رواية تمرد برائحة المسك الجزء السادس 6 بقلم نون تمرد برائحة المسكرواية تمرد برائحة المسك الحلقة السادسة كانت القبلة كاصطدام نيزكين في سماء مظلمة. لم تكن قبلة رقيقة تعتذر عن غياب السنين، بل كانت حرباً شرسة؛ عقاباً ممزوجاً بشغفٍ جائع لا يرحم. في الثواني الأولى، تجمدت “مِسك” تحت وطأة صدمتها، لكن سرعان ما اشتعلت نيران تمردها. لم تستسلم كأنثى ضعيفة تنتظر الخلاص، بل بادلته الهجوم بضراوة أذهلته.
تخللت أصابعها خصلات شعره الكثيف بقوة، وشدته إليها لتثبت له أنها لا تخشاه، ثم، وفي قمة اندماجه وانهيار حصونه، فعلت ما لم يتوقعه أبداً.. عضت شفته السفلية بقسوة جعلته يئن بخفوت ويتراجع للخلف وفي تلك الفجوة الزمنية، دفعت صدره الصلب بكل ما أوتيت من قوة لتفلت من حصاره. وقف عاصم يلهث، صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه تلمعان ببريق الانتصار رغم الألم الخفيف في شفته، ظناً منه أنه أخيراً أثبت ضعفها أمامه.
مسح على فكه بظهر يده وقال بصوت أجش يقطر غروراً: ـ “شُفتي؟ إنتِ أضعف من إنك تقاوميني يا مِسك. كبريائك ده مجرد قشرة كدابة والحقيقة إنك لسه ملكي.” وقفت مِسك أمامه، تلهث هي الأخرى، وجهها متورد وشعرها مبعثر، لكن عينيها.. عينيها كانتا تشعان ببرود مرعب، برود يسبق العواصف المدمرة. رفعت يدها ببطء، ومسحت شفتيها بظهر كفها في حركة تحمل احتقاراً مقصوداً، ثم أطلقت ضحكة خافتة.. ضحكة ساخرة، مجروحة، ومزلزلة. ـ “ملكك؟
نطقتها بصوت هادئ ومخيف، ثم تقدمت نحوه خطوة بدلاً من التراجع، رافعة رأسها بشموخ لا يُقهر “غرورك ده هو اللي هيقتلك يا عاصم . إنت متخيل إنك بتتحكم في مصاير الناس؟ متخيل إنك يوم ما بعدتني عنك من تلات سنين، كنت البطل اللي بيضحي بقلبه عشان يحميني من صراعات عيلتك؟ عقد عاصم حاجبيه، وتلاشت ابتسامة الانتصار من وجهه ليحل محلها توتر حاد. “أنا عملت كده عشان مكانش ينفع تبقي في النص بيني وبين عمي في الحرب اللي كانت دايرة.
أنا طردتك عشان تعيشي ضربت مِسك بكفها على الطاولة الزجاجية بجوارها بقوة جعلت عاصم ينتفض، وصرخت بصوت حمل قهر ألف ليلة “إنت مطردتنيش يا عاصم… أنا اللي اخترت أمشي! أنا اللي اشتريت عرشك ده بدم قلبي! تراجع عاصم خطوة لا إرادية للخلف وقال بصوت مهزوز لأول مرة “إنتِ بتقولي إيه؟ اجبرت مِسك دموعها كي لا تسقط، واقتربت منه حتى لامس سبابتها صدره، تدفعه بقوة مع كل كلمة تنطقها كأنها تطعنه
ـ”عمك مهددنيش أنا يا عاصم.. عمك هددني بيك إنت! جابلي ورق التلاعب في المناقصات اللي هو زوره بتوقيعك، وقالي كلمة واحدة لو يا مِسك مفارقتش حياتة ومسافرتش برا مصر، الورق ده هيكون على مكتب النائب العام الصبح وعاصم الدمنهوري هيلبس بدلة السجن وتاريخه ينتهي.” اتسعت حدقتا عاصم بصدمة شلت أطرافه. الدم انسحب من وجهه بالكامل، وشعر وكأن الأرض تميد من تحت قدميه. همس بضياع “ورق.. ورق إيه؟ عمي مستحيل…” قاطعته بضحكة باكية قاسية:
ـ “مستحيل؟ ده اللي إنت مكنتش شايفه لإنك كنت مشغول بتمثيل دور المنقذ إنت مفكر إنك كسرتني عشان تحميني؟ الحقيقة يا عاصم بيه، إن أنا اللي مسكت سكينة وقطعت بيها روحي عشان إنت تفضل واقف على رجلك! أنا اللي قعدت في غربة تلات سنين بتعذب كل ليلة، عشان اسم عاصم الدمنهوري يفضل بيلالي في السوق عشان غرورك ده يفضل سليم تراجعت خطوة للخلف، تنظر إليه من قمة رأسها إلى أخمص قدميه بنظرة شفقة حطمت كبرياءه الذي بناه لسنوات
“عشان كده أنا مابقتش الفتاة الساذجة اللي بتترعش لما تقرب منها. لإن الراجل اللي أنا ضحيت بعمري عشانه، كان أضعف من إنه يشوف الحقيقة، وأغبى من إنه يثق فيا ويحارب معايا. إنت مبتحبنيش يا عاصم.. إنت بتحب السيطرة عليا كان عاصم يقف كتمثال من الجليد. كل قناعاته، كل التبريرات التي وضعها لنفسه ليهدئ ضميره طوال ثلاث سنوات
انهارت في ثانية واحدة. لقد ظن نفسه “الباتمان” الذي يراقبها من بعيد ليحميها، ليكتشف أنه كان مجرد “بيادق” في رقعة شطرنج كانت هي من تتلقى فيها الضربات دفاعاً عن مَلكِها التهبت عيناه بالدموع التي رفضت السقوط، وحاول أن يمد يده إليها، يده التي كانت ترتجف بوضوح لأول مرة في حياته، وقال بصوت متصدع، ممزق ـ “مِسك… أنا… أنا مكنتش أعرف… قسماً بالله ما كنت أعرف.” نظرت إلى يده الممتدة، ثم رفعت عينيها إليه ببرود قاطع:
ودي المشكلة يا عاصم.. إنك دايماً بتعرف متأخر.” استدارت مِسك، التقطت حاسوبها المحمول، وتوجهت نحو باب غرفتها. وقبل أن تدير مقبض الباب، التفتت إليه نصف التفاتة، وأطلقت رصاصة على غروره القبلة بتاعت من شوية دي، اعتبرها تبرع مني لغرورك المجروح. بس ورايح، علاقتنا هي علاقة شغل، ولو حاولت تتخطى حدودك تاني… أنا اللي هقدم استقالتي وهختفي من حياتك، بس المرة دي، بمزاجي مش غصب عني.” أغلقت الباب خلفها
بقي عاصم وحده في صالة الجناح. سقط على ركبتيه ببطء أمام النافذة الزجاجية، غير قادر على استيعاب حجم الخطيئة التي ارتكبها في حقها وحق نفسه . نظر إلى الزجاج الذي كانت تستند إليه منذ لحظات، ورفع قبضته المرتجفة، وبكل ما أوتي من قهر، غضب وندم، ضرب الزجاج المقوى بضربة عنيفة أحدثت فيه شرخاً كبيراً، بينما سالت قطرات من الدماء من مفاصل أصابعه، الإمبراطور لم يُهزم فقط… الإمبراطور سقط من على عرشه، وتحطم كلياً.
لقراءة الفصل التالي : لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية تمرد برائحة المسك) مدونة كامومنذ 16 ساعة 0 3 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!