الفصل 24 | من 41 فصل

رواية سراج الثريا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
40
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

زجرها بنظرة رعب متوعدًا بالشرر، ثم قهقه بضحكته الغليظة والمُخيفة. هلع قلبها وهي تسمع حديثه الشامت بنبرة جافة: "فكرتي إنك هربتي مني لما رجعتي من الموت أنا جاثم إهنه على جلبك وساكن عقلك أنا بينك وبين روحك هتفضل متعذبه لحد ما نتلاجي تاني... والوجت مش بعيد يا ثريا." اهتز جسدها وهي تشعر بيده فوق موضع قلبها، لكن لأول مرة تمتلك الشجاعة رغم رجفة قلبها. تحدته بشرر واستبياع:

"أنا مش خايفه منك يا غيث مش هتقدر تأذيني تاني، ثريا الضعيفه إنت جتلتها جوايا."

ضحكات شريرة وغليظة يطلقها وهو يقترب منها. عيناه تخترق جلد جسدها، تلمع عيناه مثل الثعلب المُتربص بدجاجة. فجأة قبض بيديه حول عنقها يضغط بقوة. تشعر باختناق من قبضة يده حول عنقها، ويديه تشتد قبضتها. تشعر بانسحاب الهواء من صدرها، تكاد تلفظ أنفاسها وهي تنظر إلى عينيه، لا تطلب استغاثة. كذالك يديها كأنهن تصنمن ولم تستطيع رفعهن. قد تستطيع إزاحة يديه عن عنقها، لكن هو يستلذ وهو يراها هكذا تلفظ أنفاسها بانقطاع.

لكن فجأة صدح صوت آمر يقترب هرولة حتى وقف أمام غيث. وبقبضة يديه وضع يديه حول عنق غيث يقبض عليها بقوة أكبر من قوته، يقول بغضب عارم: "قبل روح ثريا ما تفارق جسمها هتكون سابقها لجهنم يا غيث." بنظرة غلول وابتسامة استهزاء تهكم بإستفزاز: "سراج واد عمي."

لم يهتم سراج بلهجته الساخرة المستفزة وهو يشعر بانقطاع أنفاسه. كذالك ضعفت يداه حول عنق ثريا، حتى أنها تخلصت من يديه وعادت للخلف تسعل بشدة. بينما غيث وضع يديه على يدي سراج يحاول تخليص نفسه. كادت يدي سراج تزهق روحه ويلفظ النفس الأخير. لم يستطع إزاحة قبضة سراج، لكن سراج نظر نحو ثريا التي تشهق. فك قبضة يديه من حول عنق غيث ودفعه بقوة بعيدًا، وتوجه ناحية ثريا بلهفة.

نظرت له لوهلة كأنها تستغيث به وهي تنظر إلى غيث الذي كاد يسقط أرضًا من قوة دفع سراج له. لكن فجأة اختفى وظل مكانه ضباب كثيف يشبه هالة الدخان. ذُهل عقل ثريا وهي تنظر نحو سراج الذي يقترب منه ذاك الضباب الذي فجأة خرج منه عينين غيث الدخانية ويدين تكاد تقترب تقبض على عنقه. وهي تحاول تحذيره لكن صوتها يخرج بلا صدى. لكن تلك العينان تحدقان بها وتقتربان منها، عينين مخيفه تشعان دخانًا وبداخلهما ينصهر فيضان هادر بل غادر.

فتحت عينيها فجأة حين وصل إلى أذنيها رنين هاتفها. هلعت واعتدلت جالسة لحظات غائبة عن الوجود تنظر حولها كأن عقلها يستكشف المكان حولها. لم يفسر عقلها المكان للحظات. شعرت كأنها بالشقة التي تزوجت غيث بها. رائحة عطره تسيطر على حاسة الشم لديها. تشعر بغثيان منها. جسدها كأنه التصق في الأريكة التي تجلس عليها.

لحظات طويلة تسحب من داخلها الدماء. تجف أوردتها وحلقها مثل الأرض التي جفت وأصبحت قاحلة. لحظات كفيلة بنزع روحها بقسوة. فاقت من ذاك التوهان العقلي على عودة رنين الهاتف. انفزعت مرة أخرى وعادت تستوعب بعض أن نفضت بصعوبة ذاك الشعور. ازدردت ريقها الجاف. جذبت الهاتف من فوق تلك المنضدة. نهضت تشعر بانسحاب خلايا جسدها كأنها هلام. لا تعلم كيف تسير إلى أن وصلت إلى المطبخ. قامت بملء كوب ماء وتجرعت منه كمية كبيرة حتى شعرت ببعض الارتواء. جلست على أحد المقاعد بالمطبخ تلتقط أنفاسها بهدوء رويدًا رويدًا.

انتبهت على رنين الهاتف. حاولت بث الشجاعة بنفسها وقامت بالرد لتسمع حديث سعدية باستهجان: "إيه كل الرن ده ومش سامعه صوت الموبايل... توقفت للحظة ثم عاودت الحديث بخباثة وإيحاء مرحة: "هو سراج رجع يتغدى في الدار وقال يتغدى في الشقة، ولا لاه إنتِ لساكِ في فترة نقاهة." فهمت ثريا حديث سعدية وتفوقت بحنق: "لاه سراج مش هنا في قنا كليات. سمعت إنه راح مع خطيبته السابقة الأقصر، أكيد عشان يفسحها." زفرت سعدية نفسها بلوم قائلة:

"ما عشان إنتِ خايبة يا بنت أختي الهبلة، مش عارفة تحوطي على جوزك، وعاوزه بس تبهدلي نفسك في الغيط والمحكمة... أنا لو مكانك كنت استغليت إني عيانة واتسهوكت على الراجل قعدته جنبي، مش أضربها طناش." تهكمت ثريا بنزق: "اتسهوك عليه، ضحكتيني يا خالتي، سيبك من سراج قولولي متصلة عليا دلوك ليه." زفرت سعدية باستهزاء:

"خليكِ خايبة زي أمك، كنت متصلة أقولك في ست جارتي بنتها أهل جوزها طردوها هي وجوزها من الدار، ومش عارفة تعمل إيه مش هيقدر يأجر لها شقة، يا دوب رزقه مكفيه معيشة هو وهي وولادهم، جوزها سأل إن ممكن لو اشتكى في المحكمة ياخد منهم الشقة تاني، بس مش حمل مصاريف محكمة." فكرت ثريا قائلة: "وموسطش ناس يحاولوا مع أبوه ليه يمكن يرضى يرجعه بالتراضي." تهكمت سعدية قائلة: "تراضي إيه، ده هيجوزوا أخوه في الشقة." تهكمت ثريا:

"عشان يجوزوا واحد يطردوا التاني بمراته وعياله، عالعموم الشقة من حق الزوجة الحاضنة هي وأولادها وسهل تاخد من حماها الشقة لو اشتكت بمسكن حضانة لولادها، بس للأسف في ثغرة في القانون ده، وهي إن ممكن والد جوزها يقدم أنه كان ساكن معاهم في الشقة. القانون هيحكم له بأوضة، بس عالأقل هتلاقي مسكن لها ولولادها وجوزها اللي واضح مغلوب على أمره من الناحيتين، ناحية مراته وأبوه اللي معندوش مروة، خليها تفوت عليا بعد المغرب في المكتب."

تنهدت سعدية قائلة: "بلاش تاخدي منها أتعاب يا ثريا جوزها على قد حاله كفاية مصاريف القضية اللي هيرفعها على أبوه الجاحد." ابتسمت ثريا قائلة: "هو أنا فاتحة المكتب ده سبيل لجيرانك وأصحابك، مفيش مرة يجيلي من وراكِ قضية كده متريشة." ضحكت سعدية قائلة: "الحق عليا بشغلك." تبسمت ثريا قائلة: "صح كتر خيرك...

بس خفي عليا شوية نفسي في زبون ولا اتنين يدفعوا فلوس مش كله لاقف كده، سيبك من جيرانك وأصحابك الفقرا دول، صاحبي ناس غنية زي خالي ومراته كده." تنهدت سعدية بآسف:

"خالك ده مش هيدخل الجنة بسبب أنه واكل حق الولايا، بس ربك يمهل ولا يهمل، عرفت إن الموكوس ابنه دخل في مشروع تربية فراخ والفره صابته كم مرة ورا بعض كسرته في مبلغ محترم وماضي على نفسه شيكات وهيبيع من الأرض عشان يسد له ديونه، يلا يا بتِ ربنا يغنينا بالحلال ويعفنا عن الحرام."

أغلقت الهاتف مع سعدية وضعته على طاولة المطبخ أمامها وجلست ترتشف بعض قطرات المياه. عاد لها جزء من ذاك الحلم، وتمركز عقلها على نظرة عين غيث لها، تلك العينان الثعلبية. فجأة تذكرت شئ قد تنساه عقلها. يوم أن أصيبت بالرصاص بذاك العرس. رأت تلك العينان تحدق من ثم شعرت باختراق الرصاص لجسدها. في لحظة وصول سراج لمكانها، تلاقت عينيها مع عينيه. مهما غابت ملامحه عن عقلها لكن عيناه محفورة بعقلها، أكثر عينان كرهت نظراتهم لها.

هلع قلبها لوهلة. انكمش جسدها وشعرت ببرودة بتلقائية. ربعت يديها حول صدرها تستمد دفئ. لكن فاقت على صوت تكسير. انتبهت له كان كوب المياه الذي سقط بعد أن اصطدم بيدها ووقع من فوق الطاولة. نفضت ذاك الإحساس بالضعف ونهرت عقلها: "واضح إن المسكنات اللي كنتِ بتاخديها يا ثريا أثرت على عقلك. هو في ميت بيصحى تاني." على الطريق نظر سراج نحو تالين التي أخفض جسدها بأسفل السيارة وهي تئن بسبب اختراق بعض الرصاص لجسدها، قائلاً بعصبية:

"قولتلك ممنوع تطلعي من الدواسة." امتثلت تالين تئن بألم. بينما فكر سراج سريعًا: "لابد من اللجوء لخطة بديلة."

بالفعل سريعًا أوقف تشغيل السيارة للتوقف فجأة تنتفض للحظات. يتلاعب بالوقت. لابد أن وقوف سيارته بهذا الوقت سيربك السيارة الأخرى بسبب سرعة سيرها. اكتسب دقائق من برجلة هؤلاء المجرمون بسبب توقف سير سيارة سراج فابتعد عن مرمى رصاصهم بمسافة. اضطروا لوقف الإطلاق للحظات وهم يعودون بالسيارة للخلف للاقتراب من سيارة سراج مرة أخرى. كان سراج في تلك اللحظات ترجل من السيارة واتخذ من باب السيارة درعًا له. ولحظة وأخرى كان قبل أن تقترب السيارة منه مرة أخرى. قام بالتصويب على أضعف شيء بالسيارة والوحيد القادر على ردع تقدم السيارة.

ركز بالتصويب نحو إطارات السيارة الخلفية وأطلق عليه الرصاص حتى سمع دوي صوت انفجار الإطارات. توقف عن الإطلاق وهو يرى تلك السيارة وهي تتأرجح على الطريق. بعد أن فقد السائق السيطرة عليها وهي تسير بتموجات غير محسوبة. مما سبب للمجرمين بلحظات ارتباك وهم يتأرجحون ويتخبطون.

توقف إطلاق الرصاص، مع وصول فرقة دعم من الشرطة تقترب من سيارة المجرمين الذين بدأوا يقفزون من السيارة في محاولة هرب من الشرطة. كأنهم لا يدركون أنهم على طريق سريع. وبوقت انشغال الطريق منهم من اندس تحت إطارات سيارات أخرى. ومنهم من استطاع تفادي الدهس لكن لسرعة السيارة وتأرجحها كانت إصاباته بالغة. كذالك سائق السيارة الذي كان أول من قفز ليصطدم جسده بدوشمة حجرية على جانب الطريق. لتنتهي محاولة اغتيال فاشلة.

بعد قليل بأحد المشافي فتح ذاك الوسيط باب إحدى الغرفة يتنهد براحة قائلاً: "حمد لله على السلامة يا أفندم." ابتسم سراج له قائلاً: "أخيرًا وصلت يا سيادة المقدم. وصلت متأخر." تبسم له قائلاً: "طمني على إصابة سيادتك." نظر سراج إلى عضد يده اليسرى قائلاً: "إصابة خفيفة. رصاصة في عضد إيدي الشمال، والرصاصة مخترقتش العضم، يعتبر جرح سطحي." ابتسم الوسيط قائلاً: "طبعًا النسر الأشول يقدر يصطاد التعابين مهما كان سمهم قوي...

بس نفسي أعرف سبب لمحاولة اغتيال سيادتك، رغم إن معروف إن سيادتك سبت الخدمة في الجيش. إيه الهدف من العملية الإرهابية دي في الوقت ده بالذات." ابتسم سراج وهو ينهض من فوق تلك الأريكة قائلاً: "انت قلتها الوقت ده بالذات... معروف غرضهم إيه." لم يفهم الوسيط وتساءل: "مش فاهم يا أفندم." وضع سراج يده اليمنى على كتف الوسيط قائلاً: "التمويه." فهم الوسيط قائلاً: "قصدك... قاطعه سراج بتأكيد:

"أيوه تمويه. بس أوعي تكون غفلت عن تتبع عملية نقل الآثار." نفي الوسيط ذلك قائلاً: "لاء يا أفندم إطمن الوضع تحت السيطرة وعرفت فين اتشوّنت الآثار وزي ما حضرتك أمرت أسهل لهم الطريق... طبعًا مقبضناش عليهم عشان نعرف نوصل للراس الكبيرة اللي بتدير عمليات سرقة الآثار، وتجارة المخدرات هنا...

حتى الراجل بتاعنا نفسه لغاية دلوقتي ميعرفش مين الكبير، بياخد الأوامر من واحد من رجاله، رغم إني متأكد أن الشخص ده مش هو زعيمهم، ده الراجل التاني، الإيد اللي بتنفذ وبتدي الأوامر لبقية الرجالة." أومأ له سراج قائلاً: "عشان كده لازم نراوغ ونظهر أن عملية التهريب تمت بنجاح كمان عشان حماية الراجل بتاعنا اللي عندهم." اومأ له متفهمًا. تنهد سراج قائلاً: "دلوقتي مش لازم الإعلام يعرف حاجة عن الحادثة اللي حصلت."

تنهد الوسيط بآسف قائلاً:

"للأسف يا أفندم إنت عارف الإعلام بس يشم خبر ويبقى صراع السبق بين القنوات الفضائية والمواقع الالكترونية، بس طبعًا طلع تصريح من الداخلية بأن الحادث كان بسيط وتقريبًا مفيش خسائر في أرواح الأبرياء وإن تم التعامل مع العملية بشكل سريع، وطبعًا يا أفندم ده بسبب ذكاء سيادتك، فعلًا، تقريبًا مفيش أرواح بشرية اتأذت غير المجرمين، تقريبًا تلفيات في بعض العربيات وإصابات خفيفة، واضح أنهم كانوا مركزين معاك حضرتك، ميعرفوش إنهم بيتعاملوا مع 'النسر الأشول'."

ابتسم سراج قائلاً: "تمام... متأكد إن هيبقى في تبعيات للي حصل ده، سواء في القيادة العامة للجيش وكمان للمجرمين اللي فكروا أن خلاص كده وصلوا لهدفهم بنقل بضاعتهم بسهولة. أنا لازم أرجع أسيوط الليلة طالما الإعلام ذاع الخبر أكيد هيبقى في قلق... قبل أن يكمل حديثه، كان هاتفه يصدح. أخرجه من جيبه ونظر له ثم للوسيط وتنهد قائلاً: "زي ما توقعت الخبر وصل لسيادة اللواء والد تالين. هرد عليه أطمنه."

حدثه سراج بهدوء وأخبره بإصابة تالين بطلقة في أحد كتفيها وبأن الإصابة ليست خطيرة. أغلق سراج الهاتف ونظر للوسيط قائلاً: "هروح أطمن على تالين، عرفت إن إصابتها هي كمان مش خطيرة وباباها سيادة اللواء بيقوب هيجي على طيارة خاصة مش هياخد وقت لحد ما يوصل لهنا، لازم قبل المسا أكون في أسيوط." بـ دار العوامري

كان ما حدث لها وفقدانها لأهم ما تمتلكه المرأة وهو "رحمها" كأنه جعلها تفقد الرحمة بقلبها. هي أول من رأت على الهاتف خبر تعرض سيارة سراج لحادث إرهابي. شعور بداخلها كأنه شخص لا تعرفه. تبسمت ولمعت عينيها تقول بهمس مسموع: "واضح إنها فعلًا قدم النحس على الراجل اللي بتتجوزه يموت." سمعت ذلك كل من ولاء ووالدتها الجالستين معها. تساءلت ولاء بفضول: "تقصدي مين بحديثك ده." رفعت عينيها ونظرت لفضولهن وأجابتهن بنبرة شماتة:

"هو في غيرها 'ثريا'." "شوفوا في خبر على الموبايل وبيقول إن في عملية إرهابية وكان مقصود بها ظابط سابق في الجيش وقالوا اسم سراج العوامري." انتفضت ولاء ونهضت واقفة تقول باستفسار: "وسراج جراله إيه؟ أجابتها إيناس ببرود: "معرفش إنتِ خابرة الحكومة مش بتقول الحقيقة والأخبار أوقات بتهول الموضوع." نظرت ولاء لبرودها وقالت: "هطلع أغير هدومي وأروح دار عمران بالتوكيد زمان عنده خبر عن سراج." تهكمت إيناس وظلت جالسة هي ووالدتها التي

لا تقل عنها شماتة قائلة: "ذنب غيث هيخلص من سراج... مش اتجوز أرملة ولدي أنا دعيت عليه ميشوفش الهنا معاها... زي ولدي." لمعت عين إيناس بنظرة شامته وابتسامة تشفي. بـالمدينه أسفل تلك البناية الذي يقطن بها والد قسمت. ترجل إسماعيل وذهب للناحية الأخرى يساعد رحيمة على النزول من السيارة. تبسمت له بحنان وهي تعطيه يدها. رفع نظره لأعلى تبسم حين وجد قسمت تقف في شرفة شقتهم. أشار لها. تبسمت له، وهي تضع يدها فوق قلبها. لاحظتهم

رحيمة وتبسمت قائلة: "إطمن يا واد إن شاء الله هتبقى من نصيبك، وهى اللي هتربطلك عقلك السارح." آمن على قولها قائلاً: "يسمع منك يا خالتي أنا معتمد عليكِ مع الراجل الديكتاتور ده، بيقول عليا برجوازي." لم تفهم رحيمة كذلك لم تعرف نطق الكلمة وسألته: "بر.." "برجوازي... برجوازي يعني إيه يا إسماعيل." أجابها: "دي شتيمة يا خالتي معرفش معناها، نبقى نسأل آدم عليها هو المثقف اللي فينا." أومأت له قائلة:

"تمام لما نخلص هنا تاخدني دار العوامري. الواد سراج جلبي متاخد من ناحيته من الصبح." تهكم لها قائلاً: "متقلقيش يا خالتي عليه ده نسر بيصطاد تعابين. خلينا مع الراجل الديكتاتور يارب بس أتجوز قسمت هكربه في راسه بأعلى فولت يمكن عقله يوزن." بعد قليل فتحت قسمت باب الشقة ورحبت بـ رحيمة التي تبسمت لها قائلة: "إنتِ قسمت." أجابتها بهمس:

"أيوه يا طنط. حضرتك نورتي. إسماعيل حكالي عنك وقال إنك الوحيدة اللي هتقدر تقنعي بابا يقبل بجوازنا." تبسمت لها رحيمة بحنان قائلة: "حلوة كلمة طنط منك، وإنتِ كمان حلوة يحق للواد إسماعيل يتمسك بيكِ، إطمني أنا الحمد لله ربنا بيلين القاسية في إيديا." تبسمت قسمت باطمئنان. بينما أتى والد قسمت سائلاً: "مين اللي كان بيرن جرس الشقة يا قسمت." انزاحت قسمت من أمام رحيمة التي تقدمت للداخل قائلة بمودة:

"أنا رحيمة، في أمانة عندك بتاعتي وجاية أخدها." نظر لها باستغراب قائلاً: "أمانة إيه يا حاجة." تبسمت له قائلة: "يسمعها منك وننجح سوا إن شاء الله، مش تقولي اتفضلي الأول وتضايفني بكوباية ميه." شعر معها بالراحة والسكينة فقال بود: "آمين، اتفضلي يا حاجة... هاتي عصير يا قسمت في الصالون." شعرت قسمت براحة من استقبال والدها لـ رحيمة.

بعد قليل جلست رحيمة تنظر لـ والدة قسمت التي جاءت بفضول تتعرف على تلك السيدة التي أخبرتها عنها قسمت. لاحظت هدوء في الحديث بينها وبين زوجها لاول مرة يكون هكذا مع شخص غريب يتعامل معه لأول مرة، لكن رجحت ذلك ربما لبشاشة ورقي حديث تلك السيدة. نظرت رحيمة نحو قسمت التي أعطاتها كوب العصير وتبسمت لـ والدها قائلة: "بص بقي أنا الزمن علمني أدخل البيوت من أبوابها، أنت عندك أمانة وأنا جايه النهارده عشان آخدها لصاحب نصيبها."

نظر لها بفضول سائلاً: "إيه الأمانة دي يا حاجة." نظرت نحو قسمت وتبسمت: "قسمت هي الأمانة، أنا جايه أخطبها لابن أختي، اللي في مقام ابني الصغير... وعارفه إنك مش هتكسفني وهتوافق... ده دكتور وقدامه المستقبل." شعر بإحراج وتحنح قائلاً: "مش لازم أشوفه الأول وأسأل عنه وأعرف أخلاقه." ابتسمت رحيمة قائلة: "انت شوفته قبل كده، وقسمت تشهد على أخلاقه، هو صحيح هوائي بس وقت الجد راجل ويسد، تربيتي." زاد الحرج لدى والد قسمت وتبسم قائلاً:

"ميمنعش برضوا أشوفه تاني." ابتسمت رحيمة وغمزت لـ قسمت التي شعرت بالخجل ونهضت خرجت من الغرفة قائلة: "حقك... عشر دقايق وهتلاقيه هنا." بالفعل قبل مرور عشر دقائق صدح رنين باب الشقة. فتحت قسمت الباب وتبسمت لـ إسماعيل الذي سأل بترقب: "ها باباك مزاجه هادي، أنا جبت له بسبوسة تغير عشان ميقولش عليا برجوازي." ضحكت قسمت قائلة: "أيوه طنط رحيمة معاه في الصالون وشكلها أقنعته." ابتسم إسماعيل وهو يدخل إلى غرفة الضيوف.

تبسمت رحيمة وقالت بفخر: "تعالى يا إسماعيل سلم على أبو قسمت." نظر والد قسمت إلى إسماعيل بعد أن كان هادئًا انتفض واقفًا يقول: "مستحيل أجوز بنتي لسليل البرجوازي." نظر إسماعيل نحو رحيمة التي نهضت واقفة تسأل: "هو إيه البر بر بزواجي ده يا أخويا، وبعدين إنت هترجع في كلامك معايا، مش من شوية كنت بتقول أنا أجهزها وأجيبهالك لحد عندك، أهو إسماعيل ده ابني كده هتكسفني جدامه." تردد والد قسمت بحرج وهدأ قليلاً ثم قال باعتراض:

"يا حاجة... قاطعته رحيمة بنظرة عتاب قائلة: "هتقول إيه، خلينا نفرح بالعيال وأنا أضمنلك إن إسماعيل هيصون بنتك في عيني." تردد والد قسمت لكن بحنكة رحيمة أقنعته، فقال باندفاع: "تمام أنا موافق، بس الجواز يكون خلال شهرين بالكتير، والعفش والشبكة وتجهيزات الشقة كمان عليه." كاد إسماعيل أن يعترض لكن رحيمة قاطعته وقالت: "أنا كنت هقول كده أنا عاوزة أفرح بالعيال." نظر لها إسماعيل وصمت.

دقائق كان والد قسمت يتحدث وهو يتشرط وكلما حاول اسماعيل أن يعترض كانت رحيمة تنظر له فيصمت. بعد وقت من المفاوضات. نهضت رحيمة بابتسامة قائلة: "كده تمام قوي قوي... إحنا شارين قسمت." تهكم إسماعيل وهو مازال متمسك بعبوة البسبوسة، حتى ذهب إلى خلف باب المنزل. مدت قسمت يدها تقول: "مش إنت جايب البسبوسة دي لبابا هات ها." تمسك بالعبوة قائلاً:

"أبدًا أنا هحتفظ بالسبوسة دي أكلها في السكة أبلع بها اللي شوفته وسمعته من أبوكِ، أبوكِ ده بيقول عليا برجوازي، وهو استغلالي... نظرت له قسمت باحتقان. فنظر نحو رحيمة التي تخرج من غرفة الضيوف ومازال والد قسمت ووالدتها يتحدثان معها يتمسكان أن تجلس معهما بعض الوقت. لكن حين رأى إسماعيل يقف مع قسمت شعر بالغضب وقال: "نسيت يا حاجة أقولك أن إنتِ عارفه إني ربنا رزقني بتلات بنات وأخاف عليهم.... قاطعته رحيمة:

"إسماعيل هيبقى أخوهم الكبير، وإحنا نكتب الكتاب مع الخطوبة." تهكم إسماعيل بنزق هامساً لنفسه: "أخوهم يا خالتي، هتسوي سمعتي من دلوقتي مع راجل استغلالي، بس أكتب كتابي على قسمت لأخليك تمسك سلك الكهربا عريان وأظبط لك فيوزات مخك يا راجل يا استغلالي." مساءً بـ دار العوامري كان الجميع ينتظر عودة سراج بعدما اتصلوا عليه وعلموا أنه بخير. لكن مازال القلق يساور عمران، كذلك ثريا وإن كانت تظهر عكس ذلك بهدوئها.

بمجرد أن دخل سراج إلى المندرة نهضت ولاء برياء وقامت باحتضان سراج تمثل الحنان. لكن لابد أن تبخ سمها وقالت بقصد وهي تنظر نحو ثريا: "زي ما يكون دخل عليا وافد جديد نحس للدار." لم تبالي ثريا ونهضت رحيمة واقتربت من سراج وجذبته من ولاء. احتضنته قائلة: "ربنا نجاك يا ولدي، مفيش حاجة اسمها نحس.. ده قدر، وربنا قدر ولطف عشان مش رايد يوجع قلب محبينك."

تبسم سراج وهو يحتضنها بقبول عكس ما فعل مع ولاء التي اشتعل قلبها حقداً، وهي ترى سراج عيناه ترافق ثريا التي كانت آخر من تحدثت باختصار: "حمد الله على سلامتك." أومأ لها مبتسماً، ربما كان يريد منها هي عناق وقبلة. بعد وقت نهضت رحيمة قائلة: "كفاية كده قوم يا سراج اطلع شقتك مع مراتك كفاية كده إنت لازم ترتاح." وافق سراج ونهض بينما ثريا كانت جالسة تتحدث هي وإيمان وحنان. لم تنتبه إلا حين وجهت رحيمة نظرها لها قائلة:

"قومي يا ثريا اطلعي مع جوزك، أكيد زمانه تعبان والست هي راحة جوزها." أصابت خالته حين قالت ذلك حقًا. حضن من ثريا الآن هو راحته. امتثلت ثريا وذهبت مع سراج، بينما جلست رحيمة بين إيمان وحنان وتبسمت لهن قائلة: "قولولي يا زينة الحلوين كنتوا بتتحدثوا في إيه." نظرت لها ولاء بغضب وانتفضت من قبولهن لها ونهضت قائلة: "الحمد لله اطمنت على سراج أنه بخير هروح داري الحمد لله إن ليا دار مش عالة على حد."

سمعتها رحيمة ولم تبالي بحديثها وهي تندمج في الحديث بألفة معهن. تعلم أنها قصدت ذلك الحديث الماسخ، لكن لن تعطيها فرصة بالرد على تفاهتها. غادرت ولاء تلعن وتسب الجميع. بشقة سراج

انشغلت ثريا بالحديث عبر الهاتف مع والدتها التي كانت تطمئن على سراج. كان سراج بذاك الوقت دخل إلى غرفة النوم بعد أن حدثها بنفسه ثم أعطى الهاتف لـ ثريا تستكمل حديثها مع والدتها. زفرت نفسها وهي تتجه إلى غرفة النوم. وجدت سراج كان قد خلع قميصه وأصبح نصف عاري. رأته يُجعد ملامحه دليلًا على شعوره بالألم. وهو يجذب زي منزلي كي يرتديه. وبتلقائية منها اقتربت منه وأمسكت ذاك القميص قائلة:

"خليني أساعدك يا سراج مش هتعرف تلبس الفانلة دي بسبب وجع إيدك، هجيبلك ترنج بسوستة سهل اللبس عن الفانلة دي."

استسلم لها وانتظر عودتها بذاك الزي المفتوح من الأمام. وضعته فوق كتفيه وساعدته على ارتدائه. كان يشعر بألم طفيف، لكن كان لديه رغبة في ضم ثريا بين يديه. بالفعل فعل ذلك وحاوطها بيديه. رفعت ثريا نظرها ونظرت له. كانت نظرة صافية، أشعلت قلبه وقلبها. لم تشعر سوا بأنفاسه تقترب من وجهها وشفاه تلامس وجنتيها وهي تنتظر منه قبلة. وهو كان يود ذلك. ضم شفتيها بين شفتيه في قبلة كانت بطعم الدواء تسكن من آلامهما. في سفح الجبل

دخل ذاك المجرم يلهث. توقف يشهر سلاحه حين رأى نيران مشتعلة بذاك المكان. لكن سرعان ما أخفض سلاحه وابتسم بحبور وهو يرحب بذاك الجالس قائلاً: "الجبل نور بـ 'سيد كل الناس'. من زمان يا باشا مجتش للجبل." نظر له الآخر وهو يقول بغرور: "فعلًا من زمان مجتش الجبل من يوم الحادثة... بس أنا شوفت الأخبار، إنت طبعًا اللي نفذت عملية اغتيال سراج العوامري... مين اللي عطاك الأمر بكده." توتر المجرم وتعلثم بالرد قائلاً: "يا باشا.... أنا...

قاطعه بأمر: "مين اللي عطاك الأمر اللي فشلت في تنفيذه وسراج لسه حي وطلع بطل كمان... إنت بتنفذ أوامر مين من ورايا." أجابه وهو يزدرد ريقه الجاف: "إنت عارف يا باشا أنا ولائي كله لسيادتك، اللي طلب مني اغتيال سراج هو قابيل العوامري." "قابيل العوامري" الآن فهم لماذا أقدم على قتله سابقاً بل تيقن من ذلك. السبب "ثريا". كما كان يشك سابقاً قابيل يكن مشاعر لها.

ثريا تلك الخائنة.. التي حتى بموتها لن ينتهي إثمها. تلك الوضيعة التي كانت معه مثل قطعة الحجر ولانت مع سراج وتزوجت به. تستكمل حياتها، تظن أنها تخلصت من براثنه. واهمة. عاود المجرم الحديث بلجلجة: "بس إيه يا باشا اللي خلاك تيجي الليلة الجبل." نظر له بنظرة استهزاء قائلاً: "كان لازم أتأكد من شكي إن قابيل هو اللي ورا اللي حصل مع سراج، بس إنت إزاي توافق تعمل اللي طلبه منك بدون ما ترجع ليا وتقولي الأول." توتر المجرم قائلاً:

"أنا قولت الأمر ممكن يكون مصلحة لسيادتك وقتل سراج يكون انتقام لك هو اتجوز مراتك." نفخ بقوة في تلك النار حتى تجمر لهيبها واشتعل وظهر وجه الآخر مثل وجه شيطان ينصهر من تلك النيران. هلع المجرم من ملامح وجهه وتعلثم بقلب مرتجف يقول: "غيث باشا إنت أنا راجلك المخلص والوحيد اللي يعرف إنك لسه عايش أنا والدكتور اللي كان بيعالجك." نظر له بنظرة شيطانية دموية قائلاً:

"الدكتور الله يرحمه، مبقاش في غيرك بس اللي يعرف إني الشيطان غيث لسه عايش... هلع قلب المجرم وشعر بالغدر. وكاد يصوب سلاحه نحو غيث لكن غيث كان الأسرع. رصاصة واحدة اخترقت رأس المجرم بلحظة تردى أرضاً. وقف غيث بعدها يقترب من جثة ذاك المجرم ينظر إلى تلك الدماء يدهسها أسفل قدميه بنظرة شريرة وهو يتمنى رؤية اثنين تسيل دماءهما هكذا يدهسها بقدميه. الأول... قابيل... ذاك الخائن الذي غدر به من أجل امرأة. الثاني... سراج...

السارق الذي استحل امرأة كان وما زال يتمناها ولم ينالها لسوء حظه. لكن كان ذلك بالماضي. خرج من سفح الجبل وقف على القمة. ظلام دامس بجميع الأنحاء. لكن لمعت عيناه وهو يرى ضياءً يشق السماء يفرق النجوم الصغيرة. كان شهاباً يمر بلحظة خاطفة. اتسعت بسمته وهو يستمتع بأصوات زمجرة الثعالب وعواء الذئاب كأنهما مثل شياطين تتحدث لبعضها تتبارى بالأشرس منهما. مثل عينيه وقلبه المتوعد لعودة الشيطان إلى محرابه القديم.

أصوات مخيفة تبدل. الهدوء إلى صخب ليتلاشي "سكون الليل".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...