم لوحة بعنوان "قلوب متألمة". توقفت عندما رن جرس المنزل، ذهبت لترى من الطارق.

حارس البوابة: معلش اتأخرت عليكي يا كارين هانم.. اتفضلي الحاجات اللي طلبتيها. كارين وهي تأخذ منه الأكياس البلاستيكية: ولا يهمك يا عم حامد. ثم أخرجت من جيب معطفها بعض النقود وأردفت: اتفضل يا عم حامد. حامد: العفو يا هانم خيرك وخير قصي بيه سابق. كارين: خدهم عشان خاطري. تنهد بسأم فأخذ النقود وقال داعيًا: ربنا يسعدك ويريح قلبك دايماً يارب. ارتسمت ابتسامة باهتة على محياها فقالت: تسلم.. عن إذنك.

فأغلقت الباب، واتجهت نحو المطبخ لتترك تلك الأكياس على الطاولة الرخامية.. رن الجرس مرة أخرى. كارين: ده بالتأكيد نسي حاجة. وذهبت لتفتح الباب، حتى تسمرت عندما رأت ذلك الواقف أمامها، مظهره المشعث وخصلات شعره المبعثرة على جبينه، يلتقط أنفاسه. كارين: أنت عارف الساعة كام دلوقت؟! دفعها للداخل ثم أغلق الباب وقال: ميهمنيش.. أنا عايز أعرف حاجة، الزفت اللي كان معاكي ده يبقى مين؟!

ابتلعت ريقها بتوتر وهي تتراجع إلى الخلف وهو يقترب منها، تنظر إلى أسفل وقالت: ما قولتلك يبقى خطيبي. يونس بنبرة مليئة بالغضب: عايزك تقوليها وعينك في عينيا. لم تستطع أن ترفع عينيها وتنظر إليه، فأمسك وجهها بكفيه رافعًا إياه ليحدق بها بنظرات اخترقت قلبها وقال: ها؟ قوليها يلا. لم تقو أكثر من ذلك، فانسدلت عبراتها تغلق شفاها المرتجفة لتكبت شهقاتها، وضعت يديها فوق يديه وقالت: أرجوك ابعد عني. اتسعت مقلتيه بجنون

فصاح بصوت اهتز له قلبها: مش قادر أبعد عنك.. وده مبيدقش غير عشان بقيتي جواه. قالها وهو يمسك يدها ويضعها على موضع قلبه، وتابع: عيزاني أبعد إزاي؟ وإلا لو عيزاني أموت. وعندما ذكر كلمة الموت تذكرت على الفور تهديد شقيقها، فأجهشت بالبكاء وتفوهت بنبرة باكية: قربك مني هو الموت نفسه يا يونس. جذبها لترتمي على صدره تدفن وجهها وظلت تبكي، يضمها بداخله يستنشق عبق عطرها،

فقال بنبرة عاشقة: الموت وأنا في حضنك أهون بكتير من الموت وأنا بعيد عنك. ابتعدت برأسها قليلاً وما زالت بين ذراعيه وقالت: أنت متعرفش عني حاجة و... قاطعها واضعًا سبابته فوق شفاهها التي تحولت للون الكرز من كثرة البكاء: بسسس.. مش عايز أعرف حاجة خالص.. كل اللي عايز أعرفه أنا إيه بالنسبة ليكي؟ مسحت عبراتها بأناملها لتحدق بداخل عينيه بنظرات عاشقة وقالت: أنت.. أنت روحي وأنت النفس اللي عايشة بيه.. أنت قلبي يا يو...

لم تكمل جملتها ليقاطعها بقبلة مليئة بالحب واللهفة والاشتياق، يزيد في ضمها إليه أكثر بقوة.. شعرت بكل دقات قلبه لتحاوط عنقه بذراعيها تبادله نفس مشاعره، تخبره بشفتيها المتلاحمة بشفتيه أنها لن تعرف معنى للحب سوى به. هو فارس أحلامها الذي يحلق بها في سماء الحب الوردية، لكن نيران انتقام شقيقها تبعث دخانها الذي كون سحابة سوداء لتحول ذلك اللون الوردي إلى غيوم ضبابية تصدر صوت الرعد الذي جعلها تنتفض من بين يديه تلتقط أنفاسها.

يونس: أ.. أنا آسف.. من شوقي ليكي مقدرتش أمنع نفسي. كارين بنظرة خجل قالت: أنا ماكلتش حاجة من الصبح، تاكل معايا؟ ابتسم وقال: ده لو مش هيضايقك فياريت، لأن أنا برضو ماكلتش حاجة النهاردة خالص. ابتسمت فظهرت غمازتيها التي أذابت قلبه وسلبت لب عقله فقالت: دقايق هاسخن البيتزا عشان زمانها بردت، ولا مبتحبهاش؟ أمسك يديها التي إحداها محاطة بالجص وقام بتقبيلهما وقال: أي حاجة يا حبيبتي من إيديكي هتبقى حلوة.

سحبت يديها بخجل فقالت: خلاص روح استناني في الليفنج وأنا هجيب الأكل وجاية. يونس وهو يجذب يدها متجهًا إلى المطبخ: تعالي هاحضرها معاكي. تناول كليهما الطعام معًا بسعادة أمام التلفاز، وظلا يتسامران طوال الليل فذهبت لتحضر مشروبًا لتأتي وتجده قد غفا فوق الأريكة ممددًا جسده.. ذهبت لغرفتها وأحضرت له غطاء لتدثره وهي تتأمل ملامح وجهه، وهمت بالنهوض لتجده يجذب يدها، فظلت بجواره لتغط في النوم تجلس على الأرض وتسند رأسها على صدره.

*** حل الصباح لتلج أشعة الشمس في كل منزل، لتوقظ رحمة التي فتحت عينيها وبدأ يداهمها الألم.. تأوهت وهي تنهض بثقل لترى أنها ترتدي ثيابها الداخلية المكونة من قطعتين فقط لتتذكر أحداث ليلة أمس. فلاش باك عاد إليها بعدما تركتهما والدته وشقيقتها، وقبل أن يلج إلى الداخل أخرج شيئًا صغيرًا من جيب بنطاله وابتلعه ثم ارتشف الماء.

تجلس على طرف التخت كالتمثال وكأنها فقدت روحها، تضم ساقيها بألم.. خصلات شعرها مبعثرة بفوضوية، وتحت أهدابها سواد من الكحل الذي أذابته عبراتها، وإلى أن أحست بيده على كتفها فارتجفت بفزع. عادل: إيه مالك خايفة ليه؟ قالها وجلس ملاصقًا بجوارها يبعد شعرها عن عنقها، ووضع يده على أزرار مقدمة العباءة ليبدأ بفتحها وهو يقبل عنقها يقول بهمس: حقك عليا يا رحومتي.. متزعليش مني.. كان لازم أتأكد إنك بنت.

ابتعدت عنه وهي تصرخ: كفاااااااااية.. حرام عليكو.. عايزين تعملو فيا إيه تاني! يحدق بها بنظرات شهوة فقال: اعذريني أي واحد مكاني وشاف خطيبته في حضن غيره هيعمل أكتر من كده. رمقته بكراهية فقالت: وإيه اللي خلاك تتجوزني مادام كرامتك وجعاك أوي كده وكان بإمكانك تاخد شبكتك وتسيبني؟ قهقه وتعالت ضحكاته المريبة وهو يقترب منها وقال: أنا فعلاً كان نفسي أولع فيكي وقتها بس عملتك جت في مصلحتي أوي. رمقته بعدم فهم وقالت: تقصد إيه؟

اقترب منها أخذها في عناق وقبلات في كل أنحاء وجهها وعنقها بطريقة مقززة وهي متسمرة في مكانها، ظل هكذا لبعض الوقت فابتعد عنها لاهثًا وهو يحدق بجسدها الذي لا يغطيه سوى ثيابها الداخلية بعد أن نزع العباءة. فقال: الله يخربيت جمالك.. عليكي جسم بس يا خسارة، أخري معاكي للأسف أكتر من بوسة ما اوعدكيش. فاقترب بجوار أذنها وقال: فهمتي ليه كنت مصمم أتجوزك؟

ولو نطقتي بكلمة ساعتها هافضحك وسط أهلك والدنيا كلها وهقول إنك مكنتيش بنت والحمد لله أخوكي شاف بعينه لما قفشناكي في الجنينة. اتسعت حدقتيها بعدما أدركت مقصده أنه عاجز جنسيًا، وقعت ضحية في فخ ذلك الذئب ومن حماقتها هي من أوقعت نفسها في تلك الكارثة. تعالت أنفاسها لتسمع ضحكاته الهستيرية، ركضت نحوه وهي تضربه بقبضتيها في صدره وهي تصرخ: يا ابن الـ...... يا ابن الـ...... الله يحرقك أنت وأمك.

وما أن تفوهت بسيرة والدته ليتوقف عن الضحك ليمسك بمعصميها ودفعها فوق الفراش وصاح بها وهو يصفعها: كله إلا أمي يا بنت الـ...... باك انتبهت لصوت باب المنزل يفتح وخطوات تقترب من غرفتهم، جذبت الغطاء لتقوم بستر جسدها فتفاجأت بدخول تلك الشمطاء إليهم. عديلة بنبرة ساخرة وهي ترمقها من أسفل لأعلى: صباحية مباركة يا عروسة. تقلب عادل مستيقظًا على صوت والدته: أنتي جيتي ياما؟

عديلة: قوم وجهز نفسك أنت والمحروسة، أمها اتصلت وزمانها جاية. رحمة: ماما... عديلة: بصي بقى يا حلوة.. حسك عينك تنطقي لو بحرف واحد من اللي حصل إمبارح.. أمك هتيجي تاخد واجبها هي وأخوكي وهيمشو على طول. وبعد قليل جاءت والدة رحمة وشقيقها، وما أن خرجت رحمة من الغرفة كادت والدتها تطلق زغرودة لكنها توقفت عندما ركضت ابنتها ترتمي على صدرها وتبكي بشدة. والدتها: مالك يا ضنايا حصل إيه؟ أسامة بملامح جامدة: مالك يا رحمة؟

خرج إليهم عادل وقال: مفيش هي من إمبارح عمالة تعيط وعايزة مامتها.. صح يا رحمة؟ قالها وهو يرمقها محذرًا. أمسكت بيد والدتها تستغيث بها: أبوس إيدك يا ماما خدوني من هنا. رمقها أسامة وقال: بطلي دلع أنتي بقيتي واحدة متجوزة، ويوم ما تعوزي تيجي لأمك هتيجي ضيفة تاخدي واجبك وترجعي على بيت جوزك. والدتها: أخوكي بيتكلم صح يا بنتي.. ملكيش دلوقت غير بيتك وجوزك. عادل: قوليلها والنبي يا حماتي.

أحست حينها بالتخاذل من نحو هم أقرب الناس إليها، تركتهم ودلفت إلى غرفتها لم ترد رؤية أحد داعية الله أن ينجدها من براثن هؤلاء الوحوش. *** في مستشفى البحيري.. تجلس خديجة بجوار والدها تتلو بعض الآيات، وتمسك بيده، وإن أحست بحركة يد والدها الذي كان يغط في النوم فيتحدث بصوت واهن يكاد مسموع مناديًا: خديجة يا خديجة. خديجة: صدق الله العظيم. قالتها لتضع المصحف بداخل حقيبتها وقالت بلهفة وسعادة: بابا.. حبيبي أنت كويس؟

سالم: ع.. عايز أشرب. أمسكت بدورق المياه وملأت الكوب الزجاجي فاقتربت منه وهي تسنده من خلف ظهره لينهض قليلاً وتسقيه. خديجة: اتفضل يا بابا. أخذ يرتشف ثم رجع إلى الوراء وقال: سيبي اللي في إيدك يا بنتي وتعالي اقعدي جمبي. تركت الكوب جانبًا وجلست بجواره وقالت: أنا جمبك أهو يا حبيبي.. بس عايزة أروح للدكتور أبلغه إنك بقيت تتكلم. سالم وهو يمسك يدها بحنان: اصبري لما أتكلم معاكي الأول. خديجة: اتفضل يا بابا أنا سمعاك.

تنهد بأريحية وقال: أنا عايز أطمن عليكي يا بنتي ومش عايزك تتبهدلي من بعدي. قطبت حاجبيها بخوف وحزن وقالت: ربنا يديك الصحة ويباركلنا في عمرك ليه بتقول كده.. أنا بخير الحمد لله، وبعدين أنت عايز تخلص مني ولا إيه؟ قالتها وابتسمت. سالم: أنا بتكلم بجد يا خديجة أنا خلاص هاخد إيه من الدنيا تاني.. بس قبل ما أقابل وجه كريم عايز أبقى أديت رسالتي وأشوفك في بيت جوزك وطه يكون ربنا هداه ويكمل نص دينه.

خديجة: أنت بس تقوم بالسلامة وبعد كده هنشوف الموضوع ده. سالم: أومال فين طه؟ خديجة بنبرة توتر: طه مقدرش يجي زي ما أنت عارف الحادثة اللي حصلتله تعباه شوية.. سيباه يريح في البيت النهاردة وأنا هبات معاك النهاردة. دق باب الغرفة ليلج يوسف وبصحبته آسر. يوسف: عمي عامل إيه النهاردة؟ أجابه سالم: الحمد لله يا بني. يوسف مبتسمًا: إيه ده حمد الله على سلامتك. سالم: الله يسلمك. تقدم آسر نحو سالم

ومد يده للمصافحة وقال: أهلاً يا عمي وحمد الله على سلامتك، أنا أبقى صاحب دكتور يوسف وبشتغل دكتور جراح هنا في المستشفى. صافحه سالم: أهلاً وسهلاً يا دكتور. كان يقف يحدق بخديجة التي تصنعت انشغالها بالهاتف ولاحظ ذلك يوسف فقال: خلاص أنا هاروح أبلغ الدكتور يجي يطمن على حضرتك. قالها ليهم بالمغادرة وينظر إلى آسر الشارد بنظراته إلى خديجة، أردف وهو يلكز آسر في كتفه: يلا يا دكتور. انتبه آسر وقال: ها؟ يوسف: بقولك يلا نمشي.

آسر: طيب جاي معاك أهو.. عن إذنك يا عمي. ذهب كليهما وفي الرواق.. يوسف: أنت إيه حكايتك بالظبط؟ انتابه التوتر فقال: حكاية إيه بالظبط؟ رفع حاجبه بسخرية وقال: حكاية عينيك اللي منزلتش من عليها وأول ما عرفت إني رايح أطمن على عمي لاقيتك زي ضلي. توقف آسر وقال: بصراحة يا جو أنا من ساعة ما شوفتها أول مرة وحسيت بحاجة غريبة من ناحيتها.. حاجة بتشدني ليها.. مختلفة عن أي بنت تانية.

يوسف: خديجة بنت ملتزمة جدًا وملهاش في جو الصحوبية بتاعك أنت والأشكال اللي تعرفها. آسر: عارف بس أنا اللي حاسه من ناحيتها مش صحوبية.. -بصراحة كده هي دي اللي ناوي أكمل معاها حياتي وأنا مطمن. يوسف: أنت قصدك... قاطعه آسر بإيماءة وقال: اه عايز أتجوزها.. وعارف مش وقته الكلام ده... مستني عمك يقوم بالسلامة وهروحلهم البيت وهطلبها منه. يوسف: والله يا آسر أنت فاجأتني بس أنا شايف قبل ما تروحلهم تعرف رأيها الأول.

آسر: ليه هو في حد في حياتها؟ يوسف: معرفش ومقدرش أفيدك لأن مليش معاها كلام أوي، أقرب حد ليها هي والدتي. آسر: هو ده... كلم والدتك وخليها تعرض عليها الموضوع بطريقة غير مباشرة. زفر باستسلام: ماشي يا سيدي عد الجمايل. آسر: إحنا لينا حد غيرك يا جو. تقف في الحديقة تتأمل حوض الزهور البنفسجية... قطفت إحداها لتستنشق عبيرها الفواح وهي تغمض عينيها...

أحست بهواء ساخن يلفح عنقها وذراعيه تلتف حول خصرها ليلتصق ظهرها بصدره العاري المبتل حيث خرج لتوه من المسبح. شهقت بفزع لتلتف وتصبح في مواجهته. تحدث بنبرة رجولية عذبة: -دي زهور اللافندر... ريحتها تشبه ريحتك بالظبط. قالها وهو يستنشق عنقها ثم طبع قبلة رقيقة. انتفضت مبتعدة عنه وقالت: خد بالك إحنا في الجنينة. التفت يمينًا ويسارًا ثم ابتسم وقال:

-مفيش حد، أنا قايلهم طول ما تكوني في الجنينة محدش يقف، لأنهم عارفين لو حد فيهم بصلك بنظرة بس هيحصل معاه إيه. صبا: للدرجة دي بتغير عليا! قهقه بصوت مرتفع ثم صمت ليتحول لون عينيه الزيتوني إلى لون مظلم فقال: -أنا اللي يفكر فيكي بس همحيه من الدنيا. رمقته بتوتر ونظرات خائفة فأردف وهو يجذبها من خصرها ودفن وجهه في عنقها وقال بهمس: -أنا مش بعشقك بس يا صبا... أنا كل حاجة فيا بتموت فيكي. أمسك يدها ووضعها على عينيه فأردف:

-عينيا بتعشق رؤيتك... ثم وضع أطراف أناملها على أنفه: -بعشق ريحتك ونفسك... أنزل أناملها إلى شفتيه: -شفايفي بتعشق الشهد اللي بدوقه من شفايفك... أنزل يدها على صدره فوق الوشم: -وده عاشقك من أول ما شوفتك وهو بينبض عشانك وبيموت فيكي... من الآخر يا صبا أنا روحي ما بين إيديكي. بدأت عيناها تلمع من تجمع الدمع بمقلتيها.. ابتعدت عنه لتركض قبل أن يراها تبكي ولم تنتبه لأنبوب المياه فتعثرت به والتوى كاحلها... صرخت...

ركض نحوها وهو يحملها. قصي: اهدي يا قلبي... أنا هكلم الدكتور دلوقتي.. حملها ليضعها فوق المقعد بجوار المسبح. أخذت تتأوه من الألم وتبكي... جثا على ركبتيه يمسك بقدمها يخلع لها الحذاء ليرى موضع الإصابة. صبا: آآآآآه. نظر إليها بقلق ولهفة وقال: معلش مش قصدي أوجعك أنا بشوف إن كان ده التواء ولا لأ. ظلت تصرخ وتصيح: بتوجعني أوي يا قصي... مش قادرة أستحمل. رفع ساقها برفق ليقترب من موضع الألم بشفتيه يقبلها بحنان بالغ. -لسه بتوجعك؟

صمتت وهي تجز على شفتها السفلى بألم وتأن... تومأ له بنعم. صاح مناديًا: كناااااان. ركض إليه كنان من داخل القصر فقال وهو يخفض بصره: -أمرك يا باشا. قصي: هاتلي شنطة الإسعاف من المكتب. كنان: أمرك. وبعد ثوانٍ أتى بها ثم ذهب... أمسك قصي بالحقيبة ليخرج منها علبة معدنية وضغط على المكبس لتنثر سائلًا مرشوشًا نحو الإصابة... ثم أخرج رابطًا للكاحل يشبه الجص في وظيفته... وحين قام بوضعه تأوهت بصوت دوى بالأرجاء.

قصي: استحملي يا حبيبتي... خلاص خلصت. وإلى أن انتهى ليمسك بساقها أخذ يقبلها صعودًا لأعلى فأحس بصمتها ليرفع عينيه يجدها قد هدأت تمامًا مغلقة عينيها وكأنها بعالم آخر... تصاعدت أنفاسه ليبتلع ريقه وتتحرك تفاحة آدم بعنقه... خشي أن يفقد السيطرة على نفسه وينقض وعده لها... ابتعد ونهض يمسك وجهها بين كفيه وقام بطبع قبلة فوق رأسها ثم قال وهو يحملها على ذراعيه: -تعالي أطلعك ترتاحي شوية فوق.

مالت برأسها على صدره الذي شعرت بحرارته الحارقة كاللهب... قالت بصوت هادئ ومتحشرج من أثر البكاء: -هو الدكتور جاي دلوقتي؟ ابتسم فظهرت غمازتيه وقال: -أظن يا روحي إن علاجي كان أحسن ولا لسه حاسة بوجع؟ قالها ثم غمز لها بعينه. جزت على شفتها السفلى بخجل وتوهجت وجنتاها احمرارًا فدفنت وجهها في صدره. صعد الدرج ثم دخل إلى غرفتهما ليضعها فوق الفراش برفق. صبا: شكرًا. جلس بجوارها وأمسك بيدها وطبع قبلة بداخل كفها وقال:

-مفيش شكرًا ما بينا... كل اللي عايزه منك حبك وحنانك مش أكتر... ولو حبيتي تزودي الأوبشن (الاختيار) ده يبقى يا سعدي يا هنايا.... قالها ثم غمز لها لتدرك مغزى كلماته ليزداد خجلها. نهض وقال: أنا هروح آخد شاور وبعد كده هخليهم يطلعولنا الغدا هنا. دلف إلى المرحاض... وهي ترجع بظهرها إلى الخلف مستندة على الوسادة تنهدت ثم ظلت تتذكر كلمات عشقه ونظرات حبه الصادقة لها...

وضعت يدها فوق القلادة التي ترتديها خلعتها لتنظر بداخلها وهي تفتح القلب لترى أنه استبدل صورة آدم بصورته هو... زفرت بحنق لتلقي بها فوق الكومود. في قصر البحيري... تجتمع العائلة حول المائدة لتناول الغداء... عزيز: أخبار عمك سالم إيه يا يوسف؟ ابتلع يوسف ما بفمه فقال: الحمد لله رجع يتكلم والدكتور عمله فحوصات وأشعة طمنا إنه بقى كويس، هو محتاج لراحة نفسية ومع العلاج هيبقى أحسن. جيهان: ربنا يشفيه ويقومه بالسلامة.

آدم: وطه عامل إيه؟ كان متبهدل خالص بيقول إنها حادثة بس مش مقتنع، ده واضح إنه واخد علقة موت. يوسف: مجاش النهارده وخديجة قاعدة مع باباها بداله واحتمال كبير تبيت هناك. جيهان: وإزاي تسيبها لوحدها افرض احتاجت حاجة. يوسف: ما أنا وصيت الممرضات هناك وكمان آسر صاحبي نبطشاية هيبقى يطمن عليها. وإن ذكر اسم آسر حينها يقطع آدم قطعة اللحم فغرز السكين بغضب لتصدر صوتًا لفت الأنظار إليه.

ياسين مازحًا: براحة يا عم آدم ده أنت قطعت الطبق مع اللحمة. رمقه بنظرة محذرة. -اه صح بالمناسبة... خديجة جايلها عريس... قالها يوسف وهو يرمق شقيقه بطرف عينيه.. فانتبه له كل من جيهان وعزيز. قالت إنجي بسخرية: ده بالتأكيد واحد من السكيورتي بالمستشفى ولا ممرض. نظر إليها يوسف بضيق متنهدًا بسأم من كلماتها فقال: -لأ متقدملها دكتور... وكمان يبقى آسر صاحبي.

يتناول آدم طعامه وتصنع عدم الاهتمام لكن ساقه لم تتوقف عن الاهتزاز بغضب أسفل المائدة. صاح ياسين متأوهًا: آآآه الله يخرب بيتك صوابعي اتهرست من جزمتك. رد عليه آدم بغضب: وإيه اللي جاب رجلك عندي. جيهان: خلاص أنت وهو هتتخانقوا زي العيال الصغيرة. ياسين وهو يكتم ضحكاته: معلش يا ماما أصل كل ما تيجي سيرة خديجة بيركبه اللهم احفظنا. نهض آدم وصاح به: لم نفسك يا ياسين وخليك في حالك. عزيز: ما شاء الله يا فرحتي بيكو.

ياسين: على فكرة أنا كنت بهزر... ولو هتكلم جد بقى هقول على أسلوبك وكلامك الزفت مع خديجة. رمقه بنظرات قاتلة ليصمت فأردف: ما تبصليش كده. جيهان: إيه اللي حصل يا آدم؟ آدم: مفيش يا ماما محصلش حاجة.. ابنك شكله كان بيحلم ونسي يتغطى. ياسين باندفاع قال: لا يا أخويا صوتك كان جايب لحد أوضتي اللي آخر الممر بإمارة لما كنت بتطردها وبتقولها مش عايز تشوف وشها في القصر أكمل ولا تكمل أنت. جز على فكه يرمق ياسين متوعدًا

له فقال: أنا طالع أوضتي بدل ما ارتكب جريمة. وكاد يذهب. أوقفه صوت والده الغاضب: استنى عندك. آدم: بابا لو سمحت نبقى نتكلم بعدين. جيهان: أنت طردت خديجة فعلًا؟ تعالت أنفاسه وقال: مش بالظبط. عزيز جيهان: إزاي تعم... قاطعها عزيز مشيرًا إليها بالصمت: -اعمل حسابك بكره هتروح المستشفى وتعتذر ليها. آدم: بابا أ... قاطعه عزيز: انتهى الكلام.. اتفضل شوف انت رايح فين. ذهب آدم ونيران الغضب تتصاعد بداخله.

جيهان: عزيز أنت بكده هتخليه يكرهها مش هيحبها... أنت عارف آدم كويس عنيد وعمره ما بيعتذر لحد. عزيز: عنيد على نفسه.. ومادام غلط لازم يعتذر... ابنك عمل معاها كده عشان لما نروح نطلب إيدها هي ترفضه لأن الأستاذ أهانها. جيهان: انت إزاي تتسرع بالقرار ده قبل ما ابنك ينسى صبا! -إيه ده إزاي آدم وخديجة انت كده بتظلمه يا عمو دي ولا مستواه ولا تعليمه ولا تفكيره... قالتها إنجي. يوسف: إنجي ملكيش دعوة ومتدخليش.

إنجي وهي تنهض بحنق: يوووه بقى أنا كل ما أقول رأيي في حاجة تقوم كاسفني كده... عن أذنكم. قالتها فغادرت بتأفف وصعدت إلى غرفتها. عزيز: ابنك طول ما هو بيفكر في بنت عابد الرفاعي هيخرب بيتنا ويخلينا نشحت. جيهان: وذنبها إيه خديجة لما تجبر ابنك على جوازة منها... أديك شوفت أقل حاجة عملها معاها اللي حكاه ياسين. ياسين: بس أنا شايف يا ماما إن الصنارة غمزت...

أقصد إن لما يوسف قال إن صاحبه طلب إيديها مش عايز أقولك آدم كان منظره إزاي، كان ناقص يطلع دخان من ودانه غير صوابع رجلي اللي بقت كفتة بسببه. عزيز: وأنا مش هستنى يا جيهان... بكره هيحبها بعد الجواز. تنهدت بسأم فقالت: براحتك يا عزيز اعمل اللي أنت عايزه وأنا طالعة لبنتي الأخصائي النفسي زمانه على وصول. فتح عينيه ثم أمسك بهاتفه ليجد العديد من المكالمات الفائتة... نهض وهو يفرك في عينيه وخصلات شعره مشعثة بشكل مضحك.

-ناموسيتك كحلي يا فنان... كل ده نوم ده الشمس قربت تغيب... قالتها كارين وهي تحمل أكياسًا مليئة بالطعام. يونس: معلش بقى كنت بقالي أيام منمتش. وضعت ما بيدها على الطاولة وهي تولي ظهرها له فقالت: -وإيه اللي كان مطير النوم من عينيك؟ فاجأها بإحاطته خصرها بذراعيه من الخلف وقال: -أنتي يا حياتي. أبعدت ذراعيه عنها لتلتف إليه وقالت بنبرة خجل: طـ طـ طيب أنا هروح أحضر الغدا. ابتسم من خجلها وقال:

-وأنا هروح التويليت أغسل وشي وأيدي وهاجي أساعدك. كارين: لأ خليك مريح عندك مش ناقصة تحرقلي حاجة زي ما حرقت البيتزا إمبارح في الميكرويف. رمقها بنظرات ماكرة ثم قال: -أنا اللي حرقتها برضو ولا أنتي نسيتيها وأنتي بتبوسـ.... لم يكمل حين دفعته بثمرة تفاح في وجهه. تأوه عندما اصطدمت في شفتيه فقال: ينفع كده! ضحكت وقالت: أحسن عشان تحرم. يونس: مااااشي...

طيب إيه رأيك لو أي حد سألني مين اللي عمل كده في شفايفي هقولهم كارين وكل واحد ونيته بقى. كانت بيدها سكين رفعته وهي تحذره: هااااااا. رفع يديه باستسلام وقال: -وربنا بهزر يا كابيرة. -إنجز يلا عشان بعد ما هناكل هننزل. يونس: هنروح فين؟ كارين: هتعرف في السكة. -ها يا آنسة ملك عاملة إيه النهارده؟ ... قالها الطبيب النفسي. ملك بصوت يكاد مسموع: الحمد لله. الطبيب: أنا شايف إنك النهارده بقيتي أحسن...

عندك استعداد ندردش مع بعض شوية؟ جيهان: طيب أنا هسيبكو تتكلموا براحتكو ولا محتاجين حاجة أنا في الأوضة اللي جمبكو. وكادت تنهض فأمسكت بها ملك وقالت: خليكي معايا... قالتها وهي تنظر للطبيب بخوف. أومأ الطبيب إلى جيهان فجلست. ملك: فين مصعب؟ تعجبت جيهان فقالت: موجود تحت عايزاه ليه؟ ملك: بليز يا مامي خليه يجي... قالتها وهي ما تزال تنظر إلى الطبيب بريبة. أمسكت جيهان بهاتفها وضغطت بالاتصال: -ألو يا مصعب اطلعلي في أوضة ملك.

الطبيب: -مصعب يبقى أخو الآنسة ملك؟ جيهان: -ده الحارس الخاص بملك ومتربي معانا كأنه واحد مننا. أخذ الطبيب يدون في بعض الكلمات في الدفتر الذي بيده. وبعد ثوانٍ دق الباب ليلج مصعب بهيبته، وما إن رأته ملك فارتسمت على محياها ابتسامة وكأنها وجدت ملاذها. مصعب: -أمرك يا جيهان هانم. جيهان: -مش أنا، دي ملك اللي عايزاك. -أمرك يا آنسة ملك. قالها وهو يخفض بصره لأسفل يتحاشى النظر إليها. ملك: -عايزاك جنبي.

وما إن تفوهت لتتلاقى النظرات، والدتها متعجبة والطبيب يراقب تعابير وجهها، ومصعب الذي رفع عينيه لتتلاقى بزرقاويتيها الساحرة... نهضت جيهان من جوارها وتشير له بالجلوس. تحمحم ثم جلس لتفاجئه ملك عندما أمسكت بيده وكأنها لا تشعر بالأمان سوى معه، فقالت: -ممكن ندردش يا دكتور؟ اتفضل. الطبيب: -كلميني عن أي حاجة حابة تتكلمي فيها، عن حياتك، أصحابك.

بدأت بالتحدث، وكلما شعرت بالتوتر والقلق تضغط بيدها في راحة يد مصعب، فيطمئنها بإيماءة من عينيه إنه معاها ولن يتركها. وبعد مرور الوقت... نهض الطبيب وقال: -كفاية كده وهسيب آنسة ملك تستريح، وإن شاء الله هبقى أجيلها بعد يومين في نفس الميعاد... يلا سلام. جيهان: -اتفضل يا دكتور. ثم ذهبت معه إلى الخارج فتوقف وقال: -واضح إن آنسة ملك ما بتحسش بالأمان في وجود أي راجل غير بوجود أستاذ مصعب. جيهان:

-عشان هو أقرب حد ليها وعلى طول معاها أغلب الأوقات. الطبيب: -ويمكن عشان هو اللي أنقذها من الولد اللي كان بيعتدي عليها فترسخ عندها شعور الأمان من خلال وجوده جنبها... عمومًا ده هيساعدنا في العلاج النفسي، وحاولوا خلوها تخرج وتقابل ناس لأن الانعزال في أوضة لوحدها غلط هيخليها تفضل العزلة. غادر الطبيب... وذهبت جيهان إلى ملك، وقبل أن تدخل سمعت ضحكات ملك بسبب النكات التي يلقيها عليها مصعب... ابتسمت وقالت بداخل عقلها:

"يا ترى يا عزيز هيبقى موقفك إيه لو عرفت بإن سعادة بنتك متعلقة بالحارس بتاعها؟! *************************** توقف يونس بسيارته أمام منزل مكون من طابق واحد... يونس: -مش هنزل غير لما تقولي لي إحنا رايحين لمين؟ زفرت كارين بضيق وقالت: -يخرب بيت فضولك، قولتلك خليك معايا وأنت هتعرف. يونس: -أمري لله، لما نشوف آخرتها معاكي. قامت بالضغط على زر بجوار بوابة حديدية صغيرة...

فتحت إليهما امرأة في أواخر الخمسينات، سيدة يبدو على ملامحها الوقار والطيبة. ابتسمت السيدة بسعادة وقالت: -أهلاً.. أهلاً حبيبتي وحشتيني أوي. عانقتها كارين وقالت: -أنتي اللي وحشاني أوي يا فيفي. فيفي: -يا بكاشة، لو كنت وحشاكي بجد ما كنتيش غبتي عني شهر بحاله. كارين: -والله كنت مشغولة في رسالة الماجستير بتاعتي ولسه باعتها لجامعتي في إيطاليا. نظرت إلى الجص الذي يحاوط معصمها: -ألف سلامة عليكي، إيه اللي حصل؟ كارين:

-دي حادثة خفيفة كده وعدت على خير. فيفي: -طبعًا الموتوسيكل السبب... حدقت بيونس الذي يقف عند الباب ولم يدلف إلى الداخل. كارين وهي تمسك بيد يونس: -أعرفك يا فيفي، يونس البحيري... فنان زينا وعنده جاليري روعة. فيفي: -أهلاً وسهلاً بيك يا ابني. يونس وهو يصافحها: -تسلمي حضرتك. فيفي: -تعالوا اتفضلوا جوه في التراس. كان يونس يتأمل تلك اللوحات التي تنتمي للفن السيريالي وأخرى للفن التشكيلي...

تعجب من روعتها وجمالها، لم يرَ مثلها في معارض من قبل. جلسوا بالبالكون ذي المساحة الشاسعة المطل على حديقة مليئة بالأزهار النادرة. يونس هامسًا: -هي قريبتك؟ كارين: -فيفي تبقى زي مامتي، أو بعتبرها ماما اللي اتحرمت منها وماتت وهي بتولدني... المهم ماما فيفي كانت مدرسة الآرت (الرسم)

بتاعتي من أيام الابتدائي، شافتني موهوبة واتبنت هوايتي، فضلت تعلمني كل ما يخص مجال الرسم وشجعتني إنه يبقى مجالي في المستقبل، وفضلت على تواصل معاها حتى بعد ما سافرت إيطاليا، وهي الحضن الدافي لما بكون مخنوقة بترمى جواه. يونس: -طيب وحضني أنا؟ قالها مبتسمًا بمكر. لكزته في كتفه وقالت: -اتلم. يونس: -بموت فيكي وأنتي مكسوفة. -ها يا يونس ما قولتليش أنت متخصص في أي فن أكتر؟

قالتها فيفي وهي تضع أمامهما على الطاولة صينية يعلوها كأسان من العصير وأطباق كعك. يونس: -أنا متخصص في رسم البورتريهات واللوحات المجسمة أو المعبرة اللي بتحاكي مأساة أو حالة. فيفي: -جميل جدًا... صاحبتك كارين الحاجة الوحيدة اللي فشلت فيها لوحات البورتريه. ضحك يونس وقال: -عارف ده، رسمت واحد صاحبي خلته طالع شبه عم شكشك. رمقته كارين بتوعد فقالت: -ما أنت فاشل في الفن التشكيلي. يونس: -لأني مش من هواة النوع ده. فيفي:

-خلاص أنتوا هتتخانقوا... والله يا ولاد بتفكروني بشبابي وأنا في سنكوا أنا ورأفت جوزي الله يرحمه... على رغم إن اللي ما بينا عدى مرحلة العشق بس ما كناش نبطل خناق. كارين: -ولسه بتحبيه يا فيفي زي ما كان عايش؟ فيفي: -لو قولتلك إن أنا عشقته أكتر لما فقدته مش هتصدقي... أنا وهو مش مجرد زوج وزوجته، كان ليا كل حاجة؛ الزوج والحبيب والعاشق والصديق والأب والأخ...

ولما عرفت إن استحالة أحمل وأخلف طلبت منه يتجوز عشان ما يحرمش نفسه من إنه يكون أب... رفض بشدة وقالي جملة عمري ما هنساها: "أنا مش عايز أولاد لأن ربنا رزقني بيكي، أنتي بنتي وزوجتي وحبيبتي". يونس: -إحنا نتعلم منكوا بقى الحب. فيفي: -الحب يا يونس زي الزرع بالظبط، كل ما تسقيه اهتمام وحنية يكبر ويطرح أجمل ثماره.. لكن لو أهملته واديته جفاء هيدبل ويموت. ظلوا يتسامرون ثلاثتهم بأجواء مرحة... محلقة قلوبهم بالسعادة.

وبالخارج أمام المنزل بمسافة تقف سيارة سوداء وبداخلها هذان الرجلان، أحدهما يتحدث في الهاتف: -ألو يا باشا، هي معاه دلوقت عند مدام فايزة. قصي: -خليكوا متابعينهم لحظة بلحظة وتبلغوني بكل حاجة. أغلق المكالمة وهو يعتصر الكأس بيده حتى تحطم في قبضته، وقال بنبرة مرعبة: -بتتحديني يا كارين... استحملي بقى. ******************************** وبعد منتصف الليل... يولج إلى الفناء يترنح بثمالة...

يردد كلمات إحدى أغاني المهرجانات الشعبية... يصعد درجة تلو الأخرى، يمسك بالدرابزين ويميل عليه، ومن يراه يعتقد إنه سيسقط من أعلاه. وكالعادة تقف سماح في انتظار قدومه، خاصة بعد أن تأكدت من عدم وجود شقيقته. وصل للطابق الثاني يمسك بالمفتاح لتأتيه "حازوقة" (زغطة) جعلته يوقع من يده... انحنى ليلتقطه... ليجد يدًا أخرى بأظافر ملونة بالأسود تمسك بالمفتاح، ليعتدلا معًا كلاهما يحدقان ببعضهما. طه بنبرة ثملة: -أهلاً يا... قاطعته

بنبرة مغناج وبدلال سافر: -مووحة يا طه، مووحة. رمق شفتيها برغبة جامحة وكاد يقبلها، فابتعد عندما جاءت في مخيلته صورة رحمة وهي تبكي. طه: -بتعيطي ليه يا حبيبتي، أنا مش هسيبك... عشان بحبك. تفوه بها بنبرة متقطعة. ارتمى على سماح التي أمسكت به وقالت: -يخرب بيتك، تعالى جوه لحد يشوفنا، شكلك متبهدل على الآخر خالص ومتقل في الشرب. حاولت بعد معاناة في إسناده، ودلفت به إلى منزلها، واتجهت نحو غرفتها وألقت به فوق مضجعها...

ذهبت سريعًا تغلق الباب ثم عادت لتجده يجلس على طرف التخت يتمتم بكلمات غير مفهومة. اقتربت منه لتجلس بجواره فقالت: -ما قولتليش مين دي اللي مبهدل حالك عشانها... ما أنا عارفة بختي الأسود، رضينا بالهم والهم مش راضي بينا... رد عليا مش بكلمك. أمسكت بيده ليرفع وجهه وينظر لها ويراها حبيبته: -بحبك أوي.. ما تخافيش... مش هسيبك. اقترب منها أكثر ليقبلها وهو يضمها بقوة إليه...

وبعد مرور دقائق من تلك القبلات المحرمة، ابتعدت وهي تلتقط أنفاسها وتقول بخفوت وهي تتملص من قبضة ذراعيه: -كفاية يخرب بيتك... خالتي لو رجعت وشافتنا هتولع فيا وفيك. لم يمهلها فرصة لينقض عليها مجددًا غير واعٍ للتهلكة التي يلقي بنفسه بداخلها... وهي تستجيب لرغباته المحرمة لكن بعقلها مخطط شيطاني... أغرقته في مستنقع الرذيلة وعلاقة آثمة، أبطالها هي وهو، وعنوانها الفاحشة، والمؤلف والمخرج شيطان الملذات اللعين.

-هي البت دي راحت فين وقافلة تليفونها ليه؟ قالتها صباح التي تفتح الباب وولجت إلى الداخل. تركت حقيبتها فوق الأريكة وهي تخلع حذائها.. وكادت تنادي: -بت يا... صمتت عندما لاحظت إضاءة غرفة سماح والباب مفتوح قليلًا، انتابتها الريبة والقلق فذهبت لترى ما بالداخل. وإلى أن خطت أول خطوة حتى وقعت عيناها على هذين النائمين عاريين. شهقت بصياح وهي تضرب بكفها على صدرها: -يا نهار أسود!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...