رواية تلميذ الجن الجزء السادس والخمسين 56 بقلم جمال الحفني تلميذ الجنرواية تلميذ الجن الحلقة السادسة والخمسين من يوم ما شدام سابني وراح مع وفد القبائل، وأنا حاسس إن حاجة كبيرة اتشالت من حياتي..
الغريب إن وجوده كان بالنسبالي طبيعي لدرجة إني مكنتش واخد بالي قد إيه متعود عليه، لكن أول ما اختفى، اكتشفت إن فيه شيء نقص مني، الصحرا بقت أوسع، حتى الشغل اللي طول عمره بينسيني أي حاجة مبقاش قادر يشغلني عنه, كنت أخرج مع فريق المساحة، أمسك الصخور وأفحص الطبقات، وأكتب الملاحظات، لكن دماغي كانت في مكان تاني…
كل شوية ألاقي نفسي ببص حواليا كإني مستني أشوف شدام واقف بعيد، راجع مبتسم واثق وسعيد ويحكيلي اللي حصل معاه, واعمل سيناريو في خيالي كأنه حقيقي، وبعدها أفتكر إن كل دا مش موجود، فارجع أكمل شغلي وأنا مخنوق أكتر من الأول..
مر أسبوع تقريبا على الحال ده، ومرهوب وجرموق كانوا سايبني على راحتي، ولا واحد فيهم حاول يفتح معايا الموضوع من جديد أو يحاول يواسيني, كانوا فاهمين إن الكلام ساعات بيزود الوجع، وإن في حاجات الزمن هو اللي بيهديها..
لحد ما في ليلة، كنت قاعد لوحدي قدام نار صغيرة في قلب الصحرا، باصص للهب من غير ما أفكر في أي حاجة، لقيت جرموق ظهر فجأة قدامي وهو قاعد، ومرهوب وقف وراه مكتف إيده، وباين عليهم إنهم متفقين على حاجة, لأول مرة الاتنين يتفقوا على حاجه من وقت ما بقوا مع بعض! جرموق قالي بلهجة سياسية كأنه بياخدني على قد عقلي, إحنا سايبينك من يوم ما شدام مشي، وقلنا يمكن يوم ولا اتنين وترجع لطبيعتك, لكن واضح إنك كل يوم بتبعد عن طبيعتك أكتر!
ابتسمت ابتسامة باهته وحاولت أرد عليه لكن ملقيتش كلمات مناسبة, فاكتفيت بالابتسام.. مرهوب اتكلم هو كمان وقال, ولو فضلنا مستنيينك تخرجه من دماغك لوحدك ممكن يفضل غايب ولما يرجع يلاقيك اتجنيت ولا حاجه.. كنت حاسس إنهم عايزين يعملوا حاجه وبيمهدوا, بصيتلهم باستغراب وقلت يعني إيه؟ جرموق ابتسم ابتسامة غريبة وقال: يعني عندنا مكان كتير من البشر ميعرفوش عنه حاجة، وحتى أغلب الجن عمرهم ما دخلوه..
الجملة الأخيرة نجحت في لفت انتباهي, وبصيص من الحماسة رجعلي فسألته: مكان إيه دا؟ قال وهو بيقوم عشان يقف: سوق.. ضحكت من غير اقتناع وقلت: يعني هتاخدوني السوق عشان أفك عن نفسي؟ بصلي جرموق كأني قلت أغبى حاجة ممكن تتقال، وقال: إنت فاكر إننا بنتكلم عن سوق البشر؟ سكت شوية،
وبعدين كمل بصوت هادي: في قلب الصحرا، مرة واحدة كل سنة، بيفتح سوق لا قبيلة، ولا يخضع لملك، ولا تنفذ فيه الأحكام، ولا يُسمح فيه بثأر أو قتال, سوق بيجتمع فيه تجار الجن، والسحرة، والدجالين، والباحثين عن الطلاسم، وحتى بعض البشر اللي عرفوا طريقه ودفعوا تمن المعرفة..
ضيقت عيني وفضلت باصص له من غير كلام وأنا بحاول أستوعب شوية المعلومات الجديدة اللي أول مرة أسمعها في حياتي, وعقلي بيحاول يتخيل مكان السوق دا وإيه اللي بيتباع فيه, وإزاي فيه بشر عاديين بيحضروه! مرهوب كمل وقال: ولو دخلته هتنسى شدام كام ساعة على الأقل.. ابتسم جرموق وقال: ولو محصلش على الأقل هتشوف مكان لو عشت ألف سنة في عالم الجن، مش مضمون تشوفه مرتين..
وقتها، لأول مرة من بعد سفر شدام، حسيت إن الفضول بدأ يغلب الحزن، وبدأت أنقل نظراتي بين مرهوب وجرموق والسما.. جرموق قال وهو بيبص ناحية الأفق: قدامنا ساعات قليلة بس، لو اتأخرنا دقيقة واحدةهنفضل نستنى للسنة الجاية.. قمت وأنا لسه مش مستوعب الكلام كله، وسألته: هو السوق ده فين؟ ابتسم جرموق وقال: لو حد عرف مكانه قبل ما يفتح مكنش حد غلب..
مشينا بالعربية مسافة طويلة وسط الصحراء، وأنا على قد ما أعرف المنطقة دي بحكم شغلي، كنت متأكد إننا داخلين ناحية مكان مفيهوش أي حاجة, لا جبال، ولا آبار، ولا حتى طريق قديم, كنا داخلين في بطن الصحرا.. وبعد حوالي ساعتين، طلب مني مرهوب أقف بالعربية.. بصيت حواليا باستغراب وسألته: وقفنا ليه؟ قال بهدوء: مفيش بشر بيكمل بعربيات..
نزلنا، وقفلت العربية، ولسه هسأل هنمشي فين، لقيت جرموق بيطلع من جيبه كيس صغير من الجلد فتحه وطلّع منه حفنة رمل لونها أسود، ورماها قدامنا! الغريب إن الرمل منزلش على الأرض, فضل واقف في الهوا ثواني كأنه بيدرس المكان أو بيستشعر الموقع اللي احنا فيه وبعدين اتحرك لوحده كأنه بيتسحب في اتجاه معين! جرموق قال: رمل السوق كل سنة بيقود الداخلين لمكانه..
مشينا ورا الرمل، وكل ما نمشي شوية كنت أحس إن الدنيا حواليا بتتغير من غير ما أعرف إزاي! النجوم بقت أكتر، والجو أبرد، وحتى صوت خطواتنا على الرمل اختفى, بقيت حاسس إننا ماشيين فوق الأرض لكن الأرض نفسها مبقتش هي الأرض اللي أعرفها! وفجأة وقف جرموق وقال بصوت هادي: وصلنا حرم السوق.. بصيت قدامي لكن مشوفتش حاجة! المكان كان عبارة عن صحرا فاضية, بصيت حاوليا باستغراب وأنا بسألهم وبسأل نفسي: هو فين؟ مرهوب قالي: امشي بس لقدام..
مشيت كام خطوة وأنا مش فاهم وفي اللحظة اللي عديت فيها نقطة معينة، حسيت كأن موجة باردة عدت من جوه جسمي كله، برودة بحس بيها لما طاقة المكان بتتغير فجأة, لدرجة إني وقفت مكاني غصب عني, ساعتها سمعت صوت خافت، مش جاي من مكان معين، لكنه كان حواليا من كل ناحية، بيقول: “من دخل السوق دخل بعهد, فلا يُتبع، ولا يُكشف، ولا يُظلم، حتى يغادر.” بصيت بسرعة ناحية جرموق اللي ابتسم وقال الطلسم اشتغل, سألته: إيه اللي حصل؟
قال: من اللحظة دي لو أكبر متتبع من الجن حاول يعرف إحنا فين هيفشل ولو ساحر رسم ألف طلسم عشان يوصل لينا هيتوه ولو قبيلة كاملة خرجت تدور علينا هترجع من غير أثر.. مرهوب كمل وهو بيبص قدامه: حتى إحنا لو افترقنا جوه السوق من غير ميعاد أو علامة ممكن نقضي أيام بندور على بعض..
لسه هسأله يعني إيه، لكن قبل ما أنطق، بدأت الرمال اللي قدامنا تتحرك ببطء، كأن عاصفة صغيرة بتلف في مكانها. الرمال ارتفعت أكتر وأكتر، لحد ما بقت زي ستارة ضخمة، وبعد ثواني بدأت تنزل على الجانبين بهدوء, وساعتها ظهر السوق! …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!