الفصل 4 | من 34 فصل

رواية صراع الذئاب الفصل الرابع 4 - بقلم ولاء رفعت علي

المشاهدات
70
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

يهبط كل درجة ويسحبها خلفه جاذبًا خصلات شعرها الملتفة حول قبضته القوية، حتى وصل إلى القبو وتوقف أمام باب خشبي، فقام بدفعه وألقى بها إلى الداخل... تعثرت قدماها فسقطت على تلك الأرض الصلدة. -من هنا ورايح مكانك هنا... أكلك وشربك هيجو لحد عندك... وده لغاية ما تتعلمي الأدب. قالها قصي بنبرة تحذيرية وتهديد. نهضت ووقفت وهي ترمقه بنظرات تحدي برماديتيها وقالت: -كتبت كتابك عليا من غير ما أوافق غصب عني...

خدتني من بيت خالي غصب عني... عملتلي فرح كان بالنسبة ليا عزا قلبي اللي مات غصب عني... لكن عايز تحبسني في البدروم كأني حيوانة ده اللي مش هقبله... فوق بقى أنا مش بحبك بالعكس بكرهك وكل يوم بكرهك أكتر من الأول. كانت تتحدث بكل كلمة وهو يقف مائلًا يسند جسده على إطار الباب ويعقد ساعديه أمام صدره، ويرمقها بدون أي تعابير تدل على حالة الغضب الذي يثور بداخله. أردفت حديثها: -مسألتش نفسك ليه أنا بحبه!!

لأنه راجل وحنين وعمره ما زعلني في يوم... وعمره ما غصبني على حاجة في يوم من الأيام... آدم بالنسيـ..... لم تكمل حديثها حيث عندما ذكرت آدم، وكأنها أضرمت نيرانًا اندلعت في هيئة شيطانه الذي أسدل الظلمة أمام عينيه، التي تحولت من لون الزيتون إلى الأسود حتى أصبح مظهره مخيفًا مرعبًا... اقترب منها وهي تتراجع إلى الخلف وهي تحاول أن تخفي ذلك الرعب الذي جعل جسدها يرتجف وجلًا.

ظلت تتراجع حتى أوقفها ذلك الجدار الذي ارتطم به ظهرها... تتلفت يمينًا ويسارًا حتى وقعت عيناها على سلاسل حديدية ملقاة في الأرض، وعلى الجانب الآخر مقعد ذو مسندين وعليه حبل مبعثر... مد يده ليجذبها من ساعديها فلا أحد يعلم ما ينوي عليه لها... وفي تلك اللحظة لفت انتباهها على الجدار صرصور كبير ذو شوارب، قد أتى من فتحة البالوعة الموجودة بالغرفة. صاحت بصرخة اهتزت لها جميع الجدران بالقصر: -آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه...

وهي تدفع ذلك القصي وهي ترتمي على صدره وتتشبث به وعلامات الذعر على وجهها... ارتسمت البسمة على محياه حيث أدرك أن لديها رهاب من ذلك الكائن التي ترتعب منه أغلب بنات حواء. نظرت إلى عينيه بخوف وقالت بنبرة رجاء واعتذار: -قصي.. أنا آسفة مش هعمل كده تاني... بس أرجوك بلاش تحبسني... أنا..... قاطعها صوت ارتطام حذائه في الجدار وهو يدعس الصرصور. تنفست الصعداء فابتعدت عنه... اقترب منها وأمسك طرف ذقنها ليرفع وجهها إليه وهو يحدق في

عينيها وقال بنبرة هادئة: -اللي رحمك مني ده... قالها وهو يشير إلى الصرصور الذي تساوى بالجدار، فأردف: -المرة الجاية يا صبا لو انطبقت السما على الأرض محدش هيرحمك من اللي هعمله فيكي... اتقي شري أحسن لك. أومأت له برأسها بالموافقة وقالت: -يعني مش هتحبسني؟؟ قصي: -والله ده يتوقف عليكي... ويلا اطلعي عشان تتغدي وبعديها جهزي نفسك عشان هنسافر. -أنا مليش نفس. تنهد وقال ساخرًا بنبرة تهديد:

-الظاهر عجبك البدروم وعايزة تقضيلك فيه يومين حلوين... خاصة لما أهل المسكين اللي لازق في الحيطة ده يطلعوا من البلاعة واحد ورا التاني عشان يقروا الفاتحة عليه. ابتلعت ريقها ثم قالت: -خلاص.. خلاص هطلع أتغدى. وضع يديه في جيوبه وقال بأمر: -اطلعي قدامي. مشت بخجل وغادرت الغرفة وصعدت الدرج... لتجد الخادمات ينظرن إليها بدهشة وقلق وهن يتفحصن بنظراتهن جسدها لعل حدث لها مكروه على يد قصي كما يظنون...

جاء خلفها فاختبأوا قبل أن يراهم. ذهبت صبا اتجاه الدرج الذي يؤدي إلى الغرف، فأوقفها بإشارة من يده وقال: -من هنا. أشار إلى غرفة المائدة. كادت تتجه نحو الغرفة، فالتفتت له وقالت: -إحنا هنسافر فين؟؟ أمسك سيجارته ووضعها بفمه وأشعلها بالقداحة ليأخذ نفسًا عميقًا وزفر دخان بشراهة وقال: -إيطاليا. -مش هينفع أسافر... معنديش باسبور. قالتها وهي تدعو في داخل عقلها بأن يسافر ويتركها تتنفس بحرية. لكن خابت ظنونها حينما أجاب وقال بثقة:

-إحنا هنسافر في طيارتي. قالها لتعقد حاجبيها بضيق ليعلم ما يجول في ذهنها فأردف: -معلومة تحطيها في دماغك كويس... وهي إن مفيش خطوة هتخطيها بره باب القصر ده غير ورجلي على رجلك... ولو حصل أي ظرف هيكون كنان مكاني... وصلت؟؟؟ قالها وهو يحدق في عينيها فلم تجب عليه... وضع السيجارة بفمه ثم زفر دخانًا كثيفًا في وجهها متعمدًا...

أبعدت الدخان من أمامها بيدها لتشعر بالسعال واشتد حنقها، فأخذت السيجارة من بين أصابعه وألقتها على الأرض ود "وبعدين قوم يالا عايزاك تروح لعمك سالم." تنهد بسأم ورمقها بنظرات لتتفهم أنه لم يصدقها فقال: -عايزاني أروحله ليه؟ قالت جيهان: -هبعت معاك شوية كتب كنت هديهم لخديجة لما كانوا عندنا فنسيت بسبب اللي حصل وقتها. قال آدم: -طيب ما تبعتيهم مع السواق. عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت: -لاء عايزاك أنت اللي توديهم بنفسك...

لأنك أنت وأخواتك قاطعين صلة الرحم، المفروض تروحوا تسألوا على عمكوا سالم وعياله وعلى خالك مهدي اللي حضرتك مبتشوفهوش غير لو جه عندنا. قال آدم بنظرات اندهاش: -عم سالم كان لسه هنا من يومين وأنتِ عارفة مبحبش أروحلهم عشان ابنه البارد الحقود ده... وخالي أصلًا مش فاضي يا مع ابنك يوسف المستشفى يا إما في سفر ومؤتمرات طبية يا إما مع مراته في كل بلد شكل. تصنعت جيهان الحزن وقالت: -شكرًا يا آدم يا ابني مكنش طلب طلبته منك يعني...

خلاص هروح بنفسي هديلها الحاجة. اقترب منها وقبلها فوق رأسها وقال: -حقك عليا متزعليش مني... حاضر هروح أديلها الحاجة. انفرجت أساريرها بابتسامة ماكرة وقالت: -أيوه كده أنت آدم ابني حبيبي... هسيبك بقى تغير هدومك وأنا هروح أحضرلك الكتب. قالتها ثم ذهبت، ليبدأ هو في خلع قميصه القطني ويدلف إلى غرفة ثيابه. بينما هي دلفت إلى غرفة الكتب خاصتها التي تمكث فيها عندما تقرأ، وقالت:

-يارب يا آدم يا ابني تنسى وجع قلبك وتحس بالقلب اللي عشقك وأنت مش حاسس بيه. *** في قصر العزازي... تقف صبا أمام المرآة تنظر إلى ثوبها الذي أمرها أن ترتديه، وكان عبارة عن ثوب ذو لون أزرق زهري بأكمام تصل إلى معصميها وطويل وفضفاض إلى حد ما، وينغلق بشريطين عند العنق. تعقد الشريطين بتأفف فهي تبغض أي شيء ينعقد حول عنقها لأنها تشعر بالاختناق. دق الباب ليأتي صوته من الخارج: -صبا خلصتي؟ قالت صبا من الداخل: -لاء لسه. سأل قصي:

-في أي حاجة عايزاني أساعدك فيها؟ أجابت صبا: -لاء شكرًا. قال قصي: -طيب ممكن تناوليني الولاعة من عندك. زفرت بضيق وتأفف: -أووووف... حاضر. قالتها لتلتقط القداحة من فوق الكومود واتجهت نحو الباب وقامت بفتحه وهي تمد يدها له بالقداحة وقالت: -خد. ضيق عينيه بغضبٍ وقال: -اسمها اتفضل. أخذتها من يده ثم أعطتها له وقالت بسخرية: -اتفضل... حلو كده!!! أخذها ليمسك السيجارة التي بيده ويشعلها ليزفر الدخان بعيدًا، ثم التفت بوجهه

لها وهو يحملق في ثوبها: -تمام حلو كده. تفهمت مقصده وقالت: -نفسي أعرف اللي عجبك في الشوال ده عشان تخليني ألبسه!!! ده غير الشرايط اللي بتتربط عند رقبتي وأنا بتخنق من أي حاجة تتلف أو تتربط حواليها. مد يده إلى تلك السلسلة الذهبية التي ترتديها ليمسك بالقلادة التي تتوسطها وقال: -أومال لابسة دي إزاي!!! ثم لاحظ أن القلادة تُفتح فهي عبارة عن شكل قلب يفتح وبداخله توضع صورتان. توترت ملامحها لتمسك بيده وقالت:

-لو سمحت سيب السلسلة. لم يذعن لما قالته حتى تسنى له رؤية الصورة المختبئة بداخل القلب ليجدها صورة آدم والصورة الأخرى لوالدتها. أوصد عينيه وهو يجز على أسنانه ليبرز عظام فكيه، ولم يعطها فرصة لتتحدث فانتزع السلسلة بعنف من عنقها لتنقطع ونتج خدشًا قد ألمها، ثم ألقى بها على الأرض ونادى بصوت جهوري مرعب: -أميرررررررررة. جاءت الفتاة الخادمة ركضًا وقالت: -أمرك يا قصي بيه. أشار إلى السلسلة الملقاة في الأرض وقال:

-شيلي الزبالة دي من هنا. نظرت إليه ثم لصبا التي تجمعت عبراتها وصاحت به: -دي بتاعت ماما الله يرحمها... مين اللي إدالك الحق تقطعها من رقبتي وترميها وعايز تخلي الشغالة ترميها في الزبالة! دفعها إلى الداخل ليدلف خلفها وأوصد الباب وهو يزفر دخان سيجارته وقال: -أنا أكتر حاجة بكرهها الصوت العالي... وأول وآخر مرة تعلي صوتك عليا وخصوصًا لو قدام أي حد من الشغالين. أجهشت في البكاء فتعالت شهقاتها وقالت: -متعليش... متلبسيش...

كلي... اشربي... أوامر... أوامر... أنا تعبت من حرقة الدم دي... أنا نفسي أفهم أنت متجوزني عشان تنتقم مني؟ ولا تخليص حق؟ ولا إيه بالضبط؟ طفأ سيجارته في المنفضة الكريستالية ثم اقترب منها وقام بمعانقتها وهو يمسد على ظهرها وقال: -خلاص اهدي ومتعيطيش. شعر بأنفاسها قد بدأت في الانتظام. على الرغم من الكراهية التي تكنها له لكن في تلك اللحظة كانت أشد احتياجًا بأن ترتمي إلى صدر يحتويها ويحتوي آلام وجراح قلبها التي لم تندمل بعد.

أبعد رأسها عن صدره لينظر في عينيها وأخرج المحرمة التي بداخل جيب سترته العلوي، أخذ يجفف عبراتها. ود لو يعتذر لها لكن كبرياءه يمنعه لاسيما تذكر الصورة التي تحتفظ بها بداخل تلك القلادة. أمسك بشرائط الثوب المتدلية وقام بعقدها على شكل (فيونكة) ، وحاول أن يجعلها تتهاوى قليلًا حتى لا تشعر بالاختناق. لامست أنامله الخدش الذي في عنقها فتأوهت. عقد حاجبيه بضيق وقال: -هي مضايقاكي؟ قالت صبا:

-لاء بس في جرح صغير في رقبتي لما حضرتك شديت السلسلة منها. رفع ذقنها بأنامله حتى رجعت رأسها إلى الخلف قليلًا ليرى ذلك الخدش الموجود عند العرق النابض في عنقها، ولم تكن تتوقع ما سيفعله.

انحنى ليقترب بشفتيه يلثم ذلك الجرح بقُبلة حانية. اتسعت حدقتاها بصدمة فقامت بدفعه في صدره ليبتعد عنها. ابتعد ولكن لم تستطع تحريك ذلك الجدار الذي يقف أمامها، يرمقها بزيتونتيه التي تلألأت بداخلها نظرات العشق لكن سرعان ما تحولت إلى نظرات قاتمة حادة عندما تفوهت وصاحت بتلك الكلمات: -أنت إيه مبتفهمش!! قولتلك بكرهك ومش عايزاك تلمسني... ولو فاكر عشان برضخ لأوامرك يبقى كده رضيت عنك وبدوب في هواك...

تبقى بتحلم لأن أنا لسه على مبادئي عايشة معاك أه لكن جوازنا هيبقى مجرد على ورق مش أكتر. صاحت بها صبا لكن دب الرعب في أوصالها عندما لم ترَ أي علامات على وجهه الساكن مثل صورة الذئب المعلقة على الحائط خلفه. *** عيناه تلتمع بشر... أنفاسه يسيطر عليها بصعوبة... أمسك رابطة عنقه وقام بفكها بهدوء قاتل... خلع سترته وألقاها على المقعد المخملي المقابل للمرآة... خلع ساعة يده البلاتينية المرصعة أرقامها بفصوص الألماس الباهظة.

تعالت دقات قلبها بالخوف، يقترب منها وهو يفك أزرار قميصه واحد تلو الآخر ونظراته تقتلها من الرعب. تتراجع إلى الخلف: -ابعد عني أحسن لك... لو قربت مني والله هرمي نفسي من البلكونة. قالتها بنبرة تهديد وإشارة تحذيرية بإصبعها. لم يتأثر بكلمة... وجدت لا مفر سوى بأن تنفذ تهديدها، لتسرع بالذهاب نحو الشرفة ليلحق بها في أقل من لحظة جاذبًا إياها من خصلات شعرها المنسدلة فتأوهت بصوت جلي. قال من بين أسنانه:

-أنا كل مرة ماسك نفسي عنك بالعافية ومش راضي أطلع شيطاني عليكي... لكن لسانك اللي عايز قطعه ميت حتة هيخليكي تندمي على كل كلمة نطقتي بيها دلوقت. قالها وأخذ يجذبها وألقى بها فوق التخت ليهتز بها بقوة. -آآآآآآآآآآآآآآه... ابعد عني والله هصوت وهخلي كل الشغالين في القصر عندك يعرفوا أنت قد إيه حيوان. قالتها لتندلع نيران غضبه أكثر، فصاح بصوت مرعب اهتزت له الجدران: -صوتي... عايزك تصوتي براحتك...

واحد ومراته ومحدش يقدر يفتح بوقه. قالها وابتسم بتوعد وأردف: -ومحدش يقدر يمنعني عن اللي هعمله فيكي. قالها لينقض عليها ويعتليها محاصرًا ساقيها بين ركبتيه. ظلت تصرخ: -اوعي يا حيواااااااااان... أنا بكرهك... بكررررررررررررررررررررهك... آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه. صرخة أطلقتها عندما انهال على وجنتها بصفعة أحست بصفير أذنها، لتشعر بدوار يوصد الرؤية أمامها وهي تشعر بثوبها يتمزق... أغلقت عينيها رويدًا رويدًا حتى فقدت الوعي.

-أنا هخليكي مراتي بجد مش كتابة على الورق... أنا... لم يكمل وعيده الذي كان شرع بتنفيذه ليوقفه مظهرها الذي أرعبه لينهض من فوقها. ربت على وجهها وقال: -قومي وبطلي تمثيل أنتِ فاكرة هرحمك زي كل مرة... قومييييييييي. صاح بها ولا حياة لمن ينادي. ابتلع ريقه ليقترب منها ويتصنت إلى أنفاسها وهو يضع أنامله على عنقها يجس نبضها. ركض نحو المرآة ليأخذ من أمامها زجاجة عطره وقام بنثر القليل منه على ظهر يده ثم وضعها لدى أنفها...

لم تستيقظ. تناول دورق المياه الزجاجي وأخذ منه بعض المياه ليقوم بنثرها على وجهها. دق الباب، ليأتي من خلفه صوت الخادمة: -قصي بيه آنسة كارين منتظرة حضرتك تحت. خلل أنامله بين خصلات شعره وزفر بغضب وقال: -خليها تطلع بسرعة. ذهبت الخادمة وهي تركض وأخبرت كارين التي صعدت على الفور. طرقت على الباب ثم قامت بفتحه لتقع عيناها على تلك الراقدة ممزقة الثياب فأطلقت شهقة بذعر وصدمة. *** بداخل الصالة الرياضية... يجلس على جهاز السحب

(جهاز لعضلات الجذع والعضلات الظهرية) ، يمدد ساقيه أمامه يسند قدميه على قطعتين تشبه مكابح السيارة، ويمسك بكل يد على حدة قابضة بلاستيكية يجذبها نحوه بقوة. يمارس تمارينه لكن ذهنه مشغول بتلك الحمقاء التي تطاولت عليه، وأكثر ما يثير غضبه عندما كانت ترمقه بقوة بتلك العسليتين، كما قامت بنعته بالغباء وهي تز دلف ياسين إلى إحدى الغرف قبل أن تراه سميرة، حيث أراد أن يثأر من تلك الحسناء الصغيرة بطريقته الخاصة. سميرة بنبرة حادة:

-مالك بتجري كده ليه؟؟؟ إحنا هنسيب شغلنا ونقعد نجري ونلعب! ياسمين وهي تلتقط أنفاسها حتى هدأت قليلًا: -أنا مش بلعب... أنا كنت... قاطعتها سميرة: -طيب اتفضلي روحي على أوضة آنسة ملك وهاتي سبت الغسيل وبعد كده وديه في أوضة اللاندري "المغسلة". أومأت لها وقالت: -حاضر يا مدام سميرة. قالتها ثم راقبت الرواق الذي لابد أن تسير من خلاله لتصل إلى الدرج، كل خطوة لها تنظر خلفها ليطمئن قلبها

وهي تقول بداخل عقلها: "ايه اللي أنا عملته في نفسي ده... بالتأكيد مستحلف لي ومش هيسيبني غير لما ياخد حقه مني... بس أحسن يستاهل... محدش قاله يقرب مني و... صمتت لتبتسم وهي تضع أطراف أناملها على شفتيها، وأردفت: -يلا يا هبلة شوفي شغلك قبل ما الست الناظرة دي تطلع عينيكي. وصلت أمام الغرفة وقامت بفتح الباب وولجت إلى الداخل وهي تتمتم بكلماتها بسعادة: -الله عليكي يا بت يا ياسمين...

أيوه جدعة.. أهو بعد القلم ده ميقدرش يكرر اللي عمله ده تاني. قالتها ففزعت من صوت إغلاق الباب وانطفأت الإضاءة بالغرفة لتحل العتمة. -بسم الله الرحمن الرحيم... قالتها وهي تتجه نحو الباب ذاهبة لتضغط على زر الإضاءة، فارتطمت بشيء ولم تستطع أن تصرخ حينما وجدت ذلك الذي يحاوطها بذراعيه ويضع يده على فمها. *** يتجول في الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يزفر بغضب، ويرمق ذلك الطبيب الذي يتفحصها وود من داخله أن يهشم عظام يديه التي تلمسها.

انتهى من الفحص، نظرت كارين إلى صبا التي تحملق في سقف الغرفة كأنها تمثال متحجر لا يتحرك شيئًا فيها سوى أهدابها. قال الطبيب وهو يرمق قصي بنظرات حادة: -صدمة نفسية نتيجة ضغط نفسي اتعرضت ليه المدام. قصي: -وعلاجه إيه؟ الطبيب وهو يرمق قصي وكأنه يقصده بكلماته: -تبعدوها عن أي حاجة تحرق دمها أو تستفزها، خصوصًا لو حد مش بتحبه. اقترب منه قصي ليمسك بتلابيب قميصه ويعنفه:

-اسمع يا زفت أنت، لو مبطلتش تلميحاتك السخيفة دي لأنا بنفسي هجيب لك اكتئاب حاد من اللي هعمله فيك، أنت فاهم؟؟؟ ارتجف الطبيب بين يديه وقال: -حـ.. حاضر.. اللي تؤمر بيه حضرتك. تركه قصي وقال: -مش خلصت كشف؟ يلا اتفضل غور بره. الطبيب: -أنا لسه هكتب لها على مهدئات. قصي بصوت غاضب: -بررررررررررره... وابقى اديها لكنان. أخذ الطبيب حقيبته وأدواته وهو يتمتم بداخل نفسه ويلعن ذلك المتعجرف ثم غادر. قالت كارين التي ترمقه بازدراء:

-ممكن أفهم اللي حضرتك عملته فيها ده؟؟ صاح بها قصي: -كارين بقولك إيه مش ناقصك على المسا. نهضت ووقفت أمامه وقالت: -اللي أنت عملته ده اسمه محاولة اغتصاب. ضحك بسخرية لتتعالى ضحكاته وقال: -اغتصاب!!! فيه واحد بيغتصب مراته؟؟ كارين: -قصي متضحكش على نفسك، أنت قبل الفرح بيومين وأنا متخانقة معاك وسيبت لك القصر بسبب موضوع جوازك، صبا غصب عنها وفي الآخر أجبرتوها أنت وعابد الرفاعي...

ذنبها إيه المسكينة دي في انتقامكم من عيلة البحيري. قال قصي بنبرة تحذيرية: -كاااارين... لو سمحت متدخليش في حاجة متخصكيش عشان متزعليش مني. كارين: -شكرًا يا قصي... عمومًا أنا كنت جاية أطمن عليك... وياريتني ما جيت. قالتها واتجهت نحو الباب وقبل أن تدير المقبض أردفت: -ياريت تقول للجاردز بتوعك يبطلوا يمشوا ورايا، أنا مش طفلة وعارفة أحمي نفسي إزاي. قالتها وغادرت وهي تصفق الباب خلفها بقوة.

تقدم نحو تلك متجمدة الملامح وجثا على ركبتيه بالقرب منها، وأمسك كفها ووضعه على وجنته ثم قام بطبع قُبلة بداخله وقال: -ليه بتخليني أعمل معاكي كده!! أنا بعشقك ومبستحملش عليكي حاجة... أنتي روحي يا صبا اللي من غيرها أموت... أرجوكي ردي عليا.

التمعت عبرة تنسدل من جانب عينيها، نظر إليها بندم وعينيه تصرخ بالأسف والاعتذار. صعد وتمدد بجوارها وهو يأخذها بين ذراعيه ليقترب بشفتيه من وجنتها ليمنع تلك الدمعة عن التساقط ليتذوقها بداخل فمه وهو يغمض عينيه، ودفن وجهه في عنقها وهو يستنشق عبق عطر بشرتها الذي يذكره برائحة اللافندر. *** في الحارة. قال طه الذي يقف أمام البناء: -رايح فين يا عم عبده؟ يحمل عبد الله في يديه دلو طلاء والأخرى أدوات تستخدم في الدهانات فأجاب:

-بدل ما عمال تتريق كده شيل عن صاحبك شوية. طه: -ما أنت زي الشحط أهو، مش كفاية أبويا مأجر لك الشقة بملاليم. عبد الله: -ماشي يا صاحبي بتعايرني!! ما أنا دافع الشهر قبل ما اسكن، غير عمال أصرف على الشقة ومش عايزه تخلص. طه: -أنت بتسمي الـ 300 ملطوش دول فلوس!!! عبد الله: -طول عمرك عيل حقود وغلاوي. طه: -وأنت طول عمرك ندل وواطي... عشان كده إحنا أصحاب. قالها ليقهقه الاثنان معًا. عبد الله:

-الحق مش ده الواد عادل ابن عديلة بتاعت الفراخ؟؟ طه: -آه تصدق هو، وايه الشياكة اللي حطت عليه دي! عبد الله: -الله يرحم لما كانت أمه بتلبسه البنطلون وترفعه له لحد صدره... طول عمره ابن أمه وملوش كلمة. طه: -فاكر يالاه كانوا مسمينه إيه؟ عبد الله: -أها فاكر طبعًا كنا مسمينه "عادل جلدة"... وهو لزق فيه الاسم لحد ما بقى أشطر سباك في المنطقة وخده خاله معاه الكويت. طه: -إيه ده هو وأمه وأخواته دخلوا بيت عم عكاشة ليه؟؟ عبد الله:

-يا عم وإحنا مالنا.... أنا هسيبك بقى وطالع فوق خليني ألحق أخلص دهان الصالة واكلة مني لحد دلوقت جردلين بويه... متقولش السكان اللي كانوا فيها بياكلوا الحيطان. طه: -طيب وأنا طالع معاك أمري لله هساعدك. صعدا كليهما الدرج. وفي الحارة تقترب تلك السيارة الفارهة ذات الماركة الإيطالية المعروفة (لامبورجيني)

طراز هذا العام. توقفت أمام بناء الشيخ سالم، أمسك هاتفه وأجرى اتصالًا بعمه فلم يجب عليه منذ ساعة مضت. فتح باب السيارة بحذر حتى لا تصطدم بتلك العربة ذات الثلاث إطارات (توكتوك) وهو ينظر إلى السائق بازدراء. صاح سائق التوكتوك: -ما تخافش عليها يا عم اللي أداك يدينا.

زفر بتأفف وانحنى لداخل سيارته وهو يأخذ حقيبة ثم علبة الشيكولاتة التي اشتراها في طريقه. أوصد الباب وأغلق أبواب السيارة من جهاز التحكم الذي بيده. دلف إلى الفناء، انكمشت ملامح وجهه بتقزز من رائحة الفناء، صعد الدرج بحذر وهو يتفحص الجدران المقشر طلائها وتتدلى عليها خيوط العنكبوت. وصل أمام باب المنزل ليقرأ تلك اللوحة الخشبية المحفور بداخلها: "منزل الشيخ سالم يحيى البحيري".

ضغط على زر الجرس، هي كانت بالداخل تؤدي فرضها وفي آخر سجدة تدعو الله بأن يحقق ما تتمناه منذ سنوات. وبعد أن انتهت من التشهد ألقت السلام، نهضت مسرعة وهي تطوي السجادة وتركتها على التخت وخرجت إلى الردهة. قالت خديجة وهي تفتح الباب مرتدية إسدال الصلاة ذو اللون الأسود: -حاضر يا بابا جاية... نظرت إلى ذلك المبتسم غير مصدقة وظلت تحدق في عينيه وقلبها يتراقص من الفرح والسعادة. قال آدم بصوت رجولي عذب: -إزيك يا خديجة. أجابت بتوتر:

-اا الحمد لله. آدم مبتسمًا: -هفضل واقف على الباب كده كتير؟؟ خديجة بخجل: -أنا آسفة يا آدم مش هينفع أدخلك بابا في الجامع ومعرفش هيرجع إمتى وطه نزل من بدري. جز على أسنانه وبادلها بابتسامة صفراء وقال: -طيب اتفضلي الحاجات دي. خديجة: -إيه ده؟؟ آدم: -دي كتب باعتها لك ماما... ودي حاجة بسيطة. قالها وهو يعطيها علبة الشيكولاتة. خديجة: -طيب خليك ثواني هحاول أتصل على بابا يمكن يرد. آدم ببرود:

-مفيش داعي أنا أصلًا ورايا مشوار ومش هلحق. تجهم وجهها وقالت: -حاضر اتفضل. ولم يتفوه بكلمة ثم غادر وهو يهبط الدرج ويزيل ذلك الغبار الذي تعلق بكتف سترته السوداء. وفي تلك اللحظة هبط طه الدرج، ذاهب لكي يشتري دلو طلاء آخر. خرج من الفناء حتى قطب حاجبيه عندما وجد آدم يدلف إلى داخل سيارته، اقترب منه وقال بسخرية: -إزيك يا آدم بيه نورت الحارة... مش كنت تقول إنك جاي كنا فرشنا لك الحارة ورد وعملنا معاك الواجب.

التمس آدم السخرية والاستهزاء في حديث طه فابتسم له بتصنع وقال: -متشكر خديجة قامت بالواجب. قالها يقصد إنها أحرجته والآخر قد تفهمها على محمل آخر من ظنونه السيئة. غادر آدم بسيارته الحارة. كاد يلج طه إلى الفناء حتى أوقفه صوت زغاريد تعالت في كل أرجاء الحارة، ليتسمر في مكانه وهو يرى عديلة تمسك بيد رحمة التي ترتدي ثيابًا أنيقة وتضع مساحيق أظهرت جمالها. قالت عديلة ثم أطلقت زغرودة جلية:

-يالا يا أم رحمة نلحق عم جورج الجواهرجي قبل ما يقفل خلينا نفرح... واد يا عدولة امسك أيد خطيبتك وتعالى ورانا. اقترب عادل ذو الجسد الضخم من رحمة وأثنى ساعده وقال بابتسامة: -حطي إيدك يا عروسة عشان أنجشك. وضعت يدها على ساعده لتلتقي عينيها بعينين طه الذي ينظر لها من أسفل لأعلى بامتعاض، وهي تبادله بنظرات تحدي وكأنها تقول له الحياة لا تقف عليك يا من أسميتك في يومًا حبيب. ***

دلف إلى البناء والغضب يتملك منه ليشعر بالنيران التي تأكل داخله، عقد العزم على صب كم غضبه على شقيقته التي توعد لها عندما علم بوجود آدم. فتح الباب بمفتاحه الخاص به ودلف إلى الداخل ليجدها تجلس خلف المنضدة وأمامها كتب متراصة وتمسك بإحداهم. قالت خديجة بمزاح ولا تعلم نواياه: -ما ترمي السلام أنت داخل على كفار ولا إيه؟؟ اقترب منها والتقط كتابًا تفحصه بنظرات استهزاء وقرأ بصوت مرتفع: -علمني الحب... سوزان ستيفنز. قالها

ليطلق ضحكة سخرية وأردف: -مش أولى قبل ما تتعلمي الحب تتعلمي الأدب أحسن؟ -قصدك إيه يا طه؟؟ -مش دي كتب مدام جي جي أم المحروس اللي كان نازل من عندك يا صايعة. قالها وهو يمسك الكتاب ويمزقه. صاحت به خديجة: -أنت بتعمل إيه يا مجنون دي أمانة وهرجعها تاني... وايه اللي أنت بتقوله ده؟؟ طه: -اخرسي يا صايعة أنتي وأصحابك، واحدة أبوها قفش خطيبها في البيت كان هيعتدي عليها والتانية اللي كانت ماشية مع واحد وأول ما سابها صدقت تتخطب.

خديجة: -آه... قول بقى إنك متغاظ عشان رحمة اتقرت فاتحتها... أنا عارفة وكلمتني الصبح... وفرحانة ليها إن ربنا نجدها منك. قالها وهو يخلع حزام بنطاله: -شمتانة فيّ؟؟؟ ركضت نحو غرفتها وصاحت: -والله يا طه لو قربت مني لأقول لبابا على كل البلاوي بتاعتك. استشاط غضبًا ليركض خلفها، أوصدت الباب ليقوم بدفعه بجسده فلم تستطع مقاومته. ابتعدت وهي تحتمي بذراعيها وتصرخ ولم يبالي لصرخاتها وانهال عليها بحزامه الجلدي على جسدها. صاح بها طه:

-عاملة نفسك ست الشيخة وتدخلي البيه ابن الأكابر البيت وإحنا مش موجودين... طبعًا من حقه أبوه بيرمي لنا شوية ملاليم وابنه بييجي ياخد المقابل من ست الحسن. خديجة وهي تبكي وتصرخ: -أنت إنسان قذر ودماغك شمال.... أقسم بالله ما حصل حاجة ولا دخل الشقة أداني الحاجة ونزل على طول. -بتستعبطي عليا يا بت ده أنا فاهم دماغكم كويس يا صنف و...... كلكم زي بعض. قالها وما زال ينهال عليها بسوط حزامه لتتعالى صرخاتها. *** في منزل عائلة شيماء.

ارتدت عباءتها وحجابها ثم راقبت زوجة أبيها التي غطت في سبات عميق. أخرجت المفتاح الذي خبأته في سلسلة ترتديها حول رقبتها وتخبئه في طيات ثيابها بالداخل. ألقت نظرة أخيرة من الشرفة حتى تتأكد من وجوده بالمنزل الذي يقوم بإعداده للزواج. فتحت الباب وغادرت بدون إصدار صوت وركضت مسرعة قبل أن يراها أحد. وصلت أخيرًا وهي تلتقط أنفاسها أمام باب المنزل الذي كان مفتوحًا.

يصدر من الداخل صوت المذياع الصادر منه أغنية "انتهينا خلاص" لشيرين عبد الوهاب. وبدون أن تطرق الباب دلفت لتراه يوليها ظهره، مرتديًا "فانلة" وبنطالًا قصيرًا ملطخين بالطلاء، يدندن مع الأغنية. عبد الله: -كنت تسيبني... آه سيبني من ناري.. لمراري... -يا ريت والله، يبقى وفرت عليا الكلام. قالتها شيماء وهي تخلع خاتم الخطبة. التف إليها وترك الفرشاة التي بيده وقال: -أهلًا وحشتيني يا شوشو. رمقته بازدراء:

-ما تشوفش وحش يا ابن شلبية. عبد الله: -طيب ليه بتجيبي في سيرة أمي الله يرحمها؟ شيماء بنبرة تهكم: -الله يرحمها ويرحم الجميع يا أخويا. عبد الله: -أخوكي!! مالك يا بت على المسا؟ ألقت الخاتم في وجهه وقالت: -خلي عندك كرامة وإلغي الاتفاق الزفت ده مع أبويا.. لأن أنا خلاص مش عايزاك ولا طايقاك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...