رواية تمرد برائحة المسك الجزء الثالث 3 بقلم نون تمرد برائحة المسكرواية تمرد برائحة المسك الحلقة الثالثة وقفت مسك وكانت تمسك بلفافة من المخططات الكبيرة، وتجادل المقاول الرئيسي بلهجة حاسمة لا تقبل النقاش. أنا قولت صبة السقف دي تِتوقف فوراً يا بشمهندس نسبة الحديد هنا أقل من اللي في المواصفات وأنا مش همضي على استلام شغل ممكن ينهار فوق دماغ أصحابه بعد كام سنة حاول المقاول التبرير بتوتر
يا فندم دي تعليمات الإدارة لتقليل التكلفة، وإحنا قاطعه صوت سيارة سوداء فخمة (SUV) تتوقف بصرامة على بُعد أمتار منهم. انفتح الباب، ليهبط منه عاصم الدمنهوري كان يرتدي معطفاً صوفياً ونظارة شمسية سوداء مما أضفى عليه هالة من الغموض والهيبة جعلت العمال يتبادلون النظرات بخفوت. تقدم نحوهم بخطوات واثقة خلع نظارته ببطء وعلقها في ياقة قميصه ثم وجه نظراته الحادة كالصقر نحو مِسك، وقال بصوت رخيم في إيه يا بشمهندسة؟ الشغل واقف ليه؟
رفعت ذقنها بتحدي ونظرت في عينيه مباشرة وهي تضرب بإصبعها على المخطط الذي تحمله الشغل واقف لإن الأساسات اللي بتتبني هنا هشة يا عاصم بيه المقاول بيحاول يقلل التكلفة على حساب أمان المبنى، وأنا كمديرة المشروع، قراري هو إيقاف العمل لحد ما تتعدل الكميات نظر عاصم إلى المقاول الذي تراجع خطوة للخلف، ثم عاد بنظره إلى مِسك كان يعلم أنها على حق هندسياً لكنه أراد اختبار صلابتها أمام الجميع قال ببرود وهو يضع يديه في جيوب معطفه
إنتى متخيلة وقف الشغل يوم واحد بيكلف الشركة كام؟ أحياناً بنضطر نقدم تنازلات في حاجات فرعية عشان المركب تمشي اشتعلت عيناها بالغضب، واقتربت منه خطوة وقالت بصوت منخفض لكنه قاطع الأساسات عُمرها ما كانت حاجة فرعية لو الأساسات ضعيفة، أي رياح هتهد المبنى كله. وأنا مابنيش حاجة عشان تقع… لا في الشغل ولا في غيره التقط عاصم الرسالة المبطنة في كلماتها.
كانت تتحدث عن البناية، وعن علاقتهما التي انهارت في الماضي بسبب أساسات الثقة الضعيفة التمعت عيناه بإعجاب خفي بذكائها وشراستها. التفت إلى المقاول وقال بصرامة مرعبة كلام البشمهندسة يتنفذ بالحرف الخامات تتغير فوراً، وأي تأخير هيتخصم من مستحقاتك. انصرف المقاول مسرعاً، وبقيا وحدهما وسط الهياكل الخرسانية غير المكتملة. بدأ المطر يهطل مجدداً، في البداية كقطرات خفيفة، ثم اشتد.
أشار عاصم برأسه نحو إحدى الڤيلات التي بُنيت جدرانها لكنها بلا أبواب أو نوافذ خلينا ندخل جوه نراجع الورق ده قبل ما المطر يغرقه دخلت مِسك أمامه، وفي داخل المبنى الخرساني كان الصوت يتردد ورائحة الأسمنت الرطب تمتزج برائحة المطر… ورائحة عطره المهلك. فردت المخطط على برميل خشبي فارغ، وانحنت تشير إلى الحسابات. اقترب عاصم ليقف بجوارها تماماً كان قريباً جداً لدرجة أنها شعرت بحرارة جسده تخترقها
حاولت التركيز، فقالت بصوت حاولته أن يكون ثابتاً زي ما حضرتك شايف هنا، الحمل على العمدان دي.. لم يكن ينظر إلى الورق. كان ينظر إلى قطرة ماء صغيرة انزلقت من خوذتها البيضاء، لتسير ببطء على خط عنقها الناصع. رفع يده ببطء، وبدل أن يلمس الورق، وضع كفه الكبيرة فوق يدها التي تمسك بالقلم. كانت يده دافئة جداً مقارنة ببرودة الجو. توقفت الكلمات في حلقها. تجمدت للحظة، ثم حاولت سحب يدها بعصبية
لكنها أثناء تراجعها للخلف، تعثرت قدمها بقطعة من حديد التسليح ملقاة على الأرض. كادت أن تسقط، لكن قبل أن تدرك ما يحدث، التفت ذراعه القوية كطوق حول خصرها وجذبها إليه بقوة ساحقة اصطدم صدرها بصدره الصلب وسقطت الخوذة من على رأسها لتتدحرج على الأرضية الخرسانية شهقت مِسك بخضة، ورفعت كفيها لتستند على معطفه. كانا الآن في عزلة تامة داخل المبنى لا يُسمع سوى صوت المطر في الخارج، وصوت أنفاسهما اللاهثة.
نظرت إلى عينيه، فوجدت فيهما عاصفة من الشغف الذي لم يعد قادراً على كبته. كان صدره يعلو ويهبط بعنف وقبضته على خصرها كانت تحمل تملكاً شرساً. همست بصوت متقطع، وقد سقطت كل ألقاب الرسمية بينهما سيبني يا عاصم… لم يفلتها، بل شدّها أقرب حتى انعدمت المسافة تماماً، وانحنى ليهمس بجوار شفتيها المرتجفتين، بصوته الأجش الذي أسكر حواسها مش ده اللي إنتِ قولتيه برا من شوية؟ إنك مابتبنيش حاجة عشان تقع؟ ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصعوبة
أيوة.. مرر إبهامه برقة بالغة على وجنتها الباردة، قبل أن يقول بكلمات حارقة أُمال إزاي قادرة تشوفي الجدار اللي إنتى بتبنيه بيني وبينك عمال ينهار دلوقتي ولسه بتكابري؟ عينيكِ بتصرخ إنك عايزاني زي ما أنا بموت عشانك، وإنتِ لسه بتعاندي أغمضت عينيها، تحارب رغبة عارمة في البكاء، وفي رمي نفسها بين ذراعيه للأبد لكن كرامتها التي نُزفت يوماً ما صرخت بداخلها
فتحت عينيها بقوة، ودفعت صدره بكفيها، وقالت بنبرة ممزقة بين العشق والكبرياء الجدار ده إنت اللي بنيته يوم ما تخليت عني. وأنا مش هسمحلك تهدني تاني لمجرد إن وحشك طعم السيطرة توقع منها هذا الرد، وتوقع أن تهرب مجدداً لكنه هذه المرة لم يتركها تنهي الحوار كمنتصرة بدلاً من أن يحاول تقبيلها كما كانت تتوقع وتخشى في آن واحد، أفلت خصرها ببطء شديد، وانحنى ليلتقط خوذتها من الأرض.
وقف أمامها مجدداً، ونفض الغبار عن الخوذة بهدوء قاتل، ثم وضعها على رأسها برفق، وعدّل وضعيتها. اقترب بوجهه حتى تلامست أنوفهما، وقال بهمس خطير ومزلزل، خالى من أي غضب مليء بوعدٍ يثير الرعب واللذة معاً أنا مش عايز سيطرة يا مِسك… أنا عايزك إنتى ومبنيش جدار، أنا بنيت حصن عشان أحميكِ مني ومنهم. بس طالما إنتِ قررتي تنزلي ساحة المعركة… يبقى استعدي، لإن الجدار ده أنا ههده فوق دماغ كبريائنا إحنا الاتنين
تراجع للخلف بخطوة واسعة، رمقها بنظرة أخيرة جعلت النيران تشتعل في أوردتها واستدار ليغادر المبنى الخرساني تاركاً إياها تستند على الحائط خلفها تلتقط أنفاسها المبعثرة، وتعلم علم اليقين… أن حصونها قد بدأت بالفعل في الانهيار لقراءة الفصل التالي : لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية تمرد برائحة المسك) مدونة كامومنذ 6 ساعات 0 3 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!