المكان غرفة المدرّسين مدرسة الحرية الثانوية
الزمان قبل يوم واحد 19 ديسمبر 2021 - الواحدة ظهرًا
كان الدخان يملأ الغرفة حتى صار كضباب خفيف
يحجب الرؤية.
جلس يوسف وسعيد على الطاولة المقابلة للباب،
يتبادلان أطراف الحديث، شعر سعيد في هذا اليوم وكأن يوسف الذي يحدثه، ليس هو صديقه
القديم. كان يوسف يتحدث وكأن الأفكار لا تأتي من رأسه، بل من مكان أعمق، أبرد،
أقدم. وكانت عيناه تلمعان بنظرة مختلفة؛ نظرة مَن يرى العالم بمنظور مختلف... وكأن
فيهما خبرة عميقة بالنفس البشرية
بينما انفتح الباب فجأة ودخلت هالة وهي تلوّح
بيدها أمام وجهها.
قالت بنفَس ضيق
-
إيه الدخان اللي مغرق الدنيا ده؟! مش ممكن يكون من
سجارتين بس… هو إنتو كنتوا بتحرقوا حاجة ولا ده حشيش؟
ضحك سعيد وهو يطفئ سيجارته في الطفاية
-
حشيش؟! صباح الفل يا هالة… تعالي شوفي دكتور يوسف
بيقول إيه من الصبح، والله دماغه شكلها دماغ حشيش فعلاً.
فتحت هالة أقرب شباك ليتسرّب منه بعض الدخان وقالت
-
بيقول إيه تاني؟
جرّ سعيد كرسياً نحوها بلُطف
-
بيحكيلي عن أرواح بني آدمين وجن وعفاريت، والمشكلة
إنه مصدق نفسه جدًا.
جلست هالة وهي تبتسم
-
يا سيدي ده العفريت مذكور في القرآن… أنا كمان مؤمنة
بوجودهم.
-
أيوه يا سِتّي، العفريت مذكور في القرآن وسورة كاملة
اسمها "الجن"، بس أنا مش بتكلم عن ده… كلام يوسف حاجة تانية خالص.
ثم التفت نحو يوسف وضربه على كتفه وهو يقول
-
ما تنطق يا عم، خلّي هالة تسمع بنفسها اللي بتحكيه
من الصبح. والله هتتفاجئ.
رمَت هالة حقيبتها وبعض الكراسات على الطاولة وقالت
باهتمام
-
بتقول إيه يا دكتور؟ أنا بحب المواضيع دي جدًا.
أشعل يوسف سيجارة جديدة من بقايا القديمة. سحب
منها نفساً طويلاً قبل أن يضع أختها في الطفاية كأنه يدفنها، وقال وهو يزفر الدخان
من فمه
-
هو أنا لسه قلت حاجة؟!
ثم رفع رأسه ببطء. كانت ملامحه ساكنة أكثر من
اللازم، وابتسامته باردة لا تمتّ لوجهه المعروف بصلة.
-
كنت بكلم سعيد عن الأرواح وأنواعها… بحاول أوجد رابط
بين اللي قريته واللي درسته.
كان يتحدث بثقة لم يعرفوها عنه من قبل، وكأن
الكلمات تلقى على لسانه من مكان بعيد، كل جملة تخرج كأنها محفوظة من قديم الزمن،
محفوظة في ذاكرةٍ ليست ذاكرته، قال أخيرا
-
في قاعدة بتقول إن بعض الأفكار لا تظل أفكارًا
طويلاً، لابد لها من تجسيد.
سعيد علّق بسخرية
-
يعني أفكارك دي ممكن تتجسد؟ ... تتحول لجن؟
هالة وهي تحرك الهواء بيديها لطرد الدخان
وتفتح شباكًا آخر
-
ايه هي فكرتك عن الأرواح وأنواعها؟ ويعني إيه أنواع
الأرواح؟
نقر يوسف بأصابعه على الطاولة في توتر وقال
-
لو عايزين تسمعوا، محدش يقاطعني. أخلص كلامي، وبعدين
نتناقش براحتنا.
ابتسمت هالة وعقدت ذراعيها
-
تمام يا "دكتور جو"، كلي آذان صاغية.
-
الله عليك يا يوسف! عرفت تسكتها إزاي؟ ده انتصار
لوحده.
رمقته هالة بنظرة حادة وقالت
-
بلاش هزار يا سعيد، يوسف هيروح بيته، لكن انت معايا،
ومفيش حد هينقذك مني.
-
بهزر يا روحي، أنا ماليش غيرك. يلا يا يوسف، قول
إحنا سمعينك.
رفع يوسف إصبعه إلى فمه إشارة للصمت، ثم أشار
نحو الباب هامسًا
-
هس… عم صلاح داخل دلوقتي بالقهوة.
وبعد لحظات، دخل الساعي يحمل صينية عليها
أكواب الشاي والقهوة.
قال يوسف مبتسمًا
الله عليك يا عم صلاح، جِيت في وقتك.
بعد أن خرج الساعي، سألَت هالة باستغراب
-
عرفت إزاي إنه جاي؟
رد سعيد متحمساً
-
أكيد سمع صوته، ده صلاح ماشي عامل فرح في الطرقة، قولنا
بقى يا يوسف عن موضوع الأرواح ده.
ارتشف يوسف رشفة من قهوته وقال
-
أنا مقتنع إن فيه أرواح، كيانات ليها وجود منفصل عن
الأجساد.
-
قصدك كائنات زي الجن؟
-
لأ، مش بالضبط، قصدي كيانات تانية، ممكن تتحد مع
الجن أو مع البشر.
-
مش فاهمة!
تنهد يوسف ويده ترفع فنجانه، كان يراقب يده
وهي تتحرك في الهواء، بإعجاب غامض. كأن الجسد يستجيب قبل أن يفكر هو بما يفعل.
-
يعني الروح ممكن تكون روح إنسان أو جني، سواء كانوا
أحياء أو أموات. وفيه أرواح للحيوانات كمان… ربنا ذكرها في قصص كتير، زي هدهد
سليمان وحوت يونس وناقة صالح.
-
تمام، كمل.
-
كمان فيه أرواح لخلقٍ تاني، ما نعرفهمش، زي ما ربنا
قال ويخلق ما لا تعلمون.
-
الله عليك يا شيخ يوسف، كمل يا مولانا.
وقف يوسف عند الشباك يحرك يده في الهواء
-
الأرواح دي مش مجرد طيف شبحي زي ما بيصوره في أفلام
الرعب…لا دي شيء مادي ومحسوس، ليه تفكير وإرادة ورغبات، ليه حياة كاملة بيعيشها، كمان
ساعات بيتواصل مع البشر،
بس مش كل الناس تقدرعلى التواصل ده.
لازم يكون عندك قدرة خاصة، موهبة عقلية نادرة.
زي ما في ناس بتسمع ترددات صوت مش بيسمعها حد،
وناس بتشوف ألوان أكتر من الطبيعي،
وفيه اللي بيحس بالأحداث قبل ما تحصل… زي الإدراك المسبق.
-
تقصد الحاسة السادسة؟
-
لأ... حاجة غير كده... الإدراك المسبق هو إنك تحس
بالحاجة قبل ما تحصل. وتحس إنك شفتها قبل كده. كأن الزمن بيتكرر
قالت هالة باهتمام
-
فعلاً، حصلت معايا كذا مرة.
-
بالضبط، بتحصل مع معظم الناس،
-
موضوع عجيب وملوش تفسير علمي
كمان في ظاهرة عكسها تمامًا، اسمها الإدراك الاسترجاعي....
-
بالراحة كده يا دكتور ... يعني ايه؟
-
يعني إنك تعرفي ماضي مش بتاعك. ماضي ما عشتيهوش، ولا سمعتي عنه يا هالة، ولا قريتيه.
بتحسي بيه كأنك كنتي هناك.
كان فيه مثال على كده، طفل قال إنه كان عايش
قبل كده، وليه بيت وأسرة وأحفاد، ولما بحثوا في كلامه، طلع كله حقيقي.
صمَت
لحظة، وكأن عقله ينصت لشيءٍ لا يسمعه أحد غيره.
ثم
تمتم في نفسه دون أن يدري أن أحدهم يسمعه
-
مين قال إن الماضي ملك أصحابه؟ مجرد وعي كان يسكن جسدًا...
مؤقتًا.
نظرت
إليه هالة باستغراب
-
صوتك غريب يا يوسف... كأنك شخص تاني النهارده.
ابتسم
وقال بلا وعي
-
يمكن
أكون فعلاً شخص تاني... بس محدش واخد باله.
ضحك
سعيد محاولاً كسر الصمت:
-
يا نهار
أبيض، هو في إيه يا جماعة؟ دكتور يوسف بيتحوّل ولا إيه؟
لكن يوسف
لم يضحك.
رفع
نظره إلى الشباك، قال بهدوءٍ غريبٍ وكأنه يحدّث أحدًا لا يراه
-
في
الحقيقة... كلنا بنتحوّل.
أخذ
نفسًا عميقًا وقال بنبرة هادئة
-
في ناس
بتقدر تستوعب التحول ده، وفي ناس عقلها ما بيستحملش… بنسميهم مجاذيب، أو مجانين.
ابتسمت هالة وهي تلمّ أغراضها
-
رغم إني مش فاهمة كل حاجة، بس كلامك مش جديد عليا،
سمعت كذا حد بيقول نفس الأفكار قبل كده. العجيب هو حماسك. واضح إنك كنت مستني حد
يسمعك.
-
فعلاً يا هالة، من أول اليوم وهو بيتكلم في الحاجات
دي بحماس غريب، كأنه مذيع توك شو.
رنّ جرس المدرسة بصوت متقطع، فنهض يوسف وهو
يمسك بحقيبته
-
تمام… باين عليّ لقيت جمهور أخيرًا.
قالت هالة وهي تبتسم
-
لا، مش جمهور، دي مناظرة، وأنا طرف فيها.
ضحك يوسف وهو يخطو نحو الباب
-
مناظرة إيه بس، دي دردشة. وبعدين خلينا نكمّلها يوم
تاني.
-
يوم تاني إزاي؟ لازم نكمل النهارده. نروح كافيه بعد
المدرسة.
-
ما انت فاضي يا سعيد، وبعدين مش معقول هالة تيجي
كافيه معانا.
قال سعيد وهو يضحك
-
هالة معايا النهارده، كنا ناويين نروح سيما. بس
والله كلامك أحسن من أي فيلم.
-
يا سلام! قررت لوحدك كده؟ إحنا هنروح السيما وإلا
هيبقى زعل بجد.
همّ يوسف بالمغادرة، وقف يلملم أوراقه، وقال بمرح
-
خليكوا في السيما أحسن… أنا عندي الحصة الأخيرة.
ثم التقط
فنجانه، ارتشف رشفةً طويلة، وخرج ببطءٍ من الغرفة،
حين خرج كان الدخان يتبعه كظله.
لم يلحظ أحد أن يوسف... لم يكن هناك أصلا.
— ✦ —
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!