في قصر البحيري... -لو صرختي ولا عملتي حركة كده ولا كده هقولهم مسكتك وأنتي بتسرقي السلسلة بتاعت ملك. قالها ياسين بنبرة تهديد وهو يضغط على زر الإضاءة الخافتة ويمسك بيده سلسلة شقيقته. اتسعت عيناها بصدمة وذهول، أزاحت يده بعيدًا عن فمها وقالت بصوت متهدج ومرتجف: -أ.. أنت عايز مني إيه؟ رمقها بنظرات ماكرة وقال: -أنتي اللي عايزه... من ساعة ما جيتي القصر وعينك مني. -أنت فاهم غلط على فكرة. قالتها ياسمين.
اقترب من جانب رأسها حيث ترتدي الحجاب وبنبرة خبيثة قال: -لأ فاهم صح... وقاري نظرات حبك ليا في عينيكي. ابتلعت ريقها بتوتر ورمشت عدة مرات وقالت: -ح.. حب.. أنا... جذبها ليحاوطها ما بين ذراعيه وهو ينظر بداخل عينيها، وبنبرة خادعة وحديث معسول قال: -مكسوفة ليه؟ عارف أنك بتحبيني... وأنا كمان. اقترب هامسًا بجانب شفتيها وأردف: -بحبك.
خفق قلبها بشدة لا تعلم هل تفرح أم تقلق وتحذر منه، ما زالت صغيرة وليست لديها خبرة كافية حتى تفرق بين المشاعر النابعة من القلب وما بين المشاعر الخادعة المزيفة، وبخبرة تجاربه مع الفتيات قرأ لمعة عينيها واحمرار وجنتيها ودقات قلبها التي كادت تصل لمسامعه. -ياسين بيه إزاي... قالتها ياسمين ليقاطعها بنفس وتيرة نبرة صوته التي تمكنت من تملك عقلها وقلبها، قال:
-أنا عارف إنك مستغربة إزاي واحد زيي في المستوى اللي أنا عايش فيه يحب بنت الجنايني، بس أنا عمري ما بفكر كده، الكلام ده انقرض من أيام فيلم رد قلبي، دلوقتي مفيش أي حاجة تمنع أي اتنين بيحبوا بعض إنهم يتجوزوا. رمقته باندهاش وقالت: -ياسين بيه... بتتكلم بجد؟ ابتسم بمكر الثعالب وقال: -أه بتكلم بجد... حتى حسي بقلبي وهو بيدق كده. قالها وأمسك يدها ووضعها على موضع قلبه وأردف:
-حاسة بقلبي وكل دقة فيه بتقول ياسمين.. ياسمين.. ياسمين. حدقت في عينيه بهيام وتيه لم تصدق ما تسمعه أذناها من الفرحة والسعادة التي غمرت قلبها، لكن تنبهت لشيء فأرادت أن تطمئن قلبها وقالت: -أومال كنت ليه بتعاملني وحش وكل ما تشوفني بتزعق فيا؟ تحركت مقلتاه يمينًا ويسارًا وقال:
-أصل بصراحة كنت كل ما بشوفك ببقى عايز أخدك في حضني أعبرلك عن حبي ليكي وكنت خايف تفهميني غلط، وفعلاً اللي كنت بحسبه طلع صح لما حاولت أعبرلك عن مشاعري ضربتيني بالقلم، ومفيش راجل يقبل على نفسه كده. قالها ورمقها بامتعاض مصطنع. رمقته بنظرات اعتذار وقالت: -أنا آسفة يا ياسين بيه. ياسين: -مفيش ألقاب بين اتنين بيحبوا بعض... ولو مش عايزاني أزعل من القلم... عايزك تعوضيني. نظرت إليه بعدم فهم وقالت بعفوية: -أنا آسفة. ابتسم
بسخرية من سذاجتها وقال: -التعويض مش اعتذار يا حبيبتي. تراقص قلبها من الكلمة الأخيرة، اقترب من شفتيها وهمس أمامها وقال: -التعويض اللي أنا عايزه كده. قالها وكاد يقبلها. -ياسمين مد... قالتها علا التي دلفت للتو، تسمرت عندما رأتهما هكذا. تلون وجه ياسمين من الخجل والوجل الشديد وهي تبتعد عن ياسين. -أنتي يا زفتة مش تخبطي قبل ما تدخلي؟ صاح بها ياسين. علا: -مدام سميرة كانت بعتاني لياسمين عشان اتأخرت و... قاطعها ياسين وقال:
-خلاص أنتي هتحكيلي قصة حياتك؟ روحي شوفي شغلك، وأنتي يا ياسمين لما تخلصي مع سميرة اطلعي نضفي أوضتي عشان متبهدلة. قالها وهو يرمقها بنظرات ذات مغزى، ثم غادر. علا وهي ترمق ياسمين بازدراء من أسفل لأعلى قالت: -يا خسارة يا ياسمين. قالتها وهمت بالذهاب. ركضت ياسمين نحوها وأوقفتها وقالت: -ثواني يا علا... أنا هفهمك كل حاجة. _ألقت الخاتم في وجهه وقالت:
-خلي عندك كرامة وألغي الاتفاق الزفت ده مع أبويا، لأن أنا خلاص مش عايزاك ولا طايقاك. زمجر بصوت جلي ويتطاير الغضب من عينيه كالشرر، اقترب منها ليجذبها من يدها وغادر المنزل ليهبط الدرج وهي خلفه وقال: -تعالي معايا بقى يا روح أبوكي وقولي الكلام ده قدامه وشوفي هيرد عليكي هيقولك إيه. -أوعى سيب إيدي... أنت فاكرني هخاف ولا إيه؟ صاحت بها شيماء.
لم يجب عليها حتى استوقفتهم تلك الصرخات الصادرة من منزل الشيخ سالم، جاءت لها فكرة أن تستغل ذلك الموقف. قالت شيماء: -يا لهوي دي البت خديجة... بالتأكيد أخوها اللي تتقطع إيده بيضربها. عبد الله: -وإحنا مالنا؟ انجري يلا قدامي. جذبت يدها من قبضته وأخذت تضغط على جرس المنزل: -يا خديجة... يا عم سالم. نادت بصوت مرتفع. بالداخل توقف طه عن ضرب شقيقته وهو يلتقط أنفاسه وقال: -هروح أشوف مين اللي بيرن الجرس... وراجعلك تاني.
ذهب وتركها وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وهي تشهق وتبكي بشدة. فتح الباب لتدفعه شيماء من أمامها وهي تبحث عن صديقتها: -خديجة.. خديجة. دلفت إلى غرفتها. ركضت نحوها لتحاوط ظهرها بذراعها وتربت عليها وقالت بلهفة وخوف: -حصل إيه عشان الواطي ده يعمل فيكي كده؟ خديجة بصوت باكٍ ومتهدج: -م.. معملتش حاجة... والله ما عملت حاجة. قالتها وظلت تذرف عبراتها وتدفن وجهها في صدر شيماء التي عانقتها لتواسيها. في الردهة...
-حرام عليك يا أخي أختك محترمة ومؤدبة وعمرها ما بتعمل حاجة غلط... ليه بتمد إيدك عليها؟ قالها عبد الله. طه: -خليك في حالك وملكش دعوة... أختي وبربيها. عبد الله: -عم سالم لو عرف اللي أنت عملته مش هيعدهالك، مش بعيد يطردك من الشقة. طه: -هي أول مرة أضربها!!! على طول بمد إيدي عليها. عبد الله: -لأ يا طه المرة دي زودتها أوي. -السلام عليكم. قالها الشيخ سالم الذي ولج الآن، فأردف: -أزيك يا عبد الله عامل إيه يا عريس؟ نظر عبد
الله إلى طه ثم أجاب بتوتر: -الحمد لله يا عم سالم. صاحت خديجة بغضب من الداخل: -أنا قرفت منه ومن مد إيده عليا ويشتمني ويتهمني بحاجة محصلتش... مش هيبطل تفكيره الشمال ده. نظر سالم إلى عبد الله وطه وقال: -هو في إيه؟ قالها واتجه نحو غرفة ابنته ليجدها في حالة يرثى لها وصديقتها تربت على ظهرها. -مالك يا بنتي؟ قالها الشيخ سالم. نهضت خديجة وتوقفت عن البكاء وهي تواري وجهها وعينيها ولم تستطع أن تتفوه بكلمة.
اندفعت شيماء بحنق وقالت: -ابنك طه يا عم سالم نزل على جسمها بالحزام ومسابهاش غير لما جيت وخبطت عليهم. اتسعت حدقتاه بغضب وذهب متجهًا نحو ابنه وأمسكه من ثيابه بعنف وقال: -اطلع برة يا كلب مش عايز أشوف وشك. طه: -مش لما تسمع الأول أنا عملت فيها كده ليه؟ سالم: -بنتي طول عمرها في حالها وهادية... أنت اللي قليل الأدب ومش متربي. عبد الله: -خلاص يا عم سالم... حصل خير. سالم بنبرة تهكم وسخرية: -خير!!!
هيجي منين الخير طول ما الشيطان ده عايش معانا. طه: -طيب اسمعني بقى... بنتك اللي مبتفوتش فرض وحافظة كتاب ربنا... لقيت آدم ابن عزيز البحيري نازل من الشقة عندها وإحنا بره. خرجت خديجة وهي تصرخ: -كداااااااااب... والله العظيم ما دخلته الشقة يا بابا... هو جه يديني الكتب دي والله ومشي من على الباب على طول. قالتها وهي تشير إلى الكتب الموجودة فوق المنضدة. أمسكه والده من تلابيب قميصه وهو يدفعه إلى الخارج وصاح بغضب:
-اطلع برة البيت يا كلب يا شيطان ياللي مبيجيش من وراك غير المصايب. -أنت هتصدقها وتكدبني أنا؟ صاح بها طه. سالم: -حتى لو عملت غلط... أنا لسه عايش ممتش عشان تمد إيدك عليها. قالها ودفعه خارج المنزل وخلفهم عبد الله الذي أبعد صديقه حتى لا تسوء الأمور بينه وبين والده. أوصد سالم الباب بعنف واقترب من ابنته وقال: -حقك عليا يا بنتي. قالها لترتمي على صدر والدها وأخذت تبكي. وأردف: -منك لله يا طه... منك لله.
_بداخل الحرم الجامعي للجامعة الكندية... تنتظر أمام المبنى الإداري، ونسمات الهواء تداعب خصلات شعرها القصير وأطراف ثوبها الرمادي القصير الذي يصل إلى ركبتيها. جاءت نحوها فتاة بملامح متجهمة وهي تمسك بورقتين. قالت ملك بقلق: -إيه يا رودي عملنا إيه؟ أعطتها ورقة وقالت بصياح ومرح: -واااااو... نجحنا يا ملوكة. قفزت ملك بسعادة: -الحمد لله... أنا كنت خايفة أوي لأشيل مادة زي السنة اللي فاتت وأضطر أخبي على بابي وجي جي وخصوصًا آدم.
رودي: -طيب بالمناسبة السعيدة دي هعمل عندي بارتي بكرة وطبعًا أنتي مش محتاجة عزومة. تغيرت ملامح ملك من الفرح إلى الحزن وقالت: -معلش اعذريني مش هعرف أجيلك، أنتي عارفة النظام عندي. رودي: -أوف بقى يا ملك.. إيه دماغ باباكي الغريبة دي... أنا برضو بابي رجل أعمال وبالتأكيد ليه أعداء، بس مش ماسك عليا كده، بيسيبني أسافر براحتي وأخرج براحتي أروح عند صاحباتي.. نو بروبلم. زفرت ملك بضيق وقالت: -خلاص هتصرف...
بس مش هتأخر يعني بالكتير ساعة زمن وهمشي على طول. وفي جانب آخر على مقربة من الفتاتين... يقف ثلاث شباب أحدهم لا تبرح عيناه ملك. قال أحدهم إلى ذلك الشارد: -إيه يا روميو مالك مبحلق في البت كده ليه وعينك هتاكلها... أنت محرمتش من التهزيق اللي كانت بتديهولك؟ قال الآخر وهو يضحك: -ولا القلم اللي لسعتهوله على وشه في آخر يوم في الامتحانات. اشتد حنقه وقال: -ما تلم نفسك منك ليه... ومين اللي قالكوا إني نسيت...
أنا من ساعتها وبخططلها على رواقة عشان أعلمها الأدب وأعرفها مين هو رامي السيوفي. قال الأول: -بقولك إيه يا زميلي خد بالك دي مش بنت من إياهم... دي ملك البحيري ده عندها 4 أخوات رجالة يطحنوك غير جيش الحرس اللي عندهم، وكل كوم والواد الجتة اللي بيوصلها ويروحها ده كوم تاني. قال الآخر: -أنا فاكر أول يوم في الجامعة الواد هيما حب يستظرف معاها... شافه الحارس اللي معاها مسكه أكله علقة موت. -بس يا جبان منك ليه...
على آخر الزمن هخاف من حتة سيكورتي بإشارة من رجالة بابا يساووا بيه الأسفلت. صاح بها رامي. قال الأول: -إحنا مش خايفين غير عليك أنت... عشان عارفين دماغك كويس مبتسبش حقك غير بمصيبة. ما زال يرمقها بنظرات توعد وقال: -مصيبة... وأي مصيبة كمان... دي هتبقي خبر الموسم. نعود إلى ملك التي همت بالذهاب وقالت: -يلا يا رودي مش جاية معايا أوصلك في طريقي؟ رودي: -لأ يا حبي... أنا هستنى شوية بابا هيعدي عليا وهو راجع من الشركة.
ملك ببسمة تظهر غمازتيها: -طيب يا قلبي... أنا ماشية بقى قبل ما ألاقي مصعب ينط ليا زي المرة اللي فاتت والبنات يفضلوا يبصوا عليا ويضحكوا عشان هو طويل جدا وأنا أوزعة جمبه. ضحكت رودي وقالت: -ههههههه بصراحة أنتي جمبه زي العصفورة وهو زي الجبل جمبك... بس هقولك على حاجة هو بيحبك أوي. -آنسة ملك. صاح بها مصعب الذي ولج من بوابة الجامعة. زفرت ملك بسأم وقالت: -مش قولتلك.. يلا باي. قالتها وركضت مسرعة نحو ذلك المنتظر.
رفعت وجهها إليه وهي تنظر بسعادة وقالت: -مش تقولي مبروك؟ ارتسمت البسمة على ثغره وقال: -نجحتي؟ أومأت له ملك بسعادة وقالت: -وبتقدير جيد جدا كمان. خلع نظارته الشمسية المعتمة وابتسم لها بعينيه الرمادية وقال: -ألف ألف مبروك يا آنسة ملك وعقبال التخرج. زمت شفتيها كالطفلة وقالت: -بس كده؟ ضحك من تعابير وجهها الطفولية وقال: -هديتك أنا محضرهالك من أول ما كنتي بتمتحني. ملك: -أنا مش قصدي على الهدية. مصعب:
-طيب الأميرة ملك نفسها في إيه وأنا هنفذه ليها على طول. ابتسمت وتلألأت عيناها التي تشبه السماء الصافية ليخفق قلبه من تلك الصغيرة التي تسحره في عالم لا يعيش بداخله سواه، ظلت تتحدث وهو لا يسمعها فكأنه في وادٍ آخر. -مصعب.. مصعب. صاحت بها ملك. انتبه لها أخيرًا وقال: -معاكي. رمقته ملك بنظرات ماكرة وقالت: -طب أنا كنت بقول أي؟؟ ذقنه بحيرة من أمره وقال: -بصراحة مش عارف. أمسكت يده بعفوية وقالت:
-طيب تعالي معايا وأنا هقولك ف الطريق. لمسة يدها ليده أحس كأنه تملك العالم بأسره... وصل كلاهما لدي السيارة. -ممكن بقي تسيبني أسوق أنا المرة دي؟ قالتها ملك. تصنع التفكير ف الأمر وقال مازحًا: -وياتري هنلبس ف أي المرة دي؟؟ لكزته ف صدره وقالت: -يوه بقي أنت هتفضل تذلني... أنا مكنتش واخدة بالي وقتها إن ف كشك ف الطريق. ضحك وقال: -وهو الكشك كان ف الطريق برضو!!
ولا كان ع الرصيف.. وعمومًا أمري لله هجازف بعمري وهخليكي أنتي الي تسوقي. -بعد الشر عليك. قالتها ملك بطيبة ولم تقصد أن تشعل نار العشق التي تتأجج بداخل قلبه. دلف كلاهما بداخل السيارة... لتشعل المحرك وانطلقت. أمام معرض للموبيليا الحديثة... وقفت سيارة أجرة لترجل منها رحمة ووالدتها... ثم عديلة وابنها عادل الذي أنزل والدته وهي تستند ع يده. -يا مسهل يارب. قالتها عديلة وهي تترجل من السيارة. عادل: -ع مهلك يا ست الكل. عديلة:
-يخليك ليا يا ضنايا. قالتها ثم التفت إلي والدة رحمة وقالت: -أي رأيكو بقي أنا جبتكو عند أحسن معرض موبيليا عنده شوية أوض أحسن من العمولة بميت مرة... أي رأيك يا عروسة؟ تصنعت رحمة الابتسامة وقالت: -شكرًا يا طنط يسلم ذوقك. عديلة: -أي طنط دي!!! لاء يا حبيبتي من هنا ورايح تقوليلي يا ماما أنا هبقي زي مامتك. والدة رحمة: -يا حبيبتي أنتي الخير والبركة... هي بس لسه أول مرة ومتعودتش. زمت رحمة شفتيها بامتعاض وقالت:
-كلمة ماما دي متتقالش لأي حد غير للأم بس. وضعت عديلة يدها ف خصرها والأخرى أمسكت بأناملها ذقنها وقالت: -هو أنا أي حد يا رحمة!!!! ده أنا هبقي حماتك أم جوزك... وبعدين عيزاكي تتعودي عليها عشان لما تقعدي معايا لما عادل هيسافر. رحمة: -ليه هو أنا مش هسافر معاه زي ما اتفق مع أخويا!!! عادل: -معلش يا رحومتي هي ماما قصدها لما هكون هنا أنا وأنتي ف مصر. والدة رحمة: -عندك ولا عندها يا أم عادل الاتنين واحد. عديلة:
-أه طبعًا يا حبيبتي... دي رحمة هتبقي مرات الغالي وهشيلها جوة عنيا. قالتها ثم مشت أمامهم لتتغير ملامح وجهها بنظرات توعد وهي تتمتم بداخل عقلها: "بتتأمري عليا يا بنت المقشفة... أما وريتك". ولج الجميع إلي المعرض... وكان الرأي والأمر والاختيار يعود إلي عديلة التي تشير إلي أي شيء نجلها يوافق عليه وهو مغمض العينين ولا يستطيع أن يعترض... بينما رحمة تستشيط بداخلها من الغضب من سلبية عادل...
وبعد مرور أكثر من ساعتين أخيرًا قد انتهوا من شراء حجرة النوم والأطفال والصالون والسفرة. انتظرت رحمة ووالدتها خارجًا حينما تنتهي عديلة من الدفع.... -عجبك كده يا ماما عمايل الولية الي جوه دي. قالتها رحمة بحنق وهي تجز ع أسنانها. والدتها: -اهدي يا بنتي ووطي صوتك... وبعدين أنتي عايزة أي الست مش هتخلينا نشتري حاجة غير هدومك وشوية الحاجات الي كنت شيلهالك من زمان... احمدي ربنا مشيلوناش زي العرايس ما بتشيل. رحمة:
-يا ماما أنا من حقي زي أي عروسة أنقي حاجتي الي هتبقي ف شقتي... وبعدين مش شايفة ذوقها ده كفاية الصالون الي من أيام الملك فاروق... ولا النيش الي نملية ستي أشيك وأحلي منه. كادت تضحك ع حديث ابنتها لكن سيطرت ع ضحكاتها حتي لا تثير حنقها وقالت: -بصي يا رحمة يا بنتي هقولهالك نصيحة... الدنيا مبتديش كل حاجة للبني آدم لازم بيبقي ف حاجة ناقصة ومن ناحية تانية حاجة بتكمل الي ناقص ده.. ومتعلميش الخير فين...
ومتقلقيش من حماتك أنتي مش هتعيشي معاها يعني... كلها أول أسبوعين جواز وهتطيري مع جوزك ع الكويت. رحمة: -ما هو ده الي مصبرني عليها. لكزتها والدتها ف ذراعها وقالت: -اسكتي بقي دول جايين علينا. عديلة: -ألف مبروك يا عروسة. -الله يبارك فيكي يا طنط... قصدي يا ماما. قالتها رحمة. عديلة: -واد يا عادل روح خد خطيبتك وشربها عصير قصب ولا ساقع وإحنا مستنيين أنا وخالتك هنا. عادل: -حاضر يا ماما. قالها ثم مد يده إلي رحمة وقال:
-يلا يا حبيبتي. لم تمد يدها له وقالت: -أنا بعرف أعدي الطريق لوحدي. قالتها وذهبت لتعبر الطريق وهو خلفها يستشيط غضبًا ويتوعد لها بداخل عقله: "ماشي.. صبرك عليا يا رحمة". غادرت كارين المبنى الذي تقطن فيه متجهة نحو دراجتها النارية... ترتدي خوذة الأمان... صعدت فوق الدراجة وارتدت حقيبتها التي تلازمها عندما تذهب إلي عملها أو المعارض الفنية... وكالعادة يذهب خلفها اثنان من الحراس التابعين لقصي يستقل كلاهما سيارة سوداء...
وقبل أن تشغل المحرك قامت بإجراء مكالمة هاتفية وتتحدث من السماعة البلوتوث بداخل أذنها. كارين: -أيوه يا عمار عملت أي ف حوار اللوحة؟ عمار: -والله يا كارين ما لاقيها ف أي معرض... بس يمكن ف أمل تلاقيها عند واحد متخصص ف رسم البورتريهات وممكن تلاقي عنده البورتريه ده. كارين: -طيب متعرفش اسم الجاليري ده والاقيه فين؟ عمار: -أنا هدورلك عليه ع جوجل ماب وهبعتلك اللوكيشن أوك؟ كارين:
-ياريت والله يا عمار لأن خلاص المفروض فاضل ليا أسبوع وهاروح أقدم الرسالة ومعاها اللوحات ويعتبر خلصت كله ماعدا اللوحة الفقرية دي.... هاقفل بقي معاك وابعتلي بسرعة اللوكيشن وخليني أخلص بقي... سلام. أغلقت المكالمة لتزيد سرعتها حتي لاحظت ف مرآة الدراجة التي تقع ع يمينها السيارة التي تلازمها أينما ذهبت.... زفرت بحنق وقالت: -ماشي ابقوا وروني بقي هتمشوا ورايا إزاي.
قالتها لتزيد من السرعة أكثر وهي تتسلل من بين السيارات وازدحام السير حتي تطرقت إلي منعطف أدي بها إلي طريق لم يستطيعوا الوصول إليها. بداخل السيارة... الحارس بصوت أجش: -الو.. قصي باشا... أنسة كارين خدت بالها مننا واختفت ف الإشارة. صاح قصي بغضب قد اخترق أذن كلا الحارسين: -عشان مشغل شوية مساطيل... اسمع يا كلب منك ليه تدوروا عليها وتخلوا بالكو منها لو غابت عنكو لحظة مش هقولكو هاعمل فيكو أي. الحارس: -أمرك يا باشا.
هدأت من السرعة حتي توقفت أمام متجر لبيع الحلوى والسناكس... جاءت لها رسالة ع هاتفها... قامت بفتحها وقرأتها فابتسمت وقالت: -حلو أوي ده قريب مني. أوقفت دراجتها خلف سيارة في موقف انتظار أمام المتجر... خلعت الخوذة... دلفت بداخل المتجر المليء بالأرفف المعدنية التي تصطف بالتوازي... لمعت عيناها عندما وجدت مبتغاها وهو إحدى السناكس الشهيرة...
أمسكت سلة المشتريات ألقت بداخلها 3 أكياس وكذلك أخذت بعض عبوات الشيكولاتة التي تعشقها... توقفت لتسترق السمع عندما لفت انتباهها صوت ليس بغريب ع مسامعها. وفي الجهة الأخرى من الرف المعدني... يمسك بعبوات معدنية لمياه غازية ويتحدث إلي صديقه ف الهاتف.... -مين دي الي تضايق يونس البحيري... لا هي ولا ألف زيها. زياد: -بس متنكرش أن البت بجمالها وحلاوتها علقت ف دماغك يا صاحبي. يونس: -جمال مين...
دي لبسها زي الواد وفاكرة نفسها أرسطو ولسانها عايز مقص بتاع الشجر... أنا تقولي غبي والله لما اشوفها هخليها تعيط عشان أسامحها. زياد: -ده أنت لو عرفت هي أخت مين أنت الي هتعيط عشان تسامحك. يونس: -واحدة باللسان ده هتلاقي أخوها إبراهيم الأبيض ولا رفاعي الدسوقي بتاع مسلسل الأسطورة. قالها وقام بأخذ شيئًا من فوق الرف حتي ظهر له الجهة الأخرى ليري طيفها بعد أن اختبأت وهي تتوعد له بداخلها وهي تجز ع شفتها السفلى. وقع من يده بدون
قصد هاتفه فتأفف بغضب وقال: -أستغفر الله العظيم حتي سيرتها النحس لما جت قلبت بكوارث. -أنا نحس يا منبع الغباء أما وريتك مبقاش كارين. قالتها لتسرع إلي المحاسب حتي تدفع ثمن ما أخذته وهي تراقب ذلك الذي يقف بعيدًا مازال يقف مكانه. في قصر العزازي.... يجلس خلف مكتبه يزفر دخان سيجارته... يجلس أمامه كنان مساعده وصديقه والحارس الخاص له. -كنان أنا عايز الشغل يمشي زي الألف ف خلال اليومين الي هسافرهم. قالها قصي بحسم. كنان:
-طبعًا يا باشا كأنك موجود... والشحنة الي هتوصل بعد بكرة هبعتلك تقرير عنها صوت وصورة. قصي: -كده تمام أوي... وطبعًا مش هوصيك زود الحراسة ع المخازن دي بضاعة بالملايين ولو اتسرقت منها حاجة تطير فيها رقاب. كنان: -متقلقش سعادتك ف الحفظ والصون... بس ممكن سؤال لو مفيهاش رذالة مني. تنهد وأرجع ظهره إلي الخلف وهو يحرك المقعد يمينًا ويسارًا: -قول. كنان: -هي السفرية دي الهني مون؟؟ ولا صفقة جديدة مع سنيور أندرو؟؟
ولا هني مون مع صفقة؟؟ ارتسمت ع محياه ابتسامة ثقة وقال: -الاتنين مع بعض وحاجة تالتة هتعرفها بعدين. دق الباب... قصي بنبرة أمر: -ادخل. دلفت الخادمة وقالت: -قصي بيه صبا هانم رافضة الأكل تمامًا... الفطار لاقيت الصينية زي ما هي والغدا أميرة دخلته ليها صرخت ف وشها وطردتها برة. جز ع فكيه واحتدت عيناه بنظرة مخيفة.. ارتعبت الخادمة.... -روحي دلوقت وأنا طالع ليها. قالها بنبرة هادئة وتحمل مكنون من الغضب.
ركضت الخادمة مسرعة إلي المطبخ... نهض من مكانه وهو يفك رابطة العنق التي شعرته بالاختناق. كنان: -باشا... أرجوك اهدى وبلاش عنف. رمقه قصي بنظرة كفيلة بإسكاته وقال بصوت أجش: -أنا عارف بعمل أي. قالها وغادر الغرفة متجهًا نحو الدرج. كنان: -ربنا يستر وميتهورش عليها. وصل أمام الغرفة ليطرق الباب.... -أنا قولت مش عايزة أشوف وش حد... أنتو مبتفهموش. صاحت بها صبا من الداخل. فتح الباب بهدوء لينظر إليها ويضع يده ف جيبه والأخرى
يستند بها ع الباب وقال: -مبتاكليش ليه... ولا لازم أجيلك بنفسي عشان تاكلي؟؟ رمقته بخوف ورعب وهي تجذب الغطاء لتدثر به جسدها ع الرغم من ارتدائها منامة لم يظهر منها سوي قدميها وكفيها... بدأت تنتابها قشعريرة ليرتجف جسدها ولم تتفوه بكلمة... تقدم نحوها بخطوات... حمل الصينية التي فوقها أطباق الطعام ووضعها ع المنضدة ليحملها ويضعها أمام التخت. ثم أشار إليها نحو الطعام وقال بنبرة تهديد:
-الأكل ده لو متاكلش دلوقتي بمزاجك هتاكلي غصب عنك. تحولت ملامحها من الخوف إلي الغضب... تمالكت قواها لتستعيد رباطة جأشها... نهضت ووقفت بتلك الرماديتين التي تلتمع بالتحدي... ابتسم بجانب فمه ليعلم أنها عادت إلي طبيعتها المتمردة. -صبا... لو عيزاني متهورش عليكي... أو أعمل شئ هتندمي عليه... تعالي كلي عشان الطيارة زمانها ع وصول. قالها قصي بهدوء وتهديد. صبا: -مليش نفس. أشار لها بيده لتأتي إليه وقال: -تعالي وأنا هفتح نِفسك.
رمقته بتقزز وازدراء وقالت بنبرة متهكمة: -أنا من ساعة ما بقيت معاك ما بقتش بحس بطعم أي حاجة... بقيت عايشة مجرد حلاوة روح. مسح وجهه بكفيه ليزفر بينهما... نهض ليتجه نحوها... لن تتحرك لكن لاحظ انقباض قبضة يدها وهي تحاول أن تخفي ما تشعر به من خوف من اقترابه لها... وجدت لا مفر من أن تبتعد رجعت إلي الخلف حتي اصطدمت في الحائط بظهرها.... حاوطها بين ذراعيه مستندًا بهما ع الحائط... حدق ف عينيها بنظرة عميقة...
لتتفاجأ بانحناءه ليحملها من ركبتيها. -بتعمل إي نزلني... مش مكفيك الي عملتو فيا عايز تعمل أي تاني. قالتها وهي تضربه بقبضتيها ع ظهره. أنزلها ليجلس ع طرف التخت أمام منضدة الطعام ثم جذبها وأرغمها ع الجلوس ع فخذيه... محاصرًا خصرها بذراعه والأخرى يمسك بها ملعقة أرز وقام بوضعها أمام فمها. -أنت كل حاجة عندك غصب!! ... أنت مبتفهمش أنا مش جعانة... مش عايزة أكل.... صاحت بها صبا وهي تحاول أن تتخلص من قبضة ذراعه التي تحاوط خصرها.
قال بأمر: -افتحي بؤك. زاد إصرارها وعنادها وقالت: -إيه البرود اللي أنت فيه ده... أنت مبتزهقش!!! قالتها والتقطت أنفاسها، أرادت أن تثير حنقه حتى تتمكن بأن تفلت من قبضته وتبتعد عنه... لكن فاجأها بهدوئه وهو يترك الملعقة على الصينية... وبدون أن تتوقع ما سيفعله أمسك وجهها لينهال على شفتيها بقُبلة تملك... أخذت تدفعه في صدره لكنه أمسكها من مؤخرة رأسها، أنامله تتخلل خصلات شعرها...
شعر باختناقها فابتعد عنها وهو يرمقها بنظرات عشق ووله... كم تمنى أن تبادله بنفس المشاعر المكنونة بداخله إليها... كم تمنى أن يتذوق رحيق شفتيها بإرادتها وليس عنوة عنها... ظل شاردًا في عينيها وشفتيها التي أخذت تمسح كليهما بيدها وكأن شيئًا مقززًا قد لامس خاصتها... رمقته بعينيها التي تشتعل بنيران الغضب من فعلته وجدت لا مفر من التفوه بما يثير أغواره.. سبقها وقال: -لو مسمعتيش الكلام وأكلتي هكررها تاني وتالت.
ابتسمت بسخرية وقالت وهي تحدق في عينيه بكل قوة: -خليك تاخد كل حاجة غصب مني كده، لأنك عمرك ما هتطول مني أي حاجة برضايا... لأن اللي اتمنيت أعيش معاه كل لحظة حب، حتى اللي عملته معايا دلوقت، هو الوحيد اللي قلبي دق له ولا هيدق لغيره. قالتها لترى تلك الظلمة القاتمة التي تسيطر على لون عينيه، فأردفت حتى أشعلت فتيل غضبه: -هو آدم. *** غادرت المتجر...
واتسعت حدقتاها بغضب عندما شاهدت دراجتها التي تصطدم بها من الخلف تلك السيارة البيضاء بدون سقف ماركة "ميني رودستر" ذات مقاعد أمامية فقط... اقتربت من السيارة لتبحث عن أي شيء يدل على هوية مالكها حتى تنتقم منه لما فعله بدراجتها التي تطبق فيها معدن الإطار الخلفي. ذهبت إلى السائس وقالت: -لو سمحت عربية مين اللي هناك دي؟ قالتها وهي تشير نحو السيارة. السائس: -دي عربية الفنان. زفرت بحنق وقالت: -أنا بسألك عن اسمه مش بيشتغل إيه.
السائس: -دي بتاعت يونس بيه، هو زبون الماركت وبيجي هنا على طول. كارين: -أوك. ذهبت نحو السيارة وهي تفتح حقيبتها، وأخرجت أسطوانة معدنية وقامت بالضغط عليها ليخرج منها لون أسود، وقامت بكتابة تلك العبارة: "إياك تسوق تاني عربيات يا غبي... مع تحيات: كارين". انتهت لتصعد فوق دراجتها وانطلقت مسرعة في اتجاه المعرض.
خرج الآخر من المتجر حتى اتسعت عينيه بالغضب من المدوّن على سيارته، ليشتد حنقه أكثر عندما وقعت عيناه على توقيعها، ليدرك أن ما رآه بالداخل لم يكن وهمًا بل هي. وصلت أمام المعرض لم تجد مكان تصطف فيه دراجتها فقامت بوضعها بعيدًا... -سلام عليكم... هو ده جاليري دافنشي؟ قالتها كارين إلى عم عليش الناعس. عليش بصوت ناعس: -أيوة يا بنتي، معلش مشغلتش الإضاءة بتاعت اليافطة... اتفضلي... والفنان زمانه على وصول.
دلفت إلى الداخل ولم تعر للجملة الأخيرة اهتمامًا... بل ظلت تبحث عن تلك اللوحة... لكن ما لفت انتباهها تلك البورتريهات الرائعة لشخصيات شهيرة من العصور القديمة والعصور الحديثة. ظلت تسير في رواق متسع على جانبيه لوحات... تسمرت بمكانها ليرتسم الامتعاض على ملامح وجهها عندما رأت بورتريه لذلك الغبي كما لقبته هي... -وكمان مخليهم يرسمولك صورة ويعرضوهالك في الجاليري... بس محتاجة شوية تعديل.
قالتها والتفتت يمينًا ويسارًا حتى تراقب الطريق، وأخرجت قلم ألوان ذو سن سميك، وأخذت ترسم له أذني حمار... وشارب مضحك، وكتبت على جبهته "غبي". -نسيتي تكتبي مع تحيات كارين. قالها يونس الذي وصل للتو بدون أن تشعر به. *** تركها بعنف وكادت أن تسقط على الأرض، لكنها تمكنت من الاستناد على المنضدة وابتعدت مسرعة قبل أن ينهض كالوحش الثائر يركل كل ما يقابله ويقلبه رأسًا على عقب...
صدح صوت مرتفع يأتي من الخارج، وهو صوت المروحية وهي تهبط على تلك الأرض الفضاء الموجودة خلف القصر... توقف ليلتفت إليها بنظرات ارتجفت خوفًا منها. دق الباب ليأتي صوت كنان من الخارج: -قصي باشا... الطيارة وصلت. -خد الشنطة واللاب والحاجات اللي في المكتب وخلي حد يوصلها عقبال ما أنزل. قالها قصي آمرًا ونظراته الحادة المرعبة لم تفارق عينيها. -انزلي. قالها آمرًا إياها. بادلته بنظرة اندهاش وقالت: -ثواني هغير البجامة وهلبس حـ...
لم تكمل ليقاطعها بنبرة أرعبتها أكثر عندما صاح في وجهها: -انزلي يا صبا. -مش هنزل بالمنظر ده أنت اتجننت ولا إيه!!! صاحت بها، وفي لمح البصر وجدته يجذبها من يدها بقبضته ويسحبها خلفه وهو يفتح باب الغرفة، وهبط الدرج وهي تصيح وتصرخ ليترك يدها، وكل ذلك أمام مرأى ومسمع العاملين بالقصر. غادر القصر ليترك يدها ثم قام بحملها على كتفه... وهي تركل ساقيها في الهواء...
توجه إلى خلف القصر وهو ما زال يحملها وتصرخ حتى وصل أمام باب الصعود للطائرة... صعد الدرج ولم يبالِ لصرخاتها حتى دلف بالداخل تحت نظرات قائد المروحية الذي تعجب مما يراه. كان كل شيء في الداخل يصرخ بالفخامة والرقي، وكأنها قصر سيحلق في السماء وليست طائرة... ألقاها على ذلك المقعد الجلدي وانحنى بجذعه وهو يرمقها بزيتونيتيه اللتين تحول البياض الذي يحاوطهما إلى الاحمرار من الغضب...
جذب حزام الأمان وقام بربطه في الجهة الأخرى وأحكمه جيدًا. جلس على المقعد المقابل لها وبينهما تلك المنضدة التي يعلوها حاسوبه المحمول وحقيبة جلدية... بدأت الطائرة في الإقلاع... وهو يجلس بكل ثبات أمام شاشة الحاسوب يتابع أعماله... أمسك بالحقيبة وقام بفتح السحاب ليخرج منها ملفات ورقية ونظر بتمعن، وهي تزفر بحنق ولم ترد أن تتحدث لتتحاشى ردود أفعاله غير المتوقعة. *** وبعد مرور ساعة...
ما زال منهمكًا حتى انتهى ليرجع إلى الخلف وظهر مسند المقعد يرجع إلى الوراء... أغمض عينيه ويسند ساعديه على مساند المقعد الجانبية. -ممكن أقوم؟ قالتها صبا وهي تزفر بسأم. أجابها وعيناه مغلقتان: -رايحة فين؟ أجابته بنبرة سخرية من سؤاله: -رايحة أهرب تيجي معايا... هكون رايحه فين يعني!!! تفهم مقصد توجهها فقال: -التويليت هتلاقيه آخر الطرقة على إيدك اليمين، وبعدها هتلاقي أوضة فيها شنطة هدوم ليكي وكل حاجة أنتي عايزاها.
اتسعت عيناها متعجبة كيف علم ما تريد بدون أن تتفوه به... ألقت عليه نظرة ازدراء وهمت بالذهاب حتى وصلت أمام ذلك المرحاض الفاخر... توقفت أمام المرآة وهي تتفحص ملامحها التي انطفأت وعينيها والإرهاق الذي يحاوطها... عقصت خصلات شعرها لأعلى... أخذت تشم رائحته حتى أمسكت منامتها لترى رائحة عطره ودخان سيجارته متعلقان بها.. انكمشت ملامحها بتقزز وقامت بخلع تلك المنامة ودلفت إلى كابينة الاستحمام الزجاجية...
انتهت وخرجت من المرحاض مرتدية المعطف القطني وفوق رأسها منشفة قطنية... ذهبت إلى الغرفة ودلفت بالداخل وهي تخلع المنشفة من فوق رأسها لتتدلى خصلات شعرها المبتلة، جذبت الحقيبة ثم وضعتها بأعلى التخت وقامت بفتح السحاب... أفرغتها من الثياب لتجد جميعها ثيابًا بألوان داكنة ذات أكمام طويلة... التقطت ثوبًا أخضر قاتمًا... أوصدت الباب قبل أن تشرع في خلع المعطف حتى ترتدي ثيابها الخاصة ثم الثوب...
قامت بفك حزام المعطف الذي يحاوط خصرها وكادت تخلعه ليستوقفها فتح باب بداخل الغرفة لم تلاحظه عندما دلفت... خرج منه وهو يلتف حول خصره منشفة قطنية. شهقت بخجل لتعقد الحزام على الفور وهي تضم تلابيب المعطف وقالت بتوتر وخجل: -مش تقول إنك هنا... وبعدين لما فيه تويليت في الأوضة خلتني أروح للتاني ليه؟؟ لم يجب عليها واكتفى بفتح سحاب حقيبته وأخرج له قطعًا من الثياب... وضع يده على المنشفة وكاد يخلعها. -استني عندك أنت بتعمل إيه!!!
صاحت بها صبا وهي تضع يدها على عينيها. أجابها ببرود: -هكون بعمل إيه، بخلع البشكير عشان ألبس. صبا: -مش تقول قبلها؟؟ قصي: -محدش قالك تقفي عندك لو بتتكسفي كده. توجهت نحو الباب وقامت بفتحه وغادرت وتمتمت بحنق: -أوووف يخربيت برودك. *** ظلت تنتظره حتى خرج من الغرفة مرتديًا سترة أنيقة (بليزر) باللون الأزرق القاتم وأسفلها قميص باللون السكري وبالأسفل بنطال بلون القميص... تفوح منه رائحة عطره القوية...
أشاحت وجهها حتى لا تلتقي عيناها بعينيه، فأسرعت بالولوج إلى الداخل وأوصدت الباب من الداخل... انتهت من ارتداء الثوب وتصفيف خصلات شعرها التي تركت لها العنان لتنسدل على كتفيها... تضايقت كثيرًا من بشرتها التي تبدو شاحبة... تذكرت أنها لاحظت مساحيق تجميل بالحقيبة، فأخذت قلم الحمرة الوردية وقلم الكحل وعبوة الماسكرا وعلبة حمرة الوجنتين... وبدأت تضيف لوجهها بعض اللمسات الخفيفة لتخفي ذلك الشحوب الذي يزعجها...
ارتدت حذاءها البني اللامع بدلًا من ذلك الشحاط ذي الفراء... انتبهت لتلك الموسيقى الآتية من الخارج... خرجت على الفور وهي تتجه نحو مصدر الصوت لتجد ذلك الجالس على الأريكة الجلدية وبيده كأس من النبيذ المعتق، وبيده الأخرى سيجارته التي لم تفارقه... ارتشف من كأسه حتى رفع عينيه ليلاحظ تلك الحمرة التي تلمع على شفتيها... ارتسمت ابتسامة على ثغره ولم تلمس عينيه... عقدت حاجبيها بضيق وقالت: -أنت بتضحك على إيه؟؟
شايف أراجوز واقف قدامك؟؟؟ نهض ليترك الكأس والسيجارة فوق الطاولة... واقترب منها ليمسك بيدها، والأخرى وضعها على جانب خصرها وقال هامسًا بجانب أذنها: -بالعكس، أنا شايف قدامي أجمل بنت شافتها عينيا. قالها ليطلق تنهيدة بأنفاسه التي لامست بشرة عنقها ووجنتها... شعرت بالتوتر وأرادت أن تبتعد ليشد من قبضتيه حتى لا تفلت منه... حدقت في عينيه حتى أدركت أنه بدأ يثمل. -ليه كل ما بقرب منك بتبعدي!!! ...
ليه مش عايزة تحسي بقلبي اللي بيعشق كل حاجة فيكي!!! ... تعرفي نفسي تاخديني في حضنك وأفضل نايم جواه... عارفة ليه؟؟ قالها وينظر في عينيها بعشق لا يدرك مشاعره التي يتفوه بها، فأردف: -عشان بحبك. قالها وهو يُقبل جبهتها... فأردف: -وبعشقك. ثم طبع قُبلة على وجنتها... فأردف: -وبموت فيكي. قالها وكادت تبتعد خشية أن يلتقم شفتيها، ففاجأها بعناق قوي وقال: -إشمعنا هو يا صبا؟؟ ... يفرق إيه عني؟؟ ... ها؟ جاوبيني.
قالها ليبتعد برأسه ويقترب بشفتيه من وجنتها وقال: -ساكتة ليه؟؟ ها؟؟ قالها بنبرة مليئة بالحب والشجن والهيام النابع من كل حرف يتفوه به. نظرت إلى عينيه لتتجمع عبراتها وتطبق شفتيها حتى تمنع عبراتها من الانسدال... وضع يده على وجنتها ويتلمسها بحب وشغف وقال: -ساكتة ليه؟؟ ... ريحي قلبي اللي بيموت كل يوم وهو شايف صورته جوه عينيكي... أنا... أنا بعشقك أوي يا صبا.
قالها ليحاوط وجهها بكفيه وانهال على شفتيها ليروي ذلك الظمأ وجفاف قلبه الذي يتمنى أن تهطل أمطار حبها فوقه وتبعث بداخله الحياة من جديد بدلًا من السواد المسيطر بالانتقام. دفعته بقوة في صدره... -عشان بحبه ومش قادرة أنساه. صاحت بها صبا وهي ترمقه بغضب، لم تدرك بجملتها تلك أنها أيقظت بداخله شياطين الشر التي تملكت منه للتو وقد يحدث ما لا يحمد عقباه. تحولت نظرات العشق خاصته إلى نظرات تتخللها ابتسامة تلتمع من بينها أسنانه...
ابتعدت بخوف واتجهت وهي تركض نحو الرواق... وهو يخلع سترته وألقاها أرضًا يسرع خلفها بخطواته التي تسبق دقات عقرب الثواني... دلفت إلى الحجرة وتتعالى دقات قلبها من الخوف وترتعد أوصالها من الرعب... كادت توصد الباب لتسبقها قدمه التي وضعها حاجزًا تمنع إغلاق الباب الذي دفعه بقوة لترتمي على الأرض. -بتحبيه؟؟؟ ومش قادرة تنسيه؟؟؟ ... أنا هخليكي تنسيه يا صبا... هخليكي تنسيه خااااااااااالص.
صاح بها قصي وهو يجذبها من خصلات شعرها وهي تصرخ. -آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه فوق يا قصي أنت سكران. صرخت بها صبا وهي تحاول أن تفلت منه وتحرر شعرها من قبضته. -أنا فايق... وفايق أوي كمان لكل كلمة قولتيها... -بس عايزك تفتكري كويس أنا ياما حذرتك... صاح بها قصي. -أرجوك بلاش يا قصي... أنا آسفة... مش هجيب سيرته تاني خالص... قالتها بنبرة توسل وهي تبكي.
جذبها أكثر لأعلى ليلقي بها على ذلك التخت الذي تتسلط عليه أضواء من السقف، التقط ذلك المعطف الذي كانت ترتديه وقام بسحب الحبل الذي يتوسطه، اعتلاها وأمسك بيديها وقام بضمهما معًا خلف ظهرها. -أنا آسفة يا قصي... حقك عليا... مش هجيب سيرته تاني. تلك الكلمات التي ظلت تكررها وتصرخ بها وهو لم يبالِ لها، تغيب عقله تحت تأثير الخمر، انتهى من تقييد يديها، وأمسك رأسها من الخلف ليقربها من وجهه وهو يحدق في عينيها وقال:
-عايزك قبل ما تنطقي اسمه تفتكري اللحظة دي كويس. ألقاها ليمد يديه إلى تلابيب ثوبها وقام بنزعه وتمزيقه...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!