الفصل 30 | من 41 فصل

رواية سراج الثريا الفصل الثلاثون 30 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
44
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

قبل قليل أمام بقالة فتحي. تبسم لـ ممدوح الذي توقف أمامه وألقى عليه السلام. نظر له فتحي بإعجاب ثم مدح: "إيه الشياكه دي اللى يشوفك يقول عريس الليلة... عجبال ما أشوفك عريس." إبتسم له ممدوح قائلًا بقبول: "تسلم يا عم فتحي.. وإن شاء الله عن قريب هتشوفني عريس." إبتسم له قائلًا: "إن شاء يا ولدي محظوظه اللى هتبجي من نصيبك كفايه هتبجي حماتها الحجه نجيه أطيب قلب." إبتسم له، بينما عاود فتحي الحديث:

"إنت رايح زفاف إسماعيل العوامري." اومأ له موافقًا. تبسم له فتحي وتنهد بإرتياح: "إنت إبن حلال، خالتك ام رغد ورغد رايحين الفرح وأنا كنت هروح معاهم، لكن واحد من اللى بيجيبوا البضاعه إتصل عليا من شويه وجالى أنه فى الطريق ومش هينفع أقفل البقاله دلوق، خد خالتك ورغد أهم وصلوا أمانه وياك." خفق قلب ممدوح وتبسم قائلًا: "فى رقابتي يا عم فتحي." نظرت زوجة فتحي له، تبسم لها، فهمت بسمته.

بعد قليل كان ممدوح ورغد ومعهم والدتها يدلفون إلى قاعة العُرس. تبسمت والدة رغد قائله: "عقبالك يا ممدوح." إبتسم لها قائلًا: "عن قريب إن شاء الله يا خالتي." لم تلاحظ رغد نظرة ممدوح لها، خفق قلبها بإضطراب خشية أن يذهب ممدوح لغيرها. بينما لاحظت والدة رغد نظرة ممدوح، التى لولا ثقتها هي وزوجها به وبأخلاقه ما كان سمح له بإصطحابهن. بقاعة العُرس.

مازالت رقصة سراج تستحوذ على الإعجاب والتصفيق، لكن النظرات بينه وبين ثريا نظرات موجعة للإثنين. لحظة وتبدلت نظرة عين ثريا التى كادت تدمع، تشعر بتردد فى إتخاذ قرارها. لكن بلحظة اتخذت القرار حين رأت دخول تالين ومعها شخص آخر ذو هيئة ووقار، بالتأكيد والدها. شعرت بحرارة تغزو جسدها وقلبها، أغمضت عينيها تبتلع تلك الغصة المريرة التى تشعر بجفاف حلقها. حسمت قرارها، لم تعُد تستطيع الاستمرار بالوقوف.

تركت سراج يُكمل الرقص وعادت هي تجلس جوار والدتها التى تبسمت لها، وضعت يدها على إحدى كتفيها تبتسم، تشعر بسعادة عكس قلب ثريا البائس. رغم تلك البسمة الكاذبة على شِفاها، لو برغبتها صرخت وبكت وواجهت لماذا يحدث لي ذلك، دائمًا ينتظرني الخذلان. بينما سئم قلب سراج، مازالت بسمته مستمرة. أنهى الرقصة، نظر نحو مكان جلوس ثريا. ظنت أنه لم يبالي بها وهو يذهب نحو تالين ووالداها يستقبلهم بترحاب فاتر.

رغم عكس ذلك ما تشعر به ثريا، جلس معهم خلف إحدى الطاولات. لكن كانت عيناه كانت مراقبة لـ ثريا. لاحظ نهوضها مثل والدتها وخالتها. نهض دون مبالاة، ذهب نحوها. اقترب منها بحميمية وانحنى على أذنها سائلًا: "رايحة فين يا ثريا." أجابته ببساطة: "أمي وخالتي مش متعودين عالسهر كمان أنا صدعت، هنمشي." نظر لها بإحتقان قائلًا: "تمام هكلم السواق يوصل والدتك وخالتك، لكن إنتِ معليشي تعالي على نفسك واستحملي شوية كمان."

كادت تعترض، لكن اقترب من وقفتهم ممدوح الذي تبسم لـ سراج، قام بتهنئته كذلك، استأذن للمغادرة بصحبة والدته وسعديه ورغد ووالدتها. تبسم له مجاملًا. ذهب معهم إلى الخارج. لحظات وعاد، رأى ثريا تجلس جوار رحيمه. توجه نحوهن وجلس جوار ثريا. التى لا تشعر بصداع بل سأم. انحنى على أذنها قائلًا بمزح: "إفردي وشك، واتفرجي على رقص العِرسان، أكيد رقصتهم رومانسية وهتعجبك." لوت شفتيها بسخط. رغمًا عنه تبسم، تلمع عيناه بغرام.

قد تكون نهايته أو بدايته الليلة. الليلة ليلة قرار ثريا وليلة قد تكون خميله ويلتف قلبيهما بخمائل الغرام أو... لا داعي للتفكير آخر الآن. مقابل بسمة ثريا له، رغم يقينه أنها مجرد بسمة خالية من المشاعر.

مع ذلك، رغم أن حقيقة نظرت لـ سراج ثريا كانت بسخافة تلك البسمة، رغم أنها استسخاف منها، لكن كانت مثل عاصفة رياح تضرب صواعق ليس بعقل "غيث" فقط الذي يراقبها مثل الثعلب الجائع الذي ينتظر فرصة وينقض على تلك الفريسة المستمتعة بوشوشات ذاك الوضيع. يود انتزاعها بل تمزيقهما إرباً بنهاية الليلة. أيضًا عقل قابيل الذي ترافقها عيناه عن كثب مثل الثعبان الخبيث الذي يترقب لفريسة لاصطيادها. بنهاية الليلة ستكون له لدغة قاتلة.

عيناه مثل إعصار هادر، لكن يضبط نفسه كي لا يكشف عن نفسه. لديه يقين أن كل الموجودين بالقاعة يستحقون الإبادة وهذا ما سوف يفعله. بالفعل أخرج هاتفه وأرسل رسالة مختصرة فحواها: "عاوز إبادة شاملة محدش يفلت منكم، عاوزها مجزرة." أغلق الهاتف، ينظر إلى تلك السخافات الذي يشعر منها بالغضب. لكن مني نفسه بنهاية الليلة سيقتص ليس ممن سببوا له العجز، بل من الجميع.

فالحسنة تخص والسيئة تعم، وهم ليسوا أسوياء ولا ملائكة، فمنهم من هم أسوأ من الشياطين. بعد وقت قليل نظر قابيل لساعة يده. زفر نفسه بضجر. لاخظت ذلك إيناس، وزغرت هي الأخرى، لا تستهويها تلك السعادة التي تراها أمامها سواء من آدم لـ حنان، مرح إسماعيل مع تلك السخيفة التي أصبحت زوجته. كذلك غريمتها الكبرى، ثريا ورقص سراج معها قبل قليل. شعرت بالغل حين لفت انتباهها نظرة عين قابيل لهما ثم زفره لانفاسه.

دخل شك برأسها، لو كان حقيقيًا قد تقتل ثريا. لا يعقل أن يكون قابيل مغرم بتلك الوضيعة. تذكرت أكثر من مرة كانت ثريا تحاول الحديث معه، وهي حذرته أنها وضيعه تسعى لاسم وسطوة عائلة العوامري. أخبرها كذباً أنها لا يراها سوى أرملة أخيه بالرضاعة. لكن لغباء تفكيرها الليلة يعود الشك بقوة. بالتأكيد تلك الوضيعة ثريا التي تسعى للسطوة قد تجذب زوجها أيضاً بعد فشلها مع سراج. الواضح أنه بدأ يفيق من سطوة سحرها عليه.

عقلها كأنه بهزي بالشئ وعكسه تتملكها الغيرة من كل النساء حولها. مالت على قابيل قائلة: "أنا زهجت." غمز لها بإغراء كاذب قائلًا: "وأنا كمان، أنا بقول نكمل الليلة في دارنا في أوضة نومنا." ذهب الهزيان عن عقلها وهي تشعر بالغبطة. نهضت واقفة هي الأخرى. لاحظت ولاء وقوفهم، نهضت سائلة: "رايحين فين." تبسمت إيناس قائلة: "هنمشي الفرح ممل جوي." شعرت ولاء بسخط، تلوي شفتيها بتبرم قائلة:

"عندك حق، أنا كمان زهجت، وإكده إكده الفرح وجت قليل وهينتهي، خلينا نمشي قبل الزحمة." وافقهما قابيل وخرج ثلاثهم من قاعة العُرس قبل نهاية الفرح. بعد وقت قليل. ضجر والد قسمت من طول فترة الزفاف. ذهب إلى آدم وأخبره بذلك. بالفعل امتثل آدم لذلك وأخبر مدير قاعة العُرس بإنهاء العرس، ثم ذهب نحو إسماعيل وأخبره. نظر له إسماعيل بإمتنان. بعد قليل انتهت رقصة العرسان بنهاية الزفاف. غادروا قاعة العُرس. بالطريق أمام القاعة.

بمجرد صعد العروسين إلى السيارة، وكانت معهم رحيمه كذالك والدة قسمت. انطلقت السيارة وما هي إلا دقيقة حين بدأ خروج المعازيم من قاعة العُرس. اندفعت طلقات الرصاص عشوائية من سيارة نصف نقل، تطلق الرصاص. هلع المعازيم وبدأ الهرج والمرج ومحاولة الابتعاد عن فوهات الرصاص. بسبب تدافعهم سقط البعض وانداس. لحظات كان هناك تدخل من الشرطة واشتبكت مع المجرمين. قبل تلك اللحظات. حين بدأ إطلاق الرصاص، جذب سراج ثريا سريعاً من يدها.

لمح الخوف على ملامحها، ضمها، حاول المرور بعيدًا عن إطلاق الرصاص. أدخلها إلى ركن جانبي بالقاعة بعيدًا عن مرمى الرصاص. كذالك آدم الذي جذب حنان خلفه سريعاً. تقدم ناخية السيارة الخاصة به وأحنى رأسها، وأدهلها إلى السيارة أمرًا: "ماترفعيش رأسك يا حنان." لكن صرخت حين تلقى كتفه إحدى الرصاصات. وضع يده على كتفه وانحنى هو الآخر قائلًا بتطمين: "أنا بخير... أوعي تنزلي من العربية." أنهى قوله وجذب سلاح من صندوق السيارة. هلعت حنان

وقبضت على يده قائلة بسؤال: "إنت رايح فين يا آدم... إنت مصاب كمان الشرطة وصلت أهي... أرجوك... قاطعها قائلًا: "إيمان ومرات أبوي، كمان أبوي... الحمد لله إن والدك ووالدتك مشيوا قبل نهاية الفرح." ترجته حنان لكن لم يسمع لها وأمرها ألا تترجل من السيارة، وإلا انتهى بينهما غصباً. امتثلت. بينما ارتبكت إيمان حين رأت الرصاص يتطاير والمعازيم تهرول بهرجللة تحاول الابتعاد عن الرصاص.

كانت تسير مع والدتها التي ارتاعت هي الأخرى، وجذبت إيمان لحضنها. لكن عادت الشجاعة لإيمان وجذبت يد والدتها تحاول المرور كي تنجو بوالدتها. لكن تفاجئت بيد تسحبها خلفه، وبالتبعية هي تسحب والدتها إلى أن تجنبا خلف أحد الأركان. نظرت بتفاجؤ لذلك الذي مازال يقبض على يدها. ذُهلت حين رأت سلاح بيده، لكن تلجم لسانها من المفاجأة حين قال بأمر: "ماتتحركوش من هنا." قال هذا وعاد للخارج يقوم بالتصويب على المجرمين بمهارة.

هي بسبب فضولها أخرجت رأسها من خلف ذاك الجدار ترا ما يحدث. رآها جسار. عاد نحوهن مرة أخرى وجذبها خلف الجدار قائلًا بأمر: "اتلمي يا إيمان، ده ضرب نار مش شوية أطفال بيلعبوا في الشارع واتخانقوا، هتتفرجي عليهم." نظرت له بغضب سحيق سائلة: "إنت مين يا جسار." نظر لها بسخط قائلًا: "أنا مدرب الأشبال." ثم نظر نحو والدة إيمان قائلًا باحترام:

"لو سمحتِ يا حجة خليكم هنا أمان، وسيطري على عناد إيمان بلاش تطلع رأسها من ورا الجدار، الفضول مش هينفعها." أومأت له فهيمة وهي مرتعبه تجذب يد إيمان تقبض عليها بقوة. لوهلة ابتسم جسار من ملامح إيمان الواضح عليها الغضب والضيق. لكن قالت بقلق: "أبوي وأخواتي لازمن أطمن عليهم." منعها جسار قائلًا:

"سراج أكيد مش جديد عليه اللي بيحصل ده، وحاولي بس دلوقتي تلتزمي، الشرطة بتتعامل مع المجرمين ومسألة وقت والوضع هيهدا وقتها اطمني عليهم، حافظي على نفسك انتِ ومامتك." عاود تركهما مرة أخرى. بينما بالخارج بدأ يهدأ الرصاص بعد أن شبه سيطرت الشرطة على المجرمين وقامت بتصفيتهم. لكن خلف ذلك شبه مجزرة بالمكان، بسبب الإصابات سواء كانت بسبب الرصاص أو تدافع المعازيم تجنبًا للإصابة. حتى عمران الذي استطاع سراج حمايته.

لطم فزع حين رأى آدم مصاباً. كذالك قال بقل كبير: "فهيمة وإيمان فين." أجابه سراج وهو يرى جسار يرفع يده له أنهم بخير، قائلًا: "اطمن يا أبوي بخير." هدأ قلب عمران وأغمض عينيه بارتياح. لكن حين فتح عيناه نظر أمامه ورأى على تلك البناية المقابلة ضوء أحمر صغير، وفوهة سلاح مصوبة نحوهم. كان سراج أمامه بلحظة جذب سراج خلفه وسرعان ما ارتج جسده بقوة متلقياً رصاصة وخلفها أخرى.

قبل الثانية انتبه سراج لمكان إطلاق الرصاصة، سرعان ما صوب سلاحه نحو ذلك. كذالك انتبه جسار وسريعاً تحرك معه بعض الأفراد من الشرطة إلى تلك البناية. بنفس اللحظة انهار جسد عمران قبل أن يصل إلى الأرض. تلقاه آدم الذي تدمعت عينيه. كذالك سراج انحنى عليه ينظر إلى مكان الإصابة، حاول كتم تلك الدماء التي تندفع منه. ثم نظر لـ آدم قائلًا بتسرع: "هجيب العربية بسرعة." أومأ له آدم، لكن عمران أمسك يد سراج بتحذير قائلًا:

"لاه يا ولدي بلاش تتحرك من اهنه لا يرجع ضرب النار تاني... محدش بيوصل عمر حد اللي بتيجي ساعته بيروح...

أنا مش خايف من الموت كفاية إني هقابلها وهطلب منها السماح. أنا عارف إنك من البداية اخترت تروح الكلية الحربية عشان تبعد عني، إنت اللي شفت ووعيت على معاملتي القاسية لـ رحمة، بس صدقني عمري ما كرهتها ولا أنا ارتحت بموتها زي ما جلت لي يوم موتها. إنت كنت بتهرب من اهنه عشان مش طايق تشوف وشي، متأكد إن قلبك عشق ثريا، مع إنك اتجوزتها في البداية عند فيا، كنت عارف إن إصرارك إنك تتجوز ثريا بتتحداني إني في يوم كنت بلوم رحمة على إن

كان في حياتها راجل غيري سبجني. بس صدقني أنا عشجتها يمكن لو كنت عرفت كده قبل ما أتجوزها كنت اتمسكت بها أكتر. ثريا مش زي رحمة يا سراج، ثريا حتى لو كانت ضعيفة بس بتعافر، لكن رحمة كانت مستسلمة دائمًا. وده اللي عجل بعمرها في الوقت اللي أنا فوحت فيه وكنت هعوضها عن قسوتي، هي استسلمت ورحلت. بسببها ظلمت فهيمة عايشة مع راجل قلبه وعقله ساكن مع اللي سكنت القبر، وهي مجرد ست واجهة لراجل عايش عالندم. إنت عشقت ثريا وعرفات قد إيه

العشق لوعة قلب."

قاطعه سراج وهو يضع يده فوق فمه: "بلاش تتحدت كتير يا أبوي، هتبجي بخير." نظر له عمران وهو يتألم يلفظ أنفاسه بصعوبة قائلًا: "متأكد إن كبير العوامريه من بعدي هيبجي عادل ومُتفهم." قاطعه سراج: "بلاش يا أبوي أرجوك وبلاش تكسر ضهري، إنت هتفضل الكبير." قبل أن يعود عمران للحديث، سمعا صوت سارينة إسعاف. نهض سراج غير مبالٍ، وأشار لسيارة الإسعاف أن تقترب من مكانهم.

بتلقائية من عمران مازال يخشي من الخطر على سراج وجذب يده بقوة ضعيفة حتى عاد ينحني عليه. بينما آدم كان آلم إصابة كتفه زال، هناك ألم أقوى وأقسى بل قاصف للكيان وهو يسمع اعتراف والده. يعلم القليل، لكن سراج رأى كل قسوة والده، حتى أنه كان قاسياً عليه بعض الأحيان. اقتربت سيارة الإسعاف، وقف سراج ونزل أحد أفراد الإسعاف بسرير صغير. سريعاً حمل جسد عمران ووضعه فوق ذاك الفراش، آمرًا آدم بعدما أخبره عن مكان ثريا:

"آدم حصلنا عالمستشفى وهات ثريا معاك." أومأ له آدم وحاول تجفيف دموع عينيه وذهب نحو المكان الذي أخبره عنه سراج. رأى ثريا منكمشة على نفسها. بينما قبل لحظات أثناء اختباء ثريا بذاك الركن. شعرت بقلق غريب على سراج رغم شبه اختفاء أصوات الرصاص. حسم قلبها القرار، ستخرج للاطمئنان عليه أنه بخير. لكن تصنمت مكانها حين رأت تلك العينان اللتان تشعان بالشرر. قبل دقائق. اختفى غيث بأحد الأركان الآمنة يشاهد ما يحدث.

خطته تنجح، مجزرة كما أراد، ليتها تحصد الجميع. لكن شعر بالغضب الساحق حين رأى سراج يسحب ثريا يحاول حمايتها. رأى ضمته لها بجسده، شعر بالغضب ود قتلهما الاثنين. راقبهما حتى حين ترك سراج ثريا. وقف لحظات تُذيب المياه الثائرة ما بقي من تعقله. بالفعل راقب مغادرة سراج إلى أن ابتعد وحسم القرار. لا مانع من فيضان يجرف بعقل ثريا الآن. بالفعل اقترب من مكان وجود ثريا.

أزاح عن عينيه تلك النظارة، وكاد يخفض ياقة معطفه ويظهر كل وجهه، لكن بنفس الوقت رأى اقتراب آدم. عاد للخلف وتوارى، لكن بنفس الوقت أصاب جزءً من هدفه وهو رعب وهلع ثريا التي رأته وتلجمت مكانها للحظة ثم عادت تسير للخلف وهي تنظر له بارتعاب. عيناه كانت مثل شعاع مهلك. تمركزت عينيها حولها تدور بالمكان استنجادًا. ذهبت خلف حائط وجلست تنكمش على نفسها تخفض وجهها بين ساقيها، تحاول ألا ترى.

ربما عقلها يوهم لها ذلك، وأن ما تراه ليس سوى وهم كاذب. لكن عقلها يعيد حادثة إطلاق الرصاص عليها سابقاً. كذالك الرصاصة على الفراش، رائحة عطره. كل ذلك يمر أمام عينيها، أصوات الرصاص تجعل قلبها يهجع. وضعت يديها حول أذنيها تغمض عينيها. "وهم... كل ذلك وهم يا ثريا." وعقلها ينفي: "كل ذلك ليس وهم، حقيقة." "غيث مازال حيًا." عقلها يسخر: "حي في دماغك، مش قادرة تتحرري منه، فوقي الوهم ده هيقتلك."

"لاء جبروت غيث الهادر والغادر مازال موجود." "لاء كل ذلك وهم وهل يعود الموتى... ليت ذلك يحدث كان عاد أباها الذي فقدت معه السند. رغم أنه كان بسيطًا، لكن ذكرى مازالت برأسها وهو يطعمها وهي تتدلل. لم يكن ذا ثراء، لكن كان حنون يضحك بوجهها. ذكرى مازالت محفورة لرجل رغم بساطته، لكن كان يحترم زوجته التي كانت تخفي عن أبنائها بعض الطعام من أجله. وهو حين يعود يأخذهم تحت ذراعيه ويطعمهم ويتناول هو القليل."

ذكرى جعلت الخوف للحظات يختفي ورفعت رأسها تفتح عينيها تنظر حولها بريبة. لوهلة سُرعان ما زالت. تنفست الصعداء واعتقدت أن ما رأته كان وهماً مخيفاً. نهضت حين رأت آدم يقترب منها يضع إحدى يديه على كتفه النازف بلهفة سألته: "سراج فين؟ رغم ما يشعر به من أسى على والده، لكن تبسم. لو رأى سراج تلك اللهفة في عينيها وطريقة حديثها لتيقن من عشقها له. أجابها بتطمين: "سراج بخير." نظرت له برجاء قائلة بخفقان قلب: "قولي الحقيقة يا آدم."

أجابها: "والله سراج بخير، هو راح مع أبوي المستشفى." انخضت قائلة: "إيه اللي حصل له، وإنت كمان مصاب خلينا نروح المستشفى بسرعة." وافقها. بعد لحظات كانت ثريا تصعد جوار حنان، وأحد رجال الشرطة هو من قاد السيارة بهم إلى المشفى. بعد قليل. أمام أحد المشافي. ترجل جسار من السيارة ثم خلفه فهيمة وإيمان التي نظرت له باستغراب: "إنت جايبنا المستشفى دي ليه، وبعدين إنت مين أساساً." أجابها بهدوء:

"أنا مين هتعرفي بعدين، بس أنا جبتكم هنا بناءً على أمر سراج." "سراج! هكذا قالتها بتكرار ثم سألته: "إنت تعرف سراج منين." أجابها ببساطة: "سراج يبقى رئيسي." ذُهلت إيمان، لكن بسبب قلق فهيمة تغاضت عن بقية الأسئلة ونحت الذهول فيما بعد. كل ما توده الآن معرفة سبب مجيئهم لهنا. بعد دقائق. بغرفة العناية كان عمران يوضع فوق طاولة العمليات، لكن طلب من الطبيب قبل أن يتعامل مع حالته وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.

علم الطبيب أنها أنفاسه الأخيرة وأنه يحتضر، فنفذ رجاءه الأخير وخرج من غرفة العمليات. نظر نحو سراج الذي اقترب منه مشدوهاً يسأل، لكن الطبيب قال له: "هقولك على الحقيقة، واضح المريض بيحتضر وهو طلب مني إنك تدخل له، ولو كان حد معاه من أولاده يدخل هو كمان." بنفس الوقت كانت إيمان وفهيمة بصحبة جسار يقتربون منه، قطعوا المسافة في لحظة. سمعوا قول الطبيب، ودلفوا إلى الغرفة مباشرةً. توجهوا نحو ذاك الفراش.

سالت دموع عيني فهيمة وإيمان التي لاول مرة تشعر بالضعف. وانحنت على يد عمران تُقبلها، تقول: "أبوي." بينما عمران بالداخل أغمض عينيه بسبب قوة الألم الذي يشعر به، لكن جاءت أمامه صورة رحمة. لأول مرة يراها تبكي كأنها لا تود لها الذهاب إليها. همس اسمها، وهي تنظر لعينيه بدموع صامتة، لكن نظرة عينيها تتحدث بما عجزت عنه، كأنها تقول له: "لا تأتي، ظل معهم." لكن هو لا يستطيع ذلك، فقد نفذ الوقت.

فتح عيني عمران عيناه بتألم يلتقط أنفاسه، نظر إلى إيمان بصعوبة رفع يده وضعها على كتفها، وتفوه: "كان نفسي أسميكِ رحمة... بس هي جائتني في المنام وقالت لي إيمان." نظرت له بعدم فهم وسألته: "بلاش تتحدت كتير يا أبوي هتبقي بخير." تبسم لها قائلًا: "لاه يا إيمان خلاص أنا شايف النهاية قريبة جوي، فين فهيمة." بدموع اقتربت منه فهيمة تشعر باختناق. نظر لها عمران قائلًا:

"سامحيني يا فهيمة عارف إني ظلمتك كتير، زي ما ظلمت غيرك، استحملتي جفاي معايا، سامحيني." انحنت تُقبل رأسه قائلة: "عمري ما شلت منك يا عمران، قلبي مسامحك بس... صمتت حين شعرت بسكون جسد عمران. رفعت وجهها نظرت له كتمتصرخه بجوفها، وإيمان كذالك، لكن انحنت تتوسل له أن يفتح عينيه. لكنها النهاية. اقترب سراج من إيمان وجذبها له يضمها بقوة وهي تنتفض بالبكاء، وهو يحاول السيطرة على دموع عينيه.

يشعر بذنب، كان المقصود قتله هو، وعمران هو من فداه. بغرفة الاستقبال أصرت حنان على آدم أن يداوي جرحه. تركتهم ثريا وذهبت إلى غرفة العمليات بعد أن أخبروهم في الاستقبال. امتثل آدم لذلك بسبب ضعفه بسبب نزيف كتفه. خرج سراج يضم إيمان أسفل ذراعه. نظر نحو جسار وتفوه: "شكرًا لك يا جسار." أومأ له قائلًا: "العفو يا افندم ده واجبي، البقاء لله." بنفس الوقت كانت ثريا تقترب وسمعت عزاء جسار له.

وقفت مكانها تصنمت لم تقترب كأنها التصقت بالأرض. يطن برأسها قول ولاء لها سابقاً بعد مقتل غيث: "إنتِ قدم الشؤم النحس." فاقت من ذاك التصنم، وحسمت قرارها لابد من أن تفترق عن سراج. يكفي ما أصابه من نحس بسببها. استدارت بوجهها وحسمت قرار المغادرة. لكن توقفت مرة أخرى حين رآها سراج. خفق قلبه بلوعة تمنى أن تحتضنه، لكن هي كالعادة تود الفرار. نطق اسمها، توقفت وعادت تنظر نحوه، لكن بدموع.

ربما لم يكن عمران بالمكانة القوية لديها، لكن بسبب سراج التي ترى بوجهه تلك النظرة الخافتة وكأنها احتياج. هو فعلاً يحتاج، يحتاج أن تضمه فقط. بالمشفى بغرفة آدم لم يعرف بوفاة عمران بسبب نزيف الدم. أعطاه الطبيب مخدرًا. لكن حنان علمت بوفاة عمران. ظلت مع آدم مرافقة بالمشفى، تود مساندته حين يعود للوعي ويعلم بوفاة والده. بعد وقت مازال آدم غافياً بسبب تلك المسكنات العلاجية. نظرت له حنان تشعر كأن جسدها هو ما يتألم.

تذكرت كيف احتمت به وهو يجذبها خلفه، لكن تلك الرصاصة الغادرة أصابته. ليتها أصابتها ما كانت شعرت بكل ذاك الألم. سالت دموع عينيها وهي تنحني تضع قبلة على شفتي آدم. بنفس اللحظة انفتح باب الغرفة. استقامت ونظرت نحوه، سرعان ما جحظت عينيها بهلع وهي تشعر كأن صوتها انحشر بداخل حلقها. تنحنت مرة واحدة ثم قالت بحشرجة صوت مرعب: "حفظي! نظر لها حفظي بتشفى تلمع عيناه قائلًا:

"خدتي إيه من جوازتك من ابن العوامرية، قاعدة جنبه كل يوم والتاني في المستشفى تمرضيه. متقلقيش أنا هريحك من المهمة دي وهريحك من آدم نهائي، إنت مالكيش غيري ترجع له." نهضت حنان من مكانها تشعر برعب وقلق وخوف على آدم. بصعوبة نطقت: "حفظي اطلع بره ومتفكرش هسمح لك تأذي آدم." تهكم ساخراً يقول باستهزاء: "حنان بت عمي اللي بتخاف من خيالها هتقف قصادي، للدرجة دي العشق واعر بقلبك." نظرت له بغضب وعينيها تنظر حولها.

وقع بصرها على ذاك مبضع صغير، جوار إحدى قارورات الدواء الزجاجية. استخدمته الممرضة قبل قليل بفتح عنق تلك القارورة الصغيرة حين خلطت محتواها ببعض الأدوية الأخرى ووضعتها بالمحلول الطبي المعلق بيد آدم. ذهبت نحوه وجذبته من سلة المهملات، وسرعان ما توجهت نحو حفظي الذي ينظر لها باستخفاف. لكن لا تستخف بالضعيفة وبالأخص إن كانت عاشقة. بغضب وقوة كأنها نسيت أنها حامل.

أصبحت أمام حفظي الذي يضحك بغلاظة، لكن توقفت ضحكته حين شعر بألم بعنقه ثم إحدى وجنتيه والأخرى. وأصبحت تقوم بقطع وجهه بذاك المبضع، كذالك عنقه. ربما ليست جروح غائرة، لكن مؤلمة وتترك أثر. رفع يده على وجهه، ينظر للدماء على يديه. قبل أن يعطي رد فعل كانت حنان فتحت باب الغرفة قبل أن يفيق من ذهوله ويتهجم عليها. وصرخت، مما أثار الموجودين بالمشفى وتدخل الأمن. كذالك علم سراج الذي مازال بالمشفى، وتوجه إلى تلك الغرفة قلقاً.

بنفس الوقت وصل إسماعيل الذي علم بما حدث بعدما غادر هو وقسمت. لكن وقف مصدوماً يشعر بإعصار يفتك به. كذالك نظرة عيناه لـ سراج الذي سرعان ما ضمه مواسياً. رغم أنه يشعر أنه المسؤول عن وفاة والده. كأنه على شفا الانهيار. «بإعصار يزلزل كيانه.»

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...